للمضطرين، وليس لهم) أي: المضطرين (أخذُه منه) لأن الضررَ لا يُزال بالضرر.
(وإن لم يبقَ دِرهمٌ مُباحٌ؛ أكَلَ عادَتَه، لا ما له عنه غِنىً، كحَلْوى وفاكهة؛ قاله فِي "النوادر") وجزم بمعناه في "المنتهى" وغيره فِي الغصب (وتقدم في الغصب (١).
والترياق) قد تُبْدَل تاؤه دالًا أو طاء (الذي فيه من لحوم الحيّات، أو) فيه شيء من (الخمر مُحرَّم) لأنَّ لَحْمَ الحية والخمر مُحَرَّمان، بخلاف الترياق الخالي منهما فإنَّه يُباح.
(ولا يحوز التداوي بشيء مُحَرَّم، أو) بشيء (فيه مُحَرَّم كألبان الأُتُن، ولحم شيء من المُحَرَّمات، ولا بشرب مُسْكِر) لقوله ﷺ : "ولا تَتدَاوَوْا بمحرَّم (٢) " وتقدم فِي الجنائز (٣)، وتقدم (٤): يجوز التداوي ببول إبل.
فصل
(ومَن مَرَّ بثمرٍ على شجر) ببستان (أو) مرَّ بثمر (ساقط تحته) أي: الشجر (لا حائطَ عليه) أي: الشجر (ولا ناظر) أي: حافظ (ولو) كان المارُّ به (غيرَ مسافر ولا مضطر، فله أن يأكل منه مجَّانًا، ولو لغير حاجة) إِلَى أكله (ولو) أكله (عن غصونه من غير رميه بشيء ولا ضربه، ولا صعود شجرةٍ) لما روى أبو سعيد، أن النبي ﷺ قال: "إذا أتيت حائطَ بستان، فنادِ: يا صاحِبَ البُستانِ، فإنْ أجابكَ، وإلَّا؛ فكُلْ من غيرِ أن
стр. 6792
تُفْسِد" رواه أَحْمد، وابن ماجه (١)، ورجاله ثقات؛ قاله فِي "المبدع" وروى سعيدٌ بإسناده عن الحسن، عن سَمُرة نحوه مرفوعًا (٢)، وفعلَه
стр. 6793
أنسٌ (١)، وعبد الرحمن بن سَمُرة، وأبو برزة (٢)، وهو قول عمرَ (٣) وابن عباس (٤)، وعلم منه أنه لا يجوز له رب بشيء، ولا ضربه (٥)، ولا صعود شجره؛ لأنه يفسده.
(واستحبَّ جمَاعة) منهم صاحب "الترغيب" (أن يُنادي) المار (قبل الأكل ثلاثًا: يا صاحبَ البستان، فإن أجابه، وإلا؛ أكل؛ للخبر) السابق.
(وكذا يُنادي للماشية) إذا أراد الشربَ من لبنها (ونحوها) كزرع
стр. 6794
قائمٍ قياسًا على الثمرة.
(ولا يحمل) من الثمرة إذا مرَّ بها، ولو بلا حائطٍ، ولا ناطورٍ؛ لقول عمر: "يأكلُ ولا يتخد خُبنةً" (١)، وهي بضم الخاء المعجمة: ما يحمله في حِضنه.
(ولا يأكل من) ثمر (مجموع مجني (٢)) لإحرازه.
(ولا) يأكل من ثمر (ما وراء حائط) أو عليه ناطور؛ لأن إحرازه بذلك يدلُّ على شحِّ صاحبه (إلا لضرورة) بأن يكون مضطرًا، فيأكل للضرورة (مُلتزِمًا عوضَه) لربّه، كغير الثمرِ (وكثمر زرع قائم كبُرٍّ يؤكلُ فريكًا عادة) لأن العادة جارية بأكله رطبا، أشبه الثمر (وباقِلاءَ وحِمِّص أخضرين ونحوهما مما يؤكل رطبًا عادة) لما سبق (ولبن ماشيةِ إذا مر بها كالثمرة) لما روى الحسنُ عن سَمُرةَ مرفوعًا قال: "إذا أتى أحدُكم على ماشية، فإن كان فيها صاحبُها فليستأذنهُ، وإن لم يجبهُ أحد (٣) فليحتلب وليشرب ولا يحمل" رواه الترمذي (٤) وصحّحه، وقال: والعملُ عليه عند بعض أهل العلم.
وحديثُ ابنِ عمر -مرفوعًا: "لا يحتلبن أحدٌ ماشية أحدٍ إلا بإذنه" متفق عليه (٥) - يحتمل حملهُ على ما إذا كان عليها حائط أو حافظ، جمعًا بين الخبرين.
стр. 6795
(بخلاف شعير ونحوه) مما لم تَجرِ العادة بأكله رَطبًا، فلا يجوز الأكلُ منه؛ لعدم الإذن فيه شرعًا وعادة.
(والأولى في الثمارِ وغيرها) كالزرع، ولبن الماشية (ألا يأكل منها إلا بإذن) خروجًا من الخلاف.
(و لا بأس بأكل جُبنِ المجوس وغيرهم من الكفار، ولو كانت إنْفحَّتُه من ذبائِحهم، وكذا الدُّروز والتَّيامنة (١) والنُّصيرية) جيلٌ من الناسِ يتزوجونَ محارِمَهم، ويفعلون كثيرًا من البدع. سئل أحمدُ عن الجُبن، فقال: يؤكل عن كل أحدٍ، فقيل له عن الجبن الذي يصنعه المجوس، فقال: ما أدري (٢)، وذكر أن أصح حديث فيه حديثُ عمرَ "أنه سُئل عن الجبنِ، وقيل له: يعمل فيهِ إنفحّة الميتة، قال: سمُّوا اسمَ الله وَكلُوا" (٣).
(ولا يجوز أن يشتري الجوز، ولا البيض الذي اكتسب من القمار؛ لأنهم يأخذونه بغير حق) فلا يملكونه، وكذا كل ما يأخذ (٤) بالقمار.
فصل
أوَّلُ من أضافَ الضيفَ إبراهيمُ الخليلُ ﵇ (٥)؛ قاله في
стр. 6796
"الحاشية".
و (تجبُ على المسلم ضيافة المسلم المسافرِ المجتاز، إذا نزلَ به في القرى) لما روى المقدادُ بن أبي كريمة (١) أن النبي ﷺ قال: "ليلةُ الضيفِ واجبةٌ على كل مسلم، فإن أصبح بِفِنائه محرومًا كان دَينًا عليه، إن شاءَ اقتضاه، وإن شاءَ ترك" رواه سعيد، وأبو داود (٢)، وإسناده ثقات، وصحّحه في "الشرح".
وروى أحمد، وأبو داود: "فإن لم يَقرُوهُ فله أن يُعقِبهم بمثلِ قِراهُ" (٣) وفي حديث عقبة: "فإن لم يفعلوا
стр. 6797
فلهم (١) حقُّ الضيفِ الذي ينبغي لهم" متفق عليه (٢).
و (لا) تجب الضيافة في (الأمصار) لأنه يكون فيها السوقُ والمساجدُ، فلا يحتاجُ مع ذلك إلى الضيافة، بخلاف القُرى، فإنه يبعد فيها البيعُ والشراء، فوجبت ضيافة المجتاز -إذا نزل بها- وإيواؤه؛ لوجوب حفظ الناس (مجّانًا) فلا يلزم الضيفَ عوضُ الضيافة (يومًا وليلة) لما روى أبو شُريح الخزاعي مرفوعًا قال: "الضيافة ثلاثةُ أيام، وجائزته يوم وليلة" متفق عليه (٣).
والضيافة (قَدْر كفايتهِ مع أُدْمٍ، وفي "الواضح": لفرسِه تِبْنٌ لا شعير) قال في "الفروع": ويتوجه وجهٌ: كأُدْمِه، وأوجب شيخُنا المعروفَ عادة، قال: كزوجة، وقريب، ورقيق (٤).
(ولا تجبُ) الضيافة (للذمي إذا اجتاز بالمسلم) لأنّه لا يساوي المسلم في وجوبِ الإكرام.
(فإن أبى) المنزولُ به ضيافةَ المسلم (فللضيف طلبه به) أي: بحق ضيافتِه (عند حاكم) لوجوبه عليه كالزوجة (فإن تعذَّر) على الضيف أن
стр. 6798
يحاكمه (جاز له الأخذُ من ماله بقَدْرِ ضيافته) الواجبة (بغير إذنه) لما تقدم.
(وتُسنُّ ضيافتُه ثلاثة أيام) لحديث أبي شُريح الخزاعي (والمرادُ يومان مع اليوم الأول، فما زادَ على الثلاثة، فهو صدقة) لحديث أبي شريح الخزاعي يرفعه قال: "مَن كانَ يؤمن بالله واليومِ الآخرِ، فليكرم ضيفَهُ جائزته، قالُوا: وما جائزتُه يا رسول الله؟ قال: يومه وليلته، والضيافة ثلاثةُ أيامٍ، وما زاد على ذلك فهو صدقةٌ، لا يحل لهُ أن يثوي عندهُ حتى يؤْثِمَه، قيل: يا رسول الله، كيفَ يؤثِمُه؟ قال: يقيمُ عنده وليس عنده ما (١) يَقريه" متفق عليه (٢).
(ولا يجب عليه إنزاله) أي: الضيف (في بيته) لما فيه من الحرج والمشقة (إلا ألّا يجد) الضيفُ (مسجدًا، أو رباطًا ونحوَهما يبيت فيه، ولا يخافُ منه) ضررًا، فيلزمه إنزاله في بيته للضرورة.
(ومن قدَّم لضيفانه طعامًا لم يجز لهم قسمه؛ لأنه إباحة) لا تمليك.
(ويجوزُ للضيف الشرب من كوز صاحبِ البيت، والاتكاء على وسادة) موضوعة لذلك (وقضاء حاجته في مِرحاضِه من غير استئذانٍ باللفظ) لأنه مأذون فيه عُرفًا (كطَرقِ بابه عليه، وطرق حَلْقته) أي: الباب.
(قال الشيخ: من امتنع من الطيبات بلا سبب شرعي، فمذمومٌ مبتدع.
стр. 6799
وما نُقِل عن) الإمام (أحمدَ أنه امتنع من أكل البِطيخ -لعدم علمِه بكيفية أكلِ النبي ﷺ له- كذبٌ) ذكره الشيخُ تقي الدين (١).
وفي "عمدة الصفوة في حل القهوة" لشيخ شيخِنا الجَزِيري (٢) نقلًا عن "تاريخ المَقْرِيزيّ (٣) " المُسمَّى بـ "المُقفَّى" (٤): أنَّ الشيخ أبا علي الحسن بن عيسى بن سراج الناسخ (٥) -وكان من كبار الصالحين- رأى النبي ﷺ في المنام فقال: يا رسول الله كيف يؤكل البِطيخ؟ فقطع شقة وأكلها من جهة اليمين إلى نصفها ثم حوَّلها إلى الجانب الآخر وأكلها حتى فرغت، وقال: هكذا يؤكل البِطيخ. انتهى. ومن المعلومِ أن رؤيا المنامِ لا تثبت بها الأحكامُ، لكنها (٦) استئناسٌ.
стр. 6800
باب الذكاة
قال الزَّجّاج: الذكاةُ: تمامُ الشيء، ومنه الذكاء في السن، وهو: تمامُ السن (١). وسُمي الذبحُ ذكاةً؛ لأنه إتمامُ الزهوق، وأصلُ ذلك قولُه تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (٢)، أي: إلا ما أدركتموه وفيه حياةٌ فأَتْمَمْتُمُوه، ثم استعمل في الذبح سواء كان بعد جرح سابق، أو ابتداء. يُقال: ذَكَّى الشاةَ ونحوها تذكيةً، أي: ذبحها، والاسمُ الذكاةُ، والمذبوحُ ذكي، فعيل بمعنى مفعول.
(وهي) أي: الذَّكاةُ شرعًا (ذبحُ) مقدورٍ عليه (أو نَحْرُ مقدورٍ عليه مباحٍ أكلُه من حيوانٍ يعيش في البر، لا جرادٍ ونحوه) كالجُندُب، والدَّبي، بوزن عصا: الجرادُ يتحرك قبل أن تنبتَ أجنحتُه (٣) (بقطع حلقوم ومَرِيءٍ) ويأتي بيانهما (أو عقرٍ، إذا تعذَّر) قطعُ الحلقوم والمريء.
(فلا يُباح شيءٌ من الحيوان المقدور عليه من الصيد، والأنعام، والطير إلا بالذكاة، إن كان مما يعيش في البر) لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (٢)؛ ولأن الله تعالى حرَّم الميتة، وهي ما زَهَقَت نفسُه بسببٍ غيرِ مباح، أو ليس بمقصودٍ، وما لم يُذَكَّ، فهو ميتةٌ فيحرمُ لذلك (إلا الجراد وشِبْهه) كالجُندُب، فيحلُّ (ولو ماتَ بغير سببٍ، من كَبْسٍ وتغريقٍ.
فأما السَّمك وشِبْهه) من حيوانات البحرِ (مما لا يعيشُ إلا في
стр. 6801
الماءِ، فَيُباحُ بغير ذكاةٍ سواءٌ صاده إنسانٌ، أو نبذَه البحرُ، أو جَزر) الماءُ (عنه، أو حُبِس في الماءِ بحظيرة حتى يموتَ، أو ذكَّاه أو عَقرَه في الماء، أو خارجِه، أو طفا عليه) أي: على الماء؛ لعموم حديثِ ابن عمر مرفوعًا قال: "أُحل لنا ميتتانِ ودمان، فأمَّا الميتتانِ فالحوتُ والجرادُ، وأمّا الدَّمانِ فالكبدُ والطِّحالُ" رواه أحمدُ، وابن ماجه، والدارقطني (١).
(وما كان مأواه البحرَ، وهو يعيشُ في البر -ككلبِ الماء، وطيره، وسُلَحْفاة) أي: الماء (وسرطان، ونحو ذلك- لم يُبح المقدور عليه منه إلا بالتذكية) لأنه لمَّا كان يعيش في البر، لَحِق (٢) بحيوان البر احتياطًا. قال أحمد: كلبُ الماء نذبحُه (٣)، ولا أرى بالسُّلَحْفاة بأسًا إذا ذبح (٤). أما السُّلَحفاة البرية فنقل الدميريُّ عن الرافعي (٥) أنه رجَّح التحريم؛ لأنها خبيثةٌ؛ لأنها تأكلُ الحيَّاتِ، ونقل عن ابن حزم (٦) أنه قال بحلِّها بريةً كانت أو بحرية (٧).
(وذكاةُ السرطان أن يُفعَل به ما يموتُ به) بأن يعقر في أيِّ موضعٍ كان كَمُلْتَوٍ (٨) عنقه.
(وكره) الإمام (أحمد شيَّ السمكِ الحيِّ (٩)) لأن له دمًا؛ ولا حاجةَ
стр. 6802
إلى إلقائه في النار؛ لإمكان تركه حتى يموت بسرعةٍ، ولم يَكره أكلَ السمكِ إذا أُلقي في النار، إنما كره تعذيبه (لا) شيّ (جرادٍ) حيًّا؛ لأنه لا دمَ له، ولا يموتُ في الحال، بل يبقى مدةً (١). وفي "مسند" الشافعي "أنَّ كعبًا كان مُحْرِمًا، فمرَّت به رِجْلُ جراد، فنسي وأخذ جرادتين فألقاهما في النار فشواهما فذكر ذلك لعُمر، فلم يُنكر عمرُ تركهما في النارِ" (٢).
(ويحرم بلعُ السَّمك حيًّا) ذكره ابنُ حزم (٣) إجماعًا. وفي "المغني" و"الشرح": يُكره.
(ويجوز أكلُ الجراد بما فيه، و) أكل (السمك بما فيه، بأن يُقْلى) الجراد أو السمك (أو يُشوى، ويؤكلُ من غير أن يشقَّ جوفُه) ويُخرجَ ما فيه؛ لعمومِ النص في إباحته، وكدودِ الفاكهة تبعًا.
فصل
(ويُشترط للذكاة) ذبحًا كانت أو نحرًا (شروطٌ) أربعة:
(أحدها: أهلية الذابح) أو الناحر، أو العاقر (وهو أن يكون عاقلًا قاصدًا التذكيةَ) لأن التذكيةَ أمرٌ يُعتبر له الدِّينُ (٤)، فَيُعتبر له العقلُ، كالغسل، فتصح ذكاةُ العاقل (ولو) كان (مُكرَهًا) على ذبح ملكه، أو ملكِ
стр. 6803
غيره؛ لأن له قصدًا صحيحًا (أو أقلف، وتُكره ذبيحته) نقل حنبل (١) في الأقلف: لا صلاةَ له ولا حجَّ، هي من تمام الإسلام. ونقل الجماعةُ: لا بأس (٢). قال في "الشرح": وعن أحمد (٢): لا تؤكلُ ذبيحة الأقلف، ورُوي عن ابن عباس (٣). والصحيح: إباحته؛ فإنه مسلمٌ، أشبهَ سائر المسلمين.
(فلو وقعت الحديدةُ على حَلْق شاةٍ، فذبحتها) لم تُبح (أو ضَرَب إنسانًا بسيف؛ فقطع عُنق شاةٍ، لم تُبح) (٤) لعم قصدِ التزكية.
(ولا تُعتبر) لصحة الذكاة (إرادةُ الأكل) اكتفاءً بإرادة التذكية (مسلمًا كان الذابح أو كتابيًّا -ولو حربيًّا- أو من نصارى بني تغلب) لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٥)، قال البخاريُّ: قال ابنُ عباس: "طعامُهم ذبائحهم" (٦). وروى سعيد بإسنادٍ جيد عن ابن مسعودٍ قال: "لا تأكلوا من الذبائح إلا ما ذبح المسلمون وأهل الكتاب" (٧) (ذكرًا) كان الذابح (أو أنثى، حرًّا أو عبدًا) ولو آبقًا (ولو جُنُبًا، وحائضًا،
стр. 6804
ونُفساء، وأعمى، عدلًا أو فاسقًا) لعموم الأدلةِ وعدمِ المخصِّص (والمسلم بالذَّبْحِ أولى من الكتابي) لكماله؛ ولأنه أحوطُ.
(ولا تُباح ذبيحة مَن أحد أبويه كافرٌ غير كتابي) كولد مجوسية من كتابي، فلا تحل ذبيحتُه تغليبًا للتحريم.
(ولا) يُباح (صيده غير سمك ونحوه) من حيوانات البحر، والجراد ونحوه؛ لحل ميتته (ولا زكاة مجنون وسكران، وطفل غير مميز) لأنه لا قصد لهم.
(وتُباح) الذكاة (من مميز ولو دون عشر) سنين؛ لأن له قصدًا صحيحًا، أشبه البالغ.
(ولا) تُباح (ذكاة مرتد، وإن كانت رِدَّته إلى دين أهل الكتاب، ولا مجوسي، ولا وثني، ولا زنديق، وكذا الدروز، والتيامنة (١)، والنُّصَيرية بالشام) لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٢) فمفهومُه تحريم طعام غيرهم من الكفار، وإنما أخذت من المجوس الجزية؛ لأن شُبهة الكتاب تقتضي التحريم لدمائهم، فلما غُلِّب التحريمُ في دمائهم، وجب أن يُغَلَّب عدم الكتاب في تحريم ذبائحهم ونسائهم احتياطًا للتحريم في الموضعين (ويؤكل من طعامهم) أي: المرتد، والمجوسي، والوثني، والزنديق، والدروز، والتيامنة، والنُّصيرية (غير اللحم والدسم) أي: الشحم، والكوارع (٣)، والرؤوس، ونحوها من أجزاءِ الذبيحة؛ لأنها ميتةٌ، وكلُّ أجزائها ميتة.
стр. 6805
(فلو ذبح مَنْ لا تحل ذبيحته) كالمجوسي (حيوانًا لغيره بغير إذنه، ضمنه بقيمته حيًّا) لأنه أتلفه عليه (و) إن كان ذبحه للحيوان (بإذنه) أي: إذن مالكه (لا يضمن) لإذن ربه في إتلافه.
الشرط (الثاني: الآلة، وهو) أي: الذبح بآلة (أن يذبح بآلة محددة تقطع، أو تخرق بحدها، لا) إن قطعت أو خرقت (بثقلها، من حديد كانت) الآلة (أو) من (حَجَر، أو خشب، أو قصب، أو عظم، أو غيره إلا السِّنَّ والظُّفُرَ) فلا يصح الذَّكاة بهما (متصلينِ أو منفصلينِ) لحديث أبي رافع مرفوعًا: "ما أنهر الدَّم فَكُلْ ليس السِّن والظُّفر" متفق عليه (١).
وعن كعب بن مالك عن أبيه (٢) "أنه كانت لهم غنم ترعى بسَلْعٍ، فأبصرت جاريةٌ لنا بشاة من غنمها موتًا، فكسرت حجرًا، فذبحتها به، فقال لهم: لا تأكلوا حتى أسألَ رسول الله ﷺ ، أو أُرسل إليه، فأمرَ مَن يسأله، وأنه سألَ النبي ﷺ عن ذلك، أو أرسل إليه، فأمره أن يأكلها" رواه أحمد، والبخاري (٣). وفيه من الفوائد إباحةُ ذبيحةِ المرأة، والأَمَة، والحائض؛ لأنه ﷺ لم يستفصل، والذبحِ بالحَجَر، وذبح ما خِيف عليه
стр. 6806
الموت، وحِلِّ ما يذبحُه غيرُ مالكه بغير إذنه، وإباحةُ ذبيحةِ الغير عند الخوف عليها.
(فإن ذبح بآلةٍ مغصوبة، أو) بآلةٍ من (ذهب ونحوها) كفضة (حلَّ) المذبوح؛ لأن المقصود إنهار الدم، وقد وُجِدَ.
(ويُباح المغصوب لرَبّه، ولغيره، إذا ذبحه غاصِبُهُ أو غيره، سهوًا أو عمدًا، طوعًا أو كرهًا، ولو بغير إذن رَبِّه) لما تقدم.
الشرط (الثالث: أن يقطع الحُلْقُوم وهو مجرى النَّفَس. قال الشيخ: سواء كان القطع فوق الغَلْصَمَة -وهي الموضع الناتيء من الحَلْق- أو) كان القطع (دونها) أي: الغَلْصَمة (وأن يقطع المَرِيء -وهو البُلْعوم، وهو مجرى الطعام والشراب-) قال عمر: "النحر في اللَّبَّة والحَلْق لمن قدر" (١) احتج به أحمد (٢). وروى سعيد، والأثرمُ عن أبي هريرة قال: "بعث النبي ﷺ بُديل بن ورقاءَ يصيح في فجاجِ مِنًى: ألا إنَّ الذكاة في الحَلْق واللَّبَّة" رواه الدارقطني (٣) بإسناد جيد.
стр. 6807
(فإن أبانهما) أي: الحُلْقوم والمَرِيء (كان أكملَ) للخروج من الخلاف (وإلا) أي: وإن لم يَبِنْهما (صح) الذبح، وحلَّ المذبوح؛ قوَّاه في "الفروع".
(ولا يُشترط قَطْعُ الوَدَجَين، وهما عِرقان محيطان بالحُلْقوم) لأنه قطع في محل الذبح ما لا يبقى الحيوانُ معه، أشبه ما لو قطع الأربعة (والأولى قطعُهما) أي: الوَدَجَين، خروجًا من الخلاف. وروى سعيد بإسنادٍ حسن عن ابن عباس: "إذا أُهرِيق الدَّمُ، وقُطِعَ الوَدَجُ فكُلْ" (١).
(ولا يضرُّ رَفْعُ يدِه) قبل الإتمام (إن أتمَّ الذَّكَاة على الفور) واعتبر في "الترغيب" قطعًا تامًّا، فلو بقي من الحلقوم جلدة، ولم ينفذ القطع، وانتهى الحيوان إلى حركة المذبوح، ثم قطع الجلدة، لم يحلَّ.
(و محل الذكاة الحَلْقُ واللَّبَّة -وهي الوَهْدة التي بين أصلِ العنق والصدر-) لما تقدم (فيذبحُ في الحَلْق، ويَنْحَرُ في اللَّبَّة) واختص الذبح بالمحلِّ المذكور؛ لأنه مجمع العروق، فيخرج بالذبح فيه الدماءُ السيالة، ويسرع زهوق الروح، فيكون أطيبَ لِلَّحْمِ، وأخفَّ على الحيوان.
(ويُسنُّ أن يَنْحَر البعير، ويذبح ما سواه) لأنه ﷺ "نحرَ البُدْنَ وذبحَ كبشين أملحين بيده" متفق عليه (٢).
(فإن عكس) بأن ذبح البعيرَ، ونحَر غيره (أجزأ) لقوله ﷺ : "أنْهِر الدم بما شئت" (٣). وقالت أسماء: "نَحَرْنا فرسًا على عهد رَسُول الله ﷺ
стр. 6808
فأكلناهُ، ونحن بالمدينة" (١). وعن عائشة: "نَحر رسولُ الله ﷺ في حجة الوداع بقرةً واحدة" (٢).
(والنحر أن يطعنَه بمُحَدَّدٍ في لَبَّتِهِ) وتقدمت.
(فإن عَجَزَ) المُذكِّي (عن قَطْعِ الحُلْقوم والمَرِيء مثل أن يَنِدَّ البعيرُ، أو يتردَّى في بئرٍ فلا يقْدِر) المُذكِّي (على ذبحه، صار كالصيد، إذا جَرَحه في أي موضع أمكنه، فقتله؛ حَلَّ أكلُه) رُوي ذلك عن علي (٣)، وابن
стр. 6809
مسعود (١)، وابن عمر (٢)، وابن عباس (٣)، وعائشة (٤)؛ لحديث رافعِ بن خَدِيج قال: "كنَّا مع النبي ﷺ فندَّ بعيرٌ، وكان في القوم خيلٌ يسيرةٌ، فطلبوهُ فأعياهم، فأهوى إليهِ رجلٌ بسهمٍ فحبَسهُ الله، فقال النبي ﷺ : إنَّ لهذه البهائم أوابِدَ كأوابدِ الوحشِ، فما غلبكم منها، فاصنعوا بهِ كذا".
وفي لفظ: "فما ندَّ عليكم فاصنعوا به هكذا" متفق عليه (٥) (إلا أن يموت)
стр. 6810
المعجوزُ عن ذَبْحِه (بغيره) أي: بغير الجرح الذي جرحه (مثل أن يكون رأسُه في الماء، فلا يُباحُ) أكله (ولو كان الجرح مُوَحِّيًا) (١) لحصول قتله بمبيحٍ وحاظرٍ، فيُغلَّب جانبُ الحظر (كما لو جرحه مسلمٌ ومجوسي) أو ذبحاه.
(وإن ذبحها من قفاها، ولو عمدًا، فأتت السكينُ على موضع ذبحها) وهي الحُلْقوم والمَرِيء (وفيها حياةٌ مستقرة؛ أُكِلت) لأن الجرحَ في القفا وإن كان غائرًا تبقى الحياة معه، كأكيلة السَّبُع إذا ذبحت وفيها حياةٌ مستقرة (ويُعلم ذلك) أي: أنَّ فيها حياة مستقرة (بوجود الحركة) بعد قطع الحلقوم والمريء، فهو دليلُ بقاءِ الحياة المستقرة قبله.
(فإن ذبحها من قفاها، وشَكَّ (٢) هل فيها حياةٌ مستقرة -قبل قطع الحلقوم والمريء- أو لا؟ نظر: فإن كان الغالبُ بقاءَ ذلك -لحدّة الآلة وسرعة القطع- أُبيح) أكله (وإن كانت) الآلة (كالَّةً، وأبطأ قطعُه، وطالَ تعذيبه) للحيوان (لم يُبح) أكله؛ لأنه مشكوك في وجود ما يُحِلُّه.
(ولو أبان الرأسَ) من الحيوان المأكول (بالذبح أو بسيف، يريد بذلك الذبيحة؛ أُبيحت) مطلقًا؛ لأن عليًّا قال في من ضربَ رأسَ ثور بالسيف: تلك ذكاةٌ وَحِيَّة (٣). وأفتى بأكلها عمرانُ بن حصين (٤)، ولا
стр. 6811
مخالفَ لهما؛ ولأن ذلك قطع ما لا يعيش معه في محل الذبح، فحلَّت.
(وكل ما وُجِد فيه سببُ الموت كالمنخنقة، وهي التي تُخنَق في حَلْقِها، والموقوذة، وهي التي تُضْرَب حتى تُشْرِف على الموت، والمُتَردِّية، وهي الواقعةُ من عُلْوٍ، والنَّطِيحة، وهي التي نطحتها دابةٌ أخرى، وأكيلةِ السَّبعُ، وهي التي أكل السبعُ بعضَها، والمريضةِ، وما صيد بشبكة، أو أُحْبُولة، أو فَخٍّ، أو أنقذه من مَهْلكة، فذكَّاه وفيه حياةٌ مستقرَّةٌ يُمكِن زيادتُها على حَرَكَةِ) الـ (ـمذبوح، سواء انتهت) المنخنقة ونحوها (إلى حال يعلم أنَّها لا تعيشُ معه، أو تعيش؛ حلَّت) لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (١)؛ ولحديث جارية كعب (٢) (إن تحرَّكت) الذبيحة (بيدٍ، أو رجل، أو طرف عين، أو مَصْعِ ذنب -أي: تحريكه- ونحوه) قاله في "المحرر" و"الوجيز" وغيرهما، وحكاه في "الفروع" قولًا، وقال في "الشرح" و"المبدع": والصحيح أنها إذا كانت تعيشُ زمانًا يكون الموتُ بالذبح أسرعَ منه حلَّت بالذبح. وقال في "المنتهى" و"شرحه": حل أكلُه ولو مع عدمِ تحركه بيد، أو رجل، أو طرف عين، أو مَصْع ذنب ونحو ذلك في الأصح، وقال: والاحتياط ألا يؤكلَ إلا مع تحركٍ ولو بيد، أو رجل، أو طرف عين، أو مَصْع ذنب.
(وسُئل) الإمام (أحمد عن شاةٍ مريضة خافوا عليها الموتَ، فذبحوها، فلم يُعلم منها أكثرُ من أنها طرفت بعينها، أو تحركت يدُها أو رِجْلُها أو ذَنَبُها بضعف، فنهر الدم؟ فقال) أحمد: (لا بأس (٣)).
قلت: مفهوم ما وقع جوابًا لسائل ليس بحجةٍ، فلا يحصُل غرضه
стр. 6812
بالاستدلالِ بذلك.
(وإن لم يبقَ من حياتها) أي: المنخنقة ونحوها (إلا مثلُ حركة المذبوحِ لم تُبَحْ) بالذكاة (لأنه لو ذبح ما ذبحه المجوسُ، لم يُبَح) لأنه صار في حكم الميتة (وما قُطِع حُلْقُومه، أو أُبينت حِشْوته، ونحوُه، فـ) ـهو (في حكم الميتة) لأن وجود حياته (١) كعدمها.
الشرط (الرابع: قول: باسم الله، عند حركة يده) بالذبح أو النَّحْر، أو العقر (لا يقوم غيرُها مَقامَها) كالتسبيح ونحوه؛ لأن إطلاقَ التسمية إنما ينصرف إليها، والأصل في اعتبار التسمية قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ (٢)، والفسق: الحرام، وكان النبي ﷺ إذا ذبح سمَّى" (٣).
(وتجوز) التسميةُ (بغير العربية ولو مع القدرة عليها) أي: على التسمية بالعربية؛ لأن المقصود ذِكرُ الله، وقد حصل، بخلافِ التكبير والسلام، فإنَّ المقصود لفظه.
(ويُسنُّ التكبيرُ معها) أي: مع التسمية (فيقول: باسم الله والله أكبرُ) لما ثبت أنَّه ﷺ "كان إذا ذبحَ قالَ: باسمِ الله والله أكبر" (٤) وكان ابنُ عمر يقولُه (٥)، ولا خلافَ أنَّ قول: باسم الله، يجزئه.
стр. 6813
(ولا تُستحبُّ الصلاةُ على النبي ﷺ عليها) أي: على الذبيحة؛ لعدمِ ورودها (١)؛ ولأنها لا تناسبُ المقام، كزيادةِ: الرحمن الرحيم.
(ف إن كان) المُذكِّي (أخرس، أومأ برأسه إلى السماء، ولو أشار إشارةً تدلُّ على التسمية، وعُلِمَ ذلك) أي: أنه أراد التسمية (كان) فعلُه (كافيًا) لقيام إشارته مقام نُطقه، قال ابنُ المنذر: أجمعَ كلُّ من نحفظُ عنه على إباحةِ ذبيحةِ الأخرس (٢).
(فإن ترك) المُذكِّي (التسميةَ عمدًا، أو جهلًا) منه باعتبارها (لم تُبح) الذبيحة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٣).
(و) إن ترك التسميةَ (سهوًا) فإنها (تُباح) لحديث شدَّاد بن سعد (٤) قال: "قال رسولُ الله ﷺ : ذبيحةُ المسلم حلالٌ وإن لم يُسَمِّ؛ إذا لم يتعمد" رواه سعيد (٥).
стр. 6814
(ويُشترط قَصْدُ التسميةِ على ما يذبَحُه، فلو سمَّى على شاة، وذَبَح غيرَها بتلك التسمية، لم تُبح) الثانية، سواء أرسل الأولى أو ذبحها؛ لأنه لم يقصد الثانية بتلك التسمية.
(وكذا لو رأى قَطيعًا، فَسمَّى وأخذ شاةً) من القطيع (فذبحها بالتسمية الأولى) لم تُبح؛ لأنه لم يقصِدها بالتسمية (ولو جهل عدمَ الإجزاء) فلا يُعذر بالجهل، كما لو أكل في الصوم جاهلًا.
(وقال الموفَّق وجماعة) منهم الشارح: (تكون التسمية عند الذبح أو قريبًا منه، فَصَل بالكلام أوْ لا، كالتسمية على الطهارة) لأن القريب كالمقارن (فلو أضجعَ شاةً ليذبحها، وسَمَّى) الله (ثم ألقى السكين، وأخذ سكينًا أخرى، أو ردَّ سلامًا، أو كلَّم إنسانًا، أو استسقى (١) ماءً ثم ذبح، حَلَّ) إذا لم يطل الفصل؛ لأنه سَمَّى على تلك الشاة بعينها (ويضمن أجير ونحوه) كالمتطوع (تَرك التسمية عمدًا، أو جهلًا) لأنه أتلفها على ربّها، كما لو قَتَلها، واختار في "النوادر" (٢): لغير
стр. 6815
شافعي (١)، يعني: لحلّها له. قال في "الفروع": ويتوجّه تضمينُه النقصَ إن حَلَّت. وعُلم منه: إنْ تركها سهوًا لا ضمانَ؛ لحلّها.
(وإن ذبح الكتابي باسم المسيح أو غيره، لم تُبح) الذبيحة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٢).
(وإذا لم يَعلم أسَمَّى الذابحُ، أم لا، أو) لم يعلم (ذكر اسمَ غير الله أم لا؟ فـ) ـالذبيحة (حلال) لحديث عائشة: "قالوا: يا رسول الله: إن قومًا حديثو عهد بِشرك يأتوننا بلحمٍ لا ندري أَذكروا اسمَ الله أم لم يذكروا؟ قال: سَمّوا أنتم وكلوا" رواه البخاري (٣).
(وتحصُل ذكاةُ جنين مأكول -خرج من بطن أمه بعد ذبحها- بذكاة أُمه، إذا خرج ميتًا، أو متحركًا كحركة المذبوح) سواء (أشْعر) أي: نبت شعره (أو لم يُشْعِر) روي عن علي (٤)، وابن عمر (٥)؛ لحديث جابرٍ مرفوعًا
стр. 6816
قال: "ذكاةُ الجنين ذكاةُ أُمِّه" رواه أبو داود (١) بإسنادٍ جيد، ورواه الدارقطنيُّ من حديث ابن عمر (٢)، وأبي هريرة (٣)، ولأحمد، والترمذي وحسَّنه، وابن ماجه مثلُه من حديث أبي سعيد (٤). قال الترمذي: والعملُ على هذا
стр. 6817
عند أهلِ العلم من أصحابِ النبي ﷺ وغيرهم؛ ولأن الجنينَ متصلٌ بأمه اتصالَ خلقةٍ يتغذى بغذائها، فتكون ذكاتُه بذكاتها، كأعضائها.
وقولُه ﷺ : "ذكاةُ أُمِّه" فيه الرفعُ والنصبُ، فمَن رفع جعله خبرًا لمبتدأ محذوف، أي: هي ذكاةُ أمه، فلا يحتاجُ الجنين إلى تذكية، وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور (١)، ومن نصب، قدّره: كذكاة أمه، فلما حذف
стр. 6818
الجار نصب، فعليه: يفتقر الجنين إلى ذكاة، لكن قدَّره ابنُ مالك في رواية النصب: ذكاة الجنين في ذكاةِ أمه، وهو الموافقُ لروايةِ الرفع المشهورة (١).
قلت: وكذا لو قُدّر: بذكاةِ أمه.
(ويُستحبُّ ذَبْحُه) أي: الجنين (وإن كان ميتًا؛ ليخرجَ الدمُ الذي في جوفِه.
وإن كان فيه) أي: الجنين (حياةٌ مستقرةٌّ، لم يُبح إلا بذبحه) أو نحره؛ لأنه نَفْسٌ أخرى، وهو مستقلٌّ بحياته، ولا يُؤثِّر مُحرَّمُ الأَكلِ -كسِمْعٍ- في ذكاةِ أُمِّه المباحة.
(ولو وَجَأ) أي: ضرب (بطنَ أم جنينٍ مسمّيًا، فأصابَ مَذْبَح الجنين) المباح (فهو مذكًّى، والأمُّ ميتةٌ) لفوات شرطِها، وهو قطعُ الحلقوم والمريء مع القدرةِ على قطعهما، فإن كانت نادّةً حلّا.
فصل
(يُسنُّ توجيه الذبيحة إلى القِبْلة) لما رُوي أنَّ النبي ﷺ لمَّا ضحَّى وجَّه أضحيتَه إلى القِبْلةِ وقال: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ. . .﴾ الآيتين (٢)(٣).
(و) يُسنُّ (كونُ المذبوح على شِقِّه الأيسر، ورِفْقُهُ به، وحملُه على الآلة بقوةٍ، وإسراعُ القطع) لحديثِ شداد بن أوس، عن رسول الله ﷺ :
стр. 6819
"إنَّ الله كتبَ الإحسانَ على كُل شيءٍ، فإن قتلتم فأحسنُوا القِتْلَة، وإذَا ذبحتم فأحسنُوا الذِّبحة، وليحدَّ أحدُكم شفرتهُ، وليرِح ذبيحته" رواه أحمدُ، والنسائي، وابن ماجه (١).
(ويُكره) توجيه الذبيحة (إلى غير القِبْلة) كالأذان؛ لأنه قد يكون قُربة كالأضحية.
(و) يُكره (بآلة كالَّة) لأنه تعذيبٌ للحيوان.
(و) يُكره (أن يُحِدَّ السكين والحيوانُ يُبصِره، أو يذبحَ شاةً وأخري تنظرُ إليه) لما روى ابنُ عمر "أنَّ رسولَ الله ﷺ أمر أن تُحَدَّ الشِّفارُ، وأن تُوارى عن البهائمِ" رواه أحمد وابن ماجه (٢).
стр. 6820
(ويُكره كَسْرُ عُنُقِ المذبوح) حتى تَزهَق نفسُه (و) يُكره (سَلْخه، وقَطْعُ عضو منه، ونَتْفُ ريشه حتى تَزهق نفسُه) لحديث أبي هريرة: "بعث رسول الله ﷺ بُدَيل بن ورقاءَ الخُزَاعي على جملٍ أوْرَق يصيحُ في فجاجِ منًى بكلمات، منها: لا تُعْجِلوا الأنفس أن تَزْهَق، وأيامُ منًى أيام أكلٍ وشُرب وبِعال" رواه الدارقطني (١)، وكسر العنق إعجالٌ لزهوقِ الروح، وفي معناه السلخ ونحوه.
(فإن فعل) أي: كسر عنقه، أو قطع عضوًا منه ونحوه قبل زهوق نفسه (أساء، وأُكِلت) لأن الذكاة تمَّت بالذبح، فما كان بعدها فهو غيرُ معتبر.
(ويُكره نَفْخُ اللحم؛ نصًّا (٢). قال الموفقُ: مرادهم) أي: الأصحاب: اللحمُ (الذي للبيع؛ لأنه غِشٌّ) بخلاف ما يذبحه لنفسِه وينفخه لسهولة السلخ.
(وإن ذبحه فغرق) المذبوح (في ماء) يقتله مثله (أو وطئ عليه شيء يقتله مثله؛ لم يحل) لحديث عَدِيّ بن حاتِمٍ في الصيد: "وإن وقعت في الماء، فلا تأكل" (٣)؛ ولأن ذلك سببٌ يعين على زهوقِ الروح، فيحصل الزهوقُ من سبب مبيحٍ ومحرِّمٍ، فيُغَلَّب التحريم. فإن كان ممَّا لا يقتله مثله -كطيرِ الماء يقعُ فيه أو طيرٍ وقع بالأرض- لم يحرم (وعنه (٤): يحلُّ؛ اختارَه الأكثرُ) وقدَّمها في "الرعاية" وذكر في "الكافي"
стр. 6821
و "الشرح" أنها قولُ أكثرِ أصحابنا، وهي قولُ أكثرِ الفقهاء؛ لحصول ذبحِه، وحصولِ الأسباب المذكورة بعد الموت بالذبح، فلم يؤثر ما أصابه؛ لحصوله بعد الحكم بحله.
قلت: ويؤيدُه ما سبق في كسر عنقه.
(وإن ذبح كتابي ما يحرم عليه يقينًا كذي الظُّفر، وهي الإبل والنعام والبطّ، وما ليس بمشقوقِ الأصابع) لم يحرم علينا؛ لأن قصدَه لحله غيرُ معتبر (أو) ذبح كتابي (ما زعم أنه مُحَرَّم عليه، ولم يثبت عندنا تحريمُه عليه، كحال الرئة ونحوها؛ لم يحرم علينا) لأنه من أهل الذَّكاة وذَبَح ما يحل لنا، أشبهَ المسلم. (ومعناه) أي: حال الرئة (أن اليهود إذا وجدوا الرئةَ لاصقةً بالأضلاع امتنعوا من أكلها زاعمينَ تحريمها، ويسمونها اللازقة، وإن وجدوها غيرَ لاصقة أكلوها.
وإن ذبح) الكتابي (حيوانًا غيره) أي: غير ما يحرم عليه (مما يحل له، لم تحرم علينا الشحومُ المُحَرَّمة عليهم، وهي شحمُ الثَّرْبِ) بفتح الثاء المثلثة وسكون الراء (شحمٌ رقيقٌ يغشى الكَرِش والأمعاء، وشحم الكُلْيتين) واحدهما (١) كُلْية وكُلْوة بضم الكاف فيهما، والجمع كُلْيات وكُلًى.
(ولنا) معشر المسلمين (أن نتملكها) أي: الشحوم المُحَرَّمة عليهم (منهم بما ينقل الملك) من بيع أو نحوه؛ لما روى عبدالله بن المغفّلِ قال: "أصبتُ من الشحم يوم خيبر فالتزمته، فقلْتُ: لا أعطي اليومَ أحدًا شيئًا، فالتفتُّ، فإذا رسول الله ﷺ متبسّمًا" رواه مسلم (٢)؛ ولأنها ذكاة
стр. 6822
أباحت اللحم، فأباحت الشحم، كذكاة المسلم، وكذبح حنفي حيوانًا فتبين حاملًا (١)، وكذبح مالكي فرسًا مُسَمِّيًا عليها (٢).
(والأولى تركُها) أي: الشحوم المُحَرَّمة عليهم، خروجًا من خلافِ مَن حَرَّمه، كأبي الحسن التميمي، والقاضي.
(ولا يحل لمسلم) ولا لغيره (أن يُطْعِمَهم) أي: اليهود (شحمًا من ذبحنا؛ نصًّا (٣)؛ لبقاء تحريمه عليهم) في مِلَّتِهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ. . .﴾ الآية (٤)، وشرعُنا وإن كان نسخ شرعهم كما تقدم (٥) لكن نعاملهم بأحكام مِلَّتِهم ما داموا عليها؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ. . .﴾ الآية (٦)، وتحل ذبيحتنا لهم مع اعتقادهم تحريمها.
(وإن ذبح) الكتابيُّ (لِعبده، أو كنيسته، أو) ذبح (المجوسي لآلهته، أو للزُّهَرة، أو للكواكب، فإنْ ذبحه مسلمٌ مُسميًا فَمُبَاح) لأهلية المذكِّي (وإن ذبحه الكتابيُّ، وسمَّى الله ولم يذكر غيرَ اسمه حلَّ) لأنه من جُملة طعامهم، فدخل في عموم الآية؛ ولأنه قصدَ الذكاة وهو ممن تحِل ذبيحتُه (وكُره) ذَكَره في "الرعاية" للخلاف (وعنه: يحرمُ (٧)، واختاره الشيخ (٨)) لأنه أُهِلَّ به لغير الله. والأولُ هو المعوَّل عليه؛ لأنه رُوي عن
стр. 6823
العِرباض بن سارية (١)، وأبي أمامة (٢)، وأبي الدرداءِ (٣)، وعُلم مما سبق أنه إن ترك التسميةَ عمدًا، أو ذكر غيرَ اسم الله معه أو منفردًا؛ لم يحل.
(و لا تؤكلُ المَصْبُورةُ ولا المُجَثَّمَة) لما روى سعيدٌ بإسنادِه قالَ: "نهى رسُولُ الله ﷺ عَن المُجَثَّمة، وعن أكلها، وعن المصبورةِ، وعن أكلها" (٤) (وهي) أي: المُجَثَّمة (الطائر، أو الأرنب يُجعل غرضًا يُرمى)
стр. 6824
بالسهام (حتى يُقتل) فلا يحل؛ لعدم الذكاةِ (ولكن يُذبح ثم يرموا إن شاؤوا. والمصبورةُ مثلُه إلا أن المُجَثَّمة لا تكون إلا في الطائرِ، أو الأرنب (١) وأشباهها. والمصبورةُ: كلُّ حيوانٍ يحبس للقتل) أي: يحبس ثم يرمى حتى يُقتل.
(ومن ذبح حيوانًا فوجد في بطنه جرادًا أو) وجد (سمكة في حوصلة طائر) أو في بطن سمكة (أو) وجد (حَبًّا في بعر جمل ونحوه) مما يؤكل (لم يحرم) لأنه طعام طاهر وُجِد في محلٍّ طاهر، فلم يحرم؛ ولأنه لم يتغير، أشبهَ ما لو وجدَه ملقًى (وكره) خروجًا من خلاف مَن حَرَّمه؛ لأنه رجيع.
стр. 6825
(ويحرم بولٌ ورَوْثٌ طاهران، وتقدم أول) كتابِ (الأطعمة (١)) لأنه رجيعٌ مستخبَث.
(ويحل مذبوحٌ منبوذ) أي: ملقًى (بموضع يحلُّ ذَبْحُ أكثر أهله، ولو جُهِلت تسمية الذابح) لأنه يتعذَّر الوقوفُ على كلّ ذابح، وعملًا بالظاهر. وتقدم حديثُ عائشة (٢).
(وإسمعيل) بن إبراهيم -على نبينا وعليهما الصلاة والسلام- هو (الذبيحُ على الصحيح) لا إسحاق، كما يدل عليه ظاهرُ الآية، وتشهد به الأخبار (٣).
стр. 6826
كتاب الصيد
стр. 6827
كتاب الصيد
(وهو) في الأصل (مصدر) صاد يصيد، فهو صائد، ثم أُطلق (بمعنى المفعول) أي: المصيد، تسميةً للمفعول بالمصدر.
(وهو) أي: الصيد بالمعنى المصدري (اقتناصُ حيوانٍ، حلالٍ، مُتوحِّشٍ طبعًا، غير مملوك، ولا مقدور عليه).
والمصيد: حيوان مُقتنَص حلالٌ متوحِّشٌ طبعًا غيرُ مملوك، ولا مقدور عليه، فخرج الحرامُ كالذئبِ، والإنسيُّ كالإبل ولو توحَّشت، والمملوك والمقدورُ عليه لكسرِ شيء منه ونحوه.
(وهو) أي: الصيد (مباحٌ لقاصده) إجماعًا؛ لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ (١)؛ وقوله: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ. . .﴾ الآية (٢)، والسنةُ شهيرة بذلك، منها حديثُ عَدِيّ بنِ حاتِمٍ، وأبي ثعلبة؛ متفق عليه (٣).
стр. 6828
(ويُكره) الصيدُ (لهوًا) لأنه عبث.
(وإن كان فيه) أي: الصيد (ظلمُ الناس بالعدوان على زروعهم، وأموالهم فـ) ـهو (حرام) لأن الوسائل لها أحكام المقاصد.
(وهو) أي: الصيد (أفضلُ مأكول) لأنه حلال لا شُبهة فيه.
(والزراعةُ أفضل مكتَسَبٍ) لأنها أقربُ إلى التوكل من غيرِها، وأقرب للِحل، وفيها عمل اليد والنفع العام للآدمي والدواب، ولا بد أن يؤكل عادة من الزرع بلا عوض.
(وقيل: عمل اليد) قال المرُّوذي (١): سمعت أحمد -وذكرَ المطاعمَ- يفضّلُ عملَ اليد. انتهى؛ لحديث: "أفضلُ الكسبِ عملُ الرَّجلِ بيدهِ، وكُلُّ بيعٍ مبرور" رواه أحمد وغيرُه (٢). ومعنى مبرور: لا
стр. 6829
غِشَّ فيه، ولا خيانة، وروى البخاري (١) عن المقدام مرفوعًا: ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده.
(وقيل): أفضل المكاسبِ (التجارةُ) قال في "الرعاية الكبرى": أفضل المعاش التجارةُ. انتهى. ويؤيده ما سبق من حديث أحمد. وإن جعلتَ الكلام على معنى: من أفضلِ، فلا تعارض، أو أنه يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال.
(وأفضلها) أي: التجارة (في بَزٍّ، وعطرٍ، وزرعٍ، وفرسٍ، وماشية) لبعدها عن الشُّبهةِ والكذب.
(وأبغضها) أي: التجارة (في رقيقٍ وصَرْف) للشُّبهة.
(ويُسنُّ التكسُّب ومعرفةُ أحكامه حتى مع الكفايةِ التامة؛ قاله في "الرعاية") لقوله تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ (٢)، ويُرشِد إليه قولُه ﷺ : "كالطيرِ تَغدُو خِماصًا، وتعودُ بِطانًا" (٣). والأخذُ
стр. 6830
في الأسبابِ من التوكل، فلا يعتقد أن الرزق من الكسب، بل من الله تعالى بواسطة.
(وقال) صاحبُ "الرعاية" (-أيضًا- فيها: يُباح كسبُ الحلال لزيادة المالِ، والجاه، والترفُّهِ، والتنعُّم، والتوسِعَةِ على العيالِ، مع سلامة الدِّين، والعِرْض، والمُروءَةِ، وبراءة الذِّمة) لأنه لا مفسدةَ فيه إذًا.
(ويجب) التكسُّب (على مَن لا قوتَ له، ولا لمن تلزمُه مُؤنَتُه) لحفظ نفسه. قلت: وكذا على مَن عليه دين واجب لأدائه.
(ويُقدَّم الكسبُ لعياله على كلِّ نَفْلٍ) لأن الواجبَ مُقدَّمٌ على التطوع.
(ويُكره تَرْكُه) أي: التكسُّب (والاتكالُ على الناس، قال أحمدُ: لم أرَ مثلَ الغِنى عن الناس (١). وقال في قوم لا يعملون ويقولون نحن متوكلون: هؤلاء مبتدعةٌ (٢)) لتعطيلهم الأسبابَ.