(و) يسن (الرداء) لفعله ﷺ (١).
(ولا بأس بلبس الفراء) بكسر الفاء ممدودًا، جمع فرو، وبغير (٢) هاء. قاله الجوهري (٣)، وأثبتها ابن فارس (٤)، ويدل له الحديث الآتي (إذا كانت) الفراء (من جلد مأكول، مذكى، مباح (٥)، وتصح الصلاة فيها) كسائر الطاهرات.
وتقدم في الآنية: يحرم لبس جلود السباع، وأنه يباح دبغ جلد (٦) نجس بموت، واستعماله بعده في يابس (ولا تصح) الصلاة (في غير ذلك) أي: غير
стр. 737
جلد مأكول مذكى (كجلد ثعلب، وسمور، وفنك، وقاقم، وسنور، وسنجاب، ونحوه) كذئب، ونمر (ولو ذكي) أو دبغ، لأنه لا يطهر بذلك كلحمه.
(ويكره من الثياب ما تظن نجاسته لتربية) كثياب المرأة المربية للأطفال (ورضاع، وحيض، وصغر، وكثرة ملابستها) أي: النجاسة (ومباشرتها، وقلة التحرز منها في صنعة وغيرها، وتقدم بعضه) هكذا في "شرح المنتهى" وغيره. والمراد: أن الصلاة فيها خلاف الأولى، كما عبر به في "الشرح"، فلا ينافي ما تقدم في الآنية: أن ما لم تعلم نجاسته من ثياب الكفار، طاهر مباح.
(ويكره لبسه) جلدًا مختلفًا في طهارته (و) يكره (افتراشه جلدًا مختلفًا في طهارته) قال في "الإنصاف": على الصحيح من المذهب انتهى. وقال في "الآداب" (١): قال ابن تميم: إذا دبغ جلد الميتة، وقلنا: لا يطهر جاز أن يلبسه دابته، ويكره له لبسه، وافتراشه على الأظهر. قال: ولا يباح الانتفاع بجلد الميتة قبل الدبغ في اللباس وغيره، رواية واحدة انتهى. وهو معنى كلام المجد في "شرح الهداية"، لكنه لم يقل: "على الأظهر"، بل قطع بذلك.
(وله إلباسه) أي: الجلد المختلف في طهارته (دابته) لأنه كاستعماله في يابس.
(ويحرم إلباسها) أي: الدابة (ذهبًا أو فضة) قال الشيخ تقي الدين (٢): (وحريرًا) وقطع الأصحاب: له أن يلبسها الحرير، قاله في الآداب (٣). وقال: له أن يلبس دابته جلدًا نجسًا، ذكره في "المستوعب"، وقدمه في "الرعاية".
стр. 738
(ولا بأس بلبس الحبرة) بكسر الحاء وفتح الباء الموحدة، قال في "الشرح": وهي التي فيها حمرة وبياض، روى أنس، قال: "كان أحب الثياب إلى الرسول ﷺ أن يلبسها الحِبَرَة" متفق عليه (١).
(و) لا بأس بلبس (الأصوافِ، والأوبارِ، والأشعار، من حيوان طاهر، حيًا كان أو ميتًا) لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ (٢) ولحديث مسلم عن عائشة قالت: "خرج النَّبيُّ ﷺ ذات غداة، وعليه مِرطٌ مُرَجَّلٌ (٣) من شعر أسود" (٤).
(وكذا) تباح (الصلاة عليها، وعلى ما يعمل من القطن، والكتان، وعلى الحصر) وغيرها من الطاهرات، لما في حديث أنس مرفوعًا قال: "ونُضِح بساط لنا، فصلى عليه" (٥) صححه الترمذي، قال: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، من أصحاب النَّبيِّ ﷺ ، ومن بعدهم، لم يروا بالصلاة على البساط، والطنفسة بأسًا.
стр. 739
وعن المغيرة بن شعبة قال: "كان الرسول ﷺ يصلي على الحصر (١) والفروة المدبوغة" (٢).
(و يباح نعل خشب) قال أحمد: إن كان حاجة.
(ويسن لمن لبس ثوبًا جديدًا أن يقول: الحمد لله الذي كساني هذا، ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة) للخبر (٣). وعن أبي سعيد قال: "كان النَّبيُّ ﷺ إذا استجد ثوبًا سماه باسمِهِ: عمامة، أو قميصًا، أو رداء، ثم يقول: اللهم لكَ الحمدُ، أنت كسوتَنِيه، أسألكَ خيرهُ وخيرَ ما صنعَ له، وأعوذ بكَ من شره وشرِّ ما صنعَ له" رواه الترمذي (٤). وفي نسخة: "وأن يتصدق بالخلق
стр. 740
العتيق النافع".
"تتمة" قال عبد الله بن محمد الأنصاري: ينبغي للفقيه أن تكون له ثلاثة أشياء جديدة: سراويله، ومداسه، وخرقة يصلي عليها.
стр. 741
باب اجتناب النجاسة، ومواضع الصلاة
أي بيان المواضع التي لا تصح الصلاة فيها مطلقًا، وما تصح فيه الصلاة في بعض الأحوال، وما يصح فيه النفل دون الفرض، وما يتعلق بذلك، ومنه يعلم ما تصح فيه الصلاة مطلقًا.
(وهو) أي اجتناب النجاسة (الشرط السابع) للصلاة لتقدم ستة قبله (طهارة بدن المصلي، و) طهارة (ثيابه، و) طهارة (موضع صلاته، وهو محل بدنه، و) محل (ثيابه من نجاسة غير معفو عنها)، وعدم حملها (شرط لصحة الصلاة) لقوله ﷺ : "تنزهُوا من البولِ، فإن عامةَ عذاب القبر منه" (١) وقوله ﷺ حين مر بالقبرين: "إنهمَا ليعذبانِ وما يعذبانِ في كبيرٍ، أما أحدُهما فكانَ لا يستنثِرُ من البولِ" (٢) بالمثلثة قبل الراء، قاله في "شرح المنتهى"،
стр. 742
والصواب: أنه بالتاء المثناة، كما ذكره ابن الأثير في "النهاية" (١) في باب النون مع التاء المثناة، وفي رواية "لا يستنزه".
وقال تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (٢) قال ابن سيرين، وابن زيد (٣): أمر بتطهير الثياب من النجاسة التي لا تجوز الصلاة معها، وذلك لأن المشركين كانوا لا يتطهرون ولا يطهرون ثيابهم، وهذا أظهر الأقوال فيها، وهو حمل اللفظ على حقيقته، وهو أولى من المجاز، قاله في "المبدع".
لكن صح "أن النَّبيَّ ﷺ كان يصلِّي قبلَ الهجرةِ في ظلِّ الكعبةِ، فانبعثَ أشقَى القومِ، فجاء بسلَا جزورِ بني فلان، ودمِها، وفرثها، فطرحَه بين كتفيْه، وهو ساجدٌ حتى أزالتْه فاطمَةُ" رواه البخاري (٤) من حديث ابن مسعود.
стр. 743
قال المجد: لا نسلم أنه أتى بدمها. ثم الظاهر أنه منسوخ، لأنه كان بمكة قبل ظهور الإسلام، ولعل الخمس لم تكن فرضت، والأمر بتجنب النجاسة مدني متأخر، بدليل خبر النعلين (١)، وصاحب القبرين (٢)، والأعرابي الذي بال في طائفة المسجد (٣)، وحديث جابر بن سمرة "أن رجلًا سأل النَّبيَّ ﷺ : أصلِّي في الثوب الذي آتي فيهِ أهلي؟ قال: نعمْ، إلا أن ترى فيه شيئًا فتغسلهُ" رواه أحمد، وابن ماجه (٤)، وإسناده ثقات، إلى غير ذلك من الأحاديث.
стр. 744
فثبت بها أنه مأمور باجتنابها، ولا يجب ذلك في غير الصلاة، فتعين أن يكون فيها، والأمر بالشيء نهي عن ضده، وهو يقتضي الفساد، وكطهارة الحدث، وعلم منه: أن النجاسة المعفو عنها، كأثر الاستجمار بمحله، ويسير الدم ونحوه، ونجاسة بعين، ليس اجتنابها شرطًا لصحة الصلاة. وتقدم تعريف النجاسة في أول كتاب الطهارة.
وحيث علم أن اجتناب النجاسة ما ذكره، وعدم حملها شرط للصلاة، حيث لم يعف عنها (فمتى) كان ببدنه، أو ثوبه نجاسة لا يعفى عنها، أو (لاقاها ببدنه، أو ثوبه) زاد في المحرر: أو حمل ما يلاقيها (أو حملها عالمًا) كان (أو جاهلًا، أو ناسيًا) لم تصح صلاته، لفوات شرطها. زاد في "التلخيص": إلا أن يكون يسيرًا.
وذكر ابن عقيل في سترته المنفصلة عن ذاته: إذا وقعت حال سجوده على نجاسة أنها لا تبطل، قاله في "المبدع".
(أو حمل) في صلاته (قارورة) من زجاج، أو غيره (فيها نجاسة، أو) حمل (آجرة) بمد الهمزة واحدة الآجر، وهو الطوب الأحمر (باطنها نجس، أو) حمل (بيضة مذرة، أو) بيضة (فيها فرخ ميت، أو) حمل (عنقود عنب حباته مستحيلة خمرًا، قادرًا على اجتنابها) أي النجاسة التي لاقاها، أو على عدم حمل ما حمله من ذلك (لم تصح صلاته) لأنه حامل لنجاسة في غير معدنها، أشبه ما لو كانت على بدنه، أو ثوبه، أو حملها في كمه.
стр. 745
و (لا) تبطل صلاته (إن مس ثوبه) أو بدنه (ثوبًا) نجسًا (أو) مس ثوبه، أو بدنه (حائطًا نجسًا لم يستند إليه) لأنه ليس بموضع لصلاته (١)، ولا محمول فيها، فإن استند إليها حال قيامه، أو ركوعه، أو سجوده، بطلت صلاته.
(أو قابلها) أي النجاسة (راكعًا، أو ساجدًا) من غير ملاقاة.
(أو كانت) النجاسة (بين رجليه من غير ملاقاة) فصلاته صحيحة، لأنه لم يباشر النجاسة، أشبه ما لو خرجت عن محاذاته.
(أو حمل حيوانًا طاهرًا، أو) حمل (آدميًا مستجمرًا) فصلاته صحيحة، لأنه ﷺ "صلى وهوَ حاملٌ أمامةَ بنتَ أبي العاص" متفق عليه (٢)؛ ولأن ما في باطن الحيوان، والآدمي من نجاسة في معدنها، فهي كالنجاسة بجوف المصلي، وأثر الاستجمار معفوّ عنه بمحله.
(أو سقطت) النجاسة (عليه، فأزالها) سريعًا.
(أو زالت) النجاسة (سريعًا، بحيث لم يطل الزمن) فصلاته صحيحة، لما روى أبو سعيد قال: "بينا النَّبي ﷺ يصلي بأصحابه، إذ خلعَ نعليهِ، فَوَضَعَهُمَا عن يسارهِ، فخلعَ الناسُ نعالهمْ، فلما قضَى ﷺ صلاتَه، قال: ما حمَلكُم على إلقائكم نِعالكُم؟ قالوا: رأيناكَ ألقيت نعلَكَ فألقينَا نعالنَا، قال: إن جبريلَ أتاني فأخبرني أن فيهمًا قذرًا" رواه أبو داود (٣)؛ ولأن من النجاسة ما
стр. 746
يعفى عن يسيرها، فعفي عن يسير زمنها، ككشف العورة.
(وإن طين أرضًا متنجسة) وصلى عليها (أو بسط عليها، ولو كانت النجاسة رطبة) شيئًا طاهرًا صفيقًا (أو) بسط (على حيوان نجس، أو) بسط (على حرير) كله أو غالبه من (يحرم جلوسه عليه) من ذكر، أو خنثى (شيئًا طاهرًا صفيقًا، بحيث لم ينفذ (١)) النجس الرطب (إلى ظاهره، وصلى عليه) صحت مع الكراهة. (أو) صلى (على بساط باطنه نجس، وظاهره طاهر، أو في علوٍ سفله غصب، أو على سرير تحته نجس، أو غسل وجه آجر نجس وصلى عليه صحت) صلاته، لأنه ليس بحامل للنجاسة، ولا مباشر لها.
قال في "الشرح": فأما الآجر المعجون بالنجاسة، فهو نجس؛ لأن النار لا تطهر، لكن إذا غسل طهر ظاهره، لأن النار أكلت أجزاء النجاسة الظاهرة، وبقي الأثر، فطهر بالغسل، كالأرض النجسة، ويبقى الباطن نجسًا، لأن الماء لا يصل إليه (مع الكراهة) لاعتماده على النجاسة، أو الغصب.
ورأى ابن عمر النبي ﷺ "يصلي على حمارٍ، وهو متوجه (٢) إلى خيبر" رواه مسلم (٣).
стр. 747
قال الدارقطني (١): هو غلط من عمرو بن يحيى المازني. والمعروف صلاته على البعير والراحلة، لكنه من فعل أنس (٢)، قاله في "المبدع". وفيه: فيما إذا بسط على حرير طاهر صفيقًا، فيتوجه إن صح، جاز جلوسه عليه، وإلا فلا، ذكره في "الفروع".
(وإن صلى على مكان طاهر من بساط) أو حصير ونحوه (طرفه نجس) صحت (أو) صلى، و (تحت قدميه حبل) أو نحوه (في طرفه نجاسة، ولو تحرك) الحبل، أو نحوه (بحركته: صحت) صلاته، لأنه ليس بحامل للنجاسة، ولا مصل عليها، وإنما اتصل مصلاه بها، أشبه ما لو صلى على أرض طاهرة، متصلة بأرض نجسة (إلا أن يكون) الحبل، أو نحوه (متعلقًا به) أي المصلي، وهو مشدود بنجس ينجر معه إذا مشى.
(أو كان في يده، أو) كان (في وسطه حبل مشدود في نجس، أو) في (سفينة صغيرة) تنجر معه إذا مشى (فيها نجاسة) فلا تصح صلاته، ولو كان محل الرباط (٣) طاهرًا.
(أو) كان في يده، أو وسطه حبل مشدود في (حيوان نجس، ككلب، وبغل، وحمار) وكل ما (ينجر معه إذا مشى) فلا تصح صلاته؛ لأنه مستتبع للنجاسة، أشبه ما لو كان حاملها.
(أو أمسك) المصلي (حبلًا، أو غيره ملقى على نجاسة، فلا تصح) صلاته على ما في "الإنصاف"، لحمله ما يلاقيها.
стр. 748
ومقتضى كلام الموفق: الصحة فيما إذا كان طرفه ملقى على نجاسة يابسة، بلا شد، لأنه ليس بمستتبع للنجاسة.
وكذا حكم ما لو سقط طرف ثوبه على نجاسة، ذكره ابن تميم.
(وإن كان) المشدود فيه الحبل ونحوه (لا ينجر معه) إذا مشى (كالسفينة الكبيرة، والحيوان الكبير، الذي لا يقدر على جره إذا استعصى عليه، صحت) صلاته، سواء كان الشد في موضع نجس، أو طاهر، لأنه لا يقدر على استتباع ذلك، أشبه ما لو أمسك غصنًا من شجرة على بعضها نجاسة لم تلاق يده.
قلت: وإذا تعلق بالمصلي صغير به نجاسة لا يعفى عنها، وكان له قوة بحيث إذا مشى انجر معه، بطلت صلاته، إن لم يزله سريعًا، وإلا فلا.
(ومتى وجد عليه) وفي نسخة "عليها" أي البدن، والثوب، والبقعة (نجاسة) بعد الصلاة؛ و (جهل كونها) أي أنها كانت (في الصلاة؛ صحت) صلاته، أي لم يلزمه إعادتها؛ لأن الأصل عدم كونها في الصلاة، لاحتمال حدوثها بعدها، فلا نبطلها بالشك.
(وإن علم بعد سلامه أنها) أي النجاسة (كانت في الصلاة، لكنه جهل) في الصلاة (عينها) بأن أصابه شيء، ولم يعلم أنه نجس حال الصلاة، ثم علمه.
(أو) علم أنها كانت في الصلاة، لكن جهل (حكمها) بأن أصابته النجاسة، وعلمها، وجهل أنها مانعة من الصلاة، ثم علم بعد سلامه.
(أو) علم بعد سلامه أنها كانت في الصلاة لكن جهل (أنها كانت عليه) بأن لم يعلم بها وقت إصابتها إياه.
(أو) علم بعد سلامه أنه كان (ملاقيها) ولم يكن يعلم ذلك في صلاته،
стр. 749
أعاد؛ لأنها طهارة مشترطة فلم تسقط بالجهل، كطهارة الحدث.
وأجيب، بأن طهارة الحدث آكد لكونها لا يعفى عن يسيرها.
(أو) أصابته نجاسة وهو يصلي، و (عجز عن إزالتها) سريعًا (أو نسيها، أعاد) لما تقدم، وفيه ما سبق. (وعنه: لا يعيد، وهو الصحيح عند أكثر المتأخرين) اختاره الموفق، وجزم به في "الوجيز"، وقدمه ابن تميم، وصاحب "الفروع"، وقاله جماعة منهم ابن عمر، لحديث أبي سعيد (١) في خلع النعلين، ولو بطلت لاستأنفها النبي ﷺ .
"تنبيه" ما حكاه من الخلاف -حتى فيما إذا جهل حكمها- تبع فيه "الرعاية"، وفي "الإنصاف" في هذه: عليه الإعادة عند الجمهور، وقطعوا به.
"فائدة" إذا علم بالنجاسة في أثناء الصلاة، وأمكن إزالتها من غير عمل كثير، ولا زمن طويل، فالحكم فيها كما لو علم بعد الصلاة. فإن قلنا: لا تبطل، أزالها، وبنى. وقال ابن عقيل: تبطل رواية واحدة، وإن لم يمكن إزالتها إلا بعمل كثير، أو زمن طويل بطلت.
(وإن خاط جرحه، أو جبر ساقه ونحوه) كذراعه (بنجس من عظم، أو خيط، فجبر وصح) الجرح أو العظم (لم تلزمه إزالته) أي الخيط، أو العظم النجس (إن خاف الضرر) من مرض أو غيره (كما لو خاف التلف) أي تلف عضوه، أو نفسه، لأن حراسة النفس، وأطرافها من الضرر واجب، وهو أهم من رعاية شرط الصلاة، ولهذا لا يلزمه شراء سترة، ولا ماء للوضوء بزيادة كثيرة على ثمن المثل، فإذا جاز ترك شرط مجمع عليه لحفظ ماله، فترك شرط مختلف فيه لأجل بدنه بطريق الأولى.
стр. 750
(ثم إن غطاه اللحم لم يتيمم له) لتمكنه من غسل محل الطهارة بالماء (وإلا) بأن لم يغطه اللحم (تيمم له) لعدم غسله بالماء.
قلت: ويشبه ذلك الوشم إن غطاه اللحم، غسله بالماء، وإلا، تيمم له (١) (وإن لم يخف) ضررًا بإزالته (لزمته) إزالته، لأنه قادر على إزالته من غير ضرر، فلو صلى معه لم تصح (فلو مات من تلزمه إزالته) لعدم خوفه ضررًا (أزيل) وجوبًا، وقال أبو المعالي وغيره: ما لم يغطه اللحم، للمثلة (إلا مع مثلة) فلا يلزم إزالته؛ لأنه يؤذي الميت ما يؤذي الحي.
(وإن شرب) إنسان (خمرًا ولم يسكر، غسل فمه) لإزالة النجاسة عنه (وصلى، ولا يلزمه القيء) وكذا سائر النجاسات، إذا حصلت في الجوف، لحصولها في معدنها الذي يستوي فيه الطاهر والنجس من أصله.
(ويباح دخول البيع) جمع بيعة -بكسر الباء- (و) دخول (الكنائس التي لا صور فيها، و) تباح (الصلاة فيها، إذا كانت نظيفة) روي عن عمر (٢)، وأبي موسى (٣) لخبر: "جعلت لي الأرض مسجدًا وطَهُورًا" (٤).
стр. 751
(وتكره) الصلاة (فيما فيه صور) بيعة كانت أو كنيسة، لما تقدم من حديث: "لا تدخل الملائكةُ بيتًا فيه صورةٌ" (١).
وقال في "الإنصاف": وله دخول بيعة، وكنيسة، والصلاة فيهما من غير كراهة، على الصحيح من المذهب، وعنه: تكره، وعنه: مع صور. وظاهر كلام جماعة: يحرم دخوله معها. ووجه الجواز أنه ﷺ : "صلى في الكعبة وفيها صورٌ" (٢) ثم قد دخلت عموم قوله ﷺ : "فأينما أدركْتكَ الصلاةُ فصلِّ، فإنه مسجدٌ" متفق عليه (٣).
(وإن سقطت سنه) أي سن آدمي (أو) سقط (عضو منه فأعاده) أي ما ذكر، وفي نسخة: "فأعادها" (أو، لا) أي: أو لم يعدها؛ صحت صلاته بها لطهارتها (أو جعل موضعه) أي: موضع سنه (سن شاة، ونحوها مذكاة، وصلى به، صحت صلاته، ثبت أو لم يثبت لطهارته) أما سنه وعضوه، فلأن ما أبين من حي كميتته، وميتة الآدمي طاهرة، وأما سن المذكاة فواضح.
стр. 752
فصل في بيان المواضع التي نهي عن الصلاة فيها وما يتعلق به
(و لا تصح الصلاة في مقبرة قديمة أو حديثة، تقلبت، أو لا) لحديث سمرة بن جندب (١) مرفوعًا: "لا تتخذوا القبورَ مساجدَ، فإني أنهاكُم عن ذلك" رواه مسلم (٢).
(وهي مدفن الموتى) بني لفظها من لفظ القبر؛ لأن الشيء إذا كثر بمكان، جاز أن يبنى له اسم من اسمه، كقولهم: "مسبعة" لمكان كثر فيه السباع، و"مضبعة" لمكان كثر فيه الضباع.
وهي بفتح الميم مع تثليث الباء، لكن الفتح القياس، والضم المشهور، والكسر قليل، ويجوز كسر الميم وفتح الباء.
(ولا يضر قبر ولا قبران) أي لا يمنع من الصلاة، لأنه لا يتناولها اسم المقبرة، وإنما المقبرة ثلاثة قبور فصاعدًا، نقله في "الاختيارات" (٣) عن طائفة من أصحابنا، قال: وليس في كلام أحمد وعامة أصحابه هذا الفرق. قال:
стр. 753
وقال أصحابنا: وكل ما دخل في اسم المقبرة مما حول القبرر لا يصلى فيه.
(وتكره الصلاة إليه) أي إلى القبر (ويأتي) في الباب.
(ولا يضر) أي لا تمنع الصلاة في (ما أعد للدفن فيه، ولم يدفن فيه، ولا ما دفن بداره) وإن كثر، لأنه ليس بمقبرة.
(والخشخاشة): بيت في الأرض له سقف يقبر فيه جماعة، لغة عامية، قاله في "الحاشية" (فيها جماعة) من الموتى (قبر واحد) اعتبارًا بها، لا بمن فيها.
(وتصح صلاة جنازة فيها) أي المقبرة (ولو قبل الدفن، بلا كراهة) أي لا تكره الصلاة على الجنازة في المقبرة.
(والمسجد في المقبرة -إن حدث بعدها- كهي) أي لا تصح الصلاة فيه، غير صلاة الجنازة، لأنه من المقبرة.
(وإن حدثت) المقبرة (بعده) أي المسجد (حوله، أو) حدثت (في قبلته، فكصلاة إليها) أي إلى المقبرة، فتكره بلا حائل.
(ولو وضع القبر) أي دفن فيها، بحيث سميت مقبرة على ما تقدم (والمسجد معًا، لم يجز، ولم يصح الوقف، ولا الصلاة، قاله) ابن القيم (في الهدي) النبوي (١)، تقديمًا لجانب الحظر.
(ولا) تصح (في حمام داخله، وخارجه، وأتونه (٢)، وكل ما يغلق عليه الباب، ويدخل في بيع) لشمول الاسم لذلك كله، وذلك لحديث أبي سعيد مرفوعًا قال: "جعلت لي الأرضُ كلّها مسجدًا إلا المقبرة والحمام" رواه أحمد،
стр. 754
وأبو داود، والترمذي وصححه، وابن حبان، والحاكم (١)، وقال: أسانيده
стр. 755
صحيحة. وقال ابن حزم: خبر صحيح (١).
(و لا) تصح الصلاة (في حش) -بفتح الحاء وضمها- (وهو ما أعد لقضاء الحاجة) ولو مع طهارته من النجاسة، وهو لغة: البستان، ثم أطلق على محل قضاء الحاجة؛ لأن العرب كانوا يقضون حوائجهم في البساتين، وهي الحشوش، فسميت الأخلية في الحضر حشوشًا (فيمنع من الصلاة داخل بابه، وموضع الكنيف وغيره سواء) لتناول الاسم له، لأنه لما منع الشرع من ذكر الله والكلام فيه، كان منع الصلاة فيه من باب أولى.
(ولا) تصح الصلاة (في أعطان إبل، وهي ما تقيم فيه، وتأوي إليه) واحدها عطن، بفتح الطاء، وهي المعاطن: جمع معطن بكسرها، والأصل في ذلك ما روى البراء بن عازب أن النَّبيَّ ﷺ قال: "صلوا في مرابضِ الغنمِ، ولا تصلُّوا في مباركِ الإبلِ" رواه أحمد، وأبو داود (٢)، وصححه أحمد،
стр. 756
وإسحاق. وقال ابن خزيمة: لم نر خلافًا بين علماء الحديث أن هذا الخبر صحيح.
(ولا بأس بـ) الصلاة في (مواضع نزولها) أي الإبل (في سيرها، و) لا في (المواضع التي تناخ) الإبل (فيها لعلفها، أو ورودها) الماء، لأن اسم الأعطان لا يتناولها، فلا تدخل في النهي.
(ولا) تصح الصلاة أيضًا (في مجزرة، وهو ما أعد للذبح) فيه (ولا في مزبلة، وهي مرمى الزبالة، ولو طاهرة، ولا في قارعة طريق، وهو ما كثر سلوكه، سواء كان فيه سالك أو لا) لما روى ابن عمر أن النَّبيَّ ﷺ قال: "سبعُ مواطن لا تجوزُ فيها الصلاةُ: ظهرُ بيتِ اللهِ، والمقبرةُ، والمزبلةُ، والمجزرةُ، والحمامُ، ومعطنُ الإبلِ، ومحجةُ الطريقِ" (١) رواه ابن ماجه، والترمذي (٢)، وقال: ليس إسناده بالقوي، وقد رواه الليث بن سعد، عن عبد الله بن عمر العمري، عن نافع عن ابن عمر (٣) مرفوعًا (٤).
стр. 757
(ولا بأس بطريق الأبيات القليلة، وبما علا عن جادة الطريق يمنة ويسرة، نصًا) فتصح الصلاة فيه بلا كراهة، لأنه ليس بمحجة.
(ولا) تصح الصلاة (في أسطحتها) أي أسطحة المواضع التي قلنا لا تصح الصلاة فيها (كلها) لأن الهواء تابع للقرار، بدليل أن الجنب يمنع من اللبث على سطح المسجد، وأن من حلف لا يدخل دارًا يحنث بدخول سطحها.
(و) لا تصح الصلاة في (ساباط (١) على طريق) لأن الهواء تابع للقرار لما تقدم.
(ولا على سطح نهر) قال ابن عقيل: لأن الماء لا يصلى عليه، وقال غيره: هو كالطريق (قال القاضي: تجري فيه سفينة) كالطريق، وعلله بأن الهواء تابع للقرار، لما تقدم (والمختار) في الصلاة على سطح النهر (الصحة كالسفينة، قاله أبو المعالي وغيره) ومقتضى "المنتهى": لا تصح، وقد يفرق بينه وبين السفينة، بأنها مظنة الحاجة.
(ولو حدث طريق، أو غيره من مواضع النهي) كعطن إبل؛ وحش (تحت مسجد بعد بنائه صحت) الصلاة (فيه) أي في المسجد؛ لأنه لم يتبع ما حدث بعده.
(والمنع) من الصلاة (في هذه المواضع تعبد) ليس معللًا بوهم
стр. 758
النجاسة، ولا غيره، لنهي الشارع عنها، ولم يعقل معناه.
(ولا تصح) صلاة (في بقعة غصب من أرض، أو حيوان، بأن يغصبه) أي ما ذكر من الأرض، والحيوان (ويصلي عليه) الغاصب (أو غيره) لأنها عبادة أتى بها على الوجه المنهي عنه، فلم تصح، كصلاة الحائض (١)، (أو) من (سفينة) غصبها، أو غصب لوحًا فجعله سفينة، لم تصح الصلاة فيها.
(ولا فرق بين غصبه لرقبة الأرض) بأن يستولي عليها قهرًا ظلمًا (أو دعواه ملكيتها) أي ملكية رقبتها بغير حق (وبين غصب منافعها، بأن يدعي إجارتها ظالمًا، أو يضع يده عليها مدة) ظلمًا (أو يخرج ساباطًا في موضع لا يحل) إخراجه، كأن يخرجه في درب غير نافذ، بلا إذن أهله، أو في نافذ بغير إذن الإمام أو نائبه (ونحو ذلك.
ولو) كان المغصوب (جزءًا مشاعًا فيها) أي في البقعة، فلا تصح الصلاة فيها، فإن كان الغصب جزءًا معينًا تعلق الحكم به وحده، فإن صلى فيه لم تصح، وإن صلى في غيره صحت.
(أو) أي لا تصح الصلاة في البقعة الغصب، ولو (بسط عليها مباحًا، أو بسط غصبًا على مباح) جزم به في "المبدع" وغيره، بخلاف ما لو بسط طاهرًا صفيقًا على حرير، والفرق أنه لا يعد مستعملًا للحرير إذن، بخلاف البقعة، فإنه حال فيها، وإن كان تحته مباح.
(سوى جمعة، وعيد، وجنازة، ونحوها مما تكثر له الجماعة) ككسوف، واستسقاء (فيصح فيها) أي في المواضع المتقدمة، كالمقبرة،
стр. 759
وقارعة الطريق ونحوها (كلها ضرورة) (١) أي لأجل الضرورة.
والذي في "المنتهى" و"الإنصاف"، ونقله عن الموفق في "المغني" والشارح، والمجد في شرحه، وصاحب "الحاوي الكبير" و"الفروع" وغيرهم: صحة ذلك في الغصب، وفي الطريق إذا اضطروا إليه. وأما الحمام، والحش، ونحوه فيبعد إلحاقه بذلك.
قال في "الشرح": قال أحمد (٢): يصلي الجمعة في موضع الغصب، يعني إذا كان الجامع، أو بعضه مغصوبًا، صحت الصلاة فيه؛ لأن الجمعة تختص ببقعة، فإذا صلاها الإمام في الموضع المغصوب، فامتنع الناس من الصلاة فيه فاتتهم الجمعة، وكذلك من امتنع فاتته، ولذلك صحت خلف الخوارج، والمبتدعة، وصحت في الطريق لدعاء الحاجة إليه، وكذلك الأعياد والجنازة.
(وتصح) الصلاة (على راحلة في طريق) على ما يأتي تفصيله، لصلاته ﷺ على البعير (٣).
(و) تصح الصلاة على (نهر جمد ماؤه) جزم به ابن تميم، وقدم في "الإنصاف": أنه كالطريق.
(وإن غير هيئة مسجد فكغصبه) في صلاته فيه، قاله في "الرعاية" فيؤخذ منه: لو صلى غيره فيه صحت، لأنه مباح له.
стр. 760
(وإن منع المسجد غيره وصلى هو فيه، أو زحمه، وصلى مكانه حرم) أي حرم عليه منعه الغير، لأنه ظلم (وصحت) صلاته؛ لأن المسجد مباح في الجملة، وإنما المحرم عليه منع الغير، أو مزاحمته لإقامته، فعاد النهي إلى خارج.
وقال في "التنقيح" فيمن أقام غيره وصلى مكانه: قواعد المذهب تقتضي عدم الصحة.
وفي "الرعاية": وإن لم يغير هيئته، لكن منع الناس الصلاة فيه صحت صلاته، مع الكراهة؛ وتبعه في "المبدع"، وزاد: في الأصح، ولا يضمنه بذلك.
(ومن وجبت عليه الهجرة من أرض) لكفر أهلها، وعجزه عن إظهار دينه، أو كونهم أهل بدعة ضالة كذلك (لم يجب عليه إعادة ما صلى بها) لأن النهي عن إقامته بها لا يختص الصلاة.
(ويصح الوضوء، والأذان، وإخراج الزكاة، والصوم، والعقود) كالبيع، والنكاح، وغيرهما، والفسوخ كالطلاق، والخلع، والعتق (في مكان غصب) لأن البقعة ليست شرطًا فيها، بخلاف الصلاة.
(وتصح صلاته في بقعة أبنيتها غصب، ولو استند) إلى الأبنية لإباحة البقعة المعتبرة في الصلاة، ومقتضى كلامه في "المبدع": وتكره. وفي معنى ذلك ما يبنى بحريم الأنهار من مساجد وبيوت، لأن المحرم البناء بها، وأما البقعة فعلى أصل الإباحة.
(و) تصح (صلاة من طولب برد وديعة، أو) رد (غصب، قبل دفعها إلى ربها) ولو بلا عذر، لأن التحريم لا يختص الصلاة.
(و) تصح (صلاة من أمره سيده أن يذهب إلى مكان، فخالفه وأقام) لما تقدم.
стр. 761
(ولو تقوى على أداء عبادة) من صلاة، أو صوم، ونحوه (بأكل محرم صحت) عبادته؛ لأن النهي لا يعود إلى العبادة، ولا إلى شروطها، فهو إلى خارج عنها، وذلك لا يقتضي فسادها، لكن لو حج بغصب عالمًا ذاكرًا، لم يصح حجه على المذهب (١).
(ولو صلى على أرض غيره، ولو) كانت (مزروعة بلا ضرر) ولا غصب (أو) صلى (على مصلاه بلا غصب، ولا ضرر، جاز) وصحت صلاته (وتقدم في الباب قبله) ويأتي في الجمعة: لو صلى على مصلى مفروش لغيره، لم تصح، وجوابه.
(وإن صلى في غصب) من بقعة أو غيرها (جاهلًا) كونه غصبًا (أو ناسيًا كونه غصبًا، صحت) لأنه غير آثم (أو حبس به) أي المكان الغصب (صحت صلاته) لحديث: "عفي لأمتي عن الخطأ، والنسيانِ، وما استكرهُوا عليه" (٢).
(ويصلى فيها) أي في المقبرة، والحمام، وغيرهما مما تقدم (كلها
стр. 762
لعذر) كأن حبس بحمام، أو حش، ونحوه. قال في "المبدع": وظاهره أنه لا يصلي فيها من أمكنه الخروج، ولو فات الوقت (ولا يعيد) من صلى فيها لعذر لصحة صلاته. وظاهره: ولو زال العذر في الوقت وخرج منها، كالمتيمم يجد الماء بعد الصلاة.
(وتكره الصلاة إليها) أي إلى المقبرة وغيرها مما تقدم من المواضع المنهي عن الصلاة فيها، لما روى أبو يزيد (١) الغنوي: أنه سمع النبيَّ ﷺ يقول: "لا تصَلُّوا إلى القبور، ولا تجلسُوا إليهَا" رواه مسلم (٢).
قال القاضي: ويقاس على ذلك جميع مواضع النهي، إلا الكعبة، وفيه نظر. لأن النهي عنده تعبدي، وشرط القياس فهم المعنى (ما لم يكن حائل، ولو كمؤخرة رحل، وليس كسترة الصلاة، فلا يكفي حائط المسجد) جزم به جماعة منهم المجد، وابن تميم، والناظم، وغيرهم، وقدمه في "الرعايتين" و"الحاويين"، وغيرهم، لكراهة السلف الصلاة في مسجد في قبلته حش. وظاهر ما قدمه في "الفروع" و"المبدع" وغيرهما: يكفي حائط المسجد. وتأول ابن عقيل النص على سراية النجاسة تحت مقام المصلي، واستحسنه صاحب "التلخيص".
(ولا) يكفي (الخط ونحوه) ولا ما دون مؤخرة رحل (بل) الحائل هنا (كسترة المتخلي) فيعتبر بمؤخرة الرحل.
(وإن غيرت أماكن النهي غير الغصب بما يزيل اسمها، كجعل الحمام دارًا، أو مسجدًا، أو نبش الموتى من المقبرة، وتحويل عظامهم، ونحو ذلك) كجعل المزبلة، أو المجزرة دارًا (صحت الصلاة فيها) لأنها
стр. 763
خرجت بذلك عن أن تكون من موضع (١) النهي.
(وتصح) الصلاة (في أرض السباخ) نص عليه. قال في "الرعاية": مع الكراهة.
(و) تصح الصلاة في (الأرض المسخوط عليها، كأرض الخسف، وكل بقعة نزل بها عذاب، كأرض بابل، وأرض الحِجْر، ومسجد الضرار) لأنه ﵇ نهى عن الصلاة في أرض بابل، وقال إنها ملعونة (٢)، ولأنها مواضع مسخوط عليها، وقد قال النبي ﷺ يوم مر بالحجر: "لا تدخُلُوا على هؤلاءِ المعذَّبينَ إلا أن تكونُوا باكين، أن يصيبَكم مثلُ ما أصابهم" (٣).
(وفي المدبغة، والرحى، و) تصح الصلاة (عليها) أي على الرحى (مع الكراهة فيهن) أي في تلك المسائل.
стр. 764
(و) تصح الصلاة (على الثلج بحائل أو لا، إذا وجد حجمه) لاستقرار أعضاء السجود (وكذا حشيش، وقطن منتفش) تصح الصلاه عليه إذا وجد حجمه (وإن لم يجد حجمه، لم تصح) صلاته، لعدم استقرار الجبهة عليه (ولا يعتبر كون ما يحاذي الصدر مقرًّا، فلو حاذاه روزنة ونحوها) كطاق (صحت) صلاته؛ لأن الصدر ليس من أعضاء السجود (بخلاف ما تحت الأعضاء) التي يجب السجود عليها، فلا تصح إن حاذت روزنة ونحوها. (أو صلى في الهواء، أو في أرجوحة، ونحو ذلك، لأنه ليس بمستقر القدمين على الأرض، إلا أن يكون مضطرًا) إلى الصلاة كذلك (كالمصلوب) والمربوط للعذر.
(و تكره) الصلاة (في مقصورة تحمى) للسلطان وحده (١) (نصًّا) قال ابن عقيل: إنما كره المقصورة لأنها كانت تختص بالظلمة وأبناء الدنيا، فكره الاجتماع بهم، قال: وقيل: كرهها لقصورها على أتباع السلطان، ومنع غيرهم، وتصير كالموضع الغصب.
(و يصلي في موضع نجس لا يمكنه الخروج منه) بأن حبس فيه (ويسجد بالأرض وجوبًا، إن كانت النجاسة يابسة) تقديمًا لركن السجود، لأنه مقصود في نفسه، ومجمع على فريضته (٢)، وعلى عدم سقوطه، بخلاف ملاقاة النجاسة (وإلا) بأن كانتَ النجاسة رطبة (أومأ غاية ما يمكنه، وجلس على قدميه) لضرورة الجلوس (ولا يضع على الأرض غيرهما) أي غير القدمين، للاكتفاء بهما عما سواهما (وكذا من هو في ماء وطين) يومئ
стр. 765
كمصلوب، ومربوط لحديث: "إذا أمرتكم بأمرٍ فائتوا منه ما استطعتم" (١).
(ولا تصح الفريضة في الكعبة) المشرفة (ولا على ظهرها) لقوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٢) والشطر: الجهة. ومن صلى فيها، أو على سطحها غير مسقبل لجهتها.
ولأنه يكون مستدبرًا من الكعبة ما لو استقبله منها وهو خارج صحت صلاته.
ولأن النهي عن الصلاة على ظهرها قد ورد صريحا في حديث عبد الله بن عمر فيما سبق (٣)، وفيه تنبيه على النهي عن الصلاة فيها؛ لأنهما سواء في المعنى.
والجدار لا أثر له، إذ المقصود البقعة، بدليل أنه يصلي للبقعة حيث لا جدار (إلا إذا وقف على منتهاها) أي الكعبة، وفي نسخ: "منتهاه" أي البيت الحرام، أو ظهره (بحيث لم يبق وراءه شيء منها، أو صلى خارجها) أي الكعبة (وسجد فيها) فيصح فرضه، لأنه مستقبل لطائفة من الكعبة، غير مستدبر لشيء منها، كما لو صلى إلى أحد أركانها (٤).
(ويصح نذر الصلاة فيها) أي الكعبة (وعليها) كالنافلة. وقال في "الاختيارات" (٥): وإن نذر الصلاة في الكعبة جاز، كما لو نذر الصلاة على الراحلة، وإن نذر الصلاة مطلقًا، اعتبر فيها شروط الفريضة، لأن النذر
стр. 766
المطلق يحذى به حذو الفرائض ا هـ. وعبارة "المنتهى": وتصح نافله، ومنذورة، فيها وعليها.
(و) تصح (نافلة) فيها وعليها (بل يسن التنفل فيها، والأفضل) أن يتنفل (وجاهه إذا دخل) لحديث ابن عمر قال: "دخل رسولُ الله ﷺ البيتَ، وأسامةُ بن زيدٍ، وبلالٌ، وعثمانُ بن طلحة، فأغلقُوا عليهم، فلما فتحُوا كنتُ أولَ من ولجَ، فلقيتُ بلالًا، فسألتُه: هل صلى النبيُّ ﷺ في الكعبة؟ قال: ركعتين بين السارِيتين عن يسارِكَ إذا دخلتَ، ثم خرج فصلى في وجهِ الكعبةِ ركعتين" رواه الشيخان (١)، ولفظه للبخاري.
وأما ما روى الشيخان، عن أسامة أيضًا (٢)، والبخاري عن ابن عباس، أن النبي ﷺ "لم يصلِّ في الكعبةِ" (٣) فجوابه: أن الدخول كان مرتين، فلم يصل
стр. 767
في الأولى، وصلى في الثانية، كذا رواه أحمد في "مسنده" (١)، وذكره ابن حبان في "صحيحه" (٢).
(ولو صلى لغير وجاهه إذا دخل جاز) كما لو صلى وجاهه، لأن كل جهة من جهاتها قبلة (إذا كان بين يديه شيء منها شاخص، متصل بها، كالبناء، والباب، ولو مفتوحًا، أو عتبته المرتفعة، فلا اعتبار بالآجر المعبا من غير بناء، ولا بالخشب غير المسمور، ونحو ذلك) لأنه غير متصل (فإن لم يكن شاخص) متصل (وسجوده على منتهاها، لم تصح) صلاته، لأنه لم يصل إلى شيء من الكعبة (وإن كان بين يديه شيء منها) أي الكعبة (إذا سجد، ولكن ما ثم شاخص، لم تصح) صلاته (أيضًا، اختاره الأكثر) قاله في "التنقيح" (وعنه: تصح) صلاته، اختاره الموفق في "المغني"، والمجد في "شرحه" وابن تميم، وصاحب "الحاوي الكبير" و"الفائق"، وهو المذهب على ما اصطلحناه في الخطبة، ذكره في "الإنصاف"، وهو معنى ما قطع به في "المنتهى".
(والحجر) -بكسر الحاء- (منها) أي من الكعبة، لخبر عائشة (٣) (وقدره ستة أذرع وشيء).
стр. 768
قال الشيخ تقي الدين (١): الحجر جميعه ليس من البيت، وإنما الداخل في حدود البيت ستة أذرع وشيء، فمن استقبل ما زاد على ذلك لم تصح صلاته البتة ا هـ، وهذا بالنسبة لغير الطواف، ولا فلابد من خروجه عن جميعه احتياطًا، ويأتي (فيصح التوجه إليه) أي إلى ذلك القدر من الحجر، لأنه من البيت، أشبه سائره، وسواء كان المتوجه إليه مكيًّا أو غيره، وسواء كانت الصلاة فرضًا، أو نفلا.
(ويسن التنفل فيه) أي في الحجر، لخبر عائشة (٢) (وأما الفرض فيه) أي الحج (فكـ) ـالفرض (داخلها) لا يصح إلا إذا وقف على منتهاه، بحيث لم يبق وراءه شيء منه، أو وقف خارجه وسجد فيه.
(و لو نقض) أو سقط (بناء الكعبة، وجب استقبال موضعها، وهوائها، دون أنقاضها) لأن المقصود البقعة، لا الأنقاض.
(ولو صلى على جبل يخرج عن مسامتة بنيانها) كأبي قبيس (صحت) الصلاة (إلى هوائها) وكذا لو حفر حفيرة في الأرض، بحيث ينزل عن مسامتة بنيانها، صحت إلى هوائها، لما تقدم أن المقصود البقعة لا الجدار.
(ويأتي حكم صلاة الفرض على الراحلة، وفي السفينة: أول) باب (صلاة أهل الأعذار) بعد الكلام على صلاة المريض.
стр. 769
(باب استقبال القبلة، و) بيان (أدلتها) وما يتعلق بذلك
قال الواحدي (١): القبلة الوجهة، وهي الفعلة من المقابلة، والعرب تقول: ما له قبلة ولا دبرة، إذا لم يهتد لجهة أمره. وأصل القبلة في اللغة: الحالة التي يقابل الشيء غيره عليها، كالجلسة للحالة التي يجلس عليها، إلا أنها صارت كالعلم للجهة التي يستقبلها المصلي.
وسميت قبلة: لإقبال الناس عليها، أو لأن المصلي يقابلها، وهي تقابله.
والأدلة: جمع دليل، وتقدم في الخطبة.
(صلى النبي ﷺ إلى بيت المقدس عشر سنين بمكة) جزم به القاضي في "شرح الخرقي الصغير" والسامري في "المستوعب"، وهي المدة التي أقامها بمكة بعد البعثة، بناء على حديث أنس ﵁ قال: "بعثَه اللهُ على رأسِ أربعينَ سنةً، فأقام بمكةَ عشرَ سنينَ، وبالمدينة عشر سنينَ … الحديث" (٢).
وما ذكره (٣) من أنه كان يصلي بمكة قبل الهجرة إلى بيت المقدس هو أحد أقوال ثلاثة:
قال الفخر الرازي في "تفسيره" (٤): اختلفوا في صلاته إلى بيت المقدس،
стр. 770
فقال قوم: كان بمكة يصلي إلى الكعبة، فلما صار إلى المدينة أمر بالتوجه إلى بيت المقدس سبعة عشر شهرًا.
وقال قوم: بل كان بمكة يصلي إلى بيت المقدس، إلا أنه يجعل القبلة بينه وبينه.
وقال قوم: بل كان يصلي إلى بيت المقدس فقط بمكة، وبالمدينة أولًا سبعة عشر شهرًا، ثم أمره الله تعالى بالتوجه إلى الكعبة، لما فيه من الصلاح.
(و) صلى أيضًا ﷺ إلى بيت المقدس (ستة عشر شهرًا بالمدينة) رواه النسائي (١) عن البراء. وقيل: سبعة عشر شهرا، وقيل: ثمانية عشر شهرًا.
وجمع بينها بأن من عدها ستة عشر لم يعتبر الكسور. ومن عدها ثمانية عشر، اعتد بالشهرين الأول والآخر، ولم ينظر لما فيهما من الكسور. ومن عدها سبعة عشر، حسب كسور الأول والأخير، وألغى بقيتهما.
(ثم أمر) ﷺ (بالتوجه إلى الكعبة) بقوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ - الآية﴾ (٢).
(وهو الشرط الثامن لصحة الصلاة) لأنه قد تقدم عليه، سبعة (فلا تصح) الصلاة (بدونه) أي الاستقبال، لقوله تعالى: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٣) قال علي: "شطره: قبله" (٣).
стр. 771
وقال ابن عمر: "بينما الناس بقباء في صلاةِ الصبح، إذ جاءهم آت فقال: إن النبي ﷺ قد أنزل عليه قرآن، وقد أمر أن يستقبل القبلةَ، فاستقبَلُوها، وكانت وجوهُهُم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبةِ" متَّفقٌ عليه (١).
(إلا لمعذور) عاجز عن استقبال القبلة (كالتحام حرب) حال الطعن والكر والفر (وهرب من سيل، أو) من (نار، أو) من (سبع، ونحوه، ولو) كان العذر (نادرًا، كمريض عجز عنه) أي عن الاستقبال (و) عجز (عمن يديره إليها) أى القبلة (وكمربوط، ونحوه) أى كمصلوب إلى غير القبلة (فتصح) الصلاة (إلى غير القبلة منهم، بلا إعادة) لأنه شرط عجزوا عنه، فسقط، كستر العورة، وكالقيام.
(و) إلا (لمتنقل راكب، وماش في سفر، غير محرم، ولا مكروه، ولو) كان السفر (قصيرًا) لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (٢) قال ابن عمر: "نزلت في التطوع خاصة" (٣).
ولما روى هو أنه ﷺ "كان يسبح على ظهر راحِلته حيث كان وجههُ يومئ برأسه" وكان ابن عمر يفعله. متفق عليه (٤)، وللبخاري: "إلا الفرائض" (٥).
стр. 772
ولم يفرق بين طويل السفر وقصيره؛ ولأن ذلك تخفيف في التطوع، لئلا يؤدي إلى تقليله أو قطعه، فاستويا فيه. وألحق الماشي بالراكب؛ لأن الصلاة أبيحت للراكب، لئلا ينقطع عن القافلة في السفر، وهو موجود في الماشي.
و (لا) يسقط الاستقبال (إذا تنفل في الحضر، كالراكب السائر في مصره) أو قريته، لأنه ليس مسافرًا.
(ولا) يسقط الاستقبال إذا لم يقصد المسافر جهة معينة كـ (ـراكب تعاسيف، وهو ركوب الفلاة وقطعها على غير صوب (١)) ومنه الهائم، والتائه، والسائح.
والسفر: قطع المسافة، وجمعه أسفار، سمي بذلك لأنه يسفر عن أخلاق الرجال.
(فلو عدلت به) أي المسافر الذي يتطوع على راحلته (دابته عن جهة سيره) إلى غير جهة القبلة (لعجزه عنها، أو لجماحها، ونحوه) كحرنها، وطال، بطلت صلاته؛ لأنه بمنزلة العمل الكثير، وإن قصر لم تبطل.
(أو عدل هو) أي المسافر (إلي غير القبلة غفلة، أو نومًا، أو جهلًا، أو سهوًا، أو لظنه أنها جهة سيره، وطال، بطلت) صلاته؛ لأنه عمل كثير، فيبطلها عمده، وسهوه، وجهله.
(وإن قصر) عدوله لعذر (لم تبطل) صلاته، لأنه يسير.
(ويسجد للسهو، إن كان عذره السهو) لا الغفلة، والنوم، ونحوه، فيعايا بها (٢).
стр. 773
(وإن كان غير معذور في ذلك) العدول (بأن عدلت) به (دابته وأمكنه ردها) ولم يردها، بطلت، طال ذلك أو قصر، إن لم يكن عدوله إلى جهة القبلة.
(أو عدل) بنفسه (إلى غير القبلة مع علمه) بأنها غير جهة سيره، وغير جهة القبلة (بطلت) صلاته، طال ذلك، أو قصر؛ لأنه ترك قبلته عمدًا.
(وإن انحرف عن جهة سيره، فصار قفاه إلى القبلة عمدًا، بطلت) لاستدباره القبلة، وكذا لو استدار بجملته عن جهة سيره إلى غير جهة القبلة، لتركه قبلته (إلا أن يكون انحرافه إلى جهة القبلة) في جميع ما تقدم، فلا تبطل صلاته لأن التوجه إليها هو الأصل.
(وإن وقفت دابته تعبًا، أو) وقف (منتظرًا رفقة، أو لم يسر لسيرهم) استقبل القبلة (أو نوى النزول ببلد دخله، استقبل القبلة) ويتمها لانقطاع السير، كالخائف يأمن.
(ولو ركب المسافر النازل) أي غير السائر (وهو في) صلاة (نافلة، بطلت) صلاته، سواء كان يتنفل قائمًا، أو قاعدًا؛ لأن حالته حالة إقامة، فيكون ركوبه فيها بمنزلة العمل الكثير من المقيم.
و (لا) تبطل صلاة (الماشي) بركوبه فيها (فيتمها) لأنه انتقل من حالة مختلف في صحة التنفل فيها، وهي المشي، إلى حالة متَّفق على صحة التنفل فيها، وهي الركوب، مع أن كلًا منهما حالة سير.
(وإن نزل) المسافر (الراكب في أثنائها) أي النافلة (نزل مستقبلًا وأتمها، نصًا) لأنَّه انتقل إلى حالة (١) إقامة، كالخائف إذا أمن.
стр. 774
(ويلزم الراكب) إذا تنفل على راحلته (افتتاحها) أي النافلة (إلى القبلة بالدابة) بأن يديرها إلى القبلة إن أمكنه بلا مشقة (أو بنفسه) بأن يدور إلى القبلة ويدع راحلته سائرة مع الركب (إن أمكنه) ذلك (بلا مشقة) لما روى أنس أن النَّبيَّ ﷺ "كان إذا سافرَ فأرادَ أن يتطوع استقبل بناقته القبلة، فكبر، ثم صلى حيثُ كانَ وجهة ركابِه"، رواه أحمد، وأبو داود (١).
(وكذا إن أمكنه ركوع، وسجود، واستقبال) في جميع النافلة (عليها) أي الراحلة (كمن هو في سفينة أو مِحفّة) بكسر الميم (ونحوها) كعمارية، وهودج، فيلزمه ذلك لقدرته عليه بلا مشقة، (أو كانت راحلته واقفة)، لزمه افتتاح الصلاة إلى القبلة، والركوع والسجود إن أمكنه، بلا مشقة (وإلا) أي: وإن لم يمكنه افتتاح النافلة إلى القبلة، بلا مشقة، كمن على بعير مقطور، ويعسر عليه الاستدارة بنفسه، أو يكون مركوبه حرونًا تصعب عليه إدارته، أو لا يمكنه الركوع ولا السجود (افتتحها) أي النافلة (إلى غيرها) أي غير القبلة، يعني إلى جهة سيره (وأومأ) بالركوع والسجود (إلى جهة سيره) طلبًا للسهولة عليه، حتى لا يؤديه إلى عدم التطوع.
(ويكون سجوده أخفض من ركوعه وجوبًا إن قدر) لما روى جابر قال: "بعثني النبي ﷺ في حاجة، فجئت وهو يصلي على راحلته نحو المشرقِ،
стр. 775
والسجود أخفضُ من الركوع" رواه أبو داود (١).
(وتعتبر فيه) أي في نفل المسافر، أي يشترط لصحته (طهارة محله) أي المصلى (نحو سرج، وإكاف) كغيره، لعدم المشقة فيه. فإن كان المركوب نجس العين، أو أصابت موضع الركوب منه نجاسة، وفوقه حائل طاهر، من برذعة، ونحوها، صحت الصلاة. قال في "شرح الهداية": وقال بعض أصحابنا: هو على الروايتين فيمن فرش طاهرًا على أرض نجسة، والصحيح الجواز هاهنا على الروايتين؛ لأن اعتبار ذلك يشق، فتفوت الرخصة، وذلك أن أبدان الدواب لا تسلم غالبًا من النجاسة، لتقلبها، وتمرغها على الزبل والنجاسات. والبغل منها نجسان في ظاهر المذهب، والحاجة ماسة إلى ركوبهما. وقد صح عن النبي ﷺ "أنه كان يصلي على حماره التطوع" (٢) وذلك دليل الجواز.
(وإن وطئت دابته نجاسة، فلا بأس) أى لم تبطل صلاته. وقال ابن حمدان: بلى، إن أمكن رده عنها، ولم يردها.
(وإن وطئها) أي النجاسة (الماشي عمدًا، فسدت صلاته) كغير المسافر.
(وإن نذر) المسافر السائر (الصلاة على الدابة، جاز) أي: انعقد نذره. ومثله: نذرها في الكعبة، وتقدم.