← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 622

كشاف القناع عن متن الإقناع - ط وزارة العدل

البهوتي

Полный текст (7 407 стр.). Показаны 6931–6970 · переход к 6936.

стр. 6931

اسكت، حَنِث) لأن ذلك كلام، فيدخل فيما حلف على عدمه. قال في "المبدع": وقياس المذهب: لا (إلا أن يكون) الحالف (نوى كلامًا غير هذا) فلا يحنث به. (وإن صَلَّى) الحالف (بالمحلوف عليه إمامًا، ثم سَلَّم) الحالف (من الصلاة، لم يحنث) لأن السلام قول مشروع في الصلاة، فلم يحنث به، كالتكبيرات. (وإن أُرْتِج عليه) أي: على المحلوف عليه (في الصلاة، ففتح عليه الحالف، لم يحنث) لأنه كلام الله، وليس بكلام الآدميين. (ولو كاتبه) الحالف (أو أرسل إليه رسولًا، حَنِثَ) لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ (١) وقول عائشة: "ما بين دَفَّتي المصحف كلامُ الله" (٢)؛ ولأن ذلك وُضِعَ لإفهام الآدميين، أشبه الخطاب. قال في "الشرح" و"المبدع": والصحيح أن هذا ليس بتكليم، لكن لو (٣) نوى ترك مواصلته، أو سبب يمينه يقتضي هجرانه، فإنه يحنث (إلا أن يكون) الحالف (أراد ألا يُشافهه) فلا يحنث بالمكاتبة ولا بالمراسلة. وإن أرسل مَن يسأل أهلَ العِلْم عن مسألة، لم يحنث بسؤال الرسول للمحلوف عليه، كما تقدم في الطلاق (٤)؛ لأنه لم يُراسِله. (وإن أشار إليه، حَنِثَ؛ قاله القاضي) لأن الإشارة في معنى

стр. 6932

المُكاتبة والمراسلة في الإفهام. وقال أبو الخطاب: لا يحنث؛ لأنه ليس بكلام، قال الله تعالى لمريم ﵍: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا … ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ (١)، وأما قوله تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ (٢) فهو استثناء منقطع، وقول أبي الخطاب هو مقتضى ما تقدَّم (٣) في الطلاق أنه لا يحنث بها. (وإن ناداه) الحالف (بحيث) إن المحلوف عليه (يسمع، فلم يسمع؛ لتشاغله أو غفلته) حَنِثَ؛ لأنه كلمه. (أو سَلَّمَ) الحالف (عليه) أي: على مَنْ حلف: لا يكلمه (حَنِثَ) لأن السلام كلام تبطل به الصلاة، فحَنِثَ به كغيره، وفي "الرعاية": إن سَلَّم عليه ولم يعرفه، فوجهان. (وإن سَلَّم على قوم هو فيهم ولم يعلم) به (فكَنَاسٍ) فيحنث في طلاق وعتق فقط. (وإن عَلِم به ولم ينوِه) أي: الحالف بالسلام (ولم يستثنه) الحالف (بقلبه ولا بلسانه، كأن يقول: السلام عليكم إلا فلان، حَنِث) لأنه كلمه؛ لدخوله في المسلَّم عليهم. والسلام كلام؛ لما سبق. و"فلان" مرسوم في النسخ بلا ألف، فيخرَّج على لغة ربيعة؛ لأنه منصوب لا غير. (و) إن حلف: (لا يبتدئه بكلام، فتكلَّما معًا، لم يحنث) لأنه لم يبتدئه (بخلاف: لا كلّمته حتى يُكَلِّمني، أو يبدأني بالكلام، فيحنث بكلامهما معًا) لأنّ يمينه هذه تقتضي ترتيب كلامه على كلام فلان، فإذا

стр. 6933

تكلَّما معًا، لم يوجد الترتيب، فيحنث. (و) لو حلف: (لا يكلِّمُه حينًا، فالحين: ستة أشهر إذا أطلق، ولم ينوِ) الحالف (شيئًا) لأن الحين المطلق في كلام الله تعالى أقلُّه ستةُ أشهرٍ، فَيُحمل مطلق كلام الآدمي عليه. قال عكرمة، وسعيد بن جبير، وأبو عبيدة، في قوله تعالى: ﴿تُؤتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ (١) أي: ستة أشهر (٢). وأما قوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ … ﴾ الآية (٣) وقوله: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾ (٤) فصرفه عن ذلك صارف. (وكذا الزمان معرَّفًا) أي: فهو ستة أشهر؛ قَدَّمه في "المبدع" وغيره ولم يعلله. (وإن قال: زمنًا، أو: دهرًا، أو: بعيدًا، أو: مَليًّا، أو: طويلًا، أو: وقتًا، أو: عُمرًا، أو: حقبًا، فأقل زمان) لأن ما زاد عليه مشكوك في إرادته من اللفظ، والأصل عدمه. (وإن قال: الأبد، و: الدهر، و: العمر، معرَّفًا، فذلك) أي: كل واحد منهما (على الزمان كله) لأن الألف واللام فيها للاستغراق. (والحُقب: ثمانون سنة) روي عن علي (٥) وابن

стр. 6934

عباس (١) في تفسير ذلك. وقاله في "الصحاح" (٢). (والشهور ثلاثة، كالأشهر والأيام) لأن أقل الجمع ثلاثة على المتعارف. (وإن قال): لا أ كلمه ونحوه (إلى الحول، فحولٌ كاملٌ) من حين اليمين (لا تتمته) إن حلف في أثناء حول. قال في "الفروع": أومأ إليه أحمد (٣)؛ ذكره في "الانتصار". (وإن حلف: لا يتكلَّم ثلاثة أيام، أو ثلاث ليال، دخل في ذلك الأيام التي بين الليالي، والليالي التي بين الأيام). قال في "المبدع": وإن عيَّن أيامًا، تبعتها الليالي. (و) مَنْ حلف: (لا يدخل بابَ هذه الدار، أو قال: لا دخلتُ من باب هذه الدار، فحُوِّل) الباب (ودخله، حَنِثَ) لأنه فَعَل ما حلف على تركه (و) كذا (لو) جُعل لها باب آخر (مع بقاء الباب الأول) ودخله، حَنِثَ؛ لأنه بابها. (وإن قُلع الباب ونُصب في دار أخرى وبقي الممر، حَنِثَ بدخوله الممرَّ فقط) أي: لا إن دخل من الموضع الذي نُصب فيه الباب للدار الأخرى؛ لأن المُراد بالباب موضعه؛ لأنه مكان الدخول، لا ذات الخشب. (و: لا يدخل هذه الدار من بابها، فدخلها من غيره، لم يحنث) قال في "الشرح": ويتخرَّج: أن يحنث إذا أراد بيمينه اجتنابَ الدار، ولم يكن

стр. 6935

للباب سبب هيَّج اليمين. (و: لا يكلمه إلى حين الحصاد أو الجُذاذ، انتهت يمينه بأوله) لأن "إلى" لانتهاء الغاية، فينتهي عند أولها؛ لقوله تعالى: ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾ (١). (و إن حلف: لا مال له، وله مالٌ -ولو غيرَ زكَويّ - من الأثمان، والعقار (٢) والأثاث والحيوان ونحوه، أو له دينٌ على مليء، أو غيره، أو) له (ضائع لم ييأس من عوده، أو) له (مغصوب أو مجحود) من دَين، أو وديعة ونحوها (حَنِثَ) لأنه مال، فوجب أن يحنث في يمينه؛ للمخالفة، والدينُ مالٌ ينعقد عليه الحول، ويصحُّ تصرُّفه فيه بالإبراء والحوالة، أشبه المودع؛ ولأن المال ما تناوله (٣) الناس عادةً لطلب الربح، مأخوذ من الميل من يد إلى يد وجانب إلى جانب؛ قاله في "الواضح". (فإن أيس من عوده) أي: الضائع (كالذي سقط في البحر) لأن الظاهر عدمه (أو كان متزوجًا) لأن الزوجة ليست بمال، ولو كانت أَمَة، فليس مالكًا لها، بل لمنفعة البضع، والمعقود عليه الحل على ما تقدم (أو) كان (مستأجِرًا عمارًا، أو غيرَه) كحيوان وأثاث؛ لأنه لا يملكه، وإنما يملك منافعه، ولا تُسمَّى مالًا عُرفًا (أو وجب له حق شُفعة، لم يحنث) بحَلْفِه: لا مال له؛ لأن حق الشَّفعة ليس بمال، ولذلك لا يصح الاعتياض عنه كما تقدم. (و) من حلف: (لا يفعل شيئًا، فوكَّل من يفعله، ففعله) الوكيل

стр. 6936

(حَنِثَ) الحالف (إلا أن ينوي) المباشرة بنفسه؛ لأن فعل وكيله كفعله، نصَّ عليه (١)؛ ولأن الفعل يُضاف إلى الموكِّل فيه والآمرِ به، كما لو حلف لا يحلق رأسه، فأمر من حلقه، فلو حلف: لا يكلم عبدًا اشتراه زيد، فكلَّم عبدًا اشتراه وكيله، أو: لا يضرب عبده، فضربه (٢) بأمره، حَنِثَ. (ولو توكَّل الحالف فيما حلف ألا يفعله، وكان) المحلوف عليه (عقدًا أضافه إلى الموكّل) بأن قال: بعتُ عن موكلي أو اشتريت له (أو أطلق) فلم يضفه إلى الموكّل (لم يحنث) الحالف؛ لأنّ حقوق العقد متعلّقة بالموكِّل، كما تقدم، لكن تقدم في النكاح (٣): لا يصح إذا لم يضفه لموكِّله. فصل (والعُرفي ما اشتهر مجازُه حتى غلب على حقيقته) أي: اللغوية (بحيث لا يعلمها أكثرُ الناس) لأنه إذا لم يشتهر يكون مجازًا لغةً. سُمِّيَ عُرفيًّا؛ لاستعمال أهل العُرفِ له في غير المعنى اللغوي. وذلك أن اللفظ قد يكون حقيقة لغوية في معنى، ثم يغلب على معنىً آخرَ عُرفي (كالرَّاوية، وهي في العُرف اسم للمَزادة) بفتح الميم، والقياس كَسْرُها، وهي شطر الرَّاوية، والجمع مزايد؛ قاله في "الحاشية" (وفي الحقيقة اسم لما يُستقى عليه من الحيوانات) قاله في "الشرح" في موضع، وفي "الشرح" في موضع آخر و"المبدع" و"شرح المنتهى" وغيرها: للجمل

стр. 6937

الذي يستقى عليه. (والظَّعينة في العُرف المرأة، وفي الحقيقة اسمٌ للناقة التي يُظعَن) أي: يرتحل (عليها، والدابة في العُرْف اسم لذوات الأربع من الخيل والبغال والحمير، وفي الحقيقة اسم لما دبَّ ودَرَج، والعَذِرة والغائط في العُرْف الفضلة المستقذرة، وفي الحقيقة: العَذِرة: فِناء الدار) ومنه قول علي: "ما لكم لا تُنَظِّفونَ عَذِراتكم" (١) يريد أفنيتَكم (والغائط المُطمئن من الأرض، فهذا) المذكور (وأمثاله تنصرف يمين الحالف إلى مجازه) لأنه يعلم أن الحالف لا يريد غيره، فصار كالمُصرّح به (دون حقيقته) لأنها صارت مهجورة، ولا يعرفها أكثر الناس. (فإن حلف على وطء امرأة، تعلَّقت يمينهُ بجماعِها) لأنه الذي ينصرف إليه اللفظ في العُرف. (و) إن حلف: (لا يَشَمُّ الريحانَ، فشَمَّ الوردَ والبنفسجَ والياسمين ولو يابسًا حَنِثَ) لأنه يتناوله اسمُ الريحان حقيقة. وقال القاضي: تختصُّ يمينه بالريحان الفارسي؛ لأنه المُسمَّى عُرفًا، وقدَّمه في "المقنع" وجزم به في "الوجيز". (و: لا يَشَمُّ الوردَ والبنفسجَ، فشمَّ دهنهما أو) شَمَّ (ماءَ الورد، حَنِثَ) لأن الشَّمَّ إنما هو للرائحة دون الذات، ورائحةُ الورد والبنفسج موجودة في دهنهما، ورائحة الورد موجودة في ماء الورد. (و) من حلف: (لا يَشَمُّ طيبًا، فَشَمَّ نبتًا ريحه طَيِّب) كمَرْزَجوش

стр. 6938

ونحوه مما تقدم (١) في الطيب في الإحرام (حَنِثَ) لأنه يتناوله اسم الطيب و (لا) يحنث إن شَمَّ (فاكهة) لأنها ليست من الطيب. (و: لا يأكل رأسًا، حَنِثَ بأكل رأسِ حيوان من الإبل) والبقر والغنم (والصيود، وبأكل رؤوس طير، و) رؤوس (سمك وجَرَاد) لعموم الاسم فيه حقيقةً وعُرفًا. (و: لا يأكل بيضًا، حَنِثَ بأكل كلِّ بيض يُزايلُ) أي: يُفارق (بائضَه، كَثُرَ وجُودُه كبيض الدجاج، أو قلَّ كبيض النَّعام؛ لأنه العُرف، ولا يحنث بأكل بيض السمك والجراد) عند أبي الخطاب، ونقله في "الشرح" عن أكثر العلماء، وقاله القاضي في موضع من "خلافه"، واختاره الموفَّق والشارح، وعند القاضي: يحنث، وقدَّمه في "الرعاية"، وجزم به في "الوجيز"؛ لعموم الاسم فيه حقيقة وعُرفًا، وصحَّحه في "تصحيح الفروع"، وقال في "الإنصاف": وهو المذهب، وقَطَع به في "التنقيح" و"المنتهى". (ولو حلف: لا يشرب ماءً، فشرب ماءً ملحًا أو ماءً نجسًا) حَنِثَ لأنه ماء. (أو: لا يأكل خبزًا، فأكل خبز الأرُز، أو الذُّرَةِ أو غيرهما) كخبز الدُّخْن (في مكان يُعتاد أكلُه فيه أو لا، حَنِثَ) لتناول الاسم له. (و) لو حلف: (لا يدخل بيتًا، فدخل مسجدًا، أو الكعبة، أو بيت رحىً أو) دخل (حمَّامًا أو بيت شَعر أو) بيت (أَدَم) أي: جلد (أو) دخل (خيمة، حَنِثَ، حضريًّا كان الحالف أو بدويًّا) لأنها بيوت حقيقة؛ لقوله

стр. 6939

تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ (١)؛ وقولِه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ … ﴾ الآية (٢)؛ وقوله ﷺ : "بئس البيتُ الحمَّام" رواه أبو داود وغيره، وفيه ضعف (٣). وإذا كان في الحقيقة بيتًا وفي عُرف الشارع، حَنِثَ بدخوله. وأما بيت الشَّعر والأدم، فلأن اسم البيت يقع عليه؛ لقوله تعالى:

стр. 6940

﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا. . .﴾ الآية (١) والخيمةُ كذلك. و (لا) يحنث (إن دخل دِهليز الدَّار، أو صُفَّتها) التي تكون وراء الباب؛ لأن ذلك لا يُسمَّى بيتًا. (و) لو حلف: (لا يركب، فركب سفينة، حَنِثَ) لأنه ركوب؛ لقوله تعالى: ﴿ارْكَبُوا فِيهَا﴾ (٢)، ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ﴾ (٣). (و) إن حلف: (لا يتكلَّم فقرأ ولو خارجَ الصلاة، أو سَبَّح) الله (أو ذكر الله؛ لم يحنث) لأن الكلام في العُرف لا يُطلق إلا على كلام الآدميين. وقال زيد بن أرقم: "كُنّا نتكلّمُ في الصلاةِ حتّى نَزَلَتْ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٤) فأُمرنا بالسكوت، ونُهينا عن الكلام" (٥)، وقال تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ (٦)، فأمره بالذكر والتسبيح مع قَطْع الكلامِ عنه (وحقيقة الذِّكر ما نَطَق به، فتُحمل يمينه عليه) لأن ما لا ينطق به من حديث النفس. (قال أبو الوفاء: لو حلف: لا يسمع كلامَ الله، فسمع القرآنَ، حَنِثَ إجماعًا. (٧). وإن استُؤذن عليه فقال: ادخلوها بسلام آمنين، يقصِد القرآن

стр. 6941

ليُنَبهه، لم يحنث) لأنه مع قصده القرآنَ، مِن القرآن، وليس من كلام الآدميين (وإلا) بأن لم يقصد به القرآنَ (حَنِثَ) لأنه إذًا من كلام الآدميين. (و) إن حلف: (ليَضربنَّه مائة سوط، أو) مائة (عصًا، أو) حلف: (ليضربنه مائة ضربة، أو مائة مرة، فجمعها) أي: المائة (فضربه بها ضربةً واحدة، لم يَبَرَّ (١)) لأن هذا هو المفهوم في العُرف؛ ولأن السوط أو العصا في قوله: "مائة سوط أو عصًا" آلة أقيمت مُقام المصدر، وانتصبت انتصابه، فصار معناه: لأضربنه مائةَ ضربة بسوط أو عصًا، فلا يَبَرُّ بما يُخالِف ذلك، وأجاب في "الشرح" عن قصة أيوب (٢) بأنَّ هذا الحكم لو كان عامًّا لَمَا خُصَّ بالمِنَّة عليه. وعن المريض المجلود بأنه إذا لم يتعدَّ هذا الحكم في الحَدّ الذي وَرَدَ النصّ فيه فلأن لا يتعدَّى إلى اليمين أولى (وَيَبَر بمائة ضَرْبة مؤلِمة) لأنه المتبادر من يمينه. (وإن قال): ليضربنه (بمائة سوط) فجمعها وضَرَبَه بها مرةً واحدةً (بَرَّ) لأنه ضربه بمائة سوط. (وإن حلف: لا يضرب امرأته) أو غيرها (فخنقها، أو نتف شعرها، أو عضَّها تأليمًا لا تلذُّذًا، حَنِثَ) لأن المقصود من الضرب التأليم، وهو حاصل بذلك (ولو لم ينو) ألا يؤلمها في (يمينه) هذه. (وإن حلف: ليضربنَّها، ففعل ذلك) أي: خنقها، أو نَتَفَ شعرها، أو عضَّها تأليمًا (بَرّ) لحصول مقصود الضرب به.

стр. 6942

(و) من حلف: (لا يأكل شيئًا، فأكله مستهلكًا في غيره، مثل: أن) حلف: (لا يأكل لبنًا، فأكل زُبدًا) لا يظهر فيه طعم اللبن (أو) حلف: (لا يأكل سمنًا، فأكل خبيصًا فيه سمن لا يظهر طعمه فيه، أو) حلف: (لا يأكل بيضًا، فأكل ناطفًا، أو لا يأكل شحمًا، فأكل اللحم الأحمر، أو لا يأكل شعيرًا، فأكل حنطة فيها حباتُ شعير، لم يحنث) لأن المستهلَك لا يقع عليه اسم الذي حلف عليه، فلم يحنث بأكل المستهلَك فيه؛ ولأن المستهلَك في الشيء يصير وجوده كعدمه، والظاهر من الحالف على ذلك أنّه حلف لمعنىً في المحلوف عليه (وإن ظهر طعم شيء من المحلوف عليه) فيما أكله (حَنِثَ) كما لو أكله منفردًا. (و: لا يأكل سويقًا، فشربه، أو: لا يشربه) أي: السويق (فأكله، حَنِثَ) لأن الحالف على ترك شيء يقصد به في العُرف اجتناب ذلك الشيء بالكلية، فحملت يمينه على ذلك، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالهُمْ﴾ (١)، فإنه يتناول تحريم شربها. ولو قال طبيب لمريض: لا تأكلِ العسلَ، كان ناهيًا له عن شربه وبالعكس. (و) إن حلف: (لا يأكل ولا يشرب، فمَصَّ قَصَب السُّكر، أو) مصَّ (الرُّمان ونحوه، لم يحنث) لأنه في العُرف لا يُسمَّى أكلًا ولا شربًا. (وكذا) لو حلف: (لا يأكل سُكّرًا، فَتَرَكه في فيه حتى ذاب وابتلعه) لم يحنث؛ لأنه ليس أكلًا حقيقة كما تقدم (٢) عن الرُّمَّاني. (و) لو حلف عن شيء: (لا يطعمه، حَنِثَ بأكله وشربه ومصِّه)

стр. 6943

لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ﴾ (١)؛ ولأن ذلك كله طعم (وإن ذاقه، ولم يبلعه، لم يحنث) لأنه ليس بأكل ولا شرب؛ بدليل أن الصائم لا يفطر به. (و) إن حلف: (لا يذوقه، حَنِثَ بأكله وشُرْبه؛ لأنه ذوق وزيادة) قال في "الرعاية": وفي من لا ذوق له نظر (وكذلك إن مضغه ورمى به؛ لأنه قد ذاقه. و: لا يأكل مائعًا، فأكله بالخبز، حَنِثَ) لقوله ﷺ : "كلوا الزيت" (٢)؛ ولأنه يُسمَّى أكلًا، ويؤكل في العادة كذلك. (و: لا يشرب من الكوز، فصبَّ منه في إناء وشرب، لم يحنث) لأنه لم يشرب منه (وعكسُه) لو حلف: لا يشرب من نهر أو بئر (إن اغترف بإناء من النهر أو البئر) وشرب منه حَنِثَ؛ لأن الشُّرب منهما عُرفًا كذلك. (و) لو حلف: (لا يأكل من هذه الشجرة، حَنِثَ بالثمرة فقط، ولو لَقَط) ـها (من تحتها) وأكلها؛ لأنها من الشجرة، ولا يحنث بأكل الورق ونحوه؛ لأن الثمرة هي المتبادرة إلى الذهن. (و) لو حلف: (ليأْكُلَنَّ أكلةً -بالفتح) أي: فتح الهمزة- (لم يَبَرَّ حتى يأكل ما يعدُّه الناسُ أكلةً) وهي المرة من الأكل (والأُكْلةُ -بالضم- اللُّقْمَةُ) ومنه حديث: "فلْيناولْهُ في يَدِهِ أُكْلَةَ أو أُكْلَتينِ" (٣). (و) إن حلف: (لا يتزوَّج، ولا يتطهَّر، ولا يتطيَّب، فاستَدامَهُ لم

стр. 6944

يحنث) لأنه لا يطلق اسم الفعل على مستديم هذه الثلاثة، فلا يقال: تزوجت شهرًا، ولا تطهرت شهرًا، ولا تطيبت شهرًا، وإنما يقال: منذ شهر، ولم يُنزل الشارع استدامةً التزويج والطيب منزلةَ ابتدائه في تحريمه في الإحرام. (و) من حلف: (لا يركب وهو راكب، ولا يلبس وهو لابس، ولا يلبس من غزلها وعليه منه شيء، أو) حلف: (لا يقوم، أو لا يقعد، أو لا يستتر، أو لا يستقبل القبلة (١) وهو كذلك، فاستدام ذلك) أي: ما حلف عليه من هذه الأفعال (أو) حلف: (لا يدخل دارًا وهو داخلَها، فأقام فيها، أو) حلف: (لا يضاجِعُها على فراش، وهما متضاجعان، فاستدام، أو ضاجعته، ودام، حَنِثَ) لأن المستديم يُطلق عليه ذلك؛ بدليل أنه يقال: ركب شهرًا، ولبس شهرًا، ونحوه، وقد اعتبر الشارع الاستدامةَ هنا في الإحرام حيث حَرَّم لبس المخيط، فأوجب الكفَّارة باستدامته كما أوجبها في ابتدائه. (وكذا) لو حلف: (لا يطؤها) فدام (أو) حلف: (لا يمسك) شيئًا فدام (أو: لا يشاركه، فَدَام) على ذلك، فيحنث؛ لما تقدم. (و) إن حلف: (لا يدخل على فلان بيتًا، فدخل فلان عليه، فأقام) الحالف (معه، حَنِثَ) لأن استدامة المقام كابتدائه في التحريم في ملك الغير، فكذا هنا (ما لم تكن له) أي: الحالف (نيَّة) أو لليمين سببٌ، فيُعملُ بذلك؛ لما تقدم.

стр. 6945

فصل (وإن حلف: لا يسكن دارًا هو ساكنها، أو لا يساكن فلانًا وهو مساكنه، ولم يخرج في الحال بنفسه وأهله ومتاعه المقصود مع إمكانه، حَنِثَ) لأن استدامة السُّكنى سُكنى؛ بدليل أنه يصح أن يُقال: سكن الدار شهرًا (إلا أن يقيم لنقل متاعه) وأهله؛ ذكره في "المغني" وغيره؛ لأن الانتقال لا يكون إلا بالأهل والمال، وإن تردَّد إلى الدار لنقل المتاع أو عيادة مريض، لم يحنث؛ ذكره في "الكافي" ونَصَره في "الشرح"؛ لأن هذا ليس بسُكنى (أو يخشى على نفسه الخروجَ، فيقيم إلى أن يمكنه الخروج) لأنه أقام لدفع الضرر، وإزالتُه عند ذلك مطلوبةٌ شرعًا، فلم تدخل تحت النهي. ويكون خروجه (بحسب العادة) لا ليلًا (فلو كان ذا متاع كثير، فنقله قليلًا قليلًا على العادة بحيث لا يترك النقل المعتاد، لم يحنث) لأنه المعتاد (وإن أقام) على ذلك (أيامًا) للحاجة (ولا يلزمه جمع دواب البلد لنقله، ولا) يلزمه -أيضًا- (النقل وقتَ الاستراحة عند التعب، ولا أوقاتَ الصلوات) لأنه خلاف المعتاد. (وإن خرج دون متاعه) المقصود (وأهله) مع إمكان نقلهم (حَنِثَ؛ لأن الانتقال لا يكون إلا بالأهل والمال) ولهذا يقال؛ فلان ساكن في البلد الفلاني، وهو غائبٌ عنه (إلا أن يُودِع مناعه، أو يُعيرَه، أو يزولَ ملكه عنه، أو تأبى امرأتُهُ الخروجَ معه، ولا يمكنه إكراهها، أو كان له عائلة فامتنعوا ولا يمكنه إخراجهم، فيخرج وحدَه، لم يحنث) لأن زوال اليد

стр. 6946

والعجز (١) لا يتصور معهما حِنْثٌ. (وإن أُكره على المُقام، لم يحنث) مادام الإكراه، فإذا زال بادر بالخروج على ما تقدم. (وكذا إن كان) الحَلْف (في جوف الليل في وقت لا يجد منزلًا يتحوَّل إليه، أو يَحُولُ بينه وبين المنزل) الذي يتحوَّل إليه (أبوابٌ مغلقة لا يمكنه فتحها، أو خوفٌ على نفسه، أو أهله، أو ماله، فأقام في طلب النُّقلة، أو) أقام في (انتظار زوال المانع، أو خرج طالبًا للنقلة، فتعذَّرت عليه؛ لكونه لم يجد مسكنًا يتحوَّل إليه لتعذُّر الكِراء أو غيره، أو لم يجد بهائم ينقل عليها ولم يمكنه النُّقلة بدونها) أي: البهائم (فأقام ناويًا للنُّقلة متى قدَر عليها، لم يحنث، وإن أقام أيامًا وليالي) لأن إقامته عن غير اختيار منه؛ لعدم تمكنه من النقلة كالمقيم للإكراه، وعُلِم منه أنه إن أمكنته النُّقلة بحمالين بلا بهائم، وأقام، حَنِثَ، وأنه إن أقام غير ناوٍ للنُّقلة متى قدَر عليها، حَنِثَ، وصَرَّح به في "الكافي" و"الشرح". (قال الشيخ (٢): والزيارة ليست سُكنى اتفاقًا) فلو تردَّد للدار التي حلف لا يسكنها زائرًا، لم يحنث (ولو طالت مُدَّتها، والسفر القصير سفر) يَبرّ به مَن حلف: ليسافرنَّ؛ وحَنِثَ (٣) به مَن حلف: لا يسافر، إلا أن تكون نية، أو سبب يمين. نقل الأثرم (٤): أقلُّ من يوم يكون سفرًا؛ إلا أنه لا تُقصر فيه الصلاة.

стр. 6947

(وإن حلف: لا ساكَنَه، فانتقل أحدُهما، لم يحنث) لانقطاع المساكنة (وإن بنَيَا بينهما حاجزًا وهما على حالهما في المساكنة، حَنِثَ؛ لأنهما بتشاغلهما ببناء الحاجز قد تساكنا قبل وجوده بينهما. وإن كان في الدار حُجرتان، كلُّ حُجرة تختصُّ ببابها ومرافِقها، فسكن كلُّ واحد) منهما (حُجرة، لم يحنث) حيث لا نية ولا سبب، كما في "الرعاية" و"الفروع"؛ لأن كل واحد سكن في حجرته، فلا يكون مساكنًا لغيره، وكذا لو سكنا في دارين متجاورتين. والحجرة: البيتُ وكلُّ بناءٍ مَحوط عليه، والجمع حُجَر وحُجُرات، كغُرَف وغُرُفات. (وإن كانا في حُجرة دار واحدة حالة اليمين، فخرج أحدُهما منها وقسماها حُجْرَتين، وفتحا لكلِّ واحد منهما) أي: البيتين (بابًا وبينهما حاجز، ثم سكن كل واحدٍ منهما في حُجرة، لم يحنث) لأنهما غير متساكنين. (وإن سكنا في دار واحدة، كلُّ واحد في بيت ذي باب وغَلَقٍ، رُجع إلى نيته بيمينه) أي: الحالف: لا يساكن (أو إلى سببها) أي: اليمين (وما دلَّت عليه قرائن أحوالِه في المحلوف على المساكنة فيه) لأن النية وسبب اليمين يُقَدَّمان على مقتضى اللفظ، كما تقدم (١). (فإن عُدِم ذلك) أي: النية وسببُ اليمين وما هيَّجها (حَنِثَ) لأنه يُعَدُّ مساكنًا له. "تتمة": قال في "الفنون" في من قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا إن دخلت عليَّ البيت، ولا كنتِ لي زوجة إن لم تكتبي لي نصف مالك، فكتبت له بعد ستة عشر يومًا: يقع الثلاث؛ لأنه يقع باستدامة المقام، فكذا استدامة

стр. 6948

الزوجية، واقتصر عليه في "المبدع". (و إن حلف: لا ساكنتُ فلانًا في هذه الدار، وهما غير متساكنين) قلت: أو خرج أحدهما، كما يُعلم مما مَرَّ (فَبَنَيَا بينهما حائطًا، وفتح كلُّ واحد منهما بابًا لنفسه، وسَكَنَاها) بعد ذلك (لم يحنث) لأنه لا يُعَدُّ مساكِنًا له. (و) إن حلف: (ليخرجنَّ من هذه البلدة، فخرج وحدَه دون أهله، بَرَّ) لأن حقيقة الخروج لم يعارضها معارِض، فوجب حصول البرِّ؛ لحصول الحقيقة. (و) إن حلف: (ليخرجنّ) من هذه الدار (أو: ليرحلنَّ من هذه الدار، فخرج دون أهله، لم يَبَرَّ) لأن الدار يخرج منها صاحبها كلَّ يوم عادة، فظاهر حاله إرادة خروج غير المعتاد، بخلاف البلد (كحَلْفه لا يسكنها) أي: الدار (أو: لا يأويها، أو: لا ينزل فيها) فلا يَبَرّ إلا إذا خرج بأهله ومتاعه المقصود على ما سبق تفصيله. (و) إن حلف: (ليخرجنَّ) من البلد (أو: ليرحلنَّ من البلد، أو: ليرحلنَّ عن هذه الدار، ففعل، فله العَود) إليها (إن لم يكن له نيَّة ولا سَبَبٌ) لأن يمينه على الخروج، وقد وُجِدَ، فانحلَّت يمينُهُ، وصار بمنزلة من لم يحلف، وكقوله: إن خرجتَ فلك درهم، استحقَّ بخروجٍ أول؛ ذكره القاضي وغيره. (وإن حلف: لا يبيت ببلدٍ، فبات خارج بنيانه، صَحَّ) يعني: برَّ. وكذا لو حلف: لا يأكل فيها، قال أحمد (١) في من حلف: لا يدخل هذه القرية، فأوى إلى ناحية منها مما هو في حَدّها، حَنِثَ؛ لأن

стр. 6949

الناحية والحَدّ من جملة القرية؛ ذكره القاضي؛ قاله في "المبدع". فصل (وإن حلف: لا يدخل دارًا؛ فحُمِل بغير إذنه فأُدخِلَها، وأمكنه الامتناعُ، فلم يمتنع، حَنِثَ) لأنه ليس بمُكْرَه، وقد وُجِدَ منه الدُّخول (وإن لم يمكنه) - أي: المحمول بغير إذنه - الامتناع من الدخول (وهو المكره، أو أُكره) على الدخول (بضَرْبٍ ونحوه) كأخْذِ مالٍ يَضرُّه، أو تهديدٍ بقتل أو نحوه (فدخل، لم يحنث) لحديث: "عُفي لأمتي عن الخطأ والنِّسيانِ وما استُكرِهوا عَليهِ" (١). (ويحنَث بالاستدامة بعدَ) زوال (الإكراه) لأن استدامة الدُّخول بمنزلة ابتدائه؛ لما تقدَّم (٢)، أشبه ما لو دخل مختارًا. ومتى دخل باختياره حَنِثَ، سواءٌ كان ماشيًا أو راكبًا، أو محمولًا، أو ألقى نفسه في ماء فجَرَّه إليها، أو سَبَح فيه فدخلها، وسواء دخل من بابها، أو تَسَوَّر حائطها، أو دخل من طاقة فيها، أو نقب حائطها ودخل من ظهرها، أو غير ذلك. (وإن حلف: لا يستخدِمُه، فخَدَمَه وهو ساكتٌ، حَنِثَ) لأنه قصد اجتناب خدمته، ولم يحصل (ولو كان الخادم عبدَه) فإنه يحنث إذا خدمه، وهو ساكت كعبد غيره. (و) إن حلف: (ليشربنَّ هذا الماءَ غدًا) فتلف قبلَه (أو) حلف: (ليضربنَّ غلامه غدًا، فتلِف المحلوف عليه، ولو بغير اختياره) أي:

стр. 6950

الحالف (قبل الغد، أو) تلف (فيه) أي: في الغد (ولو قبلَ التمكُّنِ من فعله) حَنِثَ، كما لو حلف: ليحُجَّنَّ العام، فلم يقدر على الحَجِّ لمرضٍ، أو ذهاب نفقة؛ لأن الامتناع لمعنىً في المحلِّ، أشبه ما لو ترك ضَرْبه لصغرٍ به (١)، أو ترك الحالف الحج لصعوبة الطريق. (أو) حلف: ليشربنَّ هذا الماء، أو: ليضربنَّ غلامه، و (أطلق ولم يقيِّده بوقت، فتلِف قبل فعله، حَنِثَ حال تلفه) لليأس من فِعْلِ المحلوف عليه. (وإن مات الحالفُ قبل الغَدِ، أو جُنَّ، فلم يُفِق إلا بعد خروج الغَد، لم يحنث) لأن الحنث إنما يحصُل بفوات المحلوف عليه في وقته وهو الغد، والحالف قد خرج عن أن يكون من أهل التكليف قبل ذلك، فلا يمكن حِنثه، بخلاف موت المحلوفِ عليه. (وإن ضَرَبه قبله) أي: قبل الغد، لم يَبَرَّ؛ كما لو حلف: ليصومنَّ يوم الجمعة، فصام يومَ الخميس. (أو) ضَرَبه (فيه ضَرْبًا لا يؤلمه) لم يَبَرَّ؛ لأنه لا يحصُل به مقصودُ الضرب. (أو) ضرب في الغد (بعد موت الغلام) لم يَبَرَّ؛ لعدم الإحساس (أو أفاق الحالف من جنونه في الغد، ولو جزءًا يسيرًا، أو مات فيه) أي: في الغد، حَنِثَ؛ لوجود جزء هو فيه مكلَّف، فتصح نسبة الحِنْثِ إليه فيه (أو هرب الغلامُ، أو مَرِضَ هو) أي: الغلام (أو الحالفُ فلم يقدِرْ على ضَرْبه) في الغد (حَنِثَ) أي: الحالف؛ لفوات المحلوف عليه في وقته، كما لو لم يضربه لصغره.

стр. 6951

(وإن جُنَّ الغلام، وضَرَبَه فيه) أي: في الغد (بَرَّ) لأنه يتألَّم بالضرب. (وإن ضَرَبه في الغد، أو خَنقَه، أو نَتَفَ شعره، أو عصر ساقه بحيث يؤلمه، بَرَّ) لأنه يحصُل به مقصودُ الضرب، فهو في معناه، ولذلك يحنث به لو حلف: لا يضرب، وتقدم (١). (وإن حلف: ليضربن هذا الغلام اليوم، أو: ليأكلن هذا الرغيف اليوم، فمات الغلام أو تلِف الرغيف، أو مات الحالف) قَبْلَ فِعْلِ ما حلف عليه (حَنِثَ) الحالف في آخر حياة الميت منهما، ومند تلف الرغيف؛ لفوات المحلوف عليه (و: لا يكفُلُ بمالٍ؛ فكَفَلَ ببدنٍ، وشَرَط البراءة) إن عَجَز عن إحضاره (لم يحنَث) لأنه لم يكْفُل مالًا. وعُلم منه: أنه إن لم يشترط البراءة حَنِثَ؛ لأنه يضمن ما عليه إذا عَجَزَ عن إحضاره. (وإن حلف مَن عليه الحقُّ: ليقضينَّه) أي: ربَّ الحق (حقَّه، فأبرأه) ربُّ الحق (أو أخذ عنه عوضًا، لم يحنث) لأن الغرض من القضاء حصولُ البراءة من الحق. وقد وُجِدَ. (وإن مات المستحِقُّ) للحقِّ (فقضى) الحالفُ (ورثتَه، لم يحنَث) لأن قضاء ورثته يقوم مقامَ قضائه في إبراء ذِمَّته، فكذا في يمينه. (و) إن حلف: (ليقضينَّه حقَّه غدًا، فأبرأه اليوم أو) أبرأه (قبلَ مُضيّه، أو مات ربُّه، فقضاه) الحالف (لورثته، لم يحنث) لما سبق. (و) إن حلف: (ليقضينَّه حقَّه عند رأسِ الهلال، أو مع رأسه، أو إلى رأسه، أو إلى استهلاله، أو عند رأس الشهر، أو مع رأسه، فقضاه عند غروب الشمس من آخر الشهر، بَرَّ) لأن ذلك هو الوقتُ المحلوف

стр. 6952

عليه؛ لأن غروب الشمس هو آخره (وإلا) أي: وإن لم يقضه عند الغروب بل بعده (فلا) بِرَّ، قال في "المبدع": ويحنث إذا تأخَّر بعد الغروب مع إمكانه. (ولو شرع) الحالف (في عَدِّهِ، أو كَيْلِه، أو وَزْنِه، أو ذَرْعه، فتأخَّر القضاءُ) لكثرته (لم يحنث، كما لو حلف: ليأكلنَّ هذا الطعام في هذا الوقت، فشرع في أكله فيه، وتأخَّر الفراغُ لكَثْرته) وفي "الترغيب": لا تُعتبر المقارنة (١)، فيكفي حال الغروب. (و) إن حلف المطلوب: (لا أخذتَ حقَّكَ مِنّي، فأُكْرِه) الحالف (على دَفْعِه) لغريمه فأخذه، حَنِثَ (أو أخذه) أي: الحق (حاكمٌ، فَدَفَعه إلى غَرِيمه، فأخَذَه) الغريمُ (حَنِثَ) الحالف؛ لأن غريمه أخذه باختياره، فقد وجد المحلوف لا يفعله اختيارًا (كـ) ـما لو حلف مَن عليه الحق على ربّه: (لا تأخذ حقَّكَ عَليَّ) فأُكْرِه الحالف على الدفع له، أو أخذه حاكمٌ، فدفعه إلى غريمه، حَنِثَ الحالف؛ لما سبق. و (لا) يحنث الحالفُ (إن أُكرِه قابضه) على قَبْضِه؛ لقوله ﷺ : "وما استُكرهوا عليهِ" (٢) (ولا إن وَضَعه الحالفُ بين يديه) أي: الغريم (أو في حَجْرِه، فلم يأخُذْه) الغريم، فلا حِنْث على الحالف؛ لأن ذلك ليس بأخذ (لأنه لا يُضمَنُ بمِثْل هذا مالٌ ولا صيدٌ) في إحرام أو حرم. (ويحنث) الحالف (لو كانت يمينه: لا أُعطيكَه؛ لأنه يُعَدُّ إعطاء؛ إذ هو) أي: الإعطاء (تمكينٌ وتسليمٌ بحَقٍّ، فهو كتسليم ثمنٍ ومُثمَّنٍ وأُجرة وزكاة) فإن أخذه حاكمٌ وأعطاه للغريم، لم يحنث الحالف: لا

стр. 6953

يعطي؛ لأنه ليس بإعطاء. (و) إن حلف: (لا فارقتك (١) حتى أستوفيَ حقِّي منكَ، ففارقه) الحالف (مختارًا، أبرأه من الحَقِّ أو بقي عليه أو أذن الحالف) للمحلوف عليه (في المفارقة أو فارقه من غير إذن) الحالف (أو هرب) المحلوف عليه (على وجه يمكنه ملازمته والمشيُ معه) حَنِثَ؛ لأنه فارقه باختياره (أو أحاله الغريم بحقِّه) ففارقه، حَنِثَ؛ لأنه لم يستوف حقَّه، وإن ظنَّ أنه بَرَّ فوجهان. (أو فلَّسه حاكمٌ، وحَكَمَ عليه بفِراقه) ففارقه (أو) لم يحكم عليه لكن (فارقه، لعلمه بوجوب مفارقته) حَنِثَ؛ لأنه فارقه قبل أن يستوفي منه حقّه (لا إن هَرَب (٢)) المدين (منه) أي: الحالف (بغير اختياره) فلا يحنث، كما لو فارقه مُكرَهًا (أو قضاه عن حَقّه عرضًا (٣)، ثم فارقه) لأنه قضاه حقه (كـ) ـما لو حلف: (لا فارقتُك حتى تبرأ من حقِّي، أو): لا فارقتُك (ولي قِبَلك حقّ) وأعطاه عنه عرضًا، ثم فارقه؛ فلا حِنْثَ؛ وجهًا واحدًا؛ ذكره في "الشرح" و"المبدع" في الثانية. (وإن قضاه) المدين (قَدْرَ حقِّه، ففارقه ظنًّا أنه قد وفَّاه، فخرج رديئًا، أو مستحَقًّا، فكَنَاسٍ) لأنه في معناه، فيحنث في طلاق وعَتاق، لا في يمين بالله ونذر (وفِعْلُ وكيلٍ كهو) أي: كفعل موكِّل (فلو وكَّل) الحالفُ: لا فارقتك حتى أستوفيَ حقي منك (في استيفاء حقِّه، ففارقه) الموكَّل (قبل استيفاء الوكيل، حَنِثَ) لأنه فارقه قبل أن يستوفي حقه.

стр. 6954

(وإن فارقه) الحالف (مكرهًا، بحمله أو غيره (١)) كإلجاء بسبيل ونحوه، أو تهديد بضرب ونحوه (لم يحنث) للخبر (٢). والمعنى (و) إن حلف: (لا فارقتني) حتى أستوفيَ حقّي منك ونحوه (ففارقه الغريم، أو الحالف طوعًا، حَنِثَ) لأن معنى اليمين: لا حصل منا فرقة، وقد حصلت. و (لا) يحنث إن فارقه (كُرهًا) سواء كان المُكْرَه الحالف أو الغريم؛ لما سبق (و) لو حلف: (لا افترقنا) حتى أستوفيَ حقِّي (فهرب) الغريم (حَنِث) الحالف؛ لوجود الفُرقة، و (لا) يحنث (إذا (٣) أكرها) قلت: أو أحدهما؛ لما تقدم. (و) من عليه دين، فحلف لِرَبِّه: (لا فارقتُك حتى أوفيك حقّك، فأبرأه الغريم منه، فكَمُكْرَه) فلا يحنث الحالف؛ لأن فوات البِرّ منه لا فعلَ له فيه. (وإن كان الحق عينًا) من وديعة وعارية ونحوهما، وحلف: لا يفارقه حتى يوفيَها له (فوهبها له الغريم) أي: مالكها (فقبِلها) الحالف (حَنِثَ) لأن البر فاته باختياره؛ لتوقفه على القَبول، بخلاف الدَّين. (وإن قبضها) أي: ربُّها (منه) أي: الحالف (ثم وَهَبها إيّاه، لم يحنث) لأنه قد وفَّاه حقّه، والهبةُ المتجددة بعد ذلك لا تنافيه. (وإن كانت يمينه: لا أفارقك ولك في قِبَلي حق، لم يحنث إذا أبرأه) ربُّ الدين منه (أو وهب) ربُّ العين (العينَ له، أو أحاله) المدِين بدينه.

стр. 6955

قلت: وكذا لو أحال عليه ربُّ الدين، وكذا لو كان الحالف ربَّ الدين أو العين؛ لأنه لم يفارقه، وله قِبَله حق. (و قَدْر الفرقة ما عده الناس فِراقًا، كفُرْقَةٍ) تُبْطِلُ خيارَ المجلس في (البيع) لأن الشرع رتَّب على ذلك أحكامًا، ولم يبين مقدارًا، فوجب الرجوع فيه إلى العادة، كالقبض والحِرز. (وما نواه) الحالف (بيمينه مما يحتمله لفظه، فهو على ما نواه) وكذا ما اقتضاه سبب اليمين كما تقدم (وتقدم (١) ما لَه تعلُّق بهذا الباب في) كتاب (الطلاق) فالحكم هنا وهناك واحد، ما عدا ما ينبه عليه.

стр. 6956

باب النذر مصدر نذرت أَنذُر، بضم الذَّال وكسرها، فأنا ناذر، أي: أوجب على نفسه شيئًا لم يكن واجبًا. والأصل فيه الإجماع (١). وسنده قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ (٢)؛ وقوله: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ (٣)؛ وقوله ﷺ : "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه" رواه البخاري من حديث عائشة (٤). ويتعين الوفاء بنذر التبرُّر. (وهو) أي: النذر بالمعنى المصدري (مكروهٌ؛ ولو عبادة) لنهيه ﷺ عنه، وقال: "إنه لا يأتي بخير، وإنما يُستخرج به من البخيل" متفق عليه (٥). والنهي عنه للكراهة؛ لأنه لو كان حرامًا، لَمَا مَدَحَ الموفين به؛ لأن ذمّهم بارتكاب المُحَرَّم أشد من طاعتهم في وفائه، ولو كان مستحبًّا لفعله النبيُّ ﷺ وأصحابه (لا يأتي) أي: النذر (بخير) للخبر (ولا يَرُدُّ

стр. 6957

قَضاءً) ولا يملك به شيئًا مُحْدَثًا؛ قاله ابن حامد. (وهو) أي: النذر (إلزامُ مُكلَّفٍ مختارٍ نفسَه لله تعالى بالقول شيئًا غير لازم بأصْلِ الشَّرع، بـ) ـقوله: (عليَّ لله، أو: نذرت لله، ونحوه) كـ: لله عليَّ كذا، أو نحوه مما يؤدّي معناه، فلا ينعقد من غير مُكلَّف، كالإقرار، ولا من المُكْرَه، ولا بغير قول، إلا من أخرس بإشارة مفهومة كيمينه. وفي نذر الواجب خلافٌ يأتي في كلامه (فلا تُعتبر له صيغة خاصَّة) بحيث لا ينعقد إلا بها، بل ينعقد بكل ما أدَّى معناه، كالبيع. (ويصحُّ) النذر (من كافرٍ) ولو (بعبادة) لحديث عمر: "إني كنتُ نذرتُ في الجاهلية أن أعتكف ليلة، فقال النبي ﷺ : أوفِ بنذرك" (١). (فإن نواه) أي: النذر (الناذرُ من غير قول، لم يصح كاليمين) لأنه التزام، فلم ينعقد بغير القول، كالنكاح والطلاق؛ قاله في "المبدع". ومقتضى تشبيهه بالطلاق صحته بالكتابة، ومقتضى تشبيهه بالنكاح عدم انعقاده بها، لكن النكاح أضيق؛ لأنه لا يصح إلا بلفظ مخصوص، بخلاف النذر. (وينعقد) النذر (في واجب، كـ: لله عليَّ صومُ رمضان، ونحوه) قال في "المبدع": إنه ينعقد موجبًا لكفَّارة يمينٍ إن تركه، كما لو حلف: لا يفعله، ففعله، فإن النذر كاليمين. انتهى. وقال في "الاختيارات" (٢): ما وجب بالشرع إذا نذره العبد، أو عاهد الله عليه، أو بايع عليه الرسول، أو الإمام، أو تحالف عليه جماعة، فإن هذه العقود والمواثيق تقتضي له وجوبًا ثانيًا غير الوجوب الثابت بمجرد الأمر الأول، فيكون واجبًا من

стр. 6958

وجهين، ويكون تركه موجبًا لترك الواجب بالشرع والواجب بالنذر. هذا هو التحقيق. وهو رواية عن أحمد (١)، وقاله طائفة من العلماء (فيُكفِّرُ إن لم يَصُمْه، كحَلْفِه عليه) أي: كحَلْفِه: ليصومنَّ رمضان، فيُكفِّر إن لم يصُمْه. (وعند الأكثر: لا) ينعقد النذر في واجب؛ لأن النذر التزام، ولا يصح التزام ما هو لازم (كـ: لله عليّ صوم أمس، ونحوه من المحال) لأنه لا يُتصور انعقاده ولا الوفاء به، أشبه اليمين على المستحيل. قال الموفق: والصحيح من المذهب أن النذر كاليمين، وموجبه موجبها، إلا في لزوم الوفاء به إذا كان قربة وأمكنه فِعْلُه، بدليل قوله ﷺ لأخت عُقبة، لمّا نذرت المشيَ ولم تُطِقْه، فقال: "لتكفِّر عن يمينها؛ ولْتَرْكب" (٢) وفي

стр. 6959

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6960

رواية: "ولتصم ثلاثة أيام" (١) قال أحمد: أذهب

стр. 6961

إليه (١). وعن عقبة بن عامر مرفوعًا: "كَفارَةُ النذْرِ كَفارَةُ اليَمينِ" رواه مسلم (٢)؛ ولأنه قد ثبت أن حكمَه حكمُ اليمين في أحد أقسامه، وهو نذر اللَّجَاج، فكذلك في سائره، سوى ما استثناه الشرع. قلت: فعلى هذا: يلزمه أن يُكَفِّر في الحال، كما لو حلف: ليصعدنَّ السماء. (والنذر المنعقد أقسامٌ) ستة: (أحدها): النذر (المُطلَق، كـ: عَلَيّ نَذْر، أو: لله عليَّ نَذْر) سواءٌ (أطلق، أو قال: إن فعلت كذا) وفعله (ولم ينوِ) بنَذْرِه (شيئًا) معينًا (فيلزمه كفَّارة يمين) لحديث عقبة بن عامر مرفوعًا: "كفَّارة النذر إذا لم يُسَمَّ كفَّارة يمين" رواه ابن ماجه والترمذي، وقال: حسن صحيح غريب (٣). وروى أبو داود وابن ماجه معناه من حديث ابن عباس (٤).

стр. 6962

وقاله ابن مسعود (١) وجابر (٢) وعائشة (٣)، ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم. (الثاني: نَذْر اللَّجَاج والغضب، وهو تعليقه) يعني النذر (بشرط يقصد) الناذر (المنعَ منه) أي: المعلَّق عليه (أو الحملَ) أي: الحثّ (عليه، أو التصديقَ عليه) إذا كان خبرًا (كقوله: إن كلَّمتُك، أو: إن لم أضربك، فعليَّ الحجّ، أو صوم سنة، أو عتق عبدي، أو مالي صدقة، أو: إن لم أكن صادقًا، فعليَّ صوم كذا، فَيُخَيَّر بين فعله، وكفَّارة يمين إذا وجد الشرط) لما روى عمران بن حصين قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "لا نَذْرَ في غضبٍ، وكَفارَته كفارة يمين" رواه

стр. 6963

سعيد (١)؛ ولأنها يمين، فيتخير فيها بين الأمرين، كاليمين بالله. (ولا يضر قوله) أي: الناذر: (على مذهب من يلزم بذلك، أو: لا

стр. 6964

أقلد من يرى الكفَّارة) مجزئة (ونحوه؛ لأن) هذا تأكيد، و (الشرع لا يتغيَّر بتوكيد؛ ذكره الشيخ (١). (ولو علَّق الصدقة به ببيعه) بأن قال: إن بعته، فهو صدقة (والمشتري علَّق الصدقة به بشرائه) بأن قال: أن اشتريته، فهو صدقة (فاشتراه، كَفَّرَ كلٌّ منهما كفَّارةَ يمين) ذكره السَّامَرّيّ وابن حمدان، كما لو حلفا على ذلك، قلت: إن تصدَّق به المشتري، خرج من العهدة. (ومن حلف، فقال: عليَّ عتق رقبة) إن لم أفعل كذا، ونحوه (فحَنِثَ، فعليه كفَّارة يمين) إن لم يعتق رقبة. (الثالث: نَذْر المُباح، كقوله: لله عليَّ أن ألبس ثوبي، أو أركب دابتي، فيخير بين فِعْله وكفَّارة يمين) لحديث ابن عباس: "بينا النبيُّ ﷺ يخطب إذا هو برجل قائم، فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل، نَذَرَ أن يقومَ في الشمسِ، ولا يستظلَّ، ولا يتكلمَ، وأنْ يصوم. فقال النبي ﷺ : مُرْه، فلْيتكلم، ولْيَستظلّ، ولْيقعدْ، ولْيُتمَّ صومه" رواه البخاري (٢)، فإن وفى به، أجزأه؛ لأن امرأة أتت النبي ﷺ فقالت: "إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدُّف، فقال: أوفي بنذرك" رواه أبو داود (٣)، ورواه بمعناه أحمد والترمذي وصحَّحه من حديث بريدة (٤). و (كما لو حلف: ليفعلنَّه) أي:

стр. 6965

مباح (فلم يفعل) فإنه يُكَفِّر. (الرابع: نَذْر مكروه، كطلاقٍ ونحوه) من أكل ثومٍ وبَصَل، وترك سُنَّة (فَيُستحبُّ أن يُكَفِّر) ليخرج من عُهدة النذر (ولا يفعله) لأن تَرْك المكروه أولى (فإن فعله، فلا كفَّارة عليه) لأنه وفى بنذره. (الخامس: نَذْر المعصية، كَشُرْبِ الخمر، وصَوْم يوم الحيض، والنِّفاس، ويوم العيد، وأيام التشريق، فلا يجوز الوفاء به) لقوله ﷺ : "من نَذَر أن يعصي الله فلا يعصه" (١) (ويقضي الصوم) - قال في "المنتهى": غير يوم حيض. انتهى - لانعقاد نذره، فتصح منه القُربة ويلغو تعيينه؛ لكونه معصية، كنذر مريض صومًا يخاف عليه فيه، ينعقد نذرُه ويحرم صومُه، وكذا الصلاة في ثوب حرير، أو مقبرة، ونذر صوم ليلة، لا ينعقد، ولا كفارة؛ لأنه ليس بزمن صوم، وكذا يوم أكل فيه، ويوم حيض بمفرده. والفرق بينه وبين يوم العيد وأيام التشريق أن الأكل والحيض منافيان للصوم لمعنىً فيهما، والعيد وأيام التشريق ليس منافيًا للصوم لمعنىً فيه، وإنما المعنى في غيره، وهو كونه في ضيافة الله تعالى؛ أشار إليه في "القواعد الأصولية" (٢) (ويُكَفِّر) قاله ابن مسعود (٣) وابن عباس (٤)

стр. 6966

وعمران وسمرة (١)؛ لقوله ﷺ : "لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين" رواه الخمسة من حديث عائشة (٢) ورواته ثقات، احتج به أحمد

стр. 6967

وإسحاق (١)، وضعَّفه جماعة. ولأن النذر حكمه حكم اليمين (فإن وفَّى) الناذر (به) أي: بنذر المعصية (أثِمَ، ولا كفَّارة) عليه، كما لو حلف على فعل معصية. (ومن نَذَرَ ذَبْح معصوم ولو نفسَه، كَفَّرَ كفَّارة يمينٍ) وهو قول ابن عباس (٢)؛ لما سبق من قوله ﷺ : "لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين"؛ ولأنه نَذْرُ معصية أشبه نَذْرَ ذبح أخيه. قال في "المبدع": من نَذَرَ فعل واجب، أو حرام، أو مكروه، أو مباح، انعقد نذره موجبًا للكفَّارة إن لم يفعل ما قال، مع بقاء الوجوب والتحريم والكراهة والإباحة بحالهن، كما لو حلف على فعل ذلك.

стр. 6968

(فإن نذر ذَبْحَ ولده، وكان له أكثر من ولد، ولم يُعيّن واحدًا) من أولاده (بنيَّتِهِ، ولا قوله، لزمه بعددهم) أي: الأولاد (كفَّارات) لأنه مفرد مضاف، فيعمُّ. (فإن نذر فِعْلَ طاعةٍ وما ليس بطاعة، لزمه فِعْلُ الطاعة، ويُكَفِّر لغيره) نص عليه (١) في رواية الشالنجي. وإذا نذر نذورًا كثيرة لا يُطيقها، أو ما لا يملك، فلا نَذْر في معصية، ويُكَفِّر كفَّارة يمين (ولو كان المتروك خصالًا كثيرة، أجزأته كفَّارة واحدة) لأنه نَذْر واحدٌ، وكاليمين بالله. (قال الشيخ (٢): والنذر للقبور، أو لأهل القبور - كالنذر لإبراهيم الخليل) ﷺ (والشيخِ فلانٍ - نذرُ معصية لا يجوز الوفاء به، وإن تصدَّق بما نذره من ذلك على من يستحقه من الفقراء والصالحين، كان خيرًا له عند الله وأنفع). وقال (٣): من نَذَرَ إسراج بئر، أو مقبرة، أو جَبَل، أو شجرة، أو نذر له أو لسكناه (٤) أو المضافين إلى ذلك المكان، لم يجز، ولا يجوز الوفاء به إجماعًا، ويُصرف في المصالح ما لم يُعرف ربه. ومن الحسن صَرْفُه في نظيره من المشروع. وفي لزوم الكفارة خلاف. (وقال (٣) في من نذر قنديل نقد (٥) للنبي ﷺ : يُصرف لجيران النبي ﷺ قيمته، وأنه أفضل من الختمة.

стр. 6969

وقال (١): وأما مَن نَذَر للمساجد ما تُنَوَّرُ به، أو يُصرف في مصالحها، فهذا نَذْرُ بِرٍّ، فيوفي بنذره) لأن تنويرها وتعميرها مطلوب. (السادس: نَذْر التبرُّر) أي: التقرُّب، يقال: تبرَّر تبرُّرًا، أي: تقرَّب تقرُّبًا (كنذر الصلاة، والصيام، والصدقة، والاعتكاف، وعيادة المريض، والحج، والعمرة، ونحوها عن القُرَب) كتجديد الوضوء، وغسل الجمعة، والعيدين (على وَجْهِ التقرُّب، سواء نذره مطلقًا، أو معلَّقًا بشرط) لا يقصد به المنع والحمل (كقوله: إن شفى الله مريضي، أو سَلَّم مالي، أو طلعت الشمسُ، فلله عليَّ كذا، أو فعلتُ كذا، نحو: تصدَّقت بكذا، ونصَّ عليه) أحمد (٢) (في: إن قدم فلان، تصدقت بكذا، فهذا نَذْرٌ) صحيح (وإن لم يصرح بذِكْرِ النذر؛ لأن دلالة الحال تدلُّ على إرادة النذر، فمتى وُجِدَ شَرْطُه) إذا كان النذر معلَّقًا (انعقد نَذْرُه، ولزمه فِعْلُه) لقوله ﷺ : "من نذر أن يطيع الله، فليُطِعْه" رواه البخاري (٣). وذمَّ الله تعالى الذين يَنذُرون ولا يوفون، وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ. . .﴾ الآيات (٤). وعُلم مما تقدم أن نذر التبرُّر ثلاثة أنواع: أحدها: ما كان في مقابلة نعمة استجلبها، أو نقمة استدفعها. وكذا إن طلعت الشمس، أو قَدِمَ الحاجُّ، ونحوه، فعلت كذا.

стр. 6970

الثاني: التزام طاعة من غير شرط، كقوله ابتداء: لله عليَّ صوم، أو صلاة، ونحوه. الثالث: نذر طاعة لا أصل لها في الوجوب، كالاعتكاف وعيادة المريض، فيلزم الوفاء به؛ لما تقدم. "تتمة": قال الشيخ تقي الدين (١): تعليق النذر بالملك نحو: إن رزقني الله مالًا، فلله علي أن أتصدق به، أو بشيء منه، يصح اتفاقًا. وقد دَلَّ عليه قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ. . .﴾ الآية (٢). (ويجوز فعله) أي: النذر (قبله) أي: قبل وجود شرطه، كإخراج الكفارة بعد اليمين وقبل الحنث. (وقال الشيخ (٣) - في من قال: إن قدم فلان، أصوم كذا -: هذا نذر يجب الوفاء به مع القدرة، لا أعلم فيه نزاعًا، ومن قال: ليس بنذر، فقد أخطأ. وقال (٣): قول القائل: لئن ابتلاني الله، لأصبرن - ولئن لقيتُ العدوَّ، لأجاهدنَّ، ولو علمت أيَّ العمل أحب إلى الله، لعملته - نذر معلَّق بشرط، كقول الآخر: ﴿لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ. . .﴾ الآية (٤). ونظير ابتداء الإيجاب تمني لقاء العدو، ويُشبهه سؤال الإمارة، فإيجاب المؤمن على نفسه إيجابًا لم يحتج إليه بنذر وعهد وطلب وسؤال، جهلٌ
следующие страницы →