(في عمله) أي: ولايته (بإجرائها على شرط الواقف) لأن الضرورة تدعو إلى إجرائها على شروطه، سواء كان لها ناظرٌ خاص، أو لم يكن (وتنفيذُ الوصايا) لأن الميت محتاج إلى ذلك كغيره (١).
(وتزويج النساء اللاتي لا وليَّ لهنَّ) لقوله ﷺ : "فإن اشتَجَرُوا فالسلطانُ ولي مَن لا ولي له" (٢) والقاضي نائبه.
(وإقامةُ الحدود) لأنه ﷺ كان يُقيمها، والخلفاءُ من بعده.
(وإقامةُ الجمعة، بالإذن في إقامتها، ونَصْب إمامها، وكذا العيد) لأن الخلفاء كانوا يقيمونها (ما لم يُخَصَّا بإمامٍ) من جهة السلطان أو الواقف؛ ذكره ابن حمدان.
(والنظرُ في مال الغائب) لئلا يضيع.
(وجبايةُ الخراج، وأخذُ الصدقة) أي: الزكاة (إن لم يُخصَّا بعامل) من جهة الإمام، قياسًا على ما تقدم.
(والنظرُ في مصالح عمله، بكفِّ الأذى عن طُرقات المسلمين، وأفنيتهم) لأنه مُرصَد للمصالح.
(وتصفُّحُ حال شهوده وأُمنائه؛ ليستبقي أو يستبدل من يصلح) أي: يستبقي من يصلح، ويستبدل من ثبت جرحه، كما في "المقنع" و"المنتهى" وغيرهما؛ لأن العادة في القضاة ذلك، فعند إطلاق الولاية تنصرف إلى ما جرت به العادة.
(قال في "التبصرة": ويستفيد الاحتساب على الباعة والمشترين، وإلزامهم بالشرع) وفي "المنتهى": لا يستفيد ذلك؛ لأن العادة لم تثبت
стр. 7002
بتولِّي القضاة لذلك.
(قال الشيخ (١): ما يستفيده بالولاية لا حَدَّ له شرعًا، بل يُتَلقَّى من الألفاظ والأحوال والعُرف) لأن كل ما لم يُحَدَّ شرعًا يُحمل على العرف، كالحِرز والقبض.
(ولا يحكم) القاضي في غير عمله (ولا يولِّي) في غير عمله (ولا يسمع بينة في غير عمله، وهو) في الأصل ما بجمع بلدانًا أو قرًى متفرقة، كالعراق ونواحيه. والمراد هنا: (محلُّ حكمه) الذي وُلِّي ليحكم فيه، سواء كان يجمع بلدانًا أو قرًى متفرقة، أو بلدًا معينًا، أو محلًّا معينًا من البلد، كما أوضحته في "الحاشية".
(فإن فعل) أي: حكم، أو ولَّى، أو سمع بينة في غير عمله (لَغَا) ذلك؛ لأنه لم يُصادف ولاية (وتجب إعادة الشهادة، كتعديلها) في محل الحكم؛ لأنه موضع نفوذ حكمه.
(وله) أي: القاضي (طَلَبُ الرزقِ من بيت المال لنفسه، وأمنائه وخلفائه) لأن عمر رَزَقَ شُريحًا في كل شهرٍ مائهَ درهم (٢)، ورزق ابنَ
стр. 7003
مسعودِ نصفَ شاةِ كلَّ يوم (١)، وإذا جاز له الطلب لنفسه، جاز لمن هو في معناه (مع الحاجة وعدمها) لأن أبا بكر لما ولي الخلافة، فرضوا له كل يوم درهمين (٢)، وفرض عمر لزيدِ وغيره (٣)، وأمر بفرض الرزق لمن تولى من القضاة (٤)(٥)؛ ولأنه لو لم يجز فرض الرزق لتعطلت وضاعت الحقوق.
стр. 7004
(فإن لم يُجعل له) أي: القاضي (شيء، وليس له ما يكفيه، وقال للخصمين: لا أقضي بينكما إلا بجُعل؛ جاز) في الأصح؛ قاله في "المغني" و"الشرح".
(و لا يجوز الاستئجار على القضاء) لأنه يختص أن يكون فاعله من أهل القُربة، ولا يعمله الإنسان عن غيره، وإنما يقع عن نفسه.
(وللمفتي أخذُ الرِّزْقِ من بيت المال) لأن الإفتاء عن المصالح العامة، كالأذان (ولو تعيَّن عليه أن يُفتي، وله كِفاية؛ لم يأخذ) من المستفتي؛ لأنه اعتياض عن واجب عليه، ولا يجوز.
(ومن أخذ رِزقًا) من بيت المال (لم يأخذ) من المستفتي أجرة لفتياه ولا لخطِّه؛ لاستغنائه بالرزق (وإلا) أي: وإن لم يأخذ رِزْقًا (أخذ أجرة خطِّه) فقط.
(و) يجب (على الإمام أن يفرض من بيت المال لمن نصَب نفسه لتدريس العلم والفتوى في الأحكام ما يُغنيه من التكسُّب) لدعاء الحاجة إلى القيام بذلك والانقطاعِ له، وهو في معنى الإمامة والقضاء.
فصل
(ويجوز أن يولِّيه) الإمام (عمومَ النظرِ فى عموم العملِ، بأن يولِّيَه القضاءَ) في سائر الأحكام (في كل البلدان، و) يجوز (أن يولِّيَه) الإمام (خاصًا في أحدهما) أي: القضاء أو العمل (أو) أن يولِّيه خاصًّا (فيهما)
стр. 7005
أي: في القضاء والعمل (فيولِّيَه عمومَ النظرِ في بلد) خاص (أو محَلَّةِ خاصة، فينفُذُ قضاؤه في أهله ومن طَرَأ إليه) لأن الطارئ إليه يُعطى حكم أهله، بدليل أن الدماء الواجبة لأهل مكة يجوز تفريقها في الطارئ إليها كأهلها.
(لكن لو أذِنَتْ له في تزويجها) من لا وَليَّ لها وهي في عمله (فلم يزوِّجْها حتى خرجت من عَمَله، لم يصح تزويجه) لها ما دامت خارجة عن عمله؛ لأنها حالةَ التزويج لم تكن في عمله، فلم يكن له عليها ولاية (كما لو أذنت له في غير عمله) أن يزوِّجَها، فلا يصح (ولو دخلت بعد) ذلك (إلى عمله) لأن إذنها له في غير عمله لا عِبرة به؛ لعدم ولايته عليها في غير عمله، فلم يصح تزويجه لها، كما لو لم تدخل إلى عمله.
(فإن قالت) للقاضي في غير عمله: (إذا حصلت في عملك، فقد أذنتُ لك) أن تزوّجني (فزوَّجها) بعد حصولها (في عمله؛ صَحَّ) تزويجه لها (بناءً على جواز تعليق الوكالة بالشرط) والإذنُ في معنى الوكالة، وليس وكالةً، كما تقدم (١) في النكاح؛ لأنها لا تملك عزله.
(أو يجعل) الإمامُ أو نائبُهُ (إليه) أي: القاضي (الحكمَ في المداينات خاصَّة، أو) الحكم (في قَدْرٍ من المال لا يتجاوزه، أو يفوّض إليه عقود الأنكحة دون غيرها) في بلدٍ خاص، أو جميع البلدان؛ لأن الخيرة فى التولية إلى الإمام، فكذا في صفتها، وله الاستنابة في الكل، فكذا في البعض.
وقد صَحَّ أن النبيَّ ﷺ كان يستنيب أصحابه كُلًّا في شيء، فولَّى
стр. 7006
عمرَ القضاء (١)، وبعث عليًّا قاضيًا باليمن (٢)، وكان يُرسِل بعضَهم لقبض الزكاة وغيرها (٣)، وكذلك الخلفاء من بعده.
(ويجوز أن يولِّيَ) الإمامُ قاضيًا (من غير مذهبه) لأن على القاضي أن يجتهد رأيه في قضائه (وإن نهاه عن الحكم في مسألةٍ، فله الحكمُ بها) هذا أحد وجهين؛ أطلقهما في "الرعاية". قال في "الإنصاف": قلت: الصواب الجواز. انتهى.
قلت: فيفرق بين ما إذا ولاه ابتداءً شيئًا خاصًّا، وبين ما إذا ولاه ثم نهاه عن شيء.
(ويجوز أن يولِّي) مَن له الولاية (قاضيين فأكثر في بلد واحد، يجعل لكل واحدٍ منهما عملًا، سواء كان المولِّي الإمامَ، أو القاضي) ولَّى (خلفاءَه، مثل أن يجعل إلى أحدهما الحكمَ بين الناس، و) يجعل (إلى الآخر عقود الأنكحة) لأن الإمام كامل الولاية، فوجب أن يملك ذلك، إذ لا ضررَ فيه، كتولية القاضي الواحد.
(فإن جعل إليهما) أي: القاضيين (عملًا واحدًا، جاز) له ذلك (فيحكم كلُّ واحدٍ باجتهاده) لأنها نيابة، فجاز جعلها لاثنين كالوكالة؛
стр. 7007
ولأنه يجوز للقاضي أن يستخلف خليفتين في موضع واحد، فالإمام أولى.
(وليس لـ) ـلقاضي (الآخر) الـ (ـاعتراضُ عليه) أي: على رفيقه (ولا نقضُ حُكمِه) كما لو كان كلُّ واحدٍ منهما بعمل خاص.
(فإن تنازع خصمان في الحكم عند أحدهم، قُدِّم قولُ الطالب) وهو المدَّعي على المُدَّعى عليه (ولو) كان الطالب يريد الدعوى (عند نائب) لأن الحق له في الدعوى، فكان الحق إليه (١) في تعيين القاضي.
(فلو تساويا) أي: الخصمان (في الدعوى، كمدعيَيْن (٢) اختلفا في ثمن مبيع باقٍ، اعتُبر أقربُ الحاكمين إليهما) لأنه لا حاجة إلى التكلُّف للأبعد منهما (فإن استويا) أي: الحاكمان في القُرب (أُقرع بينهما) أي: بين الخصمين، إذا طلب كلُّ واحدٍ منهما قاضيًا؛ لعدم الترجيح بدون القُرعة.
(و لا يجوز أن يقلِّد القضاءَ لواحد على أن يحكم بمذهب بعينه) لقوله تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ (٣) والحق لا يتعيَّن في مذهب، وقد يظهر الحق في غير ذلك المذهب.
(فإن فعل) أي: ولاه على أن يحكم بمذهب بعينه (بطل الشرطُ) وصحَّت الولاية؛ كالشروط الفاسدة في البيع (وعملُ الناسِ على خلافه، كما يأتي قريبًا.
قال الشيخ (٤): من أوجب تقليد إمامٍ بعينه استُتيب، فإن تاب وإلا
стр. 7008
قُتِلَ، وإن قال: ينبغي) أي: تقليد إمامٍ بعينه (كان جاهلًا ضالًا) و (قال: ومن كان متبعًا لإمامٍ، فخالفه في بعض المسائل لقوة الدليل، أو لكون أحدهما أعلم أو أتقى، فقد أحسن، ولم يقدح في عدالته) بلا نزاع (قال: وفي هذه الحال) أي: حال قوة الدليل، أو كون أحدهما أعلم أو أتقى (يجوز) تقليد من اتصف بذلك (عند أئمة الإسلام، بل يجب، وإن) الإمام (أحمد نص عليه (١)) انتهى.
(ويجوز أن يفوِّضَ الإمامُ إلى إنسان تولية القضاء) أي: أن يولي القضاة (وليس له) أي: لمن ولاه الإمام تولية القضاء (أن يولّي نفسَه، ولا والده، ولا ولده، كما لو وكَّله في الصدقة بمال، لم يَجُزْ له أخذُه، ولا دفعه إلى هذين) كما تقدم في الوكالة (٢).
(فإن مات المولِّي -بكسر اللام- أو عُزِل المُولَّى -بفتحها-) أي: اللام (مع صلاحيتِه؛ لم تبطل ولايتُه، كما لو عُزل الإمامُ؛ لأنه) أي: القاضي (نائب المسلمين، لا) نائب (الإمام) فلم ينعزل بموته ولا عَزْله؛ ولأنه عقد لمصلحة المسلمين، كما لو عقد الوليُّ النكاحَ على مَوْليَّتِهِ، ثم مات، أو فسخه (وكذا كلُّ عقدٍ لمصلحة المسلمين، كوَالٍ؛ ومن ينصبه) الإمام (لجباية مالٍ) كخراج وزكاة (وصرفِه، وأمير جهادٍ، ووكيل بيت المال، ومحتسب؛ قاله الشيخ (٣)) قال في "المبدع": وهو ظاهر كلام غيره. وجزم به في "المنتهى".
(وقال) الشيخ (٤) (أيضًا في الكُلِّ: لا ينعزل بانعزال المستنيب
стр. 7009
وموته، حتى يقوم غيرُه مقامه. انتهى) لأن فيه ضررًا.
(و لا يبطل ما فرضه فارض في المستقبل) أي: لو قدَّر القاضي نفقة أو كسوة أو نحوهما، ثم مات أو عزل، لم يبطل فرضه في المستقبل بموته، ولا بعزله، ولا يجوز لأحد تغييره ما لم يتغير السبب؛ لأن فرضه حُكم، وأحكامُهُ لا تبطل بالموت ولا بالعزل.
(و لا ينعزل) القاضي (حيث صَحَّ عزلُه، قبل علمه بالعزل ؛ فليس كوكيل) لأن الحقَّ في الولاية لله، وإن قلنا: هو وكيل، والنسخ في حقوق الله لا يثبت قبل العلم، كما قلنا على المشهور: إن نسخ الحكم لا يثبت في حَقِّ من لم يبلغه.
وفرَّقوا بينه وبين الوكيل؛ بأن أكثر ما في الوكيل ثبوتُ الضمان، وذلك لا يُنافي الجهلَ. بخلاف الحكم فإن فيه الإثم، وذلك ينافي الجهلَ، كذلك الأمر والنهي، وهذا هو المنصوص عن الإمام أحمد (١)؛ قاله في "الاختيارات" (٢).
(فإن كان المستنيبُ قاضيًا، فعزل نُوَّابه، أو زالت ولايته بموتٍ أو عزل، أو غيره، كما لو اختلَّ فيه بعض شروطه؛ انعزلوا) لأنهم نوابه، أشبهوا الوكيل. وهذا بخلاف عن ولاه الإمامُ قاضيًا، فإنه يتعلَّق به قضايا الناس، وأحكامهم عنده وعند نُوَّابه بالبلدان، فيشقّ ذلك على المسلمين.
قلت: وعلى هذا فَنُوَّاب الأمير: كالوالي والمحتسِب ونحوهما، ممن ولايته منه، ينعزلون بعزله.
(ومن عَزَل نفسه انعزل) قاضيًا كان أو غيره، وسواء كانت ولايته
стр. 7010
من الإمام أو غيره؛ لأنه وكيل.
(ولو أُخبر بموت قاضي بلد، فولَّى غيرَه) مكانَه (فبان) المخبَر عنه (حيًّا؛ لم ينعزل) لأنها كالمُعَلَّقة على صحة الأخبار، وكذا كلُّ ما رُتِّب على إنهاءٍ فاسدٍ.
(ويُستحبُّ) للإمام (أن يجعل للقاضي أن يستخلِف) خروجًا من خلافِ مَن منعه منه بلا إذنٍ.
(وإن نهاه) أي: نهى الإمامُ القاضيَ (عن الاستخلاف، لم يكن له أن يستخلف) غيره؛ لأن ولايته قاصرة.
(وإن أطلق) الإمام، فلم يأمره بالاستخلاف، ولم ينهه عنه (فله) أي: القاضي (ذلك) قال في "الاختيارات" (١): نص الإمام أحمد (٢) على أن للقاضي أن يستخلف من غير إذن الإمام، فرقًا بينه وبين الوكيل، وجعلًا له كالوصي. انتهى. وجزم به في "المستوعب"، وقدَّمه في "الشرح"، وقيل: له ذلك فيما لا يباشره مثله عُرفًا، أو يشق. وهذا الثاني جزم به المصنف في الوكالة تبعًا لـ"التنقيح"، وقال عنه هناك في "الإنصاف": إنه المذهب. وقد نقلنا كلامه في "الحاشية".
فإن استخلف في موضع ليس له الاستخلاف، فحكمه حكم مَن لم يول. ويشترط أهلية النائب لما تولاَّه.
(ويصحُّ) تعليق (توليةِ قضاءٍ، و) توليةِ (إمْرَةِ (٣)) بلدٍ أو سريةٍ ونحوها (بشرطٍ) لأن النبيَّ ﷺ علَّق ولاية الإمارة بعد زيد على شرط (٤)،
стр. 7011
فكذا ولاية الحكم.
(وإذا قال المولِّي: من نظر في الحكم في البلد الفلاني من فلان وفلان، فهو خليفتي، أو) فـ (ـقد ولَّيته، لم تنعقد لمن ينظر منهما؛ لجهالة المولَّى منهما) لأنه لم يُعين بالولاية واحدًا منهما، كما لو قال: بعتُكَ أحدَ الثوبين.
(وإن قال) الإمام: (ولَّيت فلانًا وفلانًا، فمن نَظَرَ منهما فهو خليفتي، انعقدت لمن سبق منهما بالنظر) لأنه ولاهما جميعًا، ثم عيّن السابق منهما.
فصل
(ويُشترط في القاضي عشر صفاتٍ.
أن يكون بالغًا عاقلًا) لأن غيرهما لا ينفذ قوله في نفسه، فَلأَنْ لا ينفذ في غيره أولى، وهما يستحقان الحَجْرَ عليهما، والقاضي يستحقّه على غيره، وبين الحالتين منافاة.
(ذَكرًا) لقوله ﷺ : "لن يُفْلح قومٌ ولَّوْا أمرَهم امرأةً" (١)؛ ولأن المرأة ناقصة العقل، قليلة الرأي، ليست أهلًا لحضور محافل الرجال.
(حرًّا) لأن العبد منقوص برِقِّه، مشغولٌ بحقوق سيده، وكالإمامة العُظمى (لكن تصحّ ولاية عبدٍ إمارةَ سريَّةٍ، وقَسْمَ صدقة، و) قسم (فيء، وإمامةَ صلاة) غير جمعة وعيد.
стр. 7012
(وأن يكون مسلمًا) لأن الكفر يقتضي إذلالَ صاحبه، والقضاءُ يقتضي احترامه، وبينهما منافاة؛ ولأنه شرط في الشهادة، فهنا أولى.
(عدلًا، ولو تائبًا من قَذْف) نص عليه (١) (فلا تجوز تولية فاسق، ولا مَن فيه نقص يمنع) قَبول (الشهادة) لقوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (٢) ولا يجوز أن يكون الحاكم ممن لا يُقبل قوله، ويجب التبيُّن عند حكمه، وكالشهادة.
(وأن يكون سميعًا) لأن الأصمَّ لا يسمع كلام الخصمين (بصيرًا) لأن الأعمى لا يميز المدعي من المُدَّعى عليه، والمُقِرَّ من المُقَرِّ له (ناطقًا) لأن الأخرس لا يمكنه النطق بالحكم، ولا يفهم جميعُ الناس إشارتَه.
(مجتهدًا) إجماعًا؛ ذكره ابن حزم (٣)؛ وأنهم أجمعوا على أنه لا يحل لحاكم ولا لمفتٍ تقليدَ رَجُلٍ لا يحكم ولا يُفتي إلا بقوله؛ لأن فاقد الاجتهاد إنما يحكم بالتقليد، والقاضي مأمورٌ بالحكم بما أنزل الله؛ ولأن المفتي لا يجوز أن يكون عامِّيًّا مقلّدًا، فالحاكم أولى (ولو) كان اجتهاده (في مذهب إمامه) إذا لم يوجد غيره (للضرورة).
لكن في "الإفصاح" (٤): إن الإجماعَ انعقدَ على تقليد كُلٍّ من المذاهب الأربعة، وإنَّ الحقَّ لا يخرج عنهم، ثم ذكر أن الصحيح في
стр. 7013
هذه المسألة أن قول من قال: إنه لا يجوز إلا تولية مجتهد؛ فإنه إنما عنى به ما كانت الحال عليه قبل استقرار ما استقرَّت عليه هذه المذاهب. وقال الموفَّق في خطبة "المغني": النسبة إلى إمام في الفروع كالأئمة الأربعة ليست بمذمومة، فإن اختلافهم رحمة، واتفاقهم حُجَّة قاطعة.
(واختار في "الإفصاح" و"الرعاية": أو مُقَلِّدًا) قال في "الإنصاف": (وعليه عمل الناس من مدة طويلة، وإلا تعطَّلت أحكام الناس.
وكذا المفتي) قال ابن بشار (١): ما أعيب على مَن يحفظ خمس مسائل لأحمد يُفتي بها. وظاهر نقل عبد الله (٢): يفتي غير مجتهد؛ ذكره القاضي، وحمله الشيخ تقي الدين على الحاجة (٣).
(فَيُراعي كلٌّ منهما ألفاظَ إمامِه، و) يُراعي من أقواله (متأخِّرَها، ويُقَلِّد كبارَ مذهبه في ذلك، ويحكم به، ولو اعتقد خلافه؛ لأنه مُقَلِّد) ولا يخرج عن الظاهر عنه.
(قال الشيخ (٤): منصب الاجتهاد ينقسم) أي: يقبل الانقسام، بأن يكون مجتهدًا في شيء دون شيء (حتى لو ولاه في المواريث، لم يجب أن يعرف إلا الفرائضَ والوصايا وما يتعلَّق بذلك، وإن ولاه عقودَ الأنكحة وفَسْخَها، لم يجب أن يعرف إلا ذلك، وعلى هذا فَقُضاة الأطراف يجوز
стр. 7014
ألا يقضوا في الأمور الكِبار، كالدِّماء والقضايا المشكِلة. وعلى هذا لو قال: اقضِ فيما تعلم، كما يقول له: أفتِ فيما تعلم؛ جاز، ويبقى ما لا يعلم خارجًا عن ولايته. انتهى. ومثله: لا تقضِ فيما مضى له عشر سنين، ونحوه) لخصوص ولايته.
(ويحرم الحكم والفتيا بالهوى إجماعًا (١)، وليَحْذَر المُفتي أن يميل في فُتياه مع المستفتي، أو مع خصمه، مثل أن يكتب في جوابه ما هو له) فقط (أو يسكت عما هو عليه) فقط (ونحو ذلك) بل يكتب ما له وما عليه؛ لأنه العدل وأداء الأمانة فيما علمه الله.
(وليس له أن يبتدئ في مسائل الدعاوى والبينات بذِكْر وجوه المخالص منها) لأن ذلك مَيْل مع أحدهما (وإن سأله بأيِّ شيء تندفع دعوى كذا وكذا، وبينةُ كذا وكذا؟ لم يُجب (٢)؛ لئلا (٣) يتَوصل) السائل (بذلك إلى إبطال حَقِّ، وله أن يسأله عن حاله فيما ادُّعي عليه، فإذا شرحه) المستفتي (له) أي: للمفتي (عرَّفه بما فيه من دافع وغير دافع) ليكون على بصيرة.
(ويحرم الحكم والفُتيا بقولٍ أو وَجْهٍ من غير نَظَرٍ في الترجيح إجماعًا. ويجب أن يعمل بموجب اعتقاده فيما له وعليه إجماعًا؛ قاله الشيخ (٤).
ولا يُشترط كَوْن القاضي كاتِبًا) لأنه ﷺ كان أُمِّيًّا، وليس من ضرورة الحكم كونه كاتبًا (أو) أي: ولا يشترط -أيضًا- كونه (وَرِعًا، أو
стр. 7015
زاهدًا، أو يقظًا، أو مثبِتًا للقياس، أو حَسَن الخُلُق، والأولى كونه كذلك) أي: كاتبًا ورعًا زاهدًا يَقظًا مثبتًا للقياس حسن الخُلُق؛ لأنه أكمل.
(قال الشيخ (١): الولاية لها رُكنان: القوة والأمانة، فالقوة في الحكم ترجع إلى العلم بالعدل وتنفيذ الحكم، والأمانة ترجع إلى خشية الله) تعالى.
(قال (٢): وشروط القضاء تُعتبر حسب الإمكان، ويجب تولية الأمثل فالأمثل، قال: وعلى هذا يدلُّ كلام) الإمام (أحمدَ (٣) وغيره، فيولَّى للعَدَم أنفع الفاسقَيْن، وأقلَّهما شرًّا، وأعدل المقلِّدَيْن وأعرفهما بالتقليد. وهو كما قال) وإلا لتعطَّلت الأحكام، واختلَّ النظام.
(والشاب المُتَّصف بالصفات المُعتبرة كغيره، لكنَّ الأسنَّ أولى مع التساوي) في الصفات المعتبرة، وولَّى النبيُّ ﷺ عتَّاب بن أَسِيد مكة وهو ابن إحدى وعشرين سنة (٤).
(ويرجح -أيضًا- بحُسْنِ الخُلُق) وتقدم.
(و) يرجح (من كان أكمل في الصفات) السابق ذكرها؛ لترجحه بكماله.
(و) يجوز أن (يولَّى المَوْلَى) أي: العتيق (٥) (مع أهليته) لأنه صار حرًّا، أشبه حرَّ الأصل.
стр. 7016
(وما يمنع التولية ابتداءً يمنعها دوامًا، إذا طرأ ذلك عليه كفِسْقٍ أو زوال عَقْلٍ (١)) فينعزل بذلك؛ لأن وجود العقل والعدالة ونحوها شرط في صحة الولاية، فتبطل بزواله، لفقد شرطها (إلا فَقْدَ السمع والبصر فيما ثبت عنده) أي: القاضي (في حال سمعه وبصره، فلم يحكم به حتى عميَ أو طرش، فإن ولاية حكمه باقية فيه) لأنه إنما مُنِع الأعمى والأصم ابتداء؛ لأن الأعمى لا يميز بين المُدّعي والمُدَّعى عليه كما سبق، والأصم لا يعرف ما يُقال فلا يمكنه الحكم، فإذا كان قد عرفهما قبل العمى، وسمع منهما قبل الصمم، وثبت عنده المحكوم عليه من الخصم واللفظ، لم يمنع العمى والصممُ الحكمَ؛ لأن فقدهما ليس من مقدّمات الاجتهاد، فيصح الحكم منه مستندًا إلى حال السمع والبصر، بخلاف غيرهما من الفسق والجنون والرِّدة ونحوها.
(و لو مرض مرضًا يمنع القضاء؛ تعيَّن عَزْلُه) قَدَّمه في "الفروع" (وقال الموفَّق والشارح: ينعزل بذلك، ويتعيَّن على الإمام عَزْله. انتهى) أي: منعه وإقامة غيره.
(والمجتهد) مأخوذ من الاجتهاد: وهو استفراغ الفقيه الوسعَ لتحصيل ظنِّ بحكم شرعي (مَن يعرف مِن كتاب الله) تعالى (وسُنَّةِ رسوله ﷺ الحقيقة) أي: اللفظ المستعمل في وضع أول (والمجازَ) أي: اللفظ المستعمل في غير وضع أول، زاد بعضهم: على وجه يصح (والأمرَ) أي: القول المقتضي طاعةَ المأمور بفعل المأمور به (والنهيَ) أي: اقتضاه الكف عن فعل؛ لا بقولِ: كُفّ (والمجمَلَ) أي: ما لا يُفهم منه عند الإطلاق شيء (والمبيَّن) أي: المخرج من حيز الإشكال إلى حيز
стр. 7017
التجلِّي والوضوح (والمحكَمَ) أي: المتضح (١) المعنى (والمتشابهَ) مُقابِلَه، إما لاشتراكٍ أو ظهورِ (٢) تشبيهِ (والخاصَّ) المقصور من العام على بعض مسمَّياته (والعام) ما دَلَّ على مسمَّياتِ باعتبار أمْرٍ اشتركت فيه مطلقًا (والمطلَقَ) ما دلَّ على شائع في جنسه (والمقيَّد) ما دَلَّ على شيء معيَّن (والناسخَ) أي: الرافع لحكم شرعي (والمنسوخَ) ما ارتفع شرعًا بعد ثبوته شرعًا (والمُستثنَى) أي: المخرَج بـ"إلا"، أو ما في معناها من لفظ شامل له (والمستثنَى منه) هو العام المخصوص بإخراج بعض ما دَلَّ عليه بـ"إلا"، أو ما في معناها.
(ويَعرف من السُّنة صحيحَها) وهو ما نقله العدل الضابط عن مثله من غير شذوذ ولا علة (من سقيمها) وهو ما لم يوجد فيه شروط الصحة، كالضعيف والمنقطع، والمنكر، والشاذ وغيرها (ومتواترها) هو الخبر الذي نقله جمع لا يتصور تواطؤهم على الكذب، مستويًا في ذلك طرفاه ووسطه، والحقُّ أنه لا ينحصر في عددٍ، بل يُستدل بحصول العلم على حصول العدد، والعلمُ الحاصل عنه ضروري في الأصح (من آحادها) وهو ما عدا المتواتر (٣)، وليس المراد به أن يكون راويه واحدًا، بل كل ما لم يبلغ التواتر فهو آحاد (ومرسَلَها) وهو قولُ غير الصحابي: قال رسول الله ﷺ (ومتَّصِلَها) أي: ما اتَّصل إسناده، وكان كلُّ واحدٍ من رواته سمِعَه ممن فوقه، سواء كان مرفوعًا أو موقوفًا (ومسندَها) ما اتَّصل إسناده من راويه إلى مُنتهاه، وأكثر استعماله فيما جاء عن النبي ﷺ (ومنقطِعَها) أي:
стр. 7018
ما لم يتصل سنده، على أيَّ وجهٍ كان الانقطاع (مما له تعلُّق بالأحكام خاصَّة) وظاهره: أنه لا يجب عليه حفظ القرآن، وإنما المتعيّن عليه حِفْظ نحو خمسمائة [آية] (١) المتعلقة بالأحكام، كما نقله المُعْظَمُ؛ لأن المجتهد هو من يعرف الصوابَ بدليله، كالمجتهد في القِبلة. ولكلِّ مما ذكرنا دلالة لا يمكن معرفتها إلا بمعرفته، فوجب معرفة ذلك لتعرف دلالته، وتوقف الاجتهاد على معرفة ذلك.
(ويعرف ما أُجمع عليه مما اختلف فيه) لئلا يؤديَه اجتهاده إلى قول يخرج عن الإجماع، أو أقوال السلف.
(و) يعرف (القياسَ) وهو ردُّ فرعِ إلى أصل (و) يعرف (حدودَه) أي: القياس، على ما ذكر في أصول الفقه (وشروطَه) وبعضُها يرجع إلى الأصل، وبعضُها إلى الفرع، وبعضُها إلى العِلَّة (وكيفيه استنباطه) على الكيفية المذكورة في محالِّها.
(و) يعرف (العربية) أي: اللغةَ العربية، من حيث اختصاصُها بأحوالٍ -هي الإعراب- لا توجد في غيرها من اللغات (المتداولة بالحجاز والشام والعراق، وما يواليهم) ليعرف به استنباطَ الأحكام من أصناف علوم الكتاب والسُّنة.
(وكلُّ ذلكَ مذكورٌ في أصول الفقه وفروعه، فمن عرف ذلك أو أكثره، ورُزق فهمه؛ صَلَحَ للفتيا والقضاء) لأن العالم بذلك يتمكَّن من التصرف في العلوم الشرعية ووضعها في مواضعها. قال أبو محمد الجوزي: من حصَّل أصول الفقه وفروعه فمجتهدٌ، ولا يقلِّد أحدًا.
стр. 7019
فصل في أحكام تتعلَّق بالفتيا
(كان السلف) رحمهم الله تعالى (يهابون (١) الفُتيا، ويشدِّدون فيها، ويتدافعونها).
قال النووي (٢): روِّينا عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "أدرَكتُ عشرين ومائةً من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ يُسألُ أحدُهم عن المسألة فيردُّها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، حتى ترجعَ إلى الأوَّلِ" (٣) وفي رواية: "ما منهم مَن يُحَدِّث بحديث إلا وَدَّ أنَّ أخاه كفَاه إيّاه، ولا يُسْتَفْتَى عن شيءِ إلا وَدَّ أنَّ أخاه كفاه الفُتْيَا" (٤).
(وأنكر) الإمام (أحمد (٥) وغيره على من يهجم على الجواب) لخبر "أجرؤُكم على الفُتْيا، أجرؤكم على النار" (٦).
стр. 7020
(وقال) أحمد (١): (لا ينبغي أن يُجيبَ في كلِّ ما يُستفتَى فيه. وقال (٢): إذا هاب الرجلُ شيئًا لا ينبغي أن يُحمل على أن يقول.
وقال (٣): لا ينبغي للرجل أن ينصب نفسه للفُتيا حتى يكون فيه خمس خصال، أولها (٤):
أن تكون له نية) أي: أن يخلص في ذلك لله تعالى، ولا يقصد رياسة ولا نحوها "فإن لم تكن له نية، لم يكن عليه نور، ولا على كلامه نور) إذ "الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى" (٥).
(الثانية: أن يكون له حِلْم ووقار وسكينة) وإلا لم يتمكن من فعل ما تصدى له من بيان الأحكام الشرعية.
(الثالثة: أن يكون قويًا على ما هو فيه، وعلى معرفته) وإلا فقد عَرَّض نفسه لعظيم.
(الرابعة: الكفاية، وإلا بَغَضَه (٦) الناسُ، فإنه إذا لم تكن له كفايةٌ احتاج إلى الناس وإلى الأخذِ مما في أيديهم) فينفرون (٧) منه.
(الخامسة: معرِفةُ الناسِ، أي: ينبغي له) أي: للمفتي (أن يكون
стр. 7021
بصيرًا بمكر الناسِ وخِدَاعِهم، ولا ينبغي له أن يُحسِن الظَّنَّ بهم، بل بكون حَذِرا فَطِنًا مما يُصوِّرونه في سؤالاتهم) لئلا يوقعوه في المكروه، ويؤيده حديث: "احتَرِسوا من الناس بسوء الظَّنِّ" (١)، وخبر: "أخوك البكري، ولا تأمَنْه" (٢).
(والمفتي من يُبَيّنُ الحُكمَ الشرعيَّ، ويُخبرُ به من غير إلزام، والحاكم يُبيِّنَّه) أي: الحكم الشرعي (ويُلزِم به) فامتاز بالإلزام.
قال الخطيب (٣): "ينبغي للإمام أن يتصفَّح أحوال المفتين، فمن صَلَحَ للفُتيا أقرَّه، ومن لا يصلح منعه ونهاه أن يعود، وتواعده بالعقوبة إن عاد. وطريق الإمام إلى معرفة من يصلح للفتوى أن يسأل علماء وقته،
стр. 7022
ويعتمد أخبار الموثوق بهم. ثم روى بإسناده عن مالك قال: ما أفتيتُ حتى شَهِدَ لي سبعون أني أهلٌ لذلك (١). وفي رواية: ما أفتيتُ حتى سألتُ من هو أعلم مني: هل تراني موضعًا لذلك (٢)؟ قال مالك: ولا ينبغي لرجل أن يرى نفسه أهلًا لشيء حتى يسأل من هو أعلم منه" (٣).
(ويحرم أن يُفتي في حال لا) يجوز أن (يحكم فيها، كغضبٍ ونحوه) كحَرٍّ مفرط، وبرد مفرط، وملل ونحوه مما يغير الفِكرَ (فإنْ أفتى) في تلك (٣) الحال (وأصاب) الحق (صَحَّ) جوابه (وكُرِه.
وتصحُّ فتوى العبد والمرأة والقريب والأمي، والأخرس المفهوم الإشارة أو الكتابة) كخبرهم.
(وتصح) الفُتيا (مع جَرَّ النفع، ودفع الضَّررِ، ومِن العدوِّ، وأن يُفتي أباه وابنه (٤) وشريكه، و) سائر (من لا تُقبَلُ شهادته له) كزوجته ومكاتِبه؛ لأن القصد بيان الحكم الشرعي، وهو لا يختلف، وليس منه إلزام، بخلاف الحاكم.
(ولا تصح) الفُتيا (من فاسقٍ لغيره، وإن كان مجتهدًا) لأنه ليس بأمين على ما يقول. وفي "إعلام الموقعين" (٥): قلت: الصواب جواز استفتاء الفاسق، إلا أن يكون معلنًا بفسقه، داعيًّا إلى بدعته (لكن يفتي)
стр. 7023
المجتهدُ الفاسقُ (نفسَه) لأنه لا يتهم بالنسبة إلى نفسه (ولا يسأله) أي: الفاسق (غيره) لعدم حصول المقصود والوثوق به.
(ولا تصح) الفتيا (من مستور الحال) وفي "المبدع": تصح فُتيا مستور الحال في الأصح.
(والحاكم كغيره في الفُتيا) فيما يتعلَّق بالقضاء وغيره.
(ويحرم تساهل مُفْتٍ) في الفُتيا (وتقليدُ معروفٍ به) أي: بالتساهل في الفُتيا.
(قال الشيخ (١): لا يجوزُ استفتاءُ إلا مَن يُفتي بعلم وعدل. انتهى) لأن أمر الفُتيا خَطَر، فينبغي أن يُحتاط.
(وليس لمن انتسب إلى مذهب إمام) إذا استُفتيَ (في مسألة ذات قولين، أو وجهين، أن يتخيَّر ويعملَ بأيّهما شاء) بل يُراعي ألفاظَ إمامه، ومتأخرها، وأقربها من الكتاب والسُّنة (وتقدم في الباب (٢).
ويلزم المفتيَ تكريرُ النظر عند تكرار الواقعة) كالمجتهد في القِبلة، يجتهد لكل صلاة، وأما العامي إذا وقعت له مسألة فسأل عنها، ثم وقعت له ثانيًا، فلم أرَ لأصحابنا فيها شيئًا. وقال القاضي أبو الطيب الشافعي: يلزمه السؤال ثانيًا، إلا أن تكون مسألة يكثر وقوعها، ويشق عليه إعادة السؤال عنها، فلا يلزمه ذلك، ويكفيه السؤال الأول، للمشقة؛ نقله عنه النووي في "شرح المُهَذَّب" (٣). وقال في موضع آخر (٤): لا يلزمه في
стр. 7024
الأصح؛ لأنه قد عرف الحكم الأول، والأصل استمرار المفتي عليه. انتهى. وهذا ظاهر كلام أصحابنا.
(وإن حَدَث ما لا قولَ فيه) للعلماء (تكلَّم فيه حاكمٌ ومجتهِدٌ ومُفْتِ) فيرده إلى الأصول والقواعد.
(وينبغي له) أي: المفتي (١) (أن يشاور مَن عنده ممن يثِقُ بعلمه، إلا أن يكون في ذلك إفشاء سِرّ السائل، أو تعريضه للأذى، أو) يكون فيه (مفسدة لبعض الحاضرين) فيخفيه إزالةً لذلك.
(وحقيق به) أي: المفتي (أن يُكثِرَ الدعاء بالحديث الصحيح: "اللهمَّ ربَّ جبربلَ وميكائيلَ وإسرافيلَ، فاطِرَ السماوات والأرضِ، عالِمَ الغيب والشهادة، أنت تحكمُ بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لِمَا اختُلِف فيه من الحقِّ بإذنِكَ، إنكَ تَهْدِي مَن تشاء إلى صراطٍ مستقيم" (٢). ويقول إذا أشكل عليه شئ: يا مُعَلِّمَ إبراهيمَ علِّمني) للخبر (٣).
(وفي "آداب المفتي" (٤): ليس له أن يُفتي في شيء من مسائل الكلام مفصلًا، بل يمنع السائل وسائر العامة من الخوض في ذلك أصلًا).
قال في "المبدع" ولا تجوز الفتوى في علم الكلام، بل يُنهى
стр. 7025
السائل عنه، والعامة أولى، ويأمر الكلَّ بالإيمان المجمل، وما يليق بالله تعالى، ولا يجوز التقليد فيما يطلب به الجزم، ولا إثباته بدليل ظني، ولا الاجتهاد فيه، ويجوز فيما يطلب فيه الظن، وإثباته بدليل ظَنِّي، والاجتهاد فيه.
(وله) أي: المفتي (تخيير من استفتاه بين قوله وقول مخالفه) لأن المستفتي يجوز له أن يتخيَّر وإن لم يخيره. وقد سُئِل أحمد عن مسألة في الطلاق؟ فقال: إن فعل حَنِثَ. فقال السائل: إن أفتاني إنسان لا أحنث؟ قال: تعرف حلقة المدنيين؟ قال: فإن أفتوني حَل؟ قال: نعم (١).
(ولا يلزم جوابُ ما لم يقع) لخبر أحمد عن ابن عمر: لا تسألوا عمَّا لم يكن، فإن عمر نهى عن ذلك (٢) (لكن يُستحب إجابته) أي: السائل عمَّا لم يقع؛ لئلا يدخل في خبر: "مَنْ كَتَمَ عِلْمًا سُئِلَهُ … " الحديث (٣).
(ولا) يلزمُ (جوابُ ما لا يحتَمِلُه السائلُ) قال البخاري: قال على: حَدِّثوا الناسَ بما يَعْرِفون؟ أتُريدون أن يُكذَّب الله ورسولُهُ (١). وفي مقدمة مسلم عن ابن مسعود: ما أنت بمُحدِّثِ قومًا حديثًا لا تَبْلُغُه عقولُهم إلا كان فتنةً لبعضهم (٢).
(ولا) يلزم جوابُ (ما لا نَفْعَ فيه) لخبر أحمد عن ابن عباس، أنه قال عن الصحابة: ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم (٣). وسئل أحمد عن يأجوج ومأجوج: أمسلمون هم؟ فقال للسائل: أحْكَمْتَ العلم حتى تسأل عن ذا (٤)؟ وسُئِل عن مسألة في اللعان فقال: سل -رحمك الله- عما ابتليتَ به (٥).
(وإن جعل له) أي: للمفتي (أهلُ بَلَدٍ رزقًا ليتفرَّغَ لهم؛ جاز) له أخْذُه، والإرزاق معروف غير لازم لجهة معينة. قال القرافي: ولا يورَث، بخلاف الأجرة، قال: وباب الأرزاق أدخل في باب الإحسان، وأبعدُ في باب المعاوضة، وباب الإجارة أبعد عن باب المسامحة، وأدخل في باب
стр. 7028
المكاسبة (١).
(وله) أي: المفتي (قَبول هدية، والمراد: لا ليفتيَه بما يريده مما لا يفتي به غيرَه) أي: غير المُهْدي (وإلا) أي: وإن أخذها ليفتيه بما يريده مما لا يُفتي به غيرَه (حَرُمت) عليه الهدية.
(ومَن عَدِم مفتيًا في بلده وغيره، فله حُكم ما قبل الشرعِ) على الخلاف: هل الأصل في الأشياء الحظر، أو الإباحة، أو الوقف؟ (وقيل: متى خَلَتِ البلدُ من مُفْتٍ حَرُم السُكْنى فيها) قال النووي: والأصح: لا يحرم إن أمكن الذهاب إلى مُفتٍ.
(وله) أي: المفتي (ردُّ الفُتيا إن خاف غائلتها، أو كان في البلد من يقوم مقامه) في الفُتيا؛ لأن الإفتاء في حَقِّه مع وجود من يقوم مقامه سُنَّةٌ (وإلا) أي: وإن لم يكن في البلد من يقوم مقامه (لم يجز) له رَدُّ الفُتيا لتعيُّنها عليه، والتعليم كذلك، كما ذكر معناه النووي في "شرح التهذيب" (٢).
(لكن إن كان الذي يقوم مقامه معروفًا عند العامة مُفتيًا (٣)، وهو جاهلٌ؛ تعيَّن الجوابُ على العالم) لتعيُّن الإفتاء عليه إذًا.
(قال في "عيون المسائل": الحكم يتعيَّن بولايته) أي: الحكم (حتى لا يمكنه رَدّ محتكمَيْن إليه، ويمكنه ردُّ مَن يَستشهِدُه، وإن كان متحمِّلًا شهادة، فنادر (٤) ألا يكون سواه) أي: معه، محتمِّلًا لتلك الشهادة، فلا يتعيَّن عليه أداؤها، إذ يمكن نيابة غيره عنه (وأما في
стр. 7029
الحكم، فـ) ـــإنه (لا ينوب البعضُ عن البعضِ، ولا يقول لمن ارتفع إليه: امْضِ إلى غيري من الحُكَّام. انتهى) أي: ولو كان في البلد من يقوم مقامه، لما يلزم على جواز تدافع الحكومات من ضياع الحقوق.
(ومن قويَ عنده (١) مذهبُ غير إمامه) لظهور الدليل معه (أفتى به) أي: بما ترجَّح عنده من مذهب غير إمامه (وأعلَمَ السائل) بذلك؛ ليكون على بصيرة في تقليده (قال) الإمام (أحمد: إذا جاءت المسألةُ ليس فيها أثر) أي: حديث مرفوع ولا موقوف؛ لأن قول الصحابي عنده حُجَّة، إذا لم يخالفه غيره (فأفتِ فيها بقول الشافعي؛ ذكره النووي في "تهذيب الأسماء واللغات" (٢) في ترجمة الشافعي) وفي "المبدع": قال أحمد في رواية المَرّوذي (٣): إذا سُئِلتُ عن مسألة لم أعرف فيها خبرًا، قلت فيها بقول الشافعي؛ لأنه إمام عالم من قريش، وقد قال ﷺ : "يَملأ الأرضَ علمًا" (٤).
стр. 7030
(ويجوز له) أي: للمُفتي (العدولُ عن جواب المسؤول عنه إلى ما هو أنفع للسائل) قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ (١).
(و) يجوز للمُفتي (أن يُجيبه بأكثر مما سأله) عنه؛ لقوله ﷺ وقد سُئِل عن ماء البحر: "هو الطَّهورُ ماؤه؛ الحِلُّ مَيْتَتُه" (٢).
(و) للمُفتي (أن يدلّه) أي: المستفتي (على عوض ما منعه منه (٣)، وأن يُنَبِّهَه على ما يجب الاحترازُ منه (٣)) لأن ذلك من قبيل الهداية لدفع المضار.
(وإذا كان الحكم مستغرَبًا، وطَّأ قبله (٤) ما هو كالمقدمة له) ليزيل استغرابه.
(وله الحَلِفْ على ثبوت الحكم أحيانًا) قال تعالى: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي
стр. 7031
إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ (١) وقال جلَّ ذِكْرُه: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ (٢) والسُّنة شهيرةٌ بذلك. وقوله: أحيانًا، احتراز من الإفراط في الحَلِف فإنه مكروه.
(وله أن يُكَذْلِك مع جواب مَن تقدَّمه بالفتيا، فيقول: جوابي كذلك، أو: الجواب صحيح، وبه أقول) طلبًا للاختصار مع حصول المقصود (إذا علم صواب جوابه، وكان أهلًا) للفتيا (وإلا) أي: وإن لم يعلم صوابه (استقل بالجواب معه في الورقة.
وإن لم يكن) مَن تقدَّم المُفتي (أهلًا) للفتيا (لم يُفتِ معه؛ لأنه تقرير لمُنكَر.
وإن لم يعرف المُفتي اسمَ مَن كَتَب قَبْلَه، فله أن يمتنع من الفُتيا معه، خوفًا مما قلناه) أي: من أن يكون غير أهل، فيكون تقريرًا للمُنْكَر (والأولى أن يُشير على صاحب الرقعة بإبدالها) إذا جَهِل المفتي قبله فيها (فإن أبىَ ذلك) أي: إبدالها (أجابه شفاهًا) بلا كتابة.
(وإذا كان هو المبتدئ بالإفتاء في الرقعة، كتب في الناحية اليُسرى؛ لأنه أمْكَنُ، وإن كتب في) الجانب (الأيمن أو الأسفل، جاز.
ولا يكتب فوق البسملة) احترامًا لاسم الله تعالى (وعليه أن يختصر جوابه) لأن الزيادة على ما يحصُل به المقصود إشغال للرقعة بما لا حاجة إليه، وقد لا يرضى ربُّها بذلك، ودلالة الحال أنه إنما أذن في قَدْرِ الحاجة.
(ولا بأس لو كَتَب) المُفتي (بعد جوابه عمَّا في الرقعة: زاد السائل من لفظه كذا وكذا، والجواب عنه كذا وكذا) لأنه إخبار بالواقع.
стр. 7032
(وإن جهل) المُفتي (لسان السائل) أي: لغته (أجزأت ترجمة واحد ثقة) كالإخبار بالقِبلة وغيرها، بخلاف الترجمة عند الحاكم، فحكمها كالشهادة، ويأتي (١).
(وإن رأى) المفتي (لَحْنًا فاحشًا في الرقعة) المكتوب فيها السؤال (أو) رأى بها (خطأ يُحيل المعنى، أصلحه) لأن إجابته تتوقف على ذلك لفهم المقصود.
(وينبغي) للمُفتي (أن يكتب الجواب بخطٍّ واضحٍ وَسَطًا، ويقارب سطورَه وخطه؛ لئلا يزوِّر أحد عليه، ثم يتأمَّل الجواب بعد كتابته خوفًا من غَلَط، أو سهو.
ويُستحبُّ أن يكتب في أول فتواه: الحمد لله، وفي آخرها: والله أعلم، ونحوه، و: كتبه فلان الحنبلي، أو الشافعي، ونحوه) كالمالكي والحنفي، اقتداء بمن سلف.
(وإذا رأى) في (خلال السطور أو في آخرها بياضًا يحتمل أن يُلحَق به ما يفسد الجواب، فليحترز منه، فإما أن يأمره بكتابة غير الورقة، أو يشغله بشيء) ليأمن من الزيادة.
(وينبغي) للمفتي (أن يكون جوابه موصولًا بآخر سطر في الورقة، ولا يدع بينهما فُرْجة، خوفًا منْ أن يُثبتَ (٢) السائل فيها غَرَضًا له ضارًا.
وإن كان في موضع الجواب وَرَقةٌ مُلتَزِقَةُ (٣)، كتب على موضع الالتزاق وشغله بشيء) لثلا يُحلَّ اللزق ويوصل برقعة أخرى. قلت: فإن
стр. 7033
كان غير ملزق (١)، وطلب منه الكتابةُ ليلزق، لم يجب؛ لئلا يلزق بغير ما سئل عنه، مما يخالفه في الحكم.
(وإذا سُئل) المفتي (عن شَرْطِ واقفٍ، لم يفت بإلزام العمل به، حتى يعلم هل الشرط معمولٌ به في الشرع، أو من الشروط التي لا تَحِل، مثل أن يشرط أن يصلي الصلوات في التربة المدفون بها) الواقف (ويدع المسجد، أو يشعل بها) أي: التربة (قنديلًا أو سراجًا) لأن ذلك مُحَرَّم، كما تقدم في الجنائز (٢).
(أو وَقَفَ مدرسةً، أو رباطًا، أو زاويةً، وشرط أنَّ المقيمين بها من أهل البدع، كالشيعة، والخوارج، والمعتزلة، والجهمية، والمبتدعين في أعمالهم، كأصحاب الإشارات واللاذن (٣)، وآكل الحيات وأشباه الذباب، المشتغلين بالأكل والشرب والرقص) فلا يجوز أن يعمل بالشرط المذكور، فضلًا عن وجوب اتباعه.
(و لا يجوز أن يُفتي فيما يتعلَّق باللفظ) كالطلاق والعَتَاق والأيمان والأقارير (بما اعتاده هو من فَهْم تلك الألفاظ، دون أن يعرف عُرْفَ أهلها والمتكلِّمين بها، بل يحملها على ما اعتادوه وعرفوه، وإن كان) الذي اعتادوه (مخالفًا لحقائقها الأصلية) أي اللغوية؛ لما تقدم في الأيمان (٤): أن العُرْفي يُقَدَّم على الحقيقة المهجورة.
(وإذا اعتدل عنده قولان من غير ترجيح) أي: وكان من أهل
стр. 7034
الاجتهاد (فقال القاضي: يُفتي بأيهما شاء) وتقدم (١): ليس لمن انتسب لمذهب إمام أن يتخير في مسألة ذات قولين.
(ومن أراد كتابةً على فُتيا، أو) أن يكتب (شهادةً، لم يجز أن يكبِّر خطه، ولا أن يوسِّعَ السُّطورَ بلا إذنٍ ولا حاجة) لأنه غير مأذون فيه لفظًا ولا عُرفًا.
(ويُكره أن يكون السؤال بخطِّه) أي: المُفتي، و (لا) يُكره أن يكون (بإملائه وتهذيبه.
وإذا كان في رُقعةِ الاستفتاءِ مسائلُ، فحسنٌ أن يُرَتِّب الجوابَ على ترتيب الأسئلة) ليحصُل التناسب.
(وليس له أن يكتب الجوابَ على ما يعلمه من صورةِ الواقعة، إذا لم يكن في الرُّقعة تعرُّضٌ له، بل يذكر جوابَ ما في الرُّقعة، فإن أراد الجواب على خِلاف ما فيها، فليقل: وإن كان الأمرُ كذا، فجوابُهُ كذا) قلت: وإن أمر السائل بتغيير الرُّقعة، فهو أولى.
(و لا يجوز إطلاقه في الفُتيا في اسم مشترك إجماعًا) قاله ابن عقيل (بل عليه التفصيل) في الجواب (فلو سُئِلَ) المفتي: (هل له الأكل في رمضان بعد طلوع الفجر؟ فلابُدَّ أن يقول: يجوز بعد الفجر الأول لا الثاني. وأرسل) الإمام (أبو حنيفة إلى أبي يوسف يسأله عمَّن دفع ثوبًا إلى قَصَّار، فقصَره وجَحَده: هل له أجرة إن عاد وسلَّمه إلى ربه؟ وقال) أبو حنيفة: (إن قال) أبو يوسف: (نعم، أو لا، أخطأ، فَفَطِنَ أبو يوسف وقال: إنْ قَصَره قبل جحوده، فله) الأجرة؛ لأنه قصره لربِّه (وبعده) أي:
стр. 7035
وإن قَصَره بعد جحوده (لا) أجرة له (لأنه قَصَره لنفسه (١).
وسأل أبو الطيب) الطبري (قومًا) من أصحابه (عن بيع رَطْلِ تمرٍ برطلِ تمرٍ، فقالوا: يجوز، فخطَّأهم، فقالوا: لا، فخطَّأهم) فخجِلوا (فقال: أن تساويا كيلًا جاز (٢)) فهذا يوضح خطأ المطلِق في كل ما يحتمل التفصيل.
قال ابن مفلح عن قول ابن عقيل المذكور: كذا قال، ويتوجَّه عمل بعض أصحابنا بظاهره. انتهى.
قلت: ولم تزلِ العلماء يجيبون بحسَب ما يظهر لهم من المتبادر إلى الفهم. ويؤيده حديث جبريل لما سأل عن الإسلام والإيمان والإحسان (٣)، ولم يستفصله ﷺ : هل السؤال عن حقائقها، أو شروطها، أو أركانها؟ ونحو ذلك من متعلّقاتها.
(و لا يجوز) للمفتي (أن يُلقِيَ السائلَ في الحَيْرة، مثل أن يقول في مسألة في الفرائض: تُقسَم على فرائض الله) تعالى (أو يقول: فيها) أي: المسألة التي سُئل عنها (قولان، ونحوه) مما لا بيان فيه (بل يُبَيّن له بيانًا مُزِيلًا للإشكال) لأن الفُتيا تبيين الحكم، كما تقدم.
(لكن ليس عليه) أي: المُفتي (أن يذكر المانعَ في الميراث، من الكفر، وغيره) كالرِّق واختلافِ الدِّين (وكذلك في بقية العقود، من
стр. 7036
الإجارة والنكاح وغير ذلك) كالبيع والصلح ونحوهما (فلا يجب) على المفتي (أن يذكر الجنونَ والإكراه ونحو ذلك) من الصِّغر، وعدم معرفة المبيع، ونحوه، عملًا بالظاهر، وهو الصحة.
(والعامي يخيَّر في فتواه، فيقول) المفتي: (مذهب فلان كذا) وتقدم (١) أن العاميَّ يتخير، وإن لم يخيره المفتي.
(ويُقَلِّدُ العاميَّ مَن عرفه عالمًا عدلًا، أو رآه منتصبًا) للتدريس والإفتاء (معظَّمًا) لأن ذلك يدلُّ على فضله (ولا يُقَلِّد من عَرَفه جاهلًا عند العلماء، ويكفيه) أي: العامي (قولُ عَدْلِ خبير) بما أفتاه فيه، كسائر الأخبار الدينية (قال ابن عقيل: يجب سؤال أهل الفقه والخير) لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢) (فإن جهل عدالته؛ لم يجز تقليده) لأنه لم يتحقق شرطُ جواز التقليد.
(ويُقَلِّدُ) المجتهدَ العدلَ ولو (ميتًا، وهو كالإجماع في هذه الأعصار وقبلها) لأن قوله باق في الإجماع، وكالحاكم والشاهد، لا يبطل حكمه ولا شهادته بموته.
قال الشافعي (٣): المذاهب لا تموت بموت أربابها. قال النووي في "شرح المهذب" (٤): وليس له -أي: للعامي- التمذهبُ بمذهب أحد الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- وغيرهم من الأولين، وإن كانوا أعلمَ وأعلى درجة ممن بعدهم؛ لأنهم لم يتفرَّغوا لتدوين العلم وضبط أصوله
стр. 7037
وفروعه، فليس لأحد منهم مذهب محرَّر مقرَّر (١).
(و يحفظ المستفتي الأدبَ مع المفتي ويُجِلُّه) لأن "العلماء ورثة الأنبياء" (٢) (ولا يومئ بيده في وجهه، ولا يقول: ما مذهبُ إمامِكَ في
стр. 7038
كذا، أو: ما تحفظُ في كذا؟ أو: أفتاني غيرُكَ، أو): أفتاني (فلانٌ بكذا، أو: قلتُ أنا) كذلك (أو: وقع لي) كذلك (أو: إن كان جوابُكَ موافقًا، فاكتب) ونحو ذلك مما يُنافي الأدب.
(لكن إن عَلِم) المفتي (غرضَ السائل في شيء، لم يجز) له (أن يكتب) في رُقعته (بغيره) لأنه يُفسد عليه رُقعته، ويحوجه إلى إبدالها.
(ويُكره) للمستفتي (أن يسأله) أي: المُفتي (في حال ضَجَر، أو همٍّ، أو) عند (قيامه، أو نحوه) كنُعاسه، وكلِّ ما يشغل الفِكر.
(ولا يُطالِبُه بالحُجَّة) أي: لا يطلب المستفتي من المفتي الدليل على ما قاله له؛ لأن فيه اتهامًا له.
(و يجوز تقليد المفضول من المجتهدين) مع وجود أفضل منه؛ لأن المفضول من الصحابة والسلف كان يُفتي مع وجود الفاضل منهم مع الاشتهار والتكرار، ولم يُنكِر ذلك أحدٌ، فكان إجماعًا (١). وقال ﷺ : "أصحابي كالنجوم بأيِّهِمُ اقتديتُم اهتديتُم" (٢)، وفيهم الأفضل من غيره. و -أيضًا- العاميُّ لا يمكنه الترجيح، لقصوره عنه.
"فائدة": لا يجوز التقليد في معرفة الله تعالى والتوحيد والرسالة ؛
стр. 7039
ذكره القاضي (١) وابن عقيل (٢) وأبو الخطَّاب (٣) وذكره عن عامَّةِ العلماء، وذكر غيره (٤) أنه قول جمهور العلماء، واستدلَّ لذلك بأمره تعالى بالتدبُّر والتفكُر، وفي "صحيح ابن حبان": لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ﴾ (٥) قال: "ويلٌ لمن قرأهُنَّ ولم يتدبَّرْهن، ويلٌ له، ويلٌ له" (٦). والإجماع على وجوب معرفة الله تعالى (٧)، ولا تحصُل بتقليد؛ لجواز كذب المُخبِر، واستحالة حصوله، كمَنْ قَلَّد في حدوثِ العالم، وكمَنْ قَلَّد في قِدَمِهِ؛ ولأن التقليد لو أفاد علمًا، فإما بالضرورة وهو باطلٌ، وإما بالنظر، فيستلزم الدليل، والأصل عدمُهُ، والعلم يحصُل بالنظر، واحتمال الخطأ لعدم تمام مُراعاة القانون الصحيح؛ ولأن الله تعالى ذَمَّ التقليد بقوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ (٨) وهي فيما يطلب للعلم، فلا يلزم في الفروع؛ قاله في "شرح المنتهى".
(ولزومُ التمذهبِ بمذهبٍ، وامتناعُ الانتقال إلى غيره، الأشهرُ
стр. 7040
عدمه).
قال الشيخ تقي الدين (١): العاميُّ هل عليه أن يلتزم مذهبًا معيَّنًا يأخذ بعزائمه ورخصه؟ فيه وجهان لأصحاب أحمد، وهما وجهان لأصحاب الشافعي، والجمهور من هؤلاء وهؤلاء لا يوجبون ذلك، والذين يوجبون يقولون: إذا التزمه لم يكن له أن يخرج عنه مادام ملتزمًا له، أو ما لم يتبين له أن غيره أولى بالالتزام منه، ولا ريب أن التزام المذاهب والخروجَ عنها، إن كان لغير أمر ديني، مثل أن يلتزم مذهبًا لحصول غرض دنيوي من مال أو جاه ونحو ذلك، فهذا مما لا يُحمد عليه، بل يُذَمُّ عليه في نفس الأمر، ولو كان ما انتقل إليه خيرًا مما انتقل عنه، وهو بمنزلة من يُسلِم، لا يُسلِم إلا لغرض دنيوي، أو يهاجر من مكة إلى المدينة لامرأة يتزوجها، أو دنيا يصيبها.
قال: وأما إن كان انتقاله من مذهب إلى مذهب لأمرٍ ديني، فهو مُثاب على ذلك، بل واجب على كلِّ أحدٍ إذا تبيَّنَ له حُكمُ الله ورسولِه في أمرٍ ألا يعدِلَ عنه، ولا يتبع أحدًا في مخالفة الله تعالى ورسوله، فإن الله تعالى فرض طاعة رسوله على كل أحد في كل حال. انتهى.
وفي "الرعاية": من التزم مذهبًا أُنكر عليه مخالفته بلا دليل، ولا تقليد سائغ، ولا عذر. ومراده بقوله: "بلا دليل" إذا كان من أهل الاجتهاد. وقوله: ولا تقليد سائغ، أي: لعالم أفتاه، إذا لم يكن أهلًا للاجتهاد. وقوله: ولا عُذر، أي: يُبيح له ما فعله، فَيُنكر عليه حينئذ؛ لأنه يكون متبعًا لهواه.
وقال في موضع آخر: يلزم كلَّ مقلِّدٍ أن يلتزم بمذهب معيَّن في