(ولا) على (مُخْتَلِسٍ، والاختلاس: نوعٌ من الخطف والنهب) وإنما استخفى في ابتداء اختلاسه، والمختلس: الذي يختطف الشيء ويمر به.
(ولا على غاصب، ولا) على (خائن في وديعة، أو عارية، أو غيرهما (١)) لقوله ﷺ : "ليس على الخائن والمختلس قَطْعٌ"، رواه أبو داود والترمذي (٢). وقال: لم يسمعه ابن جُريج من أبي الزبير. وقال أبو داود: بلغني عن أحمد بن حنبل أن ابن جُريج إنما سمعه من ياسين الزيات.
ولأن الاختلاس نوعٌ من النهب، وإذا لم يقطع الخائن والمختلس، فالغاصب أولى.
(ولا جاحِدِ وديعةٍ، ولا غيرِها من الأمانات) لعموم قوله ﷺ : "لا قطْع على خائنٍ" (٣)؛ ولأنه ليس بسارق (إلا العاريةَ، فَيُقطع بجَحْدِها) لما روت عائشة: "أنَّ امرأةً كانت تسْتَعيرُ المتاعَ وتجْحَده، فأمرَ النبي ﷺ بقَطْعِ يدها" رواه مسلم (٤). قال
стр. 6617
أحمد (١): لا أعلم شيئًا يدفعه. وقال في رواية الميموني (٢): هو حُكم مِن النبيِّ ﷺ ليس يدفعه شيءٌ.
(و) يُقطع (بسرقه مِلْحٍ، وترابٍ) يُقصد عاده، كالطين الأرمني والمَغْرَة (وأحجار، ولَبِنٍ) - بكسر الباء - جمع لبنة (و) سرقة (كَلأ، وسرجين طاهر، وثلج، وصيد، وفاكهة، وطبيخ، وذهب، وفضة، ومتاع، وخشب، وقصب) سكر أو فارسي (ونُورة، وجِصّ، وزِرْنيخ، وفَخَّار، وتوابل) وهي: ما يوضع على الخبز من شَمَر ونحوه (وزجاج) حيث بلغت قيمة المسروق من ذلك نصابًا؛ لعموم النصوص.
(ويُشترط في قطع سارق أن يكون مُكلَّفًا مختارًا) لحديث: "عُفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استُكْرِهُوا عليه" (٣)؛ وحديث: "رُفِع القلم عن ثلاثٍ" (٤).
(و) يُشترط أيضًا (أن يكون المسروق مالًا) لأن ما ليس بمال فلا حُرمة له، فلم يجب به قَطْع، والأحاديث (٥) دالّة على ذلك، مع أن غير المال لا يساوي المال، فلا يلحق به، والآية وإن كانت مطلقة فالأخبار مُقيّدة، والمطلق يحمل على المقيد (محترمًا) لأنه إذا لم يكن كذلك - كمال الحربي - تجوز سرقته بكل طريق، وجواز الأخذ منه ينفي وجوب
стр. 6618
القطع.
وأن يكون السارق (عالمًا به) أي: بالمسروق (و) أن يكون عالمًا (بتحريمه) لأن عدم العلم بذلك شُبهة، والحَدُّ يُدرأ بها (١) حسب الاستطاعة.
وأن تكون سرقة (٢) المال المحترم (من مالكه، أو نائبه) أي: نائب المالك، كوليِّه، ووكيله، بخلاف من سرق من سارق ما سرقه، أو من غاصب ما غصبه؛ لأنه ليس بمحترم (ولو) كان المسروق (من غَلَّةِ وقفٍ وليس من مستحقيه) أي: الوقف؛ لأنه سرق مالًا محترمًا لغيره، ولا شُبهة له فيه، أشبه ما لو لم يكن غَلَّة وقفٍ.
(ويُقطع الطَّرَّار) من الطَّرّ - بفتح الطاء - وهو القطع (سرًّا) أي: الذي يَبُطّ خفية؛ لأنه سارق من حِرْز (وهو الذي يسرق نصابًا من جيب إنسان، أو كُمِّه، أو صُفْنِه (٣)) بعد بَطِّهِ (وسواء بَطَّ ما أخذَ منه المسروق، أو قطع الصُّفْن) أو نحوه (فأخذه، أو أدخل يده في الجيب فأخذ ما فيه، أو) بطَّه وأخذ ما فيه (بعد سقوطه.
ويُقطع بسرقة العبد الصغير الذي لا يُميّز) لأنه سرق مالًا مملوكًا تَبلغُ قيمته نصابًا، أشبه سائر الحيوانات؛ ولأن مثله لا يفهم، ولا يميز بين سيده وغيره (فإن كان) العبد (كبيرًا لم يُقطع سارقه) لأنه لا يُسرق، وإنما يُخدع (إلا أن يكون) العبد الكبير (نائمًا، أو مجنونًا، أو أعجميًّا لا يميز بين سيده وغيره في الطاعة) فيُقطع بسرقته؛ لأنه في معنى الصغير.
стр. 6619
و (لا) يُقطع (بسرقة مكاتَب) ذكرًا كان أو أنثى؛ لأن ملك سيده ليس تامًّا عليه؛ لكونه لا يملك منافعه ولا استخدامه، ولا أخْذ أرْش الجناية عليه.
(و) لا بسرقة (أُمّ ولد) لأنه لا يحلّ بيعها ولا نقل الملك فيها، فأشبهت الحُرَّة.
وأما المُدَبَّر، فحكمه حكم القِنِّ؛ لأنه يجوز بيعه، ويُضمن بقيمته.
(ويُقطع بسرقة مال المُكاتَب) لأنه مال محترم (إلا أن يكون السارق) له (سيده) للشُّبهة. قلت: أو عبد السيد؛ لأنه لا يقطع بسرقة مال لا يقطع به سيده.
(ولا يُقطع بسرقة حُرٍّ، وإن كان) الحر (صغيرًا) لأنه ليس بمال، أشبه الكبير (ولا) يُقطع (بما عليه) أي: الحر الصغير (من حَلي وثياب) تبلغ قيمتها نصابًا؛ لأنه تابع لما لا قطع فيه، أشبه ثياب الكبير؛ ولأن يَدَ الصغير ثابتة على ما عليه، بدليل ما يوجد مع اللقيط يكون له.
وكذا لو كان الكبير نائمًا على متاعه، فسرقَه ومتاعَه، لم يُقطع؛ لأن يده عليه.
(ولا) يُقطع (بسرقة مصحف) لأن المقصود منه كلام الله تعالى، وهو لا يجوز أخذ العوض عنه (ولا) يُقطع - أيضًا - (بما عليه) أي: المصحف (من حَلي) لأنه تابعٌ لما لا قطع فيه.
(ولا) قطع (بـ) ــسرقة (كُتب بِدَع، وتصاوير) لأنها واجبة الإتلاف.
(ولا بآلة لهو، كطُنْبُور، ومزمار، وشَبّابة، وإن بلغت قيمته) أي: ما ذكر من آلة اللهو (مُفصَّلًا نِصابًا) لأنه معصية
стр. 6620
إجماعًا (١)، فلم يقطع بسرقته، كالخمر. (ولا) يُقطع - أيضًا - (بما عليها) أي: على آلة اللهو (من حَلي) ولو بلغ نصابًا؛ لأنه متصل بما لا قَطْع فيه، أشبه الخشب.
(ولا) قطع - أيضًا - (بمحرَّم، كخمر، وخنزير، وميتة، سواء سرقه من مسلم أو كافر) لأنها غير محترمة، وليست مالًا.
(ولا بسرقة صليب، أو صنم، من ذهب أو فضة) لأنه مُجمَعٌ على تحريمه؛ ولأن للسارق شُبهة في أخذه ليكسره.
(ولا بـ) ــسرقة (٢) (آنية فيها خمر، أو ماء) لاتصالها بما لا قطع فيه.
(ولا بسرقة ماء) لأن أصله الإباحة، وهو غير مُتَمَوَّل عادةً.
(و) لا قطع بسرقة (سَرجين نجس) لأنه ليس بمال.
(ويقطع بسرقة إناء نَقْدٍ تبلغ قيمته منكسرًا (٣) نصابًا) لأنه غير مُجمَع على تحريمه، وقيمته بدون الصناعة المختلف فيها نصاب.
(وبسرقة دراهم، أو دنانير فيها تماثيل) لأن ما فيها من الصناعة المُحَرَّمة لا يُخرِجها عن كونها مالًا.
(و) يقطع (بـ) ــسرقة (سائر كتب العلوم الشرعية) والمباحة؛ لأنها مال حقيقة وشرعًا، ولهذا جاز بيعها.
(و) يقطع بسرقة (عين موقوفة على معيَّن) لا شُبهة له في ماله؛ لأنه يملكها كما تقدم.
стр. 6621
(و) يقطع بسرقه (إناء) لا خمر فيه ولا ماء (مُعَدٍّ لحمل الخمر (١) ووضعه فيه، كسكين مُعَدَّة لذبح الخنازير، وسيف مُعدٍّ لقطع طريق) لأن إعداده للمحرم لا يزيل ماليته.
(وإن سرق منديلًا قيمته دون نصاب، في طرفه دينارٌ) أو ربعه، أو ثلاثة دراهم فأكثر، أو ما تبلغ قيمته ذلك (مشدودٌ يعلَمُ به؛ قُطِعَ) لسرقته مالًا من حِرزه، لا شُبهة له فيه (وإلا) أي: وإن لم يعلم به (فلا) قطع عليه؛ لعدم علمه بالمسروق.
فصل
(ويُشترط أن يكون المسروق نِصابًا، وهو) أي: نِصاب السرقة (ثلاثة دراهم، أو رُبع دينار، أي: مثقالٌ، أو عَرْضٌ قيمته كأحدهما) لقوله ﷺ : "لا تُقطع اليد إلا في رُبع دينار فصاعدًا" رواه أحمد ومسلم (٢).
وروى ابن عمر: "أنَّ النبي ﷺ قَطع في مِجَنٍّ قيمَتُهُ ثلاثةُ دراهم" متفق عليه (٣).
وروى أنس: "أنَّ سارقًا سرق مجنًّا قيمته ثلاثة دراهم فقَطعه أبو
стр. 6622
بكرٍ" (١) و"أُتي عُثمانُ برجل سرق أُتْرُجَّةً فبلغت قيمتهما رُبع دينارٍ فقَطعهُ" (٢).
وقال عليّ: "فما بلغ ثمن المجنِّ ففيه القَطْعُ" (٣) والآية مُخَصَّصةٌ بذلك.
وقوله ﷺ : "لعن الله السارق يسرِق الحبْل فتُقطع يده، ويسرِقُ البيضة فتقطَع يده" متفق عليه (٤)، يُحمل على حبل يساوي ذلك، وعلى بيضة السلاح، وهي تساوي ذلك، أو بيضة النعام إذا كانت تساوي ذلك،
стр. 6623
جمعًا بين الأخبار.
(وتُعتبر قيمته) أي: المسروق (حال إخراجه من الحِرْز) لأنه وقت السرقة، التي هي سبب القطع.
(فإن كان في النقد) المسروق (غش، لم يجب القطع حتى يبلغ ما فيه من النقد الخالص نصابًا) لما تقدم (وسواء كان النقد مضروبًا، أو تِبرًا، أو حَلْيًا، أو مكسَّرًا) لعموم ما سبق.
(ويُضَم أحدُ النقدين إلى الآخر بالأجزاء في تكميل النصاب) كالزكاة، فلو سرق ثُمن مثقال ودرهمًا ونصفًا؛ قُطِع.
وكذا يُضَم أحدُ النقدين - أو هما - إلى قيمة عرْض في تكميل النصاب، فلو سرق درهمًا وعَرْضًا يساوي درهمًا ونصف سُدس دينار؛ قُطِع.
(وإن سَرَق عَرْضًا قيمته نصاب) حين إخراجه (ثم نقصت قيمته بعد إخراجه) من الحِرز (قبل الحكم) بالقطع (أو بعده، قُطِع) اعتبارًا بحال الإخراج؛ لأنه وقت الوجوب.
و (إن ملكه) أي: ملك السارقُ المسروقَ (ببيع، أو هِبَة، أو غيرهما) كإرث ووصية (بعد إخراجه من الحِرْزِ وبعد رفعه إلى الحاكم؛ قُطِع) لما روى صفوان بن أمية: "أنّه نام على ردائه في المسجد، فأُخذ من تحت رأسه، فجاءَ بسارقه إلى النبي ﷺ ، فأمر بقطعه، فقال صفوان: يا رسول الله لم أُرد هذا، ردائي عليه صدقة، فقال النبي ﷺ : هَلَّا كان قبل أن تأتيني به؟ " رواه ابن ماجه (١).
стр. 6624
و (لا) يقطع إن ملكه السارق ببيع، أو هبة، أو غيرهما (قبل رفعه) أي: السارق للحاكم؛ لقوله ﷺ : "هلَّا كان قبل أن تأتيني به" و (لتعذُّر شرط القطع، وهو الطلب.
وإن وُجِدت السرقة) أي: المسروق (ناقصة) عن النصاب (ولم يعلم هل كانت ناقصة حين السرقة، أو بعدها؛ لم يُقطع) لعدم تحقق شرطه؛ ولحديث: "ادرؤوا الحدود بالشُّبهات ما استطعتم" (١).
(وإن دخل الحِرْزَ فذبح منه (٢) شاة، أو شَقَّ) فيه (ثوبًا قيمة كل
стр. 6625
منهما نصاب، فنقصت) قيمتهما (عن النصاب، ثم أخرجَهُما ناقصين، أو أتلفهما) فيه (أو) أتلف (غيرَهما فيه) أي: في الحِرْز (وقيمتُهما) أي: قيمة ما أتلفه من الثوب والشاة، أو نحوهما (نصاب) وقوله: (بأكل أو غيره) متعلّق بـ "أتلفهما" (لم يُقطع) لأن من شَرْطِ القطع أن يُخْرِج العين من الحِرْز وهي نصاب، ولم يوجد.
(وإذا ذبح السارقُ) المسلمُ أو الكتابي (المسروقَ) مُسمِّيًا (حلَّ) لربه ونحوه أكله ولم يكن ميتة، كالمغصوب، ويُقطع السارق إن كانت قيمة المذبوح نصابًا، وإلا؛ فلا.
(وإن سرق فَرْدَ خُفٍّ قيمتُه منفردًا درهمان، ومع الآخر أربعة؛ لم يُقطع) لأنه لم يسرق نصابًا (وإن أتلفه) أي: فَرْدَ الخف (لزمه ستة) درهمان قيمة التالف، وأربعة أرْش التفريق.
(وكذا الحكم لو سرق جزءًا من كتاب ونظائره) كمِصراع من باب.
(و إن اشترك جماعةٌ في سرقة نصابٍ واحدٍ فأكثرَ ؛ قُطِعوا) كالقِصاص (سواء أخرجوه جُملةً، كثقيل اشتركوا في حمله، أو أخرج كلُّ واحد) منهم (جزءًا) لأنهم اشتركوا في هَتْكِ الحِرْز وإخراج النصاب، فلزمهم القطع، وفارق القِصاصَ؛ لأنهم (١) يعتمد المماثلة، ولا توجد المماثلة، إلا أن توجد أفعالهم في جميع أجزاء اليد، وهنا القصدُ الزجرُ من غير اختيار مماثلة.
(أو دخلوا الحِرْز معًا، أو دخل أحدُهم فأخرج بعضَ النِّصاب، ثم
стр. 6626
دخل الباقون فأخرجوا باقيه) فيُقطعون؛ لما سبق.
(فإن كان فيهم من لا قَطْعَ عليه لشُبهة أو غيرها) كصِغَرٍ (كأبي المسروقِ منه، قُطِع الباقي (١)) لأنه لا يلزم من سقوطِ القطعِ عن الشريك لمعنىً غير موجود في غيره سقوطُ القطعِ عن الغير، كشريك الأب في القِصاص، قال في "المبدع": إن أخذ - أي: شريك الأب ونحوه - نصابًا. وقيل: أو أقل.
(وإن اعترف اثنان بسرقةِ نصابٍ، ثم رَجَع أحدُهما) عن إقراره (قُطِعَ الآخرُ وحدَه) فلا يقطع الراجع (وكذا لو أقرَّ بمشاركة آخر في سرقةِ نصابٍ، ولم يُقرَّ الآخر) بالسرقة، قُطِع المُقِرُّ.
(ولو سَرَق) واحد (لجماعة نصابًا؛ قُطِع) لأن السرقة والنصاب شرطان للقطع، وقد وُجِدَا، فوَجَبَ القطع، كما لو كان المال لواحد.
(وإن هَتَك اثنان حِرْزًا، فدَخَلاه، فأخْرَج أحدُهما نِصابًا وحدَه) قُطِعا، نصًّا (٢)؛ لأن المخرج أخرجه بقوة صاحبه ومعرفته ومعونته.
(أو دخل أحدُهما) الحِرْزَ (فقدَّمه) أي: المسروق (إلى باب النَّقْبِ) وأدخل الآخر يده فأخرجه؛ قُطِعا؛ لأنهما اشتركا في هَتْكِ الحِرْزِ وإخراج المتاع.
(أو وضعه) أي: وضع الداخلُ المتاعَ (في النَّقْب، وأدخل الآخرُ يدَه فأخْرَجَه؛ قُطعا) لاشتراكهما في الهتك والإخراج.
(وإن دخلا دارًا) وصار (أحدُهما في سُفلها، جَمَع المتاع وشدَّه بحبل، والآخرُ في عُلْوها مدَّ الحبل فرمى به) أي: المتاع (وراء الدار،
стр. 6627
قُطِعا) لأنهما اشتركا في الدخول والإخراج.
(وإن رماه الداخلُ إلى خارج) فأخذه أو لا، أو أعاده فيه (أو ناوَلَه) الداخلُ للخارجِ (فأخذَه الآخرُ) أي: الخارج (أو لا، أو أعادَه) أي: المتاع (فيه) أي: في الحِرْز (أحدُهما) أي: الداخل أو الخارج (قُطِع الداخل وحدَه وإن اشتركا في النَّقْب) لأن الداخل أخرج المتاع وحده فاختصّ القطع به. لا يقال: هما اشتركا في الهتك؛ لأن شرطه الاشتراك في الهتك والإخراج، ولم يوجد الثاني، فانتفى القطع لانتفاء شرطه.
(وإن نقب أحدُهما، ودخل الآخرُ فأخرَجَه، فلا قَطْعَ عليهما ولو تواطآ) لأن الأول لم يسرق، والثاني لم يهتك الحِرْز.
فصل
(ويُشترط أن يُخْرِجَه) أي: المسروق (من الحِرْز) لحديث عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جده: "أن رجلًا سأل النبي ﷺ عن الثمار؟ فقال: ما أخذه من غير أكمامه (١) واحتُمِلَ، ففيه قيمَتُهُ ومِثلُهُ معه، وما كان من الحِرْز، ففيه القَطْعُ، إذا بلَغ ثمنَ المِجَنِّ" رواه أبو داود وابن ماجه (٢)،
стр. 6628
وبهذا تُخص الآية كما خُصَّت بالنصاب.
(فإن وَجَد حِرْزًا مهتوكًا) فأخذ منه؛ فلا قَطْع (أو) وَجَد (بابًا مفتوحًا فأخذ منه؛ فلا قَطْع) لعدم شرطه.
(وإن هَتَك الحِرْز، فابتلع فيه جوهرًا، أو ذهبًا، فخرج به) من الحِرْز (ولو لم يخرج منه ما ابتلعه) قُطِع، كما لو أخرجه في كُمّه.
(أو نَقَب، وترك المتاع على بهيمةٍ، فخرجتْ به، ولو لم يَسُقْها) قُطِع؛ لأن العادة مشي البهيمة بما عليها.
(أو) نَقَب، وترك المتاع (في ماء جارٍ، فأخْرَجَه) الماء (أو) وضعه في ماء (راكد، ففتحه، فأخرجه) الماء (أو) ترك المتاع (على جدارٍ) في الدار (أو) على شيء (في الهواء، فأطارته) الـ (ـــريح) قُطِع؛ لأن فعله سبب خروجه، أشبه ما لو ساقَ البهيمة.
стр. 6629
(أو أمر صغيرًا أو معتوهًا أن يُخْرِجه، فَفَعَل) أي: أخرجه الصغيرُ أو المعتوه، قُطِع الذي هَتَك الحِرْزَ وأمرَ؛ لأن الصغير والمعتوه لا اختيار لهما، فهما كالآلة، ولو أمرهما شخص بالقتل قُتِل الآمر.
(أو رمى به خارجًا) عن الحِرْز (أو جَذَبه بشيء) بعد هَتْكِه الحِرْز فأخرجه منه؛ قُطِع.
(أو استَتْبعَ سَخْل شاة، أو فصيل ناقة، أو غيرهما، مثل أن يشتري الأمَّ، والسَّخْلُ على ملك الغير في حِرْز، فيأتي بالأم إلى مكان السَّخْل ويُرِيه أمه حتى يتبعها) قُطِع.
(وكذلك العكس) نحو (أن يأتي مكان أُمه، وهي في حِرْزِ مالكها، حتى يستتبعَ الأمَّ سخلَها، بأن يبعثه عليها حتى تتبعه؛ قُطِع) لتسببه في أخذ ذلك.
و (لا) يُقطع (إن تبعها) السَّخْل (من غير استتباع) لأنه ليس من فعله.
(وإن تطيَّب في الحِرْز بما لو اجتمع بعد تطييبه، و) بعد (خروجه من الحِرْز لبلغ نصابًا) قُطِع؛ لأنه هتكَ الحِرْز وأخرج منه نصابًا، أشبه ما لو كان غير طيب.
(أو هتك الحِرْز، وأخذ المالَ وقتًا آخر) وقَرُبَ ما بينهما؛ قُطِع؛ لأنها سرقة واحدة.
(أو) هتك الحِرْز و (أخذ بعضَه) أي: المال (ثم أخذ بقيته، وقَرُبَ ما بينهما) قُطِع؛ لأنها سرقة واحدة؛ ولأنه إذا بُني فِعلُ أحدِ الشريكين
стр. 6630
علي فِعْلِ شريكه إذا سرقا نصابًا، فبناءُ فِعلِ الواحد بعضِه علي بعضٍ أولى.
(أو فتح أسفل كُوَارة (١)، فخرج العسل شيئًا فشيئًا) حتى بلغت قيمة ما أخرجه نصابًا؛ قُطِع؛ لأنه لم يهمل الأخذ، أشبه ما لو وجده مجموعًا فأخرجه.
(أو أخرجه) أي: النصاب المسروق (إلى ساحة دار، أو) ساحة (خان، من بيت مغلق من الدار أو الخان) سواء (فتحه) أي: البيت (أو نقبه) ولو أن باب الدار أو الخان مغلق؛ قُطِع؛ لأنه هَتَك الحرزَ وأخرج منه نصابًا، كما لو لم يكن على الدار أو الخان باب آخر.
(أو احتلب لبنًا من ماشية في الحِرْز، وأخرجه) من الحِرْز (قُطِع) لسرقته نصابًا، كغير اللبن (فإن شَرب اللبن في الحِرْز، أو شرب منه فانتقص النصاب) لم يُقطع؛ لأنه لم يُخرج نصابًا من الحِرْز.
(أو ترك المتاع في ماءٍ راكدٍ، فانفتح من غيرِ فِعْلِهِ، فخرج به) لم يُقطع؛ لأن خروجه بغير فعله.
(أو أخرج النصاب في مرتين وبَعُدَ ما بينهما، مثل أن كانا في ليلتين، أو ليلة واحدة وبينهما مدة طويلة) لم يُقطع؛ لأن كلَّ سرقةٍ منهما لا تبلغ نصابًا، وكذا إن علم المالك بهتك الحِرْز وأهمله؛ لأن سرقته الثاني: من غير حِرْزٍ.
(أو علَّم قِردًا ونحوه السرقة، فسرق، لم يُقطع) لأن تعليم السرقة ليس بسرقة (وعليه) أي: مُعلّم القرد (الضمان) أي: ضمان ما سرقه
стр. 6631
القرد، قليلًا كان أو كثيرًا، لتسببه فيه.
(وإن جرَّ خشبةً فألقاها بعد أن أخرج بعضها من الحِرْز؛ فلا قطع عليه، سواء أخرج منها ما يساوي نصابًا، أو لا؛ لأن بعضها لا ينفرد عن بعض.
وكذلك لو أمسك الغاصب طرف عمامته؛ والطرف الآخر في يد مالكها؛ لم يضمنها) الغاصب؛ لأن بعضها لا ينفرد عن بعض.
(وكذلك لو سرق ثوبًا، أو عمامة، فأخرج بعضها (١)) ولم يقطعه؛ لم يُقطع؛ لتبعيته لما لم يُخرِجه.
فصل
(وحِرْزُ المال ما جَرَت العادةُ بحفظِه فيه، ويختَلِفُ باختلاف الأموال، والبلدان، وعَدْل السلطان وجَوْره، وقُوَّته وضعفه) لأنه لما ثَبت بالشرع اعتبارُهُ من غير تنصيص على بيانه، عُلِمَ أنه ردّ ذلك إلى العُرف؛ لأنه طريق إلى معرفته، فرجع إليه كما رجعنا إلى معرفة القبض، والفرقة في البيع، وأشباه ذلك إليه.
(فحِرْزُ الأثمان والجواهر والقُماش في الدُّور والدكاكين في العمران: وراء الأبواب والأغلاق الوثيقة) والغَلَقُ القُفْلُ خشبًا كان أو حديدًا. قال في "المبدع": ويكون فيه حافظ؛ لأن العادة في حِرْزِ ذلك بذلك.
(والصندوق في السُّوق حِرْز؛ وثَمَّ حارس) لأنه العادة (وإلا) أي: وإن لم يكن ثَمَّ حارس (فلا) أي: فليس الصندوق حِرْزًا.
стр. 6632
(فإن لم تكن الأبواب مُغلَقةً، ولا فيها حافظ، فليست حِرْزًا.
وإن كان فيها) أي: الدار المفتوحة الأبواب (خزائن مُغلَقةٌ، فالخزائن حِرْز لما فيها) من الأموال (وما خرج عنها) أي: الخزائن (فليس بمُحْرَزٍ) إذا كانت أبواب الدار مفتوحة.
قلت: وقياس ذلك خزائن المسجد، فالمغلقة حِرْز لما فيها مما جرت العادة به فيها.
(فأما البيوت التي في البساتين والطُّرُق والصحراء، فإن لم يكن فيها أحد، فليست حِرْزًا، مغلقةً كانت أو مفتوحةً، وإن كان فيها أهلها، أو حافظ) ملاحظ (فهي حِرْز، مغلقةً كانت أو مفتوحةً، فإن كان بها نائم وهي مغلقةٌ، فهي حِرْز، وإلا) أي: وإن لم تكن مغلقة (فلا) أي: فليست بحِرْز، إلا أن يكون الحافظ يقظان.
(وكذا خيمة وخِرْكاة (١) ونحوُهما) كبيتِ الشَّعر إن كان فيها أحد، ولو نائمًا، فهي مُحْرَزة مع ما فيها؛ لأنها هكذا تُحْرَز في العادة، وإن لم يكن فيها أحد، فإن كان عندها حافظ، فهي مُحْرَزة أيضًا، وإن لم يكن عندها حافظ وليس فيها أحد، فلا قَطْع على سارقها، ولا السارقِ منها؛ لأنها ليست بمُحْرزة في العادة.
(وإذا كان لابسًا ثوبًا، أو متوسِّدًا له) تحت رأسه (نائمًا) كان (أو مستيقظًا، أو) كان (مفترشًا) له (أو متكئًا عليه، في أي موضع كان من بلد أو بَرِّية) فَحِرْز؛ لأنه ﷺ قَطَع سارق رداء صفوان من المسجد وهو متوسّده (٢).
стр. 6633
(أو) كان (نائمًا على مَجَرِّ فرسِه، ولم يَزُل عنه، أو) كان (نعلُه في رجله؛ فَمُحْرَزٌ) لأنه هكذا يُحرز.
(فإن تدحرج) النائم (عن الثوب؛ زال الحِرْز) فلا قطع على السارق إذًا.
(وإن كان الثوب أو غيره من المتاع بين يديه) أي: قُدَّامه (كبَزِّ البزازين، وقُماش الباعة، وخُبز الخباز، بحيث يشاهده وينظر إليه، فهو حِرْز) لأنه العادة.
(وإن نام، أو كان غائبًا عن موضع مشاهدته، فليس بمُحْرَز.
وإن جعل) البزاز ونحوه (المتاع في الغرائر (١)، وعَكَم (٢) عليها، أي: شدَّها بخيط ونحوه) كحبل وسير (ومعها حافظ يشاهدها، فمُحْرَزة) عملًا بالعُرف (وإلا؛ فلا) أي: وإن لم يكن معها حينئذ حافظ يشاهدها، فليست بمُحْرَزة.
(وحِرْز سُفُنٍ في شطٍّ برَبْطِها) لجريان العادة بذلك.
(وحِرْزُ بقل، وباقِلاء، وطبيخ، وقُدوره، وخزف: وراء الشرائج) واحدها: شريجة (وهي) شيء يُعمل (من قَصَب أو خشب) يُضم بعضه إلى بعض بحبل أو غيره (إذا كان بالسوق حارس) لأن العادة جرت بإحرازها به.
(وحِرْزُ حَطَبٍ وخشب وقصبٍ: الحظائرُ) واحدتها: حظيرة، وهي ما يُعمل للإبل والغنم من الشجر، تأوي إليه، وأصل الحظر المنع، فيعبر
стр. 6634
بعضه في بعض، ويربط بحيث يعسر أخذ شيء منه على ما جرت به العادة (كما لو كان) ما ذكر (في فندق) وهو الخان الصغير (مغلق عليه) فيكون مُحْرزًا وإن لم يُقَيَّدْ؛ ذَكَرَه في "الكافي" و"الشرح".
(وحِرْزُ مواشٍ) جمع ماشية (الصِّيَرُ) واحدها صيرة، وهي حظيرة الغنم (و) حرزها (في المرعى بالراعي ونظره إليها، إذا كان) الراعي (يراها في الغالب) لأن العادة حِرْزها بذلك (وما نام) الراعي (عنه منها) أي: من الماشية، أو غاب عن مشاهدته (فقد خرج عن الحِرْز) فلا قطع على سارقه.
(وحِرْز حَمُولَةِ إبل) بفتح الحاء، أي: الإبل المحملة (سائرة: بتقطيرها مع قائد يراها، بحيث يُكثِر الالتفات إليها ويراعيها، وزِمامُ الأول منها بيده) لأنها هكذا تُحْرَز عُرفًا (والحافظ الراكب فيما وراءه) من الإبل السائرة ونحوها (كقائد) فإذا كان يراها ويُكثِر الالتفات إليها، فهي مُحْرَزة (أو بسائق يراها) أي: الإبل المُحَمَّلة ونحوها (سواء كانت مُقَطَّرَةً أو لا.
وإن كانت) الإبل (باركة، فإن كان معها حافظ لها، ولو نائمًا وهي معقولة؛ فهي مُحْرَزة) لأن العادة أن صاحبها يعقلها إذا نام (وإن لم تكن) الإبل (معقولة، وكان الحافظ ناظرًا إليها بحيث يراها؛ فهي مُحْرَزة، وإن كان نائمًا أو مشغولًا عنها، فلا) حِرْز، فلا قطع على السارق منها.
(فإن سرق من أحمال الجمال السائرة المُحْرَزة متاعًا قيمته نصاب) قُطِع (أو سرق الحِمْل؛ قُطِع) لأنه سرق نصابًا من حِرْز مثله.
(وإن سرق الجمل بما عليه، وصاحبه نائم عليه؛ لم يُقطع) لأنه في يد صاحبه (وإن لم يكن صاحبه عليه؛ قُطِع. وهذا التفصيل في الإبل التي في الصحراء، فأما) الإبل (التي في البيوت والمكان المُحْصَن، على الوجه الذي ذكرناه في الثياب، فهي مُحْرَزة.
стр. 6635
وحكم سائر المواشي كالإبل) فيما سبق.
(وحِرْز ثياب في حمَّام) بحافظ، وفي "الترغيب": لا تبطل الملاحظة بفترات وإعراضٍ يَسيرٍ، بل بتركه وراءه (أو) ثياب (في أعدال، و) حِرْز (غزل في سوق، أو خان، وما كان مشتركًا في الدخول إليه: بحافظ، كقعوده على المتاع، وإن فرَّط حافظ، فنام أو اشتغل؛ فلا قَطْع) على السارق؛ لأنه لم يسرق من حِرْز (ويضمن الحافظ) ما ضاع بتفريطه (ولو لم يَستحفظه) ربُّ المتاع صريحًا؛ عملًا بالعُرُف.
(وإن استحفظ رجُلٌ آخرَ متاعَه في المسجد، فَسُرق، فإن فرَّط في حفظه، فعليه الغُرْم) لتفريطه (إن كان التزم حفظه، وأجابه إلى ما سأله) صريحًا (وإن لم يُجِبه لكن سَكَت؛ لم يلزمه غُرْم) لأنه ما قَبِلَ الاستيداع، ولا قَبَضَ المتاع (ولا قَطْعَ على السارق في الموضعين) لأنه لم يسرق من حِرْزٍ.
(وإن حَفِظ المتاعَ بنظرِه إليه، وقُرْبهِ منه، فَسُرق، فلا غُرْم عليه) لعدم تفريطه (وعلى السارق القطع) لأنه سرق نصابًا من حِرْزه.
(وحِرْزُ كَفَنٍ مشروعٍ في قبر علي ميت ولو بَعُدَ) القبر (عن العمران: إذا كان القبر مطمومًا الطَّمَّ الذي جرت به العادة، وهو) أي: الكفن (مِلْكٌ له) أي: للميت؛ لأنه مالك له في حياته، ولا يزول ملكه إلا عمَّا لا حَاجَةَ له إليه (فلو عُدم الميت) وبقي الكفن (وُفِّيتْ منه ديونه) ويزيد به الثلث في الوصية، كسائر ماله (وإلا) أي: وإن لم يكن على الميت دين وبقي كفنه (فهو ميراث) كباقي أمواله.
(فمَن نَبَشَ القبرَ وأخذ الكفنَ، قُطِع) روي عن ابن الزبير (١). وعن
стр. 6636
عائشة: "سارق أمواتنا كسارق أحيائنا" (١)، ولقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٢).
(والخصمُ فيه) أي: الكفن، إن سُرق ونحوه (الورثةُ) لأنهم (يقومون مقام الميت في المطالبة، فإن عُدِموا) أي: الورثة (فنائبُ الإمام) كسائر حقوقه.
(ولو كفَّنه أجنبيٌّ فكذلك) أي: فالخصم فيه إذا سُرق الورثة؛ لقيامهم مقام مورّثهم، وأما لو أُكل الميت ونحوه وبقي الكَفَن، كان لمن تبرَّع به، دون الورثة، كما قطع به غيرُ واحد، وجزم به المصنف في الجنائز؛ (٣) لأن تمليك الميت غير ممكن، فهو إباحة بقَدْر الحاجة، فإذا زالت؛ تعيّن لربه.
(وإن أخرجه) أي: الكفن (من اللَّحْدِ، ووضعه في القبر من غير أن يُخْرِجه منه؛ فلا قَطْع) لأنه لم يُخْرِجه من الحِرْزِ.
(وإن كُفِّنَ رجلٌ في أكثرَ من ثلاث لفائفَ، أو) كُفِّنت (امرأة في أكثر من خمس) ثياب (فَسُرق الزائدُ عن ذلك) فلا قَطْع.
(أو تُرِك) الميت (في تابوت، فَسُرق التابوت) فلا قَطْع.
стр. 6637
(أو تُرِك معه) أي: الميت (طِيبٌ مجموع، أو ذهب، أو فضة، أو جوهر، لم يُقطع بأخذ شيء من ذلك؛ لأنه ليس بمشروع) وتَرْك غيره معه تضييع وسَفَه، فلا يكون مُحْرَزًا بالقبر.
ولو كان القبر غير مطموم، أو أُكل الميت وبقي كفنُهُ، وسرقه سارق؛ فلا قَطْع.
(وحِرْزُ جدار الدَّار كونه مبنيًّا فيها) أي: الدار (إذا كانت في العمران، أو في الصحراء وفيها حافظ، فإن أخذ من أجزاء الجدار أو خَشَبِهِ ما يبلغ نصابًا؛ وجب قطعه) لأن الحائط حِرْزٌ لغيره، فيكون حِرْزًا لنفسه.
و (لا) يُقطع (إن هدَم الحائط ولم يأخذه) كما لو أتلف المتاع في الحِرْزِ، بل يغرم أرشَ الهدم إن تعدَّى به.
(وإن كانت الدار في الصحراء لا حافظ لها، فلا قَطْعَ على مَن أخذ من جدارها شيئًا) لأنها إذا لم تكن حِرْزًا لما فيها، فلنفسها أولى.
(وحِرْزُ الباب تركيبه في موضعه، مغلقًا كان أو مفتوحًا) لأنه هكذا يحفظ (وعلى سارقه القطع إن كانت الدار مُحْرَزة بما ذكرناه) بأن تكون في العمران، أو في الصحراء وفيها حافظ.
(وأما أبواب الخزائن في الدار، فإن كان باب الدار مغلقًا، فهي) أي: أبواب الخزائن (مُحْرَزة، مغلقة كانت) أبواب الخزائن (أو مفتوحة، وإن كان) باب الدار (مفتوحًا، لم تكن) أبواب الخزائن (مُحْرَزة، إلا أن تكون مُغلقة، أو يكون في الدار حافظ) يحفظها.
(وحَلْقَةُ الباب إن كانت مُسَمَّرة، فهي مُحْرَزة) لأنها بتركيبها فيه صارت كأنها بعضه.
(فإن سرق بابَ مسجدٍ منصوبًا، أو باب الكعبة المنصوب، أو سرق
стр. 6638
من سقفه) أي: المسجد (أو جداره، أو تأزيره (١) شيئًا؛ قُطِع) لأنه سرق من حِرْزِ مِثْلِه عادة نصابًا لا شُبهة له فيه، وما كان منفكًا من ذلك، فليس بمُحْرَز، فلا قَطْع على سارقه.
و (لا) يُقطع (بسرقة ستائر الكعبة) الخارجة (ولو كانت مَخِيطَة عليها) كغير المَخِيطة؛ لأنها غير مُحْرَزة (ولا بسرقة قناديل مسجد وحُصُره ونحوه) مما جُعل لنفع المصلِّين، كالقفص المجعول لوضع نعالهم (إن كان السارق مسلِمًا) لأنه مما ينتفع به الناس، فيكون له فيه شُبهة، كسرقة (٢) من بيت المال (وإلا) أي: وإن لم يكن مسلمًا (قُطِع) لأنه لا حقَّ له فيه، فلا شُبهة (٣).
(ومن سرق من ثمر شجر، أو) من (جُمَّارِ نخل، وهو الكثَر) بضم الكاف وفتح المثلثة (٤) (قبل إدخاله الحِرْزَ، كأخذه من رؤوس نخل وشجر من بُستانٍ؛ لم يُقطع، ولو كان عليه حائط وحافظ، ويضمن عوَضه مرتين) لحديث رافع بن خَدِيج، أن النبي ﷺ قال: "لا قَطْع في ثمَرٍ ولا كَثَرٍ" رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي (٥).
стр. 6639
وحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: "سُئل النبي ﷺ عن الثمر المعلَّقِ، فقال: من أصاب منه بفيه من ذي حاجة، غير مُتّخذ خُبْنَةً، فلا شيء عليه، ومَن خرج بشيء منه، فعليه غرامةُ مِثْليهِ والعقوبة" (١).
ولأن الثمار - في العادة - تسبق اليدُ إليها، فجاز أن تُغَلَّظ قيمتها على سارقها؛ ردعًا له وزجرًا، بخلاف غيرها.
وقوله ﷺ : "غير متَّخذٍ خُبْنَةً" بالخاء المعجمة، ثم باء موحَّدة، ثم نون، أي: غير متخذ منه في حُجْزته.
(ومن سرق منه) أي: الثمر (نصابًا بعد إيوائه الحِرْز، كجرين
стр. 6640
ونحوه، أو سرق) نصابًا من ثمر (من شجرة في دار مُحْرَزة؛ قُطِع) لقوله ﷺ في حديث عمرو بن شعيب السابق: "ومَن سرق منه شيئًا بعدَ أن تأويَه الجرين، فبَلغَ ثمن المجنِّ فعليه القَطْع" رواه أحمد، والنسائي، وأبو داود ولفظه له (١).
(وكذا الماشية تُسرق من المرعى من غير أن تكون مُحْرَزة، تُضمن بمثلي قيمتها، ولا قَطْع، كثَمَر وكَثَر) احتج أحمد (٢) بأن عمر أغرم حاطب بن أبي بلتعة، حين نحر غلمانهُ ناقة رجل من مُزينة، مثلَي قيمتها؛ رواه الأثرم (٣).
(وما عداهن) أي: الثمر، والكَثَر، والماشية (يُضمن بقيمته مرة
стр. 6641
واحدة) إن كان متقوّمًا (أو بمثله إن كان مثليًّا) لأن التضعيف فيها على خلاف القياس للنص، فلا يتجاوز به محل النص.
(و لا قطعَ في عام مجاعة، غلاء، نصًّا (١)، إذا لم يجد ما يشتريه (٢) أو ما يشتري به) قال جماعة: ما لم يُبذل له ولو بثمن غالٍ. وفي "الترغيب": ما يُحْيي به نفسه.
(وإذا سرق الضيف من مال مُضِيفه من الموضع الذي أنزله فيه، أو) من (موضع لم يُحْرِزه عنه؛ لم يُقطع) لعدم هتك (٣) الحِرْز.
(وإن سرق) الضيف (من موضع مُحْرَز عنه، فإن كان منعه قِرَاهُ، فسرق بقدْره؛ لم يُقطع) لأنه أخذ الواجب له، أشبه الزوجة والقريب إذا أخذا ما وجب لهما (وإن لم يمنعه) المضيف قِرَاه الواجب له (قُطِع) إن سرق نصابًا؛ لأنه لا شُبهة للضيف إذًا في مال المُضِيف.
(وإذا أحرز المضاربُ مالَ المضاربة، أو) أحرز الوديعُ (الوديعةَ، أو) أحرز المستعيرُ (العاريةَ، أو) أحرز الوكيلُ (المالَ الذي وُكِّل فيه، فسرقه أجنبي، فعليه القطع) لأنه سرق نِصابًا من نائب مالكه، لا شُبهة له فيه، أشبه ما لو سرقه من مالكه.
стр. 6642
(وإن غصب) إنسان (عينًا، أو سرقها وأحرزها، فسرقها سارقٌ) لم يُقطع.
(أو غصب بيتًا، فأحرز) الغاصب (فيه ماله فسرقه منه أجنبي؛ لم يقطع) لأن ذلك غير محترم.
فصل
(ويُشترط) للقطع في السرقة (انتفاءُ الشُّبهة) لقوله ﷺ : "ادرؤا الحدود بالشُّبهات ما استطعتم" (١).
(فلا يُقطع بسرقةِ مالِ ولده وإن سَفَل) لقوله ﷺ : "أنت ومالُك لأبيك" (٢) (وسواءٌ في ذلك الأبُ، والأمُّ، والابنُ، والبنتُ، والجَدُّ، والجَدَّةُ من قِبَلِ الأبِ والأم) لأن بينهم قرابة تمنع شهادة أحدهم للآخر، فلم يقطع بالسرقة منه، كالأب بسرقة مال ابنه.
(ولا) قَطْع (بسرقة) ولدٍ (مالَ والده، وإن علا) لأن النفقة تجب للولد (٣) في مال والده؛ حفظًا له، فلا يجوز إتلافه لحفظه (٤) ماله.
(ويُقطع سائر) أي: باقي (الأقارب بالسرقة من مال أقاربهم، كالإخوة، والأخوات، ومن عداهم) كالأعمام، والأخوال؛ لأن القرابة هنا لا تمنع قَبول الشهادة من أحدهما على الآخر، فلا تمنع القطعَ؛ ولأن
стр. 6643
الآية والأخبار تَعُمّ كلَّ سارق، خرج منه عمودا النسب، فبقي ما عداهما على الأصل.
(ولا يُقطع العبد بسرقة مال سيده) لما روى سعيد بإسناده عن عمر: "أنه جاءه عبد الله بن عمرو الحضرمي بغلام له، فقال: إن غلامي قد سرق، فاقطع يده، فقال عمر: خادمكم أخذ مالَكُم" (١) وكان ذلك بمحضر من الصحابة، فلم يُنكر، فكان كالإجماع (٢).
وقال ابن مسعود: "لا أقطع، مالُكَ سرق مالَكَ" (٣).
وروى ابن ماجه عن ابن عباس: "أن عبدًا من رقيق الخُمس سرق من الخُمس، فَرُفِع إلى النبي ﷺ ، فلم يقطعه، وقال: مال الله سرق بعضه بعضًا" (٤).
стр. 6644
و (أمُّ الولد والمُدَبَّرُ والمُكاتَبُ كالقِنِّ) في عدم القطع بسرقة مال السيد؛ لأنهم ملكه كالقِنِّ.
(ولا سيدُ المُكاتَب بسرقة ماله) للشُّبهة؛ لأنه يملك تعجيزه في الجملة.
(و كلُّ من لا يُقطع الإنسانُ بسرقة ماله، لا يُقطع عبدُه بسرقةِ ماله، كآبائه، وأولاده، وغيرهم) كزوجاته، فلا يُقطع عبد بسرقة مال أحد من عمودَيْ نسب سيده، ولا من مال زوج سيدته، ونحو ذلك؛ لقيام الشُّبهة.
(ولا) يُقطع (مسلمٌ بسرقته من بيت المال) لقول عمر وابن مسعود: "من سرق من بيت المال فلا، ما من أحدٍ إلا وله في هذا المال حق" (١).
стр. 6645
وروى سعيد عن عليّ: "ليس على من سرق من بيت المال قَطْع" (١).
(ولو) كان السارق من بيت المال (عبدًا، أن كان سيده مسلمًا) لأنه لا يقطع بسرقة مال لا يقطع به سيده.
(ولا) يُقطع (بالسرقة من مال له فيه شِرْك) كالمال المشترك بينه وبين شريكه؛ لأنه إذا لم يُقطع الأب بسرقة مال ابنه لكون أن له فيه شُبهة، فلأنْ لا يُقطع بالسرقة من مال شريكه من باب أولى.
(أو) بسرقة من مال (لأحد ممن لا يُقطَع بالسرقة منه) فيه شرك كمالٍ مشترك لأبيه، أو لابنه؛ لأن له فيه شُبهة.
(ولا بالسرقة من غَنيمة له) أي: السارق (فيها حقّ، أو لولده) فيها حقّ (أو لوالده) فيها حقّ (أو لسيده) فيها حقّ. (وإن لم يكن من الغانمين، ولا من أحد ممن ذكرنا) بأن لم يكان والدًا، ولا ولدًا لأحد الغانمين ونحوهما (فسرق منها) أي: الغنيمة (قبل إخراج الخُمس؛ لم يُقطع) لأن لبيت المال فيها حقًّا، وهو خُمس الخُمس، وذلك شُبهة؛ فيُدرَأ بها الحَدُّ.
(وإن أُخرِج الخُمس) من الغنيمة (فسرق) السارق (من أربعة الأخماس؛ قُطِع) حيث لم يكن له ولا لولده، ولا والده ونحوه، فيها
стр. 6646
حقٌّ؛ لعدم الشُّبهة.
(وإن سرق من الخُمس؛ لم يُقطع) لأن له فيه حقًّا (وإن قُسِمَ الخُمس خَمسةَ أقسامٍ، فسرق من خُمس الله) تعالى (ورسوله؛ لم يُقطع) لأنه من جملة مستحقيه (وإن سرق من غيره) من أربعة أخماس الخُمس (قُطِع) لأنه لا شُبهة له فيه (إلا أن يكون من أهل ذلك الخُمس) كمسكين سرق من خُمس المساكين، وهاشمي (١) من خمس ذوي القربى.
(و لا يُقطع أحدُ الزوجين (٢) بسرقته من مال الآخر، ولو من مُحْرَزٍ عنه) رواه سعيد عن عمر بإسناد جيد (٣)؛ ولأن كلًّا منهما يرث صاحبه بغير حَجْبٍ، وينبسط (٤) بماله، أشبه الولد والوالد، وكما لو منعها نفقتها.
(ويُقطع المسلم بالسرقة من مال الذِّمي والمستأمن) لأن مالهما محترم بالأمان والذِّمة، بدليل أنه يجب الضمان بإتلافه (ويقطعان) أي:
стр. 6647
الذمي والمستأمن (بسرقة ماله) أي: المسلم؛ لأنه إذا قُطع المسلم بسرقه مالهما، فَلأَنْ يُقطعا بسرقة ماله بطريق الأولى، و (كَقَوَدٍ، وحَدِّ قَذْفٍ) نصَّ (١) عليهما (وضمان مُتلَف) مالي، وأرش جناية عليه.
(وإن زنى المستأمِن بغير مُسْلِمة؛ لم يُقَمْ عليه الحَدُّ، نصًّا (٢)) لأنه لم يلتزم حُكمنا، بخلاف الذِّمي (كَحَدِّ خَمْرٍ، وتقدم (٣) في باب حد الزنى) فإن زنى بمسلمة قُتِلَ؛ لنقضه العهد.
(ويُقطع المرتدُّ إذا سرق) ثم عاد إلى الإسلام، فإن قُتِلَ للردة اكتُفِي بقتله، كما تقدم (٤)، هذا ما ظهر لي في الجمع بينهما.
(فإن قال السارق: الذي أخذتُهُ مِلْكي، كان عنده وديعةً، أو: رهنًا، أو: ابتعتُهُ منه، أو: وَهَبه لي، أو: أذِنَ لي في أخذه، أو): أذِنَ لي (في الدخول إلى حِرْزِه، أو: غَصَبه مني، أو): غصبه (من أبي، أو) قال: (بعضه لي، فالقول قول المسروق منه مع يمينه) لأنه واضع اليد حكمًا، والظاهر خلاف ما ادعاه السارق.
(فإن حَلَف؛ سقطت دعوى السارق) أنه مِلْكه ونحوه؛ لحديث: "البيِّنةُ على المدَّعي، واليمينُ على من أنكر" (٥) (ولا قَطْعَ عليه) أي: السارق (ولو كان معروفًا بالسرقة؛ لأن صِدْقَهُ مُحتَمِل) فيكون شُبهة في
стр. 6648
درء الحَدّ، وسمَّاهُ الشافعي (١): السارق الظريف (وإن نكل) المسروق منه عن الحلف (قُضِي عليه بالنكول) لما يأتي في القضاء.
فصل
(وإذا سرق المسروقُ منه مالَ السارق، أو) سرق (المغصوبُ منه مالَ الغاصب، من الحِرْزِ الذي فيه العين المسروقة، أو المغصوبة، ولو) كانت العين المسروقة أو المغصُوبة (متميزة) لم يُقطع؛ لأن لكلِّ واحدٍ منهما شُبهة في هَتْكِ الحِرْزِ لأخذ ماله، فإذا هَتَكَ الحِرْز، صار كأن المال المسروق منه، أُخذ من غير حِرْزٍ (أو أخذ) المسروقُ منه أو المغصوبُ منه (عينَ ماله فقط، أو) أخذه (ومعه نصاب من مال المعتدي) من الحِرْزِ الذي فيه ماله (لم يُقطع) لما سبق.
(وإن سَرَق) المسروقُ منه، أو المغصوبُ منه (منه) أي: من السارق، أو الغاصب (نصابًا من غير الحِرْزِ الذي فيه ماله) فعليه القطع؛ لأنه لا شُبهة له فيه مع البذل.
(أو سَرَق) رَبُّ دَينٍ (مِن مالِ مَن له عليه دَيْنٌ وهما) أي: الغاصب ونحوه، والمدين (باذلان غير ممتنعين من أدائه، أو قَدَر المالك على أخذ ماله، فتركه، وسرق من مال المعتدي) من غير حِرْزِ ماله (أو) سرق من مال (الغريم؛ فعليه القطع) لعدم الشُّبهة.
(وإن عَجَزَ) ربُّ دين (عن استيفائه، أو) عَجَز مجنيٌّ عليه عن استيفاء (أرْشِ جنايته، فسرق قَدْرَ دينهِ، أو) قَدْر (حَقِّه) أي: أرْش جنايته
стр. 6649
(فلا قَطْعَ) لأن بعض العلماء أباح له الأخذَ، فيكون الاختلاف في إباحة الأخذ شُبهة تدرأ الحد، كالوطء في نكاح مختلَف في صحته.
(وإن سرق) ربُّ الدين (أكثر من دينه؛ فكالمغصوب منه إذا سرق أكثر من دينه) يعني: من عين ماله (على ما مضى) قاله في "الشرح".
(و من قُطِع بسرقة عَيْنٍ، فعاد فسَرقها ؛ قُطِع، سواءٌ سَرَقها من الذي سرق منه، أو من غيره) لأنه لم ينزجر، أشبه ما لو سَرق غيرها، بخلاف حَدِّ القذف، فإنه لا يُعاد مرةً أخرى؛ لأن الغرض إظهار كَذِبه، وقد ظَهَر، وهنا المقصود رَدْعه وزَجْره عن السرقة، ولم يوجد، فَيُردع بالثاني كما لو سرق عينًا أخرى.
(ومن سَرَق مَرَّات قبل القطع، أجزأ حدٌّ واحد عن جميعها) كما لو زنى، أو شرب مرات قبل الحد؛ لأنه خالصُ حَقِّ الله تعالى، بخلاف حد القذف؛ لأنه حقُّ آدميٍّ، وتقدم (١).
(و لو سرق المال المسروق، أو المغصوبَ أجنبيٌّ؛ لم يُقطع) لأنه لم يَسرق من مالكٍ ولا نائبه.
(ومن أجَّرَ داره، أو أعارها، ثم سرق منها مالَ المستعير أو المستأجر؛ قُطِع) لأنه هتك حِرْزًا، وسرق منه نصابًا لا شُبهة له فيه، فَقُطع (٢)، كما لو سرق من غير ملكه؛ ولأن هذا قد صار حِرْزًا لملك غيره، فلا يجوز له الدخول إليه، وإنما يجوز له الرجوع في العارية. قال في "الفنون": له الرجوع بقولٍ لا سرقة.
стр. 6650
فصل
(ويُشترط) للقطع (ثبوت السَّرقة) لأن الله تعالى أوجب القطع على السارق، ولا يتحقَّق ذلك إلا بثبوته (إما بشهادة عَدْلين) لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَينِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (١) وإنما خُولف في الأموال ونحوها لدليل خاص، فيبقى ما عداه على الأصل (يصفان السرقة) في شهادتهما (و) يصفان (الحِرْزَ، وجِنْسَ النِّصاب، وقَدْره) لاختلاف العلماء في ذلك؛ فربما ظَنَّ الشاهد القطع بما لا يراه الحاكم (وإذا وجب القَطْعُ بشهادتهما، لم يسقط) القطع (بغيبتهما، ولا موتهما) كسائر الحقوق إذا ثبتت (ولا تُسمع البينة قبل الدعوى) من مالك المسروق أو نائبه.
(وإن اختلف الشاهدان) في وقت السرقة، أو مكانها، أو في المسروق (فشَهِدَ أحدُهما أنه سرق يوم الخميس، أو من هذا البيت، أو سرق ثورًا، أو ثوبًا أبيض، أو هَرَويًّا، وشَهِدَ الآخر أنه سَرَق يوم الجمعة، أو من البيت الآخر، أو بقرة، أو حمارًا، أو ثوبًا أسود، أو مَرْويًّا؛ لم يُقطع) المشهود عليه؛ لعدم اتفاقهما (كما لو اختلفا في الذكورية والأنوثية) بأن قال أحدهما: سرق ذكرًا. والآخر: أنثى. ونحوه.
(أو باعتراف مرتين) لما رُوي عن أبي أمية المخزومي "أن النبي ﷺ أُتيَ بلصٍّ قد اعترف. قال: ما إخَالُك سرقتَ، قال: بلى، فأعاد عليه مرَّتين، قال: بلى. فأمَرَ بهِ فقُطِع" رواه أبو داود (٢). وعن عليّ: "أنه قال
стр. 6651
لسارقٍ: سرقتَ؟ قال: نعم، فَشَهِدَ على نَفْسِهِ مرَّتين. فقُطِع" رواه الجوزجاني (١)؛ ولأنه يتضمن إتلافًا، فكان من شرطه التكرار، كحد الزنى (يَذْكُر فيه) أي: اعترافه (شروطَ السرقة من النصاب، والحِرْز، وغير ذلك) أي: يصف السرقة في اعترافه، كالزنى في كلِّ مرَّة؛ لاحتمال ظَنّه وجوب القطع عليه مع فوات شرط من شروطه (والحُر، والعبد - ولو
стр. 6652
آبقًا - في هذا سواء) لعموم الأدلة وكذلك الذكر والأنثى.
(ولا ينزِع (١) عن إقراره حتى يُقطع، ف إن رجع) عن إقراره (قُبِلَ) رجوعه (ولا قطع) عليه؛ لقوله ﷺ : "مَا إخَالُكَ سَرَقت" (٢) عَرَّضَ له ليرجع، ولو لم يسقط الحَدُّ برجوعه لم يكن في ذلك فائدة؛ ولأن حجة القطع زالت قبل استيفائه فسقط، كما لو رجع الشهود.
(بخلاف ما لو ثبت) القطع (ببينةٍ تشهد على فِعْله، فإن إنكاره لا يُقبل) منه، بل يُقطَع.
(فإن قال) المشهود عليه: (أحلفوه) أي: المدعي (لي أني سرقت منه، لم يُحَلَّف) لأن فيه قدحًا في البينة؛ ولحديث: "شَاهِدَاكَ أوْ يمينهُ" (٣).
(وإن شَهِدت) البينة (على إقراره بالسرقة، ثم جَحَد، وقامت البينةُ بذلك، لم يُقطع) كما لو اعترف عند الحاكم ثم رجع، ويغرم المال.
(ولو أقرَّ) بالسرقة (مرةً واحدة، أو ثبت) أنه سرق (بـ) ــشهادة (شاهدٍ ويمين، أو أقرَّ) مرتين بالسرقة (ثم رَجَع؛ لزمه غَرَامة المسروق) لأنه حقُّ آدميٍّ، فلا يُقبل رجوعه عنه (ولا قَطْع) عليه؛ لما سبق.
(وإن كان رجوعه) عن اعترافه (وقد قُطِعَ بعضُ المَفْصِل، لم يُتْمِمْ إن كان يُرجى بُرؤُه، لكونه قَطَعَ الأقلَّ) لما تقدم في قصة ماعز (٤).
(وإن قُطِعَ الأكثرُ) من المَفْصِل ثم رجع عن إقراره (فالمقطوع
стр. 6653
بالخيار، إن شاء قَطَعه) ليستريح من تعليق كَفّه، وإن شاء تَرَكه (ولا يلزم القاطعَ قطعُه) لأن قطعه تداوٍ، ليس (١) بحَدٍّ.
(ولا بأس بتلقين السارقِ ليرجعَ عن إقراره) لما تقدم من تعريضه ﷺ بقوله: "ما إخَالُكَ سرقتَ" (٢)، وعن علي: "أنه أُتيَ برجلٍ فسألهُ: أسَرقتَ؟ قل: لا. فقال: لا، فتَركَهُ" (٣)، وروي نحوه عن أبي بكر الصديق (٤)، وأبي هريرة (٥)، وابن مسعود (٦)، وأبي الدرداء (٧).
(و) لا بأس (بالشفاعة فيه) أي: السارق (إذا لم يبلغِ الإمامَ) لقوله
стр. 6654
- ﷺ : "تَعَافَوا الحُدُودَ، فمَا بَلَغَنى مِنْ حَدٍّ وَجَبَ" (١) (فإذا بلغه، حَرُمَتِ الشفاعة) وقَبولها (ولزم القطع) وكذا سائر الحدود؛ لما تقدم في قصة المخزومية (٢).
فصل
(ويُشترط أن يُطالب المسروقُ منه بماله، أو) يطالب به (وكيلُه (٣)) لأن المال يباح بالبذل والإباحة، فيحتمل أن يكون مالكه أباحه إياه، أو وقفه على جماعة المسلمين، أو على طائفة منهم السارق، أو أذن له في دخول حِرْزه، فاعتُبرت المطالبة؛ لتزول الشُّبهة.
стр. 6655
(فإن أقرَّ) مُكلَّف (بسرقه مالٍ غائبٍ، أو شهدتْ بها بينةٌ؛ حُبِس) إلى قدوم الغائب (ولم يُقطع حتى يَحضُرَ) الغائبُ، ويطالب، وتعاد الشهادة؛ لأنه لا يكتفى بإقامتها قبل المطالبة.
(فإن كانت العينُ في يده) أي: يد المُقِر بالسرقة، أو يد من شَهِدت البينةُ عليه بالسرقة (أخذها الحاكمُ، وحَفِظها للغائب) لأن الحاكم له النظر في مال الغائب، وعليه حفظه.
(وإن أقرَّ بسرقة) شيءٍ مكلَّفٌ (رجُلٌ) أو امرأة (فقال المالك: لم تسرقْ منِّي، ولكن غصبتني، أو كان) ذلك الشيء (لي قِبَلَكَ وديعةٌ، فجحدتني؛ لم يُقطع) لأن إقراره لم يوافق دعوى المدَّعي.
(وإن أقرَّ) مُكلَّفٌ (أنه سرق) نِصابًا (من رجلين) مثلًا (فصَدَّقه أحدُهما) وحده (أو حضر أحدُهما فطالب، ولم يطالب الآخرُ؛ لم يُقطع) لعدم كمال الشرط، وهو مطالبة المسروق منه بنصاب تام. ومفهوم كلامه في "الشرح": أنه لو كان المسروق من المدعى يبلغ نصابًا، قُطِع؛ لاجتماع الشروط.
(فإن أقرَّ أنه سَرَق من رَجُلٍ شيئًا يبلُغُ نصابًا، فقال الرجلُ: قد فقدتُهُ من مالي، فينبغي أن يُقطع) لحديث عبد الله بن ثعلبة الأنصاري؛ رواه ابن ماجه (١).