عمر حاكم أُبيًّا إلى زيد (١)، وحاكم عثمان طلحة إلى جبير (٢).
(ولا) يصح حكمه (لمن لا تُقبل شهادته له) ذكره بعضُهم إجماعًا (٣)، كشهادته له (وله الحكم عليه) أي: على من لا تُقبل شهادته له، كأبيه وولده، كشهادته عليه (ويحكم بينهم بعضُ خلفائه) لزوال التُّهمة.
(ويجوز) للقاضي (أن يستخلف والده وولده، كحكمه لغيره بشهادتهما) قال أبو الوفاء: إذا لم يتعلَّق عليهما من ذلك تُهمة، ولم يوجب لهما بقبول شهادتهما ريبة، ولم يثبت بطريق التزكية.
(وليس له أن يحكم على عدوه) كشهادته عليه (وله أن يُفتي عليه) أي على عدوه، وتقدَّم (٤).
فصل
(ويُستحبُّ) للقاضي (أن يبدأ بالمحبوسين) لأن الحبس عذابٌ، وربما كان فيهم من لا يستحقُّ البقاء فيه، فاستُحبت البداءة بهم (فينفذ) أي: يبعث (ثقةً يكتب اسمَ كلِّ محبوس، ومن حبسه، وفيمَ حُبِس، في رُقعة منفردَة) لأن ذلك طريق إلى معرفة الحال على ما هي عليه؛ ولئلا يتكرَّر بكتابته في رُقعة واحدة النظر في حال الأول منها فالأول، بل يخرج واحدًا منها بحسب الاتفاق، كالقرعة.
(ويأمر مناديًا ينادي في البلد: إن القاضي ينظر في أمر المحبوسين
стр. 7072
يومَ كذا، فمن له خصمٌ منهم فَلْيَحْضُرْ) لما في ذلك من الإعلام بيوم جلوس القاضي لهم. وفي "الشرح": أن القاضي يأمر مناديًا ينادي في البلد بذلك ثلاثة أيام.
(فإذا حضروا في ذلك اليوم، تناول) القاضي (منها) أي: من الرقاع التي كتبت بها أسماؤهم (رُقعةً) بحسب الاتفاق، كما تقدَّم (وقال: مَنْ خصمُ فلان المحبوس) لأنه لا يمكنه الحكم إلا بذلك (فإن حضر له خصمٌ، بعث ثقةً إلى الحبس، فأخرج خصمَه، وحضر معه مجلس الحُكْم) فينظر بينهما؛ لأنه لذلك ولّي (ويفعل) القاضي (ذلك في قَدْرِ ما يعلم أنه يتَّسع زمانُه للنَّظَرِ فيه) من المحبوسين (في ذلك المَجْلس، فلا يُخْرِجُ غيرَهم) في ذلك المجلس؛ لعدم الفائدة فيه.
(فإذا حضر المحبوسُ وخصمُه، لم يسألْ خصمَه: فِيمَ حَبَسَه؟) لأن الظاهر أن الحاكم إنما حبسه لحقٍّ ترتَّب عليه (بل يسألُ المحبوسَ: بمَ حُبِستَ؟) فإن قال: حُبِستُ بحق، أمره بقضائه إن طلبه خصمه، فإن أبى، وله موجود، قضاه منه، أو من ثَمَنِه. وفي "الشرح": قال له القاضي: اقْضِه؛ وإلا رددتُك إلى الحبس، فإن ادَّعى عجزًا، فقد تقدَّم (١) في أول الحجر مفصَّلًا، وإن أقام خصمه بينة بأن له ملكًا معينًا، فقال: هو لزيد، فقد تقدَّم - أيضًا - هناك.
(ثم ينظر بينهما، فإن كان حُبِسَ لتُعَدَّلَ البيّنةُ، فإعادتُه) إلى الحبس (مبنية على حَبْسه على ذلك، ويأتي في الباب بعده) تفصيل ذلك.
(ويَقبَلُ قولَ خصمِه في أنه حَبَسه بعد تكميل بينته وتعديلها) لأنه مقتضى الظاهر.
стр. 7073
(وإن) كان (حُبِسَ بقيمة كَلْبٍ) ولو مُعَلَّم الصيد (١) (أو خَمْر ذِمّي، وصَدَّقه غريمُه) على ذلك (خُلِّيَ) سبيله؛ لأن ذلك غير متموّل، فلا غرم فيه (وإن أكذبه) خصمُه (وقال: بل حُبِسْتَ بحقٍّ واجب غير هذا، فـ) ــالقول (قوله) أي: خصم المحبوس (لأن الظاهر حبسه بحقٍّ) واجب عليه.
(وإن) كان (حُبِسَ في تُهمة، أو افتيات على القاضي قبلَه (٢)، أو) في (تعزيرٍ؛ خَلَّى) القاضي (سبيله) إن رآه (أو بقَّاه (٣)) في الحبس (بقَدْرِ ما يرى) إبقاءه فيه.
(وإن لم يحضُرْ له خصمٌ، وقال: حُبِستُ ظلمًا، ولا حقَّ عليَّ، ولا خصمَ لي؛ نادى) أي: أمر مَن ينادي (بذلك) في البلد، ويُكرِّرُه حتى يغلب على الظن أنه لا غريم له، وذلك معنى قوله: (عُرفًا) وقال في "المقنع" ومن تبعه: ثلاثًا؛ لأن الغالب أن لو كان غريم، لظهر في الثلاثة، ولذلك قال في "الإنصاف": إن المعنى في الحقيقة واحد.
(فإن حَضَر له خصمٌ) نظر بينهما، كما تقدَّم (وإلا) أي: وإن لم يظهر له خصم (أحْلَفَه، وخَلَّى سَبيلَه) لأن الظاهر أنه لو كان له خصمٌ، لظهرَ.
(ومع غَيْبَةِ خَصْمِه يَبْعثُ إليه) ليحضر، فينظر بينهما (ومع جَهْلِه) أي: الخصم (أو تأخُّره بلا عُذْرٍ، يُخلَّى) سبيله (والأولى) أن يكون ذلك (بكفيلٍ) لأن الظاهر حبسه بحقٍّ.
стр. 7074
(وينظر) القاضي (في مال الغائب) وتقدَّم (١) فيما تفيده الولاية العامة.
(وإطلاقه) أي: القاضي (المحبوس من الحبس وغيره) بأن كان محبوسًا في موضع غير الحبس: حُكمٌ.
(وإذنه) في شيء (ولو في قضاء دَيْنٍ ونفقة، فيرجع) القاضي للدين (٢) أو المنفق: حكمٌ.
(و) إذنه في (وضع ميزاب، و) في (بناء، وغيره) كإخراج جناح أو ساباط (٣) في درب نافذ: حكمٌ (فيمنع (٤) الضمان) لما يتلف من ذلك.
(وأمره بإراقة نبيذ) حُكمٌ (وقرعته) في أي موضع شُرعت فيه (حكمٌ يرفع الخلافَ إن كان) في المسألة خلاف؛ لصدوره عن رأيه واجتهاده، كما لو صَرَّح بالحكم. قال الشيخ تقي الدين في فسخ النكاح لتعذُّر النفقة ونحوها (٥): الحاكم ليس هو الفاسخ، وإنما يأذن أو يحكم به، فمتى أذن أو حكم لأحد باستحقاق عقد أو فسخ؛ لم يحتج بعد ذلك إلى حكم بصحته، بلا نِزاع، لكن لو عقد هو أو فسخ، فهو فعله. وهل فعله حكم، فيه الخلاف المشهور.
(وفُتياه ليست حُكمًا منه، فلو حَكَم غيره) أي: القاضي (بغير ما أفتى به، لم يكن) ذلك (نقضًا لحكمه، ولا هي) أي: فُتيا القاضي (كالحكم) إذ لا إلزام في الفتيا.
стр. 7075
(ولهذا يجوز) للقاضي (أن يُفتي الحاضر والغائب) بخلاف القضاء، فإنه لا يجوز على الغائب إلا في مواضع مخصوصة.
(و) لكون فُتياه ليست حُكمًا، يجوز له أن يفتي (من يجوز حكمه له ومن لا يجوز) حكمه له، كولده ووالده وزوجته (وتقدَّم (١) بعضه في الباب قبله.
وإقرارُه) أي: القاضي (غيرَه على فِعْلٍ مختلَفٍ فيه) كتزويج بلا ولي فُعِلَ بحضرته، أو بَلَغه وسكت عنه (ليس حكمًا به) لأن الإقرار هو عدم التعرُّض، وليس حكمًا به.
(وفِعْلُه) أي: القاضي، الذي يفتقر إلى نظر واجتهاد، ويستفيده بطريق ولاية الحكم (حكمٌ، كتزويج يتيمة) لا وليَّ لها بإذنها، إذا تَمَّ لها تسع سنين (وشراء عينٍ غائبةٍ) بالصفة؛ ليفي بها دين مفلس ونحوه (وعَقْدِ نكاحٍ بلا وليٍّ) ولهذا قال في "المغني" وغيره، في بيع ما فُتِحَ عَنْوة: إن باعه الإمام لمصلحة رآها؛ صَحَّ؛ لأن فعل الإمام كحكم الحاكم. وفيه - أيضًا -: لا شُفعة فيها، إلا أن يحكم ببيعها حاكم، أو يفعله الإمام أو نائبه. وفيه - أيضًا -: إنَّ تركها بلا قسمة وقفٌ لها. وإن ما فعله الأئمة ليس لأحدٍ نقضُه، انتهى. بخلاف فِعْلٍ لم يستفده بولاية حكم، كبيع عقار نفسه الغائب، أو ليتيم هو وصيه، أو بوكالة؛ فليس بحُكمٍ؛ كما ذكره ابن قُندس عن ابن شيخ السلاميَّة.
(وتقدم (٢) آخر الصَّدَاق: "أن ثبوت سبب المطالبة، كتقدير أُجرةِ مِثْلٍ، و) تقدير (نفقةٍ، ونحوه) كتقدير صَدَاق المِثْلِ، ومسكنِ مِثْلٍ،
стр. 7076
وكسوةِ مِثْلٍ (حكمٌ) فلا يُغيّره حاكم آخر ما لم يتغيّر السبب" (وتأتي تتمته قريبًا) وهي قوله: فدلَّ أن إثبات صفة كعدالة وجرح … الخ.
(قال الشيخ (١): القضاء نوعان: إخبار، وهو إظهار، و) الثاني (إبداء، وأمر، هو إنشاء وابتداء، فالخبر (٢) يدخل فيه خبره عن حكمه، وعن عدالة الشهود، وعن الإقرار والشهادة، والآخر) الذي هو الإنشاء (هو حقيقة الحكم: أمر ونهي وإباحة.
ويحصل) الحكم (بقوله: أعطِهِ (٣)، ولا تكلمه، والزمه، و) يحصل - أيضًا - (بقوله: حكمت وألزمت) قلت: وكل ما أدَّى هذا المعنى.
(وحكمُه) أي: القاضي (بشيء حُكمٌ بلازِمه) فلو حكم بصحة بيع عبدٍ أعتقه مَن أحاط الدَّينُ بماله، كان حكمًا بإبطال العِتْق السابق؛ لأنه يلزم من صِحَّة البيعِ بُطلان العِتْق (ذكره الأصحابُ في أحكام المفقود) قال في "الانتصار" في إعادة فاسق شهادته: لا تُقبل؛ لأن ردَّه لها حكمٌ بالردِّ، فَقَبولها نقضٌ له، فلا يجوز، بخلاف صبيٍّ وعبدٍ لإلغاء قولهما. وقال الإمام أحمد (٤) في رَدِّ عبدٍ: لأن الحكم قد مضى، والمخالفة في قضية واحدة نقضٌ مع العلم.
(وثبوتُ شيءٍ عنده) أي: القاضي (ليس حكمًا به) سوى إثبات سبب المطالبة، كتقديره أُجرةَ مِثْلٍ ونحوه، كما تقدم.
(و تنفيذُ الحكم يتضمَّن الحكمَ بصحةِ الحكمِ المُنفَّذِ. وفي كلام الأصحاب ما يدلُّ على أنه حكمٌ) كما يدلُّ عليه كلام شارح "المحرر"
стр. 7077
والشارح الكبير (وفي كلام بعضِهم أنه عملٌ بالحُكم، وإجازةٌ له، وإمضاءٌ، كتنفيذِ الوصية) قال ابن نصر الله: والظاهر أنه ليس بحكم بالمحكوم به، إذ الحكمُ بالمحكوم به تحصيل للحاصل، وهو محال، انتهى.
ومعنى "التنفيذ" المذكور: أن يحصُل من الخصم منازعة عند قاض آخر، ويُرفع إليه حكم الأول، فيُمضيه وينفذه، ويلزمه العمل بمقتضاه، وأما "التنفيذ" المتعارف الآن المستعمل غالبًا، فمعناه إحاطة القاضي الثاني علمًا بحكم القاضي الأول على وجه التسليم، وأنه غير معترض عنده، ويُسمَّى اتّصالًا، ويتجوز بذكر الثبوت والتنفيذ فيه؛ ذكره ابن الغَرْس الحنفي (١)(٢).
(والحكمُ بالصحةِ يستلزمُ ثبوتَ الملك والحيازةِ قطعًا) لأن الصحة فرع ذلك.
(والحكم بالموجَب) بفتح الجيم (حكم بموجَب الدعوى الثابتة ببيِّنةٍ أو غيرها) أي: بما ترتَّب على الدعوى الثابتة بذلك؛ لأن موجَب الشيء هو أثره الذي ترتَّب عليه.
(فالدعوى المشتملةُ على ما يقتضي صِحَّةَ العقدِ المُدَّعَى به) من بيع أو نكاح أو غيرهما (الحكمُ فيها بالموجَبِ حكمٌ بالصحة) لأن الصحة من موجَبه إذًا.
стр. 7078
(و) الدعوى (غيرُ المشتمِلَةِ على ذلك) أي: ما يقتضي صِحَّة العقد (الحكمُ بالموجَب ليس حُكمًا بها) أي: بالصحة (قاله ابن نصر الله) قال الغزي في شرحه لنظمه "العمدة": الحكم بالموجَب إذا كان مستوفيًا لما يُعتبر من الشروط في الحكم بالصحة، كان أقوى وأعمّ؛ لوجود الإلزام فيه، وتضمنه للحكم بالصحة، كما إذا شَهِد عنده الشهود أن هذا وقف، وذكروا المصرف على وجه مُعيَّن، وكان مستوفيًا لشروطه عنده، فحكم بموجَب شهادتهم، كان الحكم متضمنًا للحكم بالصحة. قال السُّبكي (١): لكنه دونه في الرتبة. ونظر فيه بعضُهم.
(وقال السُّبكي) تقي الدين (٢) (وتبعه) الشيخ تقي الدين (٣) (ابن قُنْدُس: الحكمُ بالموجَب يستدعي صِحَّة الصيغة، وأهلية المتصرِّف (٤)، ويزيد الحكم بالصحة كون تصرُّفه في محلِّه.
وقال السبكي (٥) أَيضًا: الحكم بالموجَب هو الأثر الذي يوجبه اللفظ، و) الحكم (بالصحة كون اللفظ بحيث يترتَّب عليه الأثر، وهما مختلفان، فلا يحكم بالصحة إلا باجتماع الشروط. وقيل: لا فرق بينهما في الإقرار) أي: في الحكم به.
(والحكمُ بالإقرار ونحوه) كالنكول (كالحكم بموجَبه في الأصح)
стр. 7079
لأن معناه الحكم بما ترتَّب عليه، وذلك موجَبه (والحكمُ بالموجَب لا يشمل الفساد. انتهى) ومعناه ما ذكر السُّبكي (١) - أيضًا - قول من قال: موجَبه يحتمل الصحة، والفساد ممنوع؛ لأن اللفظ الصحيح يوجب حكمًا، واللفظ الفاسد لا يوجب شيئًا. قال في "التنقيح" بعد ما سبق: (والعمل على ذلك.
وقالوا) أي: الأصحاب: (الحكم بالموجب يرفع الخلاف) فلا يجوز لمن لا يراه نَقْضُه حتى يتبين موجَب لعدم صحة العقد.
وحاصل الكلام: أنَّ الحكم بالموجَب حكم على العاقد بمقتضى عقده، لا حكم بالعقد، ولا يخفى ما بينهما من التفاوت؛ قاله ابن نصر الله.
وذكر الغَزّي فروقًا بين الحكم بالصحة وبين الحكم بالموجَب، منها ما سبق.
ومنها: أن العقد إذا كان صحيحًا بالاتفاق، ووقع الخلافُ في موجَبه، فالحكمُ بالصحة لا يمنع من العمل بموجَبه عند غير الذي حكم بالصحة، ولو حكم الأول فيه بالموجَب؛ امتنع العملُ على الثاني، مثاله: التدبير صحيح بالاتفاق، وفي مَنْعِه البيعَ خلافٌ، فإذا حكم بصحة التدبير، لم يكن مانعًا من بيعه لمن يراه، وإن حكم بموجَبه مَن لا يرى بيعَه؛ مُنع البيع.
ومنها: أن كلَّ دعوى كان المطلوب فيها إلزام المُدَّعَى عليه بما ثبت عليه، الحكم فيها بالإلزام؛ هو الحكم بالموجَب، ولا يكون بالصحة، لكن يتضمن الحكم بالموجَب الحكم بالصحة، إقرارًا كان أو غيره.
стр. 7080
ومنها: الحكم على الزاني والسارق بموجَب الزنى والسرقة لا يدخله الحكم بالصحة.
ومنها: أن الحكم بالموجَب يتضمَّن أشياء لا يتضمَّنُها الحكمُ بالصحة، فلو حكم بصحة عقد البيع؛ لم يمنع ذلك إثبات خيار المجلس، ولا فَسْخ المتعاقدين أو أحدهما، ولو حكم بموجبه والإلزام بمقتضاه، امتنع التمكين من الفسخ. انتهى.
وقد صَنَّف الشيخ ولي الدين أبو زُرْعة العراقي الشافعي وريقات في الفرق بين الحكم بالصحة والحكم بالموجَب، وأوردها الشيخ تقي الدين محمد الفُتُوحي في شرحه لـ "المنتهى" (١)، وهي نافعة جيدة موضِّحة لما سبق.
فصل
(ثم ينظر) القاضي (وجوبًا في أمْرِ يتامى، ومجانين، ووقوف) على غير معيَّن (ووصايا لا وليَّ لهم ولا ناظر) لأن الصغير والمجنون لا قول لهما، وأرباب الوقوف والوصايا غير المعينين؛ كالفقراء والمساكين والمساجد؛ لا يتعينون.
(ولو نَفَّذ) القاضي (الأولُ وصيةَ موصىً إليه، أمضاها) القاضي (الثاني) ولم يعزله؛ لأن الظاهر معرفة أهليته (فدلَّ) ذلك (أن إثبات صفة، كعدالة وجرح وأهلية موصىً إليه وغيرها، حكم يقبله حاكم آخر) ويجب عليه إمضاؤه وتنفيذه (لكن يُراعيه) أي: يُراعي القاضي الموصى إليه؛ لأن له الولاية العامة، فيعترض عليه إن فعل ما لا يسوغ، وتقدَّم مثله في ناظر الوقف.
стр. 7081
(فإن تغيَّر حاله) أي: الموصى إليه، ومثله الناظر بشرط (بفِسْقٍ أو ضعف، أضاف إليه أمينًا) قويًا يُعينه؛ ليحصُل مقصود الوصية.
(وإن كان) القاضي (الأولُ ما نَفَّذَ وصيته، نظر) الثاني (فيه) أي: في الموصى إليه (فإن كان قويًا) أمينًا (أقرَّه، وإن كان أمينًا ضعيفًا ضَمَّ إليه من يُعينه، وإن كان فاسقًا عزله، وأقام غيرَه) قال في "شرح المنتهى": على الأصح. انتهى. وقدَّمه في "الشرح" ثم قال: وعلى قول الخِرقي يُضم إليه أمين ينظر عليه. انتهى. وقول الخرقي هو المذهب على ما تقدم. وإن كان قد تصرّف، أو فرق الوصية وهو أهل للوصية؛ نفَذ تصرفه، وإن كان ليس بأهل، والموصى إليهم بالغين عاقلين معينين، صحَّ دفعه إليهم؛ لأنهم قبضوا حقوقهم.
(و ينظر) القاضي الثاني (في أُمناء الحاكم) قبله (وهم مَنْ ردَّ إليه الحاكم النظرَ في أمر الأطفال، وتَفْرِقَة الوصايا التي لم يُعيَّن لها وصيٌّ) من قبل الموصي (فإن كانوا بحالهم) من الأهلية (أقرَّهم) على ما هم عليه؛ لأن القاضي قَبْله ولَّاهم، وعلم منه: أنهم لا ينعزلون بعزل القاضي ولا بموته، بخلاف خُلفائه في الحكم، ولعل الفرق: ما يلحق من الحرج والمشقَّة بعزلهم، من إضاعة حقوق الأيتام والمعاملات المترتِّبة على ذلك؛ ولذلك ذكروا في الوقف: لو فوَّض قاضٍ النظرَ لواحدٍ، ليس لغيره نقضه. وعلله صاحب "المنتهى" من عنده بأنه لعلهم - أي: الأصحاب - نَزَّلوا تفويضه منزلة حكمه. فكذلك يُقال هنا.
(ومن تغيَّر حالُهُ) ممن نُصِب وصيًا (عَزَله، إن فَسَق) لعدم أهليته (وإن ضَعُفَ) مع عدالته (ضَمَّ إليه أمينًا) ليقوى على التصرُّف.
(ثم ينظر في أمر الضَّوالِّ واللُّقَط التي يتولَّى الحاكم حفظها) لئلا
стр. 7082
تضيع (فإن كانت مما يُخاف تلفُهُ كالحيوان، أو) كان (في حفظها مؤنة، باعها وحَفِظَ ثمنها لأربابها) لأنه أحظُّ لهم (وإن كانت أثمانًا، حَفِظها لأربابها، ويكتب عليها) لُقطة أو نحوه (لتُعْرَف) ولا تشتبه بغيرها.
(ثم ينظر في حال القاضي قبله إن شاء، ولا يجب) عليه ذلك؛ لأن الظاهر صحة قضايا من قبله.
(فإن كان) من قبله (ممن يصلح للقضاء، لم يجز أن ينقض من أحكامه) شيئًا؛ لأنه يؤدي إلى نقض الحكم بمثله، ويؤدي إلى أنه لا يثبت حكم أصلًا (إلا ما يخالف نصَّ كتابِ) الله تعالى (أو) نصَّ (سُنَّةٍ متواترةٍ أو آحاد، كقتل مسلم بكافر، ولو ملتزمًا، فيلزم نقضُه، نصًّا.
و) كذا (جعل من وجد عين ماله عند من حُجِرَ عليه) لفَلَسٍ (أسوةَ الغُرماء، فيُنقضُ، نصًّا) لأنه قضاء لم يصادف شَرْطَه، فوجب نقضُه، كما لو خالف الإجماعَ؛ لأن شرط الاجتهاد عدمُ مخالفة النَّصِّ والإجماع، بدليل خبر معاذ بن جبل (١)؛
ولأنه إذا ترك الكتابَ والسُّنةَ، فقد فرَّط، فوجب نقض حكمه، كما لو خالف الإجماع.
(ولو زوَّجت) المرأةُ (نفسَها) وحكم به من يراه (لم ينقُضْ) حكمَه لاختلاف الأئمة في صحته (أو خالف) ما حكم به (إجماعًا قطعيًّا) فينقض؛ لعدم مصادفته شرطه، لما تقدم (١)، و (لا) ينقض ما خالف إجماعًا (ظنيًّا.
стр. 7085
وينقض حكمه بما لم يعتقده) إذا كان مجتهدًا، بخلاف المُقلِّد، وتقدم (وفاقًا للأئمة الأربعة (١)، وحكاه القرافي إجماعًا (٢)، ويأثم ويَعصِي بذلك) لقوله تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ (٣).
(ولو حكم بشاهدٍ ويمين، لم ينقض. وحكاه القرافي - أيضًا - إجماعًا (٤)) ويأتي في أقسام المشهود به (٥) أنه ﷺ : "قضى بشاهدٍ ويمينٍ في المال" (٦).
(ولا يَنْقُضُ حُكمَه بعدم علمه الخِلافَ في المسألةِ؛ خلافًا لـ) ــلإمام (مالك (٧)) لأن علمه بالخلاف لا أثر له في صِحَّة الحكم ولا في بُطلانه، حيث وافق مقتضى الشرع.
(ولا) يَنقُض حكمه - أيضًا - (لمخالفة القياس، ولو) كان القياس (جليًّا) لأن من الأحكام الشرعية ما وَرَدَ على خِلاف القياس (وحيث قُلنا: "يَنْقُض) الحكمَ" (فالناقض له حاكِمُه، إن كان) موجودًا (فَيُثْبِتُ
стр. 7086
السببَ) المقتضي للنقض عنده (وينقضه) حاكمه دون غيره.
وقال الغزي: إذا قضى بخلاف النصِّ والإجماع، هذا باطل، لكلٍّ من القُضاة نَقْضُه إذا رُفِع إليه. انتهى.
قلت: وما ذكروه من أنَّ الناقض له حاكِمُه، إن كان لا يتصور فيما إذا حكم بقتل مسلم بكافر، أو بجعل من وَجَدَ عين ماله عند مفلس أسوةَ الغرماء إذا كان الحاكم يراه، وإنما يَنْقُضه مَن لا يراه، بدليل قولهم: فَيُثْبِتُ السببَ وينقضُه.
(ولا يُعتبر لنقضه طَلَبُ رَبِّ الحقِّ) نقضَه، ولو كان الحق فيه لمعيَّن؛ لأن نقضه حقٌّ لله.
(ويَنقُضُه) أي: يَنقُضُ الحاكمُ حكمه (إذا بانت البيّنةُ عبيدًا، أو نحوهم) كما لو كانوا أبناء المشهود له، أو من أصوله (إن لم يرَ) الحاكم (الحكمَ بها.
وفي "المحرَّر": له نقضُه) ويحتمل أنه قاله في مقابلة المانع، فلا يُنافي كونه واجبًا، فلا خلاف.
(قال: وكذا كلُّ مختَلَفٍ فيه صادفَ ما حَكَم فيه، ولم يَعْلَم به) القاضي، ثم يتبين (١) بعد ذلك، فَيُثْبِتُ السبب وينقُضُه، كعداوة البينة وعصبيتهم، وكون المبيع منذورًا عتقه نذرَ تبرُّرٍ، ونحوه.
(قال السامَرِّيُّ: لو حَكَم بجهلٍ، نَقَضَ حُكمَه) لعدم شرطه، وهو الاجتهاد.
(وإن كان) القاضي (من (٢) لا يصلُحُ) للقضاء (لفسق أو غيره،
стр. 7087
نَقَض أحكامَه كُلَّها) ولو وافقت الصواب؛ لأن حكمه غير صحيح، وقضاؤه بمنزلة العدم؛ لفَقْدِ شرط القضاء فيه.
(واختار الموفَّق والشيخ (١) وجَمعٌ: لا ينقضُ الصوابَ منها) قَدَّمه في "الكافي" و"المستوعب"، وصحَّحه ابن المُنَجَّا، وجزم به في "الوجيز"؛ لأن الحقَّ وصل إلى مستحقِّه، فلا يجوز نقضُه؛ لعدم الفائدة فيه (وعليه عمل الناس من مُدَّة) ذكره في "الإنصاف".
فصل
(إذا تخاصَمَ اثنان، فدعا أحدُهما صاحِبَه إلى مجلسِ الحُكْمِ، لزمته إجابتُه) في الحضور معه إلى مجلس الحكم.
(فإن استعدى الحاكمَ أحدٌ على خصمِه) أي: طلب منه إحضارَه (في البلد بما تتبَعُه الهِمَّةُ، لَزِمه) أي: الحاكم (إحضارُه، ولو لم يُحرِّر الدعوى) لأن ضرر فوات الحق أعظم من حضور مجلس الحكم، وقد حضر عُمرُ وأُبيّ عند زيد بن ثابت (٢)، وحضر عُمرُ وآخرُ عند شُريح (٣).
وسواء (عَلِم) القاضي (أن بينهما) أي: المستعدي والمُستعدى عليه (معاملة، أو لم يعلم) ذلك.
(وسواء كان المستعدي ممن يُعامِل المستعدى عليه، أو لا يعامله، كالفقير يدَّعي على ذي ثروة وهيئة، فيبعثُ معه عَوْنًا يُحْضِره.
وإن شاء) القاضي (بعث معه) أي: المستعدي (قطعةً من شَمْعٍ أو
стр. 7088
طين، مختومًا بخاتمه، أو في كاغَدٍ ونحوه، فإذا بلغه، لزمه الحضور) معه إلى مجلس الشرع؛ ليخرج من العُهدة.
(وإن شاء) المُستعدى عليه (وكَّل) من يقوم مقامه إن كَرِهَ الحضور.
(فإن امتنع) المُستعدى عليه من الحضور (أو كَسَرَ الختمَ، أَعلم الواليَ به فأحضره) ولا يرخص له في تخلفه؛ لئلا يكون وسيلة إلى ضياع الحقوق.
(فإذا حضر) بعد امتناعه (وثبت امتناعُهُ، عزَّره) القاضي (إن رأى ذلك، بحسب ما يراه من كلامٍ، وكَشْفِ رأسٍ، وضَرْبٍ، وحَبْسٍ) لأن التعزير إلى رأيه.
(فإن اختفى) المستعدى عليه (بعث الحاكم من ينادي على بابه ثلاثًا بأنه: إن لم يحضر، سمَّر بابَهُ وخَتَم عليه) لتزول معذرته.
(فإن لم يحضر، وسأل المُدَّعِي أن يُسَمِّر عليه منزِلَه ويختِمَه، أجابه إليه، فإن أصرَّ) على الامتناع (حكم عليه، كغائبٍ) عن البلد فوق مسافة القصر، ويأتي (١) في الباب بعده.
(ولا يُعْدِي حاكمٌ في مِثْل ما لا تتبعه الهِمَّةُ) لما فيه من ضرر الحضور إلى مجلس الحكم بالشيء التافه الذي لا يعادله (وفي "عيون المسائل": لا ينبغي للحاكم أن يسمَعَ شَكِيَّةَ أحدٍ إلا ومعه خَصْمُه) بحيث يسمع شكواه، ويرد جوابها.
(وإن استعداه على القاضي قبلَه، أو على من في معناه، كالخليفة، والعالم الكبير، والشيخ المتبوع، وكل من خيف تَبْذِيلُه ونَقْصُ حُرْمته
стр. 7089
بإحضاره) ومن ذلك لو كان بالبلد حاكمان فأكثر، واستعدى أحدهما على الآخر (لم يُعْدِه حتى يُحَرِّر دعوَاه، بأن يَعْرِفَ ما يَدَّعيه، ويسألَهُ عنه، صيانةً للقاضي) ومن في معناه (عن الامتهان.
فإن ذكر) المستعدي (أنه يدَّعِي عليه حقًّا من دَيْن، أو غَصْب، أو رِشْوة أخذها منه على الحكم، راسَلَه) لأن ذلك طريق إلى استخلاص الحق (فإن اعترف) القاضي ومن في معناه (بذلك، أمره بالخروج من العُهْدة) لأن الحق توجَّه عليه باعترافه (وإن أنكر، أحضَرَهُ) لأن ذلك تعين طريقًا إلى استخلاص حَقّ المدعي.
(وإن ادَّعَى) المستعدي (عليه) أي: على القاضي المعزول (الجَوْرَ في الحكم، وكان للمُدَّعي بينةٌ) بدعواه (أحضره، وحَكَمَ بالبينة) إذا شهدت في وجه القاضي، وثبتت عدالتها، كسائر الدعاوى (وإن لم تكن) للمدعي (بَيّنة، أو قال: حَكَم عَلَيَّ بشهادة فاسقين، فأنكر) القاضي (فقولُه، بغير يمين) لأنه لو لم يُقبل قوله في ذلك، لتطرَّق المُدَّعى عليهم إلى إبطال ما عليهم من الحقوق بالقول المذكور، وفي ذلك ضررٌ عظيم، واليمين تجب للتُّهمة، والقاضي ليس من أهلها.
(وإن قال حاكمٌ معزولٌ عدلٌ لا يُتَّهم: كنتُ حكمتُ في ولايتي لفلان على فلان بحقٍّ. وهو ممن يسوغُ الحكمُ له) بأن يكون ممن تُقبل شهادته له (قُبل قوله) أي: الحاكم (وأُمضي ذلك الحق، ولو لم يذكر) الحاكم (مستندَه) الذي حكم به (ولو أن العادةَ تسجيلُ أحكامِه وضَبْطُها بشهودٍ) لأن عَزْله لا يمنع من قَبول قوله، كما لو كتب كتابًا إلى قاضٍ آخر، ثم عُزل، ووصل الكتاب بعد عزله، لزم المكتوبَ إليه قَبولُ كتابه؛ ولأنه أخبر بما حكم به، وهو غير مُتَّهم، أشبه حال ولايته (ما لم يشتمل)
стр. 7090
الحكم الذي أخبر به الحاكم بعد عزله (على إبطال حكم حاكم.
فلو حكم) حاكمٌ (حنفيٌّ برجوع واقفٍ على نفسه، فأَخبر حنبليٌّ: أنه كان حكم قبلَ حكم الحنفيِّ بصحَّةِ الوقف؛ لم يُقبل) إخبارُ الحنبليِّ بالحكم المذكور؛ قاله القاضي مجد الدين (١).
قال ابن نصر الله: وهو تقييدٌ حسنٌ ينبغي اعتمادُه، وكذلك قال في "المبدع": وهو حسن.
(وإن أخبر حاكمٌ حاكمًا آخر بحكم، أو ثُبوتٍ في عَملِهما، أو في غيره) أي: غير عملهما (أو في عمل أحَدِهما) دون الآخر (قَبِل) المخبَرُ (وعَمِل به) المخبَر، بفتح الباء (إذا بلغ عَمَلَه) كما لو أخبره بحكمه بعد عزله.
و (لا) يقبل المخبَر - بفتح الباء - ولا يعمل إذا أخبره بأنه ثبت عنده كذا ولم يحكم به (مع حضور المخبِر) بكسر الباء (وهما بعمَلِهما) لأن ذلك كنقل الشهادة، فاعتُبِر فيه ما يُعتبر في الشهادة على الشهادة، وفي كلام المصنف شيء يزول بما قدَّرته، ولعله سقط من الكاتب.
(وكذا إخبارُ أميرِ جهادٍ، وأمينِ صَدَقةٍ، وناظر وقفٍ) بعد عزله بما صدر منه في حال ولايته، فإنه يُقبل منه. قال في "الانتصار": كل من صح منه إنشاء أمر، صح إقرارُه به.
(وإن قال) الحاكمُ (في ولايته: كنتُ حكمتُ لفلانٍ بكذا؛ قُبِلَ قولُه، سواءٌ قال: قضيتُ عليه بشاهِدَيْن عَدْلين، أو قال: سمعتُ بينتَه،
стр. 7091
وعرفتُ عدالتَهم، أو قال: قضيتُ عليه بِنُكُولِهِ، أو أقرَّ عندي لفلانٍ بحقٍّ، فحكمتُ به) أو قال: حكمت، ولم يضفه إلى بينة ولا غيرها؛ لأنه يملك الحكم، فملك الإقرارَ به، كالزوج إذا أقرَّ بالطلاق، والسيدُ إذا أخبر بالعِتْقِ.
(وإن ادُّعِيَ على امرأة بَرْزَةٍ - وهي التي تَبْرُزُ لحوائجها - أحضَرَها) لعدم العذر (ولا يُعتبر لإحضارها في سَفَرها هذا) إن كان (مَحْرَمٌ) لتعينه عليها (كسفر الهِجْرة) ولأنه حقُّ آدميٍّ، وهو مبنيٌّ على الشح والضيق.
(وإن كانت) المرأة المُدَّعى عليها (مُخدَّرةً) لا تَبْرُز لقضاء حوائجها عادة (أُمِرت بالتوكيل) لأن الوكيل يقوم مقامَها، فلا تبذل من غير حاجة، ولا يُحضِرها؛ لما فيه من المشقَّة والضرر (فإن توجَّهت اليمينُ عليها، بعث الحاكمُ أمينًا معه شاهدان؛ يستَحْلِفُها بحضرتِهما) لأن إحضارها غير مشروع، واليمين لا بُدَّ منها، وهذا طريقه (وإن أقرَّت) بشيء (شَهِدا عليها) به؛ ليقضي الحاكم عليها بشهادتهما، بطلب المُدَّعي.
(قال في "الترغيب": إن خرجت للعزايا والزِّيارات ولم تُكْثِر، فهي مُخَدَّرة) فلا يُحْضِرها القاضي، بل توكِّل.
(ومريضٌ ونحوُه) من ذوي الأعذار (كمُخَدَّرة) في أنه يؤمر بالتوكيل ولا يحضر؛ للحرج والمشقة.
(وإن استعدى عندَه على غائبٍ في غير عمَلِه، لم يُعْدِ عليه) لأنه ليس مُولىً عليه.
(وإن كان) الغائبُ (في عَملِه) أي: القاضي (وكان له) أي: القاضي (في بلده) الذي به الغائب (خليفةٌ) أي: نائب (فإن كانت له)
стр. 7092
أي: المُدَّعِي (بينةٌ حاضرةٌ، وثبت الحقُّ عنده) أي: القَاضي (كتب به) أي: بما ثبت عنده (إلى خليفته) كما يكتب لغيره (ولم يُحْضِرْه) أي: الغائب؛ لعدم الفائدة في إحضاره إذًا.
(وإن لم يكن له) أي: القاضي (فيه) أي: في البلد الذي به الغائب (خليفةٌ، وكان فيه من يصلُحُ للقضاء، أَذِنَ له في الحكم بينهما) فيكون نائبًا عنه في تلك القضية.
(وإن لم يكن فيه من يصلح) للقضاء (كَتَب) القاضي (إلى ثقاتٍ من أهل ذلك الموضع، ليتوسَّطُوا بينهما) لأن ذلك طريق إلى قطع الخصومة، مع عدم المشقَّة الحاصلة بالإحضار.
(فإن لم يقبَلا) أي: الخصمان (الوساطةَ) أو تعذَّر من يتوسَّط بينهما (قيل) أي: قال القاضي (له) أي: المُدَّعِي: (حرِّرْ دعواكَ، فإذا تحرَّرتْ) دعواه (أحضر خصْمَه، ولو بَعُدت المسافةُ) لأنه لا بُدَّ من فَصْلِ الخصومة، وقد تعين بذلك.
(ولو ادعى قبله شهادة، لم تُسمع دعواه، ولم يُعْدِ عليه، ولم يحلف) إذا أنكر؛ خلافًا للشيخ تقي الدين، وقال: لو قال: أنا أعلمها ولا أؤديها، فظاهر، ولو نَكَلَ، لزمه ما ادَّعى به إن قيل: ضمانها موجب لِضَمان ما تلف، ولا يبعد، كما يضمن من ترك الإطعام الواجب، وكونه لا يحصُل المقصود لفِسْقِه وكتمانه؛ لا ينفي ضمانه في نفس الأمر. واحتج القاضي بالأول على أن الشهادة ليست حقًّا على الشاهد؛ ذكره في "الفروع".
стр. 7093
باب طريق الحكم وصفته
(طريق كلِّ شيء ما تُوُصِّل به إليه) حكمًا كان أو غيره.
(والحُكمُ: الفَصلُ) أي: فصل الخصومة، وقد لا يكون خصومة، كعقدٍ رُفع إليه ليحكم به، فهو إلزام للعمل به.
والحكم لغة: المنع، وسُمِّي القاضي حاكمًا؛ لأنه يمنع الظالم من ظلمه.
(لا تصحُّ دعوى وإنكارٌ إلا مِن جائز التصرُّف) وهو المكلَّف الرشيد (ويأتي (١) في) باب (الدعاوى) مفصلًا (وتُسمَع) الدعوى (في كلِّ قليلٍ) ولو لم تتبعه الهمة، ولا ينافي ذلك قولهم: إن القاضي لا يُستعدى فيما لا تتبعه الهِمَّة؛ لما في الاستعداء من المشقَّة بسبب ما هو أسهل منها (و) كل (كثير) ولو لم تجرِ عادة المُدَّعي في المعاملة به؛ لاحتمال صِدْقِهِ، ولا ضرر على المُدَّعى عليه؛ لأنه لا بُدَّ من بيان المُدَّعي.
(وتصح) الدعوى (على سَفيه فيما يؤاخذ به حالَ سَفَهِه، وبعد فَكِّ حَجْرِه) كالقِصاص والطلاق والحد (ويحلِفُ إذا أنكر) فيما يستحلف فيه.
(ولا تصح دعوى) في حَقِّ الله (ولا تُسمَعُ) دعوى في حَقِّ الله (ولا يُستَحْلَف في حَقِّ الله تعالى، كعبادة) من صلاة وغيرها (وحَدٍّ) كزنىً وسرقة (وكفَّارة، ونَذْر، ونحوه) كيمينٍ بالله تعالى (فلو ادِّعى عليه أن عليه كفَّارة يمين أو غيرها) من الكفَّارات (أو) أن عليه (صَدَقة، فالقول قوله) أي: المُدَّعى عليه (من غير يمين) لأن الناس لا يستحلفون على صَدَقاتهم
стр. 7094
(ويأتي في) باب (اليمين في الدعاوى) بأوضح من هذا.
(و تُسمع) الدعوى (بوكالة ووصية من غير حضور خَصْمٍ) مُدَّعىً عليه؛ قاله في "الاختيارات" في مسألة الوكالة (١)، ونقله مُهنَّا عن أحمد (٢)، ولو كان الخصم في البلد.
(و لا تصح الدعوى المقلوبة) بأن ترافع اثنان إلى حاكم، فقال أحدهما: أدعي على هذا أنه يدعي عليَّ دينارًا، مثلًا، فاستحلفني له أنه لا حق له قِبلي، فلا يُسمع منه ذلك. وسُمِّيت مقلوبةً؛ لأن المُدَّعي فيها يطلب أن يعطى المدعى عليه، والمدعي في غيرها يطلب أن يأخذ من المدعى عليه، فانقلب فيها القصد المعتاد.
(وتُقبل بينة عتق ولو أنكره) أي: العتق (عبدٌ) لأنه حقٌّ لله، وكذا بينة بطلاق.
(وتصح الشهادة به وبحقِّ الله تعالى، كالعبادات، والحدود، والصَدَقة، والكفَّارة، من غير تقدُّم دعوى) بذلك (فشهادة الشهود به دعوى.
وكذا) تُقبل الشهادة (بحقِّ آدميٍّ غير معيَّن، كوقف على فقراءَ، أو علماءَ، أو مسجدٍ، أو وصية له) أي: للمسجد (أو رباط، وإن لم يطلبه مستحقّه) لأن الحق فيه لم يتعيَّن لواحد بعينه، أشبه حقَّ الله تعالى.
(وكذا عقوبة كذَّاب مُفْتَرٍ على الناس، والمُتكلِّم فيهم) بما يوجب تعزيرًا (قاله الشيخ (٣)) وقياسه مَن يغش الناس.
стр. 7095
(وتُسمع دعوى حِسْبَة في حقِّ الله تعالى، كحَدٍّ، وعِدَّة، ورِدَّة، وعتق، واستيلاد، وطلاق، وظِهَار، ونحو ذلك؛ قاله في "الرعاية" وغيرها) هذا مقابل ما سبق من قوله: ولا تُسمع في حَقِّ الله تعالى، والأول هو المذهب، وعليه الأصحاب؛ ذكره في "الإنصاف".
(وتُقبل شهادة المُدَّعِي فيه) أي: في حق الله تعالى؛ لأنه لا يجرُّ إلى نفسه نفعًا، ولا يدفع عنها ضررًا.
(ولا تُقبل يمين في حقِّ آدميٍّ معيَّن إلا بعد الدعوى وشهادة الشاهد، إن كان) هناك شاهد، وقلنا: يقضي بالشاهد واليمين (ولا تُسمع الشهادة فيه) أي: في حَقِّ الآدمي المعيَّن (قبل الدعوى) بحقِّه وتحريرها.
(واختار الشيخ (١) سماع الدعوى والشهادة لحِفْظِ وَقْفٍ وغيره بالثبات بلا خصم).
قال في "الاختيارات" (٢): الثبوت المحض يصحُّ بلا مُدَّعىً عليه. وقد ذكره قوم من الفقهاء، وفعله طائفة من القضاة.
(وأجازهما) أي: الدعوى والشهادة (الحنفية (٣)، وبعض أصحابنا، و) بعض (الشافعية (٤) في العقود والأقارير وغيرها بخصم مُسَخرٍ) بمعنى أنه يُظْهِرُ النزاعَ، وليس منازعًا في الحقيقة.
(وقال الشيخ (٥): وأما على أصلنا وأصل مالك، فإما أن تُمنع
стр. 7096
الدعوى علي غير خصمٍ مُنازعٍ) أي: فلا تُسمع على الخصم المُسَخَّر (فتثبتَ الحقوقُ بالشهادةِ على الشهادةِ وقاله بعض أصحابنا، وإما أن تُسمع الدعوى والبينةُ، ويُحْكمَ بلا خَصْمٍ. وذكره بعضُ المالكية (١) و) بعضُ (الشافعية، وهو مقتضى كلام) الإمام (أحمد وأصحابه في مواضع؛ لأنا نسمعُها على غائبٍ، وممتَنع و نحوه) كميت (فمع عَدَم خَصْمٍ أولى؛ فإن المشتريَ مثلًا قبضَ المبيعَ وسلَّم الثمنَ، فلا يدَّعِي ولَا يُدَّعَى عليه، والمقصودُ سماعُ القاضي البينةَ؛ وحكمُه بموجَبِها من غير وجودِ مُدَّعىً عليه، ومن غير مُدَّعٍ على أحد، لكن خوفًا من حُدوثِ خَصْمٍ مستقبَلٍ، وحاجةِ الناس، خصوصًا فيما فيه شُبهةٌ أو خلافٌ لرفعه. انتهى).
قال في "التنقيح": (وعملُ الناس عليه، وهو قوي) أي: في النظر.
قلت: وإذا حكم على هذا الوجه، وإن كان مقابلًا لما قدَّموه، لم ينقض حكمه؛ لأنه لم يخالف نصًّا ولا إجماعًا. انتهى.
فصل
(إذا جاءَ إلى الحاكم خصمانِ، سُنَّ أن يُجْلِسَهما بين يديه) لما روى أبو داود أن النبي ﷺ "قضى أن يجلس الخصمان بين يدي الحاكم" (٢)؛ ولقول عمر: "ولكن أجلس مع خصمي مجلسًا بين يدي
стр. 7097
زيد" (١) وقال علي حين خاصم اليهوديَّ دِرْعَه إلى شُريحٍ: "لو أنَّ خصمي مسلم، لجلست معه بين يديك" (٢).
(ثم إن شاء) القاضي (قال) للخصمين: (من المُدَّعِي منكما؟) لأن سؤاله عن المُدَّعي منهما لا تخصيص فيه لواحدٍ منهما (وإن شاء) القاضي (سَكَتَ حتى يبتدئَا) أي: حتى تكون البداءة بالكلام من جهتهما (ولا يقول هو) أي: القاضي (ولا صاحبُه) أي: القائم على رأسه (لأحدهما: تكلَّمْ) لأنه تخصيصٌ لأحدِهما بما لا يختصُّ به.
(فإن بدأ أحدُهما) أي: أحد الخصمين (فتكلَّمَ، فقال خصمُه: أنا المُدَّعي، لم يلتفتِ) الحاكمُ (إليه، ويُقال له: أجِبْ) خصمَك (عن دعواه، ثم ادَّعِ بما شئتَ) لأنه سبق إلى مباح.
(فإن ادَّعيا معًا، قدَّم أحدَهما بقُرعةٍ) لأنه لا مُرجِّح غيرها (فإذا انقضت حكومَتُه، سَمِعَ دعوى الآخَرِ) لأن الأول استوفى حقَّه.
(فإذا حرَّر) المدعي (دعواه، قال) القاضي (للخصم) المُدَّعى عليه: (ما تقولُ فيما ادَّعاه) لأن شاهد الحال يدلُّ على طلب المطالبة، فإن إحضاره والدعوى إنما تُراد ليسأل الحاكم المُدَّعى عليه (فإن أقرَّ له ولو بقوله: نعم) لأنها صريحة في الجواب، كما تقدم في النكاح (٣)
стр. 7098
والطلاق (١)، ويأتي في الإقرار (٢) (لم يحكم) القاضي (له) أي: للمُدَّعي (حتى يطالبـ) ــه (المُدَّعي بالحكم) لأن الحكم عليه حَقٌّ له، فلا يستوفيه إلا بمسألة مستحقه.
(والحكم أن يقول) الحاكم: (قد ألزمتُكَ ذلك، أو قضيتُ عليكَ له، أو يقول: اخرج إليه منه، وتقدم (٣) نظيره في الباب قبله.
وإن أنكر، مثل أن يقول المُدَّعي: أقرضتُه ألفًا، أو بعتُه) كذا بكذا (فيقول) المُدَّعى عليه: (ما أقرضني، ولا باعني، أو: ما يستحقُّ عليَّ ما ادَّعاه، ولا شيئًا منه، أو (٤) لا حقَّ له عليَّ؛ صَحَّ الجواب) لنفيه عين ما ادَّعى عليه؛ ولأن قوله: "لا حَقَّ له عليَّ" نكرةٌ في سياق النفي، فتعُمُّ، بمنزلة قوله: ما يستحقُّ عليَّ ما ادَّعاه، ولا شيئًا منه.
(ما لم يعترف) المُدَّعى عليه (بسبب الحقِّ، كما إذا ادَّعت) امرأةٌ (على مَن يعترف بأنها زوجته، المهرَ، فقال: لا تستحقّ عليَّ شيئًا، لم يصح الجوابُ، ويلزمه المهرُ، إن لم يُقِم بينةً بإسقاطه) وكذا لوِ ادّعت عليه نفقةً وكسوةً. وقلنا: لا نقبل قوله إلا ببينة (كجوابه في دعوى قرضٍ اعترفَ به: لا يستحقُّ عليَّ شيئًا. ولهذا لو أقرَّت في مرضِ موتها) أنها (لا مَهْرَ لها عليه؛ لم يقبل) إقرارها (إلا ببينة أنها أخذته) مطلقًا (أو أسقطته في الصحة) لأن إقرار المريض لوارثه كالوصية، وإبراءه له عطية، وحكمها حكم الوصية.
(ولو قال) المُدَّعى عليه (لمدع دينارًا) مثلًا: (لا يستحقُّ عليَّ
стр. 7099
حَبَّة، فليس بجواب عند ابن عقيل؛ لأنه لا يكتفى في دفع الدعوى إلا بنصٍّ، ولا يكتفى بالظاهر، ولهذا لو حلف) المُدَّعي مع شاهده مثلًا: (والله إني لصادق فيما ادعيته عليه، أو حلف المُنكِر: إنه) أي: المدعي (لكاذب فيما ادعاه عليَّ؛ لم يقبل) منه ذلك، ويحلف على طبق الدعوى في الأولى، وعلى طبق الجواب في الثانية، كما يأتي.
(وعند الشيخ (١): يَعُمُّ الحبات، و) يَعُمُّ (ما لم يندرج في لفظ حَبَّة من باب الفحوى، إلا أن يقال: يَعُمُّ حقيقة عرفية. و) قال في "تصحيح الفروع": قلت: (الصواب ما قاله الشيخ) تقي الدين. وهو الظاهر، انتهى.
قال الأَزَجيّ: لو قال: لك عليِّ شيء، فقال: ليس لي عليك شيء، وإنما لي عليك ألف درهم، لم يُقبل من دعوى الألف؛ لأن نفاها بنفي الشيء.
ولو قال: لك عليَّ درهم، فقال: ليس لي عليك درهم ولا دانق، وإنما لي عليك ألف، قُبل منه دعوى الألف؛ لأن معنى نفيه: ليس حقي هذا القدر. قال: ولو قال: ليس لك عليَّ شيء إلا درهم، صح ذلك.
(ولو قال) المُدَّعِي للمُدَّعَى عليه: (لي عليك مائة، فقال) المُدَّعَى عليه جوابًا له: (ليس لك عليَّ مائة، أعتُبِر قوله: ولا شيء منها، كاليمين) أي: كما لو حلف، فلا بُدَّ أن يقول في يمينه: ليس له عليَّ مائة، ولا شيء منها؛ لأن نفيه للمائة لا ينفي ما هو أقلّ منها.
(فإن نَكَلَ) المُدَّعَى عليه عن الحلف على (ما دون المائة) بأن حلف أنه لا يستحق عليه مائة، ونَكَلَ عن قوله: ولا شيء منها (حكم عليه بمائة إلا جزءًا) من أجزاء المائة.
стр. 7100
(وللمُدَّعي) إذا أنكر المُدَّعى عليه (أن يقول: لي بيّنةٌ) لأن الحقَّ له، والبينةُ طريقٌ إلى تخليصه (وللحاكم أن يقول) للمُدَّعي: (ألك بيّنة (١)) لقوله ﷺ للحضرمي: "ألك بينةٌ؟ قال: لا" رواه مسلم (٢). وفيه: "فلك يمينه"، فإن كان المُدَّعِي عارفًا بأنه موضع البينة، خيّر الحاكم بين أن يقول ذلك، وبين السكوت.
(فإن قال) المُدَّعِي: (لي بينةٌ، قيل) أي: قال (له) القاضي: (إن شئتَ فأحضرها) قال في "المغني": لم يقل: أحضِرْها؛ لأن ذلك حقٌّ له، فله أن يفعل ما يرى.
(فإذا أحضرها) المُدَّعِي (لم يسألْها الحاكمُ عَمَّا عندها حتى يسأله المُدَّعِي ذلك) لأنه حقٌّ له (فإذا سأل (٣) المُدَّعِي سؤالها، قال: مَن كانت عنده شهادة فلْيذكُرْها إن شاء، أو يقول: بِمَ تشهدان؟ ولا يقول لهما: اشْهَدَا) لأنه أمرٌ. وكان شُريح يقول للشاهدين: ما أنا دعوتُكما، ولا أنهاكما أن ترجعا، وما يقضي علي هذا المسلم غيركما، وإني بكما أقضي اليوم، وبكما أتقي يوم القيامة (٤).
(وليس له) أي: القاضي (أن يُلقِّنَهما) الشهادة، وفي "المستوعب": لا ينبغي، وفي "الموجز": يُكره (كتعنُّتِهما) أي: تعنت (٥) الشاهدين (وانتهارِهما) لأنه ربما حملهما أو غيرهما على كتمان
стр. 7101
الشهادة، وعدم أدائها، فتضيع الحقوق.
(فإذا شهدَتِ البينةُ شهادةً صحيحةً، واتَّضحَ الحكمُ، لم يَجُزْ له ترديدُها) أي: البينة (ولزمه في الحال أن يحكمَ) ولا يجوز له تأخيره؛ لما فيه من تأخير الحَقِّ عن موضعه (إذا سأله المُدَّعِي) الحكمَ (إن كان الحقُّ) في الحكم (لآدمي معيَّنٍ) وليس له الحكم بدون سؤال صاحب الحق؛ لأن الحكم حقٌّ له، فلا يُستوفى إلا بمسألةٍ (١).
(وتقدم (٢): إنْ كان) الحكم (لغير معيَّنٍ) كالوصية والوقف على نحو الفقراء (أو لله تعالى) كالحدود، والكفارات، والعبادات، فيحكم إذا اتضح له الحكم، وإن لم يسأله أحدٌ الحكمَ.
(وإذا حكم) الحاكمُ بشرطه (وقع الحكمُ لازمًا لا يجوز الرجوعُ فيه، ولا نَقْضُه) منه، ولا من غيره (إلا بشرطه المتقدم (٣) في باب أدب (٤) القاضي. ويأتي (٥) بعضُه آخرَ الباب) أي: إذا خالف نصًّا، أو إجماعًا، أو ما يعتقده.
(ولا يجوز) الحكم (ولا يصح الحكم بغير ما يعلمه) وقال في "الترغيب" وغيره: (بل يتوقف) ومع اللبس يأمر بالصلح.
فإن عَجِلَ فحكم قبل البيان؛ حَرُمَ، ولم يصحَّ؛ لأنه حكمٌ بالجهل. قال أبو عبيد (٦): إنما يسعه الصُّلح في الأمور المشكِلة، أما إذا
стр. 7102
استنارت الحجة؛ فليس له ذلك.
ورُوي عن شُريحٍ أنه ما أصلح بين المتحاكمين إلا مرةً واحدة (١).
وعن عمر أنه قال: "ردُّوا الخصوم حتى يصطلحا، فإنَّ فَصْلَ القضاء يحدث بين الناس الضغائن" (٢).
(ولا خلاف أنه يجوز له الحكم بالإقرار والبينة في مجلسه) وهو محلُّ نفوذ حكمه (إذا سمعه معه شاهدان) لأن التُّهمة الموجودة في الحكم بالعلم منتفية هنا (فإن لم يسمعه) أي: الإقرار أو البينة (معه) أي: مع الحاكم (أحدٌ، أو سَمِعه) معه (شاهدٌ واحد، فله الحكم أيضًا) نصَّ عليه في رواية حَرْب (٣)؛ لأن الحكم - أيضًا - ليس بمحضِ الحكم بالعِلم، ولا يضرُّ رجوع المُقِر. وقال القاضي: لا يحكم به؛ لانه حكمٌ بعلمه (والأولى) أن يحكم (إذا سمعه) معه (شاهدان) خروجًا من الخلاف.
(فأما حكمه بعلمه في غير ذلك مما رآه أو سَمِعه، قبل الولاية، أو بعدها، فلا يجوز) لقوله ﷺ : "إنما أنا بشر مثلكم، وإنكم تختصمون إلي، ولعلَّ بعضكم ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع" متفق عليه (٤). فدل
стр. 7103
أنه (١) يقضي بما سمع، لا بما يعلم (٢).
وفي حديث الحضرمي والكندي: "شاهداك أو يمينه، ليس لك منه إلا ذلك" رواه مسلم (٣).
وقال أبو بكر الصديق ﵁: لو رأيتُ رجلًا على حَدٍّ من حدود الله تعالى ما أخذته ولا دعوت له أحدًا حتى يكون معي غيري؛ حكاه أحمد (٤).
(إلا في الجرح والتعديل) فيعمل بعلمه في ذلك؛ لأن التُّهمة لا تلحقه في ذلك؛ لأن صفات الشهود معنىً ظاهر. بل قال القاضي وجماعة: ليس هذا بحكم؛ لأنه يُعَدِّل هو ويَجْرح غيرُه، ويجرح هو ويُعَدِّل غيره، ولو كان حكمًا، لم يكن لغيره نقضه.
وفي "الطرق الحكمية" (٥): إن الحكم بالاستفاضة ليس من حكمه بعلمه، فيحكم بما استفاض، وإن لم يشهد به أحد عنده.
стр. 7104
(ويحرم الاعتراض عليه) أي: على الحاكم (لتركه تسمية الشهود) المحكوم بهم؛ ذكره القاضي، وابن عقيل، وغيرهما.
(وقال الشيخُ (١): له) أي: المحكوم عليه (طلبُ تسميةِ البينةِ؛ ليتمكَّنَ من القَدْحِ، بالاتفاق. قال في "الفروع": ويتوجَّه مثلُه) أي: مثل تَرْكه تسمية الشهود (لو قال: حكمت بكذا، ولم يذكُرْ مستندَه) من إقرار، أو بينة، أو نكول.
(قال في "الرعاية": لو شَهِدَ أحدُ الشاهِدَين ببعض الدَّعوى، قال) الحاكم في علامته التي يصفها (٢) بالوثيقة: (شَهِد عندي بما وضع به خطَّه فيه، أو) يكتب (عادةَ حُكَّام بلدِه) أي: ما جرت به عادتُهم في الإمضاء.
(وإن كان الشاهدُ عدلًا، كتب) القاضي (تحت خَطِّه) بشهادته: (شَهِد عندي بذلك. وإن قبله، كتب: شَهِد بذلك عندي، وإن قَبِله غيره) من الحُكَّام (أو أخبره) حاكم آخر (بذلك) أي: بأنه مقبول (كتب) الحاكمُ بعد "شهد عندي بذلك": (وهو مقبول.
فإن لم يكن الشاهد مقبولًا، كتب) القاضي: (شَهِد بذلك) لئلا يفضحه (وقال للمُدَّعي: زِدْني شهودًا، أو زكِّ شاهدك. انتهى) كلامه في "الرعاية" (٣).
(ولْتَكُنْ للقاضي علامة يُعرف بها من بين الحُكَّام، نحو: الحمد لله وحده، أو غير ذلك) ليحصل التمييز (ويكون) ذلك (بقلم غليظ، ولا يُغيّرها) لئلا يزور عليه (إلا أن يكون نائبًا، فيبقى أصلًا، أو ينتقل من
стр. 7105
بلد) إلى بلد، (فلا يحصل لبس.
ويكتُبُها) أي: العلامة (فوقَ السطرِ الأولِ، تحت البسملةِ، من حِذاء طَرَفها، وتكونُ) العلامة (بعد أداء الشهادة، وتأمُّلِ الحُجَّة المُكتتبة) والتحرُّز مما عساه يدخله الموثق مما اعتادوه، وإن لم يصدر بحسب الصناعة.
(ويكتبُ تحتَ العلامةِ: جرى ذلك، أو: ثبت ذلك، أو: ليشهد بثبوته والحكم بموجبه؛ ونحو ذلك، بحسب ما يقتضي المقام) قلت: والأولى عادة بلده، ولو ذكر كلام "الرعاية" هنا كان أنسب.
(وإن كتب المُزكِّي خطه، فالأولى أن يكون تحت خَطِّ الشاهد في المكتوب، فيكتب: إنَّ فلانَ بن فلانٍ الواضِعَ خَطَّه أعلاه عَدْلٌ فيما يشهد به. ويَرْقُمُ القاضي في المكتوب عند شهادة الشاهد بالقلم الغليظ أيضًا، كما تقدم. إن (١) شاء بخط واحد) يعم الشهود (نحو: شهدا عندي) إن كانا اثنين (أو: شهد الثلاثة أو الأربعة، أو أفرد) القاضي (كل واحد) من الشهود (بخط) تحت خط الشاهد.
(وإن كان الشاهد جليلَ القَدْرِ، كالأمير ونحوه) كالعالم الكبير وقاض آخر (كتب) الحاكم: (أعلمني بذلك بلفظ الشهادة.
وإن كان المكتوب فيه) الوقف ونحوه (أوصالًا، شغل كلَّ موضع وصل بكلمة بقلم (٢) العلامة (٣)، نحو: ثقتي بالله، أو: حسبي الله، ونحوه، كالبياض) أي: كما يشغل البياض في المكتوب بشيء من ذلك احتياطًا.
стр. 7106
قلت: والعادة الآن شغله بختم في كل موضع وصل، وهو حسن؛ إذ الغرض الاحتياط، فكلُّ ما أدى إليه حصَّل المقصودَ، وكلُّ ما تقدم - أو غالبه - طريقةُ المتقدمين، وقد اعتيد الآن خلافُها، ولذلك تقدم عن "الرعاية": أو عادة بلده.
فصل
وإن قال المُدَّعي: ما لي بينة، فقول المُنكِر مع يمينه (١)) للخبر (٢)؛ ولأن الأصل براءةُ ذِمته (إلا النبيَّ ﷺ إذا ادُّعي عليه، أو ادَّعى هو) ﷺ على أحد (فقوله بلا يمين) لعصمته. قلت: وكذا سائر الأنبياء؛ لتعليلهم بالعصمة، والكل معصومون قبل النبوة وبعدها.
(فيُعْلِم) الحاكمُ (المدعيَ) الذي لا بينة له (أن له اليمين على خَصْمِه) لأنه موضع حاجة (فإن سأل إحلافه، أحلفه) لأن اليمين طريق إلى تخليص حَقّه، فلزم الحاكم إجابة المُدّعي إليها؛ كسماع البينة (وخلّى سبيله): أي: المُدّعى عليه بعد إحلافه؛ لأنه لم يتوجَّه عليه حقّ.
(وليس له) أي: القاضي (استحلافه) أي: المُدَّعى عليه (قبل سؤال المدعي) لأن اليمين حَقٌّ له، كنفس الحق، ويمين المُنكِر على الفور.
(فإن أحلفه) القاضي قبل سؤال المُدَّعِي، لم يعتد بيمينه (أو حلف) المُدَّعَى عليه (قبل سؤال المُدَّعِي) تحليفه، وسؤال الحاكم له (لم يعتد بيمينه) لأنه أتى بها في غير وقتها (فإن سألها المُدَّعِي، أعادها له) لأن الأولى لم تكن يمينه.
(ولا بُدَّ في اليمين) التي تقطع الخصومة (من سؤال المُدَّعِي) لها
стр. 7107
(طوعًا) لأن فِعْل المُكْرَه لا اعتداد به (و) من (إذن الحاكم فيها) فلو حلف قبل إلقاء الحاكم الحلف عليه، لم تنقطع الخصومة، وللمُدَّعِي تحليفه بعد ذلك، وتقدم.
(وله) أي: للمُدَّعِي (- مع الكراهة - تحليفه مع علمه بكذبه، وقدرته على حَقّه، نصًّا (١)) أما كونه له ذلك؛ فلأنه يتوصل به إلى حقِّه، وأما كونه يُكره له ذلك؛ فلأنه يحمله على اليمين الكاذبة، وفي ذلك شيء. وعبارة "المنتهى": ولو علم عدم قدرته على حَقّه، ويُكره. قال في "شرحه": أما كونه يُكره له إحلافه في الحالة المذكورة؛ فلأنه ربما يضطره إلى اليمين لخوفه على نفسه من الحبس إذا أقرَّ، لعسرته. انتهى. وهو ظاهر بخلافه مع القدرة.
(ويحرم تحليف البريء) مما ادّعي به عليه؛ لأنه ظلم له (دون الظالم) فلا يحرم تحليفه إيَّاه، كما تقدم (و) تحرم (دعواه ثانيًا وتحليفه) ثانيًا، كالبريء، وهذا المذهب، كما في "الإنصاف" وغيره، وقال في "المستوعب" و"الترغيب" و"الرعاية": له تحليفه عند من جهل حلفه عند غيره؛ لبقاء الحق، بدليل أخذه ببينة.
(وتكون يمينه على صفة جوابه لخصمه) لأنه لا يلزمه أكثر من ذلك الجواب، فيحلف عليه، لا على صفة الدعوى.
(ولا يصِلُها) أي: اليمين (باستثناءٍ) لأنه يُزيل حكمَ اليمين (ولا) يصِلُها - أيضًا - (بما لا يُفهم) لاحتمال أن يكون استثناء.
(وتحرم التَّوريةُ والتأويلُ) لحديث: "يمينك على ما يُصَدِّقُكَ به
стр. 7108
صاحبك" (١) (إلا لمظلومٍ) كمن يستحلفه ظالمٌ ما لفلان عندك وديعة، فينوي بـ "ما" الذي ونحوه، مما تقدم (٢) في باب التأويل.
(و لا يحلف في مُختلَفٍ فيه لا يعتقِدُه، نصًّا (٣)) أي: نصَّ عليه أحمد (وحَمَلَه) أي: النص (الموفَّقُ على الوَرَع) دون التحريم (وقال) الإمام أحمد (٣) (أيضًا: لا يعجبني) أي: أن يحلف على مُختلَف فيه لا يعتقده، فلو باع شافعيٌّ حنبليًّا لحمًا متروك التسمية بدينار مثلًا، ثم ادعى عليه به، فأجاب الحنبليُّ بأنه لا حق له عليَّ، فالتمس المُدَّعِي يمينه على حسب جوابه، فمقتضى نصّ الإمام: لا يحلف؛ لأنه يقطع بهذه ما يعتقده المدعي مالًا عنده، وحمل الموفق النصَّ على الورع؛ لأن المُدَّعَى عليه لا يعتقد أن في ذمته شيئًا؛ لعدم صحة بيع ذلك في اعتقاده.
(وتوقف) الإمام أحمد (فيها) أي: في اليمين (في من عامل بحيلة، كَعِيْنَةٍ) أي: كمسألة العِينة إذا كان المُدَّعى عليه لا يراها، هل يحلف أن ما عليه إلا رأس المال؛ نقله حرب (٤). قال القاضي: لأن يمينه هنا على القطع، ومسائل الاجتهاد ظنية. وقال في "الفروع" في الشفعة: ولو قدم من لا يراها لجار إلى حاكم، لم يحلف، وإن أخرجه خرج؛ نص عليه (٥). وقال: لا يُعجبني الحلف على أمر اختلف فيه (٣).
(ولو أمسك) المُدَّعِي (عن إحلافه) أي: المُدَّعَى عليه بعد الدعوى
стр. 7109
(وأراده) أي: أراد المُدَّعِي إحلافه (بعد ذلك بدعواه المتقدمة، فله) أي: المُدَّعي (ذلك) أي: تحليفه بالدعوى السابقة من غير تجديدٍ لها؛ لأن حقَّه لا يسقط بالتأخير.
(ولو أبرأه) المدعي (من يمينه، برِئَ منها في هذه الدعوى) فقط.
(فلو جَدَّدها) أي: الدعوى (وطَلب اليمين، فله ذلك) لأن حقَّه لم يسقط بالإبراء من اليمين، وهذه الدعوى غير التي أبرأَهُ من اليمين فيها.
(ولا يجوز أن يحلف المُعْسِر: لا حقَّ له عليَّ، ولو نوى الساعةَ، خاف أن يُحبس أو لا) نقله الجماعة عن أحمد (١). وجوَّزه في "الرعاية" بالنية. قال في "الفروع": وهو مُتَّجه. قال في "الإنصاف": وهو الصواب أن خاف حبسًا.
(ولا) يجوز أن يحلف (مَن عليه دَيْن مؤجَّل، إذا أراد غريمُه منعَه من سَفَرٍ) حتَّى يوثقه برهن يحرز أو كفيل، فأنكر الدَّين، فلا يجوز له أن يحلف، ولو أراد الساعةَ؛ لأنه ظالم، فلا ينفعه التأويل.
(وإن لم يحلف) المُدَّعى عليه (قال له الحاكم: إنْ حلفتَ، وإلا قضيتُ عليك بالنكول) لأن النكول ضعيف، فوجب اعتضاده بذلك.
(ويُستحبُّ أن يقول) ذلك (له ثلاثًا) إزالةً لمعذرته.
(وكذا يقوله) الحاكمُ للمُدَّعى عليه (في كلِّ موضعٍ قلنا: يستحلف المُدَّعى عليه.
فإن لم يحلف) المُدَّعى عليه (قضى عليه) بالنكول (إذا سأله المُدعِي ذلك) لأن عثمان قضى على ابن عمر بنكوله؛ رواه أحمد (٢)؛
стр. 7110
ولقوله ﷺ : "اليمين على المدعى عليه" (١) فَحَصَرها في جهته، فلم تُشرع لغيره، وسواء كان المُدَّعَى عليه مأذونًا له، كعبد، أو مريضًا، أو غيرهما.
(وهو) أي: النكول (كإقامة بينة، لا كإقرار) بالحق؛ لأنه لا يتأتَّى جعله مقِرًّا مع إنكاره (ولا كبذله) الحق؛ لأن البذل قد يكون تبرُّعًا، ولا تبرُّعَ هنا، لكن لا يشارك من قُضي له بالنكول على محجور عليه لفَلَسِ غرمائه؛ لاحتمال التواطؤ.
(ولا تُرَدّ اليمين على المُدَّعي) لما تقدم من حصره ﷺ لها في جهته.
(وإذا قال المُدَّعي: "لي بينةٌ"، بعد قوله: "ما لي بينة" لم تُسمع) لأن سماع البينة قد تحقَّق كذبه، فيعود الأمر على خلاف المقصود (وكذا قوله: كذب شهودي، أو: كلُّ بينةٍ أُقيمُها فهي زور) أو باطلة، أو فلا حَقَّ لي فيها، فلا تُسمع بينته، كما لو قال: ما لي بينة (وأولى) لأنه أصرح في تكذيب شهوده (ولا تبطل دعواه بذلك) أي: بقوله: كذب شهودي، أو: كل بينة أُقيمُها فهي زور أو باطلة، فله تحليف المُدَّعى عليه؛ لأنه قد يكون الحق لا بينة به.
(وإن قال) المُدَّعي: (لا أعلم لي بينة، ثم قال: لي بينة؛ سُمعت) بينته؛ لأنه يجوز أن تكون له بينة لا يعلمها، ونفي العلم بها ليس نفيًا لها، فلا يكون مكذبًا لها.
(وإن) قال: لا أعلم لي بينةً، فـ (ــقالت بينةٌ: نحن نشهَدُ لك، فقال: هذه بيّنتي، سُمِعت) وهي أَولى من التي قبلها؛ لأنه لا تُهمة فيها