← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 622

كشاف القناع عن متن الإقناع - ط وزارة العدل

البهوتي

Полный текст (7 407 стр.). Показаны 7141–7180 · переход к 7146.

стр. 7141

"الاختيارات" (١)، وظاهر إطلاق غيره. وقيد في "المنتهى" بما إذا كان في غير عمله، وقال في "شرحه": لأنه إذا كان بعمله أحضره؛ ليكون الحكم عليه مع حضوره. و (لا) يقضي على الغائب (في حَقِّ الله تعالى - كالزنى والسرقة) لأن مبنى حقّ الله تعالى على المُسامحة (لكن يقضي في السرقة بالمال فقط) لأنه حق آدمي. (و ليس تقدمُ الإنكار في الدعوى على غائب ونحوه شرطًا) إذِ الغَيبة ونحوها، كالسكوت، والبينة، تُسمع على ساكت، لكن لو قال: هو معترف، وأنا أُقيم البينة استظهارًا؛ لم تُسمع. وقاله الأدمى؛ ذكره في "المبدع" عن "الترغيب". (ولا يلزم المُدَّعي أن يحلِف) مع بينته التامة (أن حقَّه باقٍ) لقوله ﷺ : "البينة على المُدَّعِي، واليمينُ على من أنكر" (٢)، وكما لو كانت على حاضر، بخلاف ما إذا أقام شاهدًا، فإنه يحلف معه (والاحتياط تحليفه، خصوصًا في هذه الأزمنة) لأنه يحتمل أن يكون قضاه أو غير ذلك، وكما لو كان حاضرًا فادعى بعض ذلك. (ولا يلزم القاضيَ نَصْبُ مَن يُنكِر، أو يجيب بغيره عن الغائب) لأن تقدم الإنكار ليس شرطًا، كما سبق (ثم إذا قدم الغائب، وبلغ الصغير ورشد، وأفاق المجنون، وظهر المستتر، فهم على حُججهم) لأن المانع إذا زال صاروا كالحاضرين المكلفين. وإن قَدِم الغائبُ قبل الحكم، وُقِفَ الحكمُ على حضوره، ولم

стр. 7142

تجب إعادة البينة، لكن يُخبره بالحال، ويمكّنه من الجرح (لكن لو جرح البينة بأمر بعد أداء الشهادة، أو) جرحها (مطلقًا) بأن لم يعزه لما قبل الشهادة، ولا لما بعدها (لم يُقبل) تجريحه لها (لجواز كونه بعد الحكم، فلا يقدح فيه) أي: في الحكم (وإن جرحها بأمرٍ) مُفَسِّق (كان قبْلَ) أداء (الشهادة، قُبِلَ) بالبينة (وبَطَل الحكمُ) لفقد شرطه، وهو عدالة البينة. (ولا يمين مع بينة كاملة) في دعوى على غائب، أو غيره (كمُقَرٍّ له) في أنه لا يمين عليه (لكن تقدم في باب الحجر (١): إذا شَهِدت بينة بنفاد ماله أنه) أي: المُدَّعي (يحلف معها) لأنه يحلف على غير ما شهدت به البينة، فلا تكذيب لها، إذْ لا يلزم من هلاك ما شهدت بهلاكه أنه لا مال له غيره، وقريب منه ما ذكروه في المُرتهِن، والوديع، ونحوهما إذا ادَّعوا التلفَ بسببٍ ظاهر، وأقاموا البينة بوجود الظاهر، يحلفون على التلف. (قال في "المحرر": وتختصُّ اليمين بالمُدَّعى عليه دون المُدَّعِي) لحديث: "البينة على المُدَّعِي، واليمين على مَن أنكر" (٢) (إلا في القسامة) فيبدأ بأيمان المُدَّعين؛ لخبرها الخاصّ، وتقدَّم في بابها (٣) (و) إلا في (دعاوى الأمناء المقبولة) كدعوى التلف وعدم التفريط ونحوه؛ وتقدم (٤) (وبحيث يحكم باليمين مع الشاهد) بأن كان المُدَّعَى به مالًا، أو يقصد به المال؛ لما تقدم. (وقال حفيده) أي: ابن ابنه، وهو أبو العباس (٥) تقي الدين بن

стр. 7143

تيمية: (دَعاوَى الأمناء المقبولة غير مُستثناة) من قولنا: تختص اليمين بالمُدَّعَى عليه (فيحلفون؛ وذلك) أي: توضيح عدم استثنائهم (لأنهم أُمناء لا ضمان عليهم، إلا بتفريط، أو عدوان، فإذا ادُّعي عليهم ذلك، فأنكروا، فهم مدَّعىً عليهم، واليمين محلى المُدَّعَى عليهم) فلا حاجة إلى استثنائهم. لكن جده نظر إلى الصورة. (وإن كان) المُدَّعَى عليه (غائبًا عن المجلس، أو) غائبًا (عن البلد دون مسافة القَصْر، غير ممتنعٍ) من الحضور لمجلس الحكم (لم تُسمع الدعوى) عليه (ولا البينة، حتى يحضر) لأن حضوره ممكن، فلم يَجُز الحكم عليه مع حضوره (كحاضر في المجلس) بخلاف الغائبِ البعيد، والممتنع. (فإن أبى) الخصمُ (الحضورَ، لم يُهجم عليه في بيته) أي: يَحْرُم. وفي "التبصرة": إن صحَّ عند الحاكم أنه في منزله، أمر بالهجوم عليه، وأخرجه. ونصُّه: يحكمُ بعد ثلاثة أيام، جزم به في "الترغيب" وغيره (وسُمعت البينة) على الممتنع ببيته كغيره (وحكم بها) لتعذُّر حضوره، كالغائب البعيد. (ثم إن وجد) الحاكمُ (له) أي: الغائب، أو الممتنع (مالًا، وفَّاه منه، وإلا قال للمُدَّعِي: إن وجدت له مالًا، وثبت عندي) أنه ماله (وفَّيتُكَ منه) لولايته على الغائب والممتنع. (وإن كان المقضيُّ به على الغائب) أو الممتنع (عينًا، سُلِّمت إلى المُدَّعِي) كما لو كان حاضرًا. (والحكم للغائب ممتنع) قال في "الترغيب": لامتناع سماع البينة له، والكتابة له إلى قاضٍ آخر؛ ليحكم له بكتابه، بخلاف الحكم عليه.

стр. 7144

(ويصحُّ) الحكم للغائب (تبعًا، كدعواه) أي: الحاضر (أنَّ أباه مات عنه وعن أخ له غائب) مطلقًا (أو) أخ له (غير رشيد، وله) أي: الأب (عند فلان عين، أو دين، فثبت (١) بإقرار أو بينة، فهو للميت، ويأخذ المُدَّعِي نصيبه، و) يأخذ (الحاكمُ نصيبَ الآخر، فيحفظه له) حتى يحضُر، أو يَرْشُد؛ لأن حقَّه ثبت، وذلك يوجب تسليم نصيبه إليه. (وتُعاد البينةٌ في غير الإرث) أي: إذا شهدت بينة بحقٍّ مشترك سببه غير إرث - كبيع وهِبة لحاضر - ادَّعى نصيبه منه، وحكم له القاضي، ثم حضر شريكه الغائب، فادعى نصيبه منه، تُعاد له البينة، ولا تبعية هنا. (وكحكمه) أي: مثل الإرث في ثبوت حَقِّ الغائب تبعًا للحاضر حكم الحاكم (يوقف يدخل فيه من لم يُخلَق) من الموقوف عليهم (تبعًا لمستحقه الآن. و) مثله (إثبات أحد الوكيلين الوكالة في غيبة الآخر، فتثبت له) أي: للغائب (تبعًا. و) مثله (سؤال أحد الغرماء الحَجْرَ) على المفلس، فإنه (كـ) ــسؤال (الكل) الحَجْرَ عليه (وتقدم (٢)). قال الشيخ تقي الدين (٣): (فالقضية الواحدة المشتملة على عدد، أو أعيان، كولد الأبوين في المشرَّكة) وهي: زوج، وأم، وأخوان لأم فأكثر، وإخوة لأبوين (الحكم فيها لواحدٍ) من الإخوة لأبوين، بأنه يشارك الإخوة لأم؛ وفاقًا للمالكية (٤)،

стр. 7145

والشافعية (١) (أو) الحكم (عليه) بأنه ساقط؛ لاستغراق الفروضِ التركةَ؛ وفاقًا لأبي حنيفة (٢)، وأحمد (٣) (يعمُّه) أي: المحكوم له، أو عليه (و) يعم (غيره) من الإخوة الأشقاء؛ لتساويهم في الحكم. (وحكمه) أي: الحاكم (لطبقة) من أهل الوقف (حكمٌ لـ) ـلطبقة (الثانية، إن كان الشرط واحدًا، حتى من أبدى) من الطبقة الثانية (ما يجوز أن يمنع الأول من الحكم عليه، فللثاني الدفع به) لأن كلَّ بطنٍ يتلقَّاه عن واقفه، فهو أصل. (ومن ادَّعى أن الحاكم حكم له بحقٍّ، فصدَّقه) الحاكم (قُبِل قول الحاكم وحدَه إن كان) الحاكم (عدلًا، كقوله) أي: الحاكم (ابتداء) من غير دعوى: (حكمتُ بكذا) فإنه يُقبل منه ذلك، وليس هذا حكمًا بعلمه، إنما هو إمضاء للحُكم السابق، وقال ابن حمدان: إن منعنا الحكمَ بعلمه فلا. (وإذا ادَّعى أنه) أي: الحاكم (حكم له بحقٍّ، ولم يذكره الحاكم، فشَهِد عدلان أنه حكم له به، قَبِلَ شهادتهما، وأمضى القضاءَ، ما لم يتيقَّن صوابَ نفسِه) لأنهما إذا شَهِدا عنده بحكم غيره، قَبِل، فكذا إذا شهدا عنده بحكمه. والفرق بينه وبين الشاهد إذا نسي شهادته: أنّ ذِكر ما نسيه ليس إليه، والحاكم يُمضي ما حكم به إذا ثبت عنده، والشاهد لا يقدر على إمضاء شهادته. (وكذلك إنْ شَهِدا أن فلانًا وفلانًا شَهِدا عندك بكذا) أي: فيقبل

стр. 7146

شهادتهما كما يقبل شهادتهما على الحق نفسِه. قلت: ظاهره ولو لم توجد باقي شروط الشهادة على الشهادة؛ لدُعاء الحاجة إلى ذلك. ويحتمل أنه غير مُراد. (فإن لم يشهد به) أي: بحكمه (أحد، لكن وجده) الحاكم (في قِمَطْره في صحيفته تحت ختمه بخطه، وتيقَّنه، ولم يذكره؛ لم ينفذه) لأنه حكم حكم لم يعلمه، فلم يجز إنفاذه إلا ببينة، كحكم غيره؛ ولأنه يجوز أن يزوَّر عليه، وعلى خطِّه، وختمه، و (كخَطِّ أبيه) إذا وجده (بحكم أو شهادة، لم يحكم، ولم يشهد بها) قال في "المبدع": إجماعًا (١). (وكذا شاهد رأى خطّه في كتابٍ بشهادة ولم يذكرها) أي: الشهادة، فلا يشهد اعتمادًا على خطِّه؛ لما تقدَّم. وعنه (٢): يجوز إذا تيقَّنه. قال في "الشرح": لأن الظاهر أنها خطه. (ومن تحقَّق الحاكمُ منه أنه لا يفرق بين أن يذكر الشهادة، أو يعتمد على معرفة الخط؛ يتجوَّز بذلك؛ لم يجز) للحاكم (قَبول شهادته) كالمُغَفَّل؛ لاحتمال أن يكون اعتمد على الخط (وإلا) أي: وإن لم يتحقَّق الحاكم ذلك منه (حرم أن يسأله عنه) أي: هل ذَكر الشهادة؟ أو اعتمد على معرفة الخط؛ لأنه قدح فيه بما الأصل خلافه. (ولا يجب) على الشاهد إذا سأله الحاكم في هذه الحال (أن يخبره بالصفة) أي: بكونه ذكر الشهادة، أو اعتمد على خطه. (ومن نسيَ شهادته، فشَهِدا) أي: شاهدان (٣) (بها عنده؛ لم يشهد

стр. 7147

بها) لما تقدم. فصل (ومَن له على إنسان حقٌّ لم (١) يُمكِنْهُ أخذُه) منه (بحاكم، وقَدَرَ له) أي: للمدين (على مال، لم يَجُزْ له) أي: حرم على ربِّ الحق (في الباطن أخذ قَدْر حقِّه) لقوله ﷺ : "أدِّ الأمانةَ إِلَى من ائتمنك، ولا تَخُن مَن خَانك" (٢) وقوله: "لا يَحِلُّ مالُ امرئ مسلم، إلا عن طيب نفس منه" (٣) ولأن التعيين والمفاوضة (٤) لا يجوزان (٥) بغير رضا المالك. (إلا إذا تعذَّر على ضيف أخذ) قَدْر (حقِّه) من واجب الضيافة (بحاكم) فله أخذه قهرًا، وتقدم بدليله في الأطعمة (٦) (أو منعَ زوجٌ ومَن في معناه) من قريبٍ وسيِّد (ما وجب عليه) لزوجته، أو قريبه، أو مملوكه (من نفقة ونحوها) ككِسوة، ومَسْكن (فله ذلك، وتقدَّم (٧)) ذلك في النفقات؛ لقوله ﷺ : "خُذِي ما يكْفيك وولدك بالمعروف" (٨)؛ ولأن حقَّ الزوجيَّة واجب في كل وقت، والمحاكمة في كلِّ لحظةٍ تشق، بخلاف مَن له دَيْن. أشار إليه الإمام (٩).

стр. 7148

(لكن لو غَصَب مالَه جهرًا، أو كان عنده عَيْنُ مالِهِ، فله أخْذُ قَدْرِ المغصوب جهرًا) ذكره الشيخ تقي الدين (١)، وغيره. (أو) أخذ (عَيْن ماله ولو قهرًا) زاد في "الترغيب": ما لم يُفْضِ إلى فتنة (وعنه (٢): يجوز) لربِّ الدَّين، إذا تعذَّر عليه أخذه من المدين بالحاكم، لجحدٍ (٣)، أو غيره (إن لم يكن) المدين (معسرًا به، أو كان مؤجَّلًا) أي: ولم يكن مؤجلًا الأخذ (فيأخذ قَدْر حَقِّه من جنسه) إن وجد في مال المدين من جنسه (وإلا قوَّمه وأخذ بقَدْرِه في الباطن، متحرِّيًا للعدل) في ذلك؛ لحديث هند: "خُذِي ما يكفيك وولدك بالمعروف" (٤)؛ ولقوله: "الرهن مركوبٌ ومحلوبٌ بقَدْرِ نفقته (٥) " (٦)

стр. 7149

والأول أَولى؛ لأن حديث هند قد تقدَّم الفرق بينه وبين هذا. فإن كان مَن عليه الدَّين مُقِرًّا به، باذلًا له، أو كان مانعًا له لأمر يُبيح المنع، كالتأجيل والإعسار، أو قدر على استخلاصه بالحاكم، لم يجز الأخذ، بغير خلاف. (وإن كان لكلِّ واحدٍ منهما على الآخر دَيْن من غير جنسه، فجحد أحدهما) دَيْنَ الآخر (فليس للآخر أن يجحده) دينه، قال في "الترغيب": لأنه كبيع دَيْنٍ بدَيْنٍ، لا يجوز، ولو رضيا. فإن كان الدينان من جنس، تقاصّا بشرطه، وسبق. (و حكم الحاكم لا يُزيل الشيء عن صفته باطنًا) لقوله ﷺ في حديث أم سلمة: "فمن قضيتُ له بشيءٍ من مال أخيه، فلا يأخذه، فإنما أقْطع له قطعةً من النار" متفق عليه (١). ولأنه حكم بشهادة زور، فلا يحِلُّ لَهُ ما كان مُحَرَّمًا عليه، كالمال

стр. 7150

المطلق (١). (ولو) كان حكم الحاكم (في عقدٍ ونسخٍ وطلاقٍ، فمَن حكم له ببينة زور بزوجيّة امرأة، فإنها لا تَحِلُّ له) باطنًا (ويلزمها) حكمه (في الظاهر) لعدم ما يدفعه (و) يجب (عليها أن تمتنع منه ما أمكنها. فإن أكرهها) ووطئها (فالإثم عليه دونها) لأنها مُكْرَهة. (ثم إن وطئ مع العلم، فكزنىً، فيُحَدُّ) وما رُويَ عن عليٍّ أن: "رجلًا ادَّعى على امرأة نكاحًا، فَرُفعا إلى عليٍّ، فشَهِد شاهدان بذلك، فقضى بينهما بالزوجيّة، فقالت: والله ما تزوَّجني، اعْقد بيننا عقدًا حتى أحِلَّ له، فقال: شاهداك زوَّجاكِ" (٢) فبتقدير صحته: لا حُجَّة فيه للمخالف؛ لأنه أضاف التزويج إلى الشاهدين لا إلى حُكمه، ولم يُجِبْها إلى التزويج؛ لأن فيه طعنًا على الشهود. لكن اللعان ينفسخ النكاح به، وإن كان أحدهما كاذبًا؛ لأن الشرع وضعه لستر الزانية وصيانة النسب، فتعقبه (٣) الفسخ الذي لا يمكن الانفكاك إلا به، وليس كمسألتنا. (ويصحُّ نِكاحها) أي: المرأة المحكوم بنكاحها لرجل ببينة زور (غيره) لخلوها من النكاح (وقال الموفق) والشارح: (لا يصح) تزويجها غيره (الإفضائه إلى وطئها من اثنين؛ أحدهما بحكم الظاهر، والآخر بحكم الباطن) وهذا فساد، وكالمزوَّجة بلا وليٍّ. (وإن حكم) الحاكم (بطلاقها ثلاثًا بشهود زُور، فهي زوجته باطنًا)

стр. 7151

نصًّا (١) (ويُكره له اجتماعه بها ظاهرًا، خوفًا من مكروه يناله) بسبب طَعْنه على الحاكم (ولا يصحُّ نِكاحها غيره ممن يعلم بالحال) لأنها باقية في عصمة الأول. (ومن حكم لمجتهد، أو) حكم (عليه بما يخالف اجتهاده، عمل) المجتهد (باطنًا بالحكم) كما يعمل به ظاهرًا (لا باجتهاده) لرفع حكمه الخلاف في المحكوم به. قال في "الاختيارات" (٢): التحقيق أنه ليس للرجل أن يطلب من الإمام ما يرى أنه حرام، ومن فعل هذا فقد فعل ما يعتقد تحريمه، وهذا لا يجوز، لكن لو كان الطالب غيره، أو ابتدأ الإمام بحكم أو قسمة، فهنا يتوجَّه القول بالحِلّ. (وإن باع حنبليٌّ متروكَ التسمية) عمدًا من ذبيحة، أو صيد (فحكم بصحته شافعيٌّ، نَفَذَ) حكمه عند أصحابنا إلا أبا الخطاب؛ قاله في "الفروع". (وإن ردَّ حاكمٌ شهادةَ واحدٍ بـ) ــرؤية هلال (رمضان، لم يؤثّر) ردّه لشهادته (كـ) ــرده بيّنةَ (ملكٍ مُطْلَقٍ، وأولى؛ لأنه لا مدخل لحُكْمه في عبادة ووقتٍ، وإنما هو) أي: ردّه لشهادة الواحد بهلال رمضان (فتوى، فلا يقال: حَكَمَ بكَذبه، أو) حكم (أنه لم يَرَه) أي: الهلال، فيلزم من علم ذلك الصوم، ولو شهد عند غيره ممن يرى قبول الواحد، ثبتت رؤيته. قال الغَزّيّ: وكذا طهارة شيء ونجاسته، لا يدخلها الحكم استقلالًا، لكن يدخلها تضمّنًا، كمن علَّق عتقًا أو طلاقًا على طهارة شيء

стр. 7152

أو نجاسته، فإذا ثبت وقوع الطلاق لوجود الصفة، وحكم بصحة الطلاق، أو بموجِب ما صدر من المُعَلِّق، ووجود الصفة، كان متضمنًا للحكم بذلك. (ولو رفع إليه) أي: الحاكم (حكمٌ في مختلَف فيه لا يلزمه نقضه) لعدم مخالفته كتابًا، أو سُنَّة، أو إجماعًا، أو ما يعتقده (لينفذه؛ لزمه تنفيذه وإن لم يره) المرفوع إليه صحيحًا؛ لأنه حكمٌ ساغ الخلافُ فيه، فإذا حكم به حاكمٌ، لم يجز نقضُه، فوجب تنفيذه (وكذا لو كان نفس الحكم مختلَفًا فيه؛ كحكمه بعلمه، و) كحكمه بـ (ـنكوله) أي: الخصم (و) كحكمه بـ (ــشاهد ويمين، وكتزويجه يتيمة (١)) بالولاية العامة، وكالحكم على غائب. وفي "المحرر": لم يلزمه تنفيذه، إلا أن يحكم به حاكم آخر قبله. قال شارحه: فإن نفس الحكم في شيء لا يكون حكمًا بصحة الحكم. (ولو رَفَع إليه) أي: الحاكم (خصمان عقدًا فاسدًا عنده، وأقرَّا) أي: الخصمان (بأن نافِذَ الحُكْمِ حَكَم بصحته، فله إلزامهما بذلك) العقد الذي أقرَّا أن نافذ الحكم حكم بصحته؛ لأنه حقٌّ أقرَّا به، فلزمهما، كما لو أقرَّا بغيره (وله ردُّه والحكم) عليهما (بمذهبه) لأن حكم الحاكم به لا يثبت بإقرارهما؛ وإنما يثبت بالبينة، ولا بينة هنا، فلا يلزمه العمل به؛ لعدم ثبوته عنده. (ومن قَلَّد) مجتهدًا (في صِحّة نِكاح) مختَلَف فيه (لم يفارق) المنكوحة (بتغير اجتهاده) أي: اجتهاد المجتهد الذي قلَّده في الصحة (كحُكْمٍ) أي: كما لو حكم به مجتهد يرى صحته حال الحكم ثم تغير

стр. 7153

اجتهاده؛ لقول عمر: ذاك على ما قضينا، وهذا على ما نقضي (١) (بخلافٍ مجتهِدٍ نكح) نكاحًا أداه اجتهاده إلى صحته (ثم رأى بطلانه) فإنه يلزمه أن يفارق؛ لاعتقاده بطلانه، وحرمة الوطء. (ولا يلزم) المجتهد (إعلام المقلِّد) بكسر اللام (بتغيُّرِه) أي: تغيُّر اجتهاده؛ لأنه لا يلزم المقلد أن يفارق بتغيُّر اجتهادِ من قَلَّده؛ لما فيه من الحرج والمشقَّة. (وإن بان خطؤه) أي: الحاكم (في إتلافٍ) كقطع وقتل (لمخالفة دليل قاطع، أو) بانَ (خطأ مُفْتٍ ليس أهلًا) للفتيا (ضَمِنا) أي: الحاكم والمفتي؛ لأنه إتلاف حصل بفعلهما، أشبه ما لو باشراه، وعُلِم منه أنه لو أخطأ فيما ليس بقاطع، مما يقبل الاجتهاد؛ لا ضمان. (ولو بان بعد الحكم كُفْرُ الشهودِ أو فسقُهم؛ لزمه) أي: الحاكم (نقضه) أي: الحكم؛ لفَقْدِ شَرْطِ صحته. (ويرجع بالمال) المحكوم (٢) إن بقي (أو بدله) إن تلف، على المحكوم له؛ لأنه أخذ بغير حق (أو) يرجع بـ (ــبدل قَوَدٍ مستوفًى، على المحكوم له) إن لم يكن تعمد قتله، على ما سبق تفصيله في العمد (٣). (وإن كان الحكم إليه) تعالى (بإتلاف حسي) كقتل في ردة، وقطع في سرقة (أو بما سرى إليه) أي: الإتلاف الحسي، كجَلْدٍ سرى ومات به، ثم بان كُفْرُ الشهود، أو فِسقهم (ضمنه مزَكُّون) إن كانوا؛ لتفريطهم وتسببهم، وإلا فحاكم (٤).

стр. 7154

(وإن بانوا) أي: الشهود (عبيدًا، أو والدًا) للمشهود له (أو ولدًا، أو عدوًّا) للمشهود عليه (فإن كان الحاكم) الذي حكم (به يرى الحكم به، لم ينقض حكمه) لموافقته اعتقاده. (وإلا) أي: وإن لم يرَ حاكمه الحكم به (نقضه، ولم ينفذ) حكمه به (لأن الحاكم يعتقد بطلانه) وليس له الحكم بما يخالف اعتقاده، إلا المُقلِّد، فإنه يُقَلِّدُ كبارَ مذهبه، ويُراعي نصوص إمامه ومتأخِّرها، ويحكم به، ولو اعتقد خلافه. وأفتى التقي الفُتُوحيّ بنقض حكم الحنبلي: بأن طلاق الثلاث بكلمة واحدة طلقة؛ لمخالفته نصّ إمامه. وذكر الشيخ يوسف المرداوي في "الرد الجلي" (١): إنه ينقض حكم المُقلِّد بما يخالف مذهب إمامه. (وإذا حكم) الحاكم (بشهادة شاهد، ثم ارتاب) الحاكم (في شهادته، لم يَجُز له الرجوع في حكمه) لأن الأصل موافقته (٢) الصحة، ولم يثبت خلافه. (وفي "المحرر": من حكم بقَوَدٍ أو حَدٍّ ببينة، ثم بانوا) أي: الشهود (عبيدًا، فله نقضه إذا كان) الحاكم (لا يرى قَبولهم فيه) أي: القود أو الحد. فقوله: "له نقضُه" يقتضي أنه إن شاء نَقَضَه أو أمضاه، والظاهر أنه ليس مرادًا، ولعله قاله في مقابلة المنع، فلا يُنافي ظاهر كلام غيره من لزوم نقضه؛ لفَقْدِ شَرْطه عنده. (وكذا) شيء (مختلَف فيه) أي: في كونه مانعًا من قَبول الشهادة،

стр. 7155

أو الحكم (صادف ما حكم به) الحاكم (وجَهِله) الحاكم، فينقضه إذا كان لا يرى الحكم معه؛ لفقد شرطه (ولا يُعتبر في نَقْضِ حكم الحاكم عِلْمُ الحاكم بالخلاف) يعني: لا ينقض حكم الحاكم بشيء لعدم علمه الخلاف فيه (خلافًا لمالك، وتقدم (١) بعضه في الباب قبله) موضَّحًا.

стр. 7156

باب كتاب القاضي إلى القاضي والأصل في المكاتبة الإجماع (١)، وسنده قوله تعالى: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ. . .﴾ الآية (٢). وكتب النبيُّ ﷺ إلى كسرى، وقيصر، والنجاشي، وملوك الأطراف، يدعوهم إلى الإسلام (٣)، وكان يكتب إلى عُمَّاله، وسُعَاته. والحاجة داعيةٌ إلى قَبوله، فإن مَن له حقٌّ في بلد غير بلده، لا يمكنه إثباته ولا مطالبته إلا بكتاب القاضي، وذلك يقتضي وجوب قَبوله. (لا يُقبل) كتاب القاضي إلى القاضي (في حَدٍّ لله تعالى، كزنىً

стр. 7157

ونحوه) كحدِّ الشرب، وكالعبادات؛ لأن حقوق الله تعالى مبنيّة على المُسامحةِ والسترِ، والدَّرْءِ بالشُّبهاتِ، والسقوطِ بالرجوع عن الإقرار بها، ولهذا لا تُقبل فيها الشهادة على الشهادة، فكذا كتاب القاضي إلى القاضي. (ويُقبل) كتاب القاضي (في كل حقِّ آدمي، من المال وما يقصد به المال، كالقرض، والغصب، والبيع، والإجارة، والرهن، والصلح، والوصيةِ له) أي: لزيد مثلًا (و) الوصية (إليه، و) على أولاده. ويُقبل (في الجناية، والقِصاص، والنكاح، والطلاق، والخلع، والعتق، والنسب، والكتابة، والتوكيل) في المال وغيره (وحَدِّ القذف) لأنه حقُّ آدميٍّ لا يُدرأ بالشُّبهات؛ ولأن هذا في معنى الشهادة على الشهادة. (وفي هذه المسألة) وهي: أن كتاب القاضي إلى القاضي لا يُقبل، إلا فيما تُقبل فيه الشهادة على الشهادة (ذكر الأصحاب: أن كتاب القاضي) إلى القاضي (حكمه كالشهادة على الشهادة؛ لأنها) أي: كتابته (شهادة على شهادة. وذكروا) أي: الأصحاب (فيما إذا تغيَّرتْ حالُهُ، أنه) أي: القاضي الكاتب (أصل، ومن شهِد عليه) بكتابه (فرع، فلا يسوغ) لقاضٍ (نَقْضُ الحكم) من المكتوب إليه (بإنكار القاضي الكاتب، ولا يقدح) إنكاره (في عدالة البينة، بل يَمنع إنكارُه) قبل الحكم (الحكمَ، كما يمنع رجوعُ شهودِ الأصل) قبل الحكم (الحكمَ، فدلَّ ذلك أنه) أي: القاضي الكاتب (فرعٌ لمن شَهِد عنده) بالحقِّ الذي كتب به (و) أنه (أصلٌ لمن شَهِد عليه) بكتابه، ودلَّ أنه (١) يجوز أن يكون شهود فرع أصلًا لفرع آخر؛ لدعاء

стр. 7158

الحاجة إليه. (والمحكومُ به إنْ كان عينًا في بلد الحاكم، فإنه يُسَلِّمه إلى المُدَّعي، ولا حاجة إلى كتاب) لأن للقاضي ولاية على الغائب والممتنع، فيقوم مقامه في تسليم العين، كولي الصغير. (وإن كان) المحكوم به (دَيْنًا، أو عينًا في بلدة أخرى) غير بلدة الحاكم (فهنا يقف (١) على الكتاب) لِيُسَلِّمَ المكتوبُ إليه العينَ لرَبّها، أو يأمر المحكوم عليه بوفاء الدين. (وهنا ثلاث مسائل متداخلات: مسألة إحضار الخصم إذا كان غائبًا) بعمل القاضي، ولو بعدت المسافة. (ومسألة الحكم على الغائب) إذا كان مسافة قَصْر فأكثر، أو مستترًا ولو بالبلد. (ومسألة كتاب القاضي إلى القاضي، وتقدم (٢) بعضه في الباب قبله في الحكم على الغائب). قال في "الاختيارات" (٣): ولو قيل: إنما يحكم على الغائب إذا كان المحكوم به حاضرًا؛ لأن فيه فائدة، وهي تسليمه، وأما إذا كان المحكوم به غائبًا، فينبغي أن يكاتب الحاكم بما ثبت عنده من شهادة الشهود، حتى يكون الحكم في بلد التسليم؛ لكان متوجّهًا. (ويُقبل) كتاب القاضي (فيما حَكَم به) الكاتب من حقٍّ على إنسان، فيتعين عليه وفاؤه، أو على غائب بعد إقامة البينة عنده، ويسأله

стр. 7159

أن يكتب له كتابًا بحكمه إلى قاضي بلد الغائب، فيكتب إليه، أو تقوم البينة على حاضر، فيهرب قبل الحكم عليه، فيسأل ربُّ الحقِّ الحاكمَ الحُكْمَ عليه، وأن يكتب له كتابًا بحُكْمه (لِيُنْفِذه) المكتوب إليه (ولو كانا) أي: القاضيان، الكاتب والمكتوب إليه (ببلدٍ واحدٍ، أو) كان (كلُّ) واحدٍ (منهما ببلد، ولو) كان أحد البلدين (بعيدًا) عن الآخر مسافة القصر فأكثر؛ لأن حكم الحاكم يجب إمضاؤه على كل حال (إلا فيما ثبت عنده) أي: القاضي الكاتب (ليحكم به) المكتوب إليه، فلا يُقبل (إلا في مسافة قَصْرٍ فأكثر) لأنه نقل شهادة، فيعتبر فيه ما يُعتبر في الشهادة على الشهادة. وكتابه بالحكم ليس هو نقلًا، وإنما هو خبر، والثبوت ليس بحكم كما تقدم. وللحاكم الذي اتَّصل به ذلك الثبوت الحكم به إذا كان يرى صحته. قال في "الفروع": فيتوجَّه: لو أثبت حاكمٌ مالكيٌّ وقفًا لا يراه - كوقف الإنسان على نفسه - بالشهادة على الخط، فإنْ حَكَمَ - للخلافِ في العمل بالخطِّ - كما هو المعتاد، فلحاكمٍ حنبليٍّ يرى صِحَّةَ الحكمِ أن ينفذه في مسافة قريبة، وإنْ لم يحكم، بل قال: ثبت هذا، فكذلك؛ لأن الثبوت عند المالكي حكمٌ، ثم إن رأى الحنبليُّ الثبوتَ حكمًا نفذه، وإلا فالخلاف في قرب المسافة، ولزوم الحنبليِّ تنفيذه ينبني على تنفيذ الحكم المختلف فيه، وحكمُ المالكيِّ مع علمه باختلاف العلماء في الخطِّ لا يمنع كونه مختلَفًا فيه، ولهذا لا تنفذه الحنفية حتى ينفذه حاكم، وللحاكمِ الحنبليِّ الحكمُ بصحة الوقف مع بُعْد المسافة، ومع قُربها الخلاف. (ولو سَمِع) الكاتب (البينة، ولم يُعدِّلها، وجعل تعديلها إلى

стр. 7160

الآخر) أي: المكتوب إليه (جاز) ذلك (مع بعد المسافة) لا مع قُربها. (وله) أي: القاضي (أن يكتب إلى قاضٍ معيَّنٍ، و) إلى قاضي (مِصْر، أو) قاضي (قرية) معينين (و) أن يكتب (إلى كلِّ من يصل إليه من قضاة المسلمين) ويلزم مَن وَصَلَه قَبوله؛ لأنه كتاب حاكم من ولايته، فلزمه (١) قَبوله، كما لو كان الكتاب إليه بعينه. (ويُشترط لقَبوله) أي: كتاب القاضي (أن يُقرأ على عَدْلين، وهما ناقلاه) أي: الكتاب إلى المكتوب إليه؛ ليتحمَّلا الشهادة به، وسواء كانت القراءة من حاكم أو غيره، والأولى أن يقرأه الحاكم؛ لأنه أبلغ، والأحوط أن يقرآ معه فيما يقرؤه. (ويُعتبر ضَبْطُهما) أي: الشاهدين الناقلين لكتاب القاضي (لمعناه وما يتعلَّق به الحكمُ فقط) يعني: دون ما لا يتعلَّق به الحكم؛ لأن القصد المعنى دون الألفاظ. (ثم يقول) القاضي الكاتبُ: (هذا كتابي) إلى فلان بن فلان (أو) يقول: (اشْهَدا عليَّ أن هذا كتابي إلى فلان بن فلان) أو: إلى من يَصِل إليه من القضاة؛ لأنه يُحَمَّلُ الشهادةَ، فوجب أن يُعتبر فيه إشهاده، كالشهادة على الشهادة. (وإن قال: اشْهَدا عليَّ بما فيه، كان أولى) لأنه أصرح في المقصود (ولا يشترط) قوله: اشهدا عليَّ به. (ويدفعه) أي: الكتاب (إليهما، والأولى خَتْمُه، احتياطًا) بعد أن يقرأ على الشاهدين، ولا يُشترط الختم؛ لأن الاعتماد على شهادتِهما لا على الختم، وكتب النبيُّ ﷺ إلى قَيْصر كتابًا ولم يختمه، فقيل له: إنه لا

стр. 7161

يقرأ كتابًا غير مختوم، فاتخذ الخاتم (١). فكتابته أوّلًا بغير خَتْمٍ دليلٌ على أنه لا يُعتبر، وإنما اتخذه ليقرأ كتابه. (ويقبضان) أي: الشاهدان (الكتابَ قبل أن يغيبا؛ لئلا يَدْفع إليهما غيرَه) ثم إن قلَّ ما في الكتاب، اعتمدا على حفظه، وإلا كتب كلٌّ منهما نسخة به (فإذا وصلا إلى المكتوب إليه، دفعا إليه الكتابَ، فقرأه الحاكم أو غيره عليهما، فإذا سَمِعاه، قالا: نشهدُ أنَّ هذا كتابُ فلان إليك، كتبه بعَمَله) أي: محل نفوذ حكمه (ولا يُشترط قولهما: قُرِئ علينا، أو: أشْهدَنا عليه) اعتمادًا على الظاهر. (وإن أشْهَدَهُما عليه مَدْروجًا) أي: مطويًّا (مختومًا، من غير أن يقرأ عليهما، لم يصح) لأنه شهادة بمجهول لا يعلمانه، أشبه ما لو قالا: نشهد أن لفلان على فلان مالًا. (ولا يكفي معرفةُ المكتوبِ إليه خَطَّ الكاتب، و) معرفته (خَتْمه) لأن الخط يشتبه، والختم يمكن التزوير عليه؛ ولأنه نقل حكم، أو إثبات، فلم يكن فيه بُدٌّ من إشهاد عَدْلين، كالشهادة على الشهادة. (كما لا يُحكم بخطِّ شاهدٍ ميت، وتقدم (٢): لو وجدت وصيته بخَطِّه) وعلم أنه خطّه؛ عُمل به؛ لدُعَاء الحاجة (وتقدم (٣) العمل بخَطِّ أبيه بوديعة، أو دين له، أو عليه) في باب الوديعة موضَّحًا.

стр. 7162

(وكتابه) أي: القاضي (في غير عمله، أو بعد عَزْله، كخَبَرِه) فَيُقبل (كما تقدَّم (١) في الباب قبله. ويُشترط أن يَصِلَ الكتابُ إلى المكتوب إليه في موضع ولايته) لأن الشهادة لا يسمعها في غيره (فإنْ وَصَلَهُ) الكتابُ (في غيرِه) أي: غير موضع ولايته (لم يكن له قَبوله، حتى يصير إلى موضع ولايته) لأنه محلُّ نفوذ حكمه. (ولو ترافع إليه) أي: القاضي (خصمان في غير محل ولايته، لم يكن له الحكم بينهما بحكم ولايته) لأنه لا ولاية له عليهما إذًا. (فإن تراضيا به) أي: أن يحكم بينهما (فكما لو حكَّما رجلًا يصلح للقضاء) فينفذ حكمه من حيث كونه محكَّمًا لا حاكمًا (وسواء كان الخصمان من أهل عمله، أو لا) إذِ العبرة بكونه بمحل ولايته. ومن طرأ إليه نَفَذ حكمه فيه، بخلاف من خرج منه إلى غيره (إلا أن يأذن الإمام لقاضٍ أن يحكم بين أهل ولايته حيث كانوا، ويمنعه من الحكم بين غير أهل ولايته حيثما كان، فيكون الأمر على ما أذن) الإمام (فيه) لأنه صاحب الولاية (أو) على عا (مَنَعَ منه) الإمام؛ لأنه ذو الولاية، فتراعى كيف صدرت منه. (ويُقبل كتابُهُ في حيوان، وعَبْدٍ، وجارية) شهد الشاهدان بها (بالصِّفَة، اكتفاءً بها) أي: بالصفة (كمشهودٍ عليه) بالصفة، فَيُقبل كتاب القاضي بذلك؛ لأن الحيوان الموصوف يثبت في الذمة بعقد السَّلَم، أشبه الدَّيْن. و (لا) يُقبل كتابه في مشهود (له) بالصفة؛ لأن المشهود له لا يشهد

стр. 7163

له إلا بعد دعواه، بخلاف المشهود عليه، والمشهود به. (ولا يحكم) المكتوبُ إليه (بالعين الغائبة) إذا شهدت البينة بها (بالصفة) عند الكاتب، وكتب إليه بذلك. (فإن لم تثبتْ مشاركتُه) أي: الحيوان المُدَّعى به، أو العبد (في صفة، أخذه مُدَّعيه بكفيلٍ، مختومًا عُنُقُه بخيطٍ لا يخرجُ من رأسه، وبعثَه القاضي المكتوبُ إليه إلى القاضي الكاتبِ، لتشهد البينةُ على عينه، فإذا شَهِدا عليه، دُفِع إلى المشهود له به) لزوال الإشكال (وكَتَب) القاضي الكاتب أوّلًا (له) أي: للمدعي (كتابًا) بما ثبت له (ليبرأ كفيلُه) من كفالته به؛ لأنه أخذ ما يستحقُّه. (وإن كان المدَّعَى) به (جارية، سُلِّمت إلى أمينٍ يوصلها) للحاكم الكاتبِ، احتياطًا للفروج، فإذا شهدت البينة على عينها، سُلِّمت للمُدَّعي. (وإن لم يثبت له) أي: للمُدَّعي بما ذكر (ما ادَّعاه) مما تقدم (لزمه ردُّه ومؤنتُه) أي: الرد، أو نفقة الحيوان، أو العبد، أو الجارية (منذ تسلَّمَه) المُدَّعِي (فهو) أي: المُدَّعِي (فيه) أي: فيما قبضه لتشهد البينة على عينة، إذا لم يثبت له (كغاصب في ضمانه) إن تلف (وضمان نقصه) إن نقص (و) ضمان (منفعته) وهو معنى قوله: (وتلزمه أجرته إن كان له أجرة) بأن كان يؤجر عادة (إلى أن يصل إلى صاحبه) لأنه أخذه بلا حَقٍّ. وفي "الرعاية": دون نفعه، أي: فلا يضمنه. (وإذا وصل الكتابُ) إلى القاضي المكتوبِ إليه (وأحضر الخصمَ المذكور فيه باسمه ونسبه وحليته، فإن اعترف بالحقِّ، لزمه أداؤه) لمستحقِّه؛ ليبرأ إليه منه.

стр. 7164

(وإن قال) الخصمُ: (ما أنا المذكور في الكتاب، قبِل قوله بيمينه) لأنه مُنكِر (ما لم تَقُمْ) عليه (بينة) أنه المذكور في الكتاب، فيقضى بها؛ لِرُجحانها على قوله (فإن) لم تكن (١) بينة، فطلب يمينه، فـ (ــنَكَل) عن اليمين (قضى عليه) بالنكول. (وإن أقرَّ بالاسم والنَّسب) المذكور في الكتاب (أو ثبت) الاسم والنسب (ببينة، فقال) الخصم: (المحكوم عليه غيري؛ لم يقبل إلا ببينة تشهد أن في البلد آخر كذلك) أي: بهذا الاسم والنسب؛ لأن الظاهر عدم المشاركة في ذلك. فإن شَهِدت البينة أنَّ بالبلد كذلك (ولو ميتًا يقع به إشكال) قبلت؛ لأنه ممكن. (فإن كان) المشارك في الاسم والنسب (حيًّا، أحضره الحاكم وسأله عن الحقّ، فإن اعترف به، ألزمه) الحاكمُ (به) مؤاخذة له بإقراره (وتخلّص) الأول، لظهور براءته (وإن أنكره) الثاني (وقف الحكم) للالتباس والإشكال. (ويكتب) المكتوبُ إليه (إلى الحاكم الكاتب يُعْلِمه الحال، وما وقع من الإشكال، حتى يُحْضِر) الكاتب (الشاهدين، فيشهدا عنده) أي: المكتوب إليه (بما يتميّز به المشهود عليه منهما) لأنه يحتمل أن يكون الحق على المشارك. فإن ادَّعى المُسمَّى أنه كان بالبلد من يشاركه في الإسم والصفة، ومات، ولم يكن ممن يمكن أن يجري بينه وبين المحكوم له معاملة، لم يُقبل منه. (وإن مات القاضي الكاتب) لم يُقدح في كتابه (أو عُزل) القاضي

стр. 7165

الكاتب (لم يقدح) ذلك (في كتابه) لأن المعوَّل في الكتاب على الشاهدين، وهما حيان، فوجب أن يُقبل الكتاب، كما لو لم يمت أو ينعزل؛ ولأن الكتاب إن كان فيما حكم به، فحكمه لا يبطل بهما، وإن كان فيما ثبت عنده، فهو أصل، واللذان شهدا عليه فرع، ولا تبطل شهادة الفرع بموت الأصل. (وإن فَسَقَ) الكاتبُ (قبلَ الحكم بكتابه؛ لم يحكم به) لأن بقاء عدالة شاهدي الأصل شرطٌ في الحكم بشاهدي الفرع، فكذلك بقاء عدالة الحاكم؛ لأنه بمنزلة شاهدي الأصل. (وإن فَسَقَ) الكاتبُ (بعدَه) أي: الحكم (لم يقدح فيه) قال ابن المُنَجَّا: كما لو حكم بشيء ثم فَسَق. وقال في "الشرح": كما لو حكم بشيء ثم بان فِسقه، فإنه لا ينقض ما مضى من أحكامه، فكذا هنا. (وإن تغيَّرت حال) القاضي (المكتوب إليه، بموت، أو عزل، أو فِسق، فعلى مَن وصل إليه الكتاب ممن قام مقامه) بل من سائر الحكام (العملُ به، اكتفاءً بالبينة) أي: لأن المعوَّل على ما حفظه الشهود وتحمَّلوه، ومن تحمَّل شهادةً وشَهِد بها، وَجَبَ على كلِّ قاضٍ الحكم بها (بدليل ما لو ضاع الكتاب، أو انمحى وكانا يحفظان ما فيه -أي: ما يتعلَّق به الحكم - فإنه يجوز أن يشهدا بذلك، ولو أدَّياه بالمعنى) لأنه المقصود دون اللفظ، و (كما لو شهدا بأن فلانًا القاضي حكم بكذا، لزمه إنفاذه) ولو شهد حاملا الكتاب بخلاف ما فيه، قبل المكتوب إليه شهادتهما؛ اعتمادًا على العِلم بما أشهدهما به الكاتب على نفسه (ومتى قَدِم الخصمُ المُثبَتُ عليه بلدَ) الحاكم (الكاتبِ، فله الحكم عليه بلا إعادة شهادةٍ) إذا سأله ربُّ الحق ذلك.

стр. 7166

فصل (وإذا حَكَم عليه المكتوبُ إليه) بما ثبت من الحقِّ عند القاضي الكاتب (فسأله) أي: سأل المحكومُ عليه الحاكمَ عليه (أن يكتب له إلى الحاكم الكاتبِ) كتابًا: (إنك قد حكمت عليَّ حتى لا يحكم عليَّ ثانيًا، لم يلزمه ذلك) لأن الحاكم إنما يحكم فيما ثبت عنده ليحكمَ به، أو فيما حكم به لينفذه غيره، وكلاهما مفقودٌ هنا. والوجه الثاني: يلزمه؛ جزم به في "المحرر" و"الوجيز" و"الفروع"؛ ليخلص مما خافه. (وإن سأله أن يُشْهِدَ عليه بما جرى؛ لئلا يحكمَ عليه) القاضي (الكاتبُ) لزمه إجابتُه (أو سأله) أي: الحاكمَ (مَن ثبتت براءتُه، مثل أنْ أنكر وحَلَّفه، أو) سأله من (ثبت حقُّه عندَه، أن يشهدَ له بما جرى من براءة، أو ثبوتٍ مجرَّدٍ) عن حكم (أو مُتَّصلٍ بحكم، أو تنفيذٍ، أو الحكم له بما ثبت عندَه، لزمه إجابتُه) لأنه من الجائز أن يطول الزمان على الحق، فإذا طُولب أو طالب به، لم تكن بيده حُجَّة، وربما نسي القاضي، أو مات، أو يطالبه الغريمُ في صورة البراءة مرةً أخرى، عنده إذا نسي، أو عند غيره، فوجب الإشهاد؛ لئلا يضيع حقُّه من ذلك. (وإن سأله مع الإشهاد كتابةً، وأتاه بكاغَدٍ) بفتح الغين المعجمة، وبالدال المهملة، وربما قيل بالمعجمة، وهو معرَّب؛ قاله في "حاشيته" (أو كان من بيت المال كاغَدٌ) معدٌّ (لذلك، لزمه) أي: الحاكمَ إجابتُه لذلك؛ لأن ذلك وثيقة للخصم، فلزمه كتابتها (كساعٍ) أي: عامل على

стр. 7167

الزكاة، إذا طلب المُزَكِّي منه الكتابة (بأخذ زكاةٍ) وكذا معشِّرٌ يأخذ العُشْر، أو نِصفَه من تاجر (١) حرب، أو ذِمّة؛ لتكون براءة له إذ مَرَّ به آخر، وتقدَّم (٢) أنه يلزم مَن له حقٌّ بوثيقة، إذا استوفاه، الإشهاد به، لا دفع الوثيقة، وكذا بائع عقار به وثيقة، يلزمه الإشهاد، لا دفع الوثيقة. (وما تضمَّن الحكم ببينة يُسَمَّى سِجِلًّا، وغيره) أي: غير ما تضمَّن الحكم ببينة؛ وهو ما تضمَّن الحكم بإقرار أو نكول، يُسَمَّى (مَحْضرًا) بفتح الميم والضاد، وهو الصك، سُمِّي بذلك؛ لما فيه من حضور الخصمين والشهود (والمَحْضَرُ: شَرْحُ ثبوتِ الحقِّ عندَه، لا الحكمُ بثبوته) وهذه التسمية اصطلاحية. وأما السِّجِل: فأصله الصحيفة المكتوبة. قال ابن دُريد (٣): السِّجِلّ: الكتاب، إلا أنه خص بما تضمن الحكم اصطلاحًا. (والأولى جعل السِّجِل نُسختين: نسخة يدفعها) الحاكم (إليه) أي: الطالب لها؛ لتكون وثيقة له بحقّه (و) النسخة (الأخرى عنده) أي: عند الحاكم؛ ليرجع إلى النسخة التي عنده عند ضياع ما بيد الخصم، أو الاختلاف؛ لأن ذلك أحوط، وفي زمننا تُنَزَّل الوثائق بكتاب يجمعها مدة ثم مدة بحسب ما يتسع لها، وفيه من الحفظ ما لا يخفى، وهو أحوط مما تقدَّم أيضًا. (والكاغَد) لذلك (من بيت المال) لأنه من المصالح العامة (فإن لم يكن) يؤخذ من بيت المال (فمن مال المكتوبِ له) لأنه من مصلحته.

стр. 7168

(وصفة المَحْضَر: بسم الله الرحمن الرحيم) وينبغي كتابتها سطرًا وحدها إلى ما يحاذي علامة القاضي، حتى لا تعلو اسم الله (حَضَرَ القاضيَ فلانَ بن فلان قاضي عبد الله الإمام على كذا) أي: مصر مثلًا (وإن كان) القاضي (نائبًا، كتب: خليفة القاضي فلان قاضي الإمام) وقُدِّم المفعول هنا؛ اهتمامًا وتعظيمًا له (في مجلس حُكْمِه وقضائه بموضع كذا، مُدَّعٍ) هو فاعل "حضر" (ذكر أنه فلان بن فلان) ويذكر ما يميزه (وأحضر معه مدعىً عليه، ذكر أنه فلان بن فلان) ويذكر ما يتميز به (ولا يُعتبر ذكر الجَدِّ بلا حاجة) إليه، وإلا فلا بُدَّ من ذكره (والأولى ذكر حِلْيتهما إن جَهِلهما) فيكتب: أسود، أو أبيض، أو أنزع (١)، أو أغم (٢)، أو أشهل (٣)، أو أكحل (٤)، أقنى (٥) الأنف، أو أفطس، دقيق الشفتين، أو غليظهما، طويل، أو قصير، أو رَبْعة، ونحو هذا؛ ليتميز، ولا يقع اسمٌ على اسمٍ احتياطًا، خصوصًا في هذه الأزمنة، وكثرة الحيل والتوسل إلى الباطل. فإن لم يجهلهما القاضي، كتب فلان وفلان، ونسبهما، وإن جَهِل أحدهما دون الآخر، كتب في كلٍّ منهما ما يُناسبه. (فادَّعى عليه بكذا، فأقرَّ له أو: فأنكر. فقال) القاضي (للمُدَّعي:

стр. 7169

ألكَ بينةٌ؟ فقال: نعم. فأحْضَرها، وسأله) أي: سأل المُدَّعِي الحاكمَ (سَمَاعها. ففعل، أو: فأنكر) المُدَّعَى عليه (ولا بينة) للمُدَّعي (وسأل) المُدَّعي (تحليفه، فحلَّفه. وإن نكل، ذَكَره) أي: النكول (وأنه حَكَم (١) بنكوله، وسأله) المُدَّعي (كتابة مَحْضَر، فأجابه في يوم كذا، مِن شهر كذا، مِن سنة كذا. ويُعْلِم) على رأس المَحْضر؛ ذكره في "المبدع" (في الإقرار والإحلاف: جرى الأمر على ذلك) لأن ذلك أمر جرى. (و) يُعْلِم (في البينة: شَهِدا عندي بذلك) وتقدَّم (٢) قوله في "الرعاية": أو عادة بلده. قلت: وكذا ينبغي في كتابة المَحْضَر أنه يكتب على عادة بلده، ويرشد إليه حديث: "أمرت أن أخاطب الناس بما يفقهون" (٣)؛ ولأن

стр. 7170

المدار على أداء المعنى، ويكتب مع ذلك في رأس كتابته (١): الحمد لله وحده، أو نحوه؛ ذكره في "الرعاية"، وتقدم معناه. (وإن ثبت الحقُّ بإقرار) المُدَّعَى عليه (لم يحتج إلى) ذِكْر (مجلس حكمه) لأن الاعتراف يصحُّ منه في مجلس الحكم وغيره. وإن كتب:

стр. 7171

أشْهَدَ على إقراره شاهدين، كان آكد؛ ذكره في "الشرح"، و"الرعاية"، بخلاف ما إذا ثبت الحق بالبينة؛ لأنها لا تُسمع إلا في مجلس الحكم. فصل (وأما السِّجِل) بكسر السين والجيم. قال في "المبدع": الكتاب الكبير (فلإنفاذ ما ثبت عنده، والحكم به) هذا بيان معناه. (وصفته: أن يكتب): بسم الله الرحمن الرحيم؛ قاله في "الشرح"، وشرح "المنتهى" (هذا ما أشْهَدَ عليه القاضي فلان - كما تقدَّم - مَن حَضَره مِن الشهود، أشْهَدَهم أنه ثبت عنده بشهادة فلان وفلان، وقد عَرَفهما بما رأى معه قَبول شهادتهما، بمَحْضَرٍ من خصمين - ويذكُرُهما إن كانا معروفين، وإلا قال: مدَّعٍ ومدَّعىً عليه - جاز حضورهما، وسماعُ الدعوى من أحدهما على الآخر، معرفةُ فلان بن فلان) "معرفة" بالرفع فاعل: "ثبت عنده" (ويذكر المشهود عليه) لأنه أصلٌ (وإقرارُه) بالرفع، عطف على: "معرفة فلان" والتقدير: ثبت عنده معرفة فلان بن فلان وإقرارُه. ويصح نصبه عطفًا على: المشهود عليه، أي: ويذكر المشهود عليه وإقراره (طوعًا في صحّةٍ منه، وجوازِ أمرٍ) حتى يخرج المكره ونحوه (بجميع ما سُمِّي به ووُصِفَ، في كتاب نسخته (١). وينسخ الكتاب المثبت، أو المَحْضَر جميعَه، حرفًا بحرف، فإذا فَرَغَه قال: وإن القاضي أمضاه، وحكم به على ما هو الواجب في مِثْله، بعد أن سأله ذلك - والإشهادَ به - الخصمُ المُدَّعِي، وينسِبُهُ) يعني: يذكر اسمَه ونسبه (ولم يدفعه الخصمُ الحاضرُ معه بحُجَّة، وجَعَل كلَّ ذي حُجَّة

стр. 7172

على حُجَّتِه، وأشْهَد القاضي فلانٌ على إنفاذه وحكمه وإمضائه مَن حَضَرَه من الشُّهود في مجلسِ حُكمه، في اليوم المؤرَّخ في أعلاه، وأمر بكَتْبِ هذا السِّجِلِّ نُسْخَتين متساويتين) لأنهما التي تقوم إحداهما مقام الأخرى (نُسخةً منهما تُخَلَّد بديوان الحكم) والدِّيوان - بكسر الدال، وفي لغةٍ بفتحها - قال ابن الأثير في "النهاية" (١): وهو الدفتر. ثم أُطلق على الحاسب، ثم أُطلق على موضع الحاسب (ونسخةً يأخذها مَن كَتَبها) له (وكلُّ واحدةٍ حُجَّةٌ بما أنفَذَه فيهما) لتضمّنهما ذلك (ولو لم يَذكُر) بمَحْضر (مِن خصمين، ساغَ؛ لجواز القضاء على الغائب) وإنما ذكر - فيما تقدم - للخروج من الخلاف. (ومهما اجتمع عنده من مَحاضرَ وسِجِلات في كلِّ أسبوع، أو شهر، أو سنة، على حَسَبِها قِلَّة وكَثْرة، ضَمَّ بعضَها إلى بعضٍ) لأن إفراد كلِّ واحدٍ يشق (وكتب: محاضر وسجلات كذا) من (٢) (وقت كذا) لتتميز، وليمكن إخراجها عند الحاجة إليها. قال في "الكافي": فإن تولَّى ذلك بنفسه، وإلا وكَّل أمينه. وذكر في "الرعاية": أنه يكتب مع ذلك أسماءَ أصحابِها، ويختم عليها، وإن أحضر خصمه وادَّعى عليه فأنكر، ذكر القاضي أنه حكم عليه بالبينة مثلًا، أو بالنكول. وأما صفة كتاب القاضي إلى القاضي، فقال في "شرح المقنع": بسم الله الرحمن الرحيم، سبب هذه المكاتبة - أطال الله بقاء من تصل إليه من قضاة المسلمين وحكامهم - أنه ثَبَتَ عندي في مجلس حُكمي

стр. 7173

وقضائي، الذي أتولاه في مكان كذا - وإن كان نائبًا ذكر: الذي أنوب فيه عن القاضي فلان - بمحضر من خصمين، مدَّعٍ، ومدَّعىً عليه، جاز استماع الدعوى عنهما، وقَبول البينة من أحدهما على الآخر، بشهادة فلان وفلان، وهما من الشهود المُعدَّلين عندي، عرفتُهما، وقبلتُ شهادتهما، بما رأيت معه قَبولها، معرفة فلان بن فلان الفلانيِّ، بعينه ونسبه واسمه. فإن كان في إثبات أسرِ أسيرٍ، قال: وإن الفِرنج - خذلهم الله تعالى - أسروه من مكان كذا، في وقت كذا، وحملوه إلى مكان كذا، وهو مقيمٌ تحت حوطتهم، وإنه فقير من فقراء المسلمين، ليس له شيء من الدنيا، لا يقدر على فَكاك نفسه، ولا على شيء منه، وإنه يستحقُّ الصدقة على ما يقتضيه كتاب المَحْضر، المتصل أوله بآخر كتابي المؤرَّخ بكذا. وإن كان في إثبات دين، قال: وإنه يستحق في ذمة فلان بن فلان الفلاني - ويرفع في نسبه ويصفه بما يتميز به - من الدين كذا وكذا، دينًا له عليه حالًّا، وحقًّا واجبًا لازمًا، وإنه يستحق المطالبة به، واستيفاءه منه. وإن كان في إثبات عَيْن، كتب: وإنه مالك لما في يَدِ فلان من الشيء الفلاني - ويصفه بصفة يتميز بها - مستحِقٌّ لأخذه وتسليمه، على ما يقتضيه كتاب المَحْضر المتصل بآخر كتابي هذا، المؤرَّخ بتاريخ كذا، وقال الشاهدان المذكوران: إنهما عالمان بما شَهِدا به، وله محقِّقان، وإنهما لا يعلمان خلافَ ما شَهِدا به إلى حينَ أقاما الشهادة عندي، فأمضيتُ ما ثبت عندي من ذلك، وحكمت بموجبه بسؤال مَن جاز مسألته، وسألني من جاز سؤاله، وشَرَعَتِ الشريعةُ المطهَّرة إجابتَه،

стр. 7174

المكاتبةَ إلى القضاة والحكام، فأجبته إلى ما الْتَمَسه؛ لجوازه شرعًا، وتقدَّمتُ بهذا فكُتب، وبإلصاق المحضر المشار إليه فأُلصق، فمن وقف عليه منهم، وتأمل ما ذكرته، وتصفح ما سطرته، واعتمد في إنفاذه، والعمل بموجِبه ما يوجبه الشرع المطهَّر، أحرز من الأجر أجزله، وكتب من مجلس الحكم المحروس، من مكان كذا، في وقت كذا. ولا يُشترط أن يذكر القاضي اسمه في العنوان، ولا ذكرُ المكتوب إليه في باطنه. وبهذا قال الشافعي (١). وقال أبو حنيفة: إذا لم يذكر اسمه، فلا يقبله؛ لأن الكتاب ليس إليه، ولا يكفي ذكر اسمه في العنوان دون باطنه؛ لأن ذلك لم يقع على وجه المخاطبة (٢). ولنا: أنَّ المعوَّل فيه على شهادة الشاهدين على الحاكم الكاتب بالحكم، وذلك لا يقدح. ولو ضاع الكتاب أو انمحى؛ سُمعت شهادتهما، وحُكم بها.

стр. 7175

باب القسمة بكسر القاف، اسم مصدر قسم يقسم قَسْمًا. قال الجوهري (١): القَسْم: مصدر قسمت الشيء فانقسم، وقاسمه المال وتقاسماه واقتسماه. (وهي تمييزُ بعضِ الأنصباءِ عن بعضٍ، وإفرازُها عنها) وأجمعوا على جوازها (٢). وسنده قوله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ (٣) ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ. . .﴾ الآية (٤)، وقوله ﷺ : "الشُّفعة فيما لم يُقسم" (٥). وكان ﷺ يقسِمُ الغنائمَ بين أصحابه (٦). والحاجةُ داعيةٌ إلى ذلك؛ ليتمكَّن كلُّ واحدٍ من الشركاء مِن التصرُّف على حسب اختياره، ويتخلَّص من سوء المشاركة، وكثرة الأيدي. (وهي) أي: القسمة (نوعان: أحدهما: قِسمة تراضٍ لا تجوز إلا برضا الشركاء كلّهم، وهي ما فيها ضررٌ، أو رَدُّ عِوضٍ من أحدهما) على الآخر (كالدُّورِ الصِّغار، والحمَّام، والطاحون الصغيرين، والعضائد المتلاصقة، أي: المُتَّصلة صفًّا واحدًا، وهي) أي: العضائد (الدكاكين اللطاف الضيقة) وقال في

стр. 7176

"المبدع": واحدتها عِضادة، وهي: ما يصنع لجريان الماء فيه من السواقي ذوات الكتفين، ومنه عِضادتا الباب، وهما جنباه من جنبيه. (فإن طلب أحدُهما) أي: أحد الشريكين (قِسمة بعضِها في بعض) أي: أن يجعل بعضَها في مقابلة بعضٍ (لم يُجبر الآخر؛ لأن كلَّ واحدٍ منهما مفرد، ويُقصَد بالسَّكن، ولكلِّ واحدٍ منها طريق مفرد) وكل عَيْن منها تختصُّ باسم وصورة. ولو بيعت إحداها (١)، لم تجب الشُّفعة لمالكِ التي بجانبها (فجرى) ذلك (مجرى الدُّور المتجاورة، فلا يُمكن قِسمةُ كلِّ عَينٍ) مفردة (وكذا الشجر المُفْرَد، والأرض التي ببعضها بئر أو بناء، أو نحوه) أي: ونحو ما ذكر، فتُعتبر كلُّ عينٍ منها على حِدتها (و) حيث (لا يمكن قسمه بالأجزاء والتعديل) لا يقسم بغير رضا الشركاء كلهم (فإن قسموه برِضاهم أعيانًا (٢) بالقيمة، جاز) لأن الحقَّ لا يعدوهم. (وحُكْمُها) أي: قِسمة التراضي (كبيعٍ) لأن صاحب الزائد بَذَل المال عوضًا عمَّا حصل له من حقِّ شريكه، وهذا هو البيع (قال المجد: الذي تحرَّر عندي فيما فيه رد، أنه بيع فيما يقابل الردّ) أي: العِوض الذي رُدَّ من أحدهما على الآخر (وإفراز في الباقي. انتهى) ويؤيده قول القاضي في "التعليق"، وصاحب "المبهج"، والموفَّق في "الكافي": البيع ما فيه رَدّ عِوض، وإن لم يكن فيها رَدّ عوض، فهي إفراز النصيبين، وتمييز الحقّين، وليست بيعًا. واختاره الشيخ تقي الدين (٣).

стр. 7177

(فلا يجوز فيها) أي: قسمة التراضي (ما لا يجوز في البيع) لأنها نوع من أنواعه (ولا يُجبر عليها الممتنع) منهما؛ لحديث ابن عباس مرفوعًا: "لا ضرر ولا ضرار" رواه أحمد، وابن ماجه، والدارقطني (١)، قال النووي (٢): حديث حسن، وله طرق يقوِّي بعضُها بعضًا. ولأنه إتلافٌ وسَفَه يستحقُّ به الحَجْر، أشبه هدم البناء. وعُلم من قوله: "ولا يمكن قسمه بالأجزاء والتعديل" أنه لو أمكن قسمه بالأجزاء، مثل أن تكون البئر واسعة يمكن أن يجعل نصفها لواحد، ونصفها للآخر، ويجعل بينهما حاجز في أعلاها، أو يكون البناء كبيرًا يمكن أن يجعل لكلِّ واحدٍ منهما نصفه، أو أمكن القسم بالتعديل، كأن يكون في أحد جانبي الأرض بئر يساوي مائة، وفي الجانب الآخر منها بئر يساوي مائة، فهو من قِسمة الإجبار؛ لانتفاء الضرر. (فلو) كان لهما دار، لها عُلْو وسُفْل و (قال أحدُهما: أنا آخذ الأدنى، ويبقى لي في الأعلى تتمة حِصَّتي، فلا إجبار) للشريك الممتنع منهما على ذلك؛ لأنها بيع، ولا إجبار فيه، كما سبق. (ومن دعا شريكه فيها) أي: في الدُّور الصغار، ونحوها - مما تقدم - إلى البيع، أُجْبِر (أو) دعا شريكه (في شَرِكة عبد، أو بهيمة، أو سيف، ونحوه) ككتاب (إلى البيع، أُجْبِر) إن امتنع على البيع؛ ليتخلَّص الطالب من ضرر الشركة (فإن أبى) الممتنع البيع (بِيع) أي: باعه الحاكم (عليهما) لأنه حق عليه، كما يبيع الرهن إذا امتنع الراهن (وقَسَمَ االثمنَ)

стр. 7178

بينهما بحسب الملك؛ لأنه عوضه (نصًّا (١). قال الشيخ (٢): وهو مذهب أبي حنيفة (٣)، ومالك (٤)، وأحمد) ﵏. (وكذا لو طلب) أحدُهما (الإجارة، ولو في وقف) فَيُجبر الممتنع، فإن أصرَّ، أجره الحاكم عليهما، وقسم الأجرة بينهما بحسب الملك، أو الاستحقاق. (والضرر المانع من قِسمة الإجبارِ نقصُ قيمة المقسوم بها) لأن نقص قيمته ضرر، وهو منتفٍ شرعًا، وسواء انتفعوا به مقسومًا، أو لا، و (لا) يُعتبر (لـ) ـلضرر (كونهما لا ينتفعان به مقسومًا) أي: لا يُعتبر ذلك خلافًا لظاهر الخِرقي، واختاره الموفّق، وذكر في "الكافي": إنه القياس، وهو رواية (وتقدمَّ بعضُ ذلك في الشُّفعة (٥). فإن تضرَّر بها) أي: القسمة (أحدُ الشريكين وحدَه، كرَبِّ الثلث مع ربِّ الثلثين، فطلب أحدُهما القِسمة، لم يُجبر الممتنع) ولو كان الطالب هو المُتضرِّر؛ لأن فيه إضاعة مال؛ ولأنها قِسمة يضرُّ بها صاحبه، فلم (٦) يُجبر عليها، كما لو استضرَّا معًا. (وما تلاصق من دور وعضائد ونحوها) كأقرحة، وهي الأرض التي لا ماء بها ولا شجر (٧)، كمتفرق (يُعتبر الضرر في كلِّ عينٍ وحدَها)

стр. 7179

لما تقدم. (ومن كان بينهما عبيد، أو بهائم، أو ثياب، ونحوها) كأواني، فإن كانت (من جنس واحد) وفي "المغني": من نوع (فطلب أحدُهما قَسْمها أعيانًا) وأمكن أن تعدل (بالقيمة، أُجْبِر الممتنع إن تساوت القيمة) لحديث عمران بن حصين: "أن رجلًا أعتق في مرضه ستة أعبد، وأن النبيَّ ﷺ جزّأهم ثلاثة أجزاء، فأعتق اثنين، وأرقَّ أربعة" (١)، وهذه قِسمة لهم؛ ولأن ذلك عين أمكن قسمتها، ولا ضرر ولا رَدّ عوض، فأُجْبِر الممتنع، كما لو كانت أرضًا (وإلا) أي: وإن لم تتساو القيمة (فلا) إجبار (كاختلاف أجناسها) بأن كان بعض البهائم ضأنًا، وبعضُها بقرًا. (والآجر) وهو اللَّبِن المشويّ (واللَّبِن) - بكسر الموحدة تحت - وهو غير المشوي (المتساوي القوالب، من قسمة الأجزاء) لتساويها في القدر (والمتفاوت) القوالب (من قسمة التعديل) بالقيمة. (وإن كان بينها حائط، أو عَرْصة حائط، وهي موضعه بعد استهدامه) أي: الحائط (فطلب أحدهما قَسْمَه) أي: الحائط أو عرصته (ولو طولًا في كمال العرض) لم يُجبر ممتنع (أو) طلب قسمة (العَرْصة عرضًا ولو وسعت حائطين، لم يُجبر ممتنع) قال في "شرح المحرر": لأنه إن كان الحائط مبنيًا، لم تمكن قسمته عرضًا في تمام طوله بدون نقضه؛ ليفصل أحدهما من الآخر، وذلك لا يجوز الإجبار عليه، ولا طولًا في تمام العرض؛ لأن كل قطعة من الحائط ينتفع بها على حِدَتِها، والنفعُ فيها مختلف، فلا يجوز إجبار واحد منهما على تَرْك انتفاعه بمكانٍ منه؛ وأخذ غيره، كما لو كانا دارين، أو عضادتين متلاصقتين، وهذا

стр. 7180

بخلاف الأرض الواسعة، فإن الانتفاع بالجميع منها على وجهٍ واحد. وإن كان الحائط غير مبنيٍّ، فهو كالعَرْصة الضيقة، والعَرْصة الضيقة لا يجوز الإجبار في قسمتها، فكذلك هذه. (وإن كان بينهما دار لها عُلْوٌ وسُفْلٌ، فطلب أحدُهما قَسْمَها، لأحدهما العلو وللآخر السُّفْل) فلا إجبار (أو طلب) أحدُهما (قِسْمَة السُّفل دون العلو، أو عكسه) بأن طلب قِسْمة العلو دون السُّفل، فلا إجبار؛ لأن كلَّ واحدٍ منهما مسكن منفرد؛ ولأن في إحدى الصُّور قد يحصُل لواحد منهما علوُ سُفلِ الآخر، فيتضرَّر كلٌّ منهما، وفي أحدهما لا يحصل التمييز (أو) طلب أحدهما (قسمة كل واحد) من العلو والسُّفل (على حِدة، فلا إجبار) لما فيه من الضرر. (ولو طلب أحدُهما قسمتَهما) أي: العلو والسفل (معًا ولا ضرر) ولا رد عوض (وجب) وأُجبر الممتنع (وعدِّل بالقيمة) لأنه أحوط، و (لا) يجعل (ذراع سُفْلٍ بذراعي عُلْوٍ) ولا عكسه (ولا ذراعٌ بذراعٍ) إلا أن يتراضيا على ذلك. (وإن تراضيا) أي: الشريكان (على قَسْمِ المنافع، كدار منفعتُها لهما، مثل دارٍ وقفٍ عليهما، أو مستأجَرَةٍ) لهما أو لمورثهما (أو ملك لهما، فاقتسماها مُهَايأةً بزمانٍ؛ بأن تُجعل) الدار (في يد أحَدِهما شَهْرًا، أو عامًا ونحوه) بحسب ما يتراضيان عليه (وفي يَدِ الآخر مِثلَها) أي: مثل تلك المدة التي كانت فيها بيد الأول (أو) اقتسماها مُهَايأة (بمكان، كسُكنى هذا في بيت، و) سُكنى (الآخر في بيت ونحوه، جاز؛ لأن المنافع كالأعيان) والحقُّ لهما فيها، فجاز ما تراضيا عليه. (فإن اتفقا على المُهَايأة، وطلب أحدُهما تطويلَ الدَّوْر الذي يأخُذُ
следующие страницы →