كتاب الصيد
(وهو) في الأصل (مصدر) صاد يصيد، فهو صائد، ثم أُطلق (بمعنى المفعول) أي: المصيد، تسميةً للمفعول بالمصدر.
(وهو) أي: الصيد بالمعنى المصدري (اقتناصُ حيوانٍ، حلالٍ، مُتوحِّشٍ طبعًا، غير مملوك، ولا مقدور عليه).
والمصيد: حيوان مُقتنَص حلالٌ متوحِّشٌ طبعًا غيرُ مملوك، ولا مقدور عليه، فخرج الحرامُ كالذئبِ، والإنسيُّ كالإبل ولو توحَّشت، والمملوك والمقدورُ عليه لكسرِ شيء منه ونحوه.
(وهو) أي: الصيد (مباحٌ لقاصده) إجماعًا؛ لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ (١)؛ وقوله: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ. . .﴾ الآية (٢)، والسنةُ شهيرة بذلك، منها حديثُ عَدِيّ بنِ حاتِمٍ، وأبي ثعلبة؛ متفق عليه (٣).
стр. 6828
(ويُكره) الصيدُ (لهوًا) لأنه عبث.
(وإن كان فيه) أي: الصيد (ظلمُ الناس بالعدوان على زروعهم، وأموالهم فـ) ـهو (حرام) لأن الوسائل لها أحكام المقاصد.
(وهو) أي: الصيد (أفضلُ مأكول) لأنه حلال لا شُبهة فيه.
(والزراعةُ أفضل مكتَسَبٍ) لأنها أقربُ إلى التوكل من غيرِها، وأقرب للِحل، وفيها عمل اليد والنفع العام للآدمي والدواب، ولا بد أن يؤكل عادة من الزرع بلا عوض.
(وقيل: عمل اليد) قال المرُّوذي (١): سمعت أحمد -وذكرَ المطاعمَ- يفضّلُ عملَ اليد. انتهى؛ لحديث: "أفضلُ الكسبِ عملُ الرَّجلِ بيدهِ، وكُلُّ بيعٍ مبرور" رواه أحمد وغيرُه (٢). ومعنى مبرور: لا
стр. 6829
غِشَّ فيه، ولا خيانة، وروى البخاري (١) عن المقدام مرفوعًا: ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده.
(وقيل): أفضل المكاسبِ (التجارةُ) قال في "الرعاية الكبرى": أفضل المعاش التجارةُ. انتهى. ويؤيده ما سبق من حديث أحمد. وإن جعلتَ الكلام على معنى: من أفضلِ، فلا تعارض، أو أنه يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال.
(وأفضلها) أي: التجارة (في بَزٍّ، وعطرٍ، وزرعٍ، وفرسٍ، وماشية) لبعدها عن الشُّبهةِ والكذب.
(وأبغضها) أي: التجارة (في رقيقٍ وصَرْف) للشُّبهة.
(ويُسنُّ التكسُّب ومعرفةُ أحكامه حتى مع الكفايةِ التامة؛ قاله في "الرعاية") لقوله تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ (٢)، ويُرشِد إليه قولُه ﷺ : "كالطيرِ تَغدُو خِماصًا، وتعودُ بِطانًا" (٣). والأخذُ
стр. 6830
في الأسبابِ من التوكل، فلا يعتقد أن الرزق من الكسب، بل من الله تعالى بواسطة.
(وقال) صاحبُ "الرعاية" (-أيضًا- فيها: يُباح كسبُ الحلال لزيادة المالِ، والجاه، والترفُّهِ، والتنعُّم، والتوسِعَةِ على العيالِ، مع سلامة الدِّين، والعِرْض، والمُروءَةِ، وبراءة الذِّمة) لأنه لا مفسدةَ فيه إذًا.
(ويجب) التكسُّب (على مَن لا قوتَ له، ولا لمن تلزمُه مُؤنَتُه) لحفظ نفسه. قلت: وكذا على مَن عليه دين واجب لأدائه.
(ويُقدَّم الكسبُ لعياله على كلِّ نَفْلٍ) لأن الواجبَ مُقدَّمٌ على التطوع.
(ويُكره تَرْكُه) أي: التكسُّب (والاتكالُ على الناس، قال أحمدُ: لم أرَ مثلَ الغِنى عن الناس (١). وقال في قوم لا يعملون ويقولون نحن متوكلون: هؤلاء مبتدعةٌ (٢)) لتعطيلهم الأسبابَ.
стр. 6831
وقال القاضي: الكسبُ الذي لا يُقصد به التكاثرُ، وإنما يقصدُ به التوسُّلُ إلى طاعة الله -من صلةِ الإخوان، أو التعفُّفِ عن وجوهِ الناس- فهو أفضلُ، لما فيه من منفعةِ غيرهِ، ومنفعةِ نفسه، وهو أفضلُ من التفرُّغِ إلى طلب العبادةِ من الصلاةِ، والصومِ، والحج، وتعلُّمِ العِلْم؛ لما فيه من منافعِ الناس، و"خيرُ الناسِ أنفعُهم للناس" (١).
стр. 6832
(وأفضلُ الصنائعِ خياطةٌ. وكلُّ ما نُصِحَ فيه فهو حسن؛ نصًّا (١)) قال في "الآداب الكبرى": يجبُ النصح في المعاملةِ، وكذا في غيرِه (٢)، وترك الغش.
(وأدناها) أي: الصنائع (حياكةٌ وحجامةٌ، وأشدُّها كراهةً صبْغٌ وصياغةٌ وحدادةٌ ونحوها، ويُكره كسبُهم) للخبرِ في الحجامةِ (٣)، وقياس الباقي عليها؛ لأنه في معناه (٤).
(و) يُكره (كسب الجَزَّار؛ لأنه يوجب قساوة قلبه.
و) يُكره كسبُ (مَن يُباشِرُ النجاسات، والفاصد، والمُزَيّن، والجرائحي، والخَتَّان، ونحوهم ممن صنعته دنيئةٌ) لأن ذلك في معنى الحجامة (قال في "الفروع": والمراد مع إمكان أصلح منها، وقاله ابنُ عقيل) قال في "الاختيارات" (٥): وإذا كان الرجل محتاجًا إلى هذا الكسب ليس له ما يُغنيه عنه إلا المسألة للناسِ، فهو خير له من مسألة الناس، كما قال بعضُ السلف: كسبٌ فيه دناءةٌ خيرٌ من مسألة الناس (٦). انتهى.
стр. 6833
قلت: وتقدم في الجهاد (١) أن الصنائع فرضُ كفاية، فينبغي لكل ذي صناعة أن ينوي بها القيام بذلك الفرض لتنقلب طاعة ويثاب عليها؛ لحديث: "إنما الأعمالُ بالنِّياتِ" (٢).
(ويُستحبُّ الغرسُ والحَرْثُ) أي: الزرع (واتخاذُ الغنمِ) للخبر (٣).
(وإن رمى صيدًا، فأثبته) بأن صار غير ممتنع (مَلَكه) المثبت له؛ لحيازته له.
(ثم إن رماه آخر فقتله، فإن كانت رميةُ الأول مُوَحِّيَةً (٤)، بأن نحرته، أو ذبحته، أو وقعت في حُلْقومه، أو قلبه، وجراحة الثاني غير مُوَحِّيَة) حَلَّ (أو أصاب) الثاني (مذبحه، أو نَحَرَته؛ حَلَّ) لأنه ذكي (ولا ضمان على الثاني إلا ما نقصه من خرق جلده ونحوه) لأنه لم يتلف سوى ذلك المحل.
(وإن كان) الجرح (الأول غير مُوَحٍّ، حَرُم). لأنه صار مقدورًا عليه بإثبات الأول، فلم يُبح إلا بذبحه، ولم يوجد.
(ويَغْرَمُ) الثاني (قيمَته للأول مجروحًا بالجرح الأول) لأنه أتلفه
стр. 6834
عليه كذلك حتى ولو أدرك الأول ذكاته فلم يُذَكِّه (إلا أن تَنْحَرَه رميتُه) أي: الثاني (أو تذبَحَه، أو يدْرَك) الصيد و (فيه حياة مستقرة؛ فيذكَّى؛ فيحِلَّ) لأنه ذكي.
(وإن كان المرميُّ قنًّا، أو شاةً للغير، ولم يُوَحِّياه) أي: الجرحان (وسَرَيا) إلى النفس (فعلى الثاني نصف قيمته) أي: القِن أو الشاة (مجروحًا بالجرح الأول) اعتبارًا بحال جنايته (ويُكمِلها) أي: القيمة حال كون القِنّ المجروح، أو الشاة (سليمًا) الجارحُ (الأول) لأنه وقتَ جنايته كان كذلك.
(وإن رميا) أي: الصائدان، مع أهلية كل منهما وتسميته (الصيدَ معًا فقتلاه، كان) الصيد (حلالًا) كما لو اشتركا في ذبحه (وملكاه بينهما) نصفين لاشتراكهما في إصابته، سواء تساوى الجرحان أو تفاوتا.
(فإن كان جُرحُ أحدهما) أي: الصائدين معًا (مُوَحِّيًا، و) الجرح (الآخر غير مُوَحٍّ ولا يثبته) أي: الصيد (مثله) أي: مثل ذلك الجرح (فهو) أي: الصيد (١) (لصاحب الجرح المُوَحِّي) لانفراده بإثباته.
(وإن أصابه أحدُهما بعد صاحبه، فوجداه ميتًا، ولم يُعلم هل صار بـ) ـالجرح (الأول ممتنعًا، أو لا؛ حلَّ) لأن الأصل بقاء امتناعه (ويكون) ملكه (بينهما) لأن تخصيص أحدهما به ترجيحٌ بلا مرجح.
(فإن قال كلٌّ منهما: أنا أثبتُّه، ثم قتلْتَهُ أنت) فتضمنه (حَرُم) لإقرار كلٍّ منهما بتحريمه (ويتحالفانِ لأجل الضمان) لأن كلًّا منهما منكِرٌ لما يدعيه صاحبه، والأصل براءة ذمة كلٍّ منهما للآخر.
(وإن اتفقا على الأول منهما) أي: على أن زيدًا مثلًا رماه أولًا
стр. 6835
(فقال الأول: أنا أثبتُّه، ثم قَتَله الآخرُ)، فَحَرُمَ وعليه ضمانه (وأنكر الثاني إثبات الأول له فالقولُ قول الثاني) لأنه الأصل (ويحرم) المصيد (على الأول) لاعترافه بتحريمه (والقول قول الثاني في عدم الإثبات) لأنه الأصل (مع يمينه) لاحتمال صدق الأول.
(وإن عُلِمت جراحة كلٍّ منهما) أي: الأول والثاني بعينها (و) عُلِم (أن جراحة الأول لا يبقى معها امتناع، مثل كَسْر جناح الطائر، أو) كَسْر (ساق الظبي؛ فالقول قولُ الأول) أنه أثبته (بغير يمين) لأنه لا يحتمل غير ذلك.
(وإن عُلِم أنه) أي: جراح الأول (لا يُزيل الامتناع، مثل خَدْشِ الجِلْدِ؛ فقول الثاني) بغير يمين؛ لما سبق.
(وإن احتمل) جراح الأول (الأمرين) أي: إزالة الامتناع وعدمها (فقوله) أي: الثاني (أيضًا) بيمينه؛ لأن الأصلَ عدم الامتناع.
(ولو رماه) صائد (فأثبته، ثم رماه) ذلك الصائد (مرةً أخرى، فقتله؛ حَرُم) لأنه صار مقدورًا عليه بالمرة الأولى، فلم يحل إلا بذبحه.
قلت: فإن كانت الأولى مُوَحِّيةً، أو أصابت الثانية مَذْبَحه؛ حَلَّ، كما لو كانت الرميةُ الثانيةُ من صائد آخر، كما تقدم.
فصل
(وإن أدرك الصيدَ، وفيه حياةٌ غيرُ مستقرة، بل) وجده (متحركًا كحركة المذبوح، فهو كالميتةِ لا يحتاج إلى ذكاة) لأن عَقْرَه ذكاةٌ له، فيحل بالشروط الأربعة الآتية.
стр. 6836
(وكذا لو كان) الصيد (فيه حياةٌ مُستقرَّة فوق حركة المذبوح، ولكن لم يتسع الوقت لتذكيته) فيحل بالشروط الأربعة؛ لأنه بعدم الاتساع لتذكيته غيرُ مقدور على تذكيته، فأشبه ما لو وجده ميتًا.
(وإن اتَّسع الوقت لها) أي: لتذكيته (لم يُبح) الصيد (إلا بها) أي: بتذكيته؛ لأنه مقدورٌ عليه، أشبه سائرَ ما قدر على ذكاته.
(فإن خَشِي موته، ولم يجد ما يذكّيه به؛ لم يُبح -أيضًا-) لأنه حيوانٌ لا يُباح بغير التذكية إذا كان معه آلة الذكاة، فلم يُبح بغير التذكية إذا لم تكن معه آلةُ الذكاة، كسائر المقدور على تذكيته (١). وقال القاضي وعامة أصحابنا: يحلُّ بالإرسال؛ قاله في "التبصرة" أي: إرسال الصائد عليه ليقتله.
(ولو اصطاد بآلةٍ مغصوبة) من فخٍّ، أو شبكةٍ، أو نحوها (فالصيدُ لمالكها) وكذا لو صاد على الفرس المغصوب، أو صاد القِنُّ المغصوبُ، أو غنم الفرس المغصوب، وتقدم في الغصب (٢).
(ولو امتنع الصيدُ على الصائدِ من الذَّبْح، بأن جعل يعدو منه حتى ماتَ تعبًا؛ حلَّ) ذكره القاضي؛ لأنه بامتناعه بالعدوِ صارَ غيرَ مقدورٍ على تذكيته، أشبه ما لو وجده ميتًا، واختار ابنُ عقيل: لا يحل؛ لأنه إتعاب (٣) يُعينُه على الموت، فصار كما لو وقعَ في ماء.
(وإن أدرك الصيد ميتًا؛ حَلَّ) لأن الاصطيادَ أُقيمَ مقامَ الذكاة، والجارح له آلةٌ كالسكين، وعَقْرُه بمنزلة قطع الأوداج (بشروط أربعة،
стр. 6837
أحدها: أن يكونَ الصائد من أهل الذَّكاة) أي: ممَّن تحل ذبيحته ؛ لقوله ﷺ : "فإنَّ أخْذَ الكلبِ ذكاةٌ" متفق عليه (١)، والصائدُ بمنزلة المُذَكِّي، فيشترط فيه الأهلية (ولو) كان الصائدُ (أعمى) خلافًا لابن حمدان، قال: لا يحل (٢)؛ لتعذُّر قصده صيدًا معينًا (وتقدمت شروطها) أي: الذكاة في بابها (إلا ما لا يفتقرُ إلى ذكاةٍ كحوتٍ وجرادٍ، فَيُباح إذا صاده مَن لا تُباحُ ذبيحته) من مجوسي ونحوه؛ لأنه لا ذكاةَ له، أشبه ما لو وجده ميتًا.
(فإن رمى مسلم) أو كتابيٌّ (وغيرُ كتابي) كمجوسي ووثني ودُرْزِي (أو متولِّد بينه) أي: بين غير كتابي (وبين كتابي) كولد مجوسية من كتابي (صيدًا، أو أرسلا عليه جارحًا، أو شارك كلبُ مجوسيٍّ كلبَ مسلمٍ في قتله) أي: الصيد (لم يحل) الصيدُ (سواء وقع سهماهما فيه دفعةً واحدة، أو) وقع فيه سهم (أحدهما قبل الآخر) لقوله ﷺ : "إذا أرسلتَ كلبكَ المُعلَّم، وذكرتَ اسم الله عليه فكُلْ، وإن وجدت معه غيره فلا تأكل، إنَّما سمَّيت على كلبك، ولم تُسَمِّ على غيره" متفق عليه (٣)؛ ولأنه اجتمعَ في قتله مبيحٌ ومُحَرِّم، فغلَّبنا التحريمَ، كالمتولِّد بين مأكول (٤) وما لا يؤكل؛ ولأن الأصلَ الحظرُ (٥)، فإذا لم يُعلم المبيح رُدَّ إلى أصله.
стр. 6838
(لكن لو أثخنه كلبُ المسلمِ) أو الكتابي (ثم قتله) كلبُ (الآخرِ) أي: المجوسي ونحوه (وفيه) أي: الصيدِ (حياةٌ مستقرَّة؛ حَرُم) الصيد؛ لعدم ذكاته (ويضمنه) أي: المجوسيُّ ونحوه (له) أي: للمسلم؛ لأنه أتلفه عليه.
(فإن أصاب سهمُ أحدهما مقتلَه دون الآخر، مثل أن يكون الأول قد عَقَره مُوَحِّيًا، مثل أن ذبحه أو جعله في حكم المذبوح، ثم أصابه الثاني وهو) أي: جُرْحُه (غير مُوَحٍّ، فالحكمُ للأول، فإن كان الأول المسلم؛ أُبيح) الصيد؛ لأنه ذُكِّيَ من أَهْلٍ، وكذا لو كان كتابيًّا (وإن كان) الأول (المجوسي؛ لم يُبح) الصيد، كذبيحته.
(وإن كان الجرح الثاني موَحِّيًا -أيضًا- فـ) ـالصيد (مباح إن كان الأول مسلِمًا) أو كتابيًّا مسمِّيًا (لأن الإباحة حصلت به) فلم يؤثّر فعل الثاني.
(وإن كان الأول غير مُوَحٍّ و) الجرح (الثاني مُوَحٍّ، فالحكم للثاني في الحظر) إن كان الثاني مجوسيًّا أو نحوه (والإباحة) إن كان مسلمًا أو كتابيًّا مسميًا؛ لأن الإباحة حصلت به.
(وإن رد كلبُ المجوسيِّ الصيدَ على كلب المسلم، فقتله) كلبُ المسلم (حَلَّ) الصيدُ؛ لأن جارح المسلم انفرد بقتله، فأُبيح، كما لو رمى المجوسي سهمَه فردَّ الصيدَ، فأصابه سهمُ المسلم فقتله، أو أمسك المجوسيُّ شاةً فذبحها مسلم.
(وإن صاد المسلمُ بكلب المجوسي، حَلَّ صيده) لأن الاعتبار بالصائد، والكلبُ آلةٌ، أشبه ما لو صادَه بفرسه وسهمه (وكُرِهَ) في قول
стр. 6839
جماعة، منهم جابر (١)، والحسن (٢)، ومجاهد (٣)، والنخعيُّ (٤)، والثوري (٥)، وقال في "المبدع": وهو غيرُ مكروه؛ ذكره أبو الخطاب، وأبو الوفاء، وابن الزاغوني.
(وعكسه) بأن صاد المجوسيُّ بكلب المسلم (٦) (لا يحل) لعدمِ أهليةِ الصائد للذكاة.
(وإن أرسل المسلمُ) أو الكتابي (كلبًا فزجره المجوسيُّ) أو نحوه (فزاد عدوه؛ حَلَّ صيدُه) لأن الصائدَ له هو المسلمُ، أو الكتابي وهو من أهل الذكاة (وعكسه) بأن أرسلَ المجوسيُّ ونحوه كلبًا فزجره المسلم (لم يحِلَّ) صيدُه؛ لأن الصائد ليس من أهل الذكاة؛ إذ العبرة بالإرسال.
(ولو وجد) المسلم أو الكتابي (مع كلبه كلبًا آخر، وجهل) المسلم، أو الكتابي (حاله) أي: الكلب الآخر (هل سمَّى عليه أم لا؟ وهل استرسل بنفسه أم لا؟ أو جهل حال مرسلِه: هل هو من أهل الصيد) أي: مسلم أو كتابي (أم لا؟ ولا يعلم أيهما) أيْ: أيُّ الكلبين (قتله، أو علم أنهما) أي: الكلبان (قتلاه معًا، أو علم أن) الكلب (المجهول هو القاتل) للصيد وحده (لم يُبح) الصيد؛ لقوله ﷺ : "وإن وجدتَ معهُ غيرَهُ فلا تأكُل، إنّما سميتَ على كلبِكَ ولمْ تُسمِّ على غيرِه" متفق عليه (٧)
стр. 6840
وتغليبًا للحظر؛ لأنه الأصل (١)، كما تقدم.
(وإن عَلِمَ حالَ الكلب الذي وجده) المسلم أو الكتابي (مع كلبه، و) علم (أن الشرائط المعتبرة قد وُجِدت فيه) بأن كان معلّمًا، وأرسله مسلم، أو كتابي مسميًا (حلَّ) الصيد، كما لو ذبحاه معًا؛ ولمفهومِ الحديث السابق.
(ثم إن كان الكلبان قتلاه معًا فهو) أي: الصيد (لصاحبيهما) أي: صاحبي الكلبين؛ لأن تقديم أحدهما ترجيحٌ بلا مرجّح.
(وإن عُلِمَ أن أحدَهما قتله) وحده (فهو لصاحبه) أي: صاحب الجارح الذي قتله؛ لأنه الصائد له.
(وإن جُهِل الحال) فلم يُعلم هل انفرد أحدهما أو اشتركا (حَلّ أكلُه) لأهلية الصائدين.
(ثم إن كان الكلبان مُتعلِّقين به، فهو) أي: الصيد (بينهما) أي: بين صاحبي الجارحين؛ لأن الظاهر أن جارحيهما قتلاه.
(وإن كان أحدُهما) أي: أحد الكلبين (مُتعلِّقًا به) وحده (فهو) أي: الصيد (لصاحبه) أي: صاحب الجارح المتعلق به؛ لأن الظاهر أنه هو الذي قتله (وعلى مَن حُكم له به اليمين) بطلب رفيقه؛ لاحتمال أن يكون لصاحب الجارح الآخر، أو له فيه شرك.
(وإن كان الكلبان) واقفين (ناحية) عن الصيد (وُقِف الأمر حتى يصطلحا) لأنه ليس أحدهما أَولى به من الآخر.
(فإن خيف فساده) أي: الصيد ببقائه على حاله (بِيع) أي: باعه
стр. 6841
الحاكم (واصطلحا على ثمنه) لتعذُّر القضاء به لواحد منهما.
(والاعتبار بأهلية الرامي) للسهم (وسائر الشروط) من كونه مسلمًا أو كتابيًّا، والتسمية (حال الرمي) للسهم (فإن) رماه وهو أهلٌ ثم (ارتدَّ) بعد رميه (أو مات بعد رميه، وقبل إصابته؛ حَلَّ) اعتبارًا بحال الرامي (١)، وعكسه بأن رماه مرتدًّا أو مجوسيًّا ثم أسلم قبل الإصابة لم يحِلَّ.
فصل
(الشرط الثاني: الآلة، وهي نوعان: أحدهما محدد (٢)، فيشترط له) أي: للمحدد (ما يشترط لآلة الذكاة) لأن جرحه قائم مقام ذكاته، فاعتُبر له ما يُعتبر في آلة الذكاة.
(ولا بدَّ من جَرْحِه) أي: الصيد (به) أي: بالمحدد (فإن قتله بثقله؛ لم يُبح، كشبكة، وفَخٍّ، وبُنْدُقة، وعصًا، وحَجَر لا حدَّ له، ولو شَدَخه، أو خَرَقه، أو قطع حُلْقُومه ومريئه.
فإن كان له) أي: الحجر (حدٌّ كصَوَّان، فكمِعْراض) إن قتله بحَدّه، حلَّ، وإن قتله بعرضه، لم يحِلَّ.
(وإن صاد بالمِعْراض، وهو عود مُحَدَّد، وربما جُعلَ في رأسه حديدةٌ، أكل ما قتلَ بحدّه دون عرضه) نصَّ عليه (٣)؛ لقوله ﷺ لعَدِي بن حاتِمٍ: "ما رميتَ بالمِعْراضِ فخرق فكُلْهُ، وإن أصابه بعَرْضه فلا تأكلهُ"
стр. 6842
متفق عليه (١). وفي لفظ له رواه أحمد قال: "قال رسول الله ﷺ : إذا رميت فسميت فخزقت فكُلْ، وإن لم تخزق فلا تأكل من المِعْراضِ إلا ما ذكيت، ولا تأكل من البندق إلا ما ذكيت" (٢).
(وكذا سهمٌ ورمحٌ وحربةٌ وسيف ونحوه) كسكين (يضرب به صفحًا فيقتل، فكلُّه حرام) لما تقدم في المعراض؛ لأن القتلَ إذًا يكون بثقله لا بحده (وكذا إن أصاب) السهم أو نحوه الصيد (بحدّه، فلم يجرح) الصيد (وقتلـ) ـــه (بثقله) فلا يحِلّ، كقتل المِعْراض بثقله؛ لأن عِلَّة الحِلّ الجرحُ، وحيث لم يوجد؛ لم يحل الصيد.
(وإن نصب مناجل، أو) نصب (سكاكين) للصيد (وسَمَّى عند نصبها، فقتلت صيدًا، ولو بعد موت ناصب (٣) أو رِدَّته) اعتبارًا بوقت النصب؛ لأنه كالرمي (أُبيح) الصيد (إن جرحه) المنصوبُ من سكين، أو منجل، روي عن ابنِ عمر (٤)؛ لأن النصبَ جرى مجرى المباشرةِ في الضمان، فكذا في الإباحة؛ ولقوله ﷺ : "كُلْ ما رَدَّت عليكَ يدُك" (٥)؛
стр. 6843
ولأنه قتلَ الصيدَ بما له حدٌّ جرتِ العادة بالصيد به، أشبهَ ما لو رماه، وفارقَ ما إذا نصب سكينًا؛ فإنَّ العادة لم تجرِ بالصيد بها؛ ذكره في "المبدع" مع أن عبارةَ "المنتهى": مَن نصبَ منِجلًا أو سكينًا. لكنَّ عبارةَ "المقنع" بالجمع كالمصنفِ، ولم يُغَيّرها في "التنقيح"، ولا تعرض لمفهومها في "الإنصاف" (١).
(وإلا) أي: وإن لم يجرحه ما نصبَه من مناجل، أو سكاكين (فلا) يُباح الصيد؛ لعدم الجرح.
(و إن قتل) الصيدَ (بسهمٍ مسموم، لم يُبح) الصيد (إذا احتمل أن السَّمَّ أعان على قتله) لأنه اجتمع مُبيحٌ ومُحَرِّم، فغُلِّب المُحَرِّم، وكسهمي مسلم ومجوسي، فيحرم ولو لم يغلب على الظن أن السهم (٢) أعان على قتله حيث احتمل، فإن لم يحتمل فلا.
(ولو رماه) أي: الصيد (فوقع في ما يقتله مثله) لم يَحل (أو تردَّى) من نحو جبل (ترديًا يقتلُه مثلُه) لم يحل (أو وطئ عليه شيءٌ) بعد رميه (فقتله، لم يحل) لأنه اجتمعَ فيه مبيحٌ ومُحَرِّم، أشبه المتولّدَ بين مأكولٍ وغيره؛ ولما روي عَدِيُّ بن حاتِمٍ قال: "سألتُ رسولَ الله ﷺ عن الصيد، فقال: إذا رميتَ سهمكَ فاذكر اسمَ الله، فإن وجدته قد قتل، فكُلْ إلَّا أن تجده وقع في ماءٍ فإنّك لا تدري الماءُ قتلهُ أو سهمك" متفق عليه (٣).
стр. 6844
والمتردّي من نحو جبل، والموطوء عليه، مثله في عدم العلم بالقاتل من السببين (ولو كان الجرح مُوَحِّيًا) لظاهر ما سبق.
(وإن وقع) الصيد (في ماء ورأسُه) أي: الصيد (خارجه) أي: الماء؛ فمباح (أو كان) الصيد (من طير الماء) فمُباحٌ (أو كان التردّي لا يقتل مثل ذلك الحيوان؛ فمباحٌ) قال في "المبدع": لا خلاف في إباحته؛ لأن التردّي والوقوع إنما حرم خشية أن يكون قاتلًا، أو معينًا على القتل وهذا منتفٍ هنا.
(وإن رمى طيرًا في الهواء، أو على شجرة أو جبل، فوقع) الطير (إلى الأرض فمات؛ حَلّ؛ لأن سقوطه بالإصابة) والظاهرُ زهوق روحه بالرمي لا بالوقوع؛ ولأن وقوعه إلى الأرض لا بُدَّ منه، فلو حرم به لأدَّى إلى ألا يحل طير أبدًا.
(وإن رمى صيدًا -ولو) كان الرمي (ليلًا- فجرحه -ولو غير مُوَحٍّ- فغاب عن عينه، ثم وجده ميتًا، ولو بعد يومه) الذي رماه فيه (وسهمه فقط فيه) حل (أو أثره) أي: السهم بالصيد (ولا أثر به غيره؛ حل) لحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: "أنَّ رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أفتني في سهمي؟ قال: ما ردَّ عليك سهمك، فكُلْ، قالَ: فإن تغيب عني؟ قال: وإن تغيب عنك؛ ما لم تجد فيه غير سهمك" رواه أبو داود (١)؛ ولأنَّ جرحَه بسهمه سببُ إباحته، وقد وجد يقينًا،
стр. 6845
والمعارض له مشكوكٌ فيه كما لو وجده بفم كلبه، أو وهو يعبث به.
(وإن وجدَ به سهمًا) غير سهمه؛ لم يحِلّ (أو) وجد به (أثرَ سهمٍ غيرِ سهمه) لم يحِلّ (أو شكَّ في سهمه) بأن لم يتيقن أنَّ الذي بالصيد سهمه؛ لم يحِلّ (أو) شكَّ (في قتله) أي: الصيد (به) أي: بسهمه؛ لم يحِلّ (أو أكل منه سبع يصلح أن يكون) أكله منه (قتله؛ لم يحِلّ) للخبرِ السابق، وكما لو وجد مع كلبه كلبًا سواه.
(وإن كان الأثر مما لا يقتل مثلَه) أي: مثل ذلك الصيد (مثل أكل حيوان ضعيف كسِنور وثعلب من حيوان قوي، أو تهشَّم من وقعته؛ فمُباحٌ) لأنه معلوم أن هذا لم يقتله.
(ولو أرسل عليه) أي: الصيد (كلبه، فعَقَره، فغابَ) ثم وجده ميتًا (أو غاب) الصيد (قبل عَقْره، ثم وجده ميتًا، والكلب وحده، أو) وجد (الصيد بفمه، أو) وهو (يعبث به، أو عليه؛ حَلَّ) الصيد؛ لأن وجوده بهذه الحالة وعدم أثر غير ذلك فيه، يُغلِّب على الظن أنَّ الموتَ حصل بجارحه، فحلَّ كما لو لم يغب عنه. قال في "الفروع": وإن غاب قبل عقره، ثم وجد سهمه (١)، أو كلبه عليه، ففي "المنتخب": أنها كذلك، وهو معنى "المغني" وغيره. قال في "المنتخب": وعنه: يحرمُ، وذكرها في "الفصول" كما لو وجدَ كلبه، أو السهم ناحية، كذا قال، وتبعه في "المحرر" وفيه نظر على ما ذكر هو وغيره من التسويةِ بينها وبين التي قبلها على الخلاف. وظاهرُ رواية الأثرم وحنبل (٢) حِلّه، وهو معنى ما جزم به
стр. 6846
في "الروضة" (وتقدم (١) قريبًا: لو وجد مع كلبه كلبًا آخر.
وإن رمى) صيدًا (أو ضرب صيدًا، فأبان بعضه، ولو بنصب مناجل ونحوها) كسكاكين (فإن قطعه قطعتين متساويتين، أو متقاربتين، أو قطع رأسه، حلَّ) الجميع.
(وإن (٢) أبان منه عضوًا غير الرأس، ولم تبقَ فيه حياةٌ مستقرة، وكانت البينونة والموت معًا، أو) كان موته (بعده) أي: بعد أن أبان منه العضو (بقليل؛ أُكل) هو (وما أُبين منه).
قال أحمد (٣): إنما حديثُ النبي ﷺ : "ما قطعت من الحي ميتةٌ" (٤) إذا قطعت وهي حيةٌ تمشي وتذهب، أما إذا كانت البينونة والموتُ جميعًا أو بعده بقليل إذا كان في علاج الموت، فلا بأس به، ألا ترى الذي يُذبح ربما مكث ساعة، وربما مشى حتى يموت؛ ولأن ما كان ذكاةً لبعض الحيوان كان ذكاة لجميعه، كما لو قَدَّ الصائدُ الصيد نصفين، والخبرُ يقتضي أن يكون الباقي حيًّا حتى يكون المنفصل منه ميتًا.
(وإن كانت) حياته (مستقرة، فالمُبَان) منه (حرام، سواء بقي الحيوان حيًّا أو أدركه) أحد (فذكاه أو رماه) الصائد (بسهم آخر فقتله) لقوله ﷺ : "ما أُبين من حَيٍّ فهو ميتٌ" (٤).
(وإن بقي) العضو (مُتعلِّقًا بجلدة؛ حَلّ) العضو (بحِلِّه) أي: الحيوان (لأنه) أي: العضو (لم يَبِنْ) أي: لم ينفصل، فهر كسائر أجزائه.
стр. 6847
(وإن أخذ قطعة من حوت، وأفلت) الحوت (حيًّا؛ أُبيح ما أخذ منه) لأنه (١) أقصى حاله أن يكون ميتة، وميتةُ الحوت ونحوه طاهرةٌ.
(وتحل الطريدة، وهي الصيدُ يقع بين القوم لا يقدرون على ذكاته، فيقطع ذا منه بسيفه قطعةً، ويقطعُ الآخر أيضًا) قطعة (حتى يأتوا (٢) عليه) أي: الصيد (وهو حي) قال الحسنُ: لا بأسَ بالطريدةِ، كان المسلمون يفعلون ذلك في مغازيهم، وما زال الناس يفعلونه في مغازيهم (٣)، واستحسنه أبو عبدالله، أي: أحمد (٤) (وكذا النادُّ) من الإبلِ ونحوها إذا توحشت ولم يقدر على تذكيتها.
فصل
(النوع الثاني) من نوعي الآلة: (الجارحة، فَيُباح ما قتلته) الجارحة (إذا كانت مُعلَّمة) لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيكُمْ﴾ (٥) قال ابن عباس: "هي الكلاب المُعَلَّمة، وكلُّ طيرٍ تعلَّم الصيد، والفهود، والصقور، وأشباهها" (٦).
стр. 6848
والجارحُ لغةً: الكاسبُ. قال تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ (١) أي: كسبتم. ومُكلِّبين، من التكليب: وهو الإغراءُ.
(إلا الكلب الأسود البهيم، وهو ما لا بياض فيه) قال ثعلب وإبراهيمُ الحربي: كلُّ لونٍ لم يخالطه لونٌ آخر فهو بهيم، قيل لهما: من كل لون؟ قالا: نعم (٢).
(أو) كان أسود (بين عينيه نُكْتتَان) في إحدى الروايتين، قال في "الآداب الكبرى" (٣): وهو الصحيحُ، وجزم به في "المغني" و"الشرح" (كما اقتضاه الحديث الصحيح) أي: حديث جابر مرفوعًا: "عليكم بالأسود البهيم ذي الطُّفْيَتين فإنه شيطان" رواه مسلم (٤). والطُّفْيةُ: خُوص المُقْلِ، شَبَّه الخطين الأبيضين منه بالخُوصتين (٥).
(فيحرم صيدُه) أي: الكلب الأسود البهيم؛ "لأنّهُ ﷺ أمرَ بقتله وقال: إنه شيطانٌ" رواه مسلم (٦) (كـ) ــصيد (غير المُعلَّم) من الكلاب، أو غيرها (إلا أن يدركه في الحياة فيذكَّى) فيحِلّ؛ لأنه ذكي.
(ويحرم اقتناؤه) أي: الكلب الأسود البهيم (وتعليمه) الصيد؛ لأمرِه ﷺ بقتلِه كما تقدم.
(ويُسنُّ قَتْلُه) أي: الكلب الأسود البهيم (ولو كان مُعلَّمًا) لأمره ﷺ
стр. 6849
بقتلِه، وذكر الأكثر: يُباح قتلُه، وجزمَ به في "المنتهى". نقل موسى بن سعيد: لا بأس به (١).
(وكذا الخنزير) أي: يُسنُّ -أو يُباح- قتلُه. نقل أبو طالب: لا بأس (٢) (ويحرم الانتفاع به) أي: بالخنزير، قال في "الفروع": قال الأصحابُ: يحرم اقتناءُ الخنزير والانتفاع به، وتقدم في باب الآنية (٣) حكمُ الخَرْزِ بشعره.
(ويجب قتلُ كلب عقور، ولو كان مُعَلَّمًا) ليدفع شَرّه عن الناس، ودعوى نسخ القتل مطلقًا إلا المؤذي دعوى بلا بُرهان. قال الأزهري: الكلب العقور؛ هو كلُّ ما يعقر -أي: يجرح- ويفترس، من أسد، وفهد، وذئب، ونَمِر (٤)، والجمع عُقُر، مثل: رسول ورُسُل؛ قاله في "الحاشية".
(ويحرم اقتناؤه) أي: الكلب العقور؛ لأذاه.
(ولا تُقتل كلبةٌ عَقَرت مَنْ قَرُبَ مِن ولدِها، أو خَرَقت ثوبه) لأن ذلك ليس عادة لها (بل تُنقل) بعيدًا عن مرور الناس دفعًا لشرها (وتقدم آخرَ حَدّ المحاربين (٥).
ولا يُباح قَتْل الكلاب غير ما تقدم) أي: غير الكلب العقور، والأسود البهيم؛ لمفهوم تقييد الأمر بالقتل بالأسود البهيم.
(ويُباح اقتناؤها) أي: الكلاب غير
стр. 6850
الأسود (١) والعقور (للصيد والماشية والحرث، وتقدم) ذلك (في كتاب البيع (٢)) والوصية (٣) وغيرهما.
قال في "الآداب": فإن اقتنى كلبَ الصيد مَنْ لا يصيد به، احتمل الجوازَ والمنعَ، وهكذا الاحتمالان في من اقتنى كلبًا ليحفظ له حَرْثًا، أو ماشية إن حصلت، أو يصيد به إن احتاج إلى الصيد.
(والجارح نوعان: أحدُهما: ما يصيد بِنابِهِ كالكلب والفهد، وكلِّ ما أمكن الاصطياد به) قال في "المذهب" و"الترغيب": والنمر.
(وتعليمه بثلاثة أشياء: أن يسترسل إذا أُرسل، وينزجر إذا زُجر، لا في حالة مشاهدته الصيد، وإذا أمسك لم يأكل) لقوله ﷺ : "فإن أَكل فلا تأكل، فإني أخافُ أن يكُون إنما أمسك على نفسه" متفق عليه (٤)؛ ولأن العادةَ في المُعلَّم تركُ الأكل، فكان شرطًا كالانزجارِ إذا زُجِر. قال في "المغني": لا أحسب هذه الخصال تُعتبر في غير الكلب؛ فإنه الذي يجيب صاحبه إذا دعاه، وينزجر إذا زُجِر، والفهدُ لا يكاد يُجيب داعيًا، وإن عُدَّ متعلِّمًا فيكون التعليمُ في حقه بتركِ الأكل خاصَّة، أو بما يعده أهل العُرف متعلمًا.
(ولا يُعتبر تكرارُه) أي: ترك الأكلِ (بل يحصُل) تعليمُه (بـ) ـتركه (٥) الأكل (مرة) لأنه تعلُّم صنعةٍ أشبهَ سائرَ الصنائع.
стр. 6851
(فإن أكل بعد تعليمه لم يحرم ما تقدَّم من صيده) لعموم الآيةِ والأخبار؛ ولأنه قد وُجِدَ مع اجتماعِ شروط التعليم فيه، فلا يحرم بالاحتمال (ولم يُبح ما أكلَ منه) لقوله ﷺ : "فإن أكل فلا تأكل" (ولم يخرج) بالأكل (عن كونه معَلَّمًا، فَيُباح ما صاده بعد الصيد الذي أكل منه) لأننا تحقَّقنا بذلك أنه لم يأكل مما أكل منه لعدم تعليمه، بل لجوع ونحوه.
(وإن شرب) الكلب ونحوه (دَمَه ولم يأكل منه، لم يحرم) لأنه لم يأكل منه.
(ويجب غسل ما أصابه فَمُ الكلب (١)) لأنه موضع أصابته نجاسة فوجب غسله كغيره من الثياب والأواني.
(و) النوع (الثاني) من الجوارح: (ذو المِخلب) بكسر الميم (كالبازي والصقر، والعُقاب والشاهين، ونحوها، فتعليمه بأن يسترسلَ إذا أُرسل، ويرجعَ إذا دُعي، ولا يُعتبر ترك الأكل) لقول ابن عباس: "إذا أكل الكلبُ فلا تأكلُ، وإن أكل الصَّقر فكُلْ" رواه الخلال (٢)؛ ولأن تعليمه بالأكل، ويتعذَّرُ تعليمه بدونه، فلم يقدح في تعليمِه، بخلاف الكلب.
(و لا بدَّ أن يجرح) ذو المِخلب (الصيدَ، فإن قتله بصدمته أو خنقه
стр. 6852
لم يُبَحْ) لأنَّه قتل بغير جرحٍ، أشبه ما لو قتلَه بالحجر والبندق.
فصل
(الشرط الثالث: إرسال الآلة قاصدًا الصيد، فلو سقط السيف من يده، فعقره؛ لم يَحِلَّ.
وإن استرسلَ الكلبُ، أو غيرُه بنفسه) فقتل صيدًا؛ لم يحِلَّ؛ لقوله ﷺ : "إذا أرسلت كلبك المُعَلَّم وذَكرتَ اسمَ الله عليه فَكُلْ" متفق عليه (١)؛ ولأن إرسالَ الجارحة جُعل بمنزلة الذبح، ولذلك اعتُبرت التسمية معه (أو أرسله) أي: الجارح (ولم يُسَمِّ) عند إرساله (لم يُبَحْ صيده) للخبر.
(فإن زجره ولم يَزِدْ عدوَه، فكذلك) أي: لم يحِلَّ صيده؛ لأن الزجرَ لم يَزِد شيئًا عن استرسالِ الصائد بنفسه.
(وإن زجره فوقف، ثم أشلاه) أي: أرسله (وسَمَّى) عند إرساله (أو سمَّى وزجَره ولم يقف، لكنَّه زادَ في عدوه بإشلائه؛ حلَّ صيده؛ لأنه بمنزلة إرساله) لأن زجره له أثَّر في عدوه؛ لأن فعلَ الآدمي إذا انضاف إلى فعل البهيمة كان الاعتبارُ لفعلِ الآدمي.
(وإن أرسل كلبه أو سهمه إلى هَدف، فقتل صيدًا) لم يحِلّ (أو أرسله يريد الصيد، ولا يرى صيدًا) لم يحِلّ (أو قصد إنسانًا أو حَجَرًا، أو رمى عبثًا غير قاصد صيدًا) فأصاب صيدًا؛ لم يحِلّ (أو رمى حجرًا يظنُّهُ صيدًا، أو شَكَّ فيه، أو غلب على ظَنِّه أنه ليس بصيد، أو ظنه آدميًّا أو بهيمة فأصاب صيدًا؛ لم يحِلَّ) لأن قصد الصيد شرط ولم يوجد.
стр. 6853
(و إن رمى صيدًا فأصاب غيرَه، أو رمى صيدًا فقتل جماعةً) حَلَّ الجميعُ؛ لعموم الآية والخبر؛ ولأنه أرسله على صيدٍ، فحلَّ ما صاده (أو أرسل سهمَهُ على صيدٍ، فأعانته الريحُ فقتله، ولولاها ما وصل) السهمُ، حلَّ؛ لأنَّ قتله بسهمه ورميه أشبهَ ما لو وقع سهمه على حَجَرٍ فَرَدَّه على الصيد فقتله؛ ولأن الإرسال له حكم الحل، والريح لا يمكنُ الاحتراز عنها، فسقط اعتبارها (أو وقع سهمه في حَجرٍ فردَّه) الحجرُ (على الصيد فقتله، حلَّ الجميعُ) لعدم إمكانِ التحرُّز من ذلك.
(والجارح بمنزلةِ السهم) فلو أرسله على صيدٍ فأصاب غيره، أو على صيد فصاد عددًا حل الجميع.
(ف إن رمى صيدًا فأثبته؛ ملكه) لأنه أزال امتناعه، أشبه ما لو قتله.
(فإن تحامل) الصيد بعد إثباته (ومشى غير ممتنع فأخذه غيره) أي: غير مُثْبِتهِ (لزمه ردُّه) إلى مُثْبِتهِ؛ لأنه ملكه، فلزمه كالشاةِ ونحوها (ولو دخل خيمته أو داره ونحوه) أي: نحو ما ذكر؛ لأنه ملكه بالإثبات فيرد لمُثبِتِهِ.
(كما لو مشى) الصيدُ (بالشَّبَكة على وجهٍ لا يَقدر على الامتناع) ممَّن قصده، فإنه يُرَدُّ لربِّ الشبكة؛ لأنه أثبته.
(وإن لم يُثْبِتْه) أي: الصيد (وبقي ممتنعًا، فدخل خيمةَ إنسان فأخذه) ملكه؛ لأنَّ الأول لم يملكه لكونه لم يُثْبِتْهُ، فإذا أخذه الثاني ملكه.
(أو دخلت ظبية داره، فأغلق بابَه وجهلها) مَلَكها؛ لأنه سبق إليها (أو لم يقصد تملُّكها) بذلك، ملكها للحيازة.
(أو عشَّش طير غير مملوك في بُرْجِه وفرّخ فيه، مَلكه) لأن ذلك
стр. 6854
من الصيد المباح، فملكه بحيازته.
قال في "الإنصاف" و"المبدع": ما يبنيه الناسُ من الأبرجة، فيعشِّشُ فيها الطيور؛ يملكون الفراخَ، إلا أن تكون الأمهاتُ مملوكةً فهي لأربابها؛ نصَّ عليه (١)، زاد في "المبدع": ولو تحوَّل طيرٌ من برج زيدٍ إلى برج عمرو، لزم عَمْرًا ردُّه، وإن اختلطَ ولم يتميز، مُنع عمرو من التصرُّف على وجهٍ ينقل الملك حتى يصطلحا، ولو باع أحدُهما الآخر حقَّه أو وهبه؛ صَحَّ في الأقيس.
(ومثلُه إحياءُ أرض بها كنزٌ) ملكه؛ ذكره في "المبدع" و"المنتهى" وغيرهما، زاد في "شرح المنتهى": في الأصح، وتقدَّم في إحياءِ الموات (٢): لا يملكه؛ بخلافِ المعدن الجامد.
(و) كـ (ـنصب خيمةٍ وفَتْحِ حَجْرِه (٣) لذلك) أي: للصيد، فيحصل فيها، أو فيه فيملكه للحيازة (و) كـ (ـنصب شبكة، وشَرَك وفَخ، ومِنْجَلٍ لذلك) أي: للصيد (وحَبْسُ جارحٍ له) أي: للصيد (أو بإلجائه بمضيق لا يُفلِتُ منه) فيملكه بذلك؛ لأنه بمنزلةِ إثباته.
(وإن صَنعَ بِرْكة ليصيدَ بها سمكًا؛ فما حصل فيها؛ مَلَكه) كما لو حصل بشبكته (وإن لم يقصد بها) أي: البِرْكة (ذلك) أي: صيدَ السمك (لم يملكه) بحصوله فيها (كتَوَحُّل صيدٍ في أرضه، أو حَصَل) الصيد (فيها) أي: أرضه (من مَدِّ الماء) أي: زيادته (أو عشَّش فيها) أي: الأرض (طائر) لم يملكه بذلك؛ لأن الأرض ليست مُعَدَّة لذلك (ولغيره)
стр. 6855
أي: غير ربّ الأرض (أخذه) أي: السمك أو الطائر (كـ) ـأخذ (الماء والكلأ) منها، بجامع أنه مباح لم يُحَزْ.
(وإن رمى طيرًا على شجرة في دار قوم، فطرحه في دارهم فأخذوه، فهو للرامي) لأنه ملكه بإزالة امتناعِه؛ قدَّمه في "الشرح". وفي "عيون المسائل": إن حمل نفسَه فسقط خارج الدار فهو له، وإن سقطَ فيها فهو لهم، وجزمَ بمعناه في "المنتهى"، وفي "الرعاية": لغيره أخذُه على الأصحِّ، والمنصوص أنه للمُوَحِّي (١).
(ولو وقع صيدٌ في شَرَكِ إنسان، أو شبكته ونحوه) كفَخِّه (وأثبته، ثم أخذه إنسانٌ، لزمه ردُّه) إلى ربِّ الشبكة ونحوها؛ لأنه أثبته بآلته (وإن لم تُمسكه الشبكةُ، وانفلت منها في الحال) أو خَرَقها، وذهب منها (أو بعد حين؛ لم يملكه) ربُّ الشبكة؛ لأنه لم يُثْبِتْه، فإذا صاده غيرُهُ ملكه.
(وإن أخذ الشبكةَ وذهب بها، فصاده إنسان) مع بقاء امتناعه (ملكه) الثاني (ويَرُدُّ الشبكة) لربها؛ لأنَّ الأول لم يملكه، فإن لم يعرف ربَّ الشبكة، فهي لُقَطة.
(فإن مشى) الصيدُ (بها) أي: بالشبكة (على وَجْهٍ لا يقدِرُ على الامتناع، فهو لصاحبها) لأنه أزالَ امتناعه (كما لو أمسكه الصائد وثبتت يدُه عليه، ثم انفلت منه) فإن ملكه لا يزول عنه بانفلاته.
(وإن اصطاد صيدًا فوجد عليه علامةَ مِلكٍ، كقلادةٍ في عنقه، أو قرط في أذنه، أو وجد الطائر مقصوص الجناح؛ لم يملكه) لأن الذي صاده أوَّلًا ملكه (ويكون لُقَطة) فيعرّفه واجدُهُ.
(ومن كان في سفينة فوثبت سمكةٌ فوقعت في حَجْرِه، فهي له دونَ
стр. 6856
صاحب السفينة) لأن السمكةَ من الصيد المباح، فمُلكت بالسبقِ إليها، كما لو فتح حَجْره، زاد في "الوجيز": ما لم تكن السفينةُ معدَّة للصيد في هذا الحال.
(وإن وقعت) السمكة (فيها) أي: في السفينة (فلصاحبها) لأن السفينة ملكه، ويدُه عليها.
(وإن وثبت بفعل إنسان لقصدِ الصيد، كالصياد الذي يجعل في السفينةِ ضوءًا بالليل، ويدق بشيءٍ كالجرس ليثبَ السمكُ في السفينة؛ فللصيَّاد) لأنه أثبتها بذلك (وإن لم يقصد الصيدَ بهذا) الفعل (بل حصل اتفاقًا؛ فهي) أي: السمكة (لمن وقعت في حَجْرِه) لأنه سبق إلى مباح.
(ولا يُصاد الحمام إلا أن يكون وحشيًّا) لأن الأهلي ملكٌ لأهلِه.
(ويحرم صيدُ سمكٍ وغيره بنجاسةٍ كعَذِرة وميتة ودم) لما فيه من أكل السمك للنجاسة؛ فيصير كالجَلَّالة (وعنه: يكره (١)، وعليه الأكثر) جزم به في "المقنع" و"الوجيز"، وقدَّمه في "المستوعب" و"الرعاية".
(وإن منعه الماءَ حتى صاده؛ حلَّ أكله) وأما نفسُ الفعل فغيرُ مباح.
(ويكره الصيد ببناتِ وَرْدَان (٢)؛ لأن مأواها الحشوش) نص عليه (٣).
(و) يُكره (بضفادع) نصَّ عليه (٤)، وقال (٥): الضفدعُ نُهي عن
стр. 6857
قتله (١).
(و) يُكره الصيد بـ (ـشِباش، وهو طيرٌ تُخَاط عيناه، أو تُربطُ) لأن في ذلك تعذيبًا للحيوان.
(و) يكره الصيدُ (بخراطيم (٢)، وكل شيء فيه روح) لما فيه من تعذيبه.
(و) يكره صيدُ شيء (مِن وَكْره) لخوفِ الأذى.
و (لا) يُكره الصيدُ (بليلٍ، ولا) صيد (فَرْخ من وكره، ولا) الصيد (بما يُسكِره) أي: الصيد؛ نص على ذلك (٣).
(ولا بشبكة، وشَرَك، وفَخٍّ، ودِبْق (٤)، وكل حيلة، وكَرِه جماعةٌ) الصيد (بمُثقَّل كبندق (٥)) وكذا كَرِه الشيخُ تقيُّ الدين (٦) الرميَ بالبندق مطلقًا؛ لنهي عثمان (٧) (ونصه) في رواية ابن منصور وغيره (٨): (لا بأس ببيع البندق، ويُرمى بها الصيدُ، لا للعبث) وأطلق ابنُ هبيرة أنه معصية.
(وإذا أرسل صيدًا، وقال: أعتقتُك، لم يَزُلْ ملكُه عنه) وذكره ابنُ
стр. 6858
حزم إجماعًا (١)، كما لو لم يقل: أعتقتك، وكانفلاته، و (كما لو أرسل البعير والبقرة) ونحوها (٢) من البهائم المملوكة، فإن ملكَه عنها لا يزولُ بذلك.
فصل
(الشرط الرابع: التسمية ولو بغير عربية) ممن يُحْسِنها (عند إرسال السهم والجارحة) لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٣)؛ والأخبارِ (٤)؛ ولأن الإرسالَ هو الفعلُ الموجود من المُرْسِلِ، فاعتُبرت التسميةُ عنده كما تعتبرُ عند الذبح.
و (لا) تُعتبرُ التسمية (من أخرسَ) لتعذُّرها منه. والظاهرُ أنه لا بُدَّ من إشارته (٥)، كما تقدم في الذكاة (٦) والوضوءِ (٧) وغيرِهما؛ لقيامِ إشارتِه مقامَ نطقِه. ولذلك قال في "المنتهى": كما في ذكاة.
(ولا يضرُّ تقدُّم) التسمية بزمن (يسيرٍ) كالعبادات (أو تأخّر) أي: لا يضر تأخرٌ يسير كالتقدم.
(وكذا) لا يضرُّ (تأخرٌ كثير في جارح إذا زجرَه فانزجر) عند التسميةِ
стр. 6859
إقامةً لذلك مقامَ الإرسال كما تقدم.
(فإن تَرَكها) أي: التسمية (عمدًا أو سهوًا) أو جهلًا (لم يُبَح) الصيد؛ للآيةِ والأخبار، والفرقُ بينَ الصيدِ والذبيحةِ: أنَّ الذبح وقعَ في محلّه، فجاز أن يسامحَ فيه بخلاف الصيد؛ ولأن في الصيد نصوصًا خاصة؛ ولأن الذبيحة تكثر ويكثر النسيان فيها.
(وإن سَمَّى على صيدٍ فأصاب) الصائدُ (غيره، حلَّ) المصاب.
(ولو سَمَّى على سهمٍ، ثم ألقاه ورمى بغيره بتلك التسمية؛ لم يُبح) لأنه لما لم يمكن اعتبار التسمية على صيد بعينه، اعتُبرت على الآلة التي يصيد بها، بخلاف الذبيحة.
(و دمُ السمك طاهر مأكول) كميتته.
стр. 6860
كتاب الأيمان وكفاراتها
стр. 6861
كتاب الأيمان وكفاراتها
(وهي) أي: الأيمان -كأيْمُن- (جمعُ يمين، وهي القَسَم) بفتح القاف والسين (والإيلاء والحَلِف بألفاظ مخصوصة) تأتي أمثلتها.
(فاليمين توكيد الحكم) المحلوف عليه (بذكْرِ مُعظَّم على وجه مخصوص) وأصلها يمين اليد، سُمِّي الحَلِف بذلك؛ لأن الحالف يُعطي يمينه فيه، كما في العهد والمعاهدة.
(وهي) أي: اليمين (وجوابها كشرط وجزاء).
والأصل فيها: الإجماع (١)، وسنده: قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيمَانَ﴾ (٢) وقوله: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ (٣). والسُّنة شهيرة بذلك، منها: قوله ﷺ لعبد الرحمن بن سَمُرة: "إذا حَلفتَ على يمين؛ فرأيتَ غيرَها خيرًا منها، فأْتِ الذي هو خيرٌ، وكفِّرْ عن يمينكَ" متفق عليه (٤).
ووَضْعها في الأصل؛ لتأكيد المحلوف عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ (٥) و ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي
стр. 6862
لَتُبْعَثُنَّ﴾ (١).
(والحَلِف على مستقبل: إرادةُ تحقيق خبرٍ فيه) أي: في المستقبل (مُمكنٍ؛ بقول يُقصد به الحثُّ على فِعْلِ الممكن أو تركِه) فالحثُّ على الفعل نحو: والله لأعتكفنَّ غدًا، والحثُّ على الترك نحو قوله: والله لا زنيتُ أبدًا.
(والحَلِف على ماضٍ إما بِرٌّ، وهو الصادق) في حَلِفه (وإما غَمُوس، وهو الكاذب) لغمسه في الإثم في النار (٢) كما يأتي (أو لَغْوٌ، وهو ما لا أجر فيه، ولا إثم ولا كفَّارة) لأن اللغو لا يترتَّبُ عليه حكمٌ.
(ولا يصحُّ) اليمين (إلا من مُكلَّف) لأنه قول يتعلَّق به حقّ، فلم يصح من غير مُكلَّف، كالإقرار؛ ولحديث: "رُفع القلمُ عن ثلاث" (٣) (مختارٍ) فلا يصح من مُكرَه؛ لحديث: "عُفي لأمتي عن الخطإِ والنِّسْيان وما استُكْرِهوا عليه" (٤) (قاصدٍ اليمينَ) فلا يصح ممن جرى على لسانه بغير قَصْدٍ؛ للخبر (٥).
стр. 6863
(وتصح) اليمين (من كافر) ولو غير ذمِّي (وتلزمه الكفَّارة بالحِنْثِ، حَنِثَ في كُفْرِه أو بعدَه) لأنه من أهل القسَم؛ قال: ﴿فيقسمان بالله﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ (٢) أي: لا يَفُون بها؛ لقوله تعالى: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ (٣)؛ ولأنه مُكَلَّف.
(والحَلِف) خمسة أقسام:
فـ (ـمنه واجبٌ، مثل أن يُنجيَ به إنسانًا معصومًا من هلكة ولو نفسَه، مثل أن تتوجه أيمان القَسَامة في دعوى القتل عليه وهو بريء) فيجب عليه الحَلِف؛ للإنجاء من الهلكة.
(و) منه (مندوبٌ، مثل أن يتعلَّق به مصلحةٌ من إصلاحٍ بين متخاصمين، أو إزالة حقْد من قلب مسلم عن الحالف، أو) عن (غيره، أو دفع شَرٍّ) عن الحالف أو غيره.
(فإن حلف على فِعْلِ طاعةٍ) كـ: ليُصلِّينَّ (أو) على (تَرْكِ معصية) كـ: لا يزني (فليس بمندوب) لأن النبي ﷺ وأصحابه لم يكونوا يفعلونه في الأغلب، ولو كان مندوبًا لم يُخِلُّوا به؛ ولأن ذلك يجري مجرى النذر.
(و) منه (مباحٌ، كالحَلِف على فِعْلِ مباح، أو) على (تركه، أو على الخبر بشيء هو صادق فيه، أو يظن أنه فيه صادق.
و) منه (مكروهٌ، كالحَلِف على فعْلِ مكروه، أو) على (تَرْكِ مندوب) ولا يلزم حديث الأعرابي: "والذي بعثك بالحق لا أزيد على هذا ولا
стр. 6864
أنقص" (١)؛ لأن اليمين على تركها لا يَزيد على تركها، ولو تركها لم يُنكر عليه؛ قاله في "المبدع".
(ومنه) أي: من الحَلِف المكروه (الحَلِف في البيع والشراء) لقوله ﷺ : "الحَلِف منفقٌ للسلعة، مُمحِقٌ للبركة" رواه ابن ماجه (٢).
(و) منه (مُحَرَّمٌ، وهو الحَلِف كاذبًا عمدًا، أو على فعل معصية، أو ترك واجب.
ومتى كانت اليمين على فعلِ واجب، أو ترك مُحَرَّم كان حلُّها -أي: حِنْثها- مُحَرَّمًا) لما في الحِنث من ترك الواجب أو فعل المُحَرَّم (ويجب بِرُّه) لما تقدم.
(وإن كانت) اليمين (على فعل مندوب، أو) على (ترك مكروه، فحلُّها مكروه ويُستحب بِرّه) لما يترتَّب على بِرِّه من الثواب الحاصل بفعل المندوب وترك المكروه.
(وإن كانت) اليمين (على فعل مكروه أو ترك مندوب، فحلُّها مندوب) لحديث عبد الرحمن بن سَمُرةَ وتقدم (٣)؛ ولما يترتَّب عليه من الثواب بترك المكروه امتثالًا وفعل المندوب (ويُكره بِرّه) لما يلزم عليه من فعل المكروه وترك المندوب.
стр. 6865
(وإن كانت) اليمين (على فعلِ مُحَرَّم أو ترك واجب فحلُّها واجب) لما في بِرِّه من الإثم بفعل المُحَرَّم أو ترك الواجب (ويحرم بِرّه) لما تقدم.
(وحلُّها) أي: اليمين (في المباح مباحٌ، وحفظها) أي: اليمين (فيه) أي: المباح (أولى) من حِنْثِه؛ لقوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ (١).
"فائدة": قال الشافعي: ما كذبت قطُّ، ولا حلفت بالله تعالى صادقًا ولا كاذبًا (٢).
(ولا يلزم إبرارُ قَسَمٍ، كـ) ـما لا يلزم المسؤول (إجابة سؤال بالله) تعالى بل يُسن ذلك، لا تكرار حَلِف، فإن أفرط كُره.
فصل
(واليمين التي تَجِب بها الكفَّارة، إذا حَنِثَ) فيها (هي اليمين بالله تعالى، نحو: والله، وبالله، وتالله) أو بصفة من صفاته تعالى نحو: (والرحمنِ، والقديمِ الأزلي (٣)، وخالقِ الخلق، ورازقِ العالمين، وربِّ العالمين، والعالمِ بكلِّ شيء، وربِّ السماوات والأرض، والحيِّ الذي لا