← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 622

كشاف القناع عن متن الإقناع - ط وزارة العدل

البهوتي

Полный текст (7 407 стр.). Показаны 6651–6690 · переход к 6656.

стр. 6651

لسارقٍ: سرقتَ؟ قال: نعم، فَشَهِدَ على نَفْسِهِ مرَّتين. فقُطِع" رواه الجوزجاني (١)؛ ولأنه يتضمن إتلافًا، فكان من شرطه التكرار، كحد الزنى (يَذْكُر فيه) أي: اعترافه (شروطَ السرقة من النصاب، والحِرْز، وغير ذلك) أي: يصف السرقة في اعترافه، كالزنى في كلِّ مرَّة؛ لاحتمال ظَنّه وجوب القطع عليه مع فوات شرط من شروطه (والحُر، والعبد - ولو

стр. 6652

آبقًا - في هذا سواء) لعموم الأدلة وكذلك الذكر والأنثى. (ولا ينزِع (١) عن إقراره حتى يُقطع، ف إن رجع) عن إقراره (قُبِلَ) رجوعه (ولا قطع) عليه؛ لقوله ﷺ : "مَا إخَالُكَ سَرَقت" (٢) عَرَّضَ له ليرجع، ولو لم يسقط الحَدُّ برجوعه لم يكن في ذلك فائدة؛ ولأن حجة القطع زالت قبل استيفائه فسقط، كما لو رجع الشهود. (بخلاف ما لو ثبت) القطع (ببينةٍ تشهد على فِعْله، فإن إنكاره لا يُقبل) منه، بل يُقطَع. (فإن قال) المشهود عليه: (أحلفوه) أي: المدعي (لي أني سرقت منه، لم يُحَلَّف) لأن فيه قدحًا في البينة؛ ولحديث: "شَاهِدَاكَ أوْ يمينهُ" (٣). (وإن شَهِدت) البينة (على إقراره بالسرقة، ثم جَحَد، وقامت البينةُ بذلك، لم يُقطع) كما لو اعترف عند الحاكم ثم رجع، ويغرم المال. (ولو أقرَّ) بالسرقة (مرةً واحدة، أو ثبت) أنه سرق (بـ) ــشهادة (شاهدٍ ويمين، أو أقرَّ) مرتين بالسرقة (ثم رَجَع؛ لزمه غَرَامة المسروق) لأنه حقُّ آدميٍّ، فلا يُقبل رجوعه عنه (ولا قَطْع) عليه؛ لما سبق. (وإن كان رجوعه) عن اعترافه (وقد قُطِعَ بعضُ المَفْصِل، لم يُتْمِمْ إن كان يُرجى بُرؤُه، لكونه قَطَعَ الأقلَّ) لما تقدم في قصة ماعز (٤). (وإن قُطِعَ الأكثرُ) من المَفْصِل ثم رجع عن إقراره (فالمقطوع

стр. 6653

بالخيار، إن شاء قَطَعه) ليستريح من تعليق كَفّه، وإن شاء تَرَكه (ولا يلزم القاطعَ قطعُه) لأن قطعه تداوٍ، ليس (١) بحَدٍّ. (ولا بأس بتلقين السارقِ ليرجعَ عن إقراره) لما تقدم من تعريضه ﷺ بقوله: "ما إخَالُكَ سرقتَ" (٢)، وعن علي: "أنه أُتيَ برجلٍ فسألهُ: أسَرقتَ؟ قل: لا. فقال: لا، فتَركَهُ" (٣)، وروي نحوه عن أبي بكر الصديق (٤)، وأبي هريرة (٥)، وابن مسعود (٦)، وأبي الدرداء (٧). (و) لا بأس (بالشفاعة فيه) أي: السارق (إذا لم يبلغِ الإمامَ) لقوله

стр. 6654

- ﷺ : "تَعَافَوا الحُدُودَ، فمَا بَلَغَنى مِنْ حَدٍّ وَجَبَ" (١) (فإذا بلغه، حَرُمَتِ الشفاعة) وقَبولها (ولزم القطع) وكذا سائر الحدود؛ لما تقدم في قصة المخزومية (٢). فصل (ويُشترط أن يُطالب المسروقُ منه بماله، أو) يطالب به (وكيلُه (٣)) لأن المال يباح بالبذل والإباحة، فيحتمل أن يكون مالكه أباحه إياه، أو وقفه على جماعة المسلمين، أو على طائفة منهم السارق، أو أذن له في دخول حِرْزه، فاعتُبرت المطالبة؛ لتزول الشُّبهة.

стр. 6655

(فإن أقرَّ) مُكلَّف (بسرقه مالٍ غائبٍ، أو شهدتْ بها بينةٌ؛ حُبِس) إلى قدوم الغائب (ولم يُقطع حتى يَحضُرَ) الغائبُ، ويطالب، وتعاد الشهادة؛ لأنه لا يكتفى بإقامتها قبل المطالبة. (فإن كانت العينُ في يده) أي: يد المُقِر بالسرقة، أو يد من شَهِدت البينةُ عليه بالسرقة (أخذها الحاكمُ، وحَفِظها للغائب) لأن الحاكم له النظر في مال الغائب، وعليه حفظه. (وإن أقرَّ بسرقة) شيءٍ مكلَّفٌ (رجُلٌ) أو امرأة (فقال المالك: لم تسرقْ منِّي، ولكن غصبتني، أو كان) ذلك الشيء (لي قِبَلَكَ وديعةٌ، فجحدتني؛ لم يُقطع) لأن إقراره لم يوافق دعوى المدَّعي. (وإن أقرَّ) مُكلَّفٌ (أنه سرق) نِصابًا (من رجلين) مثلًا (فصَدَّقه أحدُهما) وحده (أو حضر أحدُهما فطالب، ولم يطالب الآخرُ؛ لم يُقطع) لعدم كمال الشرط، وهو مطالبة المسروق منه بنصاب تام. ومفهوم كلامه في "الشرح": أنه لو كان المسروق من المدعى يبلغ نصابًا، قُطِع؛ لاجتماع الشروط. (فإن أقرَّ أنه سَرَق من رَجُلٍ شيئًا يبلُغُ نصابًا، فقال الرجلُ: قد فقدتُهُ من مالي، فينبغي أن يُقطع) لحديث عبد الله بن ثعلبة الأنصاري؛ رواه ابن ماجه (١).

стр. 6656

وإن كذَّب مُدَّعٍ نفسه، سقط القطعُ. (وإذا وجب القطعُ) لاجتماع شروطه السابقة (قُطِعت يده اليمنى من مَفْصِل الكَفِّ) قال في "المبدع": بلا خلاف. ومعناه في "الشرح". وفي قراءة ابن مسعود: ﴿فاقطعوا أيمانهما﴾ (١) وروي عن أبي بكر وعمر أنهما قالا: "إذا سرق السارق فاقطعوا يمينه من الكوع" (٢)، ولا مخالف لهما في الصحابة (٣)؛ ولأن البطش بها أقوى، فكانت البداءة بها أردع؛ ولأنها آلة السرقة غالبًا، فناسب عقوبته بإعدام آلتها. و (حُسِمت وجوبًا، وهو) أي: الحَسْم (أن يُغْمَسَ موضِعُ القطعِ من مَفْصِل الذراع في زيت مَغليٍّ) لقوله ﷺ في سارق: "اقطعوه

стр. 6657

واحسموه" (١) قال ابن المنذر: في إسناده مقال (٢). والحكمة في الحسم: أن العضو إذا قُطِع فَغُمِس في الزيت المغلي، انسدت أفواه العروق، فينقطع الدم، إذ لو تُرِكت (٣) بلا حسم لنزفَ الدم، فأدَّى إلى موته.

стр. 6658

(فإن عاد) فسرق (قُطِعت رِجْلُه اليسرى من مَفْصِل الكعب) بترك عقبه؛ لفعل عمر (١). وعن (٢) عليّ: أنه كان يقطع من شطر القدم من معقد الشِّرَاك، ويترك له عقبًا يمشي عليها (٣). والأصل في قطع الرِّجْل في المرة الثانية، ما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال في السارق: "إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رِجْله" (٤)؛

стр. 6659

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6660

ولأنه قول أبي بكر (١) وعمر (٢)، ولا مُخالِفَ لهما في الصحابة، فكان كالإجماع (٣). وإنما قُطِعت الرِّجل اليسرى؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ (٤)، وإذا ثبت ذلك في المحاربة، ثبت في

стр. 6661

السرقة قياسًا عليها؛ ولأن قطع الرجل اليسرى أرفق به؛ لأن المشي على الرجل اليمنى أسهل وأمكن، ويبعد في العادة أن يتمكَّن من المشي على اليسرى، فوجب قطع اليسرى؛ لئلا تتعطل منه منفعة بلا ضرورة (وحُسِمَت، وجوبًا) بغمسها في زيتٍ مغلي؛ لئلا ينزف الدم فيؤدي إلى موته. (و صفة القطع: أن يُجْلَس السارقُ ويُضبَطَ؛ لئلا يتحرك) فيجني على نفسه (وتُشَدُّ يدُه بحبلٍ، وتُجرَّ حتى يتبين مَفْصِل الكفّ من مَفْصِل الذراع، ثم توضع بينهما سكين حادة، ويدق فوقها بقوة لتقطع في مرة واحدة، أو توضع السكين على المَفْصِل، وتُمدَّ مدةً واحدة) وكذا يُفعل في قطع الرجل. (وإن علم قطعًا أوحى من هذا، قطع به) لأن الغرض التسهيل عليه؛ لحديث: "إنَّ الله كتب الإحسان على كل شيء" (١). (ويُسَنُّ تعليقُ يدِهِ في عُنقه) لما روى فَضَالة بن عُبَيد: "أن النبي ﷺ أُتيَ بسارق فقُطِعت يده، ثم أمَرَ بها فعُلِّقت في عنقه" رواه أبو داود وابن ماجه (٢)، وفَعَله

стр. 6662

عليٌّ (١) (زاد جماعة) منهم صاحب "البلغة"، و"الرعايتين"، و"الحاوي" (ثلاثة أيام؛ إن رآه الإمام) أي: أداه إليه اجتهاده؛ لتتعظ به اللصوص. (ولا يُقطع) السارق (في شدّة حَرٍّ، ولا) في شدّة (بَرْدٍ، ولا مريض في مرضه، ولا حامل حال حَمْلها، ولا بعد وضعها حتى ينقضي نِفَاسُها) لئلا يحيف ويتعدَّى إلى فوات النفس. (وإذا قُطِعت يده، ثم سرق قبل اندمالها، لم يُقطع حتى يندمل القطع الأول) خوفًا من أن يُفضي إلى هلاكه (وكذا لو قُطِعت رِجْله قِصاصًا، لم تُقطع اليد في السرقة حتى تبرأ الرِّجْل) لما مَرَّ. وأما قُطَّاع الطريق، فإنَّ قطع اليد والرجل حَدٌّ واحد، بخلاف ما نحن فيه. (فإن عاد) للسرقة (ثالثًا بعد قَطْع يده ورِجْله، حَرُم قطعه) رواه سعيد (٢) عن عليّ؛ ولأن قطع الكل يُفَوِّتُ منفعة الجنس، فلم يُشرع

стр. 6663

كالقتل. وروي أن عمر رجع إلى قول عليّ (١) (وحُبِس حتى يتوب) كالمرة الخامسة. وفي "البلغة": يُعزَّر ويُحبس حتى يتوب. (ولو سرق ويده اليمنى) ذاهبة (أو) سرق و (رِجْله اليُسرى ذاهبة؛ قُطِع الباقي منهما) وتقطع (٢) رِجْله اليسرى في الصورة الأولى؛ لأن اليمنى (٣) لما خرجت عن كونها محلًّا للقطع، انتقل القطعُ إلى ما يلي ذلك، وهو الرِّجْل اليسرى، وتقطع يده اليمنى في الثانية؛ لأنها الآلة ومحل النص. (وإن كان الذاهب يَدُه اليسرى ورِجْله اليمنى؛ لم يُقْطع) منه شيء (لتعطيل منفعة الجنس، وذهاب عضوين من شق واحد. ولو كان الذاهب يديه، أو يسراهما) وسرق (لم تُقطع رِجْله

стр. 6664

اليسرى) لذهاب عضوين من شَقّ (وإن كان الذاهب رِجْليه، أو يُمناهما، ويداه صحيحتان؛ قُطعت يمنى يده) لأنها الآلة ومحل النص. (وإن سرق وله يُمنى، فذهبت في قِصاص، أو) ذهبت (بأَكِلَةٍ، أو) ذهبت بـ (ــتعدٍّ؛ سقط القطع) لتعذُّر استيفاء الحد؛ لتلف محله، كما لو مات من عليه القود. (وعلى العادي) بقطع اليد (الأدب فقط) لافتياته على الإمام، ولا ضمان عليه؛ لأن قطعها مستحق، أشبه قتل المرتدِّ (سواء قطعها بعد السرقة والحكم بالقطع، أو قبله إذا كان) قطعه لها (بعد السرقة؛ لأنه قطع عضوًا غير معصوم) أشبه قتل الزاني المحصن. (ولو شهد عليه بالسرقة) شاهدان (فحبسه الحاكم لتعدل الشهود، فقطعه قاطع، ثم عُدِّلوا، فكذلك) لا ضمان على قاطعه؛ لما مَرَّ (وإن لم يُعدَّلوا) أي: الشهود (وجب القِصاص على القاطع) لأنه قطع عضوًا من معصوم مكافئ له، لا حَقَّ له في قطعه، ولا شُبهة حق. (وإن ذهبت يده اليسرى) وحدها (أو) ذهبت (مع رجليه، أو مع إحداهما؛ فلا قَطْع) لذهاب منفعة الجنس بقطع يمناه. (وإن ذهبت بعد سرقته رِجْلاه، أو يمناهما؛ قُطِع) أي: قُطعت يده اليمنى؛ لأنها الآلة ومحل النص (كـ) ــما تُقطع مع (ذهاب يسراهما) أي: يسرى رجليه (نصًّا (١). وشلَّاء) من يد، أو رجل (ولو أُمِن تلفه بقطعها) كمعدومة. (وما ذهب معظمُ نفعها) من يد، أو رِجْل (كمعدومة) لأنه لا يحصُل بواحدة منهما مقصود القَطْع، والشلَّاء لا نفع فيها،

стр. 6665

ولا جمال، فتشبه كفًّا لا أصابع عليه. (لا ما ذهب منها خِنْصِر، وبِنْصِر، أو إصبع سواهما ولو الإبهام) فليست كمعدومة؛ لبقاء معظم نفعها. (وإن وجب قطع يُمناه، فقَطَعَ القاطعُ يُسراه بدلًا عن يمينه؛ أجزأت، ولا تُقطع يُمناه) لئلا تتعطل منفعة الجنس، وتُقطع يداه بسرقة واحدة. (وأما القاطعُ؛ فإن كان قَطَعها من غير اختيار من السارق، أو كان أخرجها السارقُ دهشةً، أو ظنًّا منه أنها تُجزئ، فَقَطَعها القاطع عالمًا بأنها يُسراه، وأنها لا تجزئ؛ فعليه القِصاص) لأنه قطع طرفًا معصومًا عمدًا، فأقيد به كما لو لم يجب قطع يُمناه. (وإن لم يعلم) القاطعُ (أنها يُسراه، أو ظَنَّ أنها تُجزئه؛ فعليه ديتها) لأن ما أوجب عمده القود، أوجب خطؤه الدية، كالقتل. (وإن كان السارقُ أخرجها اختيارًا عالمًا بالأمرين) أي: بأنها اليسار، وبأنها لا تُجزئ (فلا شيء على القاطع) لإذن المقطوع فيه (ولا تُقطع يُمنى السارق) لذهاب منفعة الجنس؛ جزم به في "التصحيح" و"النظم" وقدَّمه في "المنتهى". والوجه الثاني: تُقطع؛ جزم به في "الوجيز" و"التنقيح" وهو ظاهر ما قدَّمه في "الفروع". (ويجتمع القطعُ والضمان) على السارق؛ لأنهما حقان يَجِبان لمستحقين، فجاز اجتماعهما، كالجزاء والقيمة في الصيد الحرمي المملوك (فيَرُدُّ العينَ المسروقةَ إلى مالكها) قال في "المبدع": بغير خلاف نعلمه. إن كانت باقية (وإن كانت تالفةً وهي من المِثليات؛ فعليه مِثلُها، وإلا) تكن مِثلية (فقيمتها، قُطِع أو لم يُقطع، موسِرًا

стр. 6666

كان أو مُعسِرًا) وما روي عن عبد الرحمن بن عوف مرفوعًا: "إذا أَقمتُمُ الحَدَّ على السّارِقِ فلا غُرْمَ عليه" (١) قال ابن عبد البر: الحديث ليس بالقوي (٢). وقال ابن المنذر (٣): فيه سعد بن إبراهيم، وهو مجهول، ولو سُلِّم صحته فيحتمل أنه لا غُرْمَ عليه في أجرة القطع.

стр. 6667

(وإن فعل) السارق (في العين فعلًا نَقَصَها به، كقطع الثوب) المسروق (ونحوه؛ وجب ردُّه وردُّ) أرْش (نقصه) كالمغصوب. (و الزيت الذي يُحْسَم به وأجرة القطع من مال السارق) أما الزيت؛ فلأنه يلزمه حفظ نفسه وهذا منه؛ لأنه إذا لم يُحْسَم لم يأمن على نفسه التلف، فوجب لذلك. وأما أُجرة القطع، فلأن القطع حقٌّ وجب عليه الخروج منه، فكانت مؤنته عليه كسائر الحقوق، وقبل: يؤخذ ذلك من بيت المال؛ لأنه من المصالح.

стр. 6668

باب حد المحاربين وهو جمع مُحارِب، اسم فاعل من حارب يُحارِب، من الحرب. قال ابن فارس: الحَرْب اشتقاقها من الحَرَب - بفتح الراء - وهو مصدر حُرِبَ مالَه، أي: سُلِبَه. والحرب: المحروب (١). (وهم قُطَّاعُ الطريق) أي (المُكلَّفون الملتزِمون) من مسلم وذمي (ولو أنثى) لأنها تُقطع في السرقة، فلزمها حكم المحاربة كالرَّجُل (الذين يَعْرِضُون للناس بسلاح ولو بعصًا وحجارة) لأن ذلك من جملة السلاح، فإن لم يكن معهم سلاح فليسوا محارِبين؛ لأنهم لا يَمنعون مَن قَصَدهم (في صحراء أو بنيان أو بَحْر) لعموم الآية؛ ولأن ضررهم في المِصْر أعظم، فكانوا بالحَدِّ أولى (فيغصبونهم مالًا) بخلاف الخمر ونحوه (محترمًا) لا صليبًا ومزمارًا ونحوهما (قهرًا مجاهرة). والأصل فيهم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. . .﴾ الآية (٢). قال ابن عباس وأكثر العلماء: نزلت في قُطَّاع الطريق من المسلمين (٣)؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ

стр. 6669

تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ (١) والكفار تُقبل توبتهم بعد القدرة (٢) وقبلها، وعن ابن عمر أنها نزلت في المرتدين (٣)؛ لأن سبب نزولها قضية العُرَنيين (٤). (فإن أخذوا) المال (مختفين فهم سُرَّاق) لأنهم لا يرجعون إلى منعة وقوة، فليسوا بمحاربين (وإن خطفوه وهربوا، فمنتهبون لا قَطْعَ عليهم) لأنهم ليسوا قُطَّاع طريق؛ لما مَرَّ.

стр. 6670

(وإن خرج الواحد والاثنان على آخِرِ قافلة، فاستلبوا منها شيئًا، فليسوا بمحاربين؛ لأنهم لم يرجعوا إلى منعة وقوة، وإن خرجوا على عدد يسير فقهروهم، فهم محاربون) يثبت لهم حكمهم. (ويُعتبر ثبوته) أي: قَطْع الطريق (ببينة) أي: شهادة رَجُلين عدلين (أو إقرارٍ مَرَّتين) كسرقة؛ ذكره القاضي وغيره. (فمن كان منهم) أي: من قُطَّاع الطريق (قد قَتل) قتيلًا (لأخذ ماله، ولو) كان القتل (بمثقَّل، أو سَوط، أو عصًا، ولو) قتل (غير من يكافئه، كمن قتل ولده أو) قتل (عبدًا، أو ذميًّا، وأخذ المال؛ قُتل حتمًا) أي: وجوبًا؛ للآية (بالسيف في عنقه) لحديث: "إذا قَتَلتُمْ فأحْسِنُوا القِتلَةَ" (١) (ولو عفا عنه وليُّ) المقتول؛ لأنه لحق الله تعالى، فلا يسقط بعفْو الولي. (ثم صُلِب المكافئُ) لمقتوله (دون غيره، بقَدْرِ ما يَشتهِرُ) به؛ لأن المقصود منه زَجْرُ غيره، ولا يحصُل إلا به، والأصل في ذلك ما روى الشافعيُّ بسنده عن ابن عباس: إذا قَتلوا وأخذوا المال [قُتِلوا و] (٢) صُلبوا، وإذا قَتلوا ولم يأخذوا المال قُتِلوا ولم يُصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قُطِعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالًا، نُفُوا من الأرض (٣). وروي نحوه مرفوعًا (٤). وقُدِّم القتل على الصلب؛ لأنه مُقَدَّم عليه في الآية، وفي صلبه حيًّا تعذيب،

стр. 6671

وقد نهى ﷺ عن تعذيب الحيوان (١) (ثم يُنزَل ويُدفع إلى أهله، فيغسَّل، ويُكَفَّن، ويُصلَّى عليه، ويُدفن) كغيره من المسلمين. (فإن مات) قاطعُ الطريق (قبل قَتْله، لم يُصلَب) لأنه لا فائدة في صلبه إذًا؛ لأن الصلب إنما وجب ليشتهر أمره في القتل في المحاربة، وهذا لم يُقتل في المحاربة. (ولا يتحتَّم استيفاءُ جناية توجب القِصاص فيما دون النفس) فإذا قطعَ قاطعُ الطريقِ طرفًا، لم يتحتم استيفاؤه، والخيرة للمجني عليه؛ لأن القتل إنما يتحتمَ لأنه حَدّ المحارب إذا كان قاتلًا، فأما الطرف فإنما يُستوفى هنا قِصاصًا لا حدًّا، فيكون حكمه كغير المحارب، فإذا عفا وليُّ القَوَد، سقط لذلك (إلا إذا كان قد قتل). قال في "الإنصاف": ولا يسقط تحتُّم القَوَد في الطرف إذا كان قد قُتِل على الصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب. انتهى. قال في "المحرر" و"المبدع": ولا يسقط مع تحتُّم القتل على الروايتين. انتهيا. وكذا في "شرح المنتهى": ولا يسقط مع تحتُّم قَتْل، لكن يمكن عود الضمير للقود في الطرف، أي: لا يسقط القود في الطرف بتحتُّم القود في النفس؛ لأنه (٢) لا يسقط التحتم في الطرف، لأن المذهب: أنه لا يتحتَّم، بخلاف ما توهمه عبارة "الإنصاف" ولذلك قال في "التنقيح": ولا يتحتَّم استيفاء جناية توجب القِصاص فيما دون النفس. وتبعه في

стр. 6672

المنتهى"، وظاهرهما: مطلقًا. (وحكمها) أي: الجناية فيما دون النفس (حكم الجناية في غير المحاربة) إذا كان قد قتل (فإن جرح إنسانًا وقتل آخر؛ اقتصّ منه للجراح، ثم قُتل للمحاربة حتمًا فيهما) وعلى ما في "التنقيح" و"المنتهى": يتحتَّم القِصاص في النفس فقط، وولي الجراح بالخيار. (ورِدْءٌ) للمحاربة (١) - وهو المساعد والمعين له عند احتياجه إليه - كمباشر (وطليع) وهو الذي يكشف للمحاربين حال القافلة ليأتوا إليها (في ذلك) القتل (كمباشر) كما في جيش المسلمين إذا دخلوا دارَ الحرب وباشر بعضُهم القتالَ وأخذ المال، ووقف الباقون للحفظ والحراسة ممن يدهمهم من ورائهم، أو أرسل الإمام عينًا ليتعرَّف أحوال العدو، فإن الكلَّ يشتركون في الغنيمة، وذكر أبو الفَرَج السرقة كذلك. (فإذا قَتَل واحدٌ منهم ثبت حكم القتل في حَقِّ جميعهم) أي: جميع المُكلَّفين منهم (فيجب قَتْلُ الكل) لأن حكم الرِّدء حكم المباشر. (وإن قَتَل بعضُهم وأخذ المالَ بعضُهم؛ قُتِلوا كلهم) وجوبًا (وصُلِب المكافئ) لمقتوله، كأنَّ القتل والأخذ صدرا من الكل. (فإن كان فيهم) أي: المحاربين (صبيٌّ أو مجنون؛ لم يسقط الحَدُّ عن غيرهما) كما لو اشترك مُكلَّف وغيره في شرب ونحوه، بخلاف ما لو اشتركا في القَتْل؛ لأنه لم يتمحض عمدًا عدوانًا (ولا حَدَّ عليهما) أي: الصغير والمجنون؛ لحديث: "رُفِعَ القَلَمُ عنْ ثلاثٍ" (٢). (وعليهما ضمان ما أخذا من المال في أموالهما، ودية قتيلِهِما على

стр. 6673

عاقلتهما) كما لو أتلفا مالًا، أو قتلا في غير المحاربة. (ولا شيء) أي: لا حدَّ (على رِدئهما) لأن الردء يتبع المباشر. قال في "شرح المنتهى": فيضمن الرِّدْء المكلَّف ما باشر أخذه غير المكلف. (وإن كان فيهم) أي: المحاربين (امرأة ثبت لها حكم المحاربة) كالرجل؛ لعموم الأدلة، وكالسرقة (فمتى قَتَلت، أو أخَذَت المال؛ ثَبَت لها حكم المحاربة في حَقِّ من معها، كهي؛ لأنهم رِدؤها) فيكونون كالمباشرين. (وإن قطع أهلُ الذمة على المسلمين الطريقَ وحدهم، أو مع المسلمين؛ انتقض عهدُهم) كما تقدم في أحكام الذمة (١) (وحَلَّت دماؤهم وأموالهم) يعني: أن الإمام يُخَيّر فيهم، كالأسرى، بين القتل والرِّق والمنِّ والفداء، فإن قتلوا فمالهم فيء، كما تقدم في آخر أحكام الذمة (٢)، فإن خيف لحوقهم بدار الحرب قبل بلوغ الإمام، فلكلِّ أحدٍ قَتْلُهم وأخْذُ ما معهم، كما يأتي في المرتد (٣). فصل (ومن قَتَل) لقصد المال (ولم يأخذ المالَ؛ قُتِلَ حتمًا، ولا أثر لعفو وليٍّ، ولم يُصلب) لما تقدم في خبر ابن عباس من قوله: ومن قَتَل ولم يأخذ المال قُتِل (٤). ولم يذكر صَلْبًا؛ ولأن جنايتهم بأخذ المال مع

стр. 6674

القتل تزيد على الجناية بالقتل وحده، فوجب أن تكون عقوبتهم مع أخذ المال أغلظ. (ومن أخذ) منهم (المال، ولم يقتل، قُطِعت يدُه اليمنى وحُسِمَتْ، ثم رِجْله اليُسرى وحُسِمَت في مقامٍ واحد، حتمًا مرتبًا وجوبًا) لظاهر الآية (١) والخبر (٢). (ولا يُقطع منهم إلا مَن أخد مِن حِرْزٍ) وهو القافلة (مما لا شُبهة له فيه) بخلاف نحو أب وسيد (ما يُقطع السارق في مثله) لقوله ﷺ : "لا قطعَ إلا في رُبعِ دينارٍ" (٣)، ولم يفصِّل؛ ولأنها جناية تعلقت بها عقوبة في حق غير المحارب، فلا تُغَلَّظ في المحارب بأكثر من وجه واحد، كالقتل. (فإذا أخذوا نصابًا، أو ما تبلغ قيمته نصابًا) أي: ربع دينار أو ثلاثة دراهم فضة خالصة (ولو لم تبلغ حصةُ كُلِّ واحدٍ منهم نصابًا؛ قُطعوا) كما لو اشترك جماعة في سرقة نصاب. (فإن أخذ من غير حِرْزٍ، كأخذه من منفرِدٍ عن القافلة ونحوه، فلا قَطْعَ) وكذا لو كان المأخوذ دون نصاب، أو من مال له فيه شُبهة، كالسرقة. (فإن كانت يده اليُمنى، أو رِجْله اليسرى معدومة، أو) كانت (مستحَقَّةً في قِصاص، أو) كانت (شَلَّاء؛ قُطِع الموجود منهما فقط) لأن ذلك واجب أمكن استيفاؤه.

стр. 6675

(و يسقط القطعُ في المعدوم) والشلاء؛ لأن ما تعلَّق به الفَرْض قد زال، أو في حكمه، فسقط (١)، كالغسل في الوضوء (وإن عَدِم يُسرى يديه قُطِعت يُسرى رِجليه) فقط؛ لئلا تذهب منفعة الجنس (وإن عَدِم يُمنى يديه لم تُقطع يُمنى رجليه) لئلا يذهب عضوان من شِقٍّ، وتُقطع يُسرى رِجليه. (ولو حارب مَرَّة أخرى، لم يُقطع منه شيء) كالسارق في المرة الثالثة على ما تقدم (٢). (وتتعيَّن ديةٌ لقَوَدٍ لزمه بعد محاربته؛ لتقديمها) أي: المحاربة (بسبقها) للقود (وكذا لو مات قبله قتله للمحاربة) تعينت الدية؛ لفوات المحل. (ومَن لم يَقْتُلْ ولا أخذ المالَ، بل أخافَ السبيلَ) أي: الطريق (نُفي وشُرِّد) أي: طُرِد (فلا يُترك يأوي إلى بلدٍ، ولو عبدًا، حتى تظهر توبته) لقوله تعالى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (٣). (وإن كانوا جماعة نُفوا متفرِّقين) فيُنفى كلُّ واحدٍ منهم إلى جهة، خشية أن يجتمعوا على المحاربة ثانيًا. (ومن تاب منهم) أي: من قُطَّاع الطريق (قبل القُدْرة عليه، لا بعدها؛ سقط عنه حَقُّ الله) تعالى (من الصلب والقطع والنفي وانحتام القتل) قال في "المبدع": بغير خلاف نعلمه. ومعناه في "الشرح"؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤) (حتى حَدّ زنىً وسرقة وشرب) خمر، فيسقط عن المحارب إذا تاب قبل القُدْرة عليه؛ لعموم الآية، بخلاف حَدّ القَذْفِ.

стр. 6676

(وكذا خارجيٌّ) محارِب (وباغٍ) محارِب (ومرتدٌّ) محارب، إذا تاب قبل القدرة عليه؛ سقط عنه حقّ الله تعالى؛ لعموم الآية. وأما من تاب بعد القدرة عليه، فإنه لا يسقط عنه شيء من ذلك؛ لمفهوم الآية. (وأُخِذَ) من تاب قبل القدرة عليه من قُطَّاع الطريق، والخوارج، والبُغَاة، والمرتدين (بحقوق الآدميين من الأنفس والأموال والجراح، إلا أن يُعفى لهم عنها) لأنها حقوق عليهم، لم يُعفَ عنها، فلم تسقط، كغير المحاربين (١)، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) فإنه يشعر بسقوط حَقّه دون حق غيره، المبني على المُشَاحّة. (وإن أسلم ذميٌّ بعد زنىً أو سرقة؛ لم يسقط) الحد (بإسلامه) بل يؤاخذ به كما قبل الإسلام؛ لالتزامه حكمنا (وتقدم حكم المستأمن في بابي حد الزنى (٣) والسرقة (٤)) قال في "المنتهى": ويؤخذ غير حربي - أسلم - بحق الله؛ وحق آدمي طَلَبه. (وأما الحربي الكافر إذا أسلم، فلا يؤخذ بشيء في كُفْرِه إجماعًا (٥)) لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٦) وقوله ﷺ : "الإسلامُ يجُبُّ ما قبلَه" (٧). (ومن وجب عليه حَدٌّ لله) تعالى (سوى ذلك) أي: حَدّ المحاربة،

стр. 6677

كالزني وشرب الخمر والسرقة (فتاب قبل ثبوته؛ سَقَط بمجرَّد التوبة قبل إصلاح العمل) لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ (١)؛ ولقوله: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ (٢)، وفي الحديث: "التائِبُ مِنَ الذَّنبِ كمَن لا ذَنبَ له" (٣)؛ ولأنه خالصُ حقِّ الله تعالى، فسقط بالتوبة، كحَدِّ المحارب

стр. 6678

(وإلا) أي: وإن لم يكن الحَدّ لله تعالى، بل للآدمي، كحَدّ القذف، أو كان لله ولم يتب قبل ثُبوته، بل بعده (فلا) يسقط؛ لعموم الأدلة (ومن مات وعليه حد) لله أو لآدمي (سقط) بموته؛ لفوات محله، كما يسقط القِصاص بالموت. فصل (ومن صال (١) علي نفسه) بهيمةٌ أو آدمي (أو) صال على (نسائه) كأمه، وابنته، وأخته، وزوجته ونحوهن (أو) على (ولده، أو ماله، ولو قَلّ) المال (بهيمة أو آدمي، ولو) كان من أُريدت نفسه، أو حرمته، أو ولده، أو ماله (غير مكافئ) للمريد (أو) كان الصائل (صبيًّا، أو مجنونًا) كالبهيمة، وسواء صال على ذلك (في منزله أو غيره، ولو) كان (متلصصًا) أي: طالبًا للسرقة (ولم يَخَفِ) الدافع (أن يَبْدُرَه الصائلُ بالقتل، دَفَعه بأسهل ما يَغْلِب على ظَنِّه دَفْعُه به) لأنه لو مُنع من ذلك، لأدى إلى تلفه، وأذاه في نفسه وحرمته وماله؛ ولأنه لو لم يجز ذلك، لتسلط الناس بعضهم على بعض، وأدى إلى الهرج والمرج. (فإن اندفع بالقول لم يكن له ضَرْبه) بشيء (وإن لم يندفع بالقول،

стр. 6679

فله) أي: الدافع (ضَرْبه بأسهل ما يَظُنُّ أن يندفعَ به، فإن ظن أنه يندفع بضرب عصًا، لم يكن له ضربه بحديد) لأنه آلة القتل. (وإن وَلَّى هاربًا، لم يكن له قتله ولا اتِّباعُهُ) كالبغاة (وإن ضَرَبه فعطَّله، لم يكن له أن يُثَنِّيَ عليه) لأنه كُفِيَ شره. (وإن ضَرَبه، فقطع يمينه، فولَّى هاربًا، فضَربه، فقطع رِجْله، فالرِّجلُ مضمونة بقِصاص أو دية) لأن الزائد على ما يحصل به الدفع لا حاجة إليه، فلم يكن له فعله. قال أحمد (١): لا يريد قتله وضربه، لكن دفعه. (فإن مات) الصائل (من سراية القطعين، فعليه) أي: الدافع (نصف الدية) لأنه مات من فعل مأذون فيه وغير مأذون فيه. (وإن رجع) الصائل (إليه) أي: الدافع (بعد قَطْعِ) يده ثم (رِجْله، فَقَطَع) الدافع (يَدَه الأخرى) لكونه لم يندفع بدونه (فاليدان غير مضمونتين) بخلاف الرِّجل التي قطعها بعد أن وَلَّى هاربًا. (وإن مات) الصائلُ (فعليه) أي: الدافع (ثُلُثُ الدية) كما لو مات من جراحة ثلاثة أنفس. قال في "المبدع" و"الشرح": وقياس المذهب أن يضمن نصف الدية، كما لو جرحه اثنان ومات منهما (فإن لم يمكنه) أي: الدافع (دفعه) أي: الصائل (إلا بالقتل، أو خاف) الدافع (ابتداء أن يَبْدُرَه) أي: الصائل (بالقتل إن لم يعاجله بالدفع، فله ضَرْبه بما يقتله ويقطع طرفه، ويكون) ذلك (هدرًا) لأنه أتلف لدفع شره، كالباغي. (وإن قُتل المصول عليه، فهو شهيد مضمونٌ) لحديث أبي هريرة قال: "جاءَ رجلٌ، فقال: يا رسول الله، أرأيتَ إن جاء رجلٌ يُريدُ أخذَ

стр. 6680

مالي؟ قال: لا تُعْطِهِ. قال: أرأيتَ إن قاتَلَني؟ قال: قاتِلْهُ، قال: أرأيتَ إن قتَلَني؟ قال: فأنتَ شهيدٌ. قال: أرأيتَ إنْ قَتَلْتُهُ؟ قال: في النارِ" رواه أحمد ومسلم (١). وعن سعيد بن زيد قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "مَن قُتِلَ دُون ماله فهو شهيدٌ، ومن قُتِلَ دون دمهِ فهو شهيدٌ، ومن قُتلَ دون أهله فهو شهيدٌ" رواه أبو داود، والترمذي (٢) وصححه. (وإن كان الدفع) للصائل (عن نسائه، فهو لازم) أي: واجب؛ لما فيه من حَقِّه وحق الله، وهو منعه من الفاحشة. (وإن كان) الدفع (عن نفسه في غير فتنة، فكذلك) أي: فالدفع لازم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٣) وكما يحرم عليه قتل نفسه يحرم عليه إباحة قتلها؛ ولأنه قَدَر على إحياء نفسه، فوجب عليه فعل ما تبقى به (٤)، كالمضطر للميتة، فإن كان في فتنة لم يلزمه الدفع؛ لقوله ﷺ في الفتنة: "اجلِسْ في بيتكَ، فإن خِفتَ أن يَبْهَركَ شُعاعُ السيفِ فغَطِّ وجهَكَ" (٥). وفي لفظ: "فكُنْ

стр. 6681

عبد الله المقتولَ ولا تَكن عبد الله القاتِل" (١)؛ ولأن عثمان ترك القتال

стр. 6682

على من بَغَى عليه مع القدرة عليه، ومَنَعَ غيره قتالهم، وصبر على ذلك (١)، ولو لم يجز، لأنكر الصحابة عليه ذلك، وله أن يدفع عن نفسه. (وإن أمكنه الهرب والاحتماء، كما لو خاف من سَيْلٍ، أو نارٍ، وأمكنه أن يتنحَّى عنه، وكما لو كان الصائل) عليه (بهيمة) فإنه يجب عليه دفعها (ولو قتلها، ولا ضمان عليه) فيها؛ لسقوط حُرمتها بالصول. (وإن كان الدفع عن نفس غيره في غير فِتنة، وظنَّ الدافع سلامه نفسه، فـ) ــالدفع (لازم أيضًا) لأنه لا يتحقَّق منه إيثار الشهادة، كإحيائه (٢) ببذل طعامه؛ ذكره القاضي وغيره. فإن كان في فتنة لم يلزمه الدفع؛ لقصة عثمان. (ولا يلزمه الدفع عن ماله، ولا حفظه من الضياع والهلاك) ذكره القاضي وغيره؛ لأنه يجوز له بَذْله، وذكر القاضي: أنه أفضل. وفي "الترغيب": المنصوص عنه (٣): أن ترك قتاله عليه أفضل. زاد في "نهاية المبتدي" عن الثلاثة: وعِرْضِه (كمالِ غيره) أي: كما لا يجب الدفع عن مال الغير. قال في "المذهب": أما دفع الإنسان عن مال غيره فيجوز، ما لم يُفْضِ إلى الجناية على نفس الطالب، أو شيء من أعضائه. وجزم في "المنتهى" باللزوم مع ظَنِّ سلامتهما، وهو معنى ما قَدَّمه في "الإنصاف". (لكن له) كذا في "الشرح" والظاهر أنه: يجب عليه (معونة غيره في

стр. 6683

الدفع عن ماله ونسائه، في قافلة وغيرها) مع ظَنِّ السلامة؛ لحديث: "انصُرْ أخاكَ ظالِمًا أو مَظلُومًا" (١)؛ ولئلا تذهب الأنفس والأموال. (وإن أراد (٢) رجل امرأة عن نفسها) ليفجر بها (فقتلته دفعًا عن نفسها) إن لم يندفع إلا به (لم تضمنه) لقول عمر (٣)؛ ولأنه مأذون في قتله شرعًا، لدفعه عنها. (ولو ظُلِمَ) بالبناء للمفعول (ظالمٌ لم يُعِنْه) على دفع الظلم عنه (حتى يرجع عن ظلمه) نصًّا (٤)، قال: أخشى أن يجترئ، يَدَعُوهُ (٥) حتى ينكسر. (وكَرِه) الإمام (أحمد أن يخرجَ إلى صيحةٍ بالليل؛ لأنه لا يدري ما يكون) نقله صالح (٦). قال في "الفروع": وظاهر كلام الأصحاب خلافه فيهما، أي: في هذه والتي قبلها، وهو في الثانية أظهر.

стр. 6684

(و إذا وَجَدَ رجلًا يزني بامرأته فقتلهما، فلا قِصاص عليه ولا دية) رواه سعيد عن عمر (١) (إلا أن تكون المرأة مُكْرَهة، فعليه القِصاص) ويأثم؛ لسقوط الحَدّ عنها بالإكراه، فهو معصية (٢) (هذا إذا كانت بينة) أنه وجده يزني بها (أو صَدَّقه الوليُّ) على ذلك (وإلا) أي: وإن لم تكن بيّنة، ولم يُصدِّقه الولي (فعليه الضمان في الظاهر) لأن الأصل العصمة. وأما في نفس الأمر: إن كان صادقًا فلا شيء عليه (وتقدم (٣) في شروط القِصاص بعض ذلك. والبينة شاهدان؛ اختاره أبو بكر) لأن البينة تشهد على وجوده مع المرأة، وهذا يثبت بشاهدين، وإنما الذي يحتاج إلى أربعةٍ: الزنى، وهذا لا يحتاج إلى إثبات الزنى. وعنه: أربعة (٤)؛ لقول عليّ (٥).

стр. 6685

(وإن قتل رجلًا) في منزله (وادَّعى أنه هَجَم منزله، فلم يُمْكِنْه دَفْعُهُ إلا بالقتل، لم يُقبل قوله بغير بينة) لحديث: "البينةُ على المُدَّعي واليمينُ على مَن أنكَر" (١) (وعليه القَوَد، سواء كان المقتول يُعرف بسرقة، أو عِيارة، أو لا) يُعرف بذلك. والعيارة: التحزب لأخذ مال الغير. والعَيَّارون: المحزبون (٢) الذين يُسَمَّون بمصر والشام: المنصر (٣)، كانوا يسمون عيارين ببغداد (فإن شهدت بينة أنهم رأوا هذا) أي: المقتول (مقبلًا إلى هذا) أي: القاتل (بسلاح مشهور، فضربه هذا) أي: القاتل (فَدَمُهُ) أي: المقتول (هَدْرٌ) لثبوت صيالته عليه. (وإن شهدوا أنهم رأوه) أي: المقتول (داخلَ دارِه، ولم يذكُرُوا سلاحًا، أو ذكروا سلاحًا غير مشهور، لم يسقط القَوَدُ بذلك) لأنه قد يدخُل لحاجة. (و إن عَضَّ يَدَهُ إنسانٌ عضًّا مُحرَّمًا، فانتزع) المعضوضُ (يَدَهُ من فِيه ولو بعُنفٍ، فسقطت ثناياه) أي: العاضّ (فَهَدْرٌ) ظالمًا كان المعضوض أو مظلومًا؛ لما روى عمران بن حصين: "أن رجلًا عضَّ رَجُلًا، فنزَعَ يَدَهُ مِنْ فيه، فوقعت ثناياه، فاختصموا إلى النبي ﷺ فقال: يَعَضُّ أحدُكُم يَدَ أخيه كما يَعَضُّ الفَحْلُ، لا ديةَ لكَ" رواه الجماعة إلا أبا داود (٤)؛ ولأنه

стр. 6686

عضو تلف ضرورة دفع صاحبه، كما لو صال عليه فلم يمكنه دفعه إلا بقتله ونحوه. (وكذا ما في معنى العَضِّ) نحو: أن حَبَسه في بيته، أو رَبَطه بشيء من ماله، فخَلَّص نفسه، فتلف بتخلُّصِه شيء؛ لم يضمنه (فإن عَجَز) المعضوض عن التخلص (دفعه) أي: العاضّ (كصائل) بأسهل ما يظن اندفاعه به. (وإن كان العضُّ مباحًا، مثل أن يُمْسِكه في موضع يتضرَّرُ بإمساكه) كخُصيته (١) (أو يعصر يَدَه، ونحو ذلك مما لا يقدِرُ على التخلُّص منه إلا بِعَضِّه، فعضَّه، فما سقط من أسنانه ضَمِنَه) المعضوض. (وإنْ نظر في بيته في خَصاصِ الباب) بفتح الخاء، وهي الفروج التي فيه (أو) نظر (من نَقْبٍ في جِدارٍ، أو) نظر (من كَوَّة) بفتح الكاف (ونحوه) كفروج في بيت شَعر، ولو لم يتعمد ذلك، لكن ظنه متعمدًا (- لا) إن نظر (من باب مفتوح - فرماه) أي: الناظرَ (صاحبُ الدار بحصاة أو نحوها، أو طعنه بعود فقلع عينه، فلا شيء عليه، ولو أمكن الدفع بدونه) لظاهر الخبر (٢). (وسواء كان في الدار نساءٌ، أو كان) الناظر (مَحْرَمًا، أو نَظَر من الطريق، أو مِن مِلْكِه، أو لا) لعموم حديث أبي هريرة: "أنَّ النبي ﷺ قال: لو أنَّ امرأً اطّلَعَ عَليكَ بغير إذنٍ فخذَفْتَه بحصاة ففَقَأتَ عَيْنَهُ لم يَكنْ

стр. 6687

عليكَ جُناحٌ" متفق عليه (١). (فإن ترك) الناظر (الاطلاعَ ومضى، لم يجز رميُهُ) لعدم الحاجة إليه (فإن رَمَاه، فقال المُطَّلعُ: ما تعمدتُهُ، أو لم أرَ شيئًا حين اطَّلعت؛ لم يضمنه) الرامي له؛ لظاهر الخبر؛ ولأنه لا يعلم ما في ضميره. (وليس لصاحب الدار رَمْيُهُ بما يقتله ابتداء) كالصائل (فإن لم يندفع برميه بالشيء اليسير، جاز رَمْيُهُ بأكثر منه، حتى يأتي ذلك على نفسه) كالصائل. (و لو تَسَمَّعَ الأعمى أو البصير على مَن في البيت، لم يَجُزْ طعن أذنه) قبل إنذاره؛ قاله في "الترغيب" وغيره. (ولو كان عُريانًا في طريق، لم يكن له رمي من نظر إليه) لأنه مُفَرِّط. (وإن عقرت كلبةٌ من قَرُب من أولادها، أو خرقت ثوبه، لم تُقتل) بذلك، ولم يثبت لها حكم العقور؛ لأن الطباع جُبِلت على الدفع عن الولد (بل تُنقل) إلى مكان منفرد؛ دفعًا لأذاها. (وقال الشيخ (٢) في جُندٍ قاتلوا عَرَبًا نهبوا أموال تُجَّار ليردوه) لمالكيه: (هم) أي: الجند (مجاهدون في سبيل الله) أي: في حُكمهم؛ لأنهم ناهون عن المنكر (ولا ضمان عليهم) أي: الجند في من قُتل من العرب (بقود ولا دية) أي: ولا كفارة، حيث لم يندفعوا إلا بذلك، كالصائل، فإن قاتلوهم ليأخذوا منهم ما أخذوه لأنفسهم، فهما ظالمتان على ما يأتي في الباب بعده.

стр. 6688

باب قتال أهل البغي وهو مصدر بغى يبغي إذا اعتدى. والمراد هنا الظَّلَمة الخارجون عن طاعة الإمام؛ المعتدون عليه. قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا. . .﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ (١) وفيها فوائد: منها: أنهم لم يخرجوا بالبغي عن الإيمان، وأنه أوجب قتالهم، وأنه أسقط عنهم التبعة فيما أتلفوه في قتالهم، وإجازة قتال كل من منع حَقًّا عليه. والأحاديث بذلك مشهورة. منها: ما روى عبادة بن الصامت قال: "بايَعْنا رسولَ الله ﷺ على السمع والطَّاعة في المنشَطِ والمكرَهِ وألا نُنازع الأمرَ أهلَهُ" متفق عليه (٢)، وأجمع الصحابة على قتالهم؛ فإن أبا بكر قاتل مانعي الزكاة (٣)، وعليًّا قاتل أهلَ الجمل (٤) وأهلَ صِفّين (٥). (نَصْبُ الإمامِ الأعظم (٦) فَرْضُ كِفاية) لأن بالناس حاجةً إلى ذلك؛

стр. 6689

لحماية البيضة، والذَّبِّ عن الحوزة، وإقامة الحدود، واستيفاء الحقوق، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. ويُخاطَب بذلك طائفتان، إحداهما: أهل الاجتهاد حتى يختاروا. والثانية: من توجد فيهم شرائط الإمامة، حتى ينتصب (١) أحدهم لها. أما أهل الاختيار، فيعتبر فيهم العدالة، والعلم الموصل إلى معرفة من يستحق الإمامة، والرأيُ والتدبير المؤدّي إلى اختيار مَن هو للإمامة أصلح. وأما شروط الإمامة فتأتي في كلامه. (ويثبت) نصب الإمام (بإجماع المسلمين عليه، كإمامة أبي بكر) الصديق (٢) ﵁، خليفة رسول الله ﷺ (من بيعة أهل الحَلِّ والعَقْدِ من العلماء، ووجوه الناس) الذين (بصفة الشهود) من العدالة وغيرها، ولا نظر لمن عدا هؤلاء؛ لأنهم كالهوامّ. (أو بجَعْلِ الأمر شورى في عَدَدٍ مَحْصُور، ليتفق أهلُها) أي: أهل البيعة (على أحدهم، فاتفقوا (٣) عليه) كفعل عمر ﵁، حيث جعل أمر الإمامة شورى بين ستة من الصحابة (٤) حتى وقع (٥) اتفاقهم على عثمان ﵁. (أو بنصِّ مَنْ قَبْلَه عليه) بأن يعهد الإمام بالإمامة إلى إنسان ينصُّ عليه بعده، ولا يحتاج في ذلك إلى موافقة أهلِ الحَلِّ والعقد، كما عهد

стр. 6690

أبو بكر بالإمامة إلى عمر ﵄ (١). (أو باجتهادٍ) من أهل الحَلِّ والعَقْدِ على نَصْبِ من يصلح ومبايعته. (أو بقَهْرهِ الناسَ بسيفِهِ حتى أذعنوا له، ودعوه إمامًا) فتثبت له الإمامة، ويلزم الرعية طاعته. قال أحمد (٢) في رواية عبدوس بن مالك العطار: ومن غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسُمِّي أمير المؤمنين، فلا يحِلّ لأحدٍ يؤمن بالله يبيت ولا يراه إمامًا، بَرًّا كان أو فاجرًا. انتهى. لأن عبد الملك بن مروان خرج على ابن الزبير، فقتله واستولى على البلاد وأهلها، حتى بايعوه طوعًا وكرهًا ودعوه إمامًا (٣)؛ ولِما في الخروج عليه من شَقِّ عصا المسلمين، وإراقة دمائهم، وذهاب أموالهم. (ويُعتبر) في الإمام (كونه قُرشيًا) لحديث: "الأئمّةُ مِن قُرَيش" (٤)؛ وحديث: "قَدِّمُوا قُرَيشًا ولا تَقَدَّمُوها" (٥)؛ وقول المهاجرين
следующие страницы →