стр. 6966
← Фикх ханбали следующие страницы →
Фикх ханбали · id 622
كشاف القناع عن متن الإقناع - ط وزارة العدل
البهوتي
Полный текст (7 407 стр.). Показаны 6966–7005 · переход к 6971.
стр. 6967
وإسحاق (١)، وضعَّفه جماعة. ولأن النذر حكمه حكم اليمين (فإن وفَّى) الناذر (به) أي: بنذر المعصية (أثِمَ، ولا كفَّارة) عليه، كما لو حلف على فعل معصية.
(ومن نَذَرَ ذَبْح معصوم ولو نفسَه، كَفَّرَ كفَّارة يمينٍ) وهو قول ابن عباس (٢)؛ لما سبق من قوله ﷺ : "لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين"؛ ولأنه نَذْرُ معصية أشبه نَذْرَ ذبح أخيه. قال في "المبدع": من نَذَرَ فعل واجب، أو حرام، أو مكروه، أو مباح، انعقد نذره موجبًا للكفَّارة إن لم يفعل ما قال، مع بقاء الوجوب والتحريم والكراهة والإباحة بحالهن، كما لو حلف على فعل ذلك.
стр. 6968
(فإن نذر ذَبْحَ ولده، وكان له أكثر من ولد، ولم يُعيّن واحدًا) من أولاده (بنيَّتِهِ، ولا قوله، لزمه بعددهم) أي: الأولاد (كفَّارات) لأنه مفرد مضاف، فيعمُّ.
(فإن نذر فِعْلَ طاعةٍ وما ليس بطاعة، لزمه فِعْلُ الطاعة، ويُكَفِّر لغيره) نص عليه (١) في رواية الشالنجي.
وإذا نذر نذورًا كثيرة لا يُطيقها، أو ما لا يملك، فلا نَذْر في معصية، ويُكَفِّر كفَّارة يمين (ولو كان المتروك خصالًا كثيرة، أجزأته كفَّارة واحدة) لأنه نَذْر واحدٌ، وكاليمين بالله.
(قال الشيخ (٢): والنذر للقبور، أو لأهل القبور - كالنذر لإبراهيم الخليل) ﷺ (والشيخِ فلانٍ - نذرُ معصية لا يجوز الوفاء به، وإن تصدَّق بما نذره من ذلك على من يستحقه من الفقراء والصالحين، كان خيرًا له عند الله وأنفع).
وقال (٣): من نَذَرَ إسراج بئر، أو مقبرة، أو جَبَل، أو شجرة، أو نذر له أو لسكناه (٤) أو المضافين إلى ذلك المكان، لم يجز، ولا يجوز الوفاء به إجماعًا، ويُصرف في المصالح ما لم يُعرف ربه. ومن الحسن صَرْفُه في نظيره من المشروع. وفي لزوم الكفارة خلاف.
(وقال (٣) في من نذر قنديل نقد (٥) للنبي ﷺ : يُصرف لجيران النبي ﷺ قيمته، وأنه أفضل من الختمة.
стр. 6969
وقال (١): وأما مَن نَذَر للمساجد ما تُنَوَّرُ به، أو يُصرف في مصالحها، فهذا نَذْرُ بِرٍّ، فيوفي بنذره) لأن تنويرها وتعميرها مطلوب.
(السادس: نَذْر التبرُّر) أي: التقرُّب، يقال: تبرَّر تبرُّرًا، أي: تقرَّب تقرُّبًا (كنذر الصلاة، والصيام، والصدقة، والاعتكاف، وعيادة المريض، والحج، والعمرة، ونحوها عن القُرَب) كتجديد الوضوء، وغسل الجمعة، والعيدين (على وَجْهِ التقرُّب، سواء نذره مطلقًا، أو معلَّقًا بشرط) لا يقصد به المنع والحمل (كقوله: إن شفى الله مريضي، أو سَلَّم مالي، أو طلعت الشمسُ، فلله عليَّ كذا، أو فعلتُ كذا، نحو: تصدَّقت بكذا، ونصَّ عليه) أحمد (٢) (في: إن قدم فلان، تصدقت بكذا، فهذا نَذْرٌ) صحيح (وإن لم يصرح بذِكْرِ النذر؛ لأن دلالة الحال تدلُّ على إرادة النذر، فمتى وُجِدَ شَرْطُه) إذا كان النذر معلَّقًا (انعقد نَذْرُه، ولزمه فِعْلُه) لقوله ﷺ : "من نذر أن يطيع الله، فليُطِعْه" رواه البخاري (٣). وذمَّ الله تعالى الذين يَنذُرون ولا يوفون، وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ. . .﴾ الآيات (٤).
وعُلم مما تقدم أن نذر التبرُّر ثلاثة أنواع:
أحدها: ما كان في مقابلة نعمة استجلبها، أو نقمة استدفعها. وكذا إن طلعت الشمس، أو قَدِمَ الحاجُّ، ونحوه، فعلت كذا.
стр. 6970
الثاني: التزام طاعة من غير شرط، كقوله ابتداء: لله عليَّ صوم، أو صلاة، ونحوه.
الثالث: نذر طاعة لا أصل لها في الوجوب، كالاعتكاف وعيادة المريض، فيلزم الوفاء به؛ لما تقدم.
"تتمة": قال الشيخ تقي الدين (١): تعليق النذر بالملك نحو: إن رزقني الله مالًا، فلله علي أن أتصدق به، أو بشيء منه، يصح اتفاقًا. وقد دَلَّ عليه قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ. . .﴾ الآية (٢).
(ويجوز فعله) أي: النذر (قبله) أي: قبل وجود شرطه، كإخراج الكفارة بعد اليمين وقبل الحنث.
(وقال الشيخ (٣) - في من قال: إن قدم فلان، أصوم كذا -: هذا نذر يجب الوفاء به مع القدرة، لا أعلم فيه نزاعًا، ومن قال: ليس بنذر، فقد أخطأ.
وقال (٣): قول القائل: لئن ابتلاني الله، لأصبرن - ولئن لقيتُ العدوَّ، لأجاهدنَّ، ولو علمت أيَّ العمل أحب إلى الله، لعملته - نذر معلَّق بشرط، كقول الآخر: ﴿لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ. . .﴾ الآية (٤). ونظير ابتداء الإيجاب تمني لقاء العدو، ويُشبهه سؤال الإمارة، فإيجاب المؤمن على نفسه إيجابًا لم يحتج إليه بنذر وعهد وطلب وسؤال، جهلٌ
стр. 6971
منه وظلمٌ، وقوله: لو ابتلاني الله، لصبرت، ونحو ذلك، إن كان وعدًا أو التزامًا فنَذْر، وإن كان خبرًا عن الحال، ففيه تزكية النفس، وجهل بحقيقة حالها. انتهى).
وتوقف الشيخ تقي الدين في تحريم النذر، وحَرَّمه طائفة من أهل الحديث (١)؛ ذكره في "المبدع".
(ومن نَذْرِ التبرُّر: لو حَلَفَ يقصد (٢) التقرُّبَ، كقوله: والله إن سَلِمَ مالي، لأتصدقنَّ بكذا، فوُجِد الشرطُ، لزمه) الوفاء بما نذره؛ لأن النذر ليس له صيغة معينة، بل ينعقد بكل قول دلَّ عليه، وهذا منه.
(ومن نَذَرَ الصدقَةَ بكلِّ ماله) أجزأه ثلثه (أو) نَذَرَ الصدقةَ (بمُعيَّن، وهو كلُّ مالِه) أجزأه ثلثه (أو) نَذَرَ الصدقةَ (بألفٍ ونحوه) كمائة (وهو كلُّ مالِه، أو يستغرق كلَّ مالِه) بأن كان المنذور أكثر من ماله (نَذْرَ قُرْبة لا) نَذْر (لَجَاج وغَضَبٍ، أجزأه ثُلُثُه، ولا كفَّارة) عليه؛ لقول كعب: "يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي؛ صدقةً لله ولرسوله؟ فقال النبي ﷺ : أمسِكْ عليك بعضَ مالك، هو خيرٌ لك" (٣) وفي قصة توبة أبي لُبابة "وأن أنخلع من مالي؛ صدقةً لله ورسوله؟ فقال النبي ﷺ : يُجزئ عنك الثُّلث" رواه أحمد (٤)؛ ولأن الصدقة بالجميع مكروهة.
стр. 6972
قال في "الروضة": ليس لنا في نَذْرِ الطاعة ما يجزئ بعضه إلا هذا الموضع. انتهى.
فإن كان نذر لَجَاج وغَضَب، أجزأه كفَّارة يمين، وكذا لو أضرَّ بأهله، أو غرمائه ونحوه.
(وإن نوى) مَن نذر الصدقة بماله: (ثمينًا (١)) منه (أو) نوى (مالًا دون مال، كصامت أو غيره، أُخِدَ بنِيَّتِهِ؛ لأن الأموال تختلف عند الناس) والنيَّة مخصصة.
(وثلث المال معتبر بيوم نَذْرِه) لأنه وقت الوجوب. قال في
стр. 6973
"الهدي" (١): يُخرِج قَدْر الثلث يوم نذره، ولا يسقط منه قدر دينه (ولا يدخل ما تجدَّد له من المال بعده) أي: بعد النذر.
(وإن نَذَر الصدقةَ بمال، ونِيَّته ألف) أو نحوه (فنصُّه (٢): يُخْرِجُ ما شاء) لأن اسم المال يقع على القليل، وما نواه زيادة على ما تناوله الاسم، والنذر لا يلزم بالنية.
(ومصرفه) أي: النذر المُطْلَق (للمساكين، كصَدَقَةٍ مُطْلَقَةٍ) وتقدَّم (٣) في الحيض أن النذر المطلق يجزئ لمسكين واحد.
(وإن نذر الصدقةَ ببعض ماله) كنصفه أو ثلثه (أو) نذر الصدقةَ (بألفٍ، وليست كلَّ ماله، لزمه جميع ما نذره) لأنه التزم ما لا يمنع منه شيء، فلزمه الوفاء به كسائر النذور.
(ولو نذر الصدقةَ بقَدْرٍ من المال، فأبرأ غريمَه عن قَدْرِه يقصد به وفاءَ النذر؛ لم يجزئه وإن كان الغريم من أهل الصدقة) قال أحمد (٤): لا يجزئه حتى يقبضه؛ وذلك لأن الصدقة تمليك، وهذا إسقاط، فلم يجزئه كالزكاة (فإن أخذه) أي: الدَّين (منه) أي: من المدين (ثم دفعه إليه) عن (٥) النذر (أجزأ) لحصول التمليك.
ومن حلف أو نذر: لا رددت سائلًا، فكمن حلف أو نذر الصدقة بماله، فإن لم يحصُل له إلا ما يحتاجه، فكفارة يمين، وإلا تصدَّق بثلث الزائد. وحبة بُر ونحوها ليست سؤال السائل.
стр. 6974
وإن قال: إن ملكت مال فلان، فعليَّ الصدقة به، فملكه، فكمالِه.
(وتجبُ كفَّارة النَّذْر على الفور، وتقدم آخر كتاب الأيمان) وكذلك نفس النذر يجب إخراجه فورًا، وتقدم (١) في غير موضع.
(وإن نذر صيامًا، أو صيام نصفِ يوم، أو رُبعِه، ونحوه) كثلث يوم (لزمه صوم يوم) لأنه ليس في الشرع صوم مفرد أقل من يوم، فلزمه؛ لأنه اليقين (بنيَّةٍ من الليل) لأنه واجب، أشبه قضاء رمضان.
(وإن نذر صلاةً) وأطلقَ (فركعتان قائمًا، لقادر) عى القيام (لأن الركعة لا تجزئ في فرض، وإن عيَّن عددًا) من صوم وصلاة (أو نواه، لزمه، قَلَّ أو كَثُر) لعدم المانع.
(وإن نذر عِتْقَ عبدٍ معيَّنٍ، فمات) العبد (قبل عتقه، لم يلزمه عتق غيره) لفوات محل النذر (ويُكفِّر) لأنه لم يف بنذره.
(وإن قتله) أي: العبدَ المنذور (٢) (السيدُ، فالكفارة فقط) ولا يلزمه عتق غيره بقيمته؛ لأن العتق حقٌّ للمنذور عتقه، وقد فات (وإن أتلفه غيرُه) أي: غير سيده (فكذلك) أي: الكفَّارة فقط (وللسيد القيمة، ولا يلزمه) أي: السيد (صَرْفُها في العتق) لما تقدم.
(وإن نَذَر صومَ سنةٍ معيَّنة، لم يدخل في نَذْره رمضان، ويوما العيدين، وأيام التشريق) لأن ذلك لا يقبل الصوم عن النذر، فلم يدخل في نَذْره (كالليل.
وإن قال): لله عليه أن يصوم (سنةً، وأطلق) ولم يعينها (لزمه التتابع، كما في) نذر صوم (شهر مطلَق، ويأتي.
стр. 6975
ويصوم) من نَذَرَ صومَ سنة مطلَقَة (اثني عشر شهرًا سوى رمضان وأيام النهي) أي: يومي العيدين وأيام التشريق (ولو شرط التتابع) لأنه عيَّن بنذره سنة، فانصرف إلى سَنَةٍ كاملة، وهي اثنا عشر شهرًا كاملة، فلزمه قضاء رمضان وأيام النهي كذلك.
(وإن قال): لله عليه أن يصوم (سنة من الآن، أو من وقت كذا، فَكَمُعيّنة) لأن تعيين أولها تعين (١) لها، إذ السنة اثنا عشر شهرًا، فإذا عيَّن أولها، تعيَّن أن يكون آخرها انقضاء الثاني عشر، وتقدم أنه لا يدخل في نذره رمضان ولا أيام النهي.
(وإن نَذَر صومَ الدهر، لزمه) كبقية النذور (وإن أفطر، كفَّر فقط) أي: بلا قضاء (بغير صوم) لأن الزمن مستغرق بالصوم المنذور، ويكفر لترك المنذور.
(ولا يدخل رمضان ويوم نهي) في نذر صوم الدهر، كالليل (ويقضي فطره منه) أي: من رمضان (لعذر) أو غير عذر؛ لأنه واجب بأصل الشرع، فَيُقدَّم على ما أوجبه على نفسه، كتقديم حجة الإسلام على الحجة المنذورة، ويُكفِّر بفطره لرمضان لغير عُذر؛ لأنه سببه؛ قاله في "شرح المنتهى".
(ويُصام لظِهار ونحوه) ككفَّارة القتل، والوطء في نهار رمضان (منه) أي: من الدهر المنذور صومه (ويُكَفِّر مع صوم ظِهار) قال في "المنتهى": "ونحوه" (فقط) لأنه سببه، بخلاف صوم رمضان وقضائه.
(و إن نَذَر صومَ يوم الخميس، فوافق يومَ عيدٍ، أو حيضٍ، أو أيام التشريق، أفطر) لأن الشارع حَرَّم صومَه (وقضى) لأنه فاته ما نَذَر صومه
стр. 6976
(وكَفَّر) لعدم الوفاء بنذره، وكما لو فاته لمرض.
(وإن نذر أن يصوم يومًا معينًا أبدًا (١)، ثم جهله، فقال الشيخ (٢): يصوم يومًا من الأيام مطلقًا، أيّ يوم كان. انتهى. وقياس المذهب: وعليه كفَّارة؛ للتعيين) أي: لفوات التعيين. قلت: فيه شيء؛ لأنا لم نتحقَّق أن ما صامه خلاف ما عيَّنه، ولا نوجب الكفَّارة بالشَّك.
فصل
(وإن نذر صومَ يومِ يقدَمُ فلانٌ، فقدِمَ ليلًا، فلا شيء عليه) لأنه لم يتحقق شرطه، فلم يجب نذره، ولا يلزمه أن يصوم صبيحته (ويُستحب صومُ يومِ صبيحته) ذكره في "المنتخب".
(وإن قَدِم) زيد (نهارًا وهو) أي: الناذر (مفطر، أو) قَدِم (يومَ عيدٍ، أو حيضٍ، أو نفاس، قضى وكفَّر) لأنه أفطر ما نذر صومه، أشبه ما لو نذر صوم يوم الخميس، فلم يصمه، وعُلم منه: انعقاد نَذْرِه؛ لأنه زمن يصحُّ فيه صوم التطوّع، فانعقد نَذْره لصومه، كما لو أصبح صائمًا تطوّعًا ونَذَر إتمامه.
(وإن قَدِم) زيد (وهو) أي: الناذر (صائم، وكان قد بيَّت النيةَ بخبرٍ سمعه، صَحَّ صومه وأجزأه) وفاءً بنذره.
(وإن نوى) الناذر الصومَ (حين قَدِم) زيد (لم يجزئه) الصومُ؛ لعدم
стр. 6977
تبييت النية (ويقضي ويُكَفّر) لفوات المحل.
(وإن وافق قُدومُه يومًا من رمضان، فعليه القضاء) لأنه لم يصمه عن نذره (والكفَّارة) لتأخير النذر عن زمنه.
(وإن وافق قدومُه) أي: زيد (وهو) أي: الناذر (صائم عن نذر معيَّن، أتمَّه، ولا يلزمه قضاؤه) ولا يُستحب، كما في "الفروع" و"المنتهى" (ويقضي نَذْرَ القدوم، كـ) ــما لو قدم زيد في (صوم في قضاء رمضان، أو كفَّارة، أو نَذْر مُطْلَق. ومثل ذلك في الحكم لو نَذر صومَ شهر من يوم يَقْدَم فلان، فقدم في أول رمضان) فعليه قضاء النذر والكفارة.
(و نذر الاعتكاف كالصوم) في جميع ما تقدم.
(وإن نذر صوم يومٍ أكلَ فيه، فلَغْوٌ) لا قضاء فيه، ولا كفَّارة، وتقدمت الإشارة إليه (١).
(وإن وافق يومُ نَذْره) لقدومٍ أو غيره (وهو) أي: الناذر (مجنونٌ، فلا قضاء عليه ولا كفارة) عليه؛ لأنه خرج عن أهلية التكليف قبل وقت النذر.
(وإن نَذَر صومَ شهر معيَّن) كالمُحَرَّم (فلم يصمه، قَضَى) لأنه صوم واجب مُعيَّن، كقضاء رمضان (متتابعًا) لأن القضاء كالأداء، وقد وجب متتابعًا. فكذلك قضاؤه (وكفَّر) سواء تركه لعُذر أو غيره؛ لتأخير النذر عن وقته.
(وإن أفطر منه) أي: من الشهر المُعيَّن (لغير عُذر، استأنف) لأنه صوم يجب متتابعًا بالنذر، كما لو اشترط التتابع، فيستأنف (شهرًا من يوم فِطره، وكفَّر) لتأخير النذر.
стр. 6978
(و) إن أفطر منه (لعُذر، يبني) على ما صامه (ويقضي ما أفطره متتابعًا متصلًا بتمامه) لأن باقيَ الشهر منذور، فلا يجوز تَرْك صومه. والفرق بين رمضان والنذر: أن تتابع رمضان بالشرع، وتتابع النذر أوجبه على نفسه على صفة، ثم فرقها؛ قاله في "المبدع" (ويُكفِّر) لفوات زمن النذر.
(وإن صام قبلَه) أي: قبل الشهر المُعيَّن (لم يُجزئه) الصوم (كالصلاة) قبل وقتها المُعيَّن.
(وكذلك إن نذر الحجَّ في عام، فَحَجَّ قبلَه) لم يجزئه.
(فإن كان نذره بصدقة مال، جاز إخراجُها قبل الوقت الذي عَيَّنه، كالزكاة) وكَفَّارة اليمين بعدَه وقبل الحنث؛ لوجود سببه. وتقدم.
(ولو جُنَّ) الناذر (الشهرَ المُعيَّن كله) للصوم أو الاعتكاف (لم يقضِه) لخروجه عن أهلية التكليف (ولم يكفِّر) لذلك.
(وصومه في كفَّارة الظِّهار) أو القتل، أو الوطء في نهار رمضان (في الشهر المنذور كفِطره فيه) فيقضي ويُكفِّر.
(ويبني من لا يقطع عذره تتابع صوم الكفَّارة) أي: إذا أفطر لعذر لا يقطع تتابع الصوم في الكفارة، كالمرض ونحوه، فإنه يبني على ما تقدم؛ لعدم انقطاع التتابع، ويكفِّر؛ لتأخير النذر، كما تقدم.
(وإن قال: لله عليَّ الحجُّ في عامي هذا، فلم يحجَّ، لعُذر أو غيره، فعليه القضاء) لأنه لم يفعل ما نذره (والكفَّارة) لتأخيره عن محله.
(وإن نذر صومَ شهرٍ مطلَقٍ، لزمه التتابع) لأن إطلاق الشهر يقتضي التتابع، وكما لو نواه (وهو مُخَيَّر، إن شاء صام شهرًا هلاليًّا من أوله ولو ناقصًا، وإن شاء ابتدأ من أثناء شهرٍ، ويلزمه شهرٌ بالعدد، ثلاثون يومًا)
стр. 6979
لأن الشهر يُطلَق على ما بين الهلالين تامًّا كان أو ناقصًا، وعلى ثلاثين يومًا، فأيهما فعله، خرج به من العُهدة.
(فإن قَطَعه) أي: الصوم (بلا عُذْرٍ، استأنفه) لأنه لو جاز له البناء، بَطَلَ التتابع؛ لتخلُّلِ الفِطر فيه.
(و) إن أفطر (مع عُذر، يُخيَّر بينه) أي: بين الاستئناف (بلا كفَّارة) لأنه فعل المنذور على صفته (وبين البناء، ويتم ثلاثين يومًا ويُكفِّر) لأنه لم يأتِ بالمنذور على وجهه، أشبه ما لو حلف عليه.
(وإن نذر صيام أيام معدودة ولو ثلاثين يومًا، لم يلزمه تتابع) لأن الأيام لا دلالة لها على التتابع، بدليل قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (١) (إلا بشرط) بأن يقول: متتابعةٍ (أو نيَّة) فيلزمه الوفاء بنذره، وإن شرط تفريقها، لزمه في الأقيس؛ ذكره في "المبدع".
(وإن نذر صيامًا متتابعًا غير معيَّن) كعشرة أيام متتابعة (فأفطر) في أثنائها (لمرض يجب معه الفِطر) بأن خاف على نفسه التلفَ بالصوم (أو) أفطر لـ (ــحيض؛ خُيِّر بين استئنافه ولا شيء عليه) لأنه أتى بالمنذور على وجهه (وبين البناء على صومه ويُكفِّر) لمخالفته فيما نذره (وإن أفطر لغير عُذر، لزمه الاستئناف) ضرورة الوفاء (٢) بالتتابع (بلا كفَّارة) لأنه فعل المنذور على وجهه.
(وإن أفطر) الناذر صيامًا متتابعًا (لسفرٍ، أو ما يُبيح الفِطر مع القُدْرة على الصوم، لم ينقطع التتابع) لأنه فطر لعُذر، أشبه المرض الذي يجب معه الفِطر.
стр. 6980
(وإن نذر صيامًا، فَعَجَزَ عنه؛ لِكِبَرٍ، أو مرض لا يُرجى بُرْؤه، أو نَذَرَه) أي: الصيام (في حال عجزه، أطعم لكلِّ يومٍ مسكينًا، وكفَّر كفَّارة يمين) لأن سبب الكفَّارة عدم الوفاء بالنذر، والإطعام للعجز عن واجب الصوم، فقد اختلف السببان واجتمعا، فلم يسقط واحدٌ منهما؛ لعدم ما يُسقِطه.
(وإن عَجَزَ) الناذر عن الصوم (لعارضٍ يُرْجَى بُرْؤه؛ انتظر زواله) كالواجب بأصل الشرع (ولا يلزمه كفَّارة ولا غيرها) إذا لم يكن النذر معينًا، فإن كان معينًا وفات محلُّه، فعليه الكفَّارة كما تقدم.
(وإن صار) المرض (غير مرجُوِّ الزَّوالِ، صار) الناذر (إلى الكفَّارة والفِدية) أي: الإطعام لكل يوم مسكينًا، كما لو كان ابتدأ كذلك.
(و إن نذر صلاةً ونحوها) كطواف (وعَجَزَ، فعليه كفَّارةُ) يمينٍ (فقط) وظاهر هذا انعقاد نَذْره، وهو الصحيح؛ لقوله ﷺ : "من نذر نذرًا لم يطِقه، فكفَّارته كفارةُ يمين" (١) ولولا انعقاد نذره، لم تجب فيه كفَّارة.
стр. 6981
(وإن نَذَر حجًّا، لَزِمه) صحيحًا كان أو معضوبًا، ويُحَج عنه، وإن أطاق البعض، أتى به وكفَّر للباقي.
(وإن نَذَر المشيَ، أو الركوبَ إلى بيت الله الحرام، أو) إلى (موضع من الحرم كالصفا والمروة، وأبي قُبيسٍ، أو مكة، وأطلق) فلم يقيّده بشيء (أو قال: غير حاجٍّ ولا مُعتمِر، لزمه إتيانُه) لقوله ﷺ : "من نذر أن يطيع الله فليطِعْه" (١) (في حَجٍّ أو عُمرة) لأن المشي إليه في الشرع هو المشي إليه في حج أو عُمرة، فيُحمل النذر على المعهود الشرعي، ويُلغى ما يُخالفه (من دُويرة أهله، أي: مكانه الذي نَذَر فيه) كما في حَج الفرض؛ لأن المُطلَق من كلام الآدمي يحمل على المشروع (إلا أن ينويَ من مكان مُعيَّن، فيلزمه منه على صفة ما نَذَره، من مشي أو ركوب) لأنه ألزم نفسه ذلك (إلى أن يسعى في العُمرة، أو يأتي بالتَّحَلُّلين في الحج) قال في "المبدع": ويلزمه المنذور منهما في الحج والعمرة إلى أن يتحلَّل؛ لأن ذلك انقضاؤه. قال أحمد: إذا رمى الجمرة، فقد فرغ (٢). وفي "الترغيب": لا يركب حتى يأتي بالتحلُّلين في الأصح (ويُحرم لذلك) أي: لإتيانه ما نذره (من الميقات) لأن النذر المُطلَق يُحمل على المعهود في الشرع، والإحرام الواجب من الميقات.
(فإن ترك المشيَ المنذورَ، أو) ترك (الركوبَ المنذورَ لعجز أو غيره، فكفَّارة يمين) لقوله ﷺ : "كفَّارة النذر كفَّارة اليمين" (٣)؛ ولأن
стр. 6982
المشي أو الركوب مما لا يوجبه الإحرام، فلا يجب به في حج أو عُمرة دم.
(فإن لم يرد بالمشي أو الركوب حقيقةَ ذلك) و (إنما أراد إتيانه في حج أو عُمرة، لزمه إتيانه في ذلك) للوفاء بنذره (ولم يتعيَّن عليه مشيٌ ولا ركوب) لأنهما يحصُلان بكل واحد من المشي أو الركوب، فلم يتعيَّن واحد منهما.
(وإن نذرهما) أي: المشي والركوب (إلى) موضعٍ (غير الحَرَم، كعَرَفة ومواقيت الإحرام وغير ذلك) من المواضع، كمسجد سوى المسجد الحرام ومسجد المدينة والأقصى (لم يلزمة ذلك، ويكون كنَذْرِ المُباح) فيُخَيَّر بين فعله وكفَّارة يمين.
(ولو أفسد الحجَّ المنذور ماشيًا أو راكبًا، وجب قضاؤه ماشيًا أو راكبًا) ليكون القضاء على صفة الأداء (ويمضي في فاسده) أي: الحج المنذور (ماشيًا) إن كان نذره ماشيًا (أو راكبًا) إن كان نذره راكبًا (حتى يحلّ منه) بالتحليل (١) كما في الصحيح.
(وإن فاته الحجّ) بأن طَلَع عليه الفجر قبل الوقوف بعَرَفة (سقط توابع الوقوف، و) هي (المبيت بمزدلفة، و) المبيت بـ (ــمِنىً، والرمي وتحلّل بعمرة) إن لم يختر البقاء على إحرامه ليحج من قابل.
وإذا نَذَر الحجَّ العام، فلم يَحُجَّ، ثم نذر أخرى في العام الثاني، قال في "الفروع": فيتوجَّه: يصح، وأن يبدأ بالثانية؛ لفَوْتها، ويُكَفِّر لتأخير الأولى، وفي المعذور الخلاف.
(وإن نذر أن يأتي بيتَ الله الحرام، أو) أن (يذهبَ إليه، أو يحُجَّه،
стр. 6983
أو يزورَه، لزمه ذلك) في حَجٍّ أو عمرة كما تقدم (إن شاء ماشيًا، وإن شاء راكبًا) لأنه لم يلتزم أحدهما (ولو نذر المشيَ إلى مسجد المدينة) المنوَّرة، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام (أو) نذر المشيَ إلى المسجد (الأقصى، لزمه ذلك) ليوفي بنذره، قال في "الفرع": مُرادهم: لغير المرأة؛ لأفضلية بيتها (وأن يصلِّي فيه ركعتين) لأن المساجد غير المسجد الحرام إنما تُقصد للصلاة.
(وإن نذر إتيان مسجدٍ سوى المساجد الثلاثة ماشيًا أو راكبًا، لم يلزمه إتيانه) لحديث: "لا تُشَدُّ الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد" (١).
(وإن نَذَر الصلاةَ فيه) أي: فيما سوى المساجد الثلاثة (لزمته الصلاة) لحديث: "من نَذَرَ أن يُطيع الله فليُطِعْه" (٢) (فيصليها في أي مكان شاء، ولا يلزمه المشي إليه والصلاة فيه) لحديث: "لا تُشَدُّ الرِّحَال إلا إلى ثلاثة مساجد" (١).
(و إن نَذَر المشيَ إلى بيت الله، ولم يُعَيِّن بيتًا) بلفظه (ولم ينوِه، انصرفَ إلى بيت الله الحرام) لأنه المعهود، فينصرف الإطلاق إليه.
(وإن نَذَر طوافًا) وأطلق (أو) نَذَر (سعيًا) وأطلق فأقلّه أسبوع) لأنه المشروع (وتقدَّم نَذْر الصلاة في المساجد الثلاثة في) باب (الاعتكاف) مفصلًا (٣).
(وإن نذر رقبة، فهي التي تجزئ في الكفَّارة على ما تقدم في الظِّهار (٤)) لأن المُطْلَق يُحمل على معهود الشرع، وهو الواجب في
стр. 6984
الكفَّارة (إلا أن ينويَ رقبة بعينها، فيجزئه ما عَيَّنه) لأن المُطلَق يتقيد بالنية كالقرينة اللفظية (لكن لو مات المندور المعيّن، أو أتلفه قبل عتقه؛ لزمه كفَّارة يمين بلا عتق، كما تقدم في الباب (١).
و إن نَذَر الطوافَ على أربع، طاف طوافين) نصَّ عليه (٢)، ورواه سعيد عن ابن عباس (٣)؛ ولخبر معاوية بن خديج (٤) الكندي: "أنه قدم على رسول الله ﷺ ومعه أُمه كبْشة بنت مَعْدي كَرِبٍ عمّة الأشعث بن قيس، فقالت: يا رسول الله، آليتُ أن أطوف بالبيت حَبوًا، فقال لها رسول الله ﷺ : طوفي على رجليكِ سَبْعَين: سبعًا عن يديك، وسبعًا عن رجليك" أخرجه الدارقطني (٥) (والسعي) المنذور على أربع (كطوافٍ) في ذلك فيسعى على رجليه أسبوعين.
(وكذا لو نذر طاعةً على وجهٍ منهيٍّ عنه، كنذره صلاة عريانًا، أو) نذره (حجًّا حافيًا حاسرًا، أو نذرت المرأةُ الحجَّ حاسرة، ونحوه) كالصلاة بثوب نجس (فَيَفِي بالطاعة على الوجه المشروع، وتلغى تلك الصفة) لما روى عكرمة "أن النبي ﷺ كان في سفر فحانت منه نظرة فإذا
стр. 6985
امرأة ناشرة شعرها قال: فمروها فلتختمر" (١)، و"مر برجلين مقرونين فقال: أطلِقا قرانكما" (٢) (ويكفِّر) لإخلاله بصفة نذره، وإن كان غير مشروع، كما لو كان أصل النذر غير مشروع (وتقدَّم معناه (٣).
ولا يلزم الوفاء بالوعد) نص عليه (٤)، وقاله أكثرُ العلماء.
(ويُحْرِم بلا استثناء) لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٥) قال في "الآداب الكبرى" (٦): فلا يُخبر عن شيءٍ سيوجد إلا باعتبارٍ جازمٍ، أو ظَنٍّ راجح، قال: وتعليق الخبر فيها بمشيئة الله مستحبٌّ، ولا يجب؛ للأخبار المشهورة في تركه في الخبر والقسَم، انتهى.
قال في "المبدع": ومذهب مالك (٧): يلزم - أي: الوفاء بالوعد -
стр. 6986
بسبب، كمن قال: تزوج وأعطيك كذا، و: احلف لا تَشتُمْني ولك كذا، وإلا لم يلزم.
"تتمَّات": لو قال: إن ملكتُ عبدَ زيدٍ فلله عليَّ أن أُعتقه، يقصد (١) القربة، ألزم بعتقه إذا ملكه.
وإذا نذر الحجَّ عاجزٌ عن الزاد والراحلة - حالَ نذره - لم يلزمه شيء، ثم إن وجدهما لزمه.
و إن نذر أربعَ ركعات بتسليمتين، أو أطلق، يُجزئ بتسليمة، كعكسه. ولمن نذر صلاة جالسًا أن يُصلّيها قائمًا.
والعهدُ غير الوعد، ويكون بمعنى: اليمين، والأمان، والذمة، والحفظ، والرعاية، والوصية، وغير ذلك. قال ابن الجوزي (٢) - في قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ (٣) -: عامٌّ فيما بينه وبين رَبِّه والناس، ثم قال: قال الزجَّاج (٤): كل ما أمر الله تعالى به، ونهى عنه، فهو من الوعد.
стр. 6987
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المَملكَة العَربيَّة السُّعُوديَّة
وَزارة العَدل
مَكتب الوَزير
كلمة معالي وزير العدل
الشيخ الدكتور/ عبد الله بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ
بمناسبة الانتهاء من تحقيق الكتاب
الحمد لله رب العالمين، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه وصلى الله وسلم وبارك على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:
فإني أحمد الله جلّ وعلا أن منّ علينا بإنهاء تحقيق كتاب ((كشاف القناع عن الإقناع)) هذا الكتاب المهم المفيد، وإخراجه إخراجًا علميًا دقيقًا؛ وفق التحقيق العلمي؛ إذا قامت اللجنة المكلّفة من وزارة العدل بمقابلة الكتاب بالنسخ الأصلية وتخريج أحاديثه وتوثيق نقوله وتصحيح الأخطاء الموجودة فيه بإشراف صاحب الفضيلة الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم بن قاسم.
وإني أشكر اللجنة على ما بذلته من جهود مباركة في خدمة الكتاب المذكور، وأسأله تعالى أن ينفع به أصحاب الفضيلة العاملين في السلك القضائي وغيرهم من طلبة العلم.
وأرجو أن يتلو هذا المشروع العلمي النافع مشاريع أخرى تقوم بها الوزارة في ظل حكومة خادم الحرمين الشريفين الملك المبارك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، وسمو وليّ عهده الأمين الأمير سلطان بن عبد العزيز آل سعود حفظهما الله تعالى، ونفع بهما الإسلام والمسلمين، إنه على كل شيء قدير، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، وسلّم تسليمًا كثيرًا.
стр. 6988
كتاب القضاء والفتيا
(والقضاء) مصدر قضى يقضي، فهو قاضٍ؛ إذا حكم، وإذا فصَل، وإذا أحكم، وإذا أمضى، وإذا فرغ من الشيء، وإذا خلق. وقُضِّي فلان واستُقْضِيَ: صار قاضيًا. وسُمِّي قاضيًا؛ لأنه يُمضي الأحكام ويُحْكِمها، ويكون قضى بمعنى: أوجب.
و (جَمْعُه) أي: القضاء (أقضيةٌ) وجُمع مع أنه مصدر باعتبار أنواعه.
(وهو) أي القضاء: (الإلزام) بالحكم الشرعي (وفَصْلُ الخصُومات) والحكم إنشاءٌ لذلك الإلزام إن كان فيه إلزام، أو للإباحة والإطلاق إن كان الحكم في الإباحة، كحكم الحاكم المالكي (١) بأن الموات إذا بَطَلَ إحياؤه صار مباحًا لجميع الناس؛ قاله ابن قُندس.
وفي "الاختيارات" (٢): الحاكم فيه صفات ثلاث: فمن جهة الإثبات: هو شاهد، ومن جهة الأمر والنهي: هو مُفتٍ، ومن جهة الإلزام بذلك: هو ذو سلطان. انتهى.
و أركان القضاء خمسة: القاضي، والمقضىُّ به. والمقضيُّ فيه، والمقضيُّ له، والمقضيُّ عليه.
والأصل فيه: قوله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً في الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ (٣). وقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا
стр. 6989
قَضَيْتَ﴾ (١). وقوله ﷺ : "إذا اجتهد الحاكمُ فأصابَ فله أجران، وإن أخطأ فله أجرٌ" متفق عليه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص (٢).
وأجمع المسلمون على نَصْبِ القُضاة للفصل بين الناس (٣).
(وهو) أي: القضاء (فَرْضُ كِفاية، كالإمامة العُظمى) قال أحمد (٤): لا بُدَّ للناس من حاكم؛ أتذهب حقوق الناس؟ وقال الشيخ تقي الدين (٥): قد أوجب النبي ﷺ تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر (٦)، وهو تنبيه على أنواع الاجتماع.
стр. 6990
(وإذا أجمع أهلُ بلدٍ على تَرْكِهِ أثِموا) قال ابن حمدان: إن لم يحتكموا في غيره، لكن المخاطب بنصب القُضاة الإمام كما يأتي.
(وولايته) أي: القضاء (رُتبةٌ دينية ونَصْبَةٌ شرعية، وفيه فضل عظيم لمن قوي على القيام به وأداءِ الحَقِّ فيه) قال مسروق: لأن أحكم يومًا بحقٍّ أحبُّ إلى من أن أغزو سنة في سبيل الله (١).
(قال الشيخ (٢): والواجب اتخاذها) أي: ولاية القضاء (دينًا وقُربة، فإنَّها من أفضل القُرُبات) و"الأعمَالُ بالنِّيَّاتِ، وإنما لكُلِّ امرئٍ ما نَوَى" (٣) (وإنما فسد حال الأكثر لطلب الرياسة والمال بها. انتهى.
وفيه) أي: القضاء (خطر) عظيم (ووِزْرٌ كبير لمن لم يؤدِّ الحقَّ فيه) ولهذا في الحديث: "مَن جُعل قاضيًا فقد ذُبِح بغير سكِّينِ" رواه الترمذي
стр. 6991
стр. 6992
(و يجب على الإمام أن ينصِب في كلِّ إقليم قاضيًا) لأن الإمام هو القائم بأمْرِ الرعية، المتكلِّم بمصلحتهم، المسؤول عنهم، فيبعث القضاة إلى الأمصار؛ لفعل النبيِّ ﷺ والصحابة، وللحاجة إلى ذلك؛ لئلا يتوقَّف الأمر على السفر إلى الإمام، فتضيع الحقوق؛ لما في السفر إليه من المشقَّة وكُلْفة النفقة، وبعث النبيُّ ﷺ قاضيًا إلى اليمن (١)، وولَّى
стр. 6993
عُمرُ شُريحًا قضاءَ الكوفة (١)، وكعب بنَ سُور قضاء البصرة (٢)، وغير ذلك. والإقليم بكسر الهمزة: أحد الأقاليم السبعة. قال أبو منصور: ليس بعربي محض (٣).
(و) يجب على الإمام (أن يختار لذلك أفضل من يجد عِلمًا وَوَرعًا) لأن الإمام ينظر للمسلمين، فيجب عليه اختيار الأصلح لهم، فيختار أفضلهم علمًا؛ لأن القضاء بالشيء فَرْعٌ عن العِلم به، والأفضل أثبت
стр. 6994
وأمكن، وكذا مَن ورعه أشدّ؛ لأن سكون النفس إلى ما يحكم به أعظم.
(وإن لم يعرف) الإمامُ الأفضلَ (سأل عمَّن صلح) قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١) (فإن ذُكر له) أي: للإمام (من لا يعرف، أحضره وسأله) ليكون على بصيرة؛ ولأنه رُبَّما كان للمسؤول غرضٌ غير المطلوب. وكانوا يمتحنون العمال بالفرائض ونحوها من الغوامض (فإن عَرف عدالتَه) ولاه (وإلا بحث عنها، فإذا عَرَفَها، ولاه) وإلا لم يولِّه إلا عند الضرورة، كما يأتي.
(ويأمره) الإمام (بتقوى الله، وإيثار طاعته في سِرّه وعلانيته، و) يأمره أيضًا (بتحرِّي العَدْل والاجتهاد في إقامة الحَقِّ) لأن ذلك تذكرة له بما يجب عليه فِعْله، وإعانة له في إقامة الحق، وتقوية لقلبه، وتنبيه على اعتناء الإمام بأمر الشرع وأهله.
(ويكتب) الإمامُ (له) أي: للقاضي (بذلك عهدًا) إذا كان غائبًا عنه، فيكتب له بأنه ولَّاه، وأنه يأمره بتقوى الله. . . إلخ.
(و) يأمره (أن يستخلِفَ في كل صُقْع) بضم الصاد، أي: ناحية (أصلحَ من يقدِر عليه) لهم؛ لأن في ذلك خروجًا من الخلاف في جواز الاستخلاف، وتنبيهًا على مصلحة رعية بلد القاضي، وحثًّا له على اختيار الأصلح.
(ويجب على مَن يصلح له) أي: القضاء (إذا طُلب، ولم يوجد غيره ممن يوثق به، الدخولُ فيه، أن لم يشغله عمّا هو أهمّ منه) لأن فَرْض الكفاية إذا لم يوجد من يقوم به، تعيَّن عليه، كغسل الميت ونحوه.
(ولا يجب عليه) أي: على من يصلح للقضاء (طَلَبه) ولو لم يوجد
стр. 6995
غيره؛ لما روى أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن سأل القضاءَ، وُكِلَ إلى نفسِهِ، ومن أُجبر عليه، نزل مَلَك يُسَددُه" رواه الخمسة إلا النسائي (١). وفي رواية أخرى: "مَن ابتَغَى القضاءَ وسأل فيه شُفَعَاء، وُكِلَ إلى نفسه، ومن أكره عليه، أُنزل عليه مَلَك يُسَدِّدُه، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب (٢).
(ومن لا يُحسِنه) أي: القضاء (ولم تجتمع فيه شُروطُه؛ حَرُم عليه
стр. 6996
الدخول فيه) لعدم صحة قضائه، فيعظم الغرر والضرر.
(ومن كان من أهله) أي: القضاء (ويوجد غيرُه مِثلُه) في الأهلية (فله أن يليه، ولا يجب عليه) الدخول فيه؛ لأنه لم يتعيَّن عليه.
(والأولى ألا يُجيبَ إذا طُلِبَ) إذًا؛ لما فيه من الخطر والمشقَّة الشديدة؛ ولما في تَرْكه من السلامة، وذلك طريقة السلف، وقد أراد عثمان تولية ابن عُمر القضاءَ، فأبى (١).
(ويُكره له طَلَبه) أي: القضاء (وكذلك الإمارة) لقول النبيِّ ﷺ لعبد الرحمن بن سَمُرَة: "لا تسأل الإمارةَ، فإنك إن أُعْطِيتَها عن مسألةٍ
стр. 6997
وُكِلتَ إليها، وإن أُعطيتها عن (١) غير مسألة أُعِنتَ عليها" متفق عليه (٢).
(وطريقة السلفِ الامتناعُ) طلبًا للسلامة.
(وإن لم يمكنه القيامُ بالواجب، لظُلْمِ السُّلطان أو غيره؛ حَرُم) عليه الدخول فيه (وتأكد الامتناع) من الإجابة إليه (ويَحْرُم بَذل المال في ذلك) أي: في نَصْبِه قاضيًا (ويحرم أخذه) أي: أخذ المال على تولية القضاء.
(و) يحرم (طَلَبُه وفيه مُباشِرٌ أهلٌ له) ولو كان الطالب أهلًا للقضاء؛ لما فيه من إيذاء القائم به.
فإن لم يكن فيه مباشِرٌ أهل لم يحرم طلبه، قال الماوردي (٣): فإن كان أكثر قصده إزالته أُثيب، وإن كان قصده ليختص بالنظر أُبيح، فإن ظَنَّ عدم تمكينه فاحتمالان.
(و تصح تولية مفضول مع وجود أفضل) منه؛ لأن المفضول من الصحابة كان يولَّى مع وجود الفاضل، مع الاشتهار والتكرار، ولم يُنكر ذلك أحد، فكان إجماعًا.
وتصح -أيضًا- تولية حريص عليها بلا كراهة.
(و لا تثبت ولاية القضاء إلا بتولية الإمام، أو نائبه) فيه؛ لأن ولاية القضاء من المصالح العامة، فلم تجز إلا من جهةِ الإمام، كعقد الذِّمة؛ ولأن الإمام صاحبُ الأمر والنهي، وهو واجب الطاعة مسموع الكلمة.
стр. 6998
(ومن شَرطِ صِحَّتِها) أي: ولاية القضاء (معرفة المولِّي) بكسر اللام (كون المولَّى) بفتحها (على صفة يصلح للقضاء) لأن مقصود القضاء لا يصلح إلا بذلك؛ ولأن الأصلَ العدمُ، فلا تجوز توليته مع عدم العلم بأهليته، كما لا تجوز توليته مع عدم العلم بصلاحيته.
(و) من شرط صِحَّتها (تعيينُ ما يوليه الحكم فيه من الأعمال) كمصر ونواحيها (والبلدان) كالمَحَلَّة ونحوها؛ ليعلم محل ولايته، فيحكم فيه ولا يحكم في غيره؛ ولأنه عقد ولاية يُشترط فيه الإيجاب والقَبول، فلابُدَّ من معرفة المعقود عليه، كالوكالة.
(و) من شَرْطِ صحتها (مشافهتُه بالولاية في المجلس) إن كان حاضرًا (ومكاتبتُه بها) إن كان غائبا؛ لأن التولية تحصُل بذلك، كالتوكيل، وحينئذ يكتب له عهدًا بما ولاه؛ لأن النبى ﷺ كتب لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن (١)، وكتب عمر إلى أهل الكوفة: أما بعد فإني قد بَعثتُ إليكم (٢) عمارًا أميرًا (٣) وعبد الله قاضيًا (٤) (في البُعْدِ) أي: يكاتبه (٥) بها
стр. 6999
في البُعْد (وإشهادُ عدلين على توليته، فيقرأ) الإمامُ أو نائبه (عليهما العهدَ، أو يقرؤه غيره بحضرته، ليمضيا معه إلى بلد توليته، فيقيما له الشهادة، ويقول) الإمامُ أو نائبه (لهما: اشهدا على أنّي قد ولَّيته قضاءَ البلد الفُلاني، وتقدَّمت إليه بما يشتمل هذا العهد عليه) أي: إذا كان البلد الذي ولاه فيه بعيدًا لا يستفيض إليه الخبر بما يكون في بلد الإمام.
(ولا تصح الولاية بمجرَّد الكتابة من غير إشهادِ) عدلين عليها؛ لأن العلم لا يصح إلا بذلك.
(وإن كان البلدُ) الذي ولاه فيه (قريبًا من بلد الإمام يستفيض إليه ما يجري في بلد الإمام، نحو أن يكون بينهما خمسة أيام فما دونها، جاز أن يكتفى بالاستفاضة دون الشهادة، كالكتابة والإشهاد) أي: كما يكتفى بالاستفاضة عن الكتابة وعن الإشهاد؛ لأن العلم بالولاية يحصُل بذلك. وأطلق الأدمي (١): واستفاضته (٢). وظاهره: مع البعد، قال في "الفروع": وهو متجه.
(ولا تُشترط عدالة المولي -بكسر اللامَ- ولو كان نائبَ الإمام) لأن ولاية الإمام الكبرى تصح من كل بَرٍّ وفاجر، فصحة (٣) ولايته كالعدل؛ ولأنها لو اعتبرت في المولي، أفضى إلى تعذُّرها بالكلية فيما إذا كان غير عدل.
(وألفاظ التولية الصريحة سبعة: ولَّيتُكَ الحكم، و: قلَّدتُكَ) الحكمَ (و: استَنَبْتُك) في الحكم (و: استخلفتُكَ) في الحكم (و: ردَدْتُ إليك)
стр. 7000
الحكم (و: فوَّضت إليك) الحكمَ (و: جعلتُ إليك الحكم، فإذا وُجِد أحدها) أي: أحدُ هذه الألفاظ السبعة (وقَبِلَ المولَّى الحاضُر في المجلس، أو) قَبِلَ (الغائب بعده) أي: بعد المجلس (أو شَرَع الغائبُ في العمل؛ انعقدت) الولاية؛ لأن هذه الألفاظ تدلُّ على ولاية القضاء دلالة لا تفتقر معها إلى شيءِ آخر. قال في "المبدع": ويصح القَبول بالشروع في العمل في الأصح. انتهى. وظاهره: أنه لا فرق بين الحاضر والغائب، وهو واضح.
(والكناية نحو: اعتمدتُ عليك، و: عولتُ عليك، و: وكَلْتُ إليك، و: أسندت الحكمَ إليك، فلا تنعقدُ) الولاية بكناية منها (حتى تقترن بها قرينة، نحو: فاحكم، أو: فتولَّ ما عولتُ عليك، وما أشبهه) لأن هذه الألفاظ تحتمل التولية وغيرها من كونه يأخذ برأيه أو غير ذلك، فلا تنصرف إلى التولية إلا بقرينة تنفي الاحتمال.
فصل
(وتفيد ولاية الحكم العامة) أي: التي لم تُخَصَّ بحالة دون حالة، فصلَ الخصومات وما عُطف عليه.
(ويَلزم) القاضي (بها) أي: بسبب الولاية العامة (فصلُ الخصومات، واستيفاءُ الحق ممن هو عليه، ودفعُه إلى رَبِّه) لأن المقصود من القضاء ذلك، ولهذا قال أحمد (١): أتذهبُ حقوقُ الناس؟! (والنظرُ في أموال اليتامى والمجانين والسُّفهاء) لأن تَركَ ذلك يؤدِّي إلى ضياع أموالهم (والحَجرُ على من يرى الحَجرَ عليه لسَفَهٍ أو فَلسَ) لأن الحَجرَ يفتقر إلى نظرِ واجتهاد، فلذلك كان مختصًا به (والنظرُ في الوقوف) التي
стр. 7001
(في عمله) أي: ولايته (بإجرائها على شرط الواقف) لأن الضرورة تدعو إلى إجرائها على شروطه، سواء كان لها ناظرٌ خاص، أو لم يكن (وتنفيذُ الوصايا) لأن الميت محتاج إلى ذلك كغيره (١).
(وتزويج النساء اللاتي لا وليَّ لهنَّ) لقوله ﷺ : "فإن اشتَجَرُوا فالسلطانُ ولي مَن لا ولي له" (٢) والقاضي نائبه.
(وإقامةُ الحدود) لأنه ﷺ كان يُقيمها، والخلفاءُ من بعده.
(وإقامةُ الجمعة، بالإذن في إقامتها، ونَصْب إمامها، وكذا العيد) لأن الخلفاء كانوا يقيمونها (ما لم يُخَصَّا بإمامٍ) من جهة السلطان أو الواقف؛ ذكره ابن حمدان.
(والنظرُ في مال الغائب) لئلا يضيع.
(وجبايةُ الخراج، وأخذُ الصدقة) أي: الزكاة (إن لم يُخصَّا بعامل) من جهة الإمام، قياسًا على ما تقدم.
(والنظرُ في مصالح عمله، بكفِّ الأذى عن طُرقات المسلمين، وأفنيتهم) لأنه مُرصَد للمصالح.
(وتصفُّحُ حال شهوده وأُمنائه؛ ليستبقي أو يستبدل من يصلح) أي: يستبقي من يصلح، ويستبدل من ثبت جرحه، كما في "المقنع" و"المنتهى" وغيرهما؛ لأن العادة في القضاة ذلك، فعند إطلاق الولاية تنصرف إلى ما جرت به العادة.
(قال في "التبصرة": ويستفيد الاحتساب على الباعة والمشترين، وإلزامهم بالشرع) وفي "المنتهى": لا يستفيد ذلك؛ لأن العادة لم تثبت
стр. 7002
بتولِّي القضاة لذلك.
(قال الشيخ (١): ما يستفيده بالولاية لا حَدَّ له شرعًا، بل يُتَلقَّى من الألفاظ والأحوال والعُرف) لأن كل ما لم يُحَدَّ شرعًا يُحمل على العرف، كالحِرز والقبض.
(ولا يحكم) القاضي في غير عمله (ولا يولِّي) في غير عمله (ولا يسمع بينة في غير عمله، وهو) في الأصل ما بجمع بلدانًا أو قرًى متفرقة، كالعراق ونواحيه. والمراد هنا: (محلُّ حكمه) الذي وُلِّي ليحكم فيه، سواء كان يجمع بلدانًا أو قرًى متفرقة، أو بلدًا معينًا، أو محلًّا معينًا من البلد، كما أوضحته في "الحاشية".
(فإن فعل) أي: حكم، أو ولَّى، أو سمع بينة في غير عمله (لَغَا) ذلك؛ لأنه لم يُصادف ولاية (وتجب إعادة الشهادة، كتعديلها) في محل الحكم؛ لأنه موضع نفوذ حكمه.
(وله) أي: القاضي (طَلَبُ الرزقِ من بيت المال لنفسه، وأمنائه وخلفائه) لأن عمر رَزَقَ شُريحًا في كل شهرٍ مائهَ درهم (٢)، ورزق ابنَ
стр. 7003
стр. 7004
(فإن لم يُجعل له) أي: القاضي (شيء، وليس له ما يكفيه، وقال للخصمين: لا أقضي بينكما إلا بجُعل؛ جاز) في الأصح؛ قاله في "المغني" و"الشرح".
(و لا يجوز الاستئجار على القضاء) لأنه يختص أن يكون فاعله من أهل القُربة، ولا يعمله الإنسان عن غيره، وإنما يقع عن نفسه.
(وللمفتي أخذُ الرِّزْقِ من بيت المال) لأن الإفتاء عن المصالح العامة، كالأذان (ولو تعيَّن عليه أن يُفتي، وله كِفاية؛ لم يأخذ) من المستفتي؛ لأنه اعتياض عن واجب عليه، ولا يجوز.
(ومن أخذ رِزقًا) من بيت المال (لم يأخذ) من المستفتي أجرة لفتياه ولا لخطِّه؛ لاستغنائه بالرزق (وإلا) أي: وإن لم يأخذ رِزْقًا (أخذ أجرة خطِّه) فقط.
(و) يجب (على الإمام أن يفرض من بيت المال لمن نصَب نفسه لتدريس العلم والفتوى في الأحكام ما يُغنيه من التكسُّب) لدعاء الحاجة إلى القيام بذلك والانقطاعِ له، وهو في معنى الإمامة والقضاء.
فصل
(ويجوز أن يولِّيه) الإمام (عمومَ النظرِ فى عموم العملِ، بأن يولِّيَه القضاءَ) في سائر الأحكام (في كل البلدان، و) يجوز (أن يولِّيَه) الإمام (خاصًا في أحدهما) أي: القضاء أو العمل (أو) أن يولِّيه خاصًّا (فيهما)
стр. 7005
أي: في القضاء والعمل (فيولِّيَه عمومَ النظرِ في بلد) خاص (أو محَلَّةِ خاصة، فينفُذُ قضاؤه في أهله ومن طَرَأ إليه) لأن الطارئ إليه يُعطى حكم أهله، بدليل أن الدماء الواجبة لأهل مكة يجوز تفريقها في الطارئ إليها كأهلها.
(لكن لو أذِنَتْ له في تزويجها) من لا وَليَّ لها وهي في عمله (فلم يزوِّجْها حتى خرجت من عَمَله، لم يصح تزويجه) لها ما دامت خارجة عن عمله؛ لأنها حالةَ التزويج لم تكن في عمله، فلم يكن له عليها ولاية (كما لو أذنت له في غير عمله) أن يزوِّجَها، فلا يصح (ولو دخلت بعد) ذلك (إلى عمله) لأن إذنها له في غير عمله لا عِبرة به؛ لعدم ولايته عليها في غير عمله، فلم يصح تزويجه لها، كما لو لم تدخل إلى عمله.
(فإن قالت) للقاضي في غير عمله: (إذا حصلت في عملك، فقد أذنتُ لك) أن تزوّجني (فزوَّجها) بعد حصولها (في عمله؛ صَحَّ) تزويجه لها (بناءً على جواز تعليق الوكالة بالشرط) والإذنُ في معنى الوكالة، وليس وكالةً، كما تقدم (١) في النكاح؛ لأنها لا تملك عزله.
(أو يجعل) الإمامُ أو نائبُهُ (إليه) أي: القاضي (الحكمَ في المداينات خاصَّة، أو) الحكم (في قَدْرٍ من المال لا يتجاوزه، أو يفوّض إليه عقود الأنكحة دون غيرها) في بلدٍ خاص، أو جميع البلدان؛ لأن الخيرة فى التولية إلى الإمام، فكذا في صفتها، وله الاستنابة في الكل، فكذا في البعض.
وقد صَحَّ أن النبيَّ ﷺ كان يستنيب أصحابه كُلًّا في شيء، فولَّى