← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 622

كشاف القناع عن متن الإقناع - ط وزارة العدل

البهوتي

Полный текст (7 407 стр.). Показаны 6756–6795 · переход к 6761.

стр. 6756

القيامة) فقال: الصحيح أنهم يُمتحنون في عَرَصات القيامة، قال: فمن أطاع منهم دخل الجنة، ومن عصى دخل النار. وقال (١) -أيضًا-: أصح الأجوبة فيهم ما ثبت في "الصحيحين" أنه سُئل عنهم رسول الله ﷺ فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين" (٢) فلا يحكم على مُعيّن منهم لا بجنة ولا نار. (ومثلهم) أي: مثل أطفال المشركين (من بلغ منهم مجنونًا) فَيُحكم بإسلامه تبعًا لأبويه أو أحدهما، أو (٣) بموتهما أو أحدهما بدارنا، بخلاف من بلغ عاقلًا ثم جُنَّ. (ومن وُلِد أعمى أبكم أصم، وصار رجلًا، هو مع أبويه، نصًّا (٤)، وإن كانا مشركَين، ثم أسلما بعدما صار رجلًا، قال (٤): هو معهما) وكذا لو أسلم أحدهما. قال في "الفروع": ويتوجه: مثلهما من لم تبلغه الدعوة. (وإن تصرف المرتد لغيره بالوكالة؛ صَحَّ) تصرفه، فلا تبطل الوكالة بالردَّة إلا فيما ينافيها، كالنكاح، وإقامة الحد. (ولا يلزمه) أي: المرتد (قضاء ما ترك من العبادات في ردَّته) لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٥)،

стр. 6757

وكالحربي؛ ولأن أبا بكر لم يأمر المرتدين بقضاء ما فاتهم. (ويلزمه قضاء ما ترك) من صلاة وصوم ونحوهما (قبلها) أي: قبل الردة؛ لاستقراره عليه حال إسلامه. (وإن قَتَل) المرتدُّ (من يكافئه عمدًا؛ فعليه القصاص) كالمسلم وأولى. (والوليُّ مخيَّر بين القتل والعفو عنه) كالمسلم (فإن اختار) الوليُّ (القِصاص؛ قُدِّم) القِصاص (على قتل الرِّدة، تقدَّمت الرَّدة أو تأخَّرت) لأنه حق آدمي؛ جزم به. في "الشرح" وغيره، وتقدم ما فيه في القِصاص (١). (وإن عفا) الوليُّ (على مال؛ وجبت الدية في ماله) أي: المرتد، كسائر الحقوق عليه. (وإن كان) القتل (خطأً، وجبت) الدية (أيضًا في ماله) وكذا شِبْه العمد؛ لأنه لا عاقلة له (قال القاضي: تؤخذ منه في ثلاث سنين) كما كانت تؤخذ من عاقلته (فإن قُتل أو مات؛ أُخذت من ماله في الحال) من غير تأخير (٢). قلت: وظاهر ما تقدم: وكذلك لو لم يقتل أو يمت. (و تثبت الردة بالإقرار، أو البينة) وهي رجلان عدلان، كقتل القِصاص. فصل (ومن أُكرِه على الكُفر فالأفضل له أن يصبر) على ما أُكره به، ولا يُجيب (ولو أتى ذلك على نفسه) بأن كان يؤدي (٣) إلى موته.

стр. 6758

(وإن لم يصبر وأجاب) بكلمة الكفر (ظاهرًا، لم يَصِرْ كافرًا؛ إذا كان قلبه مطمئنًّا بالإيمان) لقوله تعالى: ﴿إلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (١). (ومتى زال الإكراه أُمِرَ بإظهار إسلامه) لزوال العُذر. (فإن أظهره) فهو باقٍ على إسلامه (وإلا) أي: وإن لم يُظهره بعد زوال الإكراه (حُكِمَ بأنه كافر من حينَ نَطَق به) أي: بالكفر؛ لأن ذلك قرينة على أنه لم يفعله لداعي الإكراه، بل اختيارًا. (وإن شَهِدت بينةٌ أنه نَطَقَ بكلمةٍ الكُفر، وكان محبوسًا أو مقيدًا عند الكفار في حالة خوف؛ لم يُحكم بردته) لعدم طواعيته. (وإن شهدت) البينة (أنه كان آمنًا في حال نُطقه) بكلمة الكُفر (حُكِم بردته) لإتيانه بكلمة الكفر مختارًا. وإن شهدت عليه بينة أنه كفَرَ، فادَّعى الإكراه؛ قُبِلَ قوله مع قرينة فقط. وإن شهدت عليه بكلمة كُفْرِ، فادَّعى الإكراه؛ قُبِل مطلقًا؛ لأن تصديقه ليس فيه تكذيب للبينة. (وإن ادَّعى ورثته) أي: المرتد (رجوعه إلى الإِسلام؛ لم يُقبل إلا ببينة) تشهد برجوعه؛ لأن الأصل عدمه. (وإن شهدت عليه) بينة (بأكل لحم خنزير، لم يُحكم بردَّته) لأنه لا يلزم من أكله استحلاله. (فإن قال بعضُ ورثته: أكله مستحلًّا له، أو أقرَّ) بعضُ ورثته (بردَّته؛ حُرِمَ ميراثَه) مؤاخذةً له بإقراره (ويُدفع إلى من يَدَّعي الإسلام) من

стр. 6759

ورثته (قَدْر ميراثه؛ لأنه لا يَدَّعي أكثر منه، و) يُدفع (الباقي لبيت المال) لأنه بمنزلة المال الضائع، لعدم من يدعيه (فإن كان في الورثة صغير، أو مجنون دُفع إليه نصيبه ونصيب المقر برِدة الموروث) لأنّه لم تثبت ردته بالنسبة إليه؛ قاله في "المغني". فصل (ويَحرُمُ تعلُّمُ السحر، وتعليمُهُ، وفِعلُه) لما فيه من الأذى (وهو) أي: السحر (عُقَدٌ ورُقىً وكلامٌ يتكلَّم به، أو يكتُبُه، أو يعملُ شيئًا يؤثِّر في بدن المسحور، أو قلبِه، أو عقلِه، من غير مباشرة له. وله حقيقةٌ، فمنه ما يقتل، و) منه (ما يُمرِضُ، و) منه (ما يأخذ الرجل عن زوجته، فيمنَعُه وطأها، أو يعقِدُ المتزوجَ فلا يُطيق وطأَها، وما كان مثل فِعْلِ لبيدِ بن الأعْصَم حين سَحَر النبيَّ ﷺ في مُشِط) بضم الميم، وتميم تكسرها (ومُشاطة) بضم الميم: ما يسقط من الشعر عند مَشطه. روت عائشة: "أنَّ النبيَّ ﷺ سُحِرَ حتى إنه لَيُخَيّلُ إليه أنه يَفْعَلُ الشيء وما يَفْعَله" (١) (أو يَسْحَرُه حتى يَهيمَ مع الوحش. ومنه) أي: السحر (ما يُفرِّقُ بين المرء وزوجِه، وما يبغِّضُ أحدَهما إلى الآخر، ويُحبِّبُ بين اثنين) زوجين أو غيرهما. وقال بعض العلماء: إنه لا حقيقةَ له، وإنما هو تخييلٌ، لقوله

стр. 6760

تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ (١) وجوابه قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ … ﴾ إلى قوله ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ (٢) أي: السواحر اللاتي يعقدن في سحرهن، ولولا أن له حقيقة لَمَا أمر بالاستعاذة منه. (و يَكفُرُ) الساحرُ (بتعلُّمِه وفِعْله، سواءٌ اعتقدَ تحريمَه أو إباحَتَه، كالذي يرغب الجماد من مكنسة وغيرها، فتسير به في الهواء، أو يدَّعي أن الكواكب تُخاطبه) لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ (٣). (ويُقتل) الساحر (إن كان مسلمًا) بالسيف؛ لما روى جُندُب مرفوعًا، قال: "حدُّ الساحر ضَربُهُ بالسيف" رواه الترمذي وضعَّفه (٤) وقال: الصحيح عن جُندُب موقوف. وعن بَجالة بن عَبدة قال: كنتُ كاتِبًا لجَزْء بن مُعاويةَ عَمّ الأحنَفِ بنِ قَيسٍ، فأتانا كتابُ معاوية (٥) قبلَ موتهِ بسنةٍ: أن اقتلُوا كلَّ ساحرٍ وساحرَةٍ؛ رواه أحمد وسعيد (٦). وفي رواية: فقلتنا ثلاثَ سواحرَ في يومٍ واحد (٧). وقتَلتْ حفصَةُ جاريةً لها سَحرتها؛ رواه

стр. 6761

مالك (١)، وروي عن عثمان وابن عمر (٢). (وكذا من يَعتقِدُ حِلَّه) أي: السحر (من المسلمين) فَيُقتل كُفرًا؛ لأنه أحلَّ حرامًا مُجمَعًا عليه معلومًا بالضرورة. (ولا يُقتل ساحرٌ ذميٌّ) لأن لَبيد بن الأعْصَم سحر النبيَّ ﷺ فلم

стр. 6762

يقتله (١)؛ ولأن الشرك أعظم من سحره ولم يُقتل به، والأخبار وردت في ساحر المسلمين؛ لأنه يكفُر بسِحره، وهذا كافر أصلي (إلا أن يقتل) الساحر الذمي (به) أي: بسِحره (ويكون) سحره (مما يقتل غالبًا، فَيُقتصّ منه) إذا قَتَل من يكافئه، كما لو قَتَل بغيره. (فأما الذي يسحر بأدوية وتدخين، وسقي شيء يضر، فإنه لا يكفر ولا يُقتل) لأن الله تعالى وصف الساحرين الكافرين بأنهم يفرقون بين المرء وزوجه، فيختصّ الكفر بهم، ويبقى من سواهم من السحرة على أصل العصمة (ويعزر تعزيرًا بليغًا دون القتل) لأنه ارتكب معصية. (إلا أن يقتل بفعله) ذلك، ويكون مما يقتل (غالبًا، فيقتصّ منه) إذا قتل من يكافئه، كما لو قتله بغير ذلك (وإلا) أي: وإن لم يكن فعله مما يقتل غالبًا (فـ) ـــاللازم (الدية، وتقدم في كتاب الجنايات (٢). وأما الذي يعزم على الجنّ، ويزعم أنه يجمعها) فَتُطيعه (فلا يكفر) بذلك (ولا يُقتل) به؛ لأنه ليس في معنى المنصوص على قتله بالسحر (ويُعزَّر تعزيرًا بليغًا دون القتل) لارتكابه معصية عظيمة. (وكذا الكاهن والعَرَّاف. والكاهن: الذي له رَئيٌّ من الجن يأتيه بالأخبار. والعَرَّاف: الذي يَحدِس ويتخرص كالمُنَجِّم) وهو الذي ينظر في النجوم ويستدل بها على الحوادث. (ولو أوهم قومًا بطريقته أنه يعلم الغيبَ، فللإمام قتلُهُ؛ لسعيه بالفساد. وقال الشيخ: التنجيم -كالاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية- من السحر. قال) الشيخ: (ويحرم إجماعًا) وأقر

стр. 6763

أولهم وآخرهم أن الله يدفع عن أهل العبادة والدعاء ببركته ما زعموا أن الأفلاك توجبه، وأن لهم من ثواب الدارين ما لا تقوى الأفلاك أن تجلبه (١). (والمُشَعْبِذُ، والقائل بزجر طَيْرٍ، والضاربُ بحصى وشعيرٍ وقِداح) أي: سهام (زاد في "الرعاية": والنظر في ألواح الأكتاف إذا لم يعتقد إباحته، و) اعتقد (أنه لا يعلم به) الأمور المغيبة (عُزِّر، ويكفّ عنه، وإلا) بأن اعتقد إباحته وأنه يعلم به الأمور المغيبة (كفر) فيستتاب، فإن تاب وإلا قُتل. (وتحرم رُقيةٌ وحِرْزٌ وتعوُّذٌ بطِلَسْم) بغير عربي. (و) تحرم (عَزيمةٌ بغير عربي، وباسم كوكب، وما وضع على نجم من صورة أو غيرها. ولا بأس بحَلِّ السحر بشيء من القرآن، والذِّكْرِ، والأقسام، والكلام المباح. وإن كان) حَلُّ السحر (بشيء من السحر فقد توقف فيه أحمد (٢)) قال في "المغني": توقف أحمد في الحِلِّ، وهو إلى الجواز أميل، وسأله مُهنَّا (١) عمن تأتيه مسحورة فيُطْلقه عنها. قال: لا بأس. قال الخلال: إنما كره فعاله، ولا يرى به بأسًا، كما بيّنه مُهنَّا، وهذا من الضرورة التي تُبيح فعلها (والمذهب جوازه ضرورة. قال في "عيون المسائل": ومن السِّحر السعي بالنميمة والإفساد بين الناس، وهو غريب) ووجهه أنه يقصد الأذى بكلامه وعمله على وجه

стр. 6764

المكر والحيلة، أشبه السحر، ولهذا يعلم بالعادة والعرف أنه يؤثر وينتج ما يعمله السحر أو أكثر، فيعطى حكمه تسوية بين المتماثلين أو المتقاربين، لاسيما إن قلنا: يقتل الآمر بالقتل على رواية، فهنا أولى.

стр. 6765

كتاب الأطعمة

стр. 6766

كتاب الأطعمة (واحدها طعام، وهو ما يؤكل ويُشرب) قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ (١). وقال الجوهري (٢): هو ما يؤكل، وربما خُصَّ به البُرُّ. (والمراد هنا بيان ما يُحْرُمُ أكلُه وشُرْبه، وما يُباح) أكله وشربه. (والأصلُ فيها الحِلُّ) لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (٣)؛ وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ (٤)؛ وقوله: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ (٥)؛ وقوله: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (٦)، فجعل الطيب صفةً في المباح عامة؛ تميزه عن المُحَرَّم. وجعل الخبيث صفة في المُحَرَّم تميزه عن المباح. والمراد بالخبيث هنا كلُّ مستخبث في العُرف؛ لأنه لو أراد به الحرام لم يكن جوابًا؛ لأنهم سألوه عمَّا يحل، فلو أُريد به الحرام، وبالطيب الحلال لكانَ معناه: الحلالُ هو الحلال، وليس كذلك. (فَيُباح كلُّ طعامٍ طاهرٍ لا مضرَّة فيه من الحبوب والثمار وغيرها) كالنباتات غير المضرة (حتى المسكِ والفاكهة المسوَّسة والمدوَّدة.

стр. 6767

(ويُباح أكلها) أي: الفاكهة (بدُودِها) فيؤكلُ تبعًا لها لا استقلالًا (و) يُباح أكل (باقِلَاءَ بذُبابه، و) أكل (خيار وقثاء وحبوب، وخَلٍّ بما فيه) من نحو دُود (تبعًا) لها. و (لا) يُباح (أكلُ دُودها ونحوه) كسوسها (أصلًا) أي: استقلالًا. (ولا) يُباح (أكلُ النجاسات كالميتة والدم) لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمُ الْمَيتَةُ وَالدَّمُ﴾ (١) (والرجيع) أي: الرَّوْث (والبول ولو كانا طاهرين) لاستقذارهما (بلا ضرورة) فإن اضطر إليهما أو إلى أحدهما جاز. وتقدم في أولِ الجنائز: يجوزُ التداوي ببول إبل (٢). (ولا) يُباحُ (أكل الحشيشةِ المُسْكِرة، وتُسمَّى حشيشةَ الفقراء) لعمومِ قولهِ ﷺ : "كُلُّ مُسكرٍ خمرٌ، وكُل خمرٍ حرامٌ" (٣). (ولا) يُباح كلُّ (ما فيه مضرةٌ من السموم وغيرها) لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٤)، وفي "الواضح": المشهورُ أن السَّمَّ نجس، وفيه احتمالٌ؛ لأكله ﷺ من الذراع المسمومة (٥). (وفي "التبصرة": ما يضرُّ كثيرُه يحِلُّ يسيره) فيباح يسير السَّقَمونيا (٦) والزَّعفران ونحوهما، إذا كان لا مضرةَ فيه؛ لانتفاءِ علة التحريم.

стр. 6768

(ويحرم من الحيوانات الآدميُّ) لدخولِه في عموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمُ الْمَيتَةُ﴾ (١)؛ ولمفهوم حديث: "أُحِلَّ لنا ميتَتان ودمان" (٢). (والحمرُ الأهلية ولو توحَّشت) قال ابن عبد البر (٣): لا خلاف في تحريمها، وسندُه حديثُ جابرٍ: "أنَّ النبي ﷺ نَهى يومَ خَيبرَ عن لحُومِ الحُمُرِ الأهلية، وأذِن في لُحومِ الخيل" متفق عليه (٤)، وحكمُ لبنها حكمُها، ورخَّص فيه عطاء (٥)، وطاووس (٦)، والزُّهريُّ (٧). (والخنزيرُ) بالنصِّ (٨) والإجماع (٩) مع أن له نابًا يفترس به. (وما له نابُ يفترس به) نصَّ عليه (١٠) (سوى الضَّبْعُ) فإنه مباحٌ،

стр. 6769

وإن كان له ناب؛ لما روى جابرٌ قال: "سألتُ رسُولَ الله ﷺ عنِ الضَّبْعِ فقال: هُو صيدٌ، ويجعلُ فيهِ كبشٌ إذا صادَهُ المُحرِمُ" رواه أبو داود (١)، وهذا خاصٌّ فيُقدَّم على العام. وما له نابٌ (كأسد، ونَمِر، وذئب، وفهد، وكَلْب، وابن آوى) شِبْه الكلب، ورائحتُه كريهةٌ (وابن عِرس) بالكسر؛ قاله في "الحاشية" (وسِنَّور أهلي وبري) ومن أنواعه الثفا (٢)، كما ذكره غيرُ واحد من الشافعية (٣) (ونِمْسٍ، وقِرْد -ولو صغيرًا لم ينبت نابُه-، ودُبٍّ، وفيل، وثعلب) لما روى أبو ثعلبة الخُشَنيُّ قال: "نهى رسولُ الله ﷺ عن أكلِ كُلِّ ذي نابٍ منَ السِّباعِ حَرَامٍ" رواه مسلم (٤) (٥).

стр. 6770

وروى جابر "أن النبي ﷺ نهى عن أكلِ الهِرِّ" رواه أبو داود، وابن ماجه، والترمذي (١) وقال: غريب. وروى الشعبيُّ "أن النبي ﷺ نهى عن لحم القِرْدِ" (٢). (ويحرم سنجاب، وسَمُّور، وفَنَك) بفتح النون؛ لحديث أبي ثعلبة

стр. 6771

المذكور؛ لأنَّ لها نابًا. (و) يحرم أيضًا (ما له مِخْلبٌ من الطير يصيدُ به، كعُقَاب، وبازِي، وصَقْرٍ، وشاهين، وحِدَأَةٍ، وبُومَةٍ) لحديث ابن عباس قال: "نهى النبيُّ ﷺ عن أكلِ كلِّ ذي مخلب من الطير" رواه أبو داود (١)، وعن خالد بن الوليد مرفوعًا نحوه (٢). (وما يأكل الجيفَ كَنَسْرٍ، ورَخَمٍ، ولَقْلَقٍ) مقصور من اللقلاق، أعجمي، طائرٌ نحو الإوَزَّة طويلُ العنق يأكلُ الحيات؛ قاله في الحاشية (وعَقْعَقٍ) بوزن جعفر، طائرٌ نحو الحمامةِ طويلُ الذنب فيه بياضٌ وسوادٌ، وهو نوعٌ من الغربان تتشاءمُ به العربُ؛ قاله في "الحاشية" (-وهو) أي: العقعق (القاق وغُراب البَين والأبْقَع-) لقوله ﷺ : "خَمْس فواسِق يُقتلن في الحلِّ والحرَمِ … " الخبر (٣)، فذكر منها الغرابَ، والباقي في معناه؛ للمشاركة في أكلِ الجِيف، ووجهُ الدلالةِ من الخبر أنه ﷺ أباحَ قتلها في الحرم، ولا يجوزُ قتلُ صيدٍ مأكول في الحرم. (وما تستخبِثه) أَي: تستقذره (العربُ ذوو اليسار من أهل القرى والأمصار من أهل الحِجاز) لأنهم همُ الذين نزلَ عليهم الكتابُ، وخُوطبوا به وبالسُّنةِ، فرُجِع في مطلق ألفاظِها إلى عُرفهم دون غيرهم (ولا عبرةَ بأهل البوادي) من الأعراب الجُفَاة؛ لأنهم للضرورة والمجاعة

стр. 6772

يأكلون كلَّ ما وجدوه، ولهذا سُئل بعضهم عمَّا يأكلون، فقال: ما دبَّ ودرج إلا أم حُبَين -بالحاءِ المهملة، والباءِ الموحدة- فقال: لِيَهْن أمَّ حُبين العافيةُ، تأمن أن تُطلبَ فتؤكل (١)، وأمُّ حبين: الخنافسُ الكبار. والذي تستخبثُه العربُ ذوو اليسار (كالقُنْفُذ، والدُّلدُل وهو عظيمُ القنافذِ قدر السَّخْلةِ -ويُسمَّى ببلاد الشام النَّيص (٢) - على ظهرهِ شوكٌ طويلٌ نحو ذراع. والحشرات كلها، كديدان، وجِعلان، وبنات وَرْدان) نحو الخنفساء حمر (٣) اللون، وأكثرُ ما تكون في الحمَّامات والكُنف (وخنافس، وأوزاغ، وصَراصِر، وحرباء، وعِضَاه، وجَراذين، وخُلْدٍ، وفأر، وحيَّات، وعَقاربَ، وخُفَّاش، وخُشَّاف وهو الوَطْوَاط، وزُنْبُور، ونَحْلٍ، ونمل، وذُباب، وطَبابيع) قمل أحمر (وقَمْل، وبراغيث ونحوها، وهُدْهُدٍ، وصُرَد) كعمر: نوعٌ من الغِربان، وهو طائرٌ أبقعُ، أبيضُ البطنِ، أخضرُ الظهر، ضخمُ الرأس والمنقار، يصيدُ العصافير وصغارَ الطير، ويصوم (٤) كالصقر، لا يُرى إلا في شعب أو شجرة، ولا يَكاد يُقدر عليه، والأنثى صُرَدَة، والجمع صِردانٌ، ويقال له: الواقُ، وهو أول طائرٍ صامَ (٥)، ومنه نوعٌ أسودُ يُسمِّيه أهلُ العراق العَقْعق (وغُدَاف) كغراب،

стр. 6773

وجمعه غِدفان كغِربان، ويقال: هو غرابُ الغَيْط، و (خُطَّاف) طائر أسودُ معروف (وأخْبَل وهو الشَّقِّراق) بفتح الشين وبكسر القاف مشددة، وبكسر الشين مع التثقيل، وأنكرها بعضهم، وبكسر الشين وسكون القاف: وهو دون الحمامةِ، أخضرُ اللونِ، أسودُ المنقار، بأطرافِ جناحيه سوادٌ، وبظاهرِهما حمرةٌ، ذكره في "الحاشية" (وسُنُونُو وهو نوعٌ من الخُطَّاف، وغيرها مما أمرَ الشرعُ بقتله، أو نهى عنه. وما لا تعرفه العربُ من أمصار الحجازِ وقُراها، ولا ذُكِر في الشرع، يُردُّ إلى أقرب الأشياء شَبَهًا به) أي: بالحجاز (فإن لم يُشْبِه شيئًا منها) أي: المُحَرَّمات (فمباحٌ) لدخولِه في عموم قولِه تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا … ﴾ الآية (١). (وما أحدُ أبويه المأكولين مغصوبٌ فـ) ــــهو (كأُمِّه حِلًّا وحُرمة وملكًا) فإن كانت أمُّه هي المغصوبةَ لم تحِل هي ولا شيءٌ من أولادها للغاصب، وإن كان المغصوبُ الفحلَ، ونَزَّاه الغاصبُ على إناث في ملكِه؛ لم يحرم على الغاصب شيءٌ من أولادِ الفحل الآتيةِ بها إناثه في ملكه. (و لو اشتبه مباحٌ ومُحرَّمٌ؛ حَرُمَا) تغليبًا لجانب الحظر، وكذا لو اشتبه ما لا تعرفه العربُ ولا ذُكِر في الشرع مباحًا ومُحَرَّمًا فإنه يحرم.

стр. 6774

(و يحرم متولِّدٌ من مأكول وغيره كالبغل) المتولد بين الخيل والحمر الأهلية (والسِّمع) بكسر السين (ولد الضَّبْع من الذئب، والعُسْبَار وَلَدُ الذئبِ من الذِّيخ وهو الضِّبعان) بكسر الضاد وسكون الباء الموحدة وجمعه ضَباعين كمساكين (وهو ذَكَرُ الضِّبعان) تغليبًا للتحريم (والدرباب (١) وهو أبو زريق، قيل: إنه متولدٌ من الشَّقِّراق والغراب. والمتولد بين أهلي ووحشي) كالحمار بين حمارٍ أهلي وحمار وحشي، تغليبًا للحظر (٢) (وكحيوان من نعجة نصفُة خروف ونصفُه كلب) فيحرم تغليبًا للحظر. (ويحرم ما ليس ملكًا لآكلِه، ولا أذن فيه ربُّه، ولا الشارعُ) لحديثِ: "لا يَحِلُّ مالُ امرئٍ مسلمٍ إلا عن طيب نَفسٍ منه" (٣)، فإن أذنَ فيه ربُّه جاز أكله، وكذا لو أذن فيه الشارعُ، كأكل الولي من مالِ مَوْلِيِّهِ، وناظرِ الوقف منه، والمضطر من مالِ غيره، على ما تقدم، وما يأتي. فصل (وما عدا هذا) المذكور مما تقدم تحريمُه (فمباحٌ، كمتولِّدٍ من مأكولين، كبغلٍ من حمار وحشٍ وخيلٍ، ولو) كانت الخيلُ (غيرَ عربية) لعموم حديث جابر: "وأذن في لحوم الخيل" (٤) (ووبْر) بسكون الباء

стр. 6775

(ويَربوع) لأنَّ عمرَ قضى فيه بجَفْرَةٍ (١)، والوبْرُ في معناه (وبقر وحْشٍ على اختلاف أنواعها من الأُيَّل، والثَّيتَل، والوَعْل، والمَهَا، وظِباءٍ، وحُمُرِ وحشٍ، ولو تأنَّست، وعُلِفَت) لأن الظباءَ إذا تأنَّست لم تحرمْ، وكالأهلي إذا توحَّش (وأرنب، وزَرَافة) بفتح الزاي وضمها؛ قاله جماعةٌ. زادَ الصَّغاني (٢): والفاءُ تُشدَّدُ وتُخَفَّف في الوجهين، قيل: هي مُسمَّاة باسم الجماعة؛ لأنها في صورةِ جماعة من الحيوان، وهي دابةٌ تُشبهُ البعير إلا أن عُنقَها أطول من عُنقِه، وجسمها ألطفُ من جسمه، ويداها أطولُ من رِجليها، ووجه حِلها أنها مُستطابة ليس له (٣) نابٌ، أشبهت الإبل (ونعامة) لقضاءِ الصحابةِ فيها بالفديةِ (٤) (وَضَبٍّ) قال أبو سعيد: كُنَّا معشرَ أصحاب محمد ﷺ لأنْ يُهدَى إلى أحدِنا ضَبٌّ أحبُّ إليه من دجاجةٍ (٥). قال في "الحاشية": وهو دابةٌ تُشبه الحِرْدَوْنَ، من عجيب خِلقته أنَّ الذكرَ له ذكرانَ، والأنثى لها فَرجان تبيض منهما (وضَبُع) وتقدم (٦) (وإن عُرِف) الضَّبُعُ (بأكل الميتةِ؛ فكجَلَّالةٍ؛ قاله في "الروضة" وبهيمة الأنعام، وهي: الإبل، والبقر، والجاموس، والغنم) ضأنها ومعزها؛ لقوله تعالى:

стр. 6776

﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ (١) (ودجاج) لقول أبي موسى: "رأيتُ النبي ﷺ يأكُلُ الدجاجَ" (٢) (ودُيوك، وطاووس، وبَبْغَاء -وهي الدُّرّةُ-، وعندليب) وهو الهَزار، وهو الشُّحرور (وسائر الوحش من الصيود كلها، وزاغٍ) طائرٌ صغير أغبر (وغراب الزرع، وهو أحمرُ المنقار والرجل) يأكل الزرع، يطير مع الزاغِ؛ لأن مرعاهما الزرعُ والحبوب (وحَجَل، وزُرْزُور) بضم، أوله نوعٌ من العصافير (وصَعْوةٍ، جمعه (٣) صَعْوٌ، وهو صغار العصافير أحمر الرأس، وحمام وأنواعه من الفَواخت، والجَوازلِ، والرَّقَاطى، والدَّبَاسى، وسُمَانى، وسَلْوى، وقيل: هما شيء واحد، وعصافير، وقنابر، وقطًا، وحُبارَى) لقول سَفِينة: "أكلتُ مع رسولِ الله ﷺ حُبارَى" رواه أبو داود (٤) (وكَرْكِيٍّ، وكرَوان، وبَطّ، وإوَزّ، وما أشبهه مما يلقط الحَبَّ أو يُفدى في الإحرام) لأن ذلك مُستطاب فيحِلُّ؛ لأنه من

стр. 6777

الطيبات فيدخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ (١) (وغَرَانيق) قال في "الحاشية": الغرانق -جمع غُرنَق، بضم الغين المعجمة وفتح النون- من طير الماء، طويل العنق (وطير الماء كله، وأشباه ذلك) أي مُباح؛ لما سبق. (ويُباح جميع حيوانات البحر) لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيدُ الْبَحْرِ … ﴾ الآية (٢)؛ وقوله ﷺ "لما سُئل عن ماءِ البحر: هو الطهُور ماؤُه الحلُّ ميتَتهُ" رواه مالك (٣) (إلا الضِّفدِع) -بكسر الضاد والدال، والأنثى ضفدعة، ومنهم من يفتح الدال- نصَّ عليه (٤)، واحتج بأن النبيَّ ﷺ "نهى عن قتله" رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي (٥) (والحية) لأنها من الخبائث، وفيها وجه، وأطلقهما في "الفروع" (والتمساح) نصَّ عليه (٦)، وعلله بأنه يأكلُ الناس.

стр. 6778

فصل (وتحرم الجَلَّالة -وهي التي أكثرُ عَلَفِها النجاسةُ- ولبنُها) لما روى ابن عمر قال: "نهى النبي ﷺ عن أكلِ الجلَّالةِ وألبانها" رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي (١) وقال: حسن غريب، وفي رواية لأبي داود: "نهى عن ركوبِ الجَلَّالة" (٢)، وفي أخرى له: "نهى عن ركوبِ جَلَّالة الإبل" (٢)، وعن عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه "أن النبي ﷺ نهى عن لحومِ الحُمر الأهلية، وعن ركوب الجلَّالة وأَكلِ لحمِها" رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي ((٢)) (وبيضُها) لأنه متولِّدٌ من النجاسة. (ويُكره رُكوبُها لأجل عَرَقِها) لما سبق من الأخبار (حتى تُحبس) الجلَّالةُ (ثلاثًا) أي: ثلاث ليالٍ بأيامهنَّ؛ لأن ابن عمر كان إذا أراد أكلَها يحبسُها ثلاثًا (٢) (وتُطْعَم الطاهرَ، وتُمنع من النجاسَةِ، طائرًا كانت أو بهيمةً) إذِ المانع من حلِّها يزول بذلك؛ ولأنَّ ما طهّر حيوانًا طهّر غيره، كما لو كانت النجاسةُ بظاهِره. (ومثلُه خروفٌ ارتضع من كلبةٍ، ثم شرب لبنًا طاهرًا) أو أكل شيئًا طاهرًا ثلاثة أيام، فيحلُّ أكلُه.

стр. 6779

(ويجوز أن تُعْلَفَ النجاسةُ الحيوانَ الذي لا يُذبح) قريبًا (أو لا يُحلب قريبًا) قال في "المحرر": أحيانًا. قال شارحه: لأنه يجوزُ تركها في الرعي على اختيارها، ومعلوم أنها تعلف النجاسة. انتهى. قال في "المبدع": ويحرم عَلْفُها نجاسةٌ إن كانت تؤكل قريبًا، أو تُحلب قريبًا، وإن تأخر ذبحُه أو حلبه، وقيل: بقدر حبسها المعتبر جازَ في الأصح، كغيرِ المأكول على الأصح فيه. (وإذا عضَّ كَلْبٌ كَلِبٌ شاةً ونحوها فكَلِبَتَ ذُبحت) دفعًا لضررها (وينبغي ألا يُؤكل لَحْمُها) لضررها أو قياسًا على الجلَّالة. (وما سُقي) بنجسٍ (أو سُمِّد بنجس) أي: أصلح بالسَّماد -كسلام- ما يصلح به الزرع من تراب أو سَرْجِين (من زَرعٍ وثمرٍ؛ يحرم وينجُسُ بذلك) لما روى ابنُ عباس قال: "كنَّا نكري أراضي رسولِ الله ﷺ ونشترط عليهم ألا يَدْمُلوها بِعَذِرَةِ الناس" (١). قال في "القاموس" (٢): ودَمَلَ الأرضَ دَمْلًا ودَمَلانًا: أصلحها، أو سَرْقَنَها فتَدمَّلت: صلَحَت به. انتهى. ولولا أنَّ ما فيها يحرم بذلك لم يكن في اشتراط ذلك فائدةٌ؛ ولأنه يتربى بالنجاسة أجزاؤه، والاستحالةُ لا تُطهِّرُ عندنا. (فإن سُقِي) الثمر أو الزرع (بعدَه) أي: بعد أنْ سُقي النجسَ، أو سُمِّد به (بطاهر تُستهلك عين النجاسةِ به طَهُر وحَلَّ) لأن الماء الطهورَ يطهر النجاساتِ، وكالجلالة إذا حُبست وأُطعمت الطاهرات (وإلا) أي: وإن لم يُسقَ بطاهرِ يَستِهلك عينَ النجاسة (فلا) يحل؛ لما تقدم. (ويُكره أكلُ تُراب، وفَحْم، وطين) لضرره (وهو) أي: أكل الطين

стр. 6780

(عيبٌ في المبيع) نقله ابنُ عقيل؛ لأنه لا يطلبه إلا مَن به مرضٌ. وقوله: (لأنه يضر البدن) به (١) علةٌ لكراهة أكل الطين ونحوه. (فإن كان منه) أي: الطين (ما يُتداوى به كالطين الأرمني، لم يُكره) لأنه لا ضررَ فيه (وكذا يسير تُراب وطِين) بحيث لا يضر فلا يُكره؛ لانتفاء عِلَّة الكراهة. (ويُكره أكل غُدَّة، وأُذُن قَلبٍ) نقل أبو طالب: "نهى النبي عن أُذُنِ القلبِ" (٢) وقال في رواية عبد الله (٣): "كره النبي ﷺ أكل

стр. 6781

الغُدَّةِ" (١). (و) يُكره أكل (بَصَل وثوم ونحوهما) كالكُرَّاث (ما لم يُنضِجه بطبخ) قال أحمد: لا يُعجبني (٢)، وصَرَّح بأنه كرههُ لمكان الصلاةِ في وقت الصلاة (٣). (و) يُكره (أكل كل ذي رائحةٍ كريهة) كالثوم (٤) (ولو لم يُرد دخول المسجد، فإنْ أكله) أي: البصل، أو الثوم، أو نحوه قبل إنضاجه بالطبخ (كُرِه له دخوله) أي: المسجد (حتى يذهب (٥) ريحه) لحديث: "مَن أكل من هذه الشجرة الخبيثَة فلا يقربنَّ مصلَّانا" (٦).

стр. 6782

ويُكره له -أيضًا- حضورُ جماعة ولو بغير مسجد، وتقدم (١). (و) يُكره أيضًا (أكلُ حَبٍّ) من نحو بُرٍّ (دِيسَ بحُمرٍ) أهلية (أو بغال) نص عليه، وقال: لا ينبغي أن يدوسوه بها (٢). وقال حرب: كرهه كراهةً شديدةً (٣) (وينبغي أن يغسل) نقل أبو طالب: لا يُباع، ولا يشترى، ولا يؤكلُ حتى يغسل (٤). (وتُكره مداومة أكلِ لحم) قاله الأصحابُ. قلت: ومداومة تركه (٥)؛ لأن كلًّا منهما يورث قسوةَ القلب. (و) يُكره (أكلُ لحم منتن ونِيءٍ) ذكره جماعةٌ، وجزم في "المنتهى" بعدم الكراهة. وقال في "شرحه": فلا يُكره أكلُهما على الأصح. قال في "الفروع": ولا بأسَ بلحم نِئءٍ؛ نقله مهنا (٦)، ولحم منتنٍ؛ نقله أبو الحارث (٧). وذكر جماعةٌ فيهما: يُكره، وجعله في "الانتصار" في الثانية اتفاقًا. (ويُكره الخُبز الكبار) قال الإمام: ليس فيه بَرَكةٌ (٨) (و) يُكره (وضعه) أي: الخبز (تحت القصعة) لإهانته، وحرَّمه الآمديُّ (٩).

стр. 6783

فصل (ومن اضطر إِلَى مُحَرَّم مما ذكرنا حضرًا، أو سفرًا، سوى سَمٍّ ونحوه) مما يَضرُّ، واضطراره (بأن يخاف التلف إما من جوع، أو يخاف إن ترك الأكل عَجَزَ عن المشي وانقطع عن الرفقة، فيَهْلِك، أو يَعْجِز عن الركوب فَيَهْلِك، ولا يتقيد ذلك بزمن مخصوص) لاختلاف الأشخاصِ فِي ذلك (وجب عليه أن يأكل منه) أي: المُحَرَّم (ما يسُد رمَقَه) بفتح الميم والقاف، أي: بقية روحه (ويأمن معه الموت) لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيهِ﴾ (١)؛ وقوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٢). (وليس له) أي: المضطر (الشِّبَعُ) من المُحَرَّم؛ لأن الآية دلَّت على تحريم الميتةِ، واستثنى ما اضطُر إليه، فإذا اندفعت الضرورةُ لم يحل الأكل، كحالةِ الابتداء (كما) يحرم ما (فوق الشِّبَع) إجماعًا، ذكره فِي "الشرح" و"المبدع" (وقال الموفَّق وتبعه جماعة: إن كانت الضرورةُ مستمرةٌ؛ جاز الشِّبَعُ، وإن كانت) الحاجة (مرجوة الزوال؛ فلا) يشبع؛ لعدم الحاجة. (وله) أي: المضطر (أن يتزوَّد منه) أي: المُحرَّم (إن خاف الحاجةَ)

стр. 6784

إن لم يتزوَّد؛ لأنه لا ضررَ فِي استصحابها، ولا في إعدادها لدفع ضرورته، وقضاء حاجته، ولا يأكلُ منها إلَّا عند ضرورته. (فإن تزوَّد، فلقيه مضطرٌّ آخر، لم يجز له بيعُه) منه؛ لأنه ليس بمالٍ لبيعه (١) من غيره (ويلزمه إعطاؤه) منه (بغير عوض، إن لم يكن هو) أي: المتزود (مضطرًّا في الحال إِلَى ما معه) فلا يُعطي غيرَه؛ لأن الضررَ لا يُزال بالضرر. (ويجب) على المضطر (تقديمُ السؤال على أكله) نصَّ عليه (٢)، وقال لسائل: قُم قائمًا؛ ليكون لك عذرٌ عندَ الله (٣). قال القاضي: يأثم إذا لم يسأل. ونقل الأثرم (٤): إن اضطر إِلَى المسألةِ فهي مباحةٌ، قيل: فإن توقف؟ قال: ما أظن أحدًا يموت من الجوع، الله يأتيه برزقه (وقال الشيخ (٥): لا يجب) تقديم السؤال (ولا يأثم) بعدمه (وإنه ظاهر المذهب) لظاهر نقلِ الأثرم. (وإن وجد) المضطرُّ (مَن يُطعِمُه ويَسقيه، لم يحِلُّ له الامتناعُ) لأنه إلقاء بنفسه إِلَى الهلاك (و) لا (العدول إِلَى الميتة) لأنه غيرُ مضطر إليها (إلَّا أن يخاف أن يَسُمَّه فيه) أي: في الطعام (أو يكون الطعام مما يضُرُّه، ويخاف أن يُهْلِكَه، أو يمرِضَه) فيمتنع منه، ويعدل إِلَى الميتة؛ لاضطرارهِ إليها. (وإن وجد طعامًا مع صاحِبِه وميتةً، وامتنع) ربُّ الطعام (من بَذْله)

стр. 6785

للمضطر (أو بيعه منه، ووجد) المضطرُّ (ثَمنَه، لم يجُزْ له) أي: للمضطر (مكابَرَتُه) أي: ربّ الطعام (عليه، وأخذه منه) لعدم احتياجه إليه بالميتة (ويعدلُ) المضطر (إِلَى الميتة، سواءٌ كان) المضطر (قويًّا يخاف من مكابرته التلفَ، أو لم يخف) التلفَ. (وإن بذله) -أي: الطعامَ- ربُّه (له) أي: للمضطر (بثمنِ مِثْلِهِ، وقَدَرَ) المضطر (على الثمن، لم يحل له أكلُ الميتة) لاستغنائه عنها بالمباح (وإن بذله) -أي: الطعام- ربُّه (بزيادة لا تُجْحِفُ -أي: لا تَكثُرُ- لَزِمه شراؤه) كالرقبة فِي الكفارة؛ لنُدْرة ذلك، بخلاف ماء الوضوء (وإن كان) المضطر (عاجزًا عن الثمن، فهو في حكم العادم) لما يشتريه (١)، فتحل له الميتة. (وإن امتنع) ربُّ الطعام (من بَذْلِهِ) للمضطر (إلا بأكثَرَ من ثَمَنِ مِثْلِهِ، فاشتراه المضطرُّ بذلك) كراهة أن يجري بينهما دمٌ، أو عجزًا عن قتاله (لم يلزمه) أي: المضطر (أكثر من ثَمَنِ مِثْلِهِ) لأنه وجب على ربِّه بذلُه بقيمته، فلا يستحق أكثرَ منها، فإنْ أخذ أكثر ردَّه، وإلا؛ سقط. (وليس للمُضطرِّ في سَفَرِ المعصيةِ، كقاطِعِ الطَّريق، و) القِنّ (الآبق الأكلُ من الميتة ونحوها) من المُحرَّمات؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ (٢) (إلَّا أن يتوبَ) من المعصية، فيأكل من المُحَرَّم؛ لأنه صار بالتوبةِ من أهل الرخصة. (وإن وجد طعامًا جُهِلَ مالِكُه، وميتةً) أكل من الميتة إن أمكن رَدّ الطعام إِلَى ربه بعينه؛ لأن حقَّ الله مبنيٌّ على المسامحة والمساهلة،

стр. 6786

بخلاف حقِّ الآدمي؛ فإنَّه مبنيٌّ على الشُّحّ والضيق، وحقّه يلزمه غرامته، بخلافِ حقِّ الله. وفي "الفنون": قال حنبلي: الذي يقتضيه مذهبُنا خلاف هذا. فإنْ تعذَّر ردُّه إِلَى ربه بعينه -كالغصوب والأمانات التي لا يُعرف مالكها- قُدِّم أكلُها على الميتة على ما ذكره في "الاختيارات" (١) (أو وجد) المضطر (صيدًا حيًّا -وهو مُحْرِم- وميتةً؛ أكل من الميتة) لأن ذبح الصيد جنايةٌ لا تجوز له حال الإحرام. (وإن وجد) المضطر (صيدًا، وطعامًا جُهِل مالِكُه، بلا ميتة، وهو) أي: المضطر (محرِمٌ؛ أكلَ الطَّعام) لاضطراره إليه، وفيه جنايةٌ واحدة. (وإن وجد) المضطر (لحمَ صيد ذَبَحَه مُحْرِمٌ، وميتةً؛ أكل من لحم الصيد (٢)؛ قاله القاضي) وجزم به في "المنتهى"، وقال في "التنقيح": وهو أظهرُ. وقال أبو الخطاب: يأكلُ من الميتةِ. انتهى. ووجه الأول تمييز (٣) الصيد الذي ذبحه مُحرِمٌ بالاختلاف في أنَّه مُذكّى مع أن كلًّا منهما فيه جنايةٌ واحدة. (ولو وجد بيضَ صيدٍ) سليمًا (وميتةً، فظاهرُ كلام القاضي: يأكل الميتةَ ولا يكسِرُه) لأن كسرَهُ جنايةٌ لا تجوز له حال الإحرام. وجزم به فِي "المنتهى" (وإن لم يجد) المُحرِمُ المضطرُّ (إلَّا صيدًا؛ ذبحه، وكان ذكيًّا طاهرًا، وليس بنجسٍ ولا ميتة فِي حَقّه) لإباحته له إذًا. (ويتعيَّن عليه ذبحه في محلّ الذبح) وهو الحلقومُ والمريء (وتُعتبر شروطُ الذكاة فيه) كسائر ما يُذَكَّى.

стр. 6787

(وله الشِّبَعُ منه) لأنه ذكيّ لا ميتة. (ولا يجوزُ) له (قتلُه) إذًا مع تمكنه من ذكاته، كالأهلي المأكول، وهو ميتةٌ في حَقِّ غيره، فلا يُباحُ إلَّا لمن تُباح له الميتة. وتقدم في محظوراتِ الإحرام (١). وكذا لو اضطرَّ إِلَى صيد بالحرم. (ولو اشتبهت ميتةٌ بمذكَّاة، ولم يجد غيرَهما؛ تحرَّى المضطرُّ فيهما) أي: اجتهد وأكل مما يغلب على ظَنِّه أنها المُذَكَّاةُ؛ للحاجة (وحَرُمَتا على غيره) ممَّن ليس بمضطر، كما لو اشتبهت أخته بأجنبيات. (ولو وجد) المضطر (ميتتين مُختَلَفٌ في إحداهما) فقط (أكلها دون المُجمَع عليها) لأن المُختَلَف فيها مباحة على قول بعضِ المسلمين، فإذا وَجَدَها كان واجدًا للمباح على ذلك القول، فتحرم عليه الأخرى؛ ولأنها أخفُّ. (وإن لم يجد) المضطرُّ (شيئًا) مباحًا ولا مُحَرَّمًا (لم يُبَحْ له أكلُ بعض أعضائه) لأنه يتلفه لتحصيل ما هو موهوم. (ومَن لم يجد إلا طعامًا) لم يبذله له مالكُه (أو) لم يجد إلا (ماءً لم يبذله مالكُه، فإن كان صاحبه مضطرًّا إليه، ولو في المستقبل) بأن كان خائفًا أن يضطر (فهو) أي: صاحبه (أحقُّ به) لأنه ساواه فِي الضرورة، وانفرد بالملك، أشبهَ غير حالةِ الاضطرار (إلا النبيَّ ﷺ فكان له أخذُ الماءِ من العَطْشان، ويلزمُ كلَّ أحدٍ أن يقيَه) ﷺ (بنفسِه وماله. وله) ﷺ (طلبُه) أي: الماء من العطشانِ ونحوه؛ لقوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (٢).

стр. 6788

(وليس للمضطر الإيثارُ بالطعام الذي معه في حالِ اضطراره) لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (١). (ولا يجوز لأحدٍ أن يأخذ من المُضطرِّ طعامَه المضطرَّ إليه، فإن أخذه فمات) صاحبُهُ جوعًا (لزمه) أي: الآخذ (ضمانُه) لأنه قتله بغير حق. (وإن لم يكن صاحبه مضطرًّا إليه، لزمه بَذْلُه) للمضطر (بقيمته) لأنه يتعلَّق به إحياءُ نفسِ آدمي معصوم، فلزمه بَذْلُه، كما يلزمه بَذْل منافعه فِي تخليصه من الغرق. (فإن أبى) ربُّ الطعام بَذْلَه (أخذه) المضطرُّ (بالأسهل من شراء أو استرضاء، ولا يجوز قتالُه) حيث أمكن أخذُه بدونه؛ لعدم الحاجة إليه، كدفع الصائل. (فإن أبى) ربُّ الطعام بَذْلَه بالأسهل (أخذه) المضطرُّ (قهرًا) لأنه يستحقه دون مالكه (ويُعطيه) المضطر (عوضه) أي: مثله أو قيمته؛ لئلا يجتمع على مالكه فواتُ العين والمالية. (فإن منعه) أي: منع ربُّ الطعام المضطرَّ من أخذه (فله قتالُه على ما يسدُّ رمقه) لأنه منعه من الواجب عليه، أشبه مانعي الزكاة. (فإن قُتِلَ صاحبُ الطعامِ لم يجب ضمانه) لأنه ظالم بقتاله، أشبه الصائل (وإن قُتِلَ المضطرُّ فعليه) أي: صاحب الطعام (ضمانه) لأنه قَتَله ظلمًا. (ويلزمه) أي: المضطر (عوضه) أي: الطعام (في كلِّ موضعٍ أخذه) لما تقدم.

стр. 6789

(فإن لم يكن) العوض (معه) أي: المضطر (في الحال) بأن كان معسرًا (لزمه) العوض (في ذمته) إذا أيسر؛ للضرورة. (فإن بادر صاحبُ الطعام فباعه، أو رَهَنه) ونحوه (قبل الطلب؛ صَحَّ) تصرفه؛ لأنه مالكٌ تامٌّ الملك، كالشفيع قبل الطلب. (ويستحِقُّ) المضطرُّ (أخذَه من المُرْتَهِن والمُشتري) كالمالك الأول (و) إن كان تصرُّفه (بعدَ الطَّلَبِ، لا يصح البيعُ في الأظهر؛ قاله فِي "القواعد" (١)) قال: كما لو طالبَ الشفيعُ. قال: وقد يفرق بأن الشفيعَ حقه منحصر فِي عين الشقص، وهذا حقّه فِي سدِّ الرمق، ولهذا كان إطعامُه فرضًا على الكفاية، فإذا نقله إِلَى غيره تعلَّق الحقُّ بذلك الغير، ووجب البذلُ عليه. انتهى. ولهذا أطلق أبو الخطَّاب فِي "الانتصار": أنَّه يصح. (ولو بذله) أي: الطعامَ ربُّه للمضطر (بثمنِ مِثْلِهِ، لزمه قُبُولُه، ولو كان معسِرًا) ويعطيه ثمنه إذا أيسرَ. (ولو امتنع المالكُ) لطعام (من البيع) للمضطر (إلا بعقد ربًا، جاز) للمضطر (أخذُه منه قهرًا فِي ظاهر كلام جماعة) لإطلاقهم تحريمَ الربا (فإن لم يَقْدِر) المضطرُّ (على قهره، دخل) معه (فِي العقد) صورةً، كراهة أن يجري بينهما دمٌ (وعزم على ألا يتم عقد الربا) لقوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٢). (فإن كان البيع (٣)) الذي فيه الربا (نَساءً، عزم) المضطرُّ (على أن

стр. 6790

العوض الثابت في الذِّمة قَرْضٌ) تخلّصًا من إتمام الربا (وقال الزركشي: قال بعض المتأخرين: لو قيل: إن له) أي: المضطر (أن يظهر صورة الربا ولا يقاتله) لئلا يجري بينهما دم (ويكون) المضطر (كالمكره) على محرّم؛ لدعاء ضرورته إليه ولا يأثم (فيعطيه من عقد الربا صورته لا حقيقته؛ لكان أقوى) تخلّصًا من القتال؛ لأنه ربما أدى إِلَى قَتْلِ أحدهما. (ف إن لم يجد) المضطرُّ (إلا آدميًّا مَحْقُونَ الدَّم، لم يُبح قتله ولا إتلاف عضوٍ منه، مسلمًا كان) المَحْقُونُ (أو كافرًا) ذميًّا أو مستأمنًا؛ لأن المعصومَ الحيَّ مثلُ المضطر، فلا يجوزُ له إبقاءُ نفسه بإتلافِ مثله. (وإن كان) الآدميُّ (مُباحَ الدم كالحربي، والمرتد، والزاني المُحصَن) والقاتل فِي المحاربة (حَلَّ قتلُه وأكله) لأنه لا حُرمةَ له، فهو بمنزلة السباع. (وكذا) للمضطر أكلُه (بعد موته) لعدم حُرمته. (وإن وجد) المضطرُّ آدميًّا (معصومًا ميتًا، لم يُبح أكله) لأنه كالحي فِي الحُرْمة؛ لقوله ﷺ : "كَسْرُ عَظمِ الميِّتِ ككسرِ عظمِ الحيِّ" (١). (ومن اضطر إلى نَفْعِ مالِ الغير مع بقاء عينه) أي: المال (لدفع بَرْدٍ، أو حَرٍّ، أو) لـ (ـــــاستقاء ماء ونحوه) كالمِقْدَحة (وَجَب) على رَبِّه، (بَذْلُه) للمضطر إليه (مجَّانًا) أي: من غير عوض؛ لأن الله تعالى ذَمَّ على منعه مطلقًا بقوله: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (٢)، بخلاف الأعيان كما تقدم. (وإذا اشتدَّت المَخْمَصة في سَنَة مجاعة، وأصابت الضرورة خَلْقًا كثيرًا، وكان عند بعض الناس قَدْرُ كفايته وكفاية عياله؛ لم يلزمه بَذْلُه

стр. 6791

للمضطرين، وليس لهم) أي: المضطرين (أخذُه منه) لأن الضررَ لا يُزال بالضرر. (وإن لم يبقَ دِرهمٌ مُباحٌ؛ أكَلَ عادَتَه، لا ما له عنه غِنىً، كحَلْوى وفاكهة؛ قاله فِي "النوادر") وجزم بمعناه في "المنتهى" وغيره فِي الغصب (وتقدم في الغصب (١). والترياق) قد تُبْدَل تاؤه دالًا أو طاء (الذي فيه من لحوم الحيّات، أو) فيه شيء من (الخمر مُحرَّم) لأنَّ لَحْمَ الحية والخمر مُحَرَّمان، بخلاف الترياق الخالي منهما فإنَّه يُباح. (ولا يحوز التداوي بشيء مُحَرَّم، أو) بشيء (فيه مُحَرَّم كألبان الأُتُن، ولحم شيء من المُحَرَّمات، ولا بشرب مُسْكِر) لقوله ﷺ : "ولا تَتدَاوَوْا بمحرَّم (٢) " وتقدم فِي الجنائز (٣)، وتقدم (٤): يجوز التداوي ببول إبل. فصل (ومَن مَرَّ بثمرٍ على شجر) ببستان (أو) مرَّ بثمر (ساقط تحته) أي: الشجر (لا حائطَ عليه) أي: الشجر (ولا ناظر) أي: حافظ (ولو) كان المارُّ به (غيرَ مسافر ولا مضطر، فله أن يأكل منه مجَّانًا، ولو لغير حاجة) إِلَى أكله (ولو) أكله (عن غصونه من غير رميه بشيء ولا ضربه، ولا صعود شجرةٍ) لما روى أبو سعيد، أن النبي ﷺ قال: "إذا أتيت حائطَ بستان، فنادِ: يا صاحِبَ البُستانِ، فإنْ أجابكَ، وإلَّا؛ فكُلْ من غيرِ أن

стр. 6792

تُفْسِد" رواه أَحْمد، وابن ماجه (١)، ورجاله ثقات؛ قاله فِي "المبدع" وروى سعيدٌ بإسناده عن الحسن، عن سَمُرة نحوه مرفوعًا (٢)، وفعلَه

стр. 6793

أنسٌ (١)، وعبد الرحمن بن سَمُرة، وأبو برزة (٢)، وهو قول عمرَ (٣) وابن عباس (٤)، وعلم منه أنه لا يجوز له رب بشيء، ولا ضربه (٥)، ولا صعود شجره؛ لأنه يفسده. (واستحبَّ جمَاعة) منهم صاحب "الترغيب" (أن يُنادي) المار (قبل الأكل ثلاثًا: يا صاحبَ البستان، فإن أجابه، وإلا؛ أكل؛ للخبر) السابق. (وكذا يُنادي للماشية) إذا أراد الشربَ من لبنها (ونحوها) كزرع

стр. 6794

قائمٍ قياسًا على الثمرة. (ولا يحمل) من الثمرة إذا مرَّ بها، ولو بلا حائطٍ، ولا ناطورٍ؛ لقول عمر: "يأكلُ ولا يتخد خُبنةً" (١)، وهي بضم الخاء المعجمة: ما يحمله في حِضنه. (ولا يأكل من) ثمر (مجموع مجني (٢)) لإحرازه. (ولا) يأكل من ثمر (ما وراء حائط) أو عليه ناطور؛ لأن إحرازه بذلك يدلُّ على شحِّ صاحبه (إلا لضرورة) بأن يكون مضطرًا، فيأكل للضرورة (مُلتزِمًا عوضَه) لربّه، كغير الثمرِ (وكثمر زرع قائم كبُرٍّ يؤكلُ فريكًا عادة) لأن العادة جارية بأكله رطبا، أشبه الثمر (وباقِلاءَ وحِمِّص أخضرين ونحوهما مما يؤكل رطبًا عادة) لما سبق (ولبن ماشيةِ إذا مر بها كالثمرة) لما روى الحسنُ عن سَمُرةَ مرفوعًا قال: "إذا أتى أحدُكم على ماشية، فإن كان فيها صاحبُها فليستأذنهُ، وإن لم يجبهُ أحد (٣) فليحتلب وليشرب ولا يحمل" رواه الترمذي (٤) وصحّحه، وقال: والعملُ عليه عند بعض أهل العلم. وحديثُ ابنِ عمر -مرفوعًا: "لا يحتلبن أحدٌ ماشية أحدٍ إلا بإذنه" متفق عليه (٥) - يحتمل حملهُ على ما إذا كان عليها حائط أو حافظ، جمعًا بين الخبرين.

стр. 6795

(بخلاف شعير ونحوه) مما لم تَجرِ العادة بأكله رَطبًا، فلا يجوز الأكلُ منه؛ لعدم الإذن فيه شرعًا وعادة. (والأولى في الثمارِ وغيرها) كالزرع، ولبن الماشية (ألا يأكل منها إلا بإذن) خروجًا من الخلاف. (و لا بأس بأكل جُبنِ المجوس وغيرهم من الكفار، ولو كانت إنْفحَّتُه من ذبائِحهم، وكذا الدُّروز والتَّيامنة (١) والنُّصيرية) جيلٌ من الناسِ يتزوجونَ محارِمَهم، ويفعلون كثيرًا من البدع. سئل أحمدُ عن الجُبن، فقال: يؤكل عن كل أحدٍ، فقيل له عن الجبن الذي يصنعه المجوس، فقال: ما أدري (٢)، وذكر أن أصح حديث فيه حديثُ عمرَ "أنه سُئل عن الجبنِ، وقيل له: يعمل فيهِ إنفحّة الميتة، قال: سمُّوا اسمَ الله وَكلُوا" (٣). (ولا يجوز أن يشتري الجوز، ولا البيض الذي اكتسب من القمار؛ لأنهم يأخذونه بغير حق) فلا يملكونه، وكذا كل ما يأخذ (٤) بالقمار. فصل أوَّلُ من أضافَ الضيفَ إبراهيمُ الخليلُ ﵇ (٥)؛ قاله في
следующие страницы →