← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 622

كشاف القناع عن متن الإقناع - ط وزارة العدل

البهوتي

Полный текст (7 407 стр.). Показаны 7036–7075 · переход к 7041.

стр. 7036

الإجارة والنكاح وغير ذلك) كالبيع والصلح ونحوهما (فلا يجب) على المفتي (أن يذكر الجنونَ والإكراه ونحو ذلك) من الصِّغر، وعدم معرفة المبيع، ونحوه، عملًا بالظاهر، وهو الصحة. (والعامي يخيَّر في فتواه، فيقول) المفتي: (مذهب فلان كذا) وتقدم (١) أن العاميَّ يتخير، وإن لم يخيره المفتي. (ويُقَلِّدُ العاميَّ مَن عرفه عالمًا عدلًا، أو رآه منتصبًا) للتدريس والإفتاء (معظَّمًا) لأن ذلك يدلُّ على فضله (ولا يُقَلِّد من عَرَفه جاهلًا عند العلماء، ويكفيه) أي: العامي (قولُ عَدْلِ خبير) بما أفتاه فيه، كسائر الأخبار الدينية (قال ابن عقيل: يجب سؤال أهل الفقه والخير) لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢) (فإن جهل عدالته؛ لم يجز تقليده) لأنه لم يتحقق شرطُ جواز التقليد. (ويُقَلِّدُ) المجتهدَ العدلَ ولو (ميتًا، وهو كالإجماع في هذه الأعصار وقبلها) لأن قوله باق في الإجماع، وكالحاكم والشاهد، لا يبطل حكمه ولا شهادته بموته. قال الشافعي (٣): المذاهب لا تموت بموت أربابها. قال النووي في "شرح المهذب" (٤): وليس له -أي: للعامي- التمذهبُ بمذهب أحد الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- وغيرهم من الأولين، وإن كانوا أعلمَ وأعلى درجة ممن بعدهم؛ لأنهم لم يتفرَّغوا لتدوين العلم وضبط أصوله

стр. 7037

وفروعه، فليس لأحد منهم مذهب محرَّر مقرَّر (١). (و يحفظ المستفتي الأدبَ مع المفتي ويُجِلُّه) لأن "العلماء ورثة الأنبياء" (٢) (ولا يومئ بيده في وجهه، ولا يقول: ما مذهبُ إمامِكَ في

стр. 7038

كذا، أو: ما تحفظُ في كذا؟ أو: أفتاني غيرُكَ، أو): أفتاني (فلانٌ بكذا، أو: قلتُ أنا) كذلك (أو: وقع لي) كذلك (أو: إن كان جوابُكَ موافقًا، فاكتب) ونحو ذلك مما يُنافي الأدب. (لكن إن عَلِم) المفتي (غرضَ السائل في شيء، لم يجز) له (أن يكتب) في رُقعته (بغيره) لأنه يُفسد عليه رُقعته، ويحوجه إلى إبدالها. (ويُكره) للمستفتي (أن يسأله) أي: المُفتي (في حال ضَجَر، أو همٍّ، أو) عند (قيامه، أو نحوه) كنُعاسه، وكلِّ ما يشغل الفِكر. (ولا يُطالِبُه بالحُجَّة) أي: لا يطلب المستفتي من المفتي الدليل على ما قاله له؛ لأن فيه اتهامًا له. (و يجوز تقليد المفضول من المجتهدين) مع وجود أفضل منه؛ لأن المفضول من الصحابة والسلف كان يُفتي مع وجود الفاضل منهم مع الاشتهار والتكرار، ولم يُنكِر ذلك أحدٌ، فكان إجماعًا (١). وقال ﷺ : "أصحابي كالنجوم بأيِّهِمُ اقتديتُم اهتديتُم" (٢)، وفيهم الأفضل من غيره. و -أيضًا- العاميُّ لا يمكنه الترجيح، لقصوره عنه. "فائدة": لا يجوز التقليد في معرفة الله تعالى والتوحيد والرسالة ؛

стр. 7039

ذكره القاضي (١) وابن عقيل (٢) وأبو الخطَّاب (٣) وذكره عن عامَّةِ العلماء، وذكر غيره (٤) أنه قول جمهور العلماء، واستدلَّ لذلك بأمره تعالى بالتدبُّر والتفكُر، وفي "صحيح ابن حبان": لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ﴾ (٥) قال: "ويلٌ لمن قرأهُنَّ ولم يتدبَّرْهن، ويلٌ له، ويلٌ له" (٦). والإجماع على وجوب معرفة الله تعالى (٧)، ولا تحصُل بتقليد؛ لجواز كذب المُخبِر، واستحالة حصوله، كمَنْ قَلَّد في حدوثِ العالم، وكمَنْ قَلَّد في قِدَمِهِ؛ ولأن التقليد لو أفاد علمًا، فإما بالضرورة وهو باطلٌ، وإما بالنظر، فيستلزم الدليل، والأصل عدمُهُ، والعلم يحصُل بالنظر، واحتمال الخطأ لعدم تمام مُراعاة القانون الصحيح؛ ولأن الله تعالى ذَمَّ التقليد بقوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ (٨) وهي فيما يطلب للعلم، فلا يلزم في الفروع؛ قاله في "شرح المنتهى". (ولزومُ التمذهبِ بمذهبٍ، وامتناعُ الانتقال إلى غيره، الأشهرُ

стр. 7040

عدمه). قال الشيخ تقي الدين (١): العاميُّ هل عليه أن يلتزم مذهبًا معيَّنًا يأخذ بعزائمه ورخصه؟ فيه وجهان لأصحاب أحمد، وهما وجهان لأصحاب الشافعي، والجمهور من هؤلاء وهؤلاء لا يوجبون ذلك، والذين يوجبون يقولون: إذا التزمه لم يكن له أن يخرج عنه مادام ملتزمًا له، أو ما لم يتبين له أن غيره أولى بالالتزام منه، ولا ريب أن التزام المذاهب والخروجَ عنها، إن كان لغير أمر ديني، مثل أن يلتزم مذهبًا لحصول غرض دنيوي من مال أو جاه ونحو ذلك، فهذا مما لا يُحمد عليه، بل يُذَمُّ عليه في نفس الأمر، ولو كان ما انتقل إليه خيرًا مما انتقل عنه، وهو بمنزلة من يُسلِم، لا يُسلِم إلا لغرض دنيوي، أو يهاجر من مكة إلى المدينة لامرأة يتزوجها، أو دنيا يصيبها. قال: وأما إن كان انتقاله من مذهب إلى مذهب لأمرٍ ديني، فهو مُثاب على ذلك، بل واجب على كلِّ أحدٍ إذا تبيَّنَ له حُكمُ الله ورسولِه في أمرٍ ألا يعدِلَ عنه، ولا يتبع أحدًا في مخالفة الله تعالى ورسوله، فإن الله تعالى فرض طاعة رسوله على كل أحد في كل حال. انتهى. وفي "الرعاية": من التزم مذهبًا أُنكر عليه مخالفته بلا دليل، ولا تقليد سائغ، ولا عذر. ومراده بقوله: "بلا دليل" إذا كان من أهل الاجتهاد. وقوله: ولا تقليد سائغ، أي: لعالم أفتاه، إذا لم يكن أهلًا للاجتهاد. وقوله: ولا عُذر، أي: يُبيح له ما فعله، فَيُنكر عليه حينئذ؛ لأنه يكون متبعًا لهواه. وقال في موضع آخر: يلزم كلَّ مقلِّدٍ أن يلتزم بمذهب معيَّن في

стр. 7041

الأشهر، ولا يُقَلِّد غيره. وقيل: بلى، وقيل: ضرورة. (ولا يجوز له) أي: للمفتي (ولا لغيره، تتبُّع الحِيل المُحَرَّمة والمكروهة، ولا تتبُّع الرُّخَص لمن أراد نفعه، فإنْ تتبَّع ذلك) أي: الحِيُل المكروهة والمُحَرَّمة والرُّخَص (فَسَقَ وحَرُمَ استفتاؤه. وإن حسن قصْدُه) أي: المفتي (في حيلة جائزة لا شُبهة فيها ولا مفسدة، ليتخلَّصَ المستفتي بها من حَرَجٍ؛ جاز، كما أرشد النبي ﷺ بلالًا ﵁ إلى بيع التمر بدراهم، ثم يشتري بالدراهم تمرًا آخر، فيتخلَّص من الربا (١)) بذلك، وهذا إذا كان قَبَض الدراهم، أو اشترى في ذمته بدراهم من جنس الأولى وعلى صفتها، فتحصل المقاصَّة، ويتخلص من الربا، وأما إذا اشترى بعين تلك الدراهم قبل قبضها مما يشاركَه في العلة فلا، كما تقدم (٢) في البيع. (وإذا استفتى واحدًا، أخذ) المستفتي (بقوله، ويلزمه) الأخذ بقوله (بالتزامه) قال في "شرح التحرير" (٣): لو أفتى المقلدَ مُفْتٍ واحد، وعمل به المقلّد؛ لزمه قطعًا، وليس له الرجوع عنه إلى فتوى غيره في تلك الحادثة بعينها، إجماعًا؛ نقله ابن الحاجب (٤) والهندي (٥) وغيرهما. وإن لم يعملْ به، فالصحيح من المذهب أنه يلزمه بالتزامه. قال ابن مفلح في "أصوله" (٦): هذا الأشهر.

стр. 7042

(و لو سأل) العاميُّ (مفتيين فأكثر، فاختلفا عليه؛ تَخيَّر) صححه في "الإنصاف"، وقال الموفق في "الروضة" (١): لزمه الأخذ بقول الأفضل في عِلْمِه ودينه. وقال الطوفي في "مختصرها" (٢): والظاهر: الأخذ بقول الأفضل في عِلْمه ودينه. وفي "إعلام الموقعين" (٣): يجب عليه أن يتحرَّى ويبحث عن الراجح بحسبه، وهو أرجح المذاهب السبعة. انتهى. والقول الأول اختاره القاضي (٤) وأبو الخطاب (٥) قال: وهو ظاهر كلام أحمد (٦)، وقطع به المجد في موضع من "المسودة" (٧)، وقدَّمه صاحب "الفروع" في "أصوله" (٨). (فإن لم يجد إلا مفتيًا واحدًا؛ لزمه قَبوله) كما لو حكم عليه به، ولا يتوقف ذلك على التزامه، ولا سكون نفسه إلى صحته. (وله العمل بخطِّ المُفتي، وإن لم يسمع الفتوى من لفظه؛ إذا عَرَف أنه خَطُّه) لأنه ﷺ كان يكتب لعُمَّاله وولاته وسُعاته، ويعملون بذلك، ولدعاء الحاجة إليه، بخلاف حكم الحاكم. قلت: ومن ذلك: العملُ بكتب الأئمة إذا علم أنها خطُّهم، أو نقلها الثقة من (٩) خطِّهم.

стр. 7043

فصل (وإن تحاكم شخصان إلى رجُلٍ يصلح للقضاء، فحكَّماه بينهما، فحكم، نَفَذَ حكمه في المال، والقِصاص، والحَدِّ، والنكاح، واللعان وغيرها، حتى مع وجود قاض، فهو كحاكم الإمام) لما روى أبو شُريح أن رسولَ الله ﷺ قال له: "إنَّ الله هو الحكمُ، فلِمَ تُكنى أبا الحكم؟ قال: إنَّ قومي إذا اختلفوا في شيءٍ أتَوْني، فحكَمتُ بينهم فرضِيَ عليَّ الفريقان، قال: فما أحسَنَ هذا! فمَنْ أكْبَرُ وَلَدِكَ؟ قال: شُريحٌ، قال: فأنت أبو شُرَيْحٍ" أخرجه النسائي (١)، وعنه ﷺ : "مَن حكمَ بين اثنين تحاكما إليه وارتضيا به، فلم يعدل بينهما الحقّ (٢)، فعليه لعنة الله" رواه أبو بكر (٣)،

стр. 7044

ولولا أن حكمه يلزمهما؛ لما لَحِقه هذا الذمُّ؛ ولأن عُمر وأُبيًّا تحاكما إلى زيد بن ثابت (١)، وتحاكم عثمان وطلحة إلى جُبير بنْ مطعم (٢)، ولم يكن أحدٌ منهما قاضيًا. (ويلزم مَن يَكتب إليه) المحكَّم (بحكمه؛ القَبول، و) يلزمه (تنفيذه) لأنه حاكم نافذ الأحكام، فلزمه قَبوله (كحاكم الإمام. ولا يجوز نَقْضُ حُكمِه فيما لا يُنقضُ) فيه (حكمُ من له ولاية) من إمام أو نائبه، كما يأتي بيانه. (ولكُلِّ واحدٍ من الخصمين الرجوعُ عن تحكيمِه قبل شروعه في الحُكْمِ) لأنه لا يلزم حكمه إلا برضا الخصمين، أشبه رجوعَ الموكِّل عن التوكيل قبل التصرُّف فيما وُكِّل فيه. و (لا) يصح رجوعُ أحدهما (بعدَه) أي: بعد شروعه في الحكم (وقبل تمامه) كرجوع الموكِّلِ بعد صدور ما وكَّل فيه من وكيله. (وقال الشيخ (٣): وإن حكَّم أحدُهما خصمَه، أو حكَّما مفتيًا في مسألة اجتهادية، جاز، وقال (٤): يكفي وصف القصة) أي: وإن لم تكن دعوى. (وقال (٥): العَشْرُ صفاتٍ التي ذكرها في "المحرر" في القاضي: لا

стр. 7045

تشترط في من يُحَكِّمه الخصمان) وينبغي أن يُشهِد عليهما بالرضا به قبل حكمه؛ لئلا يجحد المحكومُ عليه منهما. (وقال في "عُمَدِ الأدلة" بعد ذِكْرِ التحكيم: وكذا يجوز أن يتولَّى مُقَدَّمو الأسواقِ والمساجد: الوساطاتِ، والصُّلحَ عند الفَوْرة والمخاصمةِ، وصلاةَ الجنازة، وتفويضَ الأموال إلى الأوصياء، وتفرقةَ زكاته بنفسه، وإقامةَ الحدودِ على رقيقه، وخروجَ طائفةٍ إلى الجهاد تلصُّصًا وبَياتًا، وعمارةَ المساجد، والأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المنكر، والتعزيرَ لعبيدٍ وإماءٍ، وأشباهَ ذلك) قلت: وفي بعض ذلك ما لا يخفى على المتأمل.

стр. 7046

باب أدب (١) القاضي بفتح الهمزة والدال، يقال: أَدِب الرجل - بكسر الدال، وضَمُّها لغةٌ - إذا صار أديبًا في خلق أو علم. (وهو) أي: الأدب (أخلاقه التي ينبغي) له ولغيره (التخلُّق بها). والمقصود من هذا الباب: بيان ما يجب على القاضي، أو يُسنُّ له أن يأخذ به نفسه وأعوانه من الآداب والقوانين التي تنضبط بها أمورُ القُضاة، وتحفظهم عن الميل والزيغ. (والخُلُق) بضم اللام (صورته الباطنة) وهي نفسه وأوصافها ومعانيها. والثواب والعقاب يتعلقان بأوصاف الصورة الباطنة أكثر مما يتعلقان بأوصاف الصورة الظاهرة. قال الحافظ ابن حجر (٢): حُسْن الخُلُق اختيار الفضائل وترك الرذائل. (ينبغي) أي: يُسَنُّ (أن يكون) القاضي (قويًا من غير عنف) لئلا يطمع فيه الظالم. والعنف ضد الرفق (ليّنًا من غير ضعف) لئلا يهابَهُ صاحب الحق، وظاهر "الفصول": يجب ذلك. (حليمًا) لئلا يغضبَ من كلام الخصم، فيمنعَهُ ذلك من الحكم بينهما. (متأنيًا) [لئلا يؤدِّي إلى عَجَلتِهِ] (٣). (ذا فِطنة وتيقُّظ) لئلا يُخْدَع من بعض الخصوم على غِرة.

стр. 7047

(بصيرًا بأحكام الحُكَّام قبله، يخاف الله تعالى ويراقبه، لا يؤتى من غفلة، ولا يُخدع لغِرَّة) لقول علي: "لا ينبغي للقاضي أن يكرن قاضيًا حتى يكون فيه خمس خِصال: عفيف، حليم، عالم بما كان قبله، يستشير ذوي الألباب، لا يخاف في الله لومة لائم" (١). (صحيحَ البصر والسمع، عالمًا بلغات أهل ولايته) لأن ذلك أمكن في العدل بينهم؛ لأن المترجم قد يُخفي شيئًا من كلام أحدهما. (عفيفًا) لما تقدم عن علي (ورعًا، نزِهًا، بعيدًا من الطمع، صدوق اللهجة، لا يَهْزِلُ ولا يمجُن) أي: يمزح؛ لأن ذلك يخلُّ بهيبته. (ذا رأي ومشورة) لما تقدم عن علي (لكلامه لِين إذا قرب، وهيبة إذا أوعد، ووفاء إذا وعد) يقال: وعد في الخير وأوعد في ضده. هذا هو الأصل، وقد يُستعمل كل منهما بمعنى الآخر. (ولا يكون) القاضي (جَبَّارًا، ولا عَسُوفًا) لأنه لا يحصل المقصود بتوليته، من وصول الحق لمستحقه. (وله أن ينتهر الخصمَ إذا التوى) لأن الحاجة داعية إلى ذلك، لإقامة العدل (و) أن (يصيحَ عليه) أي: على الخصم عند التوائه. (وإن استحقَّ التعزيرَ، عَزَّره بما يرى من أدبٍ) لا يزيد على عشرة أسواط (أو حَبْسٍ.

стр. 7048

وإن افتاتَ) الخصمُ (عليه) أي: على القاضي (بأن يقول) الخصمُ: (حكمتَ عليَّ بغير الحقِّ، أو ارتشيتَ، فله تأديبُه) لأنه يشقّ عليه رفعه إلى غيره، فجاز له تأديبه بنفسه مع أنه حق له (وله) أي: القاضي (أن يعفوَ) عمَّن افتات عليه؛ لأنه حقٌّ له. (وإن بدأ المُنكِرُ باليمين؛ قَطَعَها) القاضي (عليه، وقال: البينةُ على خصمِكَ) المدعي (فإن عاد) المُنكرُ إلى اليمين (نهره) عن ذلك (فإن عاد) إليه (عزَّره؛ إن رأى) ذلك (وأمثال ذلك مما فيه إساءة الأدب. وإذا وُلِّيَ) القاضي (في غير بلده، فأراد المسيرَ إليه، استُحِبَّ له أن يبحث عن قومٍ من أهل ذلك البلد إن وَجد؛ ليسألهم عنه) أي: عن البلد (وعن علمائه، وعدوله، وفضلائه) ليعرف حالهم، حتى يشاور من هو أهل للمشاورة، ويقبل شهادة من هو أهل للعدالة (ويتعرَّف منهم) أي: ممن وجده من أهل ذلك البلد (ما يحتاج إلى معرفته، فان لم يجد) من يسألُهُ في البلد الذي هو فيه (ولا في طريقه، سأل إذا دخله) ليتعرف حالهم؛ لما تقدم. (وإذا قَرُبَ) القاضي (منه) أي: من البلد الذي ولي فيه (بعث من يُعلِمهم بقدومه؛ ليَتَلقَّوه، من غير أن يأمرهم بتلقِّيه) لأن في تلقِّيه تعظيمًا له، وذلك طريق لقبول قوله، ونفوذ أمره. (ويدخل البلد يوم الاثنين، أو) يوم (الخميس، أو) يوم (السبت) لقوله ﷺ : "بورك لأمتي في سبْتها وخميسها" (١) ورُوي أن النبي ﷺ "كان

стр. 7049

إذا قدم من سفر قدم يوم الخميس" (١) (ضحوة) لاستقبال الشهر تفاؤلًا (لابسًا أجمل ثيابه) أي: أحسنها؛ لأن الله جميل يحب الجمال (٢). وقال تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٣)؛ لأنها مجامع الناس، وهذا موضع يجتمع فيه ما لا يجتمع في المسجد، فكان أولى بالزينة (وفي "التبصرة": وكذا أصحابه) أي: يلبسون أحسن ثيابهم. وجزم به في "المنتهى"؛ لأن ذلك أعظم له ولهم في النفوس (وأنَّ جميعَها) أي: الثياب (سود، وإلا فالعِمامة) لأنه ﷺ "دخل مكَّة وعليه عِمامة حَرَقانيّةٌ" (٤) أي: سوداء؛ قاله في "الفروع" و"المبدع" (وظاهر كلامهم: غير السواد أولى) للأخبار (٥) أي: في البياض. (ولا يتطيَّرُ) أي: يتشاءم (بشيء، وإن تفاءل، فحسنٌ) لأنه ﷺ كان يحبُّ الفألَ الحسن، ونهى عن الطِّيرَة (٦) (فيأتي) القاضي (الجامعَ،

стр. 7050

فيصلي فيه ركعتين) لأن النبي ﷺ "كان إذا قَدِم من سفر، بدأ بالمسجد، فصلَّى فيه ركعتين" (١) فيستحبُّ ذلك لكلِّ قادمٍ (ويجلس مُستقبِلَ القِبْلةِ) لأن "خير المجالس ما استُقْبِلَ به القِبْلة" (٢) (فإذا اجتمع الناسُ، أمر بعهدِه) أي: الذي (٣) كتبه له مُوَلِّيه، بما ولاه إياه (فقرئ عليهم) أي: على الحاضرين، ليعلموا توليته، ويعلموا احتياط الإمام على اتباع أحكام الشرع، والنهي عن مخالفته، وقدرَ المُولَّى عنده، ويعلموا حدودَ ولايته، وما فوَّض إليه الحكم فيه. (ولْيُقِلَّ) القاضي (من كلامه إلا لحاجةٍ) للخبر (٤).

стр. 7051

(ويأمر من يُنادي بيومِ جلوسه للحُكم) ليعلم مَن له حاجة، فيقصد الحضور لفصل حاجته (ثم ينصرف) القاضي (إلى منزله الذي أُعِدَّ له) ليستريح من نَصَبِ سفره، ويُعِدَّ أمره، ويُرتِّب نُوَّابه؛ ليكون خروجه على أعدل أحواله. (وأول ما يبدأ به أن يبعثَ إلى الحاكم المعزول، فيأخذَ منه دِيوانَ الحُكْمِ) بكسر الدال، وحُكي فتحَها، وهو فارسي مُعَرَّب؛ لأنه الأساس الذي يبني عليه (ويلزمه) أي: المعزول (تَسْلِيمُه) أي: ديوان الحُكم (إليه) أي: إلى القاضي المتولِّي؛ لأنه في يد الحاكم بحكم الولاية، وقد صارت إليه، فوجب أن ينتقل ذلك إليه (وهو) أي: الديوان (ما فيه وثائق الناس من المحاضر، وهي نُسَخُ ما ثَبَتَ عند الحاكم، والسِّجلات، وهي نُسَخُ ما حَكَمَ به) ويُعرف الآن بالسجل (ولْيأمُرِ) القاضي (كاتبًا ثقةً يكتُبُ ما تَسَلَّمه، بمحضَرِ عَدْلين) احتياطًا. (ثم يخرج) القاضي (يوم الوعد، على أعدل أحواله: غير غضبانَ، ولا جائعٍ، ولا شبعانَ، ولا حاقنٍ، ولا مهمومٍ بأمرٍ يشغله عن الفهم، كـ: العطشِ والفرح الشديدين، والحزنِ الكثير، والهمِّ العظيم، والوجعِ المؤلم، والنُّعاسِ الذي يغمُرُ القلبَ) ليكون أجمع لقلبه، وأبلغ في تيقُّظِه للصواب؛ ولقوله ﷺ : "لا يقضي القاضي وهو غضبانُ" متفق عليه من حديث أبي بكرة (١)، والباقي بالقياس عليه. (ويُسَلِّم على من يَمُرُّ به (٢)) من المسلمين (ولو صبيانًا، ثم على مَن في مجلسه) لحديث: "إن حقَّ المسلم على المسلم أن يُسَلِّم عليه إذا

стр. 7052

لقيه" (١). (ويُصلِّي تحيةَ المسجد، إن كان في مسجد) لقوله ﷺ : "إذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلسْ حتى يركع (٢) ركعتين" (٣) (وإلا) أي: وإن لم يكن في مسجد (خُيِّر، والأفضلُ الصلاةُ) لينال ثوابها. (ويجلِسُ على بِساطٍ، أو لِبْد، أو غيره، يُفرش له في مجلس حكمه، بسكينةٍ ووَقَارٍ) لأنه أبلغ في هيبته، وأوقع في النفوس، وأعظم لحُرمة الشرع. (ولا يجلسُ على التُّراب، ولا على حُصُرِ المسجد، لأن ذلك يَذهب بهيبته من أعين الخصوم) لكن قال في "الشرح": وما ذكر (٤) من جلوسه على البساط دون تراب وحصير، لم نعلم أنه نُقل عن النبي ﷺ ، ولا عن أحد من خُلفائه، والاقتداءُ بهم أَولى. (ويَستعينُ بالله، ويتوكَّلُ عليه، ويدعوه سرًّا أن يعصمه من الزَّلل، ويوفِّقَه للصواب، ولما يُرضِيه من القول والعمل) لأن ذلك مطلوب مطلقًا، ففي وقت الحاجة أولى، والقاضى أشدُّ الناسِ إليه حاجة. (ويجعَلُ) القاضي (مَجلِسَه في مكان فَسِيح، كجامعٍ، ويَصُونُه) أي: المسجد (عمَّا يُكره فيه) من لغط ونحوه (أو) يجلس في (فضاءٍ واسعٍ، أو دار واسعة في وسط البلد إن أمكن) ليكون ذلك أوسعَ على الخصوم، وأقربَ إلى العدل. (و لا يُكرَهُ القضاءُ في الجوامع والمساجد) لحديث كعب بن مالك؛

стр. 7053

متفق عليه (١)، وروي عن عمر وعثمان وعلي "أنهم كانوا يقضون في المسجد" (٢) وقال مالك (٣): هو السُّنة، والقضاء فيه من أمر الناس القديم. فإن اتفق لأحد من الخصوم مانع من الدخول، كحيض وكُفْر، وكَّلَ وكيلًا، أو ينتظر حتى يخرج فيحاكم إليه. (ولا يتخذ) القاضي (في مجلس الحكم حاجبًا ولا بوَّابًا، ندبًا، بلا عُذر) لقول النبي ﷺ : "ما من إمامٍ، أو والٍ يغلق بابه دون ذوي الحاجة والخَلّة والمسكنة إلا أغلق الله أبواب السماء دون خَلّته وحاجته (٤) ومسكنته" إسناده ثقات؛ رواه أحمد والترمذي وقال: غريب (٥)؛ ولأن

стр. 7054

الحاجب ربما قَدَّمَ المتأخر، وأخَّرَ المتقدِّم لغرضٍ له.

стр. 7055

(وفي "الأحكام السلطانية" (١): ليس له تأخير الحضور (٢) إذا تنازعوا إليه بلا عُذر) لما فيه من الضَّرر (ولا له) أي: القاضي (أن يحتجب إلا في أوقات الاستراحة) لأنها ليست وقتًا للحكومة. (ويَعْرِض القصَصَ) ليقضي حوائج أصحابها (فيبدأ بالأولِ فالأولِ) كما لو سبقوا إلى مباح. (ويكون له من يُرتِّبُ الناسَ إذا كَثُروا، فيكتبُ الأولَ فالأولَ) ليعلم السابق (ويجب تقديم السابقِ على غيره) كالسبق إلى مُباح (٣). (فإذا حكم بينه وبين خصمه، فقال: لي دعوى أخرى، لم تُسمَع منه، ويقول له: اجْلِسْ، إذا لم يبقَ أحدٌ من الحاضرينَ، نظرتُ في دعواكَ الأخرى، إن أمكن) لئلا يستوعب المجلس بدعاويه، فيضر بغيره؛ ولأنه مسبوق بالنسبة إلى الثانية، لأن الذي يليه سبقه بالنسبة إلى الدعوى الثانية. (فإذا فرغ الكلُّ) من دعاويهم (فقال الأخيرُ بعد فصل حكومته: لي دعوى أخرى، لم تُسمَع منه حتى تُسمع دعوى الأولِ الثانيةَ) لسبقه (ثم تُسمع دعواه) لعدم المعارض. (وإن ادعى المُدَّعَى عليه على المُدَّعي، حَكَمَ بينهما؛ لأننا إنما نعتبر الأولَ فالأولَ في المُدَّعِي، لا في المُدَّعَى عليه، وإذا تقدَّم الثاني) الذي (٤) جاء ثانيًا (فادَّعى على المُدَّعِي الأولِ، والمُدَّعَى عليه الأول، حَكَمَ بينهما) كما لو ادَّعى على غيرهما.

стр. 7056

(وإن حضر اثنان) مدعيان (أو جماعةٌ، دفعةَ واحدةً) وتشاحُّوا (أقرع بينهم، فَقدَّم من خرجت له لقُرعةُ) لأنها مشروعة للترجيح في غير هذا الموضع، فكذا هنا. وفي "المحرر" و"الوجيز": يقدم المسافر المرتحل. زاد في "الرعاية": والمرأة في حكومات يسيرة. قال في "المبدع": لكن لو قدَّم المتأخر أو عكس، صَحَّ قضاؤه مع الكراهة، انتهى. ومقتضى كلام المصنف أنه يحرم. وإن ادَّعَى كلٌّ منهم أنه حضر قبل الآخر ليدَّعي عليه، فهل يُقدِّم الحاكم من شاء منهما، أو يصرفهما حتى يتفقا، أو يُقرع بينهما، أو يحلف كل منهما الآخر؟ فيه أوجه، والاعتبار بسبق المُدَّعي. (وإن كَثُر عدَدُهم) أي: المدعين الذين جاؤوا دفعة واحدة (كتب أسماءَهم في رِقَاع، وتَرَكها بين يديه، ومَدَّ يده فأخَذَ رُقعةً رُقعةً، واحدةً بعد أخرى) أي: كلما انتهت خصومة صاحب رقعة، أخذ أخرى (١)، فأنهى حكومة صاحبها (و) يأخذ أخرى فَـ (ــيقدِّم صاحبها حسب ما يتفق) إلى أن ينتهوا؛ لأنه لا مرجِّح هنا إلا القُرعة، وهذه (٢) أسهل طرقها. فصل (ويلزمه) أي: القاضي (العدلُ بين الخصمين في لَحْظِهِ، ولَفْظه، ومجلسه، والدخولِ عليه) لما روى عمرو (٣) بن شَبَّةَ في كتاب "قضاة

стр. 7057

البصرة" عن أم سلمة أن النبي ﷺ قال: "مَن ابتلي بالقضاءِ بين المسلمين، فليعدل بينهم في لفظه، وإشارته، ومقعده، ولا يرفعنَّ صوته على أحد الخصمين ولا يرفعه على الآخر" (١)؛ ولأنه إذا ميَّز أحد الخصمين عن (٢) الآخر، حصر وانكسر، وربما لم يفهم حجته، فيؤدي إلى ظلمه. (إلا أن يكون أحدهما كافرًا، فيقدِّمَ المسلمَ عليه في الدخول، ويرفَعَه في الجلوس) لقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ (٣)؛ ولقول عليٍّ لشُريح: لو كان خصمي مسلمًا لجلستُ معه بين يديك، ولكن سمعتُ رسول الله ﷺ قال: "لا تساووهم في الجلوس" (٤) قال في "المبدع": وإسناده ضعيف. (أو يأذن له) أي: لِلقاضي (أحدُ الخصمين في رَفْعِ الخَصْم الآخر عليه في المجلس، فيجوز) له رفعه؛ لإسقاط خصمه حقه بإذنه فيه (وإذا

стр. 7058

سَلَّم عليه أحدُهما، رَدَّ عليه) السلام (ولا ينتظر) بالرد (سلام الثاني) لوجوب رَدّ السلام؛ لعموم الأخبار (١). (وله) أي: القاضي (القيامُ السائغُ) كالقيامِ لعالمٍ ووالدٍ ونحوهما، فيقوم للخصمين، فإن قام لأحدهما، لزمه القيامُ للآخر؛ للعدل (و) له (تَرْكُه) أي: ترك القيام لهما؛ لأنه أبلغ في الهيبة. (ويحرم عليه مسارَّة أحدهما) لما فيه من كَسْرِ قلب صاحبه، وربما أضعفه ذلك عن إقامة حجته. (و) يحرم عليه (تلقينه) لأحدهما (حُجته) لأن عليه أن يعدل بينهما؛ ولما فيه من الضَّرر على صاحبه. (و) يحرم عليه (تضييفه) أي: تضييف أحد الخصمين (إلا أن يُضيف خصمَه معه) لما رُوي عن عليٍّ أنه نزل به رَجُلٌ فقال: ألَكَ خصمٌ؟ قال: نعم، قال: تحوَّلْ عنَّا، فإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا تُضَيِّفوا أحد الخصمين إلا ومعه خصمه" (٢).

стр. 7059

(و) يحرم أيضًا (تعليمُه كيف يدَّعي) لما فيه من الإعانة على خصمه، وكسر قلبه (إذا لم يَلْزَم ذِكْرُه، فإن لَزِمَ، كشَرْطِ عقدٍ، أو سببِ) إرثٍ (ونحوه) مما تتوقف عليه صحة الدعوى، كوصف سرقة أو قتل (ولم يذكره المُدَّعي، فله) أي: القاضي (أن يسأل) عنه (ليحترز عنه) ويحرره؛ لتوقف الحكم عليه. (وله) أي: القاضي (أن يشفع إلى خصمه؛ ليُنظِرَه) بالدَّين (أو يضع عنه، وله أن يَزِن عنه، ويكون) ذلك (بعد انقضاء الحكم) لأن في ذلك نفعًا لخصمه؛ ولأن معاذًا "أتى النبي ﷺ ، فكلمه ليكلِّم غرماءه، فلو تركوا لأحد، لتركوا معاذًا، لأجل رسول الله ﷺ " رواه سعيد (١). قال في "المبدع": مرسل جيد. ونقل حنبل (٢): أن كعب بن مالك "تقاضى ابن أبي حدرد دَينًا عليه، وأشار النبيُّ ﷺ إلى كعب أنْ ضعِ الشطر من دَينك، قال: قد فعلتُ، قال النبي ﷺ : قُمْ فأعطِهِ" (٣) قال أحمد: هذا حكم من النبي ﷺ . (وينبغي) للقاضي (أن يُحْضِرَ مجلِسَه الفقهاءَ من كُلِّ مذهبٍ إن أمكن، يُشاوِرُهم فيما أشكل عليه) وإذا حدثت حادثة، سألهم عنها، ليذكروا أدلتهم فيها، وجوابهم عنها؛ فإنه أسرع إلى اجتهاده، وأقرب إلى صوابه (فإن حكم باجتهاده، فليس لأحدٍ منهم الاعتراض عليه) لأن في ذلك افتياتًا عليه (وإن خالف اجتهادَه، إلا أن يحكم بما يخالف نصًّا) من

стр. 7060

كتابٍ أو سنَّة، وظاهره: ولو آحادًا كما يأتي (أو إجماعًا) لوجوب إنكاره، ونقض حكمه به. (ويشاور) القاضي (الموافقين والمخالفين) من الفقهاء (ويسألهم عن حُجَجِهم لاستخراج الأدلة، وتعرف (١) الحق بالاجتهاد، قال) الإمام (أحمد) ﵁ (٢): لما ولي سعد بن إبراهيم قضاءَ المدينة، كان يجلس بين القاسم وسالم يشاورُهما، وولي محارب بن دِثار قضاء الكوفة، فكان يجلس بين الحكم وحماد يشاورُهما (ما أحسنه لو فعله الحُكَّام يشارون وينظرون) قال الله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (٣) (فإن اتضح له الحكم) حكم فورًا (وإلا أخره) أي: الحكم حتى يتضح له الحق، فيحكم به؛ لما فيه من القضاء بالجهل (فلو حكم ولم يجتهد، فأصاب الحق، لم يصح) حكمه. (ويحرم عليه) إن كان مجتهدًا (تقليد غيره، وإن كان أعلم منه) لأن المجتهد لا يجوز له التقليد، نقل ابن الحكم: عليه أن يجتهد (٤). قال عمر: "والله ما يدري عمر أصاب الحق أم أخطأ" (٥) ولو كان حكم بحكم عن رسول الله ﷺ لم يقل هذا. ونقل أبو الحارث: لا تقلد أمرك أحدًا، وعليك بالأثر (٦). وقال للفضل بن زياد: لا تُقلِّد دينك الرجال؛ فإنهم لن

стр. 7061

يسلموا أن يغلطوا (١). (ويحرم القضاء وهو غضبان كثيرًا) لخبر أبي بكرة، أن النبي ﷺ قال: "لا يقضينَّ حاكم بين اثنين وهو غضبان" متفق عليه (٢)؛ ولأنه ربما حَمَله الغضبُ على الجور في الحكم (أو) وهو (حاقن (٣)، أو حاقب (٤)، أو في شِدّة جوعٍ، أو عطشٍ، أو هَمٍّ، أو غَمٍّ، أو وَجَعٍ، أو نُعاس، أو برد مؤلم، أو حرٍّ مزعج، أو توقان جماع، أو شدة مرض، أو خوف، أو فرح غالب، أو ملل، أو كسل، ونحوه) كحزن، قياسًا على الغضب؛ لأنه يمنع حضور القلب، واستيفاء الفِكر، الذي يتوصل به إلى إصابة الحق في الغالب، فهو في معنى الغضب. (فإن خالف) القاضي (وحَكَم) في حال من تلك الأحوال (فوافق الحقَّ؛ نَفَذَ) حكمه؛ خلافًا للقاضي، قال: لأن النهي يقتضي فساد المنهي عنه. وكان للنبي ﷺ القضاء مع ذلك؛ لأنه لا يجوز عليه غَلَط يُقَرُّ عليه، لا قولًا ولا فعلًا في حكم. وتقدم في الخصائص (٥). (ويحرم) على القاضي (قَبوله رشوة) بتثليث الراء؛ لحديث ابن عمر (٦): "لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي" (٧) قال الترمذي: حسن

стр. 7062

صحيح. ورواه أبو بكر في "زاد المسافر" وزاد: "والرائش" (١) وهو: السفير بينهما (وهي) أي: الرشوة (ما يعطى بعد طلبه) لها. (ويحرم بذلها من الراشي ليحكم له بباطلٍ، أو يدفع عنه حقًّا. وإن رشاه ليدفع) عنه (ظلمه، ويجريه على واجبه، فلا بأس به في

стр. 7063

حَقِّه) قال عطاء (١) وجابر بن زيد (١) والحسن (٢): لا بأس أن يُصانع عن نفسه؛ ولأنه يستفيد ماله، كما يستفيد الرجل أسيره. (ويحرم قَبوله) أي: القاضي (هديةً) لما روى أبو سعيد (٣) قال: "بعث النبيُّ ﷺ رجلًا من الأزْد يقال له ابن اللُّتْبيّة على الصدقة، فقال: هذا لكم وهذا أُهدي إلي، فقام النبيُّ ﷺ ، فحمِدَ الله وأثنى عليه، ثم قال: ما بال العامل نبعثه فيجيء فيقول: هذا لكم، وهذا أُهدِي إلي؟ ألا جلس في بيت أبيه فينظر أيُهدَى إليه أم لا؟ والذي نفسُ محمدٍ بيده، لا نبعث أحدًا منكم فيأخذ شيئًا، إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيرًا له رُغَاء، أو بقرة لها خُوار، أو شاة تَيعَر، ثم رفع يديه حتى رأيت عُفْرة إبْطيه، فقال: اللهم [هل] (٤) بلغت؟ ثلاثًا" متفق عليه (٥). وقال كعب الأحبار: قرأت فيما أنزل الله على أنبيائه: الهدية تفقأ عين الحكم (٦). (بخلاف مُفْتٍ) فلا يحرم عليه قَبول الهدية (وتقدم (٧) في الباب قبله) مفصَّلًا.

стр. 7064

(وهي) أي: الهدية (الدفع إليه ابتداء) من غير طلب (وظاهره) أنه يحرم على القاضي قبوله الهدية (ولو كان) القاضي (في غير عمله) لعموم الخبر. (إلا ممن كان يُهدي إليه قبل ولايته إن لم يكن له) أي: المُهدي (حكومة) لأن التُّهمة منتفية؛ لأن المنع إنما كان (١) من أَجل الاستمالة، أو من أجل الحكومة، وكلاهما مُنتفٍ. (أو) كانت الهدية (من ذي (٢) رَحِمٍ محرم منه) أي: من الحاكم (لأنه لا يصح أن يحكم له) هذا واضح في عمودي نسبه، دون من عداهم من أقاربه، مع أنه يحتمل أن يهدي لئلا يحكم عليه. قال القاضي في "الجامع الصغير": لا ينبغي أن يقبل هدية إلا من صديق كان يلاطفه، أو ذي رَحِمٍ محرم منه، بعد ألا يكون له خصم. (وردُّها) أي: رَدُّ القاضي الهدية حيث جاز له أخذها (أَولى) لأنه لا يأمن أن يكون لحكومة منتظرة. (واستعارته) أي: القاضي (من غيره كالهدية؛ لأن المنافع كالأعيان، ومثله لو خَتَنَ) القاضي (ولدَه ونحوَه، فأُهْدِيَ له، ولو قلنا: إنها للولَدِ؛ لأن ذلك وسيلةٌ إِلَى الرِّشوة. فإن تُصدِّقَ عليه، فالأولى أنه كالهديَّةِ) على التفصيل السابق، وفي "الفنون": له أخذ الصدقة. (وإن قَبِلَ) الرشوة أو الهدية (حيث حَرُمَ القَبول، وَجَبَ رَدُّها إلى صاحبها، كمقبوضٍ بعقدٍ فاسدٍ) وقيل: تؤخذ لبيت المال؛ لخبر ابن

стр. 7065

اللُّتْبيّة (١) (وقال الشيخ (٢) في من تاب: إن علم صاحبه، دفعه إليه، وإلا؛ دفعه في مصالح المسلمين. انتهى. وتقدم (٣) لو بقيت في يده غصوب لا يعرف أربابها) يدفعها للحاكم، أو يتصدَّق بها عن أربابها مضمونة. (فإن أهدَى لمن يشفع له عند السلطان ونحوه) من أرباب الولايات (لم يجز) للشافع (أخذُها) ليشفع له أن يرفع عنه مظلمة، أو يوصل إليه حقّه، أو يوليه ولاية يستحقها، أو يستخدمه في الجند المقاتلة وهو مستحق لذلك. ويجوز للمُهدي أن يبذل في ذلك ما يتوصل به إلى أخذ حقِّه، أو دفع الظلم عنه، وهو المنقول عن السلف والأئمة الأكابر، وفيه حديث مرفوع؛ رواه أبو داود وغيره (٤)؛ قاله في "الاختيارات" (٥).

стр. 7066

(ونصَّ) الإمام (أحمد (١) في من عنده وديعة فأداها، فأُهديت إليه هدية، أنه لا يقبلها إلا بنيَّة المكافأة، وحكم الهدية عند سائر الأمانات حكم الوديعة) ومثله دَفْع رَبِّ اللُّقطة لواجدها عند رَدِّها إليه شيئًا منها، وتقدم (٢) في الجعالة. (ويُكره له) أي: للقاضي أن يتولَّى البيعَ والشراءَ بنفسه، خصوصًا بمجلس حكمه؛ لأنه يُعرف فَيُحابى، فيكون كالهدية؛ ولأن ذلك يشغله عن أمور المسلمين. و (لا) يُكره (لمُفْتٍ ولو في مجلس فتواه أن يتولَّى البيعَ والشِّراء بنفسه) لأنه لا يُكره له قَبول الهدية، فلا يضرُّه أن يُحابى. (ويُستحبُّ) للقاضي (أن يوكِّل في ذلك) أي: في البيع والشراء (مَن لا يُعرَفُ أنه وكيلُه) لأنه أنفى للتُّهمة، فإن تعذَّر ذلك أو شَقَّ جاز؛ لقضية أبي بكرٍ ﵁ (٣). (وله) أي: القاضي (عيادةُ المرضى، وشهادةُ الجنائز، وزيارةُ الأهل والصالحين والإخوان، وتوديع الغازي والحاجِّ، ما لم يشغَلْه عن الحكم) لأن ذلك قُربة وطاعة، وقد وَعَدَ الشرعُ على ذلك أجرًا عظيمًا، فيدخل القاضي في ذلك. (فإن شَغَله) ذلك عن الحكم (فليس له ذلك) لأن اشتغاله بالفصل بين الخصوم، ومباشرة الحكم أولى. (وله حضورُ بعض) ذلك (دون بعض) لأن هذا يفعله لنفع نفسه،

стр. 7067

بخلاف الولائم. (وله حضورُ الولائم) كغيره؛ لأنه ﷺ أمر بحضورها (١) (فإن كثرت) الولائم (تَرَكَها) كلها (واعتذر إليهم) وسألهم التحليل؛ لئلا يشتغل بذلك عن الحكم الذي هو فرض عين. (ولا يُجيب بعضًا دون بعض) لأن ذلك كَسْر لقلب من لم يجبه (٢) (إلا أن يختصَّ بعضها بعُذْرٍ يمنعه، مثل أن يكون في إحداهما مُنكَر، أو في مكان بعيد، أو يشتغل بها زمنًا طويلًا، والأخرى بخلافها، فله الإجابة إليها، لظهور عذره) وذكر أبو الخطاب: يُكره مسارعته إلى غير وليمة عُرس. وذكر القاضي: أنه يُستحبُّ له حضور غير وليمة عرس، والمراد غير مأتم، فَيُكره. ولو تَضَيَّفَ رجلًا، فظاهر كلامهم: يجوز؛ قاله فِي "المبدع". (ويوصي الوكلاء والأعوان على بابه بالرفق بالخصوم، وقلَّة الطَّمَع) تنبيهًا لهم على الفعل الجميل اللائق بمجالس الحكام والقضاة. (ويجتهد) القاضي (أن يكونوا) أي: الوكلاء والأعوان (شيوخًا أو كهولًا، من أهل الدِّين والعِفَّة والصيانة) لأن فِي ضِدِّ ذلك ضررًا بالناس، والكهول والشيوخ أولى من غيرهم؛ لأن الحاكم يأتيه النساء، وفي اجتماع الشباب بهن ضرر. (ويتخذ حَبْسًا؛ لأنه قد يحتاج إليه لتأديبٍ، واستيفاء حَقٍّ، واحتفاظ ممن عليه قِصاص، ونحوه. ويتخذ أصحابَ مسائلَ يتعرَّفُ بهم أحوالَ من جَهِلَ عدالَتَه من

стр. 7068

الشُّهود) لدعاء الحاجة إلى ذلك (ويجب أن يكونوا عدولًا) لأن خبر الفاسق غير مقبول (بُرآء من الشَّحناء) أي: العداوة (بُعداء من العصبيَّة في نسبٍ أو مذهب) لئلا يحملهم ذلك على كتمان الحق (ولا يسألوا) عن شاهد (عدوًّا ولا صديقًا) له؛ لأنه مُتَّهم (ويأتي بعضُه في الباب بعده. ويُستحبُّ له اتخاذ كاتب) لأنه ﷺ استكتب زيدًا وغيره (١)؛ لأن الحاكم تكثر أشغاله، فلا يتمكن من الجمع بينها وبين الكتابة. (ويجب أن يكون) الكاتب (مُسلِمًا) لقوله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ (٢) (مكلَّفًا) لأن غير المكلف لا يوثق بقوله، ولا يعوّل عليه (عدلًا) لأن الكتابة موضع أمانة.

стр. 7069

(وينبغي أن يكون) الكاتبُ (وافرَ العقل، وَرِعًا، نَزِهًا، لا يُستمال بهدية) متيقِّظًا؛ لئلا يخدع (أمينًا، فقيهًا، حافظًا، جيد الخطِّ، لا يَشتبهُ فيه سَبعْةٌ بتسعةٍ، ونحو ذلك) مما يؤدي إلى اللبس، فيخل بالمقصود (صحيحَ الضبط) لئلا يُفسِد ما يكتبه (حُرًّا) لأنه ربما احتيج إلى شهادته، فيكون متفقًا على قَبولها (يُجْلِسُهُ) القاضي (بحيث يشاهد ما يكتبه) لأنه أبعد للتُّهمة، وأمكن لإملائه، وإن قَعَدَ ناحية، جاز؛ لأن ما يكتبه يعرض على القاضي. (ويُستحبُّ أن يكون) الكاتبُ (بين يديه) أي: القاضي (ليشافهه (١) بما يُملي عليه) لأنه أنفى للتهمة، كما تقدم. (وإن أمكن القاضي تولِّي الكتابة بنفسه، جاز) له ذلك (والأولى الاستنابة) وظاهر كلام السامَرّيّ: أنه لا يتخذه إلا مع الحاجة. (ويجعل) القاضي (القِمَطْر) بكسر القاف، وفتح الميم، وسكون الطاء المهملة: أعجمي مُعَرَّب، وهو الذي تُصان نية الكُتب (مختُومًا بين يديه، لينزل فيه ما يجتمع من المحاضِرِ والسِّجلات) لأنه أحفظ له من أن يُغيّر. (ويُستحبُّ) للقاضي (ألا يحكم إلا بحضرة الشهود، بحيث يسمعون كلام المتحاكِمَيْن) ليستوفي بهم الحقوق، وتثبت بهم الحجج. (وليس له أن يُرتِّب شهودًا لا يقبلُ غيرَهم) لأنه من ثبتت عدالته، وجب قَبول شهادته (لكن له أن يُرتِّب شهودًا يشهدهم (٢) الناس) فـ (ـــيستغنون بإشهادهم عن تعديلهم، ويستغني الحاكم عن الكشف عن

стр. 7070

أحوالهم) لأن فيه رفقًا بالناس (ويأتي في الباب بعده (١). ولا يجوز له) أي: القاضي (منع الفقهاء من عَقْدِ العقود، وكتابةِ الحُجَجِ) أي: الإشهادات (وما يتعلَّق بأمور الشرع، مما أباحه الله ورسوله، إذا كان الكاتب فقيهًا عالمًا بأمور الشرع وشروطه) أي: العقد (مثل: أن يُزوِّجَ المرأةَ وليُّها بحضور شاهدين، ويكتب كاتبٌ عَقْدَها، أو يكتُبَ رجلٌ عَقْدَ بيعٍ، أو إجارة، أو إقرارٍ، أو غير ذلك، أو كان الكاتبُ مرتَزِقًا بذلك. وإذا مَنَعَ القاضي ذلك، ليصير إليه منافع هذه الأمور، كان هذا من المَكْس، نظير من يستأجر حانوتًا من) حاكم (القرية على ألا يبيع غيره) في تلك القرية. (وإن كان) القاضي يريد (مَنْعَ الجاهلين؛ لئلا يعقِد) الجاهل (عقدًا فاسدًا، فالطريق أن يفعل كما فعل الخلفاء الراشدون، بتعزير من يعقِدُ نكاحًا فاسدًا، كما فعل عثمان ﵁ في من تزوج بغير ولي، وفي من تزوج في العِدَّة (٢). ولا يجوز ولا يصح أن يحكم) القاضي (لنفسه) لأنه لا يجوز أن يشهد لها. ويتحاكم هو وخصمه إلى قاض آخر، أو بعض خلفائه؛ لأن

стр. 7071

عمر حاكم أُبيًّا إلى زيد (١)، وحاكم عثمان طلحة إلى جبير (٢). (ولا) يصح حكمه (لمن لا تُقبل شهادته له) ذكره بعضُهم إجماعًا (٣)، كشهادته له (وله الحكم عليه) أي: على من لا تُقبل شهادته له، كأبيه وولده، كشهادته عليه (ويحكم بينهم بعضُ خلفائه) لزوال التُّهمة. (ويجوز) للقاضي (أن يستخلف والده وولده، كحكمه لغيره بشهادتهما) قال أبو الوفاء: إذا لم يتعلَّق عليهما من ذلك تُهمة، ولم يوجب لهما بقبول شهادتهما ريبة، ولم يثبت بطريق التزكية. (وليس له أن يحكم على عدوه) كشهادته عليه (وله أن يُفتي عليه) أي على عدوه، وتقدَّم (٤). فصل (ويُستحبُّ) للقاضي (أن يبدأ بالمحبوسين) لأن الحبس عذابٌ، وربما كان فيهم من لا يستحقُّ البقاء فيه، فاستُحبت البداءة بهم (فينفذ) أي: يبعث (ثقةً يكتب اسمَ كلِّ محبوس، ومن حبسه، وفيمَ حُبِس، في رُقعة منفردَة) لأن ذلك طريق إلى معرفة الحال على ما هي عليه؛ ولئلا يتكرَّر بكتابته في رُقعة واحدة النظر في حال الأول منها فالأول، بل يخرج واحدًا منها بحسب الاتفاق، كالقرعة. (ويأمر مناديًا ينادي في البلد: إن القاضي ينظر في أمر المحبوسين

стр. 7072

يومَ كذا، فمن له خصمٌ منهم فَلْيَحْضُرْ) لما في ذلك من الإعلام بيوم جلوس القاضي لهم. وفي "الشرح": أن القاضي يأمر مناديًا ينادي في البلد بذلك ثلاثة أيام. (فإذا حضروا في ذلك اليوم، تناول) القاضي (منها) أي: من الرقاع التي كتبت بها أسماؤهم (رُقعةً) بحسب الاتفاق، كما تقدَّم (وقال: مَنْ خصمُ فلان المحبوس) لأنه لا يمكنه الحكم إلا بذلك (فإن حضر له خصمٌ، بعث ثقةً إلى الحبس، فأخرج خصمَه، وحضر معه مجلس الحُكْم) فينظر بينهما؛ لأنه لذلك ولّي (ويفعل) القاضي (ذلك في قَدْرِ ما يعلم أنه يتَّسع زمانُه للنَّظَرِ فيه) من المحبوسين (في ذلك المَجْلس، فلا يُخْرِجُ غيرَهم) في ذلك المجلس؛ لعدم الفائدة فيه. (فإذا حضر المحبوسُ وخصمُه، لم يسألْ خصمَه: فِيمَ حَبَسَه؟) لأن الظاهر أن الحاكم إنما حبسه لحقٍّ ترتَّب عليه (بل يسألُ المحبوسَ: بمَ حُبِستَ؟) فإن قال: حُبِستُ بحق، أمره بقضائه إن طلبه خصمه، فإن أبى، وله موجود، قضاه منه، أو من ثَمَنِه. وفي "الشرح": قال له القاضي: اقْضِه؛ وإلا رددتُك إلى الحبس، فإن ادَّعى عجزًا، فقد تقدَّم (١) في أول الحجر مفصَّلًا، وإن أقام خصمه بينة بأن له ملكًا معينًا، فقال: هو لزيد، فقد تقدَّم - أيضًا - هناك. (ثم ينظر بينهما، فإن كان حُبِسَ لتُعَدَّلَ البيّنةُ، فإعادتُه) إلى الحبس (مبنية على حَبْسه على ذلك، ويأتي في الباب بعده) تفصيل ذلك. (ويَقبَلُ قولَ خصمِه في أنه حَبَسه بعد تكميل بينته وتعديلها) لأنه مقتضى الظاهر.

стр. 7073

(وإن) كان (حُبِسَ بقيمة كَلْبٍ) ولو مُعَلَّم الصيد (١) (أو خَمْر ذِمّي، وصَدَّقه غريمُه) على ذلك (خُلِّيَ) سبيله؛ لأن ذلك غير متموّل، فلا غرم فيه (وإن أكذبه) خصمُه (وقال: بل حُبِسْتَ بحقٍّ واجب غير هذا، فـ) ــالقول (قوله) أي: خصم المحبوس (لأن الظاهر حبسه بحقٍّ) واجب عليه. (وإن) كان (حُبِسَ في تُهمة، أو افتيات على القاضي قبلَه (٢)، أو) في (تعزيرٍ؛ خَلَّى) القاضي (سبيله) إن رآه (أو بقَّاه (٣)) في الحبس (بقَدْرِ ما يرى) إبقاءه فيه. (وإن لم يحضُرْ له خصمٌ، وقال: حُبِستُ ظلمًا، ولا حقَّ عليَّ، ولا خصمَ لي؛ نادى) أي: أمر مَن ينادي (بذلك) في البلد، ويُكرِّرُه حتى يغلب على الظن أنه لا غريم له، وذلك معنى قوله: (عُرفًا) وقال في "المقنع" ومن تبعه: ثلاثًا؛ لأن الغالب أن لو كان غريم، لظهر في الثلاثة، ولذلك قال في "الإنصاف": إن المعنى في الحقيقة واحد. (فإن حَضَر له خصمٌ) نظر بينهما، كما تقدَّم (وإلا) أي: وإن لم يظهر له خصم (أحْلَفَه، وخَلَّى سَبيلَه) لأن الظاهر أنه لو كان له خصمٌ، لظهرَ. (ومع غَيْبَةِ خَصْمِه يَبْعثُ إليه) ليحضر، فينظر بينهما (ومع جَهْلِه) أي: الخصم (أو تأخُّره بلا عُذْرٍ، يُخلَّى) سبيله (والأولى) أن يكون ذلك (بكفيلٍ) لأن الظاهر حبسه بحقٍّ.

стр. 7074

(وينظر) القاضي (في مال الغائب) وتقدَّم (١) فيما تفيده الولاية العامة. (وإطلاقه) أي: القاضي (المحبوس من الحبس وغيره) بأن كان محبوسًا في موضع غير الحبس: حُكمٌ. (وإذنه) في شيء (ولو في قضاء دَيْنٍ ونفقة، فيرجع) القاضي للدين (٢) أو المنفق: حكمٌ. (و) إذنه في (وضع ميزاب، و) في (بناء، وغيره) كإخراج جناح أو ساباط (٣) في درب نافذ: حكمٌ (فيمنع (٤) الضمان) لما يتلف من ذلك. (وأمره بإراقة نبيذ) حُكمٌ (وقرعته) في أي موضع شُرعت فيه (حكمٌ يرفع الخلافَ إن كان) في المسألة خلاف؛ لصدوره عن رأيه واجتهاده، كما لو صَرَّح بالحكم. قال الشيخ تقي الدين في فسخ النكاح لتعذُّر النفقة ونحوها (٥): الحاكم ليس هو الفاسخ، وإنما يأذن أو يحكم به، فمتى أذن أو حكم لأحد باستحقاق عقد أو فسخ؛ لم يحتج بعد ذلك إلى حكم بصحته، بلا نِزاع، لكن لو عقد هو أو فسخ، فهو فعله. وهل فعله حكم، فيه الخلاف المشهور. (وفُتياه ليست حُكمًا منه، فلو حَكَم غيره) أي: القاضي (بغير ما أفتى به، لم يكن) ذلك (نقضًا لحكمه، ولا هي) أي: فُتيا القاضي (كالحكم) إذ لا إلزام في الفتيا.

стр. 7075

(ولهذا يجوز) للقاضي (أن يُفتي الحاضر والغائب) بخلاف القضاء، فإنه لا يجوز على الغائب إلا في مواضع مخصوصة. (و) لكون فُتياه ليست حُكمًا، يجوز له أن يفتي (من يجوز حكمه له ومن لا يجوز) حكمه له، كولده ووالده وزوجته (وتقدَّم (١) بعضه في الباب قبله. وإقرارُه) أي: القاضي (غيرَه على فِعْلٍ مختلَفٍ فيه) كتزويج بلا ولي فُعِلَ بحضرته، أو بَلَغه وسكت عنه (ليس حكمًا به) لأن الإقرار هو عدم التعرُّض، وليس حكمًا به. (وفِعْلُه) أي: القاضي، الذي يفتقر إلى نظر واجتهاد، ويستفيده بطريق ولاية الحكم (حكمٌ، كتزويج يتيمة) لا وليَّ لها بإذنها، إذا تَمَّ لها تسع سنين (وشراء عينٍ غائبةٍ) بالصفة؛ ليفي بها دين مفلس ونحوه (وعَقْدِ نكاحٍ بلا وليٍّ) ولهذا قال في "المغني" وغيره، في بيع ما فُتِحَ عَنْوة: إن باعه الإمام لمصلحة رآها؛ صَحَّ؛ لأن فعل الإمام كحكم الحاكم. وفيه - أيضًا -: لا شُفعة فيها، إلا أن يحكم ببيعها حاكم، أو يفعله الإمام أو نائبه. وفيه - أيضًا -: إنَّ تركها بلا قسمة وقفٌ لها. وإن ما فعله الأئمة ليس لأحدٍ نقضُه، انتهى. بخلاف فِعْلٍ لم يستفده بولاية حكم، كبيع عقار نفسه الغائب، أو ليتيم هو وصيه، أو بوكالة؛ فليس بحُكمٍ؛ كما ذكره ابن قُندس عن ابن شيخ السلاميَّة. (وتقدم (٢) آخر الصَّدَاق: "أن ثبوت سبب المطالبة، كتقدير أُجرةِ مِثْلٍ، و) تقدير (نفقةٍ، ونحوه) كتقدير صَدَاق المِثْلِ، ومسكنِ مِثْلٍ،
следующие страницы →