(وإن وطئ ميتةً) عُزِّرَ ولم يُحدَّ؛ لأنه لا يقصد، فلا حاجة إلى الزجر عنه (أو ملك أُمَّه، أو أخته) أو نحوها (١) من محارمه (من الرضاع، فوطئها؛ عُزِّر ولم يُحدّ) لأنها مملوكته، أشبهت مكاتبته. ولأنه وطءٌ اجتمع فيه موجِب ومسقِط، والحد مبني على الدرء والإسقاط.
(وإن اشترى ذات مَحْرَمِه من النسب ممن تعتق عليه) كأمّه وأخته وعمته (ووطئها) فعليه الحدّ؛ لأن الملك لا يثبت فيها، فلم توجد الشُّبهة.
(أو وطئ في نكاح مُجمَع على بطلانه مع العلم) ببطلانه (كنكاح المزوّجة، و) نكاح (المعتدة، و) نكاح (مطلقته ثلاثًا (٢)، و) نكاح (الخامسة وذوات محارمه من النسب والرضاع) فعليه الحَدّ؛ لأنه وطءٌ لم يُصادف ملكًا، ولا شُبهة ملك، فأوجب الحَدَّ. وقد رُوي عن عمر "أنّهُ رُفِع إليه امرأةٌ تزوَّجتْ في عِدَّتها، فقال: هل عَلِمْتُما؟ قالا: لا، فقال: لو عَلِمتُما لَرَجَمْتُكما" رواه أبو نصر المرّوذي (٣).
(أو زنى بحربية مستأمنة) فعليه الحَدُّ؛ لأن الأمان ليس سببًا يُستباح به البُضع.
стр. 6547
(أو نكح بنته من الزنى) فعليه الحَدّ (نصًّا (١). وحمله جماعة على أنه لم يبلغه الخلاف) وهو كون الشافعي أباحه (٢) (فيحمل إذًا على معتقد تحريمه) أي: تحريم نكاح البنت ونحوها. وعبارة "الفروع": وحمله جماعة على أنه لم يبلغه الخلاف، ويحتمل حمله على معتقد تحريمه. انتهى. قلت: وذلك لا يكفي؛ لأنه قد تقدم أنه لا حَدَّ على من وطئ في نكاح مختلف فيه، اعتقد تحريمه أو لا.
(أو استأجر امرأة للزنى، أو) استأجرها (لغيره) أي: غير الزنى، كَلِخياطة (فزنى بها) فعليه الحَدّ؛ لأن البُضع لا يُستباح بالإجارة.
(أو) زنى (بامرأة له عليها قِصاص) فعليه الحَدّ؛ لأنه وطءٌ في غير ملك من غير شُبهة، أشبه ما لو وطئ مَن له عليها دين.
(أو) زنى (بصغيرة يُوطأ مثلها، أو مجنونة) لأن الواطئ من أهل وجوب الحَدّ.
(أو) زنى (بامرأة ثم تزوَّجها، أو) زنى (بأَمَة ثم اشتراها، فعليه الحَدّ) لأن النكاح والملك وجدا بعد وجود (٣) الحَدّ، فلم يسقط، كما لو سرق نصابًا ثم ملكه.
(وإن مكَّنت المكلَّفةُ من نفسها مجنونًا، أو مميزًا، أو من لا يُحدُّ لجهله) التحريم (أو مكَّنت) مُكلَّفة (حربيًّا، أو مستأمنًا، أو أدخلت) مُكلَّفة (ذَكَرَ نائمٍ) في فَرْجها (فعليها الحَدّ وحْدَها) لأن سقوطه عن أحد المتواطئين لمعنىً يخصه؛ لا يوجب سقوطه عن الآخر.
стр. 6548
الشرط (الرابع: ثبوت الزنى. ولا يثبت إلا بأحد أمرين:
أحدهما: أن يُقِرَّ به أربع مرات في مجلس، أو مجالس) لأن ماعزًا أقرَّ عنده أربعًا في مجلسٍ واحدٍ (١)، والغامدية أقرَّت عنده بذلك في مجالس (٢). وروى أبو هريرة قال: "أتَى رجلٌ إلى النبي ﷺ وهو في المسجد، فقال: إنِّي زنَيتُ، فأعرض عنه، فلما شَهِد على نفسه أربع شهادات دعاهُ النبي ﷺ ، فقال: أبِكَ جُنونٌ؟ قال: لا، قال: هل أحْصَنتَ؟ قال: نعم، قال: اذهَبُوا به فارْجُمُوهُ" متفق عليه (٣).
(وهو مُكلَّف) حُرّ أو عَبْد، محدود في قذف أو لا (مختار) لرفع القلم عن الصغير، والمجنون، والعفو للمُكره.
(ويُصَرِّحَ بذِكْرِ حقيقةِ الوطء) لتزول التُّهمة؛ ولقوله ﷺ لماعز: "لعلك قَبَّلْت أَوْ غَمَزْت؟ قال: لا. قال: أَفَنِكْتَها، لا يَكْني؟ قال: نَعَمْ، فعند ذلك أمر برجْمِه" رواه البخاري (٤).
(ولا ينزِع) أي: يرجع (عن إقراره حتى يَتِم الحَدّ) فإن رجع عن إقراره، أو هرب، كُفّ عنه؛ لقصة ماعز، وتقدم (٥).
(فإن أقرَّ أنه زنى بامرأة) أربع مرات (فكذَّبته، فعليه الحَدّ) مؤاخذةً له بإقراره (دونها، كما لو سكتت أو لم تُسأل) عن ذلك.
стр. 6549
(ولا يصحُّ إقرار الصبيِّ، والمجنون، ولا من زال عقلُه بنومٍ أو شرب دواء) أو إغماء؛ لأن قولهم غير معتبر.
(ويُحَدّ الأخرس إذا فُهمت إشارته) وأقرَّ بها أربع مرات، فإن لم تُفهم إشارته، لم يُتصوَّر منه إقرار.
(و إن أقر بوطء امرأة وادَّعى أنها امرأته، فأنكرت المرأةُ الزوجيَّة، ولم تُقِرَّ بوطئه إياها، فلا حَدَّ عليه) للشبهة؛ لاحتمال الصدقة (ولا مهر لها) لأنها لا تدعيه ولم تُقِرّ بالوطء.
(وإن اعترفت بوطئه، وأنه زنى بها مطاوِعة، فلا مهر) لاعترافها بأنها زانية مطاوِعة (ولا حَدَّ على واحدٍ منهما) أما الواطئ فلما تقدم، وأما الموطوءة فلأنه لا يُكتفى بالإقرار مرة (إلا أن تُقِرَّ أربع مرات) فتُحَدّ، مؤاخذةً لها بإقرارها.
(وإن أقرَّت) الموطوءة (أنه أكرهها عليه) أي: الوطء (أو) أنه (اشتبه عليها، فعليه المهر) بما نال من فرجها، ولا حَدّ عليهما.
(ولو شهد أربعة على إقراره) أي: الزاني (أربعًا بالزنى؛ ثبت الزنى) لوجود الإقرار به أربعًا (ولا يثبت) الإقرار بالزنى (بدون أربعة) يشهدون به من الرجال (فإن أنكر) المشهودُ عليه الإقرارَ (أو صَدَّقهم دون أربع مرات، فلا حَدَّ عليه) لأن إنكاره وتصديقه دون أربعٍ رجوعٌ عن إقراره، وهو مقبول منه.
(ولا) حَدَّ (على الشهود) لأنهم نصاب كامل.
(ولو تمَّت البينة عليه) بالزنى (وأقرَّ على نفسه إقرارًا تامًّا) أي: أربعًا (ثم رجع من إقراره؛ لم يسقط عنه الحَدّ) لثبوته بالبينة التامة.
стр. 6550
فصل
(الأمر الثاني: أن يشهد عليه) أي: الزنى (ولو ذميًّا أربعةُ رجالٍ مسلمين عدول) لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ. . .﴾ الآية (١)؛ ولحديث سعد بن عبادة قال: "أرأيتَ لو وجدتُ مع امرأتي رجُلًا، أمْهلهُ حتى آتيَ بأربعةِ شهداء؟ فقال النبي ﷺ : نَعَمْ" رواه مالك (٢). فلا تُقبل فيه شهادة النساء ولا فاسق ولو مستورًا (أحرارًا كانوا) أي: الشهود (أو عبيدًا) لعموم النص، وهو عدل، مسلم ذكر، فقُبل كالحر (يصفون الزنى) أن يشهدوا (بزنىً واحد) يصفونه (فيقولون: رأيناه غَيَّبَ (٣) ذكره) في فَرْجها (أو) غَيَّب (حشفته أو قَدْرها) إن كان مقطوعها (في فَرْجها، كالميل في المكحلة، أو الرشاء في البئر) لأنه إذا اعتبر التصريح في الإقرار، كان اعتباره في الشهادة أولى.
(ويجوز للشهود أن ينظروا إلى ذلك منهما) أي: من الزانيين (لإقامة الشهادة عليهما) ليحصل الردع بالحد.
(ولا يُعتبر ذكر مكان الزنى (٤)) عند ابن حامد. والمذهب خلافه، ويأتي في الشهادات (ولا ذِكْر المزني بها، إن كانت الشهادة على رجل) لأنه لم يأتِ في الحديث الصحيح ذكر المزني بها، ولا مكان الزنى، وقطع في "المنتهى" في الشهادات بأنه يُعتبر ذكرهما (ولا ذِكْر الزانى إن كانت الشهادة على امرأة) كعكسه.
стр. 6551
(ويكفي إذا شهدوا أنهم رأوا ذَكَره في فَرْجها) لحصول العلم بالزنى.
(والتشبيه) بالمِرْوَد في المكحلة والرشاء في البئر (تأكيد، ويُشترط أن يجيء الأربعة) للشهادة (في مجلس واحد سواء جاؤوا متفرِّقين أو مجتمعين) لقصة المغيرة، فإنهم جاؤوا متفرقين، وسُمعت شهادتهم، وإنما حُدّوا لعدم كمالها، وذلك أن عمر شهد عندهُ أبو بَكرة ونافعٌ وشِبلُ بنُ معبد على المغيرة بن شعبة، ولم يشهدْ زيادٌ فحدَّ الثلاثة (١).
ولو كان المجلس غير مشترط لم يجز أن يحدهم، لجواز أن يكملوا برابع في مجلس آخر (وسواء صَدَّقهم) المشهود عليه (أو لا) أي: أو لم يُصدّقهم؛ لكمال النصاب.
(فإن جاء بعضُهم بعد أن قام الحاكم من مجلسه) فهم قَذَفَةٌ؛ لأن شهادته غير مقبولة ولا صحيحة، أشبه ما لو لم يشهد أصلًا، وعليهم الحَدُّ.
(أو شهد ثلاثةٌ) بالزنى (وامتنع الرابع) من الشهادة (أو لم يُكمِلْها، فهم قَذَفَةٌ، وعليهم الحَدُّ) لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (٢) وهذا يوجب الحَدّ على رامٍ لم يشهد بما قاله
стр. 6552
أربعة؛ ولأن عمر جلد أبا بكرة وأصحابه حيث لم يُكمل الرابع شهادته، بمحضر من الصحابة، ولم يُنكره أحد، فكان كالإجماع.
(وإن كانوا) أي: الشهود (فُسَّاقًا) أو بعضُهم (أو) كانوا (عُميانًا أو بعضُهم، فعليهم الحَدّ) لأنهم قَذَفَةٌ، وكذا لو كانوا كفَّارًا ولو على ذمي.
(وإن شهد أربعةٌ مستورون، ولم تثبت عدالتهم) لم يثبت الزنى؛ لجواز أن يكونوا فُسَّاقًا، ولا حَدَّ عليهم لاحتمال العدالة (أو مات أحدُ الأربعة) الشاهدين بالزنى (قبل وصفه الزنى، فلا حَدَّ عليهم) لأنه قد شهد به أربعةٌ، وسواء كانوا عدولًا أو مستورين.
(فإن شهد) بالزنى (ثلاثة رجال وامرأتان؛ حُدَّ الجميع) للقذف؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ. . .﴾ الآية (١).
(وإن كان أحد الأربعة) الذين شهدوا بالزنى (زوجًا حُدَّ الثلاثة) لأنهم قَذَفَةٌ، حيث لم تكمل البينةُ؛ لأن شهادة الزوج عليها غير مسموعة؛ لأنه بشهادته مُقِرّ (٢) بعداوته لها، و (لا) يُحدّ (الزوج إن لاعن) المقذوفة، وإلا حُدَّ؛ لأن شهادته على زوجته بالزنى لا تُقبل، فيكون قاذفًا لها.
(وإن شَهِد أربعة) على إنسان بالزنى (فإذا المشهود عليه مجبوب، أو) المرأة (رتقاء؛ حُدُّوا) أي: الشهود (للقذف) للقطع بكذبهم.
(وإن شهدوا عليها) أي: على امرأة (٣) بالزنى (فتبيَّن أنها عذراء؛ لم تُحد هي) لثبوت بكارتها، ووجودها يمنع من الزنى ظاهرًا؛ لأن الزنى لا يحصُل بدون الإيلاج، ولا يُتصور مع بقاء البكارة (ولا) يُحدّ (الرجل)
стр. 6553
المشهود عليه بالزنى، بها؛ للشبهة (ولا) يُحدّ (الشهود) لأن الشهادة كَمُلت مع احتمال صدقهم، فإنه يحتمل أن يكون وطئها ثم عادت عُذرتها.
(وتكفي شهادة امرأة واحدة بعُذْرتها) كسائر عيوب النساء تحت الثياب (وإن شَهِد اثنان أنه زنى بها في بيت، أو بلد، أو يوم، و) شهد (اثنان أنه زنى بها في بيت) آخر (أو بلد) آخر (أو يوم آخر) فهم قَذَفة؛ لأنهم لم يشهدوا بزنىً واحد، وعليهم الحد (أو شهد اثنان أنه زنى بامرأة بيضاء، و) شهد (اثنان أنه زنى بامرأة سوداء، فهم قَذَفَةٌ؛ لأنهم لم يشهدوا بزنىً واحد، وعليهم الحَدّ) لأنه لم يكمل أربعة على زنىً واحد.
(وإن شهد اثنان أنه زنى بها في زاوية بيت صغير عُرفًا، و) شهد (اثنان أنه زنى بها في زاويته الأخرى) كَمُلت شهادتهم.
(أو) شهد (اثنان أنه زنى بها في قميصٍ أبيض، أو) أنه زنى بها (قائمة، و) شهد (اثنان) أنه زنى بها (في) قميص (أحمر أو نائمة؛ كَمُلت شهادتهم) لأنه لا تنافي بينهما؛ لاحتمال أن يكون ابتداء الفعل في زاوية وتمامه في أخرى، أو يكون عليها قميصان، فذكر كلُّ اثنين واحدًا منهما، أو تكون قائمة في الانتهاء نائمة في الابتداء، أو بالعكس، وكذا لو شهد اثنان أنه زنى بها في قميص كَتَّان، وآخران في قميص خَزٍّ.
(وإن كان البيت كبيرًا، والزاويتان متباعدتان) وعَيَّنَ كلُّ اثنين زاوية منهما (فهم قَذَفَةٌ) لأنهم لم يشهدوا بزنىً واحد، وعليهم الحد.
(والقول في الزمان كالقول في المكان) إذا عَيَّنَ كلُّ اثنين زمنًا (١)، فـ (ـمتى كان بينهما زمن متباعد لا يمكن وجود الفعل الواحد في جميعه،
стр. 6554
كطرفي النهار؛ لم تكمل شهادتهم، فإن تقاربا) أي: الزمنان (قُبلت) شهادتهم؛ لأنه زمن واحد.
(وإن شهدا) أي: اثنان (أنه زنى بها مطاوِعة، و) شهد (آخران) أنه زنى بها (مكرهة؛ لم تكمل) شهادتهم؛ لأن فعل المطاوعة غير فعل المكرهة.
(وحُدَّ شاهِدا المطاوِعة لقذف المرأة) لأنهما قذفاها بالزنى (وحُدَّ الأربعة لقذف الرجل) لأنهم قذفوه بالزنى.
(وإن شهد أربعة) بالزنى (فرجعوا) كلهم (أو) رجع (بعضُهم قبل الحَدِّ) ولو بعد حكم (حُدَّ الأربعة) للقذف (وإن رجع أحدُهم) أي: الأربعة (بعد الحَدِّ) للمشهود عليه بالزنى (حُدَّ) الراجع (وحده) لأن إقامة الحَدّ كحكم الحاكم، فلا ينقض برجوع الشهود أو بعضهم، لكن يلزم من رجع حكم رجوعه، وهو مُقِر بالقذف، فيلزمه حَدّه (إذا) كان الحَدُّ جلدًا أو رجمًا، و (طالبـ) ـه (به قبل موته) وذلك معنى قوله: (إن وُرِث حدُّ القذف) فـ (ـيُحَدّ بطلب الورثة).
وإن رجع الأربعة أو بعضهم قبل حَدّ من شهدوا عليه، ولو بعد حكم؛ حُدَّ الجميع (وعليه) أي: على من رجع بعد الحكم (رُبْعُ ما تلف بشهادتهم) لتسببه في تلفه (ويأتي) ذلك (في الرجوع عن الشهادة) مفصَّلًا.
(وإذا ثبتت الشهادة بالزنى، فصَدَّقهم المشهود عليه) على (١) الزنى ولو دون أربع (لم يسقط الحَدُّ) خلافًا لأبي حنيفة (٢)؛ لكمال البينة.
(وإن شهد شاهدان) بالزنى (واعترف هو) أي: المشهود عليه
стр. 6555
(مرتين لم تكمل البينة) لعدم تمام النصاب، ولا يُحدّ، لأنه لم يُقِرَّ أربعًا، ولم يشهد عليه أربعة (ولم يجب الحد) على البينة، لتصديقه لها.
(فإن كملت البينة ثم مات الشهود أو غابوا، جاز الحكم بها) أي: بالبينة؛ لأن كل شهادة جاز الحكم بها مع حضور الشهود، جاز الحكم بها مع غيبتهم، كسائر الشهادات، واحتمال رجوعهم ليس بشُبهة، كما لو حكم بشهادتهم.
(و) جاز (إقامةُ الحَدّ) على المشهود عليه لتمام النصاب (وإن شهدوا بزنىً قديم، أو أقرَّ) الزاني (به) أي: بزنىً قديم (وجب الحَدّ) لعموم الآية، وكسائر الحقوق.
(وتجوز الشهادة بالحَدّ من غير مدَّعٍ) نص عليه (١)؛ لقصة أبي بكرة (٢).
(وإن شَهِد أربعة) على رجل (أنه زنى بامرأة، وشهد أربعة آخرون على الشهود أنهم هم الزُّناة) بها (لم يُحدَّ المشهود عليه) لأن شهادة الآخرين تضمَّنت جرح الأولين (ويُحدُّ الأولون للقذف وللزنى) لأن شهادة الآخرين صحيحة، فيجب الحكم بها.
(وكل زنىً - من مسلم أو ذمي - أوْجَبَ الحدَّ؛ لا يُقبل فيه إلا أربعة شهود) لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ (٣) (ويدخل فيه اللواط) لأن حكمه حكم الزنى (و) يدخل فيه - أيضًا - (وطء المرأة) الأجنبية (في دبرها) لأنه زنىً. وإن أوجب نقضَ العهد، كزنى الذمي بمسلمة، فتقدم (٤)
стр. 6556
كلام الشيخ فيه (١).
(وإن أوجب التعزير، كوطء البهيمة، و) وطء (الأمة المشتركة، و) أمته (المزوَّجة؛ قُبِل فيه رجلان، كشهود المباشرة دون الفرج ونحوها) مما يوجب التعزير.
(وإن حملت امرأة لا زوج لها ولا سيد؛ لم تُحدَّ بمجرَّد ذلك) لاحتمال أن يكون من غير زنىً (وتسأل استحبابًا، فإن ادعت أنها أُكرهت) على الزنى (أو وُطِئت بشُبهة، أو لم تعترف بالزنى) أربع مرات (لم تُحدَّ) لإمكان صدقها، والحد يُدرأ بالشُّبهة.
(ويُستحب للإمام أو الحاكم الدي يثبت عنده الحَدّ بالإقرار التعريض للمُقِرّ بالرجوع، إذا تَمَّ) الإقرار (و) التعريض له بـ (ـالوقوف) أي: التوقف عن الإقرار (إذا لم يتم) الإقرار؛ لما روي عن النبي ﷺ "أنّهُ أعرض عن مَاعِز حين أقَر عنده، ثم جَاءه من الناحيَة الأخرى فأعرض عنه، حتى تمم إقرارهُ أربعًا، ثم قال له: لعلّك قبّلت، لعلَّك لَمَست" (٢)، وروي أنه قال للذي أقر عنده بالسرقة: "ما إخَالُك فعَلْت" رواه سعيد (٣).
(ولا بأس أن يُعَرِّض له بعضُ الحاضرين بالرجوع) عن الإقرار إن أقرَّ (أو) يُعرِّضوا له قبل الإقرار (بألا يقر) لأن ستر نفسه أولى.
(ويُكره لمن علم بحاله أن يحثه على الإقرار) لما فيه من إشاعة الفاحشة.
стр. 6557
باب القذف
(وهو الرمي بزنىً، أو لواط، أو شهادة به) أي: بما ذكر من زنىً أو لواط (عليه، ولم تكمُلِ البينةُ) بذلك (وهو) مُحرَّم، بل (كبيرة) لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (١)، وقوله ﷺ : "اجتَنبُوا السَّبْع المُوبِقاتِ، قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال: الشِّرك بالله، والسِّحر، وقتلُ النفْسِ التي حرَّم الله إلا بالحقِّ، وأكلُ الربا، وأكلُ مال اليتيم، والتَّولي يوم الزَّحف، وقذْفُ المُحْصَنات الغافلاتِ المؤمنات" متفق عليه (٢).
(من قَذَفَ - ولو) كان القاذف (أخرسَ بإشارة مفهومة، ولو في غير دار الإسلام - وهو) أي: القاذف (مكلَّفٌ، مختارٌ مُحصَنًا - ولو) كان المقذوف (ذات مَحْرم - أو مجبوبًا، أو خصيًّا، أو مريضًا مُدْنَفًا) أي: مشرفًا على الهلاك (أو رتْقاء، أو قرْناء؛ حُدَّ حرٌّ ثمانين جلدة) لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (٣).
(و) حُدَّ (قِنٌّ - ولو عَتَق) بعد القذف (قبل حَدِّه - أربعين) جلدة؛ لإجماع الصحابة (٤) أنه على النصف، قال عبد الله بن عامر بن ربيعة:
стр. 6558
"أدركتُ أبا بكرٍ وعمر وعثمان والخلفاء هَلُمَّ جَرًّا ما رأيت أحدًا جَلَد عبدًا في فِرْيةٍ (١) أكثر من أربعين" رواه مالك (٢)، فيكون ذلك مخصِّصًا للآية (و) حَدُّ (مُعتَقٍ بعضُه بحسابه) كما تقدم (٣) في حد الزنى.
(سوى أبويه) أي: المقذوف (وإن علوا، فلا يُحدَّان بقَذْف ولدٍ وإن نزل) نص عليه (٤) (كقَوَد، ولا يُعزَّران) أي: الأبوان (له) أي: لولدهما
стр. 6559
وإن نزل، في قذف ولا غيره، ف لا يرث الولد حَدَّ القذف على أبويه، كما لا يرث القَوَد عليهما (فإن قذف أمَّ ابنه، وهي أجنبية منه) أي: القاذف، أي: غير زوجة له (فماتت) المقذوفة (قبل استيفائه، لم يكن لابنه المطالبة) به عليه؛ لأنه إذا لم يملك طلبه بقذفه لنفسه، فلغيره أولى، كالقود (١) (فإن كان لها) أي: المقذوفة (ابن آخر من غيره) أي: القاذف (كان له) أي: ابنها الآخر (استيفاؤه كله إذا ماتت بعد المطالبة) لتبعّضه، بخلاف القود.
(ويحدُّ الابن بقذف كلِّ واحدٍ من آبائه وأمهاته، وإن علوا) لعموم الآية، وكما يُقاد بهم.
(ويحدُّ) القاذف (بقذفٍ على وجه الغَيرة) بفتح الغين، أي: الحَمِيَّة والأَنَفَةِ؛ لعموم الآية، وكأجنبي.
(ويُشترط لإقامة الحَدِّ) بالقذف (مطالبة المقدوف) للقاذف (واستدامة الطلب إلى إقامته، بألا يعفو) فلا يحدّ، ولا يجوز أن يُعرّض له إلا بطلبه؛ ذكره الشيخ تقي الدين إجماعًا (٢).
(و) يُشترط - أيضًا - (ألا يأتي القاذف ببينة) أي: أربعة رجال (بما قَذَفه به) لمفهوم قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ (٣).
(و) يُشترط - أيضًا - (ألا يُصدّقه المقذوف) فإن صدقه؛ لم يُحدَّ؛ لأنه أبلغ من إقامة البينة.
(و) يُشترط - أيضًا - (ألا يُلاعِنَ القاذف) المقذوفة (إن كان) القاذف
стр. 6560
(زوجًا) فإن لاعَنَ، سقط عنه الحدُّ؛ لما تقدم في اللعان (١).
(وهو) أي: حدُّ القذف: (حقٌّ لآدمي) يسقط بعفوه (ولا يُستحلف) المُنكِر (فيه) أي: في القذف؛ لأنه لا يتعلَّق بالمال مقصوده (ولا يُقبل رجوعه) أي: المُقرِّ بالقذف (عنه) أي: عن القذف، كسائر حقوق الآدمي إذا أقرَّ بها، بخلاف حدِّ الزنى، وحدِّ الشُّرب، والسرقة؛ لأنها حَقّ لله تعالى.
(ويَسقط) حدُّ القذف (بعفو المقذوف، ولو بعد طلبه) لأنه حَقّه.
و (لا) يسقط حدُّ القذف بالعفو (عن بعضه) فلو قَذَف جماعة بكلمة واحدة، فعفا بعضُهم، لم يسقطِ الحَدّ بالنسبة لمن لم يعفُ، ويستوفى له كاملًا، بخلاف القِصاص؛ لأنه لا يتبعّض.
(وإن قال: اقذفني، فَقَذَفه؛ عُزِّر القاذفُ فقط) لارتكابه معصية، ولم يُحد؛ لأنه حق لآدمي، وقد أذن فيه.
(وليس للمقذوف استيفاء الحَدّ بنفسه) فلو فعل لم يُعتدَّ به، وعلَّله القاضي: بأنه تُعتبر نية الإمام أنه حدٌّ.
(وقذف غير المُحصَن، كمشرك، وذميٍّ، وقِنٍّ - ولو كان القاذف سيده - ومسلم له دون عشر سنين؛ ومسلمة لها دون تِسع) سنين (ومن ليس بعفيفٍ؛ يوجب التعزيرَ فقط) ردعًا له عن أعراض المعصومين، وكَفًّا له عن أذاهم.
(وحَقُّ طَلَبِ تعزير القِنِّ - إذا قُذف - له) لأنه لا يتعلق بالمال مقصوده (لا لسيده) فلا يُطالِب به سيده.
(والمُحصَن هنا) أي: في القذف، غير المحصن في باب الزنى
стр. 6561
(هو الحرُّ، المسلم، العاقل، الذي يُجامِعُ مِثْلُهُ) وهو ابن عشر، وبنت تسع فأكثر (العفيف عن الزنى ظاهرًا).
أما اعتبار الحرية والإسلام، فلأن العبد والكافر حُرْمَتُهُما ناقصةٌ، فلا تنهض لإيجاب الحَدّ، والآية الكريمة وردت في الحُرَّة المُسلِمة، وغيرها ليس في معناها.
وأما العقل؛ فلأن المجنون لا يُعيَّر بالزنى؛ لعدم تكليفه، وغير العاقل لا يلحقه شين بإضافة الزنى إليه؛ لكونه غير مكلَّف.
وأما العِفَّة عن الزنى، فلأن غير العفيف لا يَشينه القذف، والحدُّ إنما وجب لأجل ذلك، وقد أسقط الله الحَدَّ عن القاذف إذا كان له بينة بما قال.
وأما كونه يُجامِع مِثْلُه، فلأن مَنْ دونه لا يُعيَّر بالقذف، لتحقق كذب القاذف، ولا يُشترط في المحصن العدالة، فلو كان فاسقًا لشربه الخمر، أو البدعة، ولم يُعرف بالزنى؛ وجب الحدُّ على قاذفه.
(ولو تائبًا من زنىً) فَيُحدُّ قاذفه؛ لأن التوبة تجُبُّ ما قبلها (أو) كان المقذوف (مُلاعنة) فيحدُّ قاذفها كغيرها (وولدها) أي: المُلاعنة (وولد زنىً كغيرهما، فيحدُّ من قذفهما) إذا كانا محصنين كغيرهما.
(ومن ثبت زناه منهما) أي: من ولد المُلاعنة وولد الزنى (أو) ثبت زناه (من غيرهما ببينة) أي: بأربعة رجال، فلا حَدَّ على قاذفه؛ للآية (أو شهد به) أي: بزناه (شاهدان) فلا حدَّ على قاذفه، وفيه نظر؛ لمفهوم قوله: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ (١) (أو أقرَّ) المقذوف (به) أي: بالزنى (ولو دون أربع مرات) فلا حدَّ على قاذفه (أو حُدَّ للزنى؛ فلا حدَّ
стр. 6562
على قاذفه) لعدم إحصانه (ويُعزَّر) لما تقدم.
(ولو قال لمن زنى في شِرْكِهِ، أو كان مجوسيًّا تزوَّج بذات مَحْرَم) كأخته (بعد أن أسلم: يا زاني؛ فلا حدَّ عليه؛ إذا فَسَّره بذلك) أي: بالزنى في شِرْكه، أو بتزويجه (١) بذات مَحْرَمِهِ؛ لأنه صادق (ويُعَزَّر) لإيذائه له.
(ولا يُشترط في المقذوف البلوغ، بل) أن (يكون مثله يطأ أو يوطأ، كابن عشر) فأكثر (وابنة تسع) فأكثر؛ لأنه يلحقهما الشَّين بإضافة الزنى إليهما، ويُعيَّران بذلك، ولهذا جُعل عيبًا في الرقيق، وظاهر كلام جماعة أنه لا يُعتبر سلامتُهُ من وَطْء الشُّبهة.
(ولا يُقام عليه) أي: على قاذف ابن عشر ونحوه (الحدُّ حتى يبلغ المقذوف، ويطالب به) أي: الحد (بعد بلوغه) لعدم اعتبار كلامه قبل البلوغ (وليس لوليِّه) أي: وَليِّ غير البالغ (المطالبة عنه) بالحَدّ، حِذارًا من فوات التشفِّي.
(وكذا لو جُنَّ المقذوف) قبل الطلب (أو أُغمي عليه قبل الطلب) بالحَدّ، لم يقم على القاذف حتى يُفيق المقذوف ويطالب، وليس لوليه المطالبة عنه؛ لما سلف.
(وإن كان) جنونه أو إغماؤه (بعده) أي: الطلب (أُقيم) الحَدُّ في الحال؛ لوجود شرطه (كما لو وَكَّلَ في استيفاء القصاص، ثم جُنَّ) مستحقه جنونًا غير مطبق (أو أُغمي عليه) فإن ذلك لا يمنع وكيله من استيفائه، فإن كان الجنون مطبقًا، فقد تقدم (٢) في الوكالة أنها تبطل به.
(و إن قَذَف غائبًا؛ اعتُبِر قدومُه وطلبُه) لأنه حقٌّ له، أشبه سائر
стр. 6563
حقوقه (إلا أن يثبت أنه طالب في غيبته، فيُحدُّ) القاذف؛ لوجود شرطه، وهو الطلب.
(وإن كان القاذفُ مجنونًا، أو مُبَرْسمًا (١)، أو نائمًا، أو صغيرًا، فلا حدَّ عليه) لعدم اعتبار كلامه (بخلاف السكران) لأنه مُكلَّف.
(وإن قال لحُرَّة مسلمة) محصنة: (زنيتِ وأنتِ صغيرة، وفسَّره بصِغَرٍ عن تسع؛ لم يُحدَّ) لأن حدَّ القذف إنما وجب لما يلحق بالمقذوف من العار، وهو منتفٍ للصغر (ويُعَزَّر) زاد في "المغني": إن رآه الإمام، وأنه لا يحتاج إلى طلب؛ لأنه تأديب.
(وكذلك إن قَذَف صغيرًا له دون عَشْرِ سنين) أو قَذَف محصنًا، فقال له: زنيتَ وأنت صغير، وفسَّره بما دون العشر؛ لما مَرَّ (وإن) قال لمُحصَنة: زنيتِ وأنتِ صغيرة، و (فسَّره بتسع فأكثر من عمرها) حُدَّ (أو) قال لمُحصنٍ: زنيتَ وأنتَ صغير، وفسَّره (بعشر فأكثر من عمره؛ حُدَّ) لعدم اشتراط البلوغ.
(وإن قال القاذف للمقذوف: كنتَ أنتَ صغيرًا حين قذفتُكَ، فقال) المقذوف: (بل) كنتُ (كبيرًا، فالقول قول القاذف) لأن الأصل الصغر وبراءة الذمة من الحدِّ.
(وإن أقام كلٌّ منهما بينةً بدعواه، وكانتا مُطْلقَتيْن، أو مؤرّختين تاريخين مختلفين، فهما قذفان يوجبان التعزير والحَدَّ) أي: القذف في الصغر يوجب التعزير، والقذف في الكبر يوجب الحدَّ، إعْمالًا للبيِّنتين.
(وإن بيَّنتا تاريخًا واحدًا) فقال كل منهما: قذفه في أول مُحَرَّم سنة أربع مثلًا (فقالت إحداهما: وهو صغير، وقالت الأخرى: وهو كبير؛
стр. 6564
تعارضتا وسقطتا) لتعارضهما وعدم المرجِّح لأحداهما على الأخرى.
(وكذا لو كان تاريخ بينة المقذوف) الشاهدة بكبره (قبل تاريخ بينة القاذف) الشاهدة بالصغر، فتتعارضان، ويرجع إلى قول القاذف: إن القذف كان في صغر المقذوف، والمراد بالصغر: ما دون عشر في الذَّكَر، وتسع في الأنثى، كما يُعلم مما تقدم.
(وإن قال لحُرَّة مسلِمة: زنيتِ وأنتِ نصرانية) أو نحوها (أو أَمَة، ولم تكن كذلك؛ حُدَّ) للعلم بكذبه في وصفها بذلك (وإن لم يثبت ذلك، وأمكن) أن تكون كذلك (حُدَّ أيضًا) لأن الأصل عدمه.
(وكذا لو قذف مجهولة النسب وادَّعى رِقَّها، وأنكرته) فَيُحدُّ، وكذا لو قذف مجهولَ النسب وادَّعى رِقَّه، وأنكره، وتقدم في اللقيط (١).
(وإن كانت كذلك) نصرانية، أو أَمَة (لم يحدَّ) لعدم الإحصان وقت القذف (وإن قالت: أردتَ قذفي في الحال، فأنكرها؛ لم يُحدَّ) والقول قوله في إرادته؛ لأنه أعلم بنيّته.
(ولو قال: زنيتِ وأنتِ مشركة، فقالت: أردتَ قذفي بالزنى والشِّرك معًا، فقال) القاذف: (بل أردتُ قذفك بالزنى إذْ كنت مشركة؛ فقوله مع يمينه) لأن اختلافهما في نيته، ولا تُعلم إلا من قِبَله.
(وهكذا إن قال) لحُرٍّ: (زنيتَ وأنتَ عبد) فقال: أردتَ قذفي بالزنى والرق، فقال: بل أردتُ قذفك بالزنى إذْ كنت قِنًّا.
(وإن قال لها) أي: لمشركة أسلمت: (يا زانية، ثم ثبت زناها في حال كفرها؛ لم يُحدَّ) لأنها غير محصنة.
(ولو قَذف) زوجٌ (من أقرت بزنىً) ولو (مرة، فلا لِعان) عليه؛
стр. 6565
لاعترافها بما قذفها به (ويُعزَّر) لارتكابه معصية.
(ومتى (١) قَذَف مُحصَنًا، فزال إحصانه قبل إقامة الحَدِّ؛ لم يسقط الحَدُّ عن القاذق) حَكَمَ حاكمٌ بوجوبه أم لا؛ لأن الحد يُعتبر بوقت وجوبه، وكما لا يسقط بردته وجنونه، بخلاف فسق الشهود قبل الحكم؛ لضيق الشهادة.
(وإن وجب الحَدُّ على ذمي أو) على (مرتد، فلحق بدار الحرب، ثم عاد، لم يسقط عنه) بل يُقام عليه كسائر الحقوق عليه.
فصل
(والقذف محرَّم) لما تقدم (٢) أول الباب (إلا في موضعين:
أحدهما: أن يرى امرأته تزني في طُهر لم يُصبها فيه) زاد في "الترغيب" و"الرعاية": ولو دون الفرج. وفي "المغني" و"الشرح": أو تقرُّ به (٣) فيصدقها (فيعتزلَها، ثم تلد ما يمكن أنه من الزاني، فيجب عليه قَذْفُها) لأن نفي الولد واجب؛ لأنه إذا لم ينفه، لَحِقَه وورِثه، وورث أقاربه، وورثوا منه، ونظر إلى بناته وأخواته، ولا يُمكن نفيه إلا بالقذف، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (و) يجب (نفي ولدها) لأن ذلك يجري مجرى اليقين في أنَّ الولد من الزاني (٤)؛ لكونها أتت به لستة أشهر من حين الوطء، وفي سنن أبي داود: أن النبي ﷺ قال: "أيُّمَا امرأة أدْخلتْ على قومٍ من ليس منهم فليست من الله في شيءٍ، ولن يُدْخِلها الله
(وفي "المحرر" وغيره: وكذا لو وطئها) الزوج (في طُهرٍ زنت فيه، وظَنَّ) أن (الولد من الزاني) لِشَبَهِهِ به ونحوه. وجزم به في "المنتهى" (وفي "الترغيب": نفيه) أي: الولد (محرَّم مع التردُّدِ) في كونه منه أو من غيره؛ لأن الولد للفراش (١).
(و) الموضع (الثاني: أن يراها تزني ولم تلد ما يلزمه نفيه، أو يستفيض زناها في الناس، أو أخبره به) أي: بزناها (ثقة، أو يرى) الزوج (رجلًا يُعرف بالفجور يدخل إليها، زاد في "الترغيب": خَلْوَة. فيباح قَذْفُها) لأنه يغلب على ظَنّه فجورها (ولا يجب) لأنه يمكنه فِراقها (وفِراقُها أولى من قَذْفِها) لأنه أستر؛ ولأن قَذْفها يلزم منه أن يحلف أحدُهما كاذبًا، أو تُقِرَّ، فَتُفْتَضح.
(وإن أتت) الزوجة (بولد يُخالِف لونه لونهما) أي: الزوجين، كأبيض بين أسودين، أو عكسه (أو) أتت بولد (يُشبه رجلًا غير والديه، لم يُبحْ نفيه بذلك) لخبر أبي هريرة؛ متفق عليه، وقال: "لَعَلّهُ نَزعَهُ عِرْق" (٢)؛ ولأن دلالة الشبه ضعيفة، ودلالة الفراش قوية، بدليل قصة سعد وعبد الله بن زمعة (٣)(١) (ما لم تكن قرينة) بأن رأى عندها رجلًا يُشبه
стр. 6568
الولد الذي أتت به، فإن ذلك مع الشَّبه يغلب على الظن أن الولد من الرجل الذي رآه عندها (وإن كان يَعزِل عنها، لم يبُح له نفيه) لخبر أبي سعيد (١).
(ولا يجوز قَذْفُها بخبر من لا يوثق بخبره) لأن خبره غير مقبولٍ (٢) (ولا) قَذْفُها (برؤيته رجلًا خارجًا من عندها من غير أن يستفيض زناها، مع قرينة) لعدم ما يدلُّ على زناها.
فصل
وألفاظ القذف تنقسم إلى: صريح، وكناية، كالطلاق وغيره.
(و صريحُ القَذْف ما لا يحتمل غيره، نحو: يا زاني، يا عاهِر) وأصل العِهْر: إتيان الرجل المرأة ليلًا للفجور بها، ثم غلب على الزنى، فأُطلق العاهر على الزاني سواء جاءها للفجور أو جاءته هي ليلًا أو نهارًا (زنى فرجُكَ، يا لوطي، يا معفوج) من عَفج بمعنى: نكح، أي: منكوح، أي: موطوء (يا منيوك، قد زنيتَ، أو: أنتَ أزنى الناس - فَتَحَ التاء أو كَسَرها، للذكر والأنثى، في قوله: زنيت) لأن هذا اللفظ خطاب لهما، وإشارة إليهما بلفظ الزنى؛ ولأن كثيرًا من الناس يُذكِّر المؤنث،
стр. 6569
ويُؤنِّث المذكَّر، ولا يخرج بذلك عن كون المخاطب به مرادًا بما يُراد باللفظ الصحيح.
(أو) قال: (أنت أزنى من فُلانَةَ، يُحدُّ للمُخاطَبِ) بذلك الكلام؛ لأنه قاذف له (وليس بقاذف لفلانة) فلا يُحدُّ لها؛ لأنّ لفظة أفعل تُستعمل للمنفرد بالفعل، كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ﴾ (١) (أو قال لرجُل: يا زانيةُ، أو: يا نسمةٌ زانيةٌ، أو لامرأة: يا زاني، أو: يا شخصًا زانيًا، أو قذفها) أي: المرأة (أنها وطئت في دُبُرها، أو قذف رجلًا بوطء امرأة في دُبُرها، أو قال لها: يا منيوكة، إن لم يفسِّره بفعل زوج أو سيد) فإن فسَّره بفعل زوج أو سيد فليس قذفًا؛ لأنه ليس بزنىً (إذا كان القذف بعد حُرّيتها) أي: الأمة (وفسَّره بفعل السيد قبل العتق) فلا حدَّ (ولا يُقبل قوله) أي: لا يُسمع تفسير القاذف للقذف (بما يُحِيله) أي: بغير (٢) القذف، ويخرجه عن معناه؛ لأنه خلاف الظاهر (ويُحدُّ) لإتيانه بصريح القذف.
(فإن قال: أردت) بقولي: يا زاني، أو: يا عاهر (زاني العين، أو عاهر اليد، أو) قال: أردت (بـ) ـقولي: يا (لوطي، أنك من قوم لوط، أو تعمل عمل قوم لوط غير إتيان الذكور، ونحوه) أي: نحو ما ذكر من التأويل (لم يُقبل) منه؛ لأن إطلاق لفظه، وإرادة مثل ذلك فيه بُعْدٌ، مع أن قوم لوط لم يبقَ منهم أحد.
(و كلُّ ما لا يجب الحدُّ بفعله لا يجب) الحدُّ (على القاذف به، كوطء البهيمة، والمباشرة دون الفَرْج، والوطء بالشُّبهة، وقَذْف المرأة
стр. 6570
بالمساحَقَة، أو) قذفها (بالوطء مكرهة، و) كـ (ـالقذف باللمس والنظر) لأن ذلك ليس رميًا بالزنى (وقوله: لست لأبيك، أو: لست بولد فلان، قَذْفٌ لأُمه) لأن ذلك يقتضي أن أمه أتت به من غير أبيه، وذلك قذف لها (إلا أن يكون منفيًا بلعان لم يستلحقه أبوه، ولم يفسّره) القائل (بزنى أمه) فإنه لا يكون قذفًا لأمه؛ لصدقه في أنه ليس بولده.
(وكذا إن نفاه عن قبيلته) بأن قال: لست من قبيلة كذا، فإنه يكون قذفًا لأمه، إلا أن يكون منفيًا بلِعان لم يستلحقه أبوه، ولم يفسّره بزنى أمه (أو قال: با ابن الزانية) فهو قَذْفٌ لأمه.
(وإن نفاه) أي: الولد (عن أُمّه) بأنْ قال: ما أنتَ ابن فلانة، فلا حدَّ؛ للعلم بكذبه (أو قال: إن لم تفعل كذا، فلست بابن فلان) فلا حَدّ؛ لأنه لم يقذف أحدًا بالزنى.
(أو رُمي بحجر فقال: من رماني فهو ابن الزانية، ولم يُعرف الرامي) فلا حدَّ؛ لعدم تعيين الرامي.
(أو اختلف اثنان في شيء، فقال أحدهما: الكاذب ابن الزانية، فلا حَدَّ) لعدم تعيّن (١) الكاذب.
(وإن كان يعرف الرامي، فقاذِفٌ) لتعيّنه (٢)، وعبارة "المنتهى" كـ"الفروع" وغيره: إذا قال: من رماني بالزنى فهو زانٍ، لا حدَّ؛ وظاهره: مطلقًا.
(وإن قال لولده: لست بولدي، فهو كناية في قذف أُمِّه، يُقبل تفسيره بما يحتمله) لأن للرجل أن يُغلِّظ في القول والفعل لولده.
стр. 6571
(وزَنَأتَ في الجبل - مهموزًا - صريح، ولو ممن يعرف العربية) لأن عامة الناس لا يفهمون من ذلك إلا القذف، وإن كان معناه في اللغة: طلعت (كما لو لم يقل: في الجبل، أو لحن لحنًا غير هذا) فالعبرة بما يُفهم من اللفظ، ولا أثر للحن، قال في "المبدع": وعليهما إن قال: أردت الصعود في الجبل. قُبِل.
(وإن قال لرجل: زنيتَ بفلانة، أو قال لها: زنى بك فلان، أو) قال: (با ابن الزانيين. كان قذفًا (١) لهما بكلمة واحدة) فيُحدُّ لهما حدًّا واحدًا بطلبهما، أو طلب أحدهما.
(وإن قال: يا ناكِحَ أُمّه، وهي حيَّة، فعليه حَدَّان، نصًّا (٢)) ويحتاج لتحرير الفرق بينها وبين التي قبلها (و: يا زاني ابن الزاني، كذلك) أي: عليه حدَّان (إن كان أبوه حيًّا) لأنه قذفهما بكلمتين، وإن كان الأب ميتًا، فعلى ما يأتي في قذف الميت (٣).
(وإن أقرَّ أنه زنى بامرأة، فهو قاذف لها) فيلزمه حدُّه (ولو لم يلزمه حد الزنى بإقراره) بأن لم يقر به أربعًا، أو أقرَّ به أربعًا، ثم رجع.
فصل
(وكنايته) أي: القذف (والتعريض) به (نحو: زَنَتْ يداك، أو رِجْلاك، أو): زَنَتْ (يَدُك، أو رِجْلك) لأن زنى هذه الأعضاء لا يوجب
стр. 6572
الحَدَّ؛ لقوله ﷺ : "العَيْنَانِ تَزنيان وزناهما النظر. . ." الحديث (١) (أو): زنى (بَدَنُكَ) لأن زِناه يحتمل أن يكون بزنى شيء من أعضائه على المعنى السابق غير الفرج.
(ونحو قوله لامرأة رَجُلٍ: قد فضحْتِه) لأنه يحتمل أن يكون: بشكواكِ (و: غطَّيتِ) رأسه (أو: نَكَسْتِ رأسه) لأنه يحتمل أن يكون حياء من الناس (و: جعلتِ له قُرونًا) أي: لأنه يحتمل أنه مُسخَّر منقاد لك كالثور (و: عَلَّقت عليه أولادًا من غيره) أي: لأنه يحتمل: من زوج آخر، أو وطء شُبْهة (و: أفسدتِ فراشه) أي: لأنه يحتمل: بالنشوز والشقاق، أو منع الوطء.
(أو يقول لمن يخاصِمُه: يا حلالَ ابن الحلال) لأنه كذلك حقيقة (ما يَعْرِفك الناس بالزنى) أي: ما أنت زان ولا أمك زانية (أو: يا فاجرة) أي: مخالفة لزوجها فيما يجب طاعتها فيه (يا قَحْبَة) قال السعدي (٢): قحَب البعيرُ والكلبُ: سعل، وهي في زماننا: المعدّة للزنى (أو: يا خبيثة) صفة مُشبَّهة، من خَبُثَ الشيءُ فهو خبيث.
(أو يقول لعربي: يا نَبطي، أو يا فارسي، أو يا رومي) لأنه يحتمل
стр. 6573
أن يكون أراد نبطي اللسان، أو فارسي الطبع، أو رومي الخِلْقة (أو يقول لأحدهم: يا عربي) والنَّبط: قوم ينزلون بالبطائح بين العراقين، وفارس: بلاد معروفة وأهلها الفرس، وفارس أبوهم، والروم في الأصل: ابن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم ﵇.
ولو قال لعربي: يا أعجمي - بالألف - لم يكن قذفًا؛ لأنه نسبه إلى العجمة، وهي موجودة في العربي، فكأنه قال له: يا غير فصيح.
(أو) قال: (ما أنا بزان، أو ما أُمّي زانية، أو يا خنِيث (١) - بالنون -، أو يا عفيف، يا نظيف، أو يسمع رجلًا يقذف رجلًا فيقول: صدقت، أو صدقت فيما قلت) إذ يحتمل أن يكون صدق في غير ذلك.
(أو) قال: (أخبرني أو أشهدني فلان أنكَ زنيتَ. وكذَّبه فلان) لأنه إنما أخبر أنه قد قذف فلم يكن قذفًا، كما لو شهد على رجل أنه قذف رجلًا.
(أو قال: يا ولد الزنى. قال في "الرعاية": أو قال لها: لم أجدك عذراء، وفي "الكافي": "يا ولد الزنى" قاذف لأمه.
فهذه) الألفاظ التي سبقت (كناية) لاحتمالها غير الزنى - كما قَدَّمته - (إن فسَّره) أي: ما سبق (بالزنى فهو قَذْفٌ) لأنه أقرَّ على نفسه بما هو الأغلظ عليه (وإن فسَّره بما يحتمله غير القذف؛ قُبِل) لأنه يحتمل غير الزنى، كما ذكرناه (مع يمينه) وفي "الترغيب": هو قذف بنيته، ولا يُحَلَّف منكرها (وعُزِّرَ (٢)، وإن كان نوى الزنى بالكناية؛ لزمه الحدُّ باطنًا، ويلزمه إظهار نيته) لأنه حق آدمي.
стр. 6574
(ويُعزَّر بقوله: يا كافر، با منافق، يا سارق، يا أعور، يا أقطع، يا أعمى، يا مُقْعَدُ، يا ابن الزَّمِنِ الأعمى الأعرج، يا نَمَّام، يا حروري) نسبة إلى الحرورية، فرقة من الخوارج (يا مُرائي، يا مُرابي، يا فاسق، يا فاجر، يا حمار، يا تيس، يا رافضي، يا خبيث البطن أو الفَرْج، يا عدو الله، يا جائر، يا شارب الخمر، يا كَذَّاب، أو يا كاذب، يا ظالم، يا خائن، يا مُخَنَّث، يا مأبون، أي: معيوب) وفي عُرف زمننا من به داء في دُبُره، وليس بصريح؛ لأن الأُبْنَة المشار إليها لا تعطي أنه يفعل بمقتضاها، كقوله للمرأة: يا مغتلمة (زنت عينك، يا قرنان، يا قوَّاد) وهو عند العامة السمسار في الزنى (يا معرّصُ، يا عَرْصةُ) وينبغي فيهما بحسب العُرف أن يكونا صريحين (ونحوهما: يا دَيُّوث) وهو الذي يقرُّ السوء على أهله، وقيل: الذي يدخل الرجال على امرأته. وقال الجوهري (١): هو الذي لا غَيْرة له. والكل متقارب؛ قاله في "الحاشية" (يا كَشخان (٢)) - بفتح الكاف وكسرها -: الدَّيُّوث؛ قاله في "الحاشية" (يا قَرْطبان) قال ثعلب (٣): القَرْطبان الذي يرضى أن يدخل الرجال على نسائه. وقال: القرنان والكشخان؛ لم أرهما في كلام العرب، ومعناهما عند العامة مثل معنى الديوث أو قريب منه (٤) (يا عِلْق) وذكر الشيخ تقي الدين (٥) أنها صريحة، ومعناه قول ابن رزين: كل ما يدل عليه عُرفًا (يا سوس، ونحو ذلك) من كل ما فيه
стр. 6575
إيذاء (١) وليس بصريح في الزنى، فيعزَّر به؛ لارتكابه معصية، وكفًّا له عن أذى المعصومين.
ومن قال لظالم ابن ظالم: جبرك الله ورحم سَلَفَكَ، يُعزَّر؛ ذكره في "الفروع" عن "الرعاية".
فصل
(وإن قَذَفَ أهلَ بلدٍ، أو) قَذَفَ (جماعة لا يُتصوَّر الزنى من جميعهم عادة؛ لم يُحدَّ) لأنه لا عار على المقذوف بذلك؛ للقطع بكذب القاذف (وعُزِّر) على ما أتى به من المعصية والزور (كسَبِّه (٢) بغيره) أي: القذف (ولو لم يطلبـ) ـه أي: التعزير (أحدٌ منهم) قال في "المغني": لا يحتاج التعزير إلى مطالبة.
(وإن قال لامرأته: يا زانية، فقالت: بكَ زنيتُ، لم تكن قاذفة) له؛ لأنها صَدَّقته (وسقط عنه الحَدّ بتصديقها) له - كما تقدم (٣) - (ولا يجب عليها حَدّ القذف) لأنها لم تقذفه (لأنه يمكن الزنى منها به من غير أن يكون زانيًا) بها (بأن يكون قد وطئها بشُبهة) وهي عالمة (ولا يجب عليها حَدُّ الزنى؛ لأنها لم تُقِرَّ) به (أربع مرات.
ومن قُذف له مَوروثٌ حيٌّ محجورٌ عليه) لصغر أو غيره (أو لا) أي: أو غير محجور عليه (أُمًّا كان) المقذوف (أو غيره (٤)، لم يكن له أن
стр. 6576
يُطالِب في حياته بموجب قَذْفه) لأنه حَقٌّ ثبت للتشفِّي، فلا يقوم فيه غير المستحق مقامه، كالقِصاص.
(فإن مات) المقذوف أُمًّا كان أو غيرها (وقد طالب (١)) بالحَدِّ (صار) الحد (للوارث بصفة ما كان للمورِّث (٢)، اعتبارًا بإحصانه) أي: الوارث؛ لأنه تَعْييْرٌ له وطعن في نسبه. قال في "الشرح" و"المبدع": ولا يستحق ذلك بطريق الإرث، فلذلك يُعتبر الإحصان فيه، ولا يُعتبر في أُمّه، أي: إذا كانت هي المقذوفة؛ لأن القذف له، وشُرط فيه الطلبُ؛ لأنه حَقٌّ من الحقوق، فلا يستوفى بغير طلب مستحقّه، كسائر الحقوق، وإحصانُه؛ لأن الحدَّ وجب للقدح في نسبه (٣).
(وإن قُذِف) بالباء للمفعول (ميت مُحصَن أو لا) أي: أو غير محصن (ولو) كان الميت المقذوف (من غير أُمّهات الوارث، حُدَّ قاذفٌ بطلب وارثٍ محصن خاصّة) لما فيه من التعيير (وإن كان الوارث غير مُحصَن) بأن كان عبدًا أو كافرًا ونحوه (فلا حَدَّ) كما لو قَذَفه ابتداءً.
(و يثبتُ حقُّ قَذْفِ الميت والقذفِ الموروثِ لجميع الورثة حتى الزوجين) لأنه حقٌّ وُرِثَ من الميت، فاشترك فيه جميع الورثة، كسائر الحقوق.
(وإن عفا بعضُهم) أي: الورثة (حُدَّ) القاذف (للباقي) من الورثة حدًّا (كاملًا) لِلُحُوق العار بكلِّ واحدٍ منهم على انفراده.
(ومن قَذَفَ النبيَّ ﷺ ، أو) قَذَفَ (أُمَّه؛ كَفَر) لما في ذلك من
стр. 6577
التعرُّض للقدح في النبوة الموجب للكفر (وقُتِل) من قَذَف النبيَّ ﷺ (ولو تاب، نصًّا (١)، أو كان كافرًا ملتزمًا) كالذمي (فأسلم) لأن قتله حَدُّ قَذْفِه، فلا يسقط بالتوبة، كقذف غيرهما؛ ولأنه لو قُبلت توبته، وسقط حَدّه، لكان أخف حكمًا من قذف آحاد الناس. قال في "المنثور": وهذا كافر قُتِل من سَبَّةٍ، فيُعايا بها.
"فائدة" قال الشيخ تقي الدين (٢): قَذْفُ نسائه كقَذفِهِ، لقدحه في دينه ﷺ ، وإنما لم يقتلهم؛ لأنهم تكلَّموا قبل علمه ببراءتها، وأنها من أمهات المؤمنين؛ لإمكان المفارقة فتخرج بها منهن، وتحلّ لغيره.
و (لا) يُقتل (إن سَبّه) كافر (بغير القذف، ثم أسلم) لأن سَبَّ الله تعالى يسقط بالإسلام، فسبُّ النبي ﷺ أولى (وتقدم (٣) آخر باب أحكام الذمة.
وكذا) حكم قذف (كلّ أمّ نبي غير نبينا) ﷺ - (قاله ابن عبدوس في "تذكرته" ولعله مراد غيره) قال في "الإنصاف": وهو عين الصواب الذي لا شك فيه، ولعله مرادهم، وتعليلهم يدلُّ عليه، ولم يذكروا ما ينافيه.
"تتمة": سأله حرب (٤): رجل افترى على رجل، فقال: يا ابن كذا وكذا، إلى آدم وحواء، فعظمه جدًّا، وقال عن الحدّ: لم يبلغني فيه شيء، وذهب إلى حدٍّ واحد.
(وإن قَذَف) مُكلَّفٌ (جماعةً يُتصور منهم الزنى عادة بكلمة واحدة، فـ) ــعليه (حدٌّ واحد؛ إذا طالبوا - ولو مُتفرِّقين -أو) طالب (واحدٌ منهم،
стр. 6578
فيحد لمن طلب، ثم لا حدَّ بعده) لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ. . .﴾ الآية (١). فلم يُفَرِّق بين من قذف واحدًا أو جماعة؛ ولأن الحدَّ إنما وجب بإدخال المعرَّة على المقذوف بقَذْفِه، وبحدٍّ واحدٍ يظهر كَذِبُ هذا القاذف، وتزول المعرَّةُ، فوجب أن يُكتفى به، بخلاف ما إذا قَذَفَ كلَّ واحدٍ قذفًا مفردًا، فإنّ كَذِبه في قذف لا يلزم منه كذبه في الآخر، ولا تزول المعرَّة.
(وإن أسقطه) أي: الحد (أحدُهم، فلغيرهم (٢) المطالبة واستيفاؤه) لأن الحق ثابت لهم على سبيل البدل، فأيُّهم طلبه استوفاه، وسقط، ولم يكن لغيره الطلب، كحق المرأة على أوليائها في تزويجها (وسقط حق العافي) بعفوه؛ لأنه حق له، كما لو انفرد.
(وإن كان) قَذَف جماعة يُتصوَّر الزنى منهم عادة (بكلماتٍ؛ حُدَّ لكلِّ واحد) منهم (حدًّا) كاملًا؛ لما سَلَف، وكالديون، والقِصاص.
(ومن حُدَّ لقذفٍ، ثم أعاده) أي: القذف، لم يُعَدْ عليه الحَدّ؛ لأنه حُدَّ به مرة، فلم يُحدَّ به ثانية، ويُعزَّر (أو) أعاد زوجٌ القذف (بعد لِعانه، لم يُعَدْ عليه الحَدُّ) لأنه قذفٌ لاعَنَ عليه، فلا يُحدُّ به، كما لو أعاده قبل اللعان (ويُعزَّر) ردعًا له عن أعراض المعصومين (ولا لِعان) أي: لو كان المعيد للقذف زوجًا بعد أن لاعن عليه، فليس له إعادة اللعان لدرء التعزير؛ لأن القذف واحد، وقد لاعن عليه أولًا، فلا يُعيده.
(وإن قذفه بزنىً آخرَ) أي: غير الذي قَذَفه به أولًا وحُدَّ له (حُدَّ) للقذف الثاني (مع طول الزمن) لأن حُرمة المقذوف لا تسقط بالنسبة إلى
стр. 6579
القاذف أبدًا، بحيث يتمكّن من قَذْفه بكلِّ حال (وإلا) أي: وإن لم يَطُل الزمن بين الحد للأول (١) والقذف الثاني (فلا) يُحدّ ثانيًا؛ لأنه قد حُدّ له مرة، فلم يُحد له بالقذف عقبه، كما لو قذفه بالزنى الأول.
(وإن قذف رجلًا) أو امرأة (مرَّاتٍ بزنىً، أو زنياتٍ، ولم يُحد؛ فحدٌّ واحدٌ) كما لو زنى بنساء، أو شرب أنواعًا من المسكر، أو سرق من جماعة؛ لأن القصد الردع وإظهار كَذِبه، وذلك يحصُل بحدٍّ واحد.
فصل
(تجب التوبة) فورًا (من القذف والغيبة وغيرهما) ظاهره: ولو من صغيرة، وإن كانت تُكَفَّر باجتناب الكبائر؛ لعموم الأدلة.
(ولا يُشترط لصحَّتها) أي: التوبة (من ذلك) أي: من القذف والغيبة ونحوهما (إعلامه) أي: المقذوف أو المُغتاب ونحوه. نقل مهنّا: لا ينبغي أن يُعلمه (٢) (ولأن في إعلامه دُخولَ غَمٍّ عليه وزيادة إيذاء. وقال القاضي، والشيخ عبد القادر: يحرم) على القاذف ونحوه (إعلامه) أي: المقذوف والمغتاب (٣) ونحوه؛ لما تقدم.
(وقيل): يشترط إعلامه (إن علم به المظلوم، وإلا؛ دعا له واستغفر ولم يُعْلِمه، وذكره الشيخ عن أكثر العلماء، وقال (٤)) الشيخ: (وعلى الصحيح من الروايتين: لا يجب الاعتراف) للمظلوم (ولو سأله
стр. 6580
فيعرِّض) في إنكاره حذارًا من الكذب (ولو مع استحلافه؛ لأنه مظلوم، لصحَّة توبته) فينفعه التأويل (ومع عدم التوبةِ والإحسانِ تعريضهُ) في الإنكار (كَذِب، ويمينه غموس) لأنه ظالم فلم ينفعه تعريضه (قال: واختار أصحابنا: لا يُعلمه بل يدعو له في مقابلة مظلمته، وقال (١): ومن هذا الباب قول النبي ﷺ : "أيما مسلم شَتَمْتُهُ أو سَبَبْتُهُ فاجعل ذلك له صلاةً وزكَاةً وقُرْبَةً تقرِّبهُ بها إليك يوم القيامة") رواه الشيخان من حديث أبي هريرة بلفظ أن النبي ﷺ قال: "اللهم إني أتخذُ عندك عهدًا لن تخْلِفَنيه، إنما أنا بشَرٌ، فأيُّ المؤمنين آذيتهُ أو شَتَمْتُهُ أو جلدتُهُ أو لَعَنْتُهُ فاجعلها له صلاةً. . ." الحديث (٢).
(وقال) الشيخ (٣) (- أيضًا -: زناه بزوجة غيره كالغيبة) وذكره في "الغنية" (٤): إن تأذى بمعرفته، كزناه بجاريته وأهله، وغيبته بعيب خفي يعظم أذاه، فهنا لا طريق له إلى أن يستحلّه، ويبقى له عليه مظلمة ما، فيجبرها بالحسنات، كما يجبر مظلمة الميت والغائب (ولو أعلمه بما فعل ولم يُبيّنه، فحلله، فهو كإبراء من مجهول) على ما تقدم في الهبة (٥) (وفي "الغُنية" (٦): لا يكفي الاستحلال المبهم، فإن تعذَّر فيكثر الحسنات.
стр. 6581
ولو رضي أن يُشتم أو يُغتاب أو يُجنى عليه ونحوه؛ لم يُبح ذلك) لأن إسقاط الحق قبل وجوده لا يصح، وإذنه في عِرْضه كإذنه في قَذْفه ودمه (ويأتي لذلك تتمة في باب شروط من تُقبل شهادته) وبيان معنى التوبة وما يتعلق به (١).
стр. 6582
باب حد المُسْكِر
السُّكْر: اختلاط العقل. قال الجوهري: السَّكران خلاف الصاحي، والجمع: سَكْرَى وسُكارى بضم السين وفتحها، والمرأة سَكْرى، ولغة بني أسد سكرانة (١). والمُسْكِر: اسم فاعل من أسكر الشراب، إذا جعل صاحبه سكران، أو كان فيه قوة تفعل ذلك. وهو مُحَرَّم بالإجماع (٢). وما نقل عن قُدامة بن مظعون (٣)، وعمرو بن معدي كَرِبَ (٤)، وأبي جندل بن سَهْل (٥)(٦): أنها حلال، فمرجوعٌ عنه، نقله الموفَّق والشارح وغيرهما. وسنده قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ. . .﴾ الآيات (٧)؛ وقول النبي ﷺ في حديث ابن عمر: "كلُّ مُسْكِرٍ خَمْر" وفي لفظ: "كلُّ مُسْكِرٍ خمر، وكلُّ خمر حرام" رواهما مسلم (٨).
стр. 6583
(كلُّ شرابٍ أسكر كثيره؛ فقليله حرام) لحديث جابر مرفوعًا قال: "ما أسكر كثيره فقليله حرام" رواه أبو داود، وابن ماجه، والترمذي وحسَّنه (١) (من أي شيء كان) لما رُوي أن عمر قال على مِنبر رسول الله ﷺ : "أما بعدُ: أيُّها الناس: إنه نزل تحريم الخمر؛ وهي من خمسة: من العنب، والتمر، والعسل، والحِنْطة، والشعير، والخمر ما خامر العقل" متفق عليه (٢).
(ويُسمَّى) كلُّ شراب أسكر (خمرًا) لقوله ﷺ : "كل مُسْكِر خَمْر، وكلُّ خَمْر حرام" رواه أحمد، وأبو داود (٣).
(ولا يجوز شُرْبه) أي: المسكر (للذة، ولا لتداوٍ) لما روى وائل بن حُجْر: "أن طارق بن سُويد الجُعْفي سأل النبي ﷺ عن الخمر،
стр. 6584
فنهاه، وكره له أن يصنعها، فقال: إنما أصنعها للدواء، فقال: إنه ليس بدواء، ولكنه داء" رواه مسلم (١). وقال ابن مسعود: "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرَّم عليكم" رواه البخاري (٢) (ولا عطش، بخلاف ماءٍ نجس) لما فيه من البرد والرطوبة، بخلاف المُسْكِر، فإنه لا يحصُل به رِيّ؛ لأن ما فيه من الحرارة يزيد العطش.
(ولا) يجوز استعمال المُسْكِر في (غيره) أي: غير ما ذكر (إلا لمُكْرَه) فيجوز له تناول ما أُكره عليه فقط؛ لحديث: "عُفيَ لأمتى عن الخطأ والنسيانِ وما استُكرهوا عليه" (٣) (أو مضطر إليه) خاف التلف (لدفع لُقْمَة غصَّ بها، وليس عنده ما يُسيغها) فيجوز له تناوله؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ
стр. 6585
عَلَيْهِ﴾ (١)؛ ولأن حفظ النفس مطلوب، بدليل إباحة الميتة عند الاضطرار إليها، وهو موجود هنا.
(ويُقدَّم عليه) أي: المُسْكِر (بول) لوجوب الحَدِّ باستعمال المُسْكِر دون البول (ويُقدَّم عليهما) أي: على المُسْكِر والبول (ماءٌ نجسٌ) لأن الماء مطعوم، بخلاف البول، وإنما مَنَع من حِلِّ استعماله نجاستُهُ.
(وفي "المغني" وغيره) كـ "الشرح": (إنْ شَرِبَها) أي: الخمر (لعطش، فإن كانت ممزوجة بما يروي من العطش؛ أُبيحت لدفعه عند الضرورة) كما تُباح الميتة عند المخمصة، وكإباحتها لدفع الغصة.
(وإن شربها صِرفًا، أو ممزوجةً بشيءٍ يسير لا يروي من العطش؛ لم تُبَح) لعدم حصول المقصود بها؛ لأنها لا تروي، بل تزيده عطشًا (وعليه الحَدّ. انتهى) لأن اليسير المستهلك فيها، لم يسلب عنها اسمَ الخمر.
(وإذا شربه) أي: المُسْكِر (الحُرُّ المسلم المُكلَّف مختارًا) لحله لِمُكْرَهٍ (عالمًا أن كثيره يُسْكِر، سواء كان) الشراب المُسْكِر (من عصير العنب، أو غيره من المسكرات) لما سبق (قليلًا كان) الذي شربه من المسكر (أو كثيرًا، ولو لم يَسْكر الشارب، فعليه الحَدّ) لما روى أبو هريرة: أن النبي ﷺ قال: "من شَرِب الخمر، فاجلدوه" رواه أحمد وأبو داود والنسائي (٢). وقد ثبت "أن أبا بكر وعمر وعليًّا جلدوا