← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 622

كشاف القناع عن متن الإقناع - ط وزارة العدل

البهوتي

Полный текст (7 407 стр.). Показаны 6511–6550 · переход к 6516.

стр. 6511

المرأةَ انْطَلَقَتْ فوَلَدَتْ غُلامًا، فجاءتْ به إلى النبي ﷺ ، فقال (١): انْطَلِقي فتَطهَّري من الدَّم" رواه أبو داود (٢). (وقال أبو بكر: يُقام عليها الحَدُّ في الحال بسَوْطٍ يؤمنُ معه التلف، فإن خِيفَ عليها من السَّوطِ، أُقيم) الحَدُّ (بالعُثكول وأطراف الثياب) كالمريض (وتقدَّم بعض ذلك في استيفاء القِصاص (٣). ويؤخر) إقامة الحَدّ على (سكرانَ حتى يصحوَ) ليحصُل المقصود من إقامة الحَدّ، وهو الزجر (فلو خالف وحَدَّه) أي: السكران قبل صحوه (سقط) قال في "المنتهى" و"شرحه": إن أحسَّ بألم الضرب وإلا فلا؛ لأنه لم يوجد ما يزجره (ويؤخَّر قَطْعٌ خوفَ تلفٍ) أي: موت المحدود بالقطع؛ لأنه حَيف. (وإن مات) المحدود (في حَدٍّ أو قطع سرقة، أو تعزير، أو تأديب معتاد) من سلطان، أو معلّم، أو والد، أو زوج (وتقدم في الدياتِ (٤)، فلا ضمان عليه) أي: على أحدٍ؛ لأنه حَدٌّ وجب لله تعالى، فلم يجب فيه

стр. 6512

شيء؛ ولأنه نائب عن الله؛ ولأنه مأذون فيه شرعًا، كسراية القِصاص (إن لم يلزم التأخير، فإن لزم) التأخير بأن خيف التلف من القطع (ولم يؤخَّر) القطع (ضمن) القاطع المقطوع إن سرى إليه؛ لأنه غير مأذون فيه إذًا. (وإن زاد) الجلاد (في الحَدِّ سوطًا أو أكثر، عمدًا أو خطأً، أو) زاد (في السوط) بأن ضرب بأكبر مما تقدَّم (١) أنه يُضرب به (أو اعتمد) الجلاد (في ضَرْبه، أو) ضَرَبه (بسوط لا يحتمله) لمرض أو نحوه (ضَمِنه) لأنه تلِف بعدوانه، أشبه ما لو ضربه في غير الحَدِّ (بكل الدية) لأنه قتل حصل من جهة الله تعالى وعدوان الضارب، فكان الضمان على الضارب، كما لو ضرب مريضًا سوطًا فقتله، و (كما إذا ألقى على سفينة موقَرَة (٢) حجرًا فغرَّقها. فإن كانت الزيادة من الجلاد من غير أمر) أحد (فالضمان على عاقلته) إن كان خطأ كسائر أنواع الخطأ. (ومن أُمر بزيادة، فزاد جاهلًا تحريمها) أي: الزيادة، فتلف المضروب (ضمنه الآمر) كما لو أمر بالقتل مكلّفًا يجهل تحريمه (وإلا) أي: وإن لم يكن الضارب جاهلًا تحريم الزيادة، ضمنه (الضارب) لأنه غير معذور، وكمن أمر بالقتل مكلّفًا يعلم تحريمه. (وإن تعمَّده) أي: الزائد (العادُّ فقط) ضَمِنه وحدَه دون الضارب وغيره (أو أخطأ) العادُّ (في العدد، وادعى الضارب الجهل؛ ضمنه العادُّ) هكذا في بعض النسخ، وقاله في "الإنصاف" وغيره، وفي بعضها

стр. 6513

مشطوب عليه، وليس بظاهر. (وتعمُّد الإمام الزيادة) في الضرب (شِبه عَمْدٍ تحمله العاقلة) لأن الدية واجبت بخطئه، فكانت على عاقلته، كما لو رمى صيدًا فقتل آدميًّا، وليس ذلك من خطئه في حكمه ليكون في بيت المال. (وإن كان الحَدّ رجمًا؛ لم يُحفَر له) أي: المرجوم (رجلًا كان أو امرأة) لأنه ﵊ لم يَحفِر لماعز، قال أبو سعيد: "لمَّا أمرَ رسولُ الله ﷺ برجمِ ماعزٍ، خرجْنَا به إلى البقيع، فوالله ما حَفَرْنا لهُ ولا وثقنا، ولكنْ قام لنا" رواه أحمد ومسلم (١). والمرأة كذلك؛ نصرهُ في "المغني"؛ لأن أكثر الأحاديث على ترك الحفر، وسواء (ثبت) الزنى (ببينة أو إقرار. وتُشَدُّ ثيابُ المرأةِ؛ لئلا تنكشف) لحديث عمران بن حصين قال: فأمرَ بها النبيُّ ﷺ فشُدَّتْ عليها ثِيابُها" رواه أبو داود (٢). (و السُّنة أن يَدُور الناسُ حول المرجوم من كل جانب كالدائرة؛ إن كان ثبت ببينة) لأنه لا حاجة إلى تمكينه من الهرب و (لا) يُسَنُّ ذلك إن كان زناه ثبت (بإقرار؛ لاحتمال أن يهرب، فَيُترك) ولا يُتَمَّم عليه الحَدُّ. (ويُسنُّ حضورُ شهودِ الزنى وبداءتهم) أي: الشهود (بالرجم. وإن كان) الزنى (ثبت بإقرار) الزاني (بدأ به الإمام أو الحاكم؛ إن كان ثبت عنده، ثم يرجم الناس) لما روي سعيد بإسناده عن علي: "الرَّجمُ رجْمَان: فما كان منه بإقْرار، فأوَّلُ مَنْ يرجُمُ الإمامُ، ثم الناس، وما كان

стр. 6514

بيِّنة، فأول من يرجُمُ البَيِّنةُ، ثمَّ الناسُ" (١)؛ ولأن فعل ذلك أبعد لهم من التُّهمة في الكذب عليه. (ويجب حضورُ الإمام أو نائبه في كُلِّ حَدٍّ) لله أو لآدمي، كما في استيفاء القِصاص (٢) (ومن أذن له) الإمام (في إقامة الحَدّ فهو نائبه) يكفي حضوره؛ لقوله ﷺ : "وامضِ يا أُنيسُ إلى امرأةِ هذا فإنْ أقرَّت فارْجُمها" (٣). (ويجب حضور طائفة في حد الزنى) لقوله تعالى: ﴿وَلِيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةً مِنَ الْمُؤمِنِينَ﴾ (٤) (ولو واحدًا) وهو قول ابن عباس (٥)؛ رواه ابن أبي طلحة. قال في "المبدع": وهو منقطع (مع من يقيم الحَدَّ) لأن الذي يُقيم الحد حاصل (٦) ضرورة، فتعين صرف الأمر إلى غيره. (ومتى رجع المُقِرُّ بحَدِّ زنىً، أو) حَدِّ (سرقة، أو) حَدّ (شُرْب - قَبل الحد - عن إقراره، بأن يقول: كذبت في إقراري، أو) يقول: (لم أفعل ما أقررتُ به، أو) يقول: (رجعتُ عن إقراري، ونحوه) كـ: لم يصدر مني ما

стр. 6515

أقررتُ به (قُبِل منه) رجوعُه (وسقط عنه الحَدُّ) لأن ماعزًا لما هرب، وقال لهم: ردوني إلى النبي ﷺ . قال: "فَهَلَّا تركتُمُوه يَتُوبُ، فيتوب الله عليه" (١) قال ابن عبد البر (٢): ثبت من حديث أبي هريرة وغيره. (وإن رجع) عن إقراره (في أثنائه) أي: الحد (أو هرب) المُقِرُّ في أثناء الحَدِّ (تُرِك وجوبًا) لما تقدم؛ ولأن ذلك شُبهة، والحدود تُدرأ بالشبهات. (وإن قال) المُقِرُّ: (ردُّوني إلى الحاكم؛ وجب رَدّه) إليه؛ لما سبق. (فإن تُمِّمَ عليه الحد ضَمِنَ المتمّمُ) للحد (الراجعَ) عن إقراره

стр. 6516

(بالدية) لأنه قد زال إقراره بالرجوع عنه، و (لا) يضمن (الهاربَ ولا من طلب الرد إلى الحاكم) فَتُمِّمَ عليه الحد؛ لخبر ماعز، وسبق. (ولا قَوَد) على المتمم للحَدّ، ولو على المُصَرّح بالرجوع؛ لأن القِصاص كالحد يُدرأ بالشُّبهة (وإن رُجِم) لثبوت الحَدِّ (ببينة، فهرب؛ لم يُترك) لأن زناه ثبت على وجه لا يبطل برجوعه، فلا يؤثر رجوعه ولا هربه. فصل (وإذا اجتمعت حدودُ الله (١)) تعالى (وفيها قتلٌ، مثل أن سرق، وزنى وهو مُحصَن، وشَرِب) الخمر (وقتل في المحاربة؛ استوفي القتلُ، وسقط سائرها) لما روى سعيد بسنده عن ابن مسعود، أنه قال: إذا اجتمع حدَّانِ أحَدُهما القَتلُ أحاط القَتْلُ بذلك (٢) (٣)؛ ولأن هذه الحدود تُراد لمجرد الزجر، ومع القتل لا حاجة إلى زجره؛ لأنه لا فائدة فيه، ويفارق القِصاص، فإن فيه غرض التشفّي والانتقام، ولا يُقصد به مجرَّد الزجر (لكن ينبغي أن يُقتل للمُحارَبة؛ لأنه حق آدمي) وإنما أثَّرت المحاربة بتَحتُّمِهِ (٤)، وحق الآدمي يجب تقديمه (ويسقط الرجم) كما لو مات. (وإن لم يكن فيها) أي: حدود الله (قتل، فإن كانت من جنس، مثل أن زنى) مرارًا (أو سرق) مرارًا (أو شرب) الخمر (مرارًا، قبل إقامة الحد، أجزأ حَدٌّ واحد، فتتداخل السرقة كغيرها) قال ابن

стр. 6517

المنذر (١): أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم، وذلك لأن الغرض الزجر عن إتيان مثل ذلك في المستقبل، وهو حاصل بالحد الواحد (ولو طالبوا) أي: المسروق منهم (متفرقين) فيكفي القطع للكلِّ (فإن أُقيم عليه الحدُّ) لمعصية (ثم حدثت منه جناية أخرى) توجب الحدَّ (ففيها حَدُّها) كما لو حَنِثَ في يمينه وكَفَّر، ثم حلف أخرى وحَنِثَ فيها. (وإن كانت) الحدود (من أجناس) كما لو زنى وشرب الخمر وسرق ولم يكن محصنًا (استوفيت كلها) قال في "المبدع": بغير خلاف علمناه؛ لأن التداخل إنما هو في الجنس الواحد، فلو سرق وأخذ المال في المحاربة، قُطِع لذلك، ويدخل فيه القطع في السرقة؛ لأن محل القطعين واحد. (ويجب الابتداء بالأخفِّ فالأخفِّ، فإذا شرب) الخمر (وزنى) وهو غير محصن (وسرق، حُدَّ للشرب) لأنه أخف (ثم للزنى، ثم قُطِع) للسرقة، ولا يوالى بين هذه الحدود؛ لأنه ربما يُفضي إلى التلف (ولو بدأ بغير الأخف وقع الموقع) لحصول المقصود، وهو الزجر. (وتُستوفي حقوق الآدميين كلها) سواء كان فيها قتل، أو لم يكن؛ لأن حقَّ الآدمي مبنيٌّ على الشحّ والضيق. (ويُبدأُ بغير قَتْلٍ) لأن البداءة به تفوّت استيفاء باقي الحقوق، فيبدأ (بالأخفِّ فالأخفِّ منها، وجوبًا) كحقوق الله تعالى (فيُحدُّ للقذف، ثم يقطع لغير) الـ (ــسرقة) لأن القطع للسرقة حق لله تعالى (ثم يُقتل. فإن اجتمعت) أي: حدود الآدمي (مع حدود الله تعالى، ولم يتفقا)

стр. 6518

أي: الحَدَّان (في محل واحد، بُدِئ بها) أي: بحدود الآدمي؛ لأنها مبنية على الشُّحِّ والضيق (و) يُبدأ (بالأخفِّ فالأخفِّ، وجوبًا) كما لو انفردت (فإن لم يكن فيها قَتْلٌ استوفيت كلها. ولا يتداخل القذف والشُّرب) لاختلاف جنسهما (فإذا زنى) غير مُحصَن (وشرب) الخمر (وقَذَف) مُحصنًا (وقطع يدًا) عمدًا عدوانًا من مكافئ (قُطِعت يده) قِصاصًا (أولًا) لأن ذلك محض حق آدمي، فَقُدِّم بخلاف القذف، فإنه مختَلَف فيه: هل هو حق لله أو لآدمي؟ (ثم حُدَّ للقذف) لأن الصحيح أنه حقُّ آدمي (ثم) حُدَّ (للشرب) لأنه أخفُّ من الزنى (ثم) حُدَّ (للزنى، فقَدَّموا) أي: الأصحاب (هنا القطعَ على حَدِّ القذف، وهو) أي: حَدُّ القذف (أخفُّ من القطع) لأن القطع محض حق آدمي، بخلاف حَدِّ القذف، كما أشار إليه في "تصحيح الفروع". (وإن كان فيها) أي: الحدود (قَتْلٌ، فإن حدودَ الله) تعالى (تدخل في القتل، سواء كان القتل من حدرد الله) تعالى (كالرجم في الزنى، والقتل في المحاربة، و) القتل (للردة، أو لحقّ آدمي) محض (كالقِصاص) فإنه محض حق الآدمي، بخلاف القتل في المحاربة، فإنه لم يتمحَّض للآدمي؛ لأن تحتُّمه حق الله تعالى، وهو مراده فيما مَرّ، وأما حقوق الآدميين فتستوفى كلها. (ثم إن كان القتل حقًّا لله) تعالى (استوفيت الحقوق كلها متوالية من غير انتظار بُرْءٍ، الأولُ فالأولُ؛ لأنه لا بدَّ من فوات نفسه) أي: المحدود، فلا فائدة في الانتظار. (وإن كان القتل حقًّا لآدمي) كالقِصاص (انتظر باستيفاء) الحد

стр. 6519

(الثاني بُرْؤُه من الأول) لأن فوات نفسه ليس محققًا؛ لأنه قد يعفو وليُّ القِصاص عنه. (وإن اتَّفق حَقُّ الله وحقُّ الآدمي في محلٍّ واحد، كالقتل والقطع قِصاصًا وحَدًّا، مثل أنْ قَتَلَ) عمدًا مكافئًا (وارتدَّ، و) مثل أن (سرق وقطع يدًا) من مكافئ عمدًا (فَيُقطع لهما، ويُقتل لهما) لأن محل الحقين واحد، فتداخلا. (وإن عفا وليُّ الجناية) عن القِصاص (استُوفي الحدُّ) كما لو لم يعفُ. (وذكر ابن البنا: من قَتل بسحرٍ قُتل حدًّا، وللمسحور من ماله) أي: الساحر (ديته، فيُقدَّم حقُّ الله تعالى. انتهى) وصحَّحه في "الإنصاف" في الجنايات، وقطع به المصنف هناك. (وإن سرق وقَتَل في المحاربة ولم يأخذ المال؛ قُتل حتمًا) للقتل (ولم يُصلب) لأنه لم يأخذ مالًا (ولم تُقطع يده) للسرقة؛ لأنه حَدٌّ لله تعالى، فيدخل في القتل (وإن قَتَل مع المحاربة جماعة، قُتِل بالأول حتمًا، ولأولياء الباقين) من القتل (دياتهم) في مال القاتل، كما لو مات؛ لتعذر القِصاص. فصل (ومن قَتل أو قطع طرفًا، أو أتى حدًّا خارج حرم مكة، ثم لجأ إليه، أو لجأ إليه) أي: حرم مكة (حربيٌّ أو مرتد، لم يُستوفَ) الحدُّ (منه) ولم يُقتل (فيه) أي: في حرم مكة، فيحرم استيفاؤه منه - حتى بدون قتل - فيه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (١) أي: فأمِّنوه، فهر خبر أُريد

стр. 6520

به الأمر؛ ولأنه ﷺ حَرَّم سَفْكَ الدم بمكة (١)؛ ولقوله ﷺ : "فإنْ أحَدٌ ترخّص بقتالِ رسُولِ الله ﷺ فقولوا: إنَّ الله أذِن لرسولِهِ ولم يأذنْ لكم" (٢)؛ ولقوله ﷺ : "إن أعدى الناسِ على الله من قَتَلَ في الحرم" رواه أحمد من حديث عبد الله بن عمر (٣) وحديث أبي شريح (٤). وقال ابن عمر: لَوْ وجَدْتُ قاتِل عُمَر في الحرم ما هِجْتُهُ؛ رواه أحمد (٥). (ولكن لا يُبايع، ولا يُشارى) لقول ابن عباس (٦) (ولا يُطعم، ولا

стр. 6521

يُسقى، ولا يؤاكل، ولا يُشارب) لأنه لو أُطعم أو أووي لتمكَّن من الإقامة دائمًا، فيضيع الحق (ولا يُجالس، ولا يؤوى) لما سبق (ويُهجر فلا يكلّمه أحد حتى يخرج) من الحرم؛ ليستوفى منه الحق (لكن يقال له: اتقِ الله واخرج إلى الحلِّ ليستوفي منك الحق الذي قِبَلَك، فإذا خرج أُقيم عليه الحدّ) خارجَ الحرم، رُوي عن عمر (١) رابن عباس (٢) وابن الزبير (٣) (فإن استُوفي ذلك) الحد ونحوه (منه) أي: ممن لجأ إلى الحرم (في الحرم، فقد أساء) لهتكه حُرمة الحرم (ولا شيء عليه) لأنه لم يتجاوز ما وجب له. (وإن فعل ذلك) أي: قتل، أو قطع طرفًا، أو أتى حدًّا، أو ارتد (في الحرم استوفي منه) ما وجب بذلك (فيه) أي: الحرم. قال في "المبدع": بغير خلاف نعلمه. روى الأثرم عن ابن عباس، قال: من أحدث حدثًا في الحرم أُقيم عليه ما أحدث فيه (٤)؛ ولقوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. . .﴾ الآية (٥)، فأباح قَتْلهم عند قتالهم في

стр. 6522

الحرم؛ ولأن أهل الحرم يحتاجون إلى الزجر عن المعاصي، حفظًا لأنفسهم وأموالهم وأعراضهم، ولو لم يُشرع الحدُّ فيه لتعطلت الحدودُ في حقِّهم، وفاتت المصالح التي لا بُدَّ منها. (و لو قوتلوا في الحرم، دفعوا عن أنفسهم فقط) لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوهُمْ (١) عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٢) قُرئ بهما (١)، ذكر ابن الجوزي (٣): أن مجاهدًا وغيره قالوا: الآية محكمة. وفي "التمهيد" (٤): أنها نُسخت بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٥) وفي "الأحكام السلطانية" (٦): تقاتل البُغاة إذا لم يندفع بغيهم إلا به؛ لأنه من حقوق الله، وحفظُها في حَرَمه أولى من إضاعتها. وذكره الماوردي (٧) عن جمهور الفقهاء، ونصَّ عليه الشافعي (٨)، وحمل الخبر على ما يعم إتلافه، كالمنجنيق إذا أمكن إصلاح بدون ذلك. وذكر ابن العربي (٩): لو تغلب فيها كفار أو بغاة وجب قتالهم بالإجماع. وذكر الشيخ تقي الدين (١٠): إنْ تعدى أهل مكة على الركب، دفع الركب كما يدفع

стр. 6523

الصائل، وللإنسان أن يدفع مع الركب، بل يجب إن احتيج إليه. (وفي "الهدي" (١): الطائفة الممتنعة بالحرم من مبايعة الإمام لا تقاتل لا سيما إن كان لها تأويل. وأما حرم مدينة النبي ﷺ ، وسائر البقاع، والأشهرُ الحرم وغيرها) كرمضان (فلا تمنع اقامة حد ولا قِصاص) لعموم الأدلة وعدم المخصص. وأما قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ. . .﴾ الآية (٢)، فتقدم الكلام فيها، وأنها منسوخة عند الجمهور. (ومن أتى حدًّا في الغزو، أو) أتى (ما يوجب قِصاصًا) في الغزو (لم يُستوفَ منه في أرض العدو حتى يرجع إلى دار الإسلام) لخبر بُسْر (٣) بن أرطاة، أنه أتى برجل في الغزاة قد سرق بُخْتية فقال: "لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تُقْطَعُ الأيدي في الغزاةِ لَقَطَعْتُك" رواه أبو داود وغيره (٤). قال في "المبدع": وهو إجماع الصحابة (فـ) ـإذا رجع

стр. 6524

إلى دار الإسلام (يقام عليه) لعموم الآيات والأخبار، وإنما أُخر لعارض وقد زال. (وإن أتَى بشيء من ذلك) أي: حدًّا أو موجب قِصاص (في الثغور أُقيم عليه فيها) قال في "المبدع": بغير خلاف نعلمه؛ لأنها من بلاد الإسلام، والحاجة داعية إلى زجر أهلها، كالحاجة إلى زجر غيرهم. (و إن أتى حدًّا في دار الإسلام ثم دخل دار الحرب، أو أُسر، أُقيم عليه إذا خرج) من دار الحرب؛ لما سبق. "تتمة": الحَدُّ كفَّارة لذلك الذنب، نصَّ عليه (١)؛ للخبر (٢).

стр. 6525

باب حد الزنى (١) (وهو فعل الفاحشة في قُبُلٍ أو دُبُرٍ، وهو من الكبائر العظام) لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (٢)؛ ولما روى ابن مسعود قال: "سألت رسول الله ﷺ : أيُّ الذنبِ أعظَم؟ قال: أنْ تجعَل لله ندًّا وهُو خَلَقك، قال: ثم أيٌّ؟ قال: أن تَقْتُل ولَدَكَ مخافَة أن يَطعم مَعَك، قال: ثمَّ أيٌّ؟ قال: أن تُزاني حَلِيلَةَ جارِكَ" متفق عليه (٣). وكان حدُّه في ابتداء الإسلام الحبسَ في البيت والأذى بالكلام؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ. . .﴾ الآية (٤)، ثم نسخ بما روى مسلم من حديث عبادة مرفوعًا: "خُذوا عني، خذوا عني، البِكر بالبكر جلدُ مائَةٍ وتَغْريبُ عامٍ، والثيِّب بالثيِّب جَلدُ مائةٍ والرَّجْمُ" (٥) ونَسْخُ القرآن بالسنة جائزٌ؛ لأن الكل من عند الله وإن اختلف طريقه، ومن منع ذلك قال: ليس هذا نسخًا، إنما هو تفسير وتبيين له. ويمكن أن يقال: نَسْخه حصل بالقرآن، فإن الجلد في كتاب الله تعالى، والرجم كان فيه، فَنُسخ رَسْمُهُ وبقي حكمُه؛ قاله في "المغني" و"الشرح".

стр. 6526

(إذا زنى مُحصَن وجب رجمُه بالحجارة وغيرها حتى يموت) حكاه ابن حزم إجماعًا (١)، وقد ثبت أنه ﷺ رجم بقوله وفعله في أخبار تشبه التواتر (٢)، وقد أنزله الله تعالى في كتابه، ثم نسخ رسمه وبقي حكمه؛ لقول عمر: كان فيما أنزل الله آية الرجم … ، الخبر؛ متفق عليه (٣). فإن قيل: لو كانت في المصحف لاجتمع العمل بحكمها وثواب تلاوتها؟! قال ابن الجوزي (٤): أجاب ابن عقيل فقال: إنما كان ذلك ليظهر به مقدار طاعة هذه الأمة في المسارعة إلى بذل النفوس بطريق الظن، من غير استقصاء لطلب طريق مقطوع به، كما سارع الخليل ﷺ إلى ذبح ولده بمنام، وهو أدنى طُرُق الوحي وأقلها. (ويتقي) الراجم (الوجه) لشرفه. (ولا يُجلد) المرجوم (قبله) أي: قبل الرجم؛ رُوي عن عمر (٥)

стр. 6527

وعثمان (١)؛ لأنه ﷺ رجم ماعزًا (٢). والغامدية (٣) ولم يجلدهما، وقال: "واغْدُ يا أُنَيسُ إلى امرأةِ هذا فإن اعترفَتْ فارجُمهَا" (٤) ولم يأمر بجلدها. وكان هذا آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ، كما ترشد إليه رواية الأثرم عن أحمد (٥)؛ ولأنه حَدٌّ فيه قَتْلٌ، فلم يجتمع معه الجلد كالردة. (ولا يُنفَى) المرجوم قبل رجمه (وتكون الحجارة) في الرجم (متوسطة كالكَفِّ، فلا ينبغي أن يُثْخَن الموجوم بصخرة كبيرة، ولا أن يطول عليه بحصيات خفيفة) لأنه تعذيبٌ له. (ومن وطئ امرأته ولو) كانت (كتابية في قُبُلها وطئًا حصل به تغييب الحشفة، أو قَدْرها) من مقطوعها (في نكاح صحيح، وهما) أي: الزوجان (بالغان عاقلان حُرَّان ملتزمان، فهما محصَنان) يُرجم مَن زنى منهما بشروطه، ودخل في الملتزمين الذميان، وإنما يُعتبر ذلك في لزوم الحَدِّ، لا في حصول الإحصان، بدليل قوله كغيره: "ويثبت لمستأمنين". (فإن اختلَّ شرطٌ منها) أي: من هذه الشروط التي ذكرت للإحصان (ولو في أحدهما) أي: الزوجين (فلا إحصان لواحد منهما) لأنه وطء لم

стр. 6528

يُحْصِن أحدَ الموطوءين، فلم يُحْصِن الآخر، كالتسري. (فإن عَتَقَا وعقلا وبلغا) أي: الزوجان (بعد النِّكاح، ثم وطئها، صارا محصنين) بالوطء بعد العتق والعقل والبلوغ، كما لو لم يتقدمه وطء آخر. (ولا يحصُل الإحصان بالوطء بملك اليمين) وهو التسري؛ لأنه ليس بنكاح، ولا يثبت له أحكامه (ولا) بوطء (في نكاح فاسد) لما سبق (ولا في نكاح خالٍ عن الوطء) في القُبُل (سواء حصلت فيه خلوة، أو وطء فيما دون الفرج، أو في الدُّبُر؛ أوْ لا) لقوله ﷺ : "الثّيِّبُ بالثّيِّبِ جَلْدُ مائةٍ والرَّجْمُ" (١)، فاعتبر الثيوبة، ولا تحصُل بالعقد. (ويثبت) الإحصان (لمستأمَنَين كذمِّيَّين، ولو مجوسيين، لكن لا يصير المجوسي محصَنًا بنكاح ذي رَحِم محرم) كأخته؛ لأنه لا يُقَرُّ عليه لو ترافع (٢) إلينا، فهو كالنكاح الفاسد، وكذا اليهودي إذا نكح بنت أخيه أو أخته (فلو زنى أحدٌ منهم) أي: أهل (٣) الذمة (وجب الحَدّ) لأن اليهود جاؤوا إلى رسول الله ﷺ بامرأة ورجل منهم قد زنيا "فأمَرَ بهما رسُولُ الله ﷺ فَرُجِما" متفق عليه (٤).

стр. 6529

(ويلزم الإمام إقامة حَدّ بعضهم ببعض) لالتزامهم حكمنا (ومثله القطع بسرقة بعضهم من بعض) لعموم قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (١). (ولا يسقط) حَدّ عن ذمي (بإسلامه) كسائر الحقوق عليه (لكن لا يُقام حَدّ الزنى على مستأمن، نصًّا (٢)) قلت: وكذا حَدّ سرقة وغيره؛ لأنه غير ملتزم لحكمنا، بخلاف الذمي. (قال في "المغني" و"الشرح" في باب القطع في السرقة: لأنه) أي: الزنى (يجب به القتل لنقض العهد، ولا يجب مع القتل حَدٌّ سواه. انتهى. وهذا إذا زنى بمسلمةٍ، وأما إن زنى) المستأمن (بغير مسلمة، فلا يُقام عليه الحَدّ، كالحربي) لعدم التزامه. (وكحَدّ الخمر) فلا يُقام على كافر ولو ذميًّا؛ لأنه يعتقد حِلّه (ولو كان لرجل ولد من امرأته، فقال: ما وطئتُها؛ لم يثبت إحصانه) ولا يُرجم إذا زنى؛ لأن الولد يلحق بإمكان الوطء واحتماله، والإحصان لا يثبت إلا بحقيقة الوطء. (ولو كان لها) أي: للمرأة (ولد من زوج، فأنكرت) المرأة (أن يكون) زوجها (وطئها؛ لم يثبت إحصانها) لما ذكرنا. (ويثبت) إحصانُه (بقوله: وطئتُها، أو جامعتُها، أو بَاضَعْتُها، ويثبت إحصانها بقولها: إنه جامعها، أو باضعها، أو وطئها، وإن قالت) الزوجة: إنه (باشرها (٣)، أو أصابها، أو أتاها، أو دخل بها، أو قاله هو)

стр. 6530

أي: قال الزوج: إنه باشرها، أو أصابها، أو أتاها، أو دخل بها (فينبغي ألا يثبت به الإحصان) لأن هذا يُستعمل في الجماع فيما دون الفرج كثيرًا، فلا يثبت به الإحصان الذي يدرأ بالاحتمال. وقال في "المبدع": والأشهر: أو دخلت بها، أي: إنه يثبت به الإحصان، وقطع به في "المنتهى". (و إذا جُلِد الزاني على أنه بِكْر، ثم بان (١) محصنًا؛ رُجِم) إلى أن يموت؛ لحديث جابر رواه أبو داود (٢)؛ ولأنه حدُّه، والجلد لم يصادف محلًّا. (وإذا رُجِم الزانيان المُسلِمان غُسِّلا وكُفِّنا وصُلِّي عليهما ودُفنا) معنا، كغيرهما من المسلمين؛ لحديث الغامدية، وفيه: "فَرُجِمَتْ وصُلِّي عليها" رواه الترمذي (٣) وقال: حسن صحيح. (وإذا زنى الحُرُّ غيرُ المحصَن من رجل أو امرأة، جُلِد مائة) لقوله

стр. 6531

تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (١) (وغُرِّب عامًا) لقوله ﷺ : "البكرُ بالبِكْرِ جلدُ مائةٍ وتغرِيبُ عَامٍ" (٢)؛ ولأن الخلفاء الراشدين (٣) فعلوا ذلك بالحر غير المحصن، وانتشر، ولم يُعرف لهم مخالف، فكان كالإجماع (إلى مسافة القَصْر) لأن ما دون ذلك في حكم الحضر (في بلد معين) لأن التغريب يتحقق بذلك. (وإن رأى الإمامُ التغريبَ إلى فوق مسافة القصر؛ فَعَل) لتناول الخبر له. (والبدوي يُغَرَّب عن حِلته) بكسر الحاء (وقومِه) إلى مسافة قصر فأكثر (ولا يمكَّن) البدوي (من الإقامة بينهم) أي: بين قومه حتى يمضي العام؛ ليحصُل التغريب. (ولو عَيَّن السلطان جهةً لتغريبه، وطلب الزاني جهةً غيرها؛ تعيَّن ما عيَّنه السلطان) لأن إقامة الحَدِّ للسلطان لا للزاني. (ولو أراد الحاكم تغريبَه، فخرَجَ بنفسه وغاب سنةً، ثم عاد؛ لم يَكْفِهِ في ظاهر كلامهم) لأنه لا يحصُل به الزجر، كما لو جَلَد نفسه. (ولا يُحبس) المغرَّب (في البلد الذي نُفي إليه) لعدم وروده. (فإن عاد) المغرَّب (من تغريبه قبل مضي الحول، أُعيد تغريبه حتى يكمل الحول مسافرًا) لقوله ﷺ : "وتغريب عام" (٢) (ويبني على ما مضى) قبل عوده، فلا يلزمه أن يستأنف؛ لزيادته إذًا عن العام.

стр. 6532

(وتغريب (١) امرأة مع مَحْرم وجوبًا إن تيسَّر) لأنه سفر واجب أشبه سفر الحج (فيخرج) المَحْرَم (معها حتى يُسْكِنَها في موضع، ثم إن شاء رجع) المَحْرَم (إذا أمِنَ عليها) لانقضاء السفر (وإن شاء أقام) المَحْرَم (معها) حتى ينقضي العام. (وإن أبى) المَحْرَم (الخروجَ معها) إلا بأُجرة (بذُلت له الأجرة من مالها) لأن ذلك من مُؤْنة سفرها، أشبه المركوب والنفقة (فإن تعذَّر) أخذ الأجرة منها (فمن بيت المال) لأن فيه مصلحة، أشبه نفقة نفسها إن أمكن. (فإن أبى) المَحْرَم (الخروجَ معها؛ نُفيت وحدها) قال في "الترغيب" وغيره: مع الأمن (كما لو تعذَّر) المحرم؛ لأنه لا سبيل إلى تأخيره (كسفر الهجرة، وسفر الحج إذا مات المَحْرَم في الطريق) وتقدم (٢). (وقيل: تستأجر امرأة ثقة؛ اختاره جماعة) لأنه لا بُدَّ من شخص يكون معها؛ لأجل حفظها، وحينئذ لم يكن بُدٌّ من امرأة ثقة؛ ليحصُل المقصود من الحفظ. (و إذا (٣) زنى الغريب، غُرِّبَ إلى بلد غير وطنه) ليكون تغريبًا (وإن زنى) المغرَّب (في البلد الذي غُرِّب إليه، غُرِّب إلى غير البلد الذي غُرِّب منه، وتدخل بقية مدة) التغريب (الأول في) التغريب (الثاني؛ لأن الحَدَّين من جنس، فتداخلا) كما سبق (٤).

стр. 6533

فصل (وإن كان الزاني رقيقًا) ذكرًا أو أنثى (فحَدُّه خمسون جلدة) لقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (١) والعذاب المذكور في القرآن الجَلْدُ مائة لا غير، فينصرف التنصيف إليه دون غيره؛ ولقوله ﷺ لعلي: "إذا تَعالتْ من نِفاسِها فاجْلِدُوها خمسين" رواه عبد الله بن أحمد (٢)، ورواه مالك عن عمر (٣). (ولا يُغَرَّب) القِنّ ولا يُعَيّر؛ لأنه ﷺ لم يذكره؛ ولأنه مشغول بخدمة السيد (بكرًا كان) القِنُّ (أو ثيبًا) أي: مزوّجًا. (ولا يُرْجَم هو) أي: القِن (ولا) يُرجَم (المَبعَّض) بل حَدُّه الجلد، كما سبق. (وإذا زنى) الرقيق (ثم عَتَق، فعليه حَدّ الرقيق) اعتبارًا بوقت الوجوب. (ولو زنى حُرٌّ ذمي، ثم لحق بدار) الـ (ـــحرب، ثم سُبي؛ فاسترق؛ حُدَّ حَدَّ الأحرار) من رَجْمٍ أو جَلْد وتغريب؛ لأن المُعتبر وقت الوجوب وقد كان حرًّا. (ولو كان أحد الزانيين حرًّا والآخر رقيقًا) فعلى كُلِّ واحد حَدُّه.

стр. 6534

(أو زنى مُحصَنٌ ببِكْرٍ، فعلى كل واحدٍ حدُّه) لما روى أبو هريرة وزيد بن خالد: "أنَّ رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ ، فقال أحدُهما: إنَّ ابني كان عَسيفًا (١) على هذا فَزنى بامرَأتِهِ، وإني افتَديتُ مِنْهُ بمائَةِ شاةٍ ووليدةٍ، فسألتُ رجالًا من أهل العلم، فقالوا: إنما على ابنك جَلْدُ مائَة وتغريبُ عام، والرجْمُ على امرأة هذا. فقال النبي ﷺ : والذي نفسي بيده لأقضينَّ بَيْنَكما بكتابِ الله تعالى، على ابنك جَلدُ مائةٍ وتغريبُ عامٍ، وجَلَد ابْنَهُ مائةً وغرَّبَهُ عامًا، وأمَر أُنيسًا الأسلمي يأتي امرأة الآخَرِ، فإن اعْترفَتْ فارْجُمها، فاعترفَتْ فرجَمَهَا" متفق عليه (٢). (ولو زنى بعد العتق وقبل العلم به) أي: بالعتق (فعليه حَدُّ الأحرار) ولا أثر لعدم العلم بالعتق. (وإن أُقيم عليه حَدُّ الرقيق قبلَ العلم بحريته، ثم عُلمت) حريته (بعدَ) ذلك (تُمِّم عليه حَدُّ الأحرار) استدراكًا للواجب، فَيُتمم ما بقي من المائة ويُغَرَّب عامًا، وإن وطئ زوجته الحُرَّة بعد العتق ثم زنى قبل العلم، ووجدت شروط الإحصان كلها؛ رُجِم، كما سبق في الحُرِّ الأصلي. (وإن كان) الزاني (نصفُه حرًّا) ونصفه رقيقًا (فحدُّه خمسٌ وسبعون) جلدة؛ لأن أرش جراحته (٣) على النصف من الحُرِّ والنصف من العبد، فكذا جلده (ويُغَرَّب نصف عام) لأن الحُرَّ تغريبه عام والعبد لا تغريب عليه، فنصف الواجب من التغريب نصف عام (محسوبًا)

стр. 6535

بنصف (١) العام (على العبد من نصيبه الحره وللسيد نصف عام بدلًا عنه) لأن نصيب السيد لا تغريب فيه (وما زاد من الحرية) على النصف (أو نقص عنها فبحساب ذلك) من جَلْدٍ وتغريب، ولو قال كـ "الفروع" وغيره: والمُعْتَق بعضه بالحساب. لكان أولى. (فإن كان فيها) أي: الجَلَدات (كَسْرٌ، مثل أن يكون ثلثه حرًّا، فيلزمه ست وستون جَلْدة وثلثا جَلْدة، فينبغي أن يسقط الكسر) لئلا يحصُل العدوان بمجاوزة الواجب، ولم تجعل كاليمين في القسامة؛ لأن الحدود تُدرأ بالشُّبهات حسب الاستطاعة. (والمُدَبَّر والمُكاتَب وأمّ الولد، كالقِنّ) لحديث: "المُكاتَب قِنٌّ ما بَقِيَ عليهِ دِرْهمٌ" (٢) والباقي بالقياس عليه. (و إن عفا السيدُ عن عبده) الزاني أو نحوه (لم يسقط عنه الحدّ) لأنه لله، فلا يسقط بعفوه (وإذا فجر رجلٌ بأَمَةٍ ثم قَتَلها، فعليه الحدُّ) لزناه بها (و) عليه (قيمتها) لسيدها، لإتلافه إياها. (و حَدُّ اللوطي الفاعل والمفعول به كزانٍ (٣)) لقوله ﷺ : "إذا أتى الرَّجُلُ الرَّجُل فهما زانيان" (٤)؛ ولأنه فرج مقصود بالاستمتاع، فوجب

стр. 6536

فيه الحد كفرج المرأة، فإن كان مُحصنًا رُجِمَ، وإلا؛ جُلِد حُرٌّ مائة وغُرِّب عامًا، وقِنٌّ خمسين. (ولا فرق بين أن يكون) اللواط (في مملوكه، أو أجنبي) لأن الذَّكَر ليس محلًّا للوطء، فلا يؤثر ملكه له (أو) في دُبُرِ (أجنبية) لأنه فَرْج أصلي كالقُبُلِ. (فإن وطئ زوجته) في دُبُرها (أو) وطئ (مملوكته في دُبُرها، فهو مُحَرَّم) لما سبق في عشرة النساء (١) (ولا حَدَّ فيه) لأنها محلّ للوطء في الجملة، بل يُعزَّر لارتكابه معصية. (و حَدُّ زانٍ بذات مَحْرَمٍ) من نسب أو رضاع (كـ) ــحَدِّ (لائط) على ما سبق تفصيله. وخبر البراء "يُقتل ويؤخذ ماله" (٢) إلا رجلًا يراه مباحًا،

стр. 6537

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6538

قال أبو بكر: محمول عند أحمده (١) على المستحلّ، وأن غير المستحلّ كَزَانٍ. (ومن أتى بهيمةً ولو سمكة عُزِّر) لأنه لم يَصحَّ فيه نصٌّ، ولا يمكن قياسه على اللوطي (٢)؛ لأنه لا حُرمة له، والنفوس تعافه (ويُبالغ في تعزيره) لعدم الشُّبهة له فيه، كوطء الميتة (وقتلت البهيمة، وسواء كانت مملوكة له، أو لغيره) وسواء كانت (مأكولة، أو غير مأكولة) لما روى ابن عباس مرفوعًا، قال: "مَنْ وقع على بهيمةٍ، فاقْتُلوه واقتُلُوا البهيمة" رواه أحمد وأبو داود والترمذي (٣)، وقال

стр. 6539

الطحاوي (١): هو ضعيف، وقد صَحَّ عن ابن عباس أنه قال: "مَنْ أتى بهيمةً فلا حَدَّ عليه" (٢) (فإن كانت) البهيمة المأتية (ملكه) أي: الآتي لها (فـ) ـهي (هدر) لأن الإنسان لا يضمن مال نفسه.

стр. 6540

(وإن كانت) البهيمة (لغيره ضَمِنها) لرَبِّها؛ لأنها أُتلفت بسببه، أشبه ما لو قتلها (ويحرم أكلها) وإن كانت من جنس ما يؤكل؛ روي عن ابن عباس (١)؛ لأنها وَجَبَ قتلها لحقّ الله تعالى، فأشبهت سائر المقتولات لحقّ الله تعالى. (ويثبت ذلك) أي: إتيانه للبهيمة (بشهادة عدلين (٢) على فعله بها) سواء كانت له أو لغيره، كسائر ما يوجب التعزير. (أو إقراره - ويأتي - ولو مَرَّة، إن كانت) المأتية (ملكه) لأنه إقرار على نفسه، فيؤاخذ به (وإن لم تكن) البهيمة المأتية (ملكه لم يجز قتلها بإقراره) لأنه إقرار على ملك غيره، فلم يُقبل، كما لو أقَرَّ بها لغير مالكها. (ولو مَكَّنتِ امرأةٌ قِرْدًا من نفسها حتى وطئها، فعليها ما على واطئ البهيمة) أي: فَتُعزَّر بليغًا، على المذهب، وعلى القول الثاني: تُقتل. فصل (ولا يجب الحد) للزنى (إلا بشروط) أربعة: (أحدها: أن يطأ في فَرْجٍ أصلي من آدمي حي، قُبُلًا كان أو دُبُرًا، بذَكَرٍ أصلي، وأقله) أي: الوطء (تغييب حشفة من فَحْلٍ، أو خصي، أو قَدْرها عند عدمها) لأن أحكام الوطء تتعلَّق به. قال في "الفروع"

стр. 6541

و"المبدع" - بعد كلام نقلاه عن أبي بكر -: فدلَّ أنه يلزم من نفي الغسل، نفي الحَدّ وأولى. انتهى. فيؤخذ منه أنه لا حَدَّ على من غَيَّب (١) بحائل. (فإن وطئ) الزاني (دون الفرج) فلا حَدَّ (أو تساحقت امرأتان) فلا حَدَّ؛ لعدم الإيلاج (أو جامع الخنثى المشكِل بذَكَره) ولو في فَرْج أصلي فلا حَدَّ؛ لاحتمال أن يكون أنثى (أو جومع) الخنثى المُشكِل أي: (في قُبُله) ولو بذكر أصلي (فلا حَدَّ) لاحتمال أن يكون ذكرًا (وعليهم) أي: الواطئ دون الفرج، والموطوءة كذلك، والمتساحقتين، والخنثى المشكل إذا جامع أو جومع في قُبُله (التعزير) لارتكابهم تلك المعصية، وإن جومع الخنثى المشكل في دُبُره، فَلِواط. (ولو وُجِدَ رَجُلٌ مع امرأة يُقبِّل كلٌّ منهما الآخر، ولم يُعلم أنه وطئها، فلا حَدَّ) على واحد منهما؛ لعدم العلم بموجبه (وعليهما التعزير) لتلك المعصية. (وإن قالا: نحن زوجان، واتفقا على ذلك؛ قُبِلَ قولهما) في قول الأكثر. (وإن شُهد عليهما بالزنى، فقالا: نحن زوجان، فعليهما الحَدّ إنْ لم تكن بينة تشهد بالنكاح) لأن الشهادة بالزنى تنفي كونهما زوجين، فلا تبطل بمجرد قولهما، وقيل: لا، إذا لم يعلم أنها أجنبية منه؛ لأن ذلك شُبهة، كما لو شهد عليه بالسرقة، فادعى أن المسروق ملكه؛ قاله في "المبدع". الشرط (الثاني: أن يكون الزاني مُكلَّفًا، فلا حَدَّ على صغير ومجنون) ونائم ونائمة؛ لحديث: "رُفِع القلَمُ عن ثلاثٍ".

стр. 6542

وتقدم (١) (وإن زنى ابنُ عشرٍ، أو بنتُ تسع؛ عُزِّرا) قاله في "الروضة". وقال في "المبدع": يُعزَّر غيرُ البالغ منهما. انتهى. وذلك كضربه على ترك الصلاة. (ويُحدّ السكران إذا زنى) في سُكره (أو أقرَّ به) أي: بالزنى (في سُكره) لأنه مُكلَّف. الشرط (الثالث: انتفاء الشُّبهة) لقوله ﷺ : "ادْرؤوا الحُدُود بالشُّبُهاتِ ما استَطعتُم" (٢). (فإن وطئ جاريةَ ولده) فلا حَدَّ عليه ولا عليها، سواءٌ (وطئها الابنُ أو لا) لأنه وطءٌ تمكَّنت الشُّبهة فيه، كوطء الأمَةِ المشتركة، يدلُّ عليه قوله ﷺ : "أَنْت ومَالُك لأبِيك" (٣). (أو) وطئ (جاريةً له) فيها شرك (أو لولده) فيها شرك (أو لمكاتبه فيها شرك) فلا حَدَّ؛ لأنه فَرْج له فيه ملك أو شُبهة ملك، أشبه المكاتبة والمرهونة. (أو) وطئ (أَمَة كلُّها) لبيت المال (أو بعضُها لبيت المال، وهو حُرٌّ مسلم) فلا حَدَّ؛ لأن له حقًّا في بيت المال. (أو وطئ امرأته، أو أَمَته في حيض، أو نفاس، أو دُبُر) فلا حَدَّ؛ لأن الوطء قد صادف ملكًا. (أو) وطئ (امرأةً على فراشه، أو) امرأةً (في منزله) ظَنَّها امرأته (أو زُفَّت إليه، ولو لم يقل له: هذه امرأتك، ظَنَّها امرأته أو أَمَته) فلا حَدَّ؛ للشبهة.

стр. 6543

(أو) وطئ امرأة (ظَنَّ أنَّ له أو لولده) أو لبيت المال (فيها شركًا) فلا حَدَّ؛ للشُّبهة. (أو دعا الضرير امرأته (١)، فأجابه غيرها، فوطئها) فلا حَدَّ؛ للشُّبهة، بخلاف ما لو دعا مُحرَّمة عليه فأجابه غيرها، فوطئها يظنها المدعوة، فعليه الحَدّ، سواء كانت المدعوة ممن له فيها شُبهة، كالجارية المشتركة، أو لم يكن؛ لأنه لا يُعذر بهذا، أشبه ما لو قتل رجلًا يظنه ابنه، فبان أجنبيًّا. (أو وطئ أَمَته المجوسية) أو الوثنية (أو المرتدَّة، أو المعتدَّة، أو المزوّجة، أو في مدة استبرائها) فلا حَدَّ؛ لأنها ملكه. (أو) وطئ (في نكاحٍ) مختَلَف في صحته (أو) في (ملك مختَلَف في صحته، كنكاح متعة، و) نكاح (بلا ولي، أو بلا شهود، ونكاح الشِّغار، والمحلل، ونكاح الأخت في عدة أختها) ونحوها (البائن، و) نكاح (خامسة في عدة رابعة بائن، ونكاح المجوسية، وعقد) الـ (ـفضولي ولو قبل الإجازة) سواء اعتقد تحريم ذلك أو لا. هذا المذهب، وعليه جماهير الأصحاب. وعنه (٢): عليه الحدُّ إذا اعتقد تحريمه؛ اختاره ابن حامد. ويُفرَّق بينهما في هذا النكاح. (و) كوطء (في شراء فاسدٍ بعد قبضه) أي: المبيع (ولو اعتقد تحريمه، فلا حَدَّ) لأن الوطء في شُبهة، أما قبل القبض فيُحدُّ على الصحيح، كما في "الإنصاف" (وتقدم (٣) وطء بائع في مدة خيار) إذا كان

стр. 6544

(يعتقد تحريمه) وأنه يُحدّ إذا علم انتقال الملك على الصحيح في خيار الشرط. (وإن جهل) الزانى (تحريم الزنى، لحداثة عهده بالإسلام، أو نشوئه ببادية بعيدة) عن دار الإسلام (أو) جهل (تحريم نكاحٍ باطلٍ إجماعًا) كخامسة (فلا حَدَّ) للعُذر، ويُقبل منه ذلك؛ لأنه يجوز أن يكون صادقًا. (ولا يسقط الحَدُّ بجهل العقوبة، إذا علم التحريم؛ لقضية ماعز) فإنه ﷺ "أمَر برجْمِهِ" (١). ورُوي: أنه قال في أثناء رجمه: "رُدُّوني إلى رسول الله ﷺ فإنَّ قومي هم غَرُّوني مِنْ نفسي وأخبَروني أن النبي ﷺ غيرُ قاتلي. . ." الحديث؛ رواه أبو داود (٢). (وإن أُكرهت المرأة على الزنى، أو) أُكره (المفعول به لِواطًا قهرًا، أو بالضرب، أو بالمنع من طعام، أو شراب اضطر إليه ونحوه) كالدفء في الشتاء ولياليه الباردة (فلا حَدَّ) لقوله ﷺ : "رُفِع عَنْ أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه" رواه النسائي (٣). وعن عبد الله (٤) بن وائل عن أبيه "أنَّ امرأة استُكرهتْ على عهد رسول الله ﷺ فدرأ عنها الحد" (٥) ورواه سعيد عن

стр. 6545

عمر (١)؛ ولأن هذا شُبهة، والحَدُّ يُدرأ بها. (وإن أُكره عليه) أي: الزنى (الرجل، فزنى) مكرَهًا (حُدَّ) لأن الوطء لا يكون إلا بالانتشار الحادث بالاختيار، بخلاف المرأة (وعنه (٢): لا) حَدَّ على الرجل المكره، كالمرأة (واختاره الموفَّق وجمعٌ) منهم الشارح؛ لعموم الخبر (٣)؛ ولأن الإكراه شُبهة، وكما لو استدخلت ذكره وهو نائم. (وإن أُكره على إيلاج ذكره بإصبعه) ففعل (من غير انتشار) فلا حَدَّ (أو باشر المُكرِه) بكسر الراء (أو) باشر (مأموره ذلك) أي: إيلاج الذكر بالأصابع (٤) (فلا حَدَّ عليه) لأنه ليس له في ذلك فعل اختياري يُنسب إليه.

стр. 6546

(وإن وطئ ميتةً) عُزِّرَ ولم يُحدَّ؛ لأنه لا يقصد، فلا حاجة إلى الزجر عنه (أو ملك أُمَّه، أو أخته) أو نحوها (١) من محارمه (من الرضاع، فوطئها؛ عُزِّر ولم يُحدّ) لأنها مملوكته، أشبهت مكاتبته. ولأنه وطءٌ اجتمع فيه موجِب ومسقِط، والحد مبني على الدرء والإسقاط. (وإن اشترى ذات مَحْرَمِه من النسب ممن تعتق عليه) كأمّه وأخته وعمته (ووطئها) فعليه الحدّ؛ لأن الملك لا يثبت فيها، فلم توجد الشُّبهة. (أو وطئ في نكاح مُجمَع على بطلانه مع العلم) ببطلانه (كنكاح المزوّجة، و) نكاح (المعتدة، و) نكاح (مطلقته ثلاثًا (٢)، و) نكاح (الخامسة وذوات محارمه من النسب والرضاع) فعليه الحَدّ؛ لأنه وطءٌ لم يُصادف ملكًا، ولا شُبهة ملك، فأوجب الحَدَّ. وقد رُوي عن عمر "أنّهُ رُفِع إليه امرأةٌ تزوَّجتْ في عِدَّتها، فقال: هل عَلِمْتُما؟ قالا: لا، فقال: لو عَلِمتُما لَرَجَمْتُكما" رواه أبو نصر المرّوذي (٣). (أو زنى بحربية مستأمنة) فعليه الحَدُّ؛ لأن الأمان ليس سببًا يُستباح به البُضع.

стр. 6547

(أو نكح بنته من الزنى) فعليه الحَدّ (نصًّا (١). وحمله جماعة على أنه لم يبلغه الخلاف) وهو كون الشافعي أباحه (٢) (فيحمل إذًا على معتقد تحريمه) أي: تحريم نكاح البنت ونحوها. وعبارة "الفروع": وحمله جماعة على أنه لم يبلغه الخلاف، ويحتمل حمله على معتقد تحريمه. انتهى. قلت: وذلك لا يكفي؛ لأنه قد تقدم أنه لا حَدَّ على من وطئ في نكاح مختلف فيه، اعتقد تحريمه أو لا. (أو استأجر امرأة للزنى، أو) استأجرها (لغيره) أي: غير الزنى، كَلِخياطة (فزنى بها) فعليه الحَدّ؛ لأن البُضع لا يُستباح بالإجارة. (أو) زنى (بامرأة له عليها قِصاص) فعليه الحَدّ؛ لأنه وطءٌ في غير ملك من غير شُبهة، أشبه ما لو وطئ مَن له عليها دين. (أو) زنى (بصغيرة يُوطأ مثلها، أو مجنونة) لأن الواطئ من أهل وجوب الحَدّ. (أو) زنى (بامرأة ثم تزوَّجها، أو) زنى (بأَمَة ثم اشتراها، فعليه الحَدّ) لأن النكاح والملك وجدا بعد وجود (٣) الحَدّ، فلم يسقط، كما لو سرق نصابًا ثم ملكه. (وإن مكَّنت المكلَّفةُ من نفسها مجنونًا، أو مميزًا، أو من لا يُحدُّ لجهله) التحريم (أو مكَّنت) مُكلَّفة (حربيًّا، أو مستأمنًا، أو أدخلت) مُكلَّفة (ذَكَرَ نائمٍ) في فَرْجها (فعليها الحَدّ وحْدَها) لأن سقوطه عن أحد المتواطئين لمعنىً يخصه؛ لا يوجب سقوطه عن الآخر.

стр. 6548

الشرط (الرابع: ثبوت الزنى. ولا يثبت إلا بأحد أمرين: أحدهما: أن يُقِرَّ به أربع مرات في مجلس، أو مجالس) لأن ماعزًا أقرَّ عنده أربعًا في مجلسٍ واحدٍ (١)، والغامدية أقرَّت عنده بذلك في مجالس (٢). وروى أبو هريرة قال: "أتَى رجلٌ إلى النبي ﷺ وهو في المسجد، فقال: إنِّي زنَيتُ، فأعرض عنه، فلما شَهِد على نفسه أربع شهادات دعاهُ النبي ﷺ ، فقال: أبِكَ جُنونٌ؟ قال: لا، قال: هل أحْصَنتَ؟ قال: نعم، قال: اذهَبُوا به فارْجُمُوهُ" متفق عليه (٣). (وهو مُكلَّف) حُرّ أو عَبْد، محدود في قذف أو لا (مختار) لرفع القلم عن الصغير، والمجنون، والعفو للمُكره. (ويُصَرِّحَ بذِكْرِ حقيقةِ الوطء) لتزول التُّهمة؛ ولقوله ﷺ لماعز: "لعلك قَبَّلْت أَوْ غَمَزْت؟ قال: لا. قال: أَفَنِكْتَها، لا يَكْني؟ قال: نَعَمْ، فعند ذلك أمر برجْمِه" رواه البخاري (٤). (ولا ينزِع) أي: يرجع (عن إقراره حتى يَتِم الحَدّ) فإن رجع عن إقراره، أو هرب، كُفّ عنه؛ لقصة ماعز، وتقدم (٥). (فإن أقرَّ أنه زنى بامرأة) أربع مرات (فكذَّبته، فعليه الحَدّ) مؤاخذةً له بإقراره (دونها، كما لو سكتت أو لم تُسأل) عن ذلك.

стр. 6549

(ولا يصحُّ إقرار الصبيِّ، والمجنون، ولا من زال عقلُه بنومٍ أو شرب دواء) أو إغماء؛ لأن قولهم غير معتبر. (ويُحَدّ الأخرس إذا فُهمت إشارته) وأقرَّ بها أربع مرات، فإن لم تُفهم إشارته، لم يُتصوَّر منه إقرار. (و إن أقر بوطء امرأة وادَّعى أنها امرأته، فأنكرت المرأةُ الزوجيَّة، ولم تُقِرَّ بوطئه إياها، فلا حَدَّ عليه) للشبهة؛ لاحتمال الصدقة (ولا مهر لها) لأنها لا تدعيه ولم تُقِرّ بالوطء. (وإن اعترفت بوطئه، وأنه زنى بها مطاوِعة، فلا مهر) لاعترافها بأنها زانية مطاوِعة (ولا حَدَّ على واحدٍ منهما) أما الواطئ فلما تقدم، وأما الموطوءة فلأنه لا يُكتفى بالإقرار مرة (إلا أن تُقِرَّ أربع مرات) فتُحَدّ، مؤاخذةً لها بإقرارها. (وإن أقرَّت) الموطوءة (أنه أكرهها عليه) أي: الوطء (أو) أنه (اشتبه عليها، فعليه المهر) بما نال من فرجها، ولا حَدّ عليهما. (ولو شهد أربعة على إقراره) أي: الزاني (أربعًا بالزنى؛ ثبت الزنى) لوجود الإقرار به أربعًا (ولا يثبت) الإقرار بالزنى (بدون أربعة) يشهدون به من الرجال (فإن أنكر) المشهودُ عليه الإقرارَ (أو صَدَّقهم دون أربع مرات، فلا حَدَّ عليه) لأن إنكاره وتصديقه دون أربعٍ رجوعٌ عن إقراره، وهو مقبول منه. (ولا) حَدَّ (على الشهود) لأنهم نصاب كامل. (ولو تمَّت البينة عليه) بالزنى (وأقرَّ على نفسه إقرارًا تامًّا) أي: أربعًا (ثم رجع من إقراره؛ لم يسقط عنه الحَدّ) لثبوته بالبينة التامة.

стр. 6550

فصل (الأمر الثاني: أن يشهد عليه) أي: الزنى (ولو ذميًّا أربعةُ رجالٍ مسلمين عدول) لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ. . .﴾ الآية (١)؛ ولحديث سعد بن عبادة قال: "أرأيتَ لو وجدتُ مع امرأتي رجُلًا، أمْهلهُ حتى آتيَ بأربعةِ شهداء؟ فقال النبي ﷺ : نَعَمْ" رواه مالك (٢). فلا تُقبل فيه شهادة النساء ولا فاسق ولو مستورًا (أحرارًا كانوا) أي: الشهود (أو عبيدًا) لعموم النص، وهو عدل، مسلم ذكر، فقُبل كالحر (يصفون الزنى) أن يشهدوا (بزنىً واحد) يصفونه (فيقولون: رأيناه غَيَّبَ (٣) ذكره) في فَرْجها (أو) غَيَّب (حشفته أو قَدْرها) إن كان مقطوعها (في فَرْجها، كالميل في المكحلة، أو الرشاء في البئر) لأنه إذا اعتبر التصريح في الإقرار، كان اعتباره في الشهادة أولى. (ويجوز للشهود أن ينظروا إلى ذلك منهما) أي: من الزانيين (لإقامة الشهادة عليهما) ليحصل الردع بالحد. (ولا يُعتبر ذكر مكان الزنى (٤)) عند ابن حامد. والمذهب خلافه، ويأتي في الشهادات (ولا ذِكْر المزني بها، إن كانت الشهادة على رجل) لأنه لم يأتِ في الحديث الصحيح ذكر المزني بها، ولا مكان الزنى، وقطع في "المنتهى" في الشهادات بأنه يُعتبر ذكرهما (ولا ذِكْر الزانى إن كانت الشهادة على امرأة) كعكسه.
следующие страницы →