← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 622

كشاف القناع عن متن الإقناع - ط وزارة العدل

البهوتي

Полный текст (7 407 стр.). Показаны 6861–6900 · переход к 6866.

стр. 6861

كتاب الأيمان وكفاراتها (وهي) أي: الأيمان -كأيْمُن- (جمعُ يمين، وهي القَسَم) بفتح القاف والسين (والإيلاء والحَلِف بألفاظ مخصوصة) تأتي أمثلتها. (فاليمين توكيد الحكم) المحلوف عليه (بذكْرِ مُعظَّم على وجه مخصوص) وأصلها يمين اليد، سُمِّي الحَلِف بذلك؛ لأن الحالف يُعطي يمينه فيه، كما في العهد والمعاهدة. (وهي) أي: اليمين (وجوابها كشرط وجزاء). والأصل فيها: الإجماع (١)، وسنده: قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيمَانَ﴾ (٢) وقوله: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ (٣). والسُّنة شهيرة بذلك، منها: قوله ﷺ لعبد الرحمن بن سَمُرة: "إذا حَلفتَ على يمين؛ فرأيتَ غيرَها خيرًا منها، فأْتِ الذي هو خيرٌ، وكفِّرْ عن يمينكَ" متفق عليه (٤). ووَضْعها في الأصل؛ لتأكيد المحلوف عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ (٥) و ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي

стр. 6862

لَتُبْعَثُنَّ﴾ (١). (والحَلِف على مستقبل: إرادةُ تحقيق خبرٍ فيه) أي: في المستقبل (مُمكنٍ؛ بقول يُقصد به الحثُّ على فِعْلِ الممكن أو تركِه) فالحثُّ على الفعل نحو: والله لأعتكفنَّ غدًا، والحثُّ على الترك نحو قوله: والله لا زنيتُ أبدًا. (والحَلِف على ماضٍ إما بِرٌّ، وهو الصادق) في حَلِفه (وإما غَمُوس، وهو الكاذب) لغمسه في الإثم في النار (٢) كما يأتي (أو لَغْوٌ، وهو ما لا أجر فيه، ولا إثم ولا كفَّارة) لأن اللغو لا يترتَّبُ عليه حكمٌ. (ولا يصحُّ) اليمين (إلا من مُكلَّف) لأنه قول يتعلَّق به حقّ، فلم يصح من غير مُكلَّف، كالإقرار؛ ولحديث: "رُفع القلمُ عن ثلاث" (٣) (مختارٍ) فلا يصح من مُكرَه؛ لحديث: "عُفي لأمتي عن الخطإِ والنِّسْيان وما استُكْرِهوا عليه" (٤) (قاصدٍ اليمينَ) فلا يصح ممن جرى على لسانه بغير قَصْدٍ؛ للخبر (٥).

стр. 6863

(وتصح) اليمين (من كافر) ولو غير ذمِّي (وتلزمه الكفَّارة بالحِنْثِ، حَنِثَ في كُفْرِه أو بعدَه) لأنه من أهل القسَم؛ قال: ﴿فيقسمان بالله﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ (٢) أي: لا يَفُون بها؛ لقوله تعالى: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ (٣)؛ ولأنه مُكَلَّف. (والحَلِف) خمسة أقسام: فـ (ـمنه واجبٌ، مثل أن يُنجيَ به إنسانًا معصومًا من هلكة ولو نفسَه، مثل أن تتوجه أيمان القَسَامة في دعوى القتل عليه وهو بريء) فيجب عليه الحَلِف؛ للإنجاء من الهلكة. (و) منه (مندوبٌ، مثل أن يتعلَّق به مصلحةٌ من إصلاحٍ بين متخاصمين، أو إزالة حقْد من قلب مسلم عن الحالف، أو) عن (غيره، أو دفع شَرٍّ) عن الحالف أو غيره. (فإن حلف على فِعْلِ طاعةٍ) كـ: ليُصلِّينَّ (أو) على (تَرْكِ معصية) كـ: لا يزني (فليس بمندوب) لأن النبي ﷺ وأصحابه لم يكونوا يفعلونه في الأغلب، ولو كان مندوبًا لم يُخِلُّوا به؛ ولأن ذلك يجري مجرى النذر. (و) منه (مباحٌ، كالحَلِف على فِعْلِ مباح، أو) على (تركه، أو على الخبر بشيء هو صادق فيه، أو يظن أنه فيه صادق. و) منه (مكروهٌ، كالحَلِف على فعْلِ مكروه، أو) على (تَرْكِ مندوب) ولا يلزم حديث الأعرابي: "والذي بعثك بالحق لا أزيد على هذا ولا

стр. 6864

أنقص" (١)؛ لأن اليمين على تركها لا يَزيد على تركها، ولو تركها لم يُنكر عليه؛ قاله في "المبدع". (ومنه) أي: من الحَلِف المكروه (الحَلِف في البيع والشراء) لقوله ﷺ : "الحَلِف منفقٌ للسلعة، مُمحِقٌ للبركة" رواه ابن ماجه (٢). (و) منه (مُحَرَّمٌ، وهو الحَلِف كاذبًا عمدًا، أو على فعل معصية، أو ترك واجب. ومتى كانت اليمين على فعلِ واجب، أو ترك مُحَرَّم كان حلُّها -أي: حِنْثها- مُحَرَّمًا) لما في الحِنث من ترك الواجب أو فعل المُحَرَّم (ويجب بِرُّه) لما تقدم. (وإن كانت) اليمين (على فعل مندوب، أو) على (ترك مكروه، فحلُّها مكروه ويُستحب بِرّه) لما يترتَّب على بِرِّه من الثواب الحاصل بفعل المندوب وترك المكروه. (وإن كانت) اليمين (على فعل مكروه أو ترك مندوب، فحلُّها مندوب) لحديث عبد الرحمن بن سَمُرةَ وتقدم (٣)؛ ولما يترتَّب عليه من الثواب بترك المكروه امتثالًا وفعل المندوب (ويُكره بِرّه) لما يلزم عليه من فعل المكروه وترك المندوب.

стр. 6865

(وإن كانت) اليمين (على فعلِ مُحَرَّم أو ترك واجب فحلُّها واجب) لما في بِرِّه من الإثم بفعل المُحَرَّم أو ترك الواجب (ويحرم بِرّه) لما تقدم. (وحلُّها) أي: اليمين (في المباح مباحٌ، وحفظها) أي: اليمين (فيه) أي: المباح (أولى) من حِنْثِه؛ لقوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ (١). "فائدة": قال الشافعي: ما كذبت قطُّ، ولا حلفت بالله تعالى صادقًا ولا كاذبًا (٢). (ولا يلزم إبرارُ قَسَمٍ، كـ) ـما لا يلزم المسؤول (إجابة سؤال بالله) تعالى بل يُسن ذلك، لا تكرار حَلِف، فإن أفرط كُره. فصل (واليمين التي تَجِب بها الكفَّارة، إذا حَنِثَ) فيها (هي اليمين بالله تعالى، نحو: والله، وبالله، وتالله) أو بصفة من صفاته تعالى نحو: (والرحمنِ، والقديمِ الأزلي (٣)، وخالقِ الخلق، ورازقِ العالمين، وربِّ العالمين، والعالمِ بكلِّ شيء، وربِّ السماوات والأرض، والحيِّ الذي لا

стр. 6866

يموت، والأولِ الذي ليس قبله شيء، والآخرِ الذي ليس بعده شيء، ونحوه مما لا يُسمَّى به غيره) تعالى، كـ: مالكِ يوم الدِّين؛ لأن صفات الله تعالى قديمة، فكان الحَلِف بها موجبًا للكفارة، كالحَلِف بالله تعالى. (أو) بـ (ـصفة من صفاته، كوجه الله وعظمته وعِزَّته، وإرادته وقُدرته وعلمه وجبروته) -صفة مبالغة في الجَبْر- أي: القهر والغلبة (ونحوه) فينعقد الحَلِف بهذه (حتى ولو نوى مقدوره ومعلومه ومرادَه) أو لم يقصد اليمن؛ لأن ذلك صريح في مقصوده فلم يفتقر إلي نية، كصريح الطلاق ونحوه. (وأما ما يُسمَّى به غيرُه تعالى، وإطلاقه ينصرف إلى الله) تعالى (كالعظيم والرحيم، والربِّ، والمولى، والرازق، فإنْ نوى به الله) تعالى (أو أطلق؛ كان يمينًا) لأنه بإطلاقه ينصرف إليه تعالى (وإن نوى) به (غيرَه) تعالى (فليس بيمين) لأنه يُستعمل في غيره، قال تعالى: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ (١) ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ (٢) ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٣). والمولى المعتق، والقادر باكتسابه، وحيث أراد به غيرَه تعالى لم يبقَ يمينًا؛ لعدم تناوله لما يوجب القسم. (وما لا يُعدُّ من أسمائه) تعالى (ولا ينصرف إطلاقه إليه ويحتمله) تعالى (كالشيء، والموجود، والحي، والعالم، والمؤمن، والواحد، والكريم والشاكر، فإن لم ينوِ به الله) لم يكن يمينًا (أو نوى) به (غيره) أي: غير الله تعالى (لم يكن يمينًا) لأن الحَلِف الذي تجب به الكفَّارة لم

стр. 6867

يقصد، ولا اللفظ ظاهر في إرادته، فوجب ألا يترتَّب عليه ما يترتب على الحالف بالله تعالى. (وإن نواه) أي: نوى بالله تعالى (١) (كان يمينًا) لأنه نوى بلفظه ما يحتمله، فكان يمينًا، كقوله: والرحيمِ، والقادرِ. (وإن قال: وحقِّ الله، وعهد الله، وايمُ الله، وايمُن الله -جمع يمين-، وأمانةِ الله، وميثاقه، وكبريائه وجلاله ونحوه) نحو: عظمته (فهو يمين) تجب فيها الكفارة بشرط الحِنْث؛ لإضافتها إليه سبحانه. و"ايمُ" كـ: ايمُن، وهمزته همزة وصل تُفتح وتُكسر، وميمه مضمومة، وقالوا: ايمُنُ الله، بضم الميم والنون، مع كسر الهمزة وفتحها. وقال الكوفيون: ألفها ألف قطع، وهي جمع: يمين، فكانوا يحلفون باليمين، فيقولون: ويمين الله؛ قاله أبو عبيد (٢). وهو مشتقٌّ من اليُمن والبركة. (وكذا) قوله: (عليَّ عهد الله وميثاقه) يكون يمينًا؛ لما تقدم. (و يُكره الحَلِف بالأمانة) لما روى أبو داود عن بُرَيدةَ مرفوعًا قال: "ليس منَّا مَنْ حلَف بالأمانة" (٣) ورجاله ثقات. قال الزركشي: ظاهر

стр. 6868

الأثر والحديث التحريم؛ فلذلك قال: (كراهةَ تحريم) لكن ظاهر "المنتهى" كـ "المغني" و"الشرح" وغيرهم: أنه كراهة تنزيه. (وإن قال: والعهدِ، والميثاقِ، وسائر ذلك) أي: ما تقدَّم من ألفاظ الصفات (كالأمانة والقدرة، والعظمة والكبرياء، والجلال والعِزَّة، ولم يضفه إلى الله) تعالى (لم يكن يمينًا) لأنه يحتمل غير الله، فلم يكن يمينًا كالموجود (إلا أن ينوي صفةَ الله) تعالى فيكون يمينًا؛ لأن النية تجعل العهد ونحوه كأمانة الله، فقد حلف بصفة من صفات الله تعالى. (و إن قال: لعَمْرُ الله، كان يمينًا) لأنه أقسم بصفة من صفات الله تعالى، فهو كالحَلِف ببقاء الله تعالى (وإن لم ينوِ) بقوله: "لعَمْر الله" اليمينَ؛ لأنه صريح (ومعناه: الحَلِف ببقاء الله وحياته) لأن العُمْر -بفتح العين وضمها- الحياة، واستعمل في القَسَم المفتوحُ خاصة، واللام للابتداء، وعمر: مرفوع بالابتداء، والخبر محذوف وجوبًا، وتقديره: قسَمي. (وإن حلف بكلام الله) فهو يمين؛ لأنه صفة من صفات ذاته. (أو) حلف (بالمصحف) فهو يمين. ولم يكره أحمدُ الحَلِفَ بالمصحف (١)؛ لأن الحالف إنما قصد المكتوب فيه وهو القرآن، فإنه

стр. 6869

عبارة عما بين دَفَّتيِ المصحف بالإجماع (١). (أو) حلف (بالقرآن أو بسورة منه، أو) بـ (ـآية) منه (أو بحق القرآن، فهي يمين) لأنه حلف بصفة من صفات ذاته تعالى (فيها كفارة واحدة) لأنه لو تكررت اليمين بصفة من صفاته تعالى، وجبت كفارة واحدة، فإذا كانت اليمين واحدةً كان أوْلى. (وكذا لو حلف بالتوراة، أو الإنجيل، ونحوهما من كتب الله) المنزَّلة كالزَّبور وصحف إبراهيم وموسى؛ لأن إطلاق اليمين إنما ينصرف إلى المنزَّل من عند الله دون المبدَّل، ولا تسقط حُرمة شيء من ذلك بكونه منسوخَ الحكم بالقرآن؛ إذ غايته أن يكون كالآية المنسوخ حكمُها من القرآن، ولا تخرج بذلك عن كونها كلام الله تعالى. (وإن قال: أحلف بالله، أو: أشهد بالله، أو: أقسم بالله، أو: أعزِم بالله) كان يمينًا. (أو) قال: (أقسمتُ بالله، أو: شهدتُ بالله، أو: حلفتُ بالله، أو: آلَيْتُ بالله) أو: عزمتُ بالله (كان يمينًا) نوى به اليمين أو أطلق؛ قال تعالى: ﴿فيُقسمان بالله﴾ (٢) وقال: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾ (٣) وقال: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ (٤)؛ ولأنه لو قال: بالله، ولم يَذْكُرِ الفعلَ، كان يمينًا، فإذا ضمَّ إليه ما يؤكده، كان أوْلى. (وإن لم يذكر اسمَ الله كأنْ قال: أحلفُ، أو: حلفتُ، أو: أشهدُ، أو: شهدتُ. . . إلى آخرها) كـ: أقسمتُ، أو: أقسم، أو: عزمتُ، أو:

стр. 6870

أعزم، أو: آلَيْتُ (لم يكن يمينًا) لأنه يحتمل القسم بالله ويحتمل القسم بغيره، فلم يكن يمينًا كغيره مما يحتملهما (إلا أن ينوي) لأن النية صرفَتْه إلى القَسَم بالله، فيجب جعله يمينًا كما لو صَرَّح به، وقد ثبت له عُرف الشرع والاستعمال. (وإن قال: نويتُ -بـ: أقسمتُ بالله ونحوه-: الخبرَ عن قسم ماض، أو) نوى (بقوله: شهدت بالله: آمنتُ به، أو) نوى (بـ: أقسم ونحوه) كـ: أحلف (الخبرَ عن قسم يأتي، أو) نوى (بـ: أعزِم: القصدَ دون اليمين؛ دُيِّن وقُبل حكمًا) لأنه محتمل (ولا كفارة) إذًا حيث كان صادقًا؛ لعدم اليمين. (وإن قال: حَلِفًا بالله، أو: قسمًا بالله، أو: أليَّة بالله، أو: آلِيّ بالله، فهو يمين ولو لم ينوها) لأنه صريح. (وإن قال: أستعينُ) بالله (أو: أعتصم بالله، أو: أتوكلُ على الله، أو: عَلِم الله، أو: عَزَّ الله، أو: تبارك الله، ونحوه) كـ: الحمد لله، و: سبحان الله (لم يكن يمينًا، ولو نوى) به اليمين؛ لأنه لا شرع ولا لغة، ولا فيه دلالة عليه. فصل (وحروف القسم) ثلاثة: (باء) وهي الأصل؛ لأن الأفعال القاصرة عن التعدِّي تصل بها إلى مفعولاتها؛ ولأنه (يليها مُظهَر ومضمر) وتجامع فعلَ القسم ولا تُجامعه. (وواو يليها مُظهَر) فقط، ولا تُجامع فعلَ القَسَم، وهي أكثر استعمالًا.

стр. 6871

(وتاء) مثناة فوق (تختص اسم الله) تعالى، وهي بدل من الواو، فإذا أقسم بأحد هذه الحروف الثلاثة في موضعه، كان قَسَمًا صحيحًا؛ لأنه موضوع له، كما يدلُّ عليه الكتابُ واستعمالُ العرب، فإن ادعى أنه لم يُرد القسم؛ لم يُقبل. (فإن قال: تالرحمن، أو: تالرحيم) أو: تَرَبِّي، أو: تَرَبِّ الكعبة (لم يكن قسمًا) لأن التاء خاصة بلفظ الجلالة. (و يصحُّ القَسَم بغير حرف القَسَم، فيقول: اللهِ لأفعلنَّ، بالجَرِّ والنَّصْب) لأنه لغة صحيحة، وقد وَرَدَ به عُرف الاستعمال في الشرع، فروى ابن مسعود: "أنَّه لما أخبر النبيَّ ﷺ أنَّه قتَل أبا جهل، قال له النبي ﷺ : إنَّك قتلتَه؟ قال: الله إني قتلتُه" (١)، و"قال النبيُّ ﷺ لرُكانةَ لما طَلَّق امرأته: الله ما أردتَ إلا واحدة؟ " (٢). (وإن رَفَعه) أي: "الله" (كان يمينًا) لأنه في العُرف العام يمين، ولم يوجد ما يصرفه عنه (إلا أن يكون) الحالف (من أهل العربية ولا ينوي به اليمين) لأنه ليس بيمين في عُرف أهل اللغة ولا نواها، فإن نواها، كان يمينًا. (وإن نصبه) أي: المقسَم به (بواو، أو رَفَعه معها أو دونها، فيمين، إلا ألا يريد عربيٌّ (٣)) اليمينَ، فلا تكون يمينًا؛ لما تقدم. (و "ها اللهِ" يمينٌ بالنية) فإن لم ينوِ، لم تكن يمينًا؛ لأنه لم يقترن بها عُرف ولا نية ولا حرف يدلُّ على القسم.

стр. 6872

قلت: ويتوجَّه في مثل: تالرحمن، و: لله، أنه يمين بالنية. (قال الشيخ (١): الأحكام) من قَسَم وغيره (تتعلَّق بما أراده الناس بالألفاظ الملحونة، كقوله: حلفت بالله، رفعًا ونصبًا، و) كقوله: (والله باصوم وباصلِّي، ونحوه، وكقول الكافر: أشهد أن محمدٌ رسولَ الله -برفع الأول ونصب الثاني-، و) كقوله: (أوصيت لزيدًا بمائة، و: أعتقت سالمٌ، ونحو ذلك. وقال: مَنْ رام جعل جميع الناس في لفظ واحد بحسب عادة قوم بعينهم، فقد رام ما لا يمكن عقلًا ولا يصلح شرعًا. انتهى، وهو كما قال) لشهادة الحسّ به. (ويُجاب القَسَم في الإيجاب) أي: الإثبات (بـ "إنْ" خفيفة) كقوله تعالي: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ (٢) (و) بـ "إنَّ" (ثقيلة) كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ (٣) (وبلام التوكيد) نحو قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْويمٍ﴾ (٤) (وبـ "قد") نحو قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ (٥) (و) بـ ("بل"، عند الكوفيين) كقوله تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ (٦) وعند البصريين: جواب القسم محذوف، وبينهم في تقديره خلاف (٧). (و) يُجاب القَسَم (في النفي بـ "ما") النافية نحو: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى

стр. 6873

مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ (١) (و "إنْ" بمعناها) أي: النافية، كقوله تعالى: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إلَّا الْحُسْنَى﴾ (٢) (وبـ "لا") كقول الشاعر (٣): وآلَيْتُ لا أرثي لها من كَلالةٍ … ولا من حَفًى حتى تلاقي محمدا (وتُحذف "لا" لفظًا) من جواب القسم مضارعًا (نحو: والله أفعل) ومنه قوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ (٤) قال في "الشرح": وإن قال: والله أفعل، بغير حرف، فالمحذوف ها هنا: "لا" وتكون يمينه على النفي؛ لأن موضوعه في العربية كذلك، ثم استدل له بالآية وغيرها. (و يَحرم الحَلِف بغير الله و) غير (صفاته، ولو) كان الحَلِف (بنبيّ؛ لأنه شِرْكٌ في تعظيم الله) لحديث ابن عمر مرفوعًا قال: "مَنْ حلَف بغير الله فقد أشْرَك" رواه الترمذي (٥) وحسنه، ورجاله ثقات؛ قاله في

стр. 6874

"المبدع". وروى ابن عمر: "أنَّ النبي ﷺ سمع عمرَ وهو يحلفُ بأبيهِ، فقال: إنَّ الله ينهاكم أنْ تحلِفوا بآبائكُمْ، فمَنْ كان حالفًا، فلْيَحْلِفْ بالله أو ليصمُتْ" متفق عليه (١). (فإن فعله) أي: حلف بغير الله وصفاته (استغفر) الله (وتاب) بالندم والإقلاع، والعزم على ألا يعود. (ولا كفَّارة في اليمين به) لأنها وجبت في الحَلِف بالله وصفاته للاسم الأعظم، وغيرُه لا يساويه (ولو كان الحَلِف برسول الله ﷺ ) خلافًا لكثير من الأصحاب؛ لأنه أحدُ شرطي الشهادتين اللتين يصير بهما الكافر مسلمًا. و (سواء أضافه) أي: المحلوف به -غير الله وصفاته- (إلى الله، كقوله: ومعلومِ الله، وخلقه، ورزقه، وبيته، أو لم يُضِفْه، مثل: والكعبةِ، والنبي، وأبي، وغير ذلك) لعموم الأخبار. (و يُكره) الحَلِف (بطلاق وعَتاق) بفتح العين؛ لقوله ﷺ : "فمَنْ كان حالفًا فلْيَحْلِفْ بالله أو ليصمُتْ" متفق عليه (١).

стр. 6875

فصل (ويُشترط لوجوب الكفَّارة ثلاثة شروط: أحدها: أن تكون اليمين منعقِدة) لأن غير المنعقدة إما غموس أو نحوها، وإما لغو، ولا كفَّارة في واحد منهما (وهي) المنعقدة (١) (التي يمكن فيها البِرُّ والحنث) لأن اليمين للحثِّ والمنع (بأن يقصد عَقْدها على مستقبل) لقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ (٢) فأوجب الكفَّارة في الأيمان المنعقِدة، فظاهره إرادة المستقبل من الزمان؛ لأن العقد إنما يكون في المستقبل دون الماضي. (فلا تنعقد يمين النائم، و) لا يمين (الصغير قبل البلوغ، و) لا يمين (المجنون ونحوهم) كزائل العقل بشرب دواء، أو مُحَرَّم مُكرَهًا؛ لحديث: "رُفعَ القلمُ عن ثلاثٍ" (٣). (و) لا ينعقِد (ما عُدَّ من لغوِ اليمين) لقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ (٤). (فأما اليمين على الماضي فليست مُنعقِدةً) لأن شرط الانعقاد إمكان البِر والحنث، وذلك مُتعذِّر في الماضي.

стр. 6876

(وهي) أي: اليمين على الماضي (نوعان: غموس، وهي التي يحلف بها) على الماضي (كاذبًا عالمًا) سُمِّيت غموسًا؛ لأنها (تغمِسه) أي: الحالف بها (في الإثم، ثم في النار؛ ولا كفَّارة فيها) لقول ابن مسعود: "كنَّا نَعدُّ من اليمين التي لا كفارةَ فيها اليمين الغَمُوس" رواه البيهقي (١) بإسناد جيد. وهي من الكبائر؛ للخبر الصحيح (٢). (ويكفِّرُ كاذبٌ في لِعانه؛ ذكره في "الانتصار") هذا مبنيٌّ على وجوب الكفَّارة في اليمين الغموس كما في "المبدع" فكان الأوْلى حذفه. (وإن حلف على فِعْلٍ مستَحِيل لذاته، أو) مستحيل لـ (ـغيره، كأنْ قال: والله لأصعدنَّ السماء، أو: إن لم أصعد، أو: لأشربنَّ ماء الكُوز، ولا ماءَ فيه، عَلِمَ أن فيه ماء أو لا، أو: إنْ لم أشربه، أو) قال: والله (لأقتُلَنَّه) أي: زيدًا مثلًا (فإذا هو ميت، علمه) ميتًا (أو لم يعلمه، ونحو ذلك؛ انعقدت يمينه) لأنها يمين على مستقبل (وعليه الكفَّارة في الحال)

стр. 6877

لأنه مأيوس منه. (وإن قال: والله إن طرت، أو): والله (لا طرت، أو): والله إن -أوْ لا- (صعدت السماء، أو): والله إن -أو لا- (شاء الميت، أو): والله إن -أو لا- (قلبت الحجر ذهبًا، أو): والله إن -أو لا- (جمعت بين الضدين) أو النقيضين (أو): والله إن -أو لا- (رددت أمسِ، أو): والله إن -أو لا- (شربت ماء الكُوز، ولا ماء فيه، ونحوه) من المستحيلات (فهذا لغوٌ) ولا كفَّارة فيه؛ لعدم وجود المحلوف عليه (وتقدَّم) ذلك (في) باب (الطلاق في الماضي والمستقبل (١)) وأن العتق والظِّهار ونحوها كذلك. (وإن قال: والله ليفعلن فلان كذا، أو): والله (لا يفعلن) فلان كذا، فلم يُطعه (أو حلف على حاضر فقال: والله لتفعلنَّ) يا فلان (كذا، أو: لا تفعلنَّ كذا، فلم يُطِعْه؛ حَنِثَ (٢) الحالف) لعدم وجود المحلوف عليه (والكفارة عليه) أي: الحالف، في قول ابن عمرَ والأكثر (٣)، و (لا) تجب الكفَّارة (على من أحنثه) لظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ (٤). (وإن قال: أسألك بالله لتفعلنَّ، وأراد اليمين، فكالتي قبلها) يحنث إن لم يفعل المحلوف عليه، والكفَّارة على الحالف.

стр. 6878

(وإن أراد الشفاعة إليه بالله) تعالى (فليست بيمين) لعدم الإقسام. (ويُسنُّ إبرار القَسَم) لقول العباس للنبي ﷺ : "أقْسَمتُ عليكَ لَتُبايعنَّه، فبايَعه النبي ﷺ وقال: أبْرَزْتُ قَسَمَ عمِّي" (١) ولا يجب؛ لقول

стр. 6879

أبي بكر الصدِّيق للنبي ﷺ : "أقسمتُ عليك لتُخْبرَني بما أصبتُ مما أخطأتُ، فقال رسول الله ﷺ : لا تُقْسِمْ يا أبا بكرٍ" رواه أبو داود (١). (كـ) ـــــما يُسَنّ (إجابةُ سؤالٍ بالله) قياسًا على القَسَم به (ولا يلزم) ذلك، قال الشيخ تقي الدين: إنما تجب على معين (٢). فلا تجب إجابة سائل يُقسم على الناس، وروى أحمد والترمذي -وقال: حسن غريب- عن ابن عباس مرفوعًا، قال: "وأُخبرُكم بشَرِّ النَّاس؟ قلنا: نعم يا رسولَ الله، قال: الذي يُسألُ بالله ولا يُعطي به" (٣)، فدلَّ على إجابة مَنْ سأل بالله. (وإن أجابه إلى صورة ما أقسم عليه دون معناه عند تعذُّر المعنى) أي: المقصود (فَحَسَنٌ) لأن فيه صورة إجابة.

стр. 6880

(و) النوع (الثاني) من نوعي الحَلِف على الماضي: (لَغْوُ اليمين، وهو سَبْقها على لسانه من غير قَصْدٍ، كقوله: لا والله، و: بلى والله، في عُرض حديثه) لحديث عطاء، عن عائشة: أن النبي ﷺ قال: "اللَّغْوُ في اليمينِ: كلامُ الرَّجل في بيته: لا والله، و: بلى والله" رواه أبو داود (١) قال: ورواه الزهري وعبدالله بن أبي سليمان (٢) ومالك بن مِغْول؛ عن عطاء، عن عائشة، موقوفًا (٣). وكذا رواه البخاري (٤). وعُرض الشيء -بضم العين- جانبه. و-بفتحها-: خلاف الطول. (وظاهره: ولو) كان قوله: لا والله، وبلى والله، في عرض

стр. 6881

حديث (١) على شيء يفعل (في) الزمن (المستقبل) لظاهر الخبر. (ولا كفَّارة فيها) لقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ (٢). (وإن عَقَدها على زمنٍ ماضٍ يظنُّ صِدْقَ نفسِه) كأنْ حلف: ما فعل كذا، يظنُّه لم يفعله (فبان بخِلافه؛ حَنِثَ في طلاقٍ وعَتاق فقط، وتقدَّم آخِرَ تعليقِ الطلاق بالشروط (٣)) بخلاف الحَلِف بالله تعالى، أو بنذر أو ظِهار؛ لأنه من لَغْوِ الأيمان كما تقدم أول الكتاب (٤). (وقال الشيخ (٥): وكذا لو عَقَدها على زمنٍ مستقبل ظانًّا صدقه، فلم يكن) صدقُه (كمن حَلَف على غيره، يظنُّ أنه يطيعه، فلم يفعل، أو ظنَّ المحلوف عليه خلاف نِيَّة الحالف، ونحو ذلك) كظنِّه خلاف سبب اليمين. (الشرط الثاني: أن يحلف مختارًا، فلا تنعقد يمين مُكرَه) وتقدم (٤). الشرط (الثالث: الحِنْث في يمينه) لأن مَنْ لم يحنث لم يهتك حُرمةَ القَسَمِ (بأنْ يفعل ما حلف على تَرْكه، أو يترك ما حَلَف على فِعْلِه، ولو معصية) لأن الحنث الإثم، ولا وجود له إلا بما ذكر (مختارًا ذاكرًا، فإنْ فعله مُكْرَهًا أو ناسيًا، فلا كفَّارة) لحديث: "عفيَ لأمتي عن الخطإِ

стр. 6882

والنِّسيانِ وما استُكْرِهوا عليه" (١). (ويقع الطلاق والعَتَاق) إذا فعل المحلوف عليه بهما (ناسيًا، وتقدَّم) في تعليق الطلاق بالشروط في مسائل متفرقة (٢). (وجاهلٌ كناسٍ) فلو حلف: لا يدخل دارَ زيدٍ، فدخلها جاهلًا أنها دارُه، حَنِثَ في طلاق وعَتَاق فقط، بخلاف مما لو فعله مجنونًا، فلا يحنث مطلقًا. فصل (ويصحُّ الاستثناء في كلِّ يمين مكفَّرة) أي: تدخلها الكفَّارة (كاليمين بالله) تعالى (والظِّهار والنَّذْر) لحديث ابن عُمر مرفوعًا قال: "مَنْ حلف على يمين فقال: إنْ شاء الله، فلا حِنثَ عليه" رواه أحمد والنسائي والترمذي (٣) وحسَّنه، وقال: رواه غير واحد عن ابن عُمر مرفوعًا، ولا نعلم أحدًا رفعه غير (٤) أيوب السّخْتِياني، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم. (فإذا حَلَف) بالله، أو بالظِّهار، أو النذر (فقال: إنْ شاء الله، أو: إنْ أراد الله، وقَصَد بها) أي: بالإرادةِ (المشيئةَ، لا مَنْ أراد) بإرادته (محبتَه) تعالى (وأمْرَه، أو أراد) بـ: إنْ -شاء الله، أو:- أراد الله

стр. 6883

(التحقيقَ لا التعليقَ؛ لم يحنث، فَعَل) ما حلف على فِعْله أو تَرْكه (أو تَرَك) ما حلف ليفعلنَّه، أو لا يفعله؛ لما تقدم؛ ولأنه متى قال: لأفعلنَّ إنْ شاء الله، فقد علمنا أنه متى شاء الله فعل، ومتى لم يفعل لم يشأ الله (قدَّم الاستثناء) كـ: إنْ شاء الله واللهِ لا أفعل كذا (أو آخَّره) كـ: لا أفعل كذا إن شاء الله (إذا كان) الاستثناء (متصلًا لفظًا، أو حكمًا كانقطاعه بتنفُّس، أو سعال، أو عطاس، أو عِيٍّ ونحوه) كتثاؤب؛ لأن الاستثناء من تمام الكلام فاعتُبر اتصاله كالشرط وجوابه، وخبر المبتدأ. (ويُعتبر نطقه) أي: الحالف (به) أي: بالاستثناء، بأن يتلفَّظ به (ولا ينفعه) الاستثناء (بالقلب، إلا من مظلوم خائف) ولم يقيد (١) في "المستوعب": خائف؛ لأن يمينه غير منعقدة؛ أو لأنه بمنزلة المتأوّل. (و) يُعتبر (قَصْد الاستثناء قبل تمام المُستثنى منه، فلو حَلَف غير قاصد الاستثناء، ثم عرض له) الاستثناء (بعد فراغه من اليمين فاستثنى؛ لم ينفعه) الاستثناء؛ لعدم قَصْده له أوَّلًا. (ولو أراد الجزم) بيمينه (فَسَبق لسانُهُ إلى الاستثناء من غير قَصْدٍ، أو كانت عادته جاريةً به) أي: الاستثناء (فجرى على لسانه من غير قَصْدٍ؛ لم يصح) استثناؤه؛ لحديث: "وإنما لكلِّ امرئٍ ما نَوى" (٢). (وإن شَكَّ فيه) أي: الاستثناء (فالأصلُ عدمُه. وإن قال: والله لأشربنَّ اليوم إنْ شاء زيدٌ، فشاء زيدٌ) انعقدت يمينه؛ لوجود المعلَّق عليه (و) متى (لم يشربْ حتى مضى اليوم؛ حَنِث) لفوات المحلوف عليه.

стр. 6884

(وإن لم يشأ زيدٌ؛ لم يلزمه يمين) لأنه لم يوجد شَرْطُه المعلَّق عليه، كالطلاق المعلَّق على شرط. (فإن لم يعلم) الحالف (مشيئته) أي: زيدٍ (لغَيْبة أو جنون أو موت؛ انحلَّت اليمين) أي: لم تنعقد؛ لعدم تحقُّق شَرْطها، والأصلُ عدمُه. (و) لو حلف: (لا أشرب إلا أن يشاء زيد، فإن شاء، فله الشُّرب) ولا حِنْث؛ لعدم شرطه (وإن لم يشأ) زيد (لم يشرب) الحالفُ، ويحنث به؛ لوجود شرطه -وهو الشُّرب- بغير إذن زيد. (فإن خفيت مشيئته لغَيْبته أو موت أو جنون؛ لم يشرب) لأن الأصل عدمُها (وإن شرب؛ حَنِث) لوجود المعلَّق عليه. (و) إن قال: (لأشربنَّ إلا أنْ يشاء زيد، فإن شرب قبل مشيئة زيد؛ بَرَّ) لأنه فعَل ما حلف ليفعلنَّه. (وإن قال زيدٌ: قد شئتُ ألا تشرب؛ انحلَّت يمينه) فلا حنث عليه بعدُ؛ لأنه شرب بغير إذن زيد. (وإن قال) زيدٌ: (قد شئتُ أن تشرب، أو) قال زيد: (ما شئتُ ألا تشرب؛ لم تنحلَّ) يمينه، فيحنث إن شرب؛ لأنه شرب بإذن زيد. (فإن خفيت مشيئته؛ لزمه الشُّرب) لأن الأصل عَدَمُها، ومعنى لزومه له: أنه إنْ فعله لا حِنْث، فلا كفَّارة، وإن تَرَكه كفَّر. (و) لو حلف: (لا أشرب اليوم إن شاء زيد، فقال زيدٌ: فقد شئتُ ألا تشربَ، فشرِبَ؛ حَنِث) لمخالفته ما حلف عليه. (وإن شرب) الحالفُ (قبل مشيئته؛ لم يحنث) لعدم انعقاد يمينه في مشيئة زيد؛ لكونها معلَّقة عليها، والمعلَّق على شيء لا يوجد قبله. (وإن خفيت مشيئته، فهي في حكم المعدوم) لأن الأصلَ عدمُها.

стр. 6885

(والمشيئة في هذه المواضع) وشبهها (أن يقول بلسانه: قد شئتُ) ولا يصح تعليق المشيئة كما تقدَّم، ومتى قال ذلك؛ فقد شاء، ولو كان كارهًا (١)، كما سبق في الطلاق (٢). (وإذا حلف ليفعلنَّ شيئًا، ونوى وقتًا بعينه) كيوم أو شهر أو سنة (تقيد به) لأن النية تصرف ظاهر اللفظ إلى غير ظاهره، فَلأَنْ تصرِفَه إلى وقت آخر بطريق الأوْلى. (وإن لم ينوِ) وقتًا بعينه (لم يحنثِ) الحالفُ (حتى ييأس من فعله، إما بتلف المحلوفِ عليه، أو موتِ الحالف ونحوه) لقول عمر: "يا رسولَ الله، ألَم تُخْبِرْنا أنَّا سنأتي البيتَ ونطوف به؟ قال: بلى، فأخبَرتُكَ أنَّكَ تأتيه العَامَ؟ قال: لا. قال: فإنَّك آتِيه وتطوف به" (٣)؛ ولأن المحلوف على فعله لم يتوقَّت بوقت معيَّن، وفعله ممكن، فلم تحصُل مخالفة ما حلف عليه، وذلك يوجب عدم الحنث. (وإن لم تكن له نية، لم يحنث قبل اليأس من فعله) هذا تكرار. (و إذا حلف على يمين فرأى غيرَها خيرًا منها، سنَّ له الحِنْثُ والتكفيرُ) لأخبار منها خبر عبدالرحمن بن سَمُرةَ وأبي موسى؛ متفق عليهما (٤). وسبق تقسيمه إلى الأحكام

стр. 6886

الخمسة (١). (و لا يُستحبُّ تكرار الحَلِف، فإن أفرط، كُره) لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ (٢) وهذا ذمٌّ؛ ولأنه لا يكاد يخلو من الكذب. وعُلِم منه أنه لا كراهة في الحَلِف مع عدم الإفراط؛ لأنه ﷺ حلف في غير حديث (٣). (وإن دُعي إلى الحَلِف عند الحاكم وهو مُحِقٌّ، استُحِبَّ له افْتِداءُ يمينِه) لما رُوي: "أنَّ عثمانَ والمقدادَ تَحاكما إلى عمرَ في مالٍ استقرضه المقدادُ، فجعَل عمرُ اليمينَ على المقداد، فردَّها على عثمانَ، فقالَ عمرُ: لقد أنْصَفكَ، فأخذ عثمانُ ما أعطاه المقدادُ ولم يحلِف. فقيلَ له في ذلك؟ فقال: خِفتُ أنْ توافقَ قَدَرَ بلاءٍ، فيُقال: بيمين عثمانَ" (٤).

стр. 6887

(فإن حلف) مَنْ دُعِي إلى الحَلِف عند الحاكم مُحِقًّا (فلا بأس) لأنه حَلِفُ صِدْق على حَقّ، أشبه الحَلِف عند غير الحاكم. "تتمة": ذكر في "المستوعب" و"الرعاية": أنه إن أراد اليمين عند غير الحاكم فالمشروع أن يقول: والذي نفسي بيده، والذي فَلَقَ الحَبَّة وبَرَأ النَّسَمة، لا ومُقلِّب القلوب، وما أشبه ذلك. فصل (وإن حرَّم أمَتَه أو) حرَّم (شيئًا من الحلال غير زوجته، كقوله: ما أحلَّ الله عليَّ حرام -ولا زوجة له- أو) قوله: (هذا الطعام عليَّ حرام، أو: طعامي عليَّ كالميتة والدم ونحوه) كلحم الخنزير (أو علَّقه) أي: التحريم (بشرط، مثل: إن أكلته) أي: هذا الطعام (فهو عليَّ حرام، أو) قال: (حرام عليَّ إن فعلتُ كذا، ونحوه؛ لم يحرم) لأنه تعالى سَمَّاه يمينًا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ. . .﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (١) واليمين على الشيء لا تُحَرِّمه؛

стр. 6888

ولأنه لو كان مُحَرَّمًا، لتقدمت الكفَّارة عليه كالظِّهار، ولم يأمر النبيُّ ﷺ بفعله، وسَمَّاه خيرًا (١) (وعليه كفَّارة يمين؛ إن فعله) لقوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (٢)، وعن ابن عباس وابن عمر: (أن النبي ﷺ جعل تحريمَ الحلال يمينًا" (٣). (وإن قال: هو يهودي أو نصراني، أو كافر أو مجوسي، أو يكفُر بالله، أو يعبد الصليب، أو غيرَ الله، أو) هو (بريء من الله، أو) هو بريء (من الإسلام، أو) من (القرآن، أو) من (النبيِّ ﷺ ، أو لا يراه الله في موضع كذا، إن فعل كذا. أو قال: أنا أستحل الزنى، أو شُرب الخمر، أو أكل لَحْمِ الخنزير، أو ترك الصلاة، أو) ترك (الزكاة، أو) ترك (الصيام، ونحوه) كترك الحج (إن فعلت) كذا (لم يكفُر، وقد فعل مُحَرَّمًا) لحديث ثابت بن الضحاك مرفوعًا: "مَنْ حَلف على يمينٍ بملّةٍ غير الإِسلام كاذبًا

стр. 6889

متعمّدًا، فهو كما قَال" متفق عليه (١). وعن بُريدة مرفوعًا قال: "مَنْ قال: إنه بريءٌ من الإسلام، فإنْ كان كاذبًا، فهو كما قال، وإنْ كان صادقًا لم يَعُدْ إلى الإسلام سالمًا" رواه أحمد والنسائي وابن ماجه بإسناد جيد (٢) (تلزمه التوبة منه) كسائر المحرمات. (وعليه إن فعله كفَّارة يمين) لحديث زيد بن ثابت: "أن النبيَّ ﷺ سُئل عن الرجل يقول: هو يهوديٌّ أو نصرانيٌّ أو مجوسي، أو بريءٌ من الإسلام في اليمين يحلف بها، فيَحْنث في هذه الأشياء؟ فقال: عليهِ كفَّارةُ يمينٍ" رواه أبو بكر (٣)؛ ولأن قول هذه الأشياء يوجب هَتْكَ الحرمة، فكان يمينًا كالحَلِف بالله تعالى، بخلاف: هو فاسق ونحوه.

стр. 6890

(واختار الموفَّق والناظم: لا كفارة) عليه؛ لأنه لم يرد في ذلك نص ولا هو في معنى المنصوص عليه. (وإن قال: عصيت الله، أو: أنا أعصي الله في كل ما أمرني به، أو: محوتُ المصحفَ، إن فعلتُ) كذا (وحَنِث، فلا كفَّارة) عليه؛ لأن هذه الأشياء لا نصَّ فيها يقتضي الوجوب، ولا هي في معنى ما سبق، فيبقى الحالف على البراءة الأصلية. (وإن قال: أخزاه الله، أو: قَطَع) الله (يديه و (١) رجليه، أو: أدخله) الله (النار، أو: لَعَنه) الله (إن فعل، أو) قال: (لعمري لأفعلن، أو) قال: (عبدُ فلان حر لأفعلن، أو: إن فعلت كذا فمالُ فلانٍ صَدَقة، أو: فعلى فلان حجة، أو:) إن فعلت، فـ (ـــمال فلان حرام عليه، أو فلان بريء من الإسلام ونحوه) كـ: إن فعلت، ففلان يهودي (فَلَغْوٌ) لأنه ليس في ذلك ما يوجب هَتْك الحُرمة، فلم تكن يمينًا. (وإن قال: أيمان البيعة تلزمُنِي، فهي يمين رتَّبها الحَجَّاج) بن يوسف بن الحكم بن عقيل الثقفي (٢) (والخليفة المُعتمِد) على الله العباسي لأخيه الموفق لما جعله ولي عهده (٣) (تشتمل على اليمين بالله تعالى، والطلاق والعَتاق، وصدق المال) زاد بعضهم: والحج (فإن كان الحالف يعرفها ونواها؛ انعقدت يمينه بما فيها) من الطلاق والعَتاق وغيرهما؛ لأنها كناية (وإن لم يعرفها ولم ينوِها) الحالف بها (أو عَرَفها ولم ينوِها، أو نواها ولم يعرِفْها، فلا شيء عليه) لأنها كناية، فلا بُدَّ فيها

стр. 6891

من النية والمعرفة؛ لأن مَنْ لم يعرف شيئًا، لم يتأتَّ أن ينويه. (ولو قال: أيمان المسلمين تلزمُنِي إن فعلتُ كذا، وفعله؛ لزمته يمين الظِّهار والطلاق، والعَتَاق، والنَّذْر، واليمين بالله، إذا نوى (١) ذلك) لأنها كناية، فاعتبرت فيها النية كسائر الكنايات (ولو حَلَفَ بشيء من هذه الخمسة فقال له آخر: يميني مع يمينك، أو) قال: (أنا مِثْلِ يمينك، يريد التزامَ مثل يمينه؛ لزمه ذلك) كباقي الكنايات (إلا في اليمين بالله) تعالى؛ لأنها لا تنعقد بالكناية، ولم يظهر لي تحريرُ الفرقِ بينها وبين أيمان البيعة وأيمان المسلمين، حيث انعقدت اليمين بالله فيها بالكناية على ما ذكره هو وصاحب "المنتهى" (٢). (وإن لم ينوِ شيئًا؛ لم تنعقِدْ يمينه) لأن الكناية لا تنعقد بغير نية. (و إن قال: عليَّ نَذْر أو يمين) إن فعلتُ كذا (أو) قال: (عليَّ عهد الله -أو ميثاقه- إن فعلتُ كذا، وفعَله؛ كفَّر كفارة يمين) لما روى الترمذي -وصححه- عن عقبة مرفوعًا قال: "كفَّارة النذر إذا لم يُسَمَّ كفَّارةُ يمينٍ" (٣). (وكذا: عليَّ نذر أو يمين فقط) فتلزمه كفارة يمين.

стр. 6892

(وإن أخبر عن نفسه بحَلِف بالله ولم يكن حلف، فهي كِذْبة لا كفَّارة عليه فيها) وإن قال: مالي للمساكين، وأراد به اليمين، فكفَّارة يمين؛ ذكره في "المستوعب" و"الرعاية". فصل في كفارة اليمين (وفيها تخيير وترتيب) فالتخيير بين الإطعام والكِسوة والعتق، والترتيب فيها بين ذلك وبين الصيام. والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ. . .﴾ الآية (١). (فيخيَّر مَنْ لزمته بين ثلاثة أشياء: إطعام عشرة مساكين مسلمين أحرارًا، ولو صغارًا) كالزكاة (جنسًا (٢) كان المُطْعَمُ) كأنْ يطعمهم بُرًّا (أو أكثر) من جنس، كأنْ أطعم البعضَ بُرًّا، والبعضَ شعيرًا، والبعضَ تمرًا، والبعضَ زبيبًا. (أو كِسْوتُهم) أي: العشرة مساكين. (أو تحرير رقبة) مؤمنة، كما تقدم في الظِّهار (٣). (فمن لم يجد) بأنْ عَجَزَ عن العتق والإطعام والكِسوة (فصيام ثلاثة أيام) للآية.

стр. 6893

(والكُسْوة: ما تُجزئ صلاةُ) المسكين (الآخذِ الفرضَ فيه، للرجل ثوبٌ، ولو عتيقًا، إذا لم تذهب قُوَّتُه) فإن بَلِيَ وذهبت منفعته؛ لم يجزئه؛ لأنه معيب (أو قميص يجزئه أن يصلي فيه الفرضَ، نصًّا) نقله حرب (١) (بأن يجعل على عاتقه منه شيئًا) بعد ستر عورته (أو ثوبان يأتزر بأحدهما ويرتدي بالآخر، ولا يجزئه مئزر وحده، ولا سروايل) وحده؛ لأن الفرض لا يجزئ فيه. (وللمرأة دِرْعٌ) أي: قميص (وخِمَارٌ يجزئها أن تُصلِّي فيه) لأن ما دون ذلك لا يجزئ لابسه في الصلاة، ويُسمَّى عريانًا. (وإن أعطاها) المكفِّر (ثوبًا واسعًا يمكن أن يستر) الثوبُ (بدنَها ورأسها؛ أجزأه) إناطةً بستر عورتها. (ويجوز أن يكسوهم من جميع أصناف الكُسوة مما يجوز للآخذ لبسه من قُطن وكَتَّان، وصوف وشعر ووبر، وخزٍّ وحرير، وسواء كان مصبوغًا أو لا، أو خامًا أو مقصورًا) لعموم الآية. (ويجوز أن يُطْعِمَ) المكفِّر (بعضًا) من العشرة (ويكسوَ بعضًا) منهم؛ لأن الله تعالى خيَّر من وجبت عليه كفَّارة اليمين بين الإطعام والكِسوة، فكان مرجعهما إلى اختياره في العشرة وفي بعضهم، بخلاف ما لم يُخيّره فيه. (فإن أطعم المسكينَ بعضَ الطعامِ، وكساه بعضَ الكُسْوة) لم يجزئه؛ لأنه لم يُطعمه ولم يَكسُه (أو أعتق نصف عبد، وأطعم خمسة أو كساهم) لم يجزئه؛ لأنه لم يُحَرِّر رقبة ولم يُطْعِم -أو يَكسُ- عشرة (أو أطعم) بعض العشرة (وصام) دون الثلاثة (لم يجزئه).

стр. 6894

وكذا لو كسا البعضَ وصام، أو أعتق نصفَ رقبة وصام للباقي؛ لأنه لم يعتق رقبةً، ولم يُطْعِم عشرة، ولم يَكْسُهم، ولم يصم ثلاثة أيام (كبقية الكفَّارات. ولا ينتقل) المكفِّر ليمينه (إلى الصوم إلا إذا عَجَز، كعجزه عن زكاة الفِطْر) كما تقدم. (ولو كان ماله غائبًا؛ استدان) ما يطعمه أو يكسوه أو يعتق به (إن قَدَر) على ذلك (وإلا صام) كمن لا مال له. (والكفَّارة بغير الصوم) من إطعام أو كِسوة أو عتق رقبة (إنما تجب في الفاضل عن حاجته الأصلية الصالحة لمثله، كدارٍ يحتاجُ إلى سُكناها، ودابةٍ يحتاج إلى ركوبها، وخادم يحتاج إلى خدمته، فلا يلزمه بيعُ ذلك) ليكفِّر منه؛ لاحتياجه إليه، فإن كانت الدار فوق ما يصلح لمِثْلِهِ، أو الخادم كذلك، وأمكن بيع ذلك وشراء ما يصلح لمِثْلِهِ والتكفير بالباقي؛ لزمه. (فإن كان له عقار يحتاج إلى أجرته لمؤْنته، أو) لـ (ـــحوائجه الأصلية) من كُسوة ومسكن ونحوهما (أو) كان له (بضاعة يختلُّ رِبْحُها المحتاج إليه بالتكفير منها، أو) كان له (سائمة يحتاج إلى نمائها حاجةً أصليةً، أو) له (أثاث يحتاج إليه، أو كُتُب علم يحتاجها) لنظر أو حفظ (أو ثياب جَمال، ونحو ذلك) كحلي امرأة تحتاجه (أو تعذَّر بيع شيء لا يحتاج إليه؛ انتقل إلى الصوم) لأنه لم يتمكَّن من غيره على وجه لا يضرّه (وتقدَّم بعضُ ذلك في الظهار (١).

стр. 6895

ويجب التتابع في الصوم) لقراءة أُبيٍّ (١) وابن مسعود (٢): "فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ متتابعات" حكاه أحمد ورواه الأثرم (٣). وكصوم الظهار (إن لم يكن عذر) فيسقط به وجوب التتابع، كما تقدم في الظهار (٤). (وتجب كفَّارة يمين ونَذْر على الفور إذا حَنِثَ) لأنه الأصل في الأمر المطلق. (وإن شاء) الحالف (كفَّر قبل الحِنث، فتكون) الكفَّارة (مُحَلِّلةً لليمين، وإن شاء) كفَّر (بعدَه) أي: الحِنْث (فتكون مُكَفِّرة). وممن روي عنه تقديم الكفارة قبل الحِنث: عمر (٥) وابنه (٦) وابن عباس (٧)

стр. 6896

وسلمان (١). وعن عبدالرحمن بن سَمُرةَ: "أن النبي ﷺ قال: يا عبدالرحمن إذا حلفتَ على يمين فرأيتَ غيرها خيرًا منها، فكفِّرْ عن يمينك، ثم ائْتِ الذي هو خيرٌ" رواه أبو داود والنسائي (٢) ورجاله ثقات؛ ولأنه كفَّر بعد سببه، فجاز، ككفارة الظِّهار والقتل بعد الجرح، والحِنْث شرطٌ وليس بسبب (فهما) أي: التكفير قبل الحِنْث وبعده (في الفضيلة سواء) نص عليه (٣)؛ لأن الأحاديث الواردة، فيها التقديم مرَّة والتأخير أخرى (٤). وهذا دليل التسوية (صومًا كانت الكفارة أو غيره) أي: غير صوم؛ لظاهر ما سبق. (ولو كان الحِنْث حرامًا) كأنْ حلف لا يَشْرَبَنَّ (٥) الخمر، أو ليصلين الظهر، خلافًا لما في "المبدع" حيث قال: إذا كان كذلك، كفَّر بعده مطلقًا. (ولا يصح تقديمها) أي: الكفارة (على اليمين) لأنه تقديم الحكم قبل سببه، كتقديم الزكاة قبل ملك النصاب. (وإذا كفَّر بالصوم قبل الحِنْث لفقره) إذًا (ثم حَنِث وهو موسِرٌ؛ لم

стр. 6897

يجزئه) الصوم؛ قاله في "المغني"؛ لأن المُعتبر في الكفَّارات وقت الوجوب، وهو هنا وقت الحِنْث، وقد صار موسرًا، فلا يجزئه الصوم، كما لو صام إذًا. وقال ابن رجب في القاعدة الخامسة (١): وإطلاق الأكثرين يخالف ذلك؛ لأنه كان فرضه في الظاهر، فبرئ من الواجب، فلم يحصُل به الحِنث؛ لأن الكفارة حلَّته. (ومن كرَّر يمينًا موجبها واحد على فِعْل واحد، كقوله: والله لا أكلتُ، والله لا أكلتُ) فكفَّارة واحدة؛ لأن سببها واحد، والظاهر أنه أراد التأكيد (أو حَلَف أيمانًا كفَّارتها (٢) واحدة، كقوله: والله، وعهد الله، وميثاقه، وكلامه) لأفعلن كذا، فكفَّارة واحدة؛ لأنها يمين واحدة (أو كرَّرها) أي: الأيمان (على أفعال مختلفة قبل التكفير، كقوله: والله لا أكلتُ، والله لا شربتُ، والله لا لَبِستُ، فـ) ـــعليه (كفَّارة واحدة) لأنها كفَّارات من جنس، فتداخلت كالحدود. (ومثله الحَلِف بنذور مُكَرَّرة) فتجزئه كفَّارة واحدة. (ولو حلف يمينًا واحدة على أجناس مختلفة، كقوله: والله لا أكلت، ولا شربت، ولا لبستُ، فـ) ـــعليه (كفَّارة واحدة، حَنِث في الجميع أو في واحد، وتنحلُّ البقية) قال في "المبدع": بغير خلاف نعلمه؛ لأن اليمين واحدة والحِنْث واحد. (وإن كانت الأيمان مختلفة الكفَّارة كالظِّهار واليمين بالله، فلكلِّ يمين كفَّارتها) لأنها أجناس، فلم تتداخل، كالحدود من أجناس.

стр. 6898

(وليس لرقيقٍ أن يكفِّر بغير صوم، ولو أذن له سيده في العتق والإطعام) فلا يصحان (لأنه لا يَملك) ولو مُلِّكَ، غير المُكاتَب. (وليس لسيده مَنْعُه من الصوم، ولو أضرَّ) الصومُ (به) كصوم رمضان وقضائه (ولو كان الحَلِف والحِنْث بغير إذنه) أي: السيد، فلا يمنعه من الصوم (ولا مَنْعُه) أي: وليس لسيد منع رقيقه (من نَذْرِ) الصوم. (ويكفِّر كافر -ولو مرتدًّا- بغير صوم) لأن الصوم عبادة، ولا تصح من كافر، وإذا أعتق، فلا يجزئه إلا رقبة مؤمنة. (ومَنْ بعضُه حُرٌّ، فحكمُهُ في الكفَّارة حكم الأحرار) لأنه يملك ملكًا تامًّا، أشبه الحُرَّ الكاملَ (وتقدَّم في) كتاب (الظِّهار بعضُ أحكام الكفَّارة (١)، فليُعاوَد) لأن الحكم واحد.

стр. 6899

باب جامع الأيمان (يُرجع فيها) أي: الأيمان (إلى نِيَّة حالفٍ، إن كان) الحالفُ (غيرَ ظالمٍ) بها (و) كان (لفظُه يحتمِلها) أي: النيةَ، فتتعلَّق يمينُهُ بما نواه دون ما لفَظَ به؛ لقوله ﷺ : "وإنما لكلِّ امرئ" (١)؛ ولأن كلام الشارع يُصرف إلى ما دَلَّ الدليلُ على أنه أراده دون ظاهر اللفظ، فكلام المُتكلِّم مع اطلاعه على إرادته أَوْلى. (ويُقبل) منه (حُكمًا) أنه أراد ذلك (مع قُرْبِ الاحتمال من الظَّاهر وتوسُّطه) لأنه لا يُخالِف الظَّاهر. و (لا) يُقبل منه (مع بُعدِه) أي: الاحتمال؛ لمخالفته للظَّاهر (فتُقدَّم نيته) أي الحالف (على عموم لَفْظِهِ وعلى السبب) الذي هيَّج اليمين؛ لما تقدَّم (سواءٌ كان ما نواه) الحالف (موافقًا لظاهرِ اللفظ أو مخالفًا له. فالموافقُ) من نيته (للظاهر) من لفظه (أن ينويَ باللفظ موضوعه الأصلي، مثل أن ينويَ باللفظ العامِّ العمومَ، و) ينويَ (بالمطلقِ الإطلاقَ، و) ينويَ (بسائر الألفاظ ما يتبادر إلى الأفهام منها. والمُخالِفُ) من النية لظاهر اللفظ (يتنوَّع أنواعًا، منها: أن ينويَ بالعامِّ الخاصَّ، مثل أن يحلِف لا يأكل لحمًا، ولا فاكهة، ويُريد) باللحم (لحمًا بعينه، و) بالفاكهة (فاكهةً بعينها) ونظيره: ﴿الَّذِينَ قَال لَهُمُ النَّاسُ (٢) إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا (٣) لَكُمْ﴾ (٤).

стр. 6900

(ومنها أن يحلِفَ على فعلِ شيءٍ، أو) على (تَرْكه، وينويَ: في وقت) معين (مثل أن يحلِفَ لا يتغدّى، ويريد اليوم. أو: لا أكلت، ويريد الساعة، أو دُعي إلى غداء فحلف لا يتغدَّى، ينوى ذلك الغداءَ) لكن هذا المثال من النوع قبله (اختصَّت يمينه بما نواه) لما تقدَّم. (ومنها أن ينوي بيمينه غيرَ ما يفهمه السامعُ منه) لنحو تورية (كما تقدَّم في التأويل في الحَلِف (١). ومنها أن يريد بالخاصِّ العامَّ) عكس الأول (كقوله: لا شربت لفلان الماء من العطش، ينوي قطع كل ما لَه فيه مِنَّة، أو كان السبب قطع المنَّة، فإنه يحنث بأكل خبزه واستعمارتـ) ـه (٢) (دابته وكل ما فيه المِنَّة) لأنه نوى بيمينه ما يحتمله ويسوغ في اللغة التعبير به عنه، فتنصرف يمينه إليه، كالمعاريض، قال تعالى: ﴿ما يَملكون من قطْمِيرٍ﴾ (٣)، ﴿ولا يُظلمونَ فَتِيلَا﴾ (٤)، و ﴿فإذًا لا يُؤتون النَّاسَ نَقِيرًا﴾ (٥). والقِطْمير: لفافة النواة. والفتيل: ما في شقها. والنَّقير: النُّقرة التي في ظهرها، ولم يرد ذلك بعينه، بل نفى كلِّ شيء، ومثله قول الحطيئة (٦):
следующие страницы →