← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 622

كشاف القناع عن متن الإقناع - ط وزارة العدل

البهوتي

Полный текст (7 407 стр.). Показаны 6686–6725 · переход к 6691.

стр. 6686

عضو تلف ضرورة دفع صاحبه، كما لو صال عليه فلم يمكنه دفعه إلا بقتله ونحوه. (وكذا ما في معنى العَضِّ) نحو: أن حَبَسه في بيته، أو رَبَطه بشيء من ماله، فخَلَّص نفسه، فتلف بتخلُّصِه شيء؛ لم يضمنه (فإن عَجَز) المعضوض عن التخلص (دفعه) أي: العاضّ (كصائل) بأسهل ما يظن اندفاعه به. (وإن كان العضُّ مباحًا، مثل أن يُمْسِكه في موضع يتضرَّرُ بإمساكه) كخُصيته (١) (أو يعصر يَدَه، ونحو ذلك مما لا يقدِرُ على التخلُّص منه إلا بِعَضِّه، فعضَّه، فما سقط من أسنانه ضَمِنَه) المعضوض. (وإنْ نظر في بيته في خَصاصِ الباب) بفتح الخاء، وهي الفروج التي فيه (أو) نظر (من نَقْبٍ في جِدارٍ، أو) نظر (من كَوَّة) بفتح الكاف (ونحوه) كفروج في بيت شَعر، ولو لم يتعمد ذلك، لكن ظنه متعمدًا (- لا) إن نظر (من باب مفتوح - فرماه) أي: الناظرَ (صاحبُ الدار بحصاة أو نحوها، أو طعنه بعود فقلع عينه، فلا شيء عليه، ولو أمكن الدفع بدونه) لظاهر الخبر (٢). (وسواء كان في الدار نساءٌ، أو كان) الناظر (مَحْرَمًا، أو نَظَر من الطريق، أو مِن مِلْكِه، أو لا) لعموم حديث أبي هريرة: "أنَّ النبي ﷺ قال: لو أنَّ امرأً اطّلَعَ عَليكَ بغير إذنٍ فخذَفْتَه بحصاة ففَقَأتَ عَيْنَهُ لم يَكنْ

стр. 6687

عليكَ جُناحٌ" متفق عليه (١). (فإن ترك) الناظر (الاطلاعَ ومضى، لم يجز رميُهُ) لعدم الحاجة إليه (فإن رَمَاه، فقال المُطَّلعُ: ما تعمدتُهُ، أو لم أرَ شيئًا حين اطَّلعت؛ لم يضمنه) الرامي له؛ لظاهر الخبر؛ ولأنه لا يعلم ما في ضميره. (وليس لصاحب الدار رَمْيُهُ بما يقتله ابتداء) كالصائل (فإن لم يندفع برميه بالشيء اليسير، جاز رَمْيُهُ بأكثر منه، حتى يأتي ذلك على نفسه) كالصائل. (و لو تَسَمَّعَ الأعمى أو البصير على مَن في البيت، لم يَجُزْ طعن أذنه) قبل إنذاره؛ قاله في "الترغيب" وغيره. (ولو كان عُريانًا في طريق، لم يكن له رمي من نظر إليه) لأنه مُفَرِّط. (وإن عقرت كلبةٌ من قَرُب من أولادها، أو خرقت ثوبه، لم تُقتل) بذلك، ولم يثبت لها حكم العقور؛ لأن الطباع جُبِلت على الدفع عن الولد (بل تُنقل) إلى مكان منفرد؛ دفعًا لأذاها. (وقال الشيخ (٢) في جُندٍ قاتلوا عَرَبًا نهبوا أموال تُجَّار ليردوه) لمالكيه: (هم) أي: الجند (مجاهدون في سبيل الله) أي: في حُكمهم؛ لأنهم ناهون عن المنكر (ولا ضمان عليهم) أي: الجند في من قُتل من العرب (بقود ولا دية) أي: ولا كفارة، حيث لم يندفعوا إلا بذلك، كالصائل، فإن قاتلوهم ليأخذوا منهم ما أخذوه لأنفسهم، فهما ظالمتان على ما يأتي في الباب بعده.

стр. 6688

باب قتال أهل البغي وهو مصدر بغى يبغي إذا اعتدى. والمراد هنا الظَّلَمة الخارجون عن طاعة الإمام؛ المعتدون عليه. قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا. . .﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ (١) وفيها فوائد: منها: أنهم لم يخرجوا بالبغي عن الإيمان، وأنه أوجب قتالهم، وأنه أسقط عنهم التبعة فيما أتلفوه في قتالهم، وإجازة قتال كل من منع حَقًّا عليه. والأحاديث بذلك مشهورة. منها: ما روى عبادة بن الصامت قال: "بايَعْنا رسولَ الله ﷺ على السمع والطَّاعة في المنشَطِ والمكرَهِ وألا نُنازع الأمرَ أهلَهُ" متفق عليه (٢)، وأجمع الصحابة على قتالهم؛ فإن أبا بكر قاتل مانعي الزكاة (٣)، وعليًّا قاتل أهلَ الجمل (٤) وأهلَ صِفّين (٥). (نَصْبُ الإمامِ الأعظم (٦) فَرْضُ كِفاية) لأن بالناس حاجةً إلى ذلك؛

стр. 6689

لحماية البيضة، والذَّبِّ عن الحوزة، وإقامة الحدود، واستيفاء الحقوق، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. ويُخاطَب بذلك طائفتان، إحداهما: أهل الاجتهاد حتى يختاروا. والثانية: من توجد فيهم شرائط الإمامة، حتى ينتصب (١) أحدهم لها. أما أهل الاختيار، فيعتبر فيهم العدالة، والعلم الموصل إلى معرفة من يستحق الإمامة، والرأيُ والتدبير المؤدّي إلى اختيار مَن هو للإمامة أصلح. وأما شروط الإمامة فتأتي في كلامه. (ويثبت) نصب الإمام (بإجماع المسلمين عليه، كإمامة أبي بكر) الصديق (٢) ﵁، خليفة رسول الله ﷺ (من بيعة أهل الحَلِّ والعَقْدِ من العلماء، ووجوه الناس) الذين (بصفة الشهود) من العدالة وغيرها، ولا نظر لمن عدا هؤلاء؛ لأنهم كالهوامّ. (أو بجَعْلِ الأمر شورى في عَدَدٍ مَحْصُور، ليتفق أهلُها) أي: أهل البيعة (على أحدهم، فاتفقوا (٣) عليه) كفعل عمر ﵁، حيث جعل أمر الإمامة شورى بين ستة من الصحابة (٤) حتى وقع (٥) اتفاقهم على عثمان ﵁. (أو بنصِّ مَنْ قَبْلَه عليه) بأن يعهد الإمام بالإمامة إلى إنسان ينصُّ عليه بعده، ولا يحتاج في ذلك إلى موافقة أهلِ الحَلِّ والعقد، كما عهد

стр. 6690

أبو بكر بالإمامة إلى عمر ﵄ (١). (أو باجتهادٍ) من أهل الحَلِّ والعَقْدِ على نَصْبِ من يصلح ومبايعته. (أو بقَهْرهِ الناسَ بسيفِهِ حتى أذعنوا له، ودعوه إمامًا) فتثبت له الإمامة، ويلزم الرعية طاعته. قال أحمد (٢) في رواية عبدوس بن مالك العطار: ومن غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسُمِّي أمير المؤمنين، فلا يحِلّ لأحدٍ يؤمن بالله يبيت ولا يراه إمامًا، بَرًّا كان أو فاجرًا. انتهى. لأن عبد الملك بن مروان خرج على ابن الزبير، فقتله واستولى على البلاد وأهلها، حتى بايعوه طوعًا وكرهًا ودعوه إمامًا (٣)؛ ولِما في الخروج عليه من شَقِّ عصا المسلمين، وإراقة دمائهم، وذهاب أموالهم. (ويُعتبر) في الإمام (كونه قُرشيًا) لحديث: "الأئمّةُ مِن قُرَيش" (٤)؛ وحديث: "قَدِّمُوا قُرَيشًا ولا تَقَدَّمُوها" (٥)؛ وقول المهاجرين

стр. 6691

للأنصار (١): إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش. ورووا لهم في ذلك الأخبار. (بالغًا عاقلًا) لأن غير البالغ العاقل يحتاج لمن يلي أمرَه، فلا يلي أمْرَ غيرِه. (سميعًا بصيرًا ناطقًا) لأن غير المتصف بهذه الصفات لا يصلح للسياسة. (حُرًّا) لا عبدًا ولا مبعّضًا؛ لأن الإمام ذو الولاية العامة، فلا يكون وليًّا عليه غيره؛ وحديث: "اسمعوا وأطيعوا ولو وُلِّي عليكم عَبْدٌ أسود كأن رأسه زبيبة" (٢) محمول على نحو أمير سرية. (ذَكَرًا) لحديث: "خابَ قَومٌ ولي (٣) أمرهم امرأة" (٤). (عدلًا) لاشتراط ذلك في ولاية القضاء، وهو دون الإمامة العُظمى. قلت: فإن قَهَرَ الناسَ غيرُ عدلٍ، فهو إمام، كما تقدَّم نصُّه في رواية عبدوس. (عالمًا) بالأحكام الشرعية؛ لاحتياجه إلى مراعاتها في أمره ونهيه. (ذا بصيرة) أي: معرفة وفِطنة.

стр. 6692

(كافيًا ابتداء ودوامًا) للحروب والسياسة وإقامة الحدود، لا تلحقه رأفة في ذلك، ولا في الذبِّ عن الأمة. ونحوُ الإغماء لا يمنع عقدها ولا استدامتها؛ لأنه ﷺ أُغمي عليه في مرضه (١). والجنون والخبل إذا لم يتخللهما إفاقة، أو كانا أكثر زمانه؛ منعا الابتداء والاستدامة. وأما فَقْد الشَّمِّ والذوق وتمتمة اللسان مع إدراك الصوت إذا علا، وقَطْع الذَّكَر والأنثيين فلا يمنع عقدها ولا استدامتها، وذهاب اليدين والرجلين يمنع ابتداءها واستدامتها. (ولو تنازعها اثنان متكافئان في صفات الترجيح، قُدِّمَ أحدُهما بقُرْعة) فَيُبَايع مَن خرجت له القرعة. وصفة العقد أن يقول له كلٌّ من أهل الحَلِّ والعَقْدِ: قد بايعناك على إقامة العدل والإنصاف والقيام بفروض الإمامة. ولا يحتاج مع ذلك إلى صفقة اليد. (فإن بويع لاثنين فيهما شرائطُ الإمامة، فالإمامُ الأولُ) لسبقه. (وإن بُويع لهما معًا، أو جُهِل السابقُ منهما، فالعقدُ باطلٌ فيهما) لأن العمل ببيعة أحدهما إذًا ترجيحٌ بغير مرجح. (ويُجْبَرُ مُتعيِّنٌ لها) أي: للإمامة؛ لئلا تذهب حقوقُ الناس. (وتَصَرُّفُه) أي: الإمام (على الناس بطريق الوكالة لهم، فهو وكيلُ المسلمين، فله عَزْلُ نفسِه) وتقدم في باب العاقلة (٢). (ولهم) أي: أهل الحَلِّ والعَقْدِ (عَزْلُهُ إن سألَ العزلَ، لقول) أبي

стр. 6693

بكر (الصديق) ﵁: (أقيلوني أقيلوني) قالوا: لا نُقيلك (١) (وإلا) أي: وإن لم يسألِ العزلَ (حَرُمَ) عَزْله (إجماعًا) سواء كان سأل الإمامةَ أم لا؛ خلافًا لما تُوهِمه عبارة "التنقيح" وتبعه في "المنتهى". (ولا ينعزل) الإمام (بفسقه) بخلاف القاضي؛ لما فيه من المفسدة. (ولا) ينعزل (بموت من بايعه) لأنه ليس وكيلًا عنه، بل عن المسلمين. (ويحرم قتاله) لما سبق. و يلزم الإمامَ عشرةُ أشياء: حفظ الدين على الأصول التي أجمع عليها سلف الأمة، فإن زاغ ذو شُبهة عنه بيَّن له الحجة، وأخذه بما يلزمه من الحقوق؛ ليكون الدِّين محروسًا من الخلل. وتنفيذ الأحكام بين المتشاجرين، وقطع ما بينهم من الخصومات. وحماية البيضة والذب عن الحوزة؛ لينصرف (٢) الناس في معايشهم، ويسيروا في الأسفار آمنين.

стр. 6694

وإقامة الحدود؛ لِتُصَان محارم الله عن الانتهاك، وتُحفظ حقوق عباده من إتلاف أو استهلاك. وتحصين الثغور بالعدة المانعة والقوة الدافعة، حتى لا تظفر الأعداء بغرة ينتهكون بها محرمًا، أو يسفكون (١) دمًا معصومًا. وجهاد من عاند الإسلام بعد الدعوة، حتى يسلم، أو يدخل في الذمة. وجباية الخراج والصدقات على الوجه المشروع. وتقدير العطاء وما يستحق في بيت المال من غير سرف ولا تقصير، ودفعه في وقته من غير تقديم ولا تأخير. واستكفاء الأمناء وتقليد النصحاء فيما يفوضه إليهم من الأعمال والأموال؛ لتكون مضبوطة محفوظة. وأن يُباشر بنفسه مشارفة الأمور ويتصفح الأحوال؛ لينهض بسياسة الأمة، وحراسة الملة، ولا يعول على التفويض تشاغلًا، فقد يخون الأمين، ويَغُشُّ الناصح. وإذا قام الإمام بحقوق الأمة وجب له عليهم حقان: الطاعة والنصرة. (والخارجون عن قبضته) أي: طاعته (أصناف أربعة) بالاستقراء: (أحدها: قوم امتنعوا من طاعته، وخرجوا عن قبضتهِ بغير تأويل) أي: شُبهة، فهؤلاء (قُطَّاع الطريق) ساعون في الأرض بالفساد (وتقدم ذكرهم) في الباب قبله (٢).

стр. 6695

(الثاني): قوم (لهم تأويل، إلا أنهم نَفَرٌ يسير لا مَنَعَة) أي: قوة (لهم، كالعشرة ونحوهم، وحكمهم حكم قُطَّاع الطريق) لأنّا لو أثبتنا للعدد اليسير حكم البُغَاة في سقوط ضمان ما أتلفوا، أفضى إلى إتلاف أموال الناس. (الثالث: الخوارج الذين يكفِّرون) المسلم (بالذنب، ويكفِّرون أهل الحق، وعثمان، وعليًّا، وطلحة، والزبير، وكثيرًا من الصحابة) ﵃ (ويستحلون دماء المسلمين وأموالهم إلا من خرج معهم، فهم فَسَقَة) باعتقادهم الفاسد. قال في "المبدع": تتعين استتابتهم، فإن تابوا وإلا قُتِلوا على إفسادهم، لا على كُفْرِهم (يجوز قتلهم ابتداء) أي: وإن لم يبدؤوا بالقتال (والإجازة على جريحهم) صحَّحه الموفق والشارح والشيخ تقي الدين (١)، قال في "الفروع": وهو ظاهر رواية عبدوس بن مالك. (وذهب) الإمام (أحمد (٢) في إحدى الروايتين عنه، وطائفة من أهل الحديث إلى أنهم كُفَّار مرتدون حكمهم حكم المرتدين. قال في "الترغيب" و"الرعاية" (٣): وهي أشهر. وذكر ابن حامد أنه لا خلاف فيه) قال أحمد (٤): الخوارج كلاب النار، صح الحديث فيهم من عشرة أوجه (٥). قال: والحكم فيهم على ما قال عليّ. وفيما قال: "لا نَبْدَؤُكُمْ

стр. 6696

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6697

بِقِتَالٍ" (١) قال ابن المنذر (٢): ولا نعلم أحدًا وافق أهل الحديث على كفرهم، قال ابن عبد البر في الحديث الذي رويناه: وقوله: "يتمارى في الفُوق (٣) " (٤) يدل على أنه لم (٥) يكفرهم، لأنهم علقوا من الإسلام شيئًا بحيث يشك في خروجهم منه (٦). (وذكر ابن عقيل في "الإرشاد" عن أصحابنا: تكفير من خالف في أصلٍ كخوارجَ وروافضَ ومرجئة). الصنف (الرابع: قوم من أهل الحق باينوا الإمام، وراموا خَلْعه) أي: عزله (أو مخالفته بتأويل سائغ، صواب أو خطأ، ولهم منعة وشوكة)

стр. 6698

بحيث (يحتاج في كَفِّهم إلى جَمْعٍ جيشٍ، وهم البُغَاة) المقصودون بالترجمة. (فمن خرج على إمام - ولو غير عدل - بأحد هذه الوجوه) الأربعة (باغيًا، وَجَبَ قتالُهُ) لما تقدم أول الباب (وسواء كان فيهم واحدٌ مُطَاعٌ) أو لا (أو كانوا في طَرَف ولايته، أو في موضع متوسط تُحيطُ به ولايته، أو لا) لعموم الأدلة (١). (و) يجب (على الإمام أن يُراسلهم) أي: البُغَاة (ويسألهم ما ينقمون منه) لأن ذلك طريق إلى الصلح؛ ووسيلة إلى الرجوع إلى الحق، وقد رُويَ: أنَّ عليًّا راسلَ أهلَ البصرَةِ قبل وقعةِ الجمل (٢). ولما اعتزلته الحرورية بعث إليهم ابن عباس فواضعوه كتاب الله ثلاثة أيام، فرجع منهم أربعة آلاف (٣).

стр. 6699

(و) أن (يزيل ما يذكرونه من مَظلمة، ويكشف ما يدّعونه من شُبهة) لأن ذلك طريق إلى رجوعهم إلى الحَقِّ، وهو المطلوب. (ولا يجوز قتالهم قبل ذلك) لأنه يُفضي إلي القتل والهَرْج والمَرْج، قبل دعاء الحاجة إليه (إلا أن يخاف كَلَبهم) بفتح الكاف واللام، أي: شَرَّهم، فلا يمكن ذلك في حَقِّهم، كالصائل إذا خاف أن يبدأه بالقتل. (فإن أبَوُا الرجوعَ، وعَظَهم وخَوَّفهم) بـ (ـالقتال) لأن المقصود دفع شَرّهم لا قتلهم (فإن فاؤوا) أي: رجعوا إلى الطاعة، تَرَكهم (وإلا لزمه قتالهم إن كان قادرًا لإجماع الصحابة (١) على ذلك. وقال الشيخ تقي الدين: الأفضل تركه حتى يبدؤوه (٢) (وإلا) أي: وإن لم يكن الإمام قادرًا على قتالهم (أخَّره إلى الإمكان) أي: إلى القدرة عليه؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ (٣). (و) يجب (على رعيته معونته على حَرْبهم) لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا

стр. 6700

الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (١)؛ ولقوله ﷺ : "مَن فارقَ الجماعَةَ شبرًا فقد خلَعَ رِبقةَ الإسلامِ من عُنقِه"رواه أحمد وأبو داود (٢)، من حديث أبي ذر.

стр. 6701

(وإن استنظروه) أي: طَلَبَ البُغاةُ منه أن يُنظِرهم (مُدَّة، رجاء رُجُوعِهم فيها، أنظَرَهم) حكاه ابن المنذر إجماع من يُحْفَظُ عنه (١)؛ لأن الإنظار إذًا أولى من معالجتهم بالقتال المؤدي إلى الهرج والمرج. (وإن ظَنَّ) الإمام (أنها) أي: مقالتهم من طلب الانتظار (٢) (مكيدة؛ لم يُنظرهم) لأنه لا يأمن أن يصير طريقًا إلى قهر أهل الحق، وذلك لا يجوز (وإن أعطوه عليه مالًا. وإن بذلوا رهائن على إنظارهم؛ لم يَجُزْ أخْذُها لذلك) لأنه لا يجوز قتلهم لغدر أهلهم، فلا يُفيد شيئًا. (فإن كان في أيديهم) أي: البُغَاة (أسرى من أهل العدل، وأعطوا بذلك رهائن منهم؛ قَبِلَهم الإمامُ، واستظهرَ للمسلمين) لأنه يجب عليه فِعْل ما فيه المصلحة. (فإن أطلقوا) أي: البُغَاة (الأسرى) من أهل العدل (أطلقت رهائنهم) وفاء لهم بما قيل لهم. (وإن قتلوا من عندهم) من أسرى أهل العدل (لم يجز قَتْل رهائنهم ولا أسراهم) لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى﴾ (٣) (فإذا انقضت الحربُ خلَّى الرهائنَ كما تُخَلَّى الأسرى منهم) لأن المانع من إرسالهم خوف مساعدة إخوانهم، وقد زال. (وإن سألوه) أي: سأل البُغاةُ الإمامَ (أن يُنظِرهم أبدًا، ويَدَعهم وما هم عليهم، ويكفّوا عن المسلمين، وخاف قهرهم إن قاتلهم؛ تَرَكَهم)

стр. 6702

حتى يقوى على قتالهم. (وإن قَوي) الإمام (عليهم لم يَجُزْ إقرارهم على ذلك) أي: على ما هم عليه من الخروج؛ لقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (١)؛ ولأنه لا يؤمن من قوة شوكتهم. (وإن حضر معهم) أي: البغاة (مَن لم يُقاتِل، لم يجز قَتْلُهُ) لأنه مسلم معصوم لم يخرج عن قبضة الإمام. (وإن قاتل معهم) أي: البغاة (عبيدٌ ونساءٌ وصبيانٌ، قوتلوا مُقْبِلين، وتُرِكوا مُدْبِرين كغيرهم) من الأحرار الذكور البالغين؛ لأن قتالهم للدفع، وفي "الترغيب": ومراهقٌ وعبدٌ كخيلٍ. (ويُكره قَصْدُ رَحِمِهِ الباغي) كأبيه وابنه وأخيه (بقتلٍ) لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (٢) وقال الشافعي: "كَفَّ النبي ﷺ أبا حُذيفةَ بنَ عُقبة (٣) عن قَتلِ أبيه" (٤) (فإن فعل) أي: قتل ذا رَحِمِه الباغي (ورثه) لأن قتله غير مضمون، وكذا لو قتل الباغي ذا رَحِمِهِ العادل، وكذا

стр. 6703

المولي والزوج. (ويحرم قتلهم) أي: قتالهم (بما يَعمُّ إتلافه، كالمنجنيق والنار) لأنه يعمُّ من يجوز ومن لا يجوز كغير المقاتل (إلا لضرورة؛ مثل أن يحتاط بهم البغاة، ولا يمكنهم التخلُّص إلا بذلك) كما في دفع الصائل. (وإن رماهم البُغاةُ بذلك) أي: بمنجنيق أو نار (جاز) لأهل العدل (رميهم بمثله) لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيكُمْ﴾ (١). (وإن اقتتلت طائفتان منهم) أي: البُغاة (فَقَدَرَ الإمام على قهرهما) أي: الطائفتين (لم يُعِن واحدة (٢) منهما) لأنهما جميعًا على الخطأ. (وإن عَجَز) عن قتالهما معًا (وخاف) الإمام (اجتماعَهما على حَرْبه، ضَمَّ إليه أقربَهما إلى الحقِّ) دفعًا لأعظم المفسدتين بأخفّهما (وإن استويا اجتهد) الإمامُ (برأيه في ضَمِّ إحداهُما) إليه (ولا يَقصِدُ بذلك معونةَ إحداهُما) على الأخرى (بل) يقصد بذلك (الاستعانةَ على) الطائفة (الأخرى) ليردها إلى الحق (فإذا هَزَمها) الإمام (لم يُقاتِل مَن معهم) أي: الطائفة التي ضمها إلى أهل العدل (حتى يدعوهم إلى الطاعة) لأنهم قد دخلوا في أمانه، فإذا دعاهم فإن أطاعوه كفَّ عنهم، وإلَّا قاتلهم؛ لما تقدم. (ويَحرُمُ أن يستعينَ) أهل العدل (في حربهم) أي: قتالهم للبغاة (بكافرٍ) لأنه لا يُستعان به في قتال الكفار، فلئلا يُستعان به في قتال مسلمٍ بطريق الأولى؛ ولأن القصد كفّهم لا قتلهم، وهو لا يَقصِدُ إلا قَتْلَهُم.

стр. 6704

(أو) أي: ويحرم أن يستعين في حَرْبهم (بمن يرى قَتْلهم مُدْبِرين) لما فيه من التسليط له على قتل من لا يجوز قتله (إلا لضرورة) كأن يَعجِزَ أهل العدل عن قتالهم لقلّتهم، فيجوز للحاجة، كفعلهم إن لم نفعله (وله) أي: الإمام (أن يَستعين عليهم بسلاح أنفُسِهم وكُراعِهم -وهو خيلهم- عند الضرورة فقط) كأكل مال الغير عند المخمصة. (ولا يجوز) الاستعانة عليهم بسلاح أنفُسِهم وخيلهم (في غير قتالهم) لأن الإسلام عصم أموالهم، وإنما أُبيح قتالهم لردّهم إلى الطاعة، فيبقى المال على العصمة، كمال قاطع الطريق. (ومتى انقضتِ الحربُ، وجب ردُّه) أي: سلاح البُغاة (١) (إليهم كسائر أموالهم) لأن أموالهم كأموال غيرهم من المسلمين، فلا يجوز اغتنامها؛ لأن ملكهم لم يزل عنها بالبغي، وقد رُوي أن عليًّا قال يوم الجمل: مَن عَرفَ شيئًا من مالهِ مع أحدٍ، فليأخُذهُ، فعرف بعضهم قِدْرًا مع أصحاب علي وهو يطبخ فيها، فسأله إمهاله حتى يَنْضَجَ الطبخ، فأبى وكبّه وأخذها (٢). (والمراهق منهم) أي: البغاة (والعبد، كالخيل) يجوز الاستعانة بها (٣) عليهم عند الضرورة فقط، ويُرَدَّان بعد الحرب.

стр. 6705

(وإذا تَركوا) أي: البُغاة (القتال، إما بالرجوع إلى الطاعة، أو بإلقاء السلاح، أو بالهزيمة إلى فئة، أو) بالهزيمة (إلى غير فئة، أو بالعجز لجراح أو مرض أو أسر، حَرُمَ قتلُهم، و) حرم (اتباع) مُدبرهم (وقتل مُدبرهم، وقتل جريحهم) لما روى مروان قال: "صرَخَ صارخٌ لعليٍّ يومَ الجملِ: لا يُقتل مُدبرٌ ولا يُذفَّفُ على جريح، ومَن أغلقَ بابه فهو آمنٌ، ومن ألقَى السِّلاح فهو آمِنٌ" رواه سعيد (١)، وعن عمار نحوه (٢)، وكالصائل. (فإن قُتِل مُدْبِرُهم أو جريحُهم فلا قوَد) على قاتله (للاختلاف في ذلك) فيكون شبهة، ولكن يضمنه بالدية. (ولا يجوز أن يُغْنَم لهم) أي: البُغاة (مال) لأنهم لم يكفروا ببغيهم ولا قتالهم، وعصمة الأموال تابعة لدينهم. (ولا تُسبى لهم ذرية) لعصمتهم. (ويجب رَدُّ ذلك إليهم إن أُخِذَ منهم) لما سبق. (ولا يُردُّ السلاحُ والكُراعُ) أي: الخيل (حالَ الحرب) لأن فيه معونة

стр. 6706

علينا (بل) يُرَدَّان (بعده) أي: بعد انقضاء الحرب؛ لزوال المانع. (ومن أُسِرَ من رجالهم، فدخل في الطاعة، خُلِّي سبيله) ولو كان مطاعًا. زاد في "الرعاية": إن أُمِنَ شره. (وإن أبى) الدخول في الطاعة (وكان جَلْدًا) قويًّا (حُبِس مادامت الحربُ قائمة فإذا انقضت، خُلِّي سببله) لأن في إطلاقه قبل ذلك ضررًا على أهل للعدل؛ لأنه ربما ساعد عليهم، وفي حبسه كسر قلوب البُغاة وإضعاف شوكتهم. زاد في "الشرح": (وشرط عليه ألا يعود إلى القتال، ولا يُرْسَلُ مع بقاءِ شوكَتهم) لأن فيه إعانةً للبُغاة على أهل العدل. (فإن بَطَلَت شوكتهم، ولكن يتوقع اجتماعُهم في الحال، لم يُرسَل) حتى يزول ذلك. (وإن أُسِر صبيٌّ أو امرأة، فُعِل بهما كما يُفعل بالرجل) لما فيه من كسر قلوب البغاة (ولا يُخَلَّى) سبيلهما (في الحال) بل إذا انقضت الحرب وزالت شوكتهم. (و يجوز فِداءُ أسارى أهلِ العدلِ بأُسارى البُغاة) وإن قتل أهل البغي أسرى أهل العدل، لم يَجُز لأهل العدل قتل أسراهم. وتقدم (١). (ولا يَضمنُ أهلُ العدلِ ما أتلفوه عليهم) أي: البغاة (حال الحربِ من نفسٍ أو مالٍ، ولا كفارة فيه) لأنه فعل ما أمِر به، كقتل الصائل عليه. (فإن قُتِل العادلُ كان شهيدًا) كالمصول عليه (ولا يُغَسَّل ولا يُصلَّى عليه) ويُدفن في ثيابه التي قُتِل فيها بعد نزع لأمةِ حرب، ونحو خفٍّ وَفرْوٍ؛ لأنه قُتل في قتال أمرَه الله تعالى به، كشهيد معركة الكفار. (ولا يَضمن أهلُ البغي -أيضًا- ما أتلفوه) على أهل عدل (حال

стр. 6707

الحرب، من نفس أو مال) لقول الزهري: "هاجَت الفتنَةُ وأصحابُ رسول الله ﷺ متوافِرُونَ فأجمَعُوا ألا يُقادَ أحَدٌ ولا يؤخذَ مالٌ على تأويلِ القُرآنِ إلا ما وُجدَ بعَينهِ" ذكره أحمد في رواية الأثرم واحتج به؛ رواه الخلال (١)؛ ولأن تضمينهم يُفضي إلى تنفيرهم من الرجوع إلى الطاعة، فسقط كأهل الحرب، أو كأهل العدل. (ومن أتلف من الطائفتين شيئًا في غير الحرب ضَمِنَهُ) لأن الأصل وجوب الضمان، تُرك (٢) العمل به في حال الحرب للضرورة، فيبقى ما عداه على الأصل. (ومن قُتِلَ من أهل البغي غُسَّلَ، وكُفِّن، وصُلِّي عليه) لأنه لم يخرج -بالبغي- عن الإسلام. (وإذا لم يكونوا) أي: البُغاة (من أهل البِدع، فليسوا بفاسقين، بل مُخطِئين في تأويلهم، فتُقبل شهادتُهم، ويأتي في الشهادات. وما أخَذُوا في حال امتناعِهم؛ من زكاةٍ، أو خَرَاج، أو جِزية لم يُعَدْ) أي: يرجع (عليهم، ولا على باذلٍ) وأجزأ (لوقوعه موقعه) لأن عليًّا لمّا ظهر على أهل البصرة لم يطالبهم بشيء مما جباه أهل البغي (٣). وكان ابن عمر (٤) وسلمة بن الأكوع (٥) يأتيهم ساعي نَجْدَةَ الحروري

стр. 6708

فيدفعون (١) إليه زكاتهم؛ ولأن في ترك الاحتساب به ضررًا عظيمًا ومشقة كثيرة، لأنهم قد يغلبوا (٢) على البلاد السنين الكثيرة، خوارج كانوا أو غيرَهم. (وما أقاموا من حَدٍّ وقع موقعه -أيضًا- خوارج كانوا أو غيرَهم) دفعًا للضرر. (ومن ادَّعى دَفعَ زكاتهِ إليهم قُبِلَ بغير يمينٍ) لأن الزكاة لا يُستحلف فيها. قال أحمد: لا تُستحلفُ الناس على صَدقاتِهم (٣). (ولا تُقبل دعوى دفع خراج) إليهم (ولو كان الدافع مُسلِمًا، ولا دعوى دَفع جِزية إليهم إلا ببينة) لأن كلًّا منهما عوض، والأصل عدم الدفع. (ولا يُنقض من حُكم حاكِمِهم) أي: البُغاة (إلا ما يُنقَض من حُكمِ غيره) بأن خالف نصَّ كتابٍ، أو سُنَّة صحيحة، أو إجماعًا ونحوه؛ لأن التأويل الذي له مساغ في الشرع لا يوجب تفسيق قائله، أشبه المخطئ من الفقهاء في فرع من الأحكام. (وإن كتب قاضِيهم) أي: البُغاة (إلى قاضي أهل العدل، جاز قَبول كتابه) والعمل بمقتضاه إذا كان أهلًا للقضاء؛ لأنه قاض ثابت القضاء (و) في "المغني" و"الشرح" و"الترغيب": (الأولى) رَدُّ كتابه، أي: (ألا يقبله) قبل حكمه؛ كسرًا لِقُلُوبهم. (وإن ولَّى الخوارجُ قاضيًا لم يَجُز قضاؤه) للفسق. وفي "المغني" و"الشرح" احتمال: يصح قضاؤه دفعًا للضرر.

стр. 6709

(وإن ارتكب أهل البغي في حال امتناعهم ما يوجب حَدًّا، ثم قُدِر عليهم، أقيم عليهم) لعموم الأدلة. (وإن أعانهم) أي: البُغاة (أهل ذِمةٍ أو عهدٍ، انتقض عهدهم) بإعانتهم لهم طوعًا مع علمهم بأن ذلك لا يجوز، كما لو انفردوا بقتالهم (وصاروا أهل حَربٍ) تحل دماؤهم وأموالهم (إلا أن يَدَّعوا شُبهة، كأن يظنُّوا أنه يجب عليهم معونة من استعان بهم من المسلمين ونحو ذلك، فلا ينتقض) عهدهم؛ لأن ما ادعوه محتمل، فيكون شُبهة. (وإن أكرههم البغاة على معونتهم) لم ينقض (١) عهدهم. (و) إن (ادعوا ذلك) أي: الإكراه (قُبِلَ منهم) لأنه محتمل. وفي "الكافي" و"الشرح": ببَيِّنةٍ. (ويغرمون) أي: أهل الذمة والعهد (ما أتلفوه) على المسلمين (من نَفسٍ أو مالٍ حالَ الحرب وغيره) بخلاف أهل البغي؛ لأن هؤلاء لا تأويل لهم؛ ولأن سقوط الضمان عن المسلمين لئلا يؤدي إلى تنفيرهم عن الرجوع للطاعة، وأهل الذمة لا حاجة بنا إلى ذلك فيهم. (وإن استعانوا) أي: البُغاة (بأهل الحَرب وأمَّنوهم، لم يصح أمانهم) كما لو عقدوا لهم ذِمة؛ لأن الأمان من شرطِ صحته إلزام كفهم عن المسلمين (وأُبيح) لأهل العدل (قتلُهم) مقبلين ومدبرين، وأخذُ أموالهم. (وحُكم أسيرِهم حُكمُ أسيرِ سائرِ أهلِ الحرب) يُخيَّر فيه الإمام بين القتل والرق، والمَن والفِداء، إلا أنهم في أمان بالنسبة إلى من أمَّنهم من البُغاة.

стр. 6710

(وإن أظهر قومٌ رأي الخوارج، مثل تكفير من ارتكب كبيرة، و) مثل (ترك الجماعة، واستحلال دماء المسلمين وأموالهم، ولم يجتمعوا لحرب، لم يُتعرَّض لهم) حيث لم يخرجوا عن قبضة الإمام؛ لما رُويَ "أن عليًّا كانَ يخطبُ، فقال له رجلٌ ببابِ المسجدِ: لا حُكمَ إلا لله، فقال عليٌّ: كلمةُ حقٍّ أُريدَ بها باطل. ثم قال: لكم علينا ثَلاث: لا نمنعُكم مساجِدَ الله أنْ تَذكُروا فيها اسمَ الله، ولا نمنعُكم الفيءَ ما دامَت أيدِيكُم مَعنا، ولا نبدَؤُكُم بقِتَال" (١). (وإن سبُّوا الإمامَ أو عَدلًا غيره، أو عرضوا بالسبِّ، عَزَّرهم) لأنهم ارتكبوا مُحَرَّمًا لا حد فيه ولا كفارة. (وإن جنوا جنايةً، أو أتوا حَدًّا، أقامه) الإمامُ (عليهم) لقول علي في ابن مُلجَم لما جرحه: "أطعِموهُ واسقوهُ واحبِسُوه، فإنْ عشتُ فأنا وليُّ دَمي، وإنْ مِتُّ فاقتلُوهُ ولا تُمثلوا به" (٢)؛ ولأَنهم ليسوا بِبُغَاة، فهم كأهل العدل فيما لهم وعليهم. (وإن اقتتلت طائفتان لعصبية، أو طَلَبِ رئاسة، فهما ظالمتان) لأن كل واحدة منهما باغية على الأخرى (وتضمن كلُّ واحدةٍ) منهما (ما أتلفت على الأخرى) لأنها أتلفت نفسًا معصومة ومالًا معصومًا. قال في "الاختيارات" (٣): فأوجبوا الضمان على مجموع الطائفة، وإن لم يعلم

стр. 6711

عين المتلف، وإن تقابلا تقاصَّا؛ لأن المباشر والمُعِين سواء عند الجمهور، وإن جُهِل قَدْرُ ما نهبه كل طائفة من الأخرى تساوتا، كمن جَهِل قدرَ الحرام المختلط بماله، فإنه يُخرِج النصف والباقي له. (فلو قُتل من دخل بينهم يُصلح (١)، وجُهِل قاتله؛ ضَمِنتاه) وإن عُلِم قاتله من طائفة، وجُهِل عينه؛ ضَمِنَتْه وحدها. قال ابن عقيل: ويفارق المقتول في زحام الجامع والطواف؛ لأن الزحام والطواف ليس فيهما تعدٍّ، بخلاف الأول. "تتمة": قال في "الاختيارات" (٢): أجمع العلماء على أن كل طائفة ممتنعة من شريعة متواترة من شرائع الإسلام فإنه يجب قتالها حتى يكون الدين كله لله، كالمحاربين وأولى.

стр. 6712

باب حكم المرتد (وهو) لغة: الراجع. يقال: ارتدَّ؛ فهو مرتد، إذا رجع. قال تعالى: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ (١). وشرعًا: (الذي يكفُر بعد إسلامِه) نطقًا، أو اعتقادًا، أو شكًّا، أو فعلًا (ولو مميزًا) فتصح رِدّته كإسلامه، ويأتي (طوعًا) لا مكرهًا؛ لقوله تعالى: ﴿إلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (٢) (ولو) كان (هازِلًا) لعموم قوله تعالى: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ … ﴾ الآية (٣)؛ وحديثِ ابن عباس مرفوعًا: "مَن بدَّلَ دينَهُ فاقتلوه" رواه الجماعة إلا مسلمًا (٤). وأجمعوا (٥) على وجوب قَتْلِ المرتد. (فمن أشركَ بالله) تعالى، أي: كفَر به بعد إسلامه، ولو مكرهًا بحقٍّ، كَفَرَ؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٦).

стр. 6713

(أو جَحَد ربوبيَّته، أو وحدانيته) كَفَر؛ لأن جاحد ذلك مُشرك بالله تعالى. (أو) جَحَد (صِفَةً من صفاته) اللازمة؛ قاله في "الرعاية"؛ لأنه كجاحد الوحدانية. وفي "الفصول": شرطُه أن تكون الصفة متفقًا على إثباتها (أو اتَّخذ له) أي: لله (صاحبةً، أو ولدًا) كَفَر؛ لأنه تعالى نزَّه نفسه عن ذلك ونفاه عنه، فمتخذه مخالف له، غير منزِّه له عن ذلك. (أو ادَّعى النبوة، أو صدَّقَ من ادعاها) بعد النبي ﷺ ؛ كَفَر؛ لأنه مُكذِّب لقول الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (١)؛ ولقوله ﷺ : "لا نبي بعدي" (٢). (أو جَحَد نبيًّا) مجمعًا على نبوته؛ لأنه مُكذِّب لله، جاحد لنبوة نبي من أنبيائه (أو) جَحَد (كتابًا من كُتُبِ الله، أو شيئًا منه) لأن جَحْد شيء منه كجحده كله؛ لاشتراكهما في كون الكُلِّ من عند الله (أو جَحَد الملائكة) أو أحدًا ممن ثبت أنه مَلَك؛ كفَر؛ لتكذيبه للقرآن. (أو) جَحَدَ (البعثَ) كَفَر؛ لتكذيبه الكتاب (٣) والسنة (٤) وإجماع

стр. 6714

الأمة (١). (أو سَبَّ الله، أو رسولَه) كَفَر؛ لأنه لا يسبه إلا وهو جاحد به (٢). (أو استهزأ بالله) تعالى (أو كُتُبِه، أو رُسُلِه) كَفَر؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (٣) قال في "المغني" و"الشرح": ولا ينبغي أن يُكتفى في الهازئ بذلك بمجرد الإسلام، حتى يؤدَّب أدبًا يزجره عن ذلك؛ لأنه إذا لم يكتف ممن سبَّ رسول الله ﷺ بالتوبة، فهذا أولى. (قال الشيخ (٤): أو كان مبغضًا لرسوله، أو لِما جاء به) الرسول (اتفاقًا، وقال (٤): أو جعل بينه وبين الله وسائط يتوكَّل عليهم، ويدعوهم ويسألهم إجماعًا. انتهى) أي: كفر؛ لأن ذلك كفعل عابدي الأصنام قائلين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (٥). (أو سَجَد لصنمٍ أو شمس أو قمرٍ) وعبارة "المنتهى": لكوكب، فيدخل فيه سائرُ الكواكب، كفَر؛ لأن ذلك إشراكٌ.

стр. 6715

(أو أتى بقول، أو فِعْل صريح في الاستهزاء بالدِّين) الذي شرعه الله، كَفَر؛ للآية السابقة. (أو وُجِد منه امتهانُ القُرآنِ، أو طَلَبُ تناقضِه، أو دعوى أنه مُختلِفٌ، أو) أنه (مختلَق، أو مقدور على مِثْله، أو إسقاط لحُرْمَته) كَفَر؛ لقوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ (١) وقوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (٢) وقوله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ … ﴾ الآية (٣). (أو أنكر الإسلام) كَفَر؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٤). (أو) أنكر (الشهادتين، أو) أنكر (إحداهما، كَفَر) لأنه إنكار للوحدانية والرسالة أو إحداهما، وذلك كُفْر؛ لما مَرَّ. و (لا) يكفر (مَن حكى كُفْرًا سمعه، و) هو (لا يعتقده) قال في "الفروع": ولعلَّ هذا إجماع (٥). وفي "الانتصار": من تزيَّا بِزِيِّ كُفْرٍ مِنْ لبس غِيار (٦)، وشَدّ زُنَّار، وتعليق صليب بصدره، حرم، ولم يكفر. (أو نَطَق بكلمةِ الكُفْر ولا (٧) يعلم معناها) فلا يكفر بذلك.

стр. 6716

(ولا من جرى) الكفر (على لسانه (١) من غير قَصْدٍ، لشدةِ فَرَحٍ، أو دَهَشٍ، أو غير ذلك، كقول من أراد أن يقول: اللهم أنتَ ربي وأنا عبَدُك، فقال) غلطًا: (أنتَ عبدي وأنا ربُّكَ) لحديث: "عُفي لأمتي عن الخطأ والنسيان" (٢). (ومن أطلق الشارعُ) ﷺ (كفرَه، كدعواه لغير أبيه (٣)، وكمَن أتى عَرّافًا فصدّقه بما يقول (٤)، فهو تشديد) وتأكيد (و) نَقَل حرب (٥): (كُفْرٌ دون كُفْر، لا يخرج به عن الإسلام) وقيل: كُفْر نعمة، وقيل: قارب الكفر، وعنه (٥): يجب الوقف، ولا يقطع بأنه لا ينقل عن المِلَّة. وقال القاضي عياض (٦) وجماعة من العلماء في قوله: "مَن أتى عرَّافًا، فقد كفرَ بما أنْزَلَ الله على محمدٍ" (٧) أي: جحد تصديقه بكذبهم، وقد يكون على هذا إذا اعتقد تصديقهم بعد معرفته بتكذيب النبي ﷺ لهم كفرًا حقيقة. انتهى.

стр. 6717

ومنهم من حمل ذلك على مَنْ فعله مستحلًّا. وأنكر القاضي جواز إطلاق اسم كفر النعمة على أهل الكبائر. (وإن أتى بقول يُخْرِجه عن الإسلام، مثل أن يقول: هو يهودي، أو نصراني، أو مجوسي، أو بريء عن الإسلام، أو القرآن، أو النبي ﷺ ، أو) هو (يعبد الصليب، ونحو ذلك) نحو: هو يعبد غير الله تعالى (على ما ذكروه في الإيمان) فهو كافر.

стр. 6718

(أو قَذَفَ النبيَّ ﷺ ، أو) قذف (أُمّه) فهو كافر، وتقدم (١) في القذف. (أو اعتقد قِدَمَ العالم) وهو ما سوى الله (أو) اعتقد (حدوث الصانع) جَلَّ وعلا، فهر كافر؛ لتكذيبه للكتاب (٢) والسنة (٣) وإجماع الأمة (٤). (أو سَخِرَ بوعد الله أو بِوَعيده) فهو كافر؛ لأنه كالاستهزاء بالله، والعياذ بالله. (أو لم يكفِّر من دان) أي تديَّن (بغير الإسلام، كالنصارى) واليهود (أو شَكَّ في كُفْرِهم، أو صَحَّح مذهبهم) فهو كافر؛ لأنه مُكذِّب لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٥). (أو قال قولًا يتوصَّل به إلى تضليل الأمة) أي: أمة الإجابة (٦)؛ لأنه مُكذِّب للإجماع (٧) على أنها لا تجتمع على ضلالة؛ وللخبر (٨).

стр. 6719

(أو) قال قولًا يتوصل به إلى (تكفير الصحابة) أي: بغير تأويل (فهو كافر) لأنه مُكذِّب للرسول ﷺ في قوله: "أصحابي كالنجومِ" (١) وغيره. وتقدم الخلاف في الخوارج ونحوهم (٢). (وقال الشيخ (٣): من اعتقد أن الكنائسَ بيوتُ الله؛ وأن الله يُعبد فيها، أو أن ما يفعل اليهود والنصارى عبادةُ لله وطاعة) له و (لرسوله، أو أنه يُحِب ذلك، أو يرضاه) فهو كافر؛ لأنه يتضمن اعتقاد صحة دينهم، وذلك كفر، كما تقدم. (أو أعانهم على فتحها) أي: الكنائس (وإقامة دينهم، و) اعتقد (أن ذلك قُرْبة أو طاعة، فهو كافر) لتضمنه اعتقاد صحة دينهم. (وقال) الشيخ (في موضع آخر (٤): من اعتقد أن زيارةَ أهلِ الذِّمةِ كنائسَهم قُرْبة إلى الله، فهو مرتدٌّ، وإن جَهِل أن ذلك مُحَرَّم، عُرِّف ذلك، فإن أصرَّ صار مرتدًا) لتضمنه تكذيب قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٥). (وقال (٦): قول القائل: ما ثَمَّ إلا الله، إن أراد ما بقوله أهلُ الاتحاد من أن ما ثَمَّ موجودٌ إلا الله، ويقولون: إن وجودَ الخالق هو وجودُ المخلوق، و) يقولون: (الخالقُ هو المخلوقُ، والمخلوقُ هو الخالقُ، والعبدُ هو الربُّ، والربُّ هو العبد، ونحو ذلك من المعاني) التي قام

стр. 6720

الإجماع على بطلانها، يُستتاب، فإن تابَ، وإلا قُتِل. (وكذلك الذين يقولون: إن الله تعالى بذاته في كلِّ مكان، ويجعلونه مختلطًا بالمخلوقات، يُستتاب، فإن تاب، وإلا قُتِل) وقد عمَّت البلوى بهذه الفِرق، وأفسدوا كثيرًا من عقائد أهل التوحيد، نسأل الله العفوَ والعافية. (وقال: من اعتقد أن لأحدٍ طريقًا إلى الله تعالى من غير متابعة محمد ﷺ ، أو لا يجب عليه اتباعه، أو أن له أو لغيره خروجًا عن اتباعه) ﷺ ، (و) عن (أخذ ما بعث به (١)، أو قال: أنا محتاج إلى محمد في عِلْم الظَّاهرِ دون علم الباطن، أو) هو محتاج إليه (في علم الشريعة دون علم الحقيقة (٢)، أو قال: إن من الأولياء من يَسَعُهُ الخروجُ عن شريعته) ﷺ (كما وَسِعَ الخَضِر الخروجُ عن شريعة موسى (٣)) ﷺ ، فهو كافر؛ لتضمنه تكذيب قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٤). (أو) اعتقد (أن غير هَدْي النبي (٥) ﷺ أكمل من هديه، فهو كافر (٦). وقال: من ظَنَّ أن قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلا إِيَّاهُ﴾ (٧)

стр. 6721

بمعنى: قدَّر، فإن الله ما قدَّر شيئًا إلا وقع، وجعل عُبَّاد الأصنام ما عبدوا إلا الله، فإنَّ هذا) المُعتقد (من أعظم الناس كُفرًا بالكتب كلها) لتكذيبه لها فيما دلت عليه من ثبوت وحدانيته تعالى، بل معنى "قضى" هنا: أَوجب (١). (وقال: من استحل الحشيشة) المُسكِرة (كَفَر بلا نزاع (٢). وقال: لا يجوز لأحدٍ أن يلعن التوراة، بل من أطلق لعنها يُستتاب، فإن تاب وإلا؛ قُتِل، وإن كان ممن يعرف أنها مُنزَّلة من عند الله، وأنه يجب الإيمان بها، فهذا يُقتل بشتمه لها، ولا تُقبل توبته في أظهر قولي العلماء. وأما من لَعن دين اليهود الذي هم عليه في هذا الزمان، فلا بأس عليه في ذلك) أي: لأنه قد غُيِّر وبُدِّلَ، بل شرعُنَا نَسَخَ سائرَ الشرائع. (وكذلك إن سبَّ التوراة التي عندهم) أي: اليهود (بما يبين أن قصده ذكر تحريفها، مثل أن يقال: نُسَخُ هذه التوراة مبدلة لا يجوز العمل بما فيها، ومن عَمِلَ اليومَ بشرائعها المبدَّلة والمنسوخة فهو كافر. فهذا الكلام ونحوه حقٌّ لا شيء على قائله (٣)) لمطابقته الواقع. فصل (وقال) الشيخ (٤): (ومَن سبّ الصحابةَ، أو) سبَّ (أحدًا منهم،

стр. 6722

واقترن بسبِّه دعوى أن عَليًّا إلهٌ أو نبي، و (١) أن جبريل غَلِطَ، فلا شَكَّ في كُفْرِ هذا) أي: لمخالفته نصَّ الكتاب (٢)، والسنة (٣)،

стр. 6723

وإجماع (١) الأمة (بل لا شَكَّ في كُفْرِ من توقَّف في تكفيره. وكذلك مَن زعم أن القرآن نَقَص منه شيءٌ وكُتِم، أو أن له تأويلات باطنة تُسقِط الأعمال المشروعة) من صلاة، وصوم، وحج، وزكاة وغيرها (ونحو ذلك، وهذا قول القرامطة (٢) والباطنية (٣)، ومنهم

стр. 6724

التناسخية (١)، ولا خلاف في كُفْرِ هؤلاء كلِّهم (٢)) لتكذيبهم الكتاب والسُّنة وإجماع الأمة. (ومن قَذَف عائشة ﵂ بما برَّأها الله منه، كَفَرَ بلا خلاف (٣)) لأنه مكذِّب لنصِّ الكتاب (٤). (ومن سبَّ غيرها من أزواجه ﷺ ففيه قولان (٥): أحدهما: أنه كَسبِّ واحد من الصحابة) لعدم نصٍّ خاصٍّ. (والثاني -وهو الصحيح-: أنه كقَذْف عائشة ﵂ لقدحه فيه ﷺ . (وأما من سَبَّهم (٦)) أي: الصحابة (سبًّا لا يقدح في عدالتهم ولا دينهم مثل من وصف بعضهم ببخل، أو جُبْنٍ، أو قِلَّة عِلم، أو عدم زهد ونحوه، فهدا يستحق التأديب والتعزير، ولا يُكفَّر. وأما من لَعَن وقبَّح مطلقًا، فهذا محل الخلاف، أعني: هل يُكفَّر أو يفسق؟ توقف أحمد (٧) في كفره وقتْلِه، وقال: يعاقب، ويجلد، ويُحبس حتى يموت، أو يرجع عن ذلك. وهذا هو المشهور من مذهب

стр. 6725

مالك (١). وقيل: يُكفَّر إن استحله) وتقدم (٢) بعض ذلك في الباب قبله، ويأتي في الشهادات له تتمة. (والمذهب: يُعزَّر، كما تقدم أول باب التعزير (٣). وفي "الفتاوى المصرية" (٤)) لشيخ الإسلام ابن تيمية: (يستحق العقوبة البليغة باتفاق المسلمين، وتنازعوا هل يُعاقب بالقتل، أو ما دون القتل؟ وقال (٥): أما من جاوز ذلك، كمن زعم أنهم) أي: الصحابة (ارتدوا بعد رسول الله ﷺ إلا نفرًا قليلًا لا يبلغون بضعة عشر، أو أنهم فسقوا، فلا ريب -أيضًا- في كُفْر قائل ذلك، بل مَن شَكَّ في كُفرِه. فهو كافر. انتهى ملخصًا من "الصارم المسلول) على شاتم الرسول" (٦). (ومن أنكر أن يكون أبو بكر) الصديق ﵁ (صاحبَ رسول الله ﷺ فقد كَفَر؛ لقوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ (٧)) فإنكار صُحبته تكذيب لله. قال في "الأنوار" (٨) للشافعية: ولو قال ذلك لغير أبي بكر لم يكفر، وفيه نظر؛ لأن الإجماع منعقد على صحابية غيره، والنص
следующие страницы →