وقال ابن عمر: "بينما الناس بقباء في صلاةِ الصبح، إذ جاءهم آت فقال: إن النبي ﷺ قد أنزل عليه قرآن، وقد أمر أن يستقبل القبلةَ، فاستقبَلُوها، وكانت وجوهُهُم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبةِ" متَّفقٌ عليه (١).
(إلا لمعذور) عاجز عن استقبال القبلة (كالتحام حرب) حال الطعن والكر والفر (وهرب من سيل، أو) من (نار، أو) من (سبع، ونحوه، ولو) كان العذر (نادرًا، كمريض عجز عنه) أي عن الاستقبال (و) عجز (عمن يديره إليها) أى القبلة (وكمربوط، ونحوه) أى كمصلوب إلى غير القبلة (فتصح) الصلاة (إلى غير القبلة منهم، بلا إعادة) لأنه شرط عجزوا عنه، فسقط، كستر العورة، وكالقيام.
(و) إلا (لمتنقل راكب، وماش في سفر، غير محرم، ولا مكروه، ولو) كان السفر (قصيرًا) لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (٢) قال ابن عمر: "نزلت في التطوع خاصة" (٣).
ولما روى هو أنه ﷺ "كان يسبح على ظهر راحِلته حيث كان وجههُ يومئ برأسه" وكان ابن عمر يفعله. متفق عليه (٤)، وللبخاري: "إلا الفرائض" (٥).
стр. 772
ولم يفرق بين طويل السفر وقصيره؛ ولأن ذلك تخفيف في التطوع، لئلا يؤدي إلى تقليله أو قطعه، فاستويا فيه. وألحق الماشي بالراكب؛ لأن الصلاة أبيحت للراكب، لئلا ينقطع عن القافلة في السفر، وهو موجود في الماشي.
و (لا) يسقط الاستقبال (إذا تنفل في الحضر، كالراكب السائر في مصره) أو قريته، لأنه ليس مسافرًا.
(ولا) يسقط الاستقبال إذا لم يقصد المسافر جهة معينة كـ (ـراكب تعاسيف، وهو ركوب الفلاة وقطعها على غير صوب (١)) ومنه الهائم، والتائه، والسائح.
والسفر: قطع المسافة، وجمعه أسفار، سمي بذلك لأنه يسفر عن أخلاق الرجال.
(فلو عدلت به) أي المسافر الذي يتطوع على راحلته (دابته عن جهة سيره) إلى غير جهة القبلة (لعجزه عنها، أو لجماحها، ونحوه) كحرنها، وطال، بطلت صلاته؛ لأنه بمنزلة العمل الكثير، وإن قصر لم تبطل.
(أو عدل هو) أي المسافر (إلي غير القبلة غفلة، أو نومًا، أو جهلًا، أو سهوًا، أو لظنه أنها جهة سيره، وطال، بطلت) صلاته؛ لأنه عمل كثير، فيبطلها عمده، وسهوه، وجهله.
(وإن قصر) عدوله لعذر (لم تبطل) صلاته، لأنه يسير.
(ويسجد للسهو، إن كان عذره السهو) لا الغفلة، والنوم، ونحوه، فيعايا بها (٢).
стр. 773
(وإن كان غير معذور في ذلك) العدول (بأن عدلت) به (دابته وأمكنه ردها) ولم يردها، بطلت، طال ذلك أو قصر، إن لم يكن عدوله إلى جهة القبلة.
(أو عدل) بنفسه (إلى غير القبلة مع علمه) بأنها غير جهة سيره، وغير جهة القبلة (بطلت) صلاته، طال ذلك، أو قصر؛ لأنه ترك قبلته عمدًا.
(وإن انحرف عن جهة سيره، فصار قفاه إلى القبلة عمدًا، بطلت) لاستدباره القبلة، وكذا لو استدار بجملته عن جهة سيره إلى غير جهة القبلة، لتركه قبلته (إلا أن يكون انحرافه إلى جهة القبلة) في جميع ما تقدم، فلا تبطل صلاته لأن التوجه إليها هو الأصل.
(وإن وقفت دابته تعبًا، أو) وقف (منتظرًا رفقة، أو لم يسر لسيرهم) استقبل القبلة (أو نوى النزول ببلد دخله، استقبل القبلة) ويتمها لانقطاع السير، كالخائف يأمن.
(ولو ركب المسافر النازل) أي غير السائر (وهو في) صلاة (نافلة، بطلت) صلاته، سواء كان يتنفل قائمًا، أو قاعدًا؛ لأن حالته حالة إقامة، فيكون ركوبه فيها بمنزلة العمل الكثير من المقيم.
و (لا) تبطل صلاة (الماشي) بركوبه فيها (فيتمها) لأنه انتقل من حالة مختلف في صحة التنفل فيها، وهي المشي، إلى حالة متَّفق على صحة التنفل فيها، وهي الركوب، مع أن كلًا منهما حالة سير.
(وإن نزل) المسافر (الراكب في أثنائها) أي النافلة (نزل مستقبلًا وأتمها، نصًا) لأنَّه انتقل إلى حالة (١) إقامة، كالخائف إذا أمن.
стр. 774
(ويلزم الراكب) إذا تنفل على راحلته (افتتاحها) أي النافلة (إلى القبلة بالدابة) بأن يديرها إلى القبلة إن أمكنه بلا مشقة (أو بنفسه) بأن يدور إلى القبلة ويدع راحلته سائرة مع الركب (إن أمكنه) ذلك (بلا مشقة) لما روى أنس أن النَّبيَّ ﷺ "كان إذا سافرَ فأرادَ أن يتطوع استقبل بناقته القبلة، فكبر، ثم صلى حيثُ كانَ وجهة ركابِه"، رواه أحمد، وأبو داود (١).
(وكذا إن أمكنه ركوع، وسجود، واستقبال) في جميع النافلة (عليها) أي الراحلة (كمن هو في سفينة أو مِحفّة) بكسر الميم (ونحوها) كعمارية، وهودج، فيلزمه ذلك لقدرته عليه بلا مشقة، (أو كانت راحلته واقفة)، لزمه افتتاح الصلاة إلى القبلة، والركوع والسجود إن أمكنه، بلا مشقة (وإلا) أي: وإن لم يمكنه افتتاح النافلة إلى القبلة، بلا مشقة، كمن على بعير مقطور، ويعسر عليه الاستدارة بنفسه، أو يكون مركوبه حرونًا تصعب عليه إدارته، أو لا يمكنه الركوع ولا السجود (افتتحها) أي النافلة (إلى غيرها) أي غير القبلة، يعني إلى جهة سيره (وأومأ) بالركوع والسجود (إلى جهة سيره) طلبًا للسهولة عليه، حتى لا يؤديه إلى عدم التطوع.
(ويكون سجوده أخفض من ركوعه وجوبًا إن قدر) لما روى جابر قال: "بعثني النبي ﷺ في حاجة، فجئت وهو يصلي على راحلته نحو المشرقِ،
стр. 775
والسجود أخفضُ من الركوع" رواه أبو داود (١).
(وتعتبر فيه) أي في نفل المسافر، أي يشترط لصحته (طهارة محله) أي المصلى (نحو سرج، وإكاف) كغيره، لعدم المشقة فيه. فإن كان المركوب نجس العين، أو أصابت موضع الركوب منه نجاسة، وفوقه حائل طاهر، من برذعة، ونحوها، صحت الصلاة. قال في "شرح الهداية": وقال بعض أصحابنا: هو على الروايتين فيمن فرش طاهرًا على أرض نجسة، والصحيح الجواز هاهنا على الروايتين؛ لأن اعتبار ذلك يشق، فتفوت الرخصة، وذلك أن أبدان الدواب لا تسلم غالبًا من النجاسة، لتقلبها، وتمرغها على الزبل والنجاسات. والبغل منها نجسان في ظاهر المذهب، والحاجة ماسة إلى ركوبهما. وقد صح عن النبي ﷺ "أنه كان يصلي على حماره التطوع" (٢) وذلك دليل الجواز.
(وإن وطئت دابته نجاسة، فلا بأس) أى لم تبطل صلاته. وقال ابن حمدان: بلى، إن أمكن رده عنها، ولم يردها.
(وإن وطئها) أي النجاسة (الماشي عمدًا، فسدت صلاته) كغير المسافر.
(وإن نذر) المسافر السائر (الصلاة على الدابة، جاز) أي: انعقد نذره. ومثله: نذرها في الكعبة، وتقدم.
стр. 776
(والوتر وغيره من النوافل) الرواتب وغيرها، وسجود التلاوة (عليها) أي الراحلة (سواء) لعدم الفارق، وقد كان ﷺ "يوتر على دابته" متفق عليه (١).
(ويدور في السفينة، والمحفة، ونحوهما) كالعمارية (إلى القبلة في كل صلاة فرض) لوجوب الاستقبال فيه لما تقدم.
و (لا) يلزمه أن يدور في (نفل) للحرج والمشقة (والمراد غير الملّاح) فلا يلزمه أن يدور في الفرض أيضًا (لحاجته) لتسيير السفينة.
(ويلزم الماشي أيضًا الافتتاح) أي افتتاح النافلة (إلي القبلة، و) يلزمه (ركوع وسجود) إلى القبلة بالأرض، لتيسر ذلك عليه من غير انقطاع عن جهة سيره (ويفعل الباقي) من الصلاة (إلى جهة سيره). وصحح المجد في "شرح الهداية": يومئ بالركوع والسجود إلى جهة سيره كالراكب.
(والفرض في القبلة لمن قرب منها -كمن بمكة- إصابة العين) أي عين الكعبة (ببدنه كله، بحيث لا بخرج شيء منه عنها) أي عن الكعبة، نص عليه، لأنه قادر على التوجه إلي عينها قطعًا، فلم يجز العدول عنه، فلو خرج ببعض بدنه عن مسامتتها لم تصح.
(ولا يضر علوّ) هُ على الكعبة، كما لو صَلَّى على أبي قبيس (ولا نزولـ) ــه عنها، كما لو صَلَّى في حفيرة تنزل عن مسامتتها؛ لأنَّ العبرة بالبقعة لا بالجدران. كما تقدم (إن لم يتعذَّر عليه إصابتها) أي إصابة العين ببدنه، كالمصلي داخل المسجد الحرام، أو على سطحه، أو خارجه، وأمكنه ذلك بنظره، أو علمه، أو خبر عالم بذلك، فإن من نشأ بمكة، أو أقام بها كثيرًا تمكن من الأمر اليقيني في ذلك، ولو مع حائل حادث كالأبنية.
стр. 777
(فإن تعذرت) إصابة العين (بحائل أصلي من جبل ونحوه) كالمصلي خلف أبي قبيس (اجتهد إلى عينها) أي عين الكعبة، لتعذر اليقين عليه.
(ومع حائل غير أصلي كالمنازل) تحول بينه وبين الكعبة (لابد من اليقين) أي من تيقنه محاذاة الكعبة ببدنه (بنظر) هِ إلى الكعبة، (أو خبر) ثقة (ونحوه).
والأعمى المكي، والغريب إذا أراد الصَّلاة بدار، أو نحوها من مكة، ففرضه الخبر عن يقين، أو عن مشاهدة، مثل أن يكون من وراء حائل، وعلى الحائل من يخبره، أو أخبره أهل الدار أنَّه متوجه إلى عين الكعبة، فيلزمه الرجوع إلى قولهم، وليس له الاجتهاد، كالحكم إذا وجد النص.
(و) الفرض في القبلة (إصابة الجهة بالاجتهاد، ويعفى عن الانحراف قليلًا) يمنة أو يسرة (لمن بعد عنها) أي عن الكعبة (وهو) أي البعيد عنها (من لم يقدر على المعاينة) للكعبة (ولا على من يخبره عن علم) لما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "ما بين المشرقِ والمغربِ قبلة" رواه ابن ماجه، والترمذي (١) وصححه.
стр. 778
ولأن الإجماع انعقد على صحة صلاة الاثنين المتباعدين يستقبلان قبلة واحدة.
وعلى صحة صلاة الصف الطويل على خط مستو، لا يقال: مع البعد يتسع المحاذى؛ لأنَّه إنَّما يتسع مع التقوس لا مع عدمه (سوى المشاهد لمسجد النَّبي ﷺ ، والقريب منه، ففرضه إصابة العين) لأنَّ قبلته متيقنة لأنَّه ﷺ لا يقر على الخطأ. وقد روى أسامة بن زيد أن النَّبيّ ﷺ : "ركعَ ركعتين قبل القبلةِ، وقال: هذه القبلةُ" (١).
قال الناظم: وكذا مسجد الكوفة لاتفاق الصّحابة عليه، لكن قال في "الشَّرح": في قول الأصحاب نظر؛ لأنَّ صلاة الصف المستطيل في مسجد النَّبيّ ﷺ صحيحة مع خروج بعضهم عن استقبال عين الكعبة، لكون الصف أطول منها.
وقولهم: إنه ﷺ لا يقر على الخطأ: صحيح، لكن إنَّما الواجب عليه
стр. 779
استقبال الجهة وقد فعله. وهذا الجواب عن الحديث المذكور اهـ.
وأجاب ابن قندس: بأنَّ استقبال الجهة إنما يجب عند تعذر إصابة العين، وهو ﷺ متمكن من ذلك بالوحي، بل ذكر القاضي عياض في الباب الثَّاني من "الشفاء" (١): أنه رفعت له الكعبة حين بنى مسجده ﷺ .
قلت: لكن النظر الذي أورده الشارح باق، إلَّا أن يقال: مراد الأصحاب من إلحاقهم إياه بمن بمكة: أنَّه يضر انحرافه يمنة ويسرة عن محرابه ﷺ بخلاف غيره ممن بعد، فلا يضر انحرافه.
(والبعيد منه) أي من مسجد النَّبيَّ ﷺ يعني ومن مكّة: يجتهد (إلى الجهة) لتعذر إصابة العين بالاجتهاد، فتقوم الجِهة مقامها للضرورة (فإن أمكنه ذلك) أي معرفة ما هو مأمور بالتوجه إليه من عين أو جهة (بخبر ثقة (٢)، مكلف، عدل ظاهرًا وباطنًا) حرًا كان أو عبدًا، رجلًا أو امرأة (عن يقين) مثل أن يخبره أن الشمس تطَّلع أو تغرب من جهةٍ عَيَّنَها، فيعلم أن الجهة بينها وبين مقابلتها مثلًا، أو يخبره أن النجم الذي تجاهه الجدي، فيعلم محل القبلة منه ونحوه، لزمه العمل به، ولا يجتهد، كالحاكم يقبل النص من الثقة ولا يجتهد.
وعُلم أنه لا يقبل خبر كافر، ولا غير مكلف، ولا فاسق، لكن قال ابن تميم: يصح التوجه إلى قبلته في بيته، ذكره في "الإشارات"، وجزم به في "المبدع". قال في "الرِّعاية الكبرى": قلت: وإن كان هو عملها فهو كإخباره اهـ، فلو شك في حاله، قَبِل قوله في الأصح، وإن شك في إسلامه، فلا. وأنه إذا أخبره عن اجتهاد لا يجوز تقليده، قال في "الفروع" و"المبدع": في
стр. 780
الأصح، وقيل: مع ضيق الوقت، ذكره القاضي ظاهر كلام أحمد، واختاره جماعة.
(أو) أمكنه معرفة القبلة (بالاستدلال بمحاريب المسلمين) جمع محراب، وهو صدر المجلس، ومنه محراب المسجد، وهو الغرفة. وقال المبرد: لا يكون محرابا إلَّا أن يرتقى إليه بدرج (لزمه العمل به) إذا علمها للمسلمين، عدولًا كانوا أو فساقًا؛ لأنَّ اتفاقهم عليها مع تكرر الأعصار إجماع عليها، ولا تجوز مخالفتها. قال في "المبدع": ولا ينحرف؛ لأنَّ دوام التوجه إليه كالقطع.
(وإن وجد محاريب) ببلد خراب (لا يعلمها للمسلمين، لم يلتفت إليها) لأنَّها لا دلالة فيها؛ لاحتمال كونها لغير المسلمين، وإن كان عليها آثار الإسلام، لجواز أن يكون الباني مشركًا، عملها ليغرّ بها المسلمين. قال في "الشرح": إلَّا أن يكون مما لا يتطرق إليه هذا الاحتمال، ويحصل له العلم أنه من محاريب المسلمين فيستقبله.
وعُلم منه: أنَّه إذا علمها للكفار لا يجوز له العمل بها؛ لأنَّ قولهم لا يرجع إليه؛ فمحاريبهم أولى. وفي "المغني" و"الشَّرح": إذا علمت قبلتهم كالنصارى إذا رأى محاريبهم في كنائسهم، علم أنها مستقبلة للمشرق.
стр. 781
فصل
(فإن اشتبهت عليه القبلة، فإن كان في قرية، ففرضه التوجه إلى محاريبهم) لما تقدم (فإن لم تكن) لهم محاريب، (لزمه السؤال عنها) أي عن القبلة. قال في "المبدع": ظاهره يقصد المنزل في الليل، فيستخبر (إن كان جاهلًا بأدلتها) أي القبلة (فإن وجد من يخبره عن يقين، ففرضه الرجوع إلى خبره) ولا يجتهد، كالحاكم يجد النص. (وإن كان) يخبره (عن ظن، ففرضه تقليده إن كان) المخبر (من أهل الاجتهاد فيها، وهو العالم بأدلتها) وضاق الوقت، وإلا لزمه العلم والعمل باجتهاده.
(وإن اشتبهت عليه) القبلة (في السفر، وكان عالمًا بأدلتها، ففرضه الاجتهاد في معرفتها) لأن ما وجب اتباعه عند وجوده، وجب الاستدلال عليه عند خفائه، كالحكم في الحادثة. (فإذا اجتهد وغلب على ظنه جهة) أنها القبلة (صلى إليها) لتعينها قبلة له، إقامة للظن مقام اليقين، لتعذره.
(فإن تركها) أي الجهة التي غلبت على ظنه، (وصلى إلى غيرها أعاد) ما صلاه إلى غيرها (وإن أصاب) لأنه ترك فرضه، كما لو ترك القبلة المتيقنة.
(وإن تعذر عليه الاجتهاد لغيم ونحوه) كما لو كان مطمورًا (أو) كان (به مانع من الاجتهاد، كرمد ونحوه، أو تعادلت عنده الأمارات، صلى على حسب حاله بلا إعادة) كعادم الطهورين.
(وكل من صلى من هؤلاء) المذكورين (قبل فعل ما يجب عليه من استخبار) إن وجد من يخبره عن يقين (أو اجتهاد) إن قدر عليه، ولم يجد من يخبره عن يقين، (أو تقليد) إن لم يقدر على الاجتهاد، لعدم علمه بالأدلة،
стр. 782
أو عجزه عنه لرمد أو نحوه (أو تحرٍ) فيما إذا لم يجد الأعمى أو الجاهل من يقلده، (فعليه الإعادة، وإن أصاب) القبلة، لتفريطه بترك ما وجب عليه.
(و يستحب أن يتعلم أدلة القبلة و) أدلة (الوقت) من لا يعرفها. وقال أبو المعالي: يتوجه وجوبه، وقدمه في "المبدع" فقال: ويجب على من يريد السفر تعلم ذلك، ومنعه قوم؛ لأن جهة القبلة مما يندر التباسه، والمكلف يجب عليه تعلم ما يعم لا ما يندر.
(ويستدل عليها) أي القبلة (بأشياء: منها النجوم) وهي أصحها، قال تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (١) وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا﴾ (٢) وقال عمر: "تعلموا من النجوم ما تعرفونَ به الوقتَ والطريقَ" (٣).
(وأثبتها) وأقواها: (القطب) بتثليث أوله، حكاه ابن سيده (٤) (الشمالي) لأنه لا يزول عن مكانه، ويمكن كل أحد معرفته.
(ثم الجدي) نجم نير على ما ذكره جماعة من أصحابنا وغيرهم، خلافًا لأبي الخطاب (والفرقدان، والقطب: نجم خفي) شمالي (٥) (حوله أنجم دائرة، كفراشة الرحى، أو كالسمكة في أحد طرفيها أحد الفرقدين). وفي "الشرح" و"شرح المنتهى": في أحد طرفيها الفرقدان (وفي الطرف الآخر
стр. 783
الجدي). قالوا: وبين ذلك أنجم صغار منقوشة كنقوش الفراشة، ثلاثة من فوق، وثلاثة من تحت، تدور هذه الفراشة حول القطب دوران فراشة الرحى حول سفودها، في كل يوم وليلة دورة، نصفها بالليل، ونصفها بالنهار في الزمن المعتدل، فيكون الفرقدان عند طلوع الشمس في مكان الجدي عند غروبها. ويمكن الاستدلال بها على أوقات الليل وساعاته، وغيره من الأزمنة لمن عرفها، وفهم كيفية دورانها.
(والقطب في وسط الفراشة لا يبرح من مكانه دائمًا) قدمه في "الشرح" وفي "شرح المنتهى": إلا قليلًا. قال في "الشرح": وقيل: إنه يتغير تغيرًا يسيرًا لا يؤثر (ينظره) أي القطب (حديد البصر في غير ليالي القمر) فإذا قوي نور القمر خفي (لكن يستدل عليه بالجدي والفرقدين، فإنه بينهما، وعليه تدور بنات نعش الكبرى).
قال في "حاشيته": بنات نعش: أربعة كواكب، وثلاثة تتبعها الأربعة نعش، والثلاثة بنات.
(وغيرها) أي غير بنات نعش الكبرى (إذا جعله) أي جعل الإنسان القطب (وراء ظهره كان مستقبلًا وسط السماء في كل بلد، ثم إن كان في بلد لا انحراف له عن مسامتة القبلة للقطب مثل آمد، وما كان على خطها فهو مستقبل القبلة، وإن كان البلد منحرفًا عنها) أي عن مسامتة القبلة للقطب (إلى جهة المغرب، انحرف المصلى إلى المشرق بقدر انحراف بلده، كبلاد الشام وما هو مغرب عنها، فإن انحراف دمشق إلى المغرب نحو نصف سدس الفلك يعرف ذلك الفلكية.
وكلما قرب إلى المغرب كان انحراف المصلي إلى المشرق بقدره،
стр. 784
وعكس ذلك بعكسه، فإذا كان البلد منحرفًا عن مسامتة القبلة للقطب إلى المشرق انحرف المصلي إلى المغرب بقدر انحرافه) أي بلده (وكلما كثر انحرافه إلى المشرق كثر انحراف المصلي إلى المغرب بقدره.
وإن جعل القطب وراء ظهره في الشام وما حاذاها، وانحرف قليلًا إلى المشرق، كان مستقبل القبلة.
قال الشيخ في شرح العمدة (١): إذا جعل الشامي القطب بين أذنه اليسرى ونقرة القفا، فقد استقبل ما بين الركن الشامي والميزاب اهـ.
فمطلع سهيل) وهو نجم كبير مضيء، يطلع من مهب الجنوب، ثم يسير حتى يصير في قبلة المصلي، ثم يتجاوزها، فيسير حتى يغرب بقرب مهب الدبور (لأهل الشام قبلة، ويجعل القطب خلف أذنه اليمنى بالمشرق.
وقال الشيخ -أيضًا (١) -: العراقي إذا جعل القطب بين أذنه اليمنى ونقرة القفا، فقد استقبل قبلته اهـ. ويجعله) أي القطب (على عاتقه الأيسر بإقليم مصر).
ومن استدبر الفرقدين والجدي في حال علو أحدهما وهبوط الآخر، فهو كاستدبار القطب، وإن استدبر أحدهما، في غير هذا الحال، فهو مستقبل للجهة، لكنه إن استدبر الشرقي منهما انحرف إلى المشرق قليلًا، وإن استدبر الغربي انحرف قليلًا إلى المغرب، ليتوسط الجهة، ويكون انحرافه المذكور لاستدبار الجدي أقل من انحرافه لاستدبار الفرقدين، لأنه أقرب إلى القطب منهما. وإن استدبر بنات نعش كان مستقبلًا للجهة أيضًا، لكنه عن وسطها أبعد، فيجعل انحرافه إليه أكثر، قاله في "شرح الهداية".
стр. 785
ومما يستدل به أيضًا: المجرة، فإنها تكون في الشتاء في أول الليل في ناحية السماء ممتدة شرقًا وغربًا على الكتف الأيسر من الإنسان، إذا كان متوجهًا إلى المشرق، ثم تصير من آخره ممتدة شرقًا وغربًا أيضًا على كتفه الأيمن، وأما في الصيف فإنها تتوسط السماء.
(ومنها) أي الأدلة (الشمس، والقمر، ومنازلهما؛ وما يقترن بها (١)) أي بمنازل الشمس والقمر (أو ما يقاربها (٢)، كلها تطلع من المشرق على يسرة المصلي في البلاد الشمالية، وتغرب في المغرب عن يمنته).
والمنازل ثمانية وعشرون: أربعة عشر شامية، تطلع من وسط المشرق؛ أو مائلة عنه إلى الشمال، وأربعة عشر يمانية تطلع من المشرق مائلة إلى اليمن ولكل نجم من الشامية رقيب من اليمانية إذا طلع أحدهما غاب رقيبه.
(والقمر يبدو هلالًا أول الشهر) إلى ثلاثة (عن يمنة المصلي عند غروب الشمس، وفي الليلة الثامنة من الشهر يكون على القبلة عند غروب الشمس، وفي الليلة العاشرة على سمت القبلة وقت العشاء بعد مغيب الشفق، وفي ليلة ثنتين وعشرين على سمتها وقت طلوع الفجر تقريبًا فيهن بالشام.
ومنها) أي الأدلة (الرياح، والاستدلال بها عسر (٣) في الصحاري، وأما بين الجبال والبنيان، فإنها تدور، فتختلف وتبطل دلالتها) ولهذا قال أبو المعالي: الاستدلال بها ضعيف اهـ.
وأمهاتها أربع: الجنوب، ومهبها قبلة أهل الشام من مطلع سهيل إلى
стр. 786
مطلع الشمس في الشتاء، وبالعراق إلى بطن كتف المصلى اليسرى مارة إلى يمينه.
والشمال مقابلتها ومهبها من القطب إلى مغرب الشمس في الصيف.
والصبا: وتسمى القبول، ومهبها من يسرة المصلي بالشام؛ لأنه من مطلع الشمس صيفًا إلى مطلع العيوق، وبالعراق إلى خلف أذن المصلي اليسرى مارة إلى يمينه.
والدبور مقابلتها؛ لأنها تهب بالشام بين القبلة والمغرب، وبالعراق مستقبلة شطر وجه المصلي الأيمن.
وبين كل ريحين من الأربع المذكورات: ريح تسمى النكباء لتنكبها طريق الرياح المعروفة.
ولكل من هذه الرياح صفات وخواص تميز بعضها عن بعض عند ذوي الخبرة بها.
(ومنها) أي أدلة القبلة (الجبال الكبار، فكلها ممتدة عن يمنة المصلي إلى يسرته، وهذه دلالة قوية) تدرك بالحس (لكن تضعف من وجه آخر؛ وهو أن المصلي يشتبه عليه: هل يجعل الجبل الممتد خلفه أو قدامه؟ فتحصل الدلالة على وجهين، والاشتباه على جهتين. هذا إذا لم يعرف وجه الجبل) فإن عرفه استقبله (فإن وجوه الجبال إلى القبة، وهو) أي وجه الجبل (ما فيه مصعده، قاله في الخلاصة.
ومنها:) أى الأدلة (الأنهار الكبار، غير المخدودة) أي المحفورة (كدجلة، والفرات، والنهروان) وهو جيحون (وغيرها) كالنيل (فإنها تجري عن يمنة المصلي إلى يسرته، إلا نهرًا بخراسان، وهو المقلوب، و) إلا (نهرًا بالشام، وهو العاصي، يجريان عن يسرة المصلي إلى يمنته).
стр. 787
قال الموفق: وهذا لا ينضبط؛ لأن الأردن بالشام يجري نحو القبلة، وكثير منها يجري نحو البحر، يصب فيه.
(قلت: والاستدلال بالأنهار، فرع على الاستدلال بالجبال، فإنها تجري في الخلال التي بين الجبال ممتدة مع امتدادها) وهذا ظاهر في الجملة.
стр. 788
فصل
(وإذا اختلف اجتهاد رجلين) يعني أو امرأتين أو خنثيين، أو رجل وامرأة، ونحوه، ولو قال: مجتهدين، لعم الكل (فأكثر) من مجتهدين (في جهتين فأكثر) بأن ظهر لكل منهما جهة غير الجهة التي ظهرت للآخر (لم يتبع واحد) منهما (صاحبه) لأن كل واحد منهما يعتقد خطأ الآخر، فأشبها العالمين المجتهدين في الحادثة إذا اختلفا، والقاصدين ركوب البحر إذا غلب على ظن أحدهما الهلاك، وعلى ظن الآخر السلامة، فيعمل كل منهما بغالب ظنه (ولم يصح اقتداؤه) أى أحدهما (به) أي بالآخر، لأنه تيقن باجتماعهما في الصلاة خطأ أحدهما في القبلة، فتبطل جماعتهما.
(فإن كان) اختلاف اجتهادهما (في جهه واحدة، بأن قال أحدهما: يمينًا، و) قال (الآخر: شمالًا، صح أن يأتم أحدهما بالآخر، لاتفاق اجتهادهما) في الجملة (١)، والواجب الاجتهاد إلى الجهة، وقد اتفقا عليها.
(ومن بان) أي ظهر (له الخطأ) في اجتهاده وهو إمام أو مأموم (انحرف) إلى الجهة التي تغير اجتهاده إليها، لأنها ترجحت في ظنه، فتعينت عليه (وأتم) صلاته، ولا يلزمه الاستئناف؛ لأن الاجتهاد لا ينقض الاجتهاد.
(وينوي المأموم منهما) أي المجتهدين اللذين ائتم أحدهما بالآخر، ثم بان لأحدهما الخطأ (المفارقة) لإمامه (للعذر) المانع له من اقتدائه به، لما تقدم (ويتبعه من قلده) أي يلزم من قلد المجتهد الذي تغير اجتهاده أن يتبعه
стр. 789
إلى الجهة التي بانت له؛ لأن فرضه التقليد. قال في "الإنصاف": في أصح الوجهين (فإن اجتهد أحدهما ولم يجتهد الآخر لم يتبعه) حيث كان قادرًا على الاجتهاد، بل يجتهد.
(ويتبع) وجوبًا (جاهل بأدلة القبلة) وإن كان عالمًا في الأحكام أوثق المجتهدين.
(و) يتبع (أعمى وجوبًا أوثقهما) أي المجتهدين (في نفسه علمًا بدلائل القبلة) وإن لم يكن عالمًا بالأحكام الشرعية، لأنه الأقرب إصابة في نظره، ولا مشقة عليه في متابعته، وقد كلف الإنسان في ذلك باتباع غالب ظنه. قال المجد في "شرحه": بخلاف تكليف العامي تقليد الأعلم في الأحكام، فإن فيه حرجًا وتضييقًا، ثم مازال عوام كل عصر يقلد أحدهم لهذا المجتهد في مسألة، وللآخر في أخرى، ولثالث في ثالثة، وكذلك إلى ما لا يحصر (١) ولم ينقل إنكار ذلك عليهم، ولا أنهم أمروا بتحري الأعلم والأفضل في نظرهم.
(فإن تساويا) أي المجتهدان (عنده) أي عند الجاهل بأدلتها، أو الأعمى (خير) فيقلد أيهما شاء؛ لأنه لم يظهر لواحد منهما أفضلية على غيره حتى يترجح عليه (فإن أمكن الأعمى الاجتهاد بشيء من الأدلة) كالأنهار الكبار غير المخدودة، والجبال، ومهبات الرياح (لزمه) الاجتهاد (ولم يقلد) لقدرته على الاجتهاد.
(وإذا صلى البصير في حضر فأخطأ، أو) صلى (الأعمى بلا دليل) بأن لم يستخبر من يخبره، ولم يلمس المحراب ونحوه، مما يمكن أن يعرف به
стр. 790
القبلة (أعادا) ولو أصاب أعمى أو اجتهد البصير، لأن الحضر ليس بمحل اجتهاد، لقدرة من فيه على الاستدلال بالمحاريب ونحوها، ولوجود من يخبره عن يقين غالبًا، وإنما وجبت الإعادة عليهما لتفريطهما بعدم الاستخبار، أو الاستدلال بالمحاريب، مع القدرة عليه.
(فإن لم يجد الأعمى) من يقلده (أو) لم يجد (الجاهل) من يقلده (أو) لم يجد (البصير المحبوس (١) -ولو في دار الإسلام- من يقلده صلى بالتحري) إلى ما يغلب على ظنه أنه جهة القبلة (ولم يعد) أخطأ أو أصاب، لأنه أتى بما أمر به على وجهه، فسقطت عنه الإعادة كالعاجز عن الاستقبال.
(ومن صلى بالاجتهاد) إن كان من أهله (أو التقليد) إن لم يكن أهل اجتهاد (ثم علم خطأ القبلة بعد فراغه، لم يعد) لأنه أتى بالواجب عليه على وجهه، مع عدم تفريطه، فسقط عنه، ولأن خفاء القبلة في الأسفار يقع كثيرًا لوجود الغيوم وغيرها من الموانع، فإيجاب الإعادة مع ذلك فيه حرج، وهو منتف شرعًا.
(ولو دخل في الصلاة باجتهاد) (٢) بعد أن غلب على ظنه جهة القبلة وأحرم (ثم شك، لم يلتفت إليه) أي إلى ذلك الشك، لأنه لا يساوي غلبة الظن التي دخل بها في الصلاة (وبنى) على صلاته.
(وكذا إن زاد (٣) ظنه) الخطأ (ولم يبن له الخطأ ولا ظهر له جهة أخرى) فلا يلتفت إليه ويبني.
(ولو غلب على ظنه خطأ الجهة التي يصلي إليها) بأن ظهر له أنه
стр. 791
يصلي إلى غير القبلة (ولم يظن جهة غيرها، بطلت صلاته) لأنه لا يمكنه استدامتها إلى غير القبلة، وليست له جهة يتوجه إليها، فبطلت لتعذر إتمامها.
(ولو أُخبر) من يصلي باجتهاد أو تقليد (وهو في الصلاة بالخطأ) في القبلة (يقينًا) وكان المخبر ثقة (لزمه قبوله) بأن يعمل به، ويترك الاجتهاد أو التقليد، كما لو أخبره بذلك قبل اجتهاده أو تقليده (وإلا) أي وإن لم يكن الإخبار عن يقين (لم يجز) للمجتهد قبول خبره ولا العمل به؛ لما تقدم من أنَّه لا يقلد مجتهد مجتهدًا خالفه.
(وإن أراد مجتهد صلاة أخرى) غير التي صلاها بالاجتهاد (اجتهد لها وجوبًا) فيجب الاجتهاد لكل صلاة؛ لأنها واقعة متجددة، فتستدعي طلبًا جديدًا، كطلب الماء في التيمم، وكالحادثة في الأصح فيها لمفت ومستفت.
قلت: فيؤخذ من التعليل الأول: أن المراد صلاة من الفرائض بخلاف النوافل، فلا يلزمه التحرى لكل ركعتين، لو أراد التنفل في وقت واحد، ويؤخذ من التعليل الثاني: أنَّه إذا كان مقلدًا لا يلزمه أن يجدد التقليد لكل صلاة، كما هو مفهوم مجتهد.
(فإن تغير اجتهاده عمل بـ) ـلاجتهاد (الثاني) لأنه ترجح في ظنه، فصار العمل به واجبًا، فيستدير إلى الجهة التي أداه اجتهاده إليها ثانيًا (ولم يعد ما صلى بـ) ـلاجتهاد (الأول) لئلا ينقض الاجتهاد بالاجتهاد، والعمل بالثاني ليس نقضًا للأول، بل لأنه مجتهد أداه اجتهاده إلى جهة، فلم تجز له الصلاة إلى جهة غيرها، ولهذا قال عمر لما قضى في المشركة في العام الثاني بخلاف ما قضى به في الأول: "ذاك على ما قضينا، وهذا على ما نقضي" (١) إذا
стр. 792
تغير (١) ذلك، فيعمل بالاجتهاد الثاني (ولو) كان (في صلاة وبني) على ما عمله بالاجتهاد الأول (نصًا) فلو فرض أنَّه صلى بكل اجتهاد ركعة من الرباعية إلى جهة، صحت صلاته إلى الجهات الأربع لما تقدم.
(وإن أمكن المقلد) أي الجاهل بأدلة القبلة (تعلم الأدلة والاجتهاد، قبل خروج الوقت، لزمه ذلك) عند خفاء القبلة عليه. قال في "شرح المنتهي": قولًا واحدًا؛ لقصر زمنه. قال في "الشرح": فإن صلى قبل ذلك لم تصح صلاته؛ لأنه قدر على الصلاة باجتهاده، فلم يجز له التقليد كالمجتهد (فإن ضاق الوقت عنه) أي عن تعلم أدلة القبلة (فعليه التقليد) لأن القبلة يجوز تركها للضرورة، وفي شدة الخوف، ولا يعيد، بخلاف الطهارة.
стр. 793
باب النية وما يتعلق بها
(وهي الشرط التاسع) وبها تمت شروط الصلاة.
(وهي) لغة: القصد، يقال: نواك الله بخير، أي قصدك به.
و (شرعًا: عزم القلب على فعل العبادة تقربًا إلى الله تعالى) بأن يقصد بعمله الله تعالى دون شيء آخر من تصنع لمخلوق، أو اكتساب محمدة عند الناس، أو محبة مدح منهم أو نحوه، وهذا هو الإخلاص.
وقال بعضهم: هو تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين.
وقال آخر: هو التوقي عن ملاحظة الأشخاص. وهو قريب من الَّذي قبله.
وقال آخر: هو أن يأتي بالفعل لداعية واحدة، ولا يكون لغيرها من الدواعي تأثير في الدعاء إلى ذلك الفعل. في الخبر: "الإخلاص سر من سرِّي استودعتُه قلبَ من أحببتُه من عبادِي" (١).
و درجات الإخلاص ثلاثة: عليا: وهي أن يعمل العبد لله وحده امتثالًا لأمره، وقيامًا بحق عبوديته.
стр. 794
ووسطى: وهي أن يعمل لثواب الآخرة.
ودنيا: وهي أن يعمل للإكرام في الدنيا والسلامة من آفاتها (١).
وما عدا الثلاث من الرياء وإن تفاوتت أفراده، ولهذا قال أهل السنة: العبادة ما وجبت لكونها مفضية إلى ثواب الجنّة، أو إلى البعد من عقاب النار، بل لأجل أنك عبد وهو رب. هذا ملخص. كلام الشمس العلقمي (٢) في حاشية "الجامع الصغير".
(فلا تصح الصلاة بدونها) أي النية (بحال) لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٣) والإخلاص: عمل القلب، وهو محض النية، وذلك بأن يقصد بعمله أنَّه لله وحده، ولقوله ﷺ : "إنما الأعمالُ بالنياتِ، وإنما لكلِّ امرِئٍ ما نوَى" متفق عليه (٤). ولأنها قربة محضة، فاشترطت لها النية كالصوم.
وقال الشيخ عبد القادر: هي قبل الصلاة شرط، وفيها ركن. واعترض بأنه يلزم أن يقال في بقية الشروط كذلك، ولا قائل به.
ومحلها القلب وجوبًا، واللسان استحبابًا (٥) على ما تقدم.
стр. 795
وزمنها مع أول واجب أو قبله بيسير.
وكيفيتها الاعتقاد في القلب. قال في "الاختيارات" (١): النية تتبع العلم، فمن علم ما يريد فعله، قصده ضرورة.
ويحرم خروجه لشكه في النية، لعلمه أنَّه ما دخل إلا بالنية.
(ولا يضر معها) أي النية (قصد تعليم الصلاة) لفعله (٢) ﷺ في صلاته على المنبر وغيره (أو) قصد (خلاص من خصم، أو إدمان سهر) قال في "الفروع": كذا وجدت ابن الصيرفي نقله (والمراد: لا يمنع الصحة بعد إتيانه بالنية المعتبرة، لا أنَّه لا ينقص ثوابه؛ ولهذا ذكره ابن الجوزي فيما ينقص الأجر. ومثله قصده مع نية الصوم هضم الطعام، أو قصده مع نية الحج رؤية البلاد النائية) أي البعيدة (ونحو ذلك) كقصده تجارة مع ذلك؛ لأنه قصد ما يلزم ضرورة (كنية التبرد، أو النظافة، مع نية رفع الحدث، وتقدم) هذا (في الوضوء).
ولا يشترط ذكر عدد الركعات، بأن يقول: نويت أصلي الصبح ركعتين، أو الظهر أربعًا. لكن إن نوى مثلًا الظهر ثلاثًا، أو خمسًا، لم تصح لتلاعبه. ولا يشترط أيضًا أن ينوي مع الصلاة الاستقبال، كستر العورة، واجتناب
стр. 796
النجاسة.
(ويجب أن ينوي الصلاة بعينها إن كانت معينة من فرض، كظهر) أو جمعة، أو عصر، أو مغرب، أو عشاء، أو صبح، وكذا منذورة (ونفل مؤقت كوتر) وتراويح (وراتبة) وضحى؛ واستخارة، وتحية مسجد، فلابد من التعيين في هذا كله لتتميز تلك الصلاة عن غيرها؛ ولأنه لو كانت عليه صلوات، فصلى أربعًا ينويها مما عليه، فإنه لا يجزئه إجماعًا، فلولا اشتراط التعيين، لأجزأه (وإلا) أي وإن لم تكن الصلاة معينة كالنفل المطلق، كصلاة الليل (أجزأته نية الصلاة) لعدم (١) التعيين فيها.
(ولا يشترط نية قضاء في) صلاة (فائتة) فلو قال من عليه الظهر قضاء: أصلي الظهر فقط، كفاه ذلك؛ لأن كل واحد منهما يستعمل بمعنى الآخر، يقال: قضيت الدين، وأديته، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيِتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ (٢) أي أديتموها؛ ولأن أصل إيجاب ذلك يرجع إلى تعيين الوقت، وهو غير معتبر، بدليل أنَّه لا يلزم من عليه فائتة تعيين يومها؛ بل يكفيه كونها السابقة، أو الحاضرة.
(ولا) تشترط (نية فرضية في فرض) فلا يعتبر أن يقول: أصلي الظهر فرضًا، ولا معادة؛ فيما إذا كانت معادة، كما في "مختصر المقنع". كالتي قبلها.
(ولا) تشترط نية (أداء في حاضرة) لأنه لا يختلف المذهب أنَّه لو صلاها ينويها أداء، فبان وقتها قد خرج، أن صلاته صحيحة وتقع قضاء. وكذلك لو نواها قضاء فبان فعلها في وقتها وقعت أداء. قاله في "الشرح".
стр. 797
(ويصح قضاء بنية أداء) إذا بان خلاف ظنه (و) يصح (عكسه) أي الأداء بنية القضاء (إذا بان خلاف ظنه) كما تقدم.
و (لا) يصح ذلك (مع العلم) وقصد معناه المصطلح عليه، بغير خلاف، لأنه متلاعب.
(ولو كان عليه ظهران) مثلًا (حاضرة وفائتة، فصلاهما، ثم ذكر أنَّه ترك شرطًا) أو ركنًا (في إحداهما لا يعلم عينها) بأن لم يدر، أهي الفائتة أو الحاضرة (صلى ظهرًا واحدة ينوي بها ما عليه) لما تقدم من أنَّه لا يشترط نية الأداء في الحاضرة، والقضاء في الفائتة.
(ولو كان الظهران فائتتين، فنوى ظهرًا منهما) ولم يعينها (لم تجزئه) الظهر التي صلاها (عن إحداهما، حتَّى يعين السابقة؛ لأجل) اعتبار (الترتيب) بين الفوائت (بخلاف المنذورتين) فلا يحتاج إلى تعيين السابقة من اللاحقة؛ لأنه لا ترتيب بينهما.
(ولو ظن) مكلف (أن عليه ظهرًا فائتة، فقضاها في وقت ظهر اليوم، ثم بان أنه لا قضاء عليه لم يجزئه) (١) الظهر التي صلاها (عن) الظهر (الحاضرة) لأنه لم ينوها، أشبه ما لو نوى قضاء عصر، وقد قال ﷺ : "وإنما لكل امرئٍ ما نوى" (٢).
(وكذا لو نوى ظهر اليوم في وقتها وعليه فائتة) لم يجزئه عنها لما تقدم.
(ولا يشترط إضافة الفعل إلى الله تعالى في العبادات كلها) بأن يقول: أصلي لله، أو أصوم لله، ونحوه؛ لأن العبادات لا تكون إلا لله (بل يستحب) ذلك خروجًا من خلاف من أوجبه.
стр. 798
(ويأتي بالنية عند تكبيرة الإحرام) إما مقارنة لها؛ أو متقدمة عليها بيسير، ومقارنتها للتكبير بأن يأتي بالتكبير عقب النية، وهذا ممكن لا صعوبة فيه، بل عامة الناس إنما يصلون هكذا.
وأما تفسير المقارنة: بانبساط أجزاء النية على أجزاء التكبير، بحيث يكون أولها مع أوله وآخرها مع آخره، فهذا لا يصح؛ لأنه يقتضي عزوب النية عن أول الصلاة، وخلو أول الصلاة عن النية الواجبة، وتفسيرها بحضور جميع النية مع حضور جميع أجزاء التكبير، فهذا قد نوزع في إمكانه فضلًا عن وجوبه، ولو قيل بإمكانه فهو متعسر، فيسقط بالحرج.
وأيضًا فمما يبطل هذا والذي قبله، أن المكبر ينبغي له أن يتدبر التكبير، ويتصوره، فيكون قلبه مشغولًا بمعنى التكبير لا بما يشغله عن ذلك من استحضار المنوي، ذكره في "الاختيارات" (١).
(والأفضل مقارنتها) أي النية (للتكبير) خروجًا من خلاف من أوجبه، كالآجري، وغيره.
(فإن تقدمت) النية (عليه) أي التكبير (بزمن يسير بعد دخول الوقت في أداء وراتبة، ولم يفسخها) أي النية، وكان ذلك (مع بقاء إسلامه) بأن لم يرتد (صحت) صلاته؛ لأن تقدم النية على التكبير بالزمن اليسير لا يخرج الصلاة عن كونها منوية، ولا يخرج الفاعل عن كونه ناويًا مخلصًا كالصوم.
ولأن النية من شروط الصلاة، فجاز تقدمها كبقية الشروط.
ولأن في اعتبار المقارنة حرجًا ومشقة؛ فوجب سقوطه لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٢).
стр. 799
ولأن أول الصلاة من أجزائها؛ فكفى استصحاب النية فيه كسائرها.
وعلم مما تقدم: أن النية لو تقدمت قبل وقت الأداء، أو الراتبة، ولو بيسير لم يعتد بها، للخلاف في كونها ركنًا للصلاة، وهو لا يتقدم كبقية الأركان.
وأول من اشترط لتقدم النية كونه في وقت المنوية: الخرقي، وتبعه على ذلك ابن الزاغوني (١)، والقاضي أبو يعلى، وولده أبو الحسين، وصاحب "الرعاية"، و"المستوعب"، و"الحاويين"، وجزم به في "الوجيز" وغيره. ولم يذكر هذا الشرط أكثر الأصحاب، فإما لإهمالهم، أو بناء منهم على الغالب. قال في "الإنصاف": وظاهر كلام غيرهم، أي غير من تقدم: الجواز، لكن لم أر الجواز صريحًا.
وعلم منه أيضًا: أنَّه إذا فسخها لم يعتد بها؛ لأنه صار كمن لم ينو.
وعلم منه أيضًا: أنَّه إذا ارتد لم يعتد بها؛ لأن الردة في أثناء العبادة مبطلة لها، كما لو ارتد في أثناء الصلاة، إذا تقرر ذلك فإنها تصح مع التقدم بالزمن اليسير بشرطه (حتى ولو تكلم بعدها) أي النية (وقبل التكبير) لأن الكلام لا ينافي العزم المتقدم، ولا يناقض النية المتقدمة، فتستمر إلى أن يوجد مناقض.
(وكذا لو أتى بها) أي النية (قاعدًا) في الفرض (ثم قام) فكبر؛ لأن الواجب استحضار النية عند دخوله في الصلاة، لا أن لا تتقدم.
وكذا لو نوى الصلاة وهو غير مستقبل، ثم استقبل وصلى، أو وهو مكشوف العورة، ثم سترها ودخل في الصلاة، أو وهو حامل نجاسة، ثم ألقاها ودخل في الصلاة.
стр. 800
(ويجب استصحاب حكمها) أي النية (إلى آخر الصلاة) بأن لا ينوي قطعها دون استصحاب ذكرها، فلو ذهل عنها، أو عزبت عنه في أثناء الصلاة، لم تبطل؛ لأن التحرز من هذا غير ممكن، وقياسًا على الصوم وغيره.
وقد روى مالك في "الموطأ" عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إذا أقيمت الصلاةُ أدبر الشيطانُ وله حُصاص (١)، فإذا قضي التثويب، أقبل حتَّى يخطر بين المرءِ ونفسِه، يقول: اذكر كذا، اذكر كذا، حتَّى يضل (٢) أحدُكم أن يدري كم صلّي؟ " (٣)، وإن أمكنه استصحاب ذكرها، فهو أفضل.
(فإن قطعها) أي النية (في أثنائها) أي الصلاة بطلت؛ لأن النية شرط في جميعها، وقد قطعها، أشبه ما لو سلم ينوي الخروج منها.
(أو عزم عليه) أي على قَطع النية بطلت؛ لأن النية عزم جازم، ومع العزم على قطعها لا جزم، فلا نية.
(أو تردد فيه) أي في قطعها، بطلت الصلاة؛ لأن استدامة النية شرط لصحتها، ومع التردد تبطل الاستدامة.
стр. 801
(أو شك) في أثناء الصَّلاة (هل نوى، فعمل مع الشك عملًا) من أعمال الصَّلاة، كركوع، وسجود، ورفع منهما، وقراءة، وتسبيح، ونحوها (ثم ذكر أنَّه نوى) بطلت صلاته؛ لخلو ما عمله عن نية جازمة.
(أو شك في تكبيرة إحرام) بطلت، بمعنى وجب عليه استئناف الصلاة؛ لأته لا يدخل في الصَّلاة إلَّا بتكبيرة الإحرام، والأصل عدمها.
(أو شك هل أحرم بظهر، أو عصر) أي شك في تعيين الصَّلاة (ثم ذكر فيها) أي بعد أن عمل مع الشَّك عملًا فعليًا، أو قوليًا، بطلت صلاته؛ لخلو ما عمله عن نية جازمة.
(أو نوى أنه سيقطعها) أي النيَّة.
(أو علقه) أي قطع النيَّة (على شرط) كأن نوى إن جاء زيد، قطعها (بطلت) صلاته؛ لمنافاة ذلك للجزم بها.
(وإن شك هل نوى) الصلاة (فرضًا، أو نفلًا، أتمها نفلًا) لأنَّ الأصل عدم نية الفرض (إلا أن يذكر أنَّه نوى الفرض قبل أن يحدث عملًا) من أعمال الصَّلاة الفعلية والقولية (فيتمها فرضًا) لأنَّه لم يخل عمل من أعمالها عن النيَّة الجازمة (وإن ذكره) أي ذكر أنَّه نوى الفرض (بعد أن أحدث عملًا بطل فرضه) لخلو ما عمله عن نية الفرضية الجازمة.
(وإن أحرم بفرض) صلاة (رباعية، ثم سلم من ركعتين يظنها جمعة، أو فجرًا، أو التراويح، ثم ذكر) ولو قريبًا (بطل فرضه) وظاهره: تصح نفلًا (ولم يبن) علي الركعتين (نصًا) لقطع نية الرباعية بسلامه ظانًا ما ذكر (كما لو كان) سلم منها (عالمًا) لقطعه نية الصَّلاة.
(وإن أحرم بفرض، فبان عدمه، كمن أحرم بفائتة فلم تكن عليه، أو) أحرم بفرض فـ (ـبان قبل دخول وقته، انقلبت نفلًا) لأنَّ نية الفرض تشمل نية
стр. 802
النفل، فإذا بطلت نية الفرضية، بقيت نية مطلق الصَّلاة.
(وإن كان عالمًا) أن لا فائتة عليه، أو أن الوقت لم يدخل (لم تنعقد) صلاته (فيهما) لأنَّه متلاعب.
(وإن أحرم به) أي الفرض (في وقته المتسع، ثم قلبه نفلًا لغرض صحيح، مثل أن يحرم منفردًا ثم يريد الصَّلاة في جماعة، جاز) لأنَّ نية النفل تضمنتها نية الفرض، فإذا قطع نية الفرض، بقيت نية النفل (بل هو) أي قلب الفرض من المنفرد نفلًا، ليصليه في جماعة (أفضل) من إتمامه منفردًا، لأنَّه إكمال في المعنى، كنقض المسجد للإصلاح.
(ويكره) قلب الفرض نفلًا (لغير الغرض) الصَّحيح، لكونه أبطل عمله. وعن أحمد (١) فيمن صَلَّى ركعة من فرض منفردًا، ثم أقيمت الصَّلاة: أعجب إليَّ يقطعه ويدخل معهم. فعلى هذا يكون قطع النفل أولى.
(وإن انتقل من فرض) أحرم به كالظهر (إلى فرض) آخر كالعصر (بمجرد النيَّة من غير تكبيرة إحرام) للفرض (الثَّاني، بطل فرضه الأول) الذي انتقل عنه، لقطعه نيته (وصح) ما صلاه (نفلًا إن استمر) على نية الصَّلاة؛ لأنَّه قطع نية الفرضية بنيَّة انتقاله عن الفرض الذي نواه أولًا، دون نية الصَّلاة فتصير نفلًا.
(وكذا حكم ما يبطل الفرض فقط، إذا وجد فيه) أى في الفرض، فإنَّه يصير نفلًا (كترك القيام) بلا عذر يسقطه، فإن القيام ركن في الفرض دون النفل (و) كـ (ـالصلاة في الكعبة، والائتمام بمتنفل، وائتمام مفترض بصبي، إن اعتقد جوازه)؛ أي جواز ما يبطل الفرض (ونحوه) أي نحو اعتقاد جوازه، كما
стр. 803
لو اعتقد المتنفل مفترضًا، فتصح صلاته نفلًا؛ لأنَّ الفرض لم يصح، ولم يوجد ما يبطل النفل. فإن لم يعتقد جوازه ونحوه، بل فعله مع علمه بعدم جوازه، لم تنعقد صلاته فرضًا ولا نفلًا، لتلاعبه، كمن أحرم بفرض قبل وقته عالمًا (ولم ينعقد) الفرض (الثَّاني) الذي انتقل إليه بمجرد النية من غير تكبيرة إحرام؛ لأنها فتاحه، ولم توجد.
(وإن اقترن بـ) ـنية الفرض (الثَّاني تكبيرة إحرام له، بطل) الفرض (الأول) لقطعه نيته (وصح) الفرض (الثَّاني) كما لو لم يتقدمه غيره.
(و من شرط الجماعة: أن ينوي الإمام والمأموم حالهما) بأنَّ ينوي الإمام الإمامة وينوي المأموم الائتمام (فرضًا ونفلًا) لقوله ﷺ : "وإنما لكل امرئ ما نوى" (١) (فينوي الإمام أنَّه مقتدى به، وينوي المأموم أنَّه مقتد) كالجمعة، لأنَّ الجماعة تتعلق بها أحكام وجوب الاتباع، وسقوط السَّهو عن المأموم، وفساد صلاته بفساد صلاة إمامه، وإنَّما يتميز الإمام عن المأموم بالنية، فكانت شرطًا لصحة انعقاد الجماعة.
(فلو نوى أحدهما دون صاحبه) بأنَّ نوى الإمام دون المأموم أو بالعكس، (أو نوى كل واحد منهما أنَّه إمام الآخر، أو) أنَّه (مأمومه) لم تصح لهما؛ لأنه أم من لم يأتم به، أو ائتم بمن ليس إمامًا.
(أو نوى إمامة من لا يصح أن يؤمه، كأمي) نوى أن يؤم قارئًا (أو) كـ (امرأة) نوت أن (تؤم رجلًا ونحوه) كعاجز عن شرط الصَّلاة، نوى أن يؤم قادرًا عليه، لم تصح صلاتهما؛ لأنَّ كلا من الإمامة والائتمام فاسدان.
(أو نوى الائتمام بأحد الإمامين لا بعينه) لم تصح صلاته؛ لعدم تعيينه.
стр. 804
(أو) نوى الائتمام (بهما) أي بالإمامين، لم تصح صلاته، لأنَّه لا يمكنه الاقتداء بهما.
(أو) نوى الائتمام (بالمأموم، أو) بـ (ـالمنفرد) لم تصح صلاته؛ لأنَّه ائتم بغير إمام.
(أو شك في الصَّلاة أنَّه إمام، أو مأموم) لم تصح صلاته (لعدم الجزم بالنية) أي نية الإمامة أو الائتمام.
(أو أحرم بحاضر، فانصرف) الحاضر (قبل إحرامه) معه، ولم يعد، ولم يدخل غيره معه قبل رفعه من ركوعه، لم تصح صلاته؛ لأنَّه نوى الإمامة بمن لم يأتم به.
(أو عين إمامًا) بأنَّ نوى أنَّه يصلِّي خلف زيد، فأخطأ، لم تصح صلاته.
(أو) عين (مأمومًا، وقلنا: لا يجب تعيينهما) أي الإمام والمأموم (وهو) أي القول بعدم وجوب تعيينهما (الأصح) قاله فى "الفروع" وغيره (فأخطأ) لم تصح صلاته، قدمه في "الفروع" وغيره.
وعلم عن قوله: عين إمامًا أو مأمومًا، أنَّه لو ظنه من غير تعيين له، لصحت صلاته، وهو الصَّحيح.
وعلم أيضًا من قوله: وقلنا: لا يجب تعيينهما، أنا إذا قلنا يجب تعيينهما فعينهما وأخطأ، صحت صلاته؛ لأنَّه معذور في التعيين لصحة صلاته، والخطأ معفو له عنه.
(أو نوى الإمامة وهو لا يرجو مجيء أحد) يأتم به (لم تصح) صلاته، ولو حضر من ائتم به (١).
стр. 805
(وإن نوى الإمامة ظانًا حضور مأموم) بأنَّ يغلب على ظنه حضور من يأتم به (صح) ذلك، كما لو علمه.
و (لا) تصح نية الإمامة (مع الشَّك) في حضور من يأتم به، كما لو علم عدم مجيئه؛ لأنَّه الأصل.
(فإن) (١) نوى الإمامة ظانًا حضور مأموم (فلم يحضر لم تصح) صلاته؛ لأنَّه نوى الإمامة بمن لم يأتم به، وكذا لو حضر ولم يدخل معه، لا إن دخل ثم انصرف قبل إتمامه صلاته، فإن صلاة الإمام لا تبطل، ويتمها منفردًا.
(وإن أحرم منفردًا، ثم نوى الائتمام) في أثناء الصَّلاة (أو) أحرم منفردًا، ثم نوى (الإمامة لم يصح، فرضًا كانـ) ـت الصَّلاة (أو نفلًا) كالتراويح، والوتر، لما تقدم. قال في "الإنصاف": هذا المذهب، وعليه الجمهور. قال في الفروع: اختاره الأكثر. قال المجد: اختاره القاضي، وأكثر أصحابنا.
(والمنصوص صحة الإمامة) ممن أحرم منفردًا (في النفل، وهو الصَّحيح) عند الموفق، ومن تابعه لحديث ابن عباس قال: "بتُّ عند خالتِي ميمونة، فقام النبي ﷺ يصلِّي من الليلِ، فقمتُ عن يساره، فأخذ بيدي فأدارَني عن يمينهِ" متَّفقٌ عليه (٢). وروى مسلم معناه من حديث أنس (٣)،
стр. 806
وجابر بن عبد الله (١).
قلت: ولا دليل في ذلك؛ لاحتمال أنَّه ﷺ نوى الإمامة ابتداء، لظنه حضورهم.
(وإن أحرم مأمومًا ثم نوى الانفراد لعذر يبيح ترك الجماعة، كتطويل إمام، و) كـ (ـمرض، و) كـ (ـغلبة نعاس، أو) غلبة (شيء يفسد صلاته) كمدافعة أحد الأخبثين، (أو خوف على أهل أو مال، أو) خوف (فوت رفقة، أو خرج من الصف مغلوبًا) لشدة زحام (ولم يجد من يقف معه ونحوه) أي نحو ما ذكر من الأعذار (صح) انفراده، فيتم صلاته منفردًا؛ لحديث جابر قال: "صَلَّى معاذ بقومه، فقرأ سورة البقرة، فتأخر رجلٌ، فصلَّى وحدَه، فقيل له: نافقتَ. قال: ما نافقت، ولكن لآتينَّ رسول الله ﷺ فأخبره، فأتي النبي ﷺ فذكر له ذلك، فقال: "أفتان أنت يا معاذ؟ مرتين" متَّفقٌ عليه (٢).
وكذا لو نوى الإمام الانفراد لعذر.
ومحل إباحة المفارقة لعذر (إن استفاد) من فارق لتدارك شيء يخشى فوته، أو غلبة نعاس، أو خوف ضرر، ونحوه (بمفارقته) إمامه (تعجيل لحوقه لحاجته قبل فراغ إمامه) من صلاته، ليحصل مقصوده من المفارقة (فإن كان الإمام يعجل، ولا يتميز انفراده عنه بنوع تعجيل، لم يجز) له الانفراد، لعدم الفائدة فيه، وأمَّا من عذره الخروج من الصف، فله المفارقة مطلقًا، لأنَّ عذره خوف الفساد بالفذية، وذلك لا يتدارك بالسرعة.
стр. 807
(فإن زال العذر وهو) أي المأموم (في الصَّلاة، فله الدخول مع الإمام) فيما بقي من صلاته، ويتمه معه، ولا يلزمه الدخول معه (فإن فارقه) أي فارق المأموم الإمام لعذر ممَّا تقدم (في قيام قبل قراءته) أي الإمام (الفاتحة قرأ) المأموم لنفسه، لصيرورته منفردًا قبل سقوط فرض القراءة عنه بقراءة الإمام.
(و) إن فارقه المأموم (بعدها) أي بعد قراءة الفاتحة فـ (ـله الركوع في الحال) لأنَّ قراءة الإمام قراءة للمأموم.
(و) إن فارقه (في أثنائها) أي القراءة (يكمل ما بقي) من الفاتحة لما تقدم.
(وإن كان في صلاة سر) كظهر وعصر، أو في الأخيرتين من العشاء مثلًا، وفارق الإمام لعذر بعد قيامه (وظن أن إمامه قرأ، لم يقرأ) أي لم تلزمه القراءة، إقامة للظن مقام اليقين.
قلت: والاحتياط القراءة.
(وإن فارقه) لعذر (في ثانية الجمعة) وقد أدرك الأولى معه (أتم جمعة) لأنَّ الجمعة تدرك بركعة، وقد أدركها مع الإمام (فإن فارقه في) الرَّكعة (الأولى) من الجمعة (فكمزحوم فيها حتى تفوته الركعتان) يتمها نفلًا، ثم يصلِّي الظهر.
(و إن كان) انفراد المأموم عن الإمام (لغير عذر، لم يصح) لقوله ﷺ : "لا تختلفُوا على أئمتِكُم" (١)؛ لأنَّه ترك متابعة إمامه، وانتقل من الأعلى إلى
стр. 808
الأدنى بغير عذر، أشبه ما لو نقلها إلى النفل، أو ترك المتابعة من غير نية الانفراد.
(وإن أحرم إمامًا، ثم صار منفردًا لعذر، مثل أن سبق المأموم الحدث، أو فسدت صلاته لعذر أو غيره، فنوى الانفراد).
قلت: أو لم ينوه.
(صح) ويتم صلاته منفردًا. قال في "الفروع": وإذا بطلت صلاة المأموم، أتمها إمامه منفردًا، قطع به جماعة، لأنَّها لا ضمنها ولا متعلقة بها، بدليل سهوه وعلمه بحدثه. وعنه: تبطل، وذكره في المغني قياس المذهب.
(وتبطل صلاة مأموم ببطلان صلاة إمامه) لارتباطها بها (لا عكسه) أي لا تبطل صلاة إمام ببطلان صلاة مأموم، لما تقدم (سواء كان) بطلان صلاة الإمام (لعذر، كأن سبقه الحدث (١) أو لغير عذر، كأن تعمد الحدث، أو غيره من المبطلات) للصلاة، لحديث علي بن طلق مرفوعًا: "إذا فسَا أحدكم في صلاته، فلينصرف، فليتوضأ، وليعد الصلاةَ" رواه أبو داود (٢) بإسناد جيد
стр. 809
(فلا استخلاف للمأموم) إذا سبق إمامه الحدث، ولا استخلاف أيضًا للإمام (ولا يبني) المأموم (على صلاة إمامه) حينئذ، بل يستأنفها لبطلانها.
(وعنه: لا تبطل صلاة مأموم) إذا كان بطلان صلاة الإمام لعذر، بأن سبقه الحدث (ويُتمّونها) إذا قلنا بعدم بطلانها (جماعة بغيره) يستخلفونه، أو الإمام. قال في "الفروع": وكذا بجماعتين (أو) يتمُّونها (فرادى، اختاره جماعه) أي اختار القول بعدم بطلان صلاة المأموم ببطلان صَلَّاة إمامه لعذر جماعة من الأصحاب، وفاقًا للشافعي.
(فعليها) أي على رواية عدم البطلان (لو نوى) أي أحد المأمومين (الإمامة لاستخلاف الإمام له، إذا سبقه الحدث، صح) ذلك منه للعذر؛ لما روى البُخاريّ "أن عمرَ لما طعنَ أخذ بيد عبد الرحمن بن عوف فقدمه،
стр. 810
فأتم بهم الصَّلاة" (١) ولم ينكر، فكان كالإجماع، ولفعل علي، رواه سعيد (٢).
(وبطلت صلاة الإمام) لزوال شرطها، وهو الطهارة (كتعمده لذلك) الحدث.
(وله) أي الإمام إذا سبقه الحدث، بناء على الرّواية الثَّانية: (أن يستخلف من يتم الصَّلاة بمأموم، ولو) كان الذي يستخلفه (مسبوقًا) لم يدخل معه من أول الصَّلاة، (أو) كان الذي استخلفه (من لم يدخل معه في الصَّلاة) بأن استخلف من كان يصلِّي منفردًا (ويستخلف المسبوق) الذي استخلفه الإمام (من يسلم بهم، ثم يقوم فيأتي بما) بقي (عليه) من صلاته، وتكون هذه الصَّلاة بثلاثة أئمة.
(فإن لم يستخلف المسبوق) من يسلم بهم (وسلموا منفردين، أو انتظروا) المسبوق (حتَّى) يأتي بما عليه من صلاته، ثم (يسلم بهم، جاز) لهم ذلك، نص عليه.
وقال القاضي في موضع من "المجرد": يستحب انتظاره حتَّى يسلم بهم (ويبنى الخليفة الذي كان معه) أي الإمام (في الصَّلاة على فعل) أي ترتيب الإمام (الأول) المستخلف له، من حيث بلغ الأول؛ لأنَّه نائبه (حتَّى في القراءة يأخذ من حيث بلغ) لأنَّ قراءة الإمام قراءة له.
(والخليفة الذي لم يكن دخل معه) أي الإمام (في الصَّلاة يبتدئ الفاتحة) ولا يبني على قراءة الإمام؛ لأنَّه لم يأت بفرض القراءة، ولم يوجد ما يسقطه عنه؛ لأنَّه لم يصر مأمومًا بحال (لكن يسر ما كان قرأه الإمام منها) أي