ينوي رفعهما لو كانا. ولم أجد من ذكره.
(ويكون ابتداء الرفع مع ابتداء الكبير، وانتهاؤه) أي الرفع (مع انتهائه) أي التكبير؛ لما روى وائل بن حُجر أنَّه "رأى النبي ﷺ يرفع يديه مع التكبير" (١). ولأن الرفع للتكبير، فكان معه.
وتكون اليدان حال الرفع (ممدودتي الأصابع برؤوسهما) لقول أبي هريرة: "كان النَّبي ﷺ يرفع يديه مدًّا"، رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي (٢) بإسناد حسن
стр. 842
(مضمومة) أصابعهما؛ لأنَّ الأصابع إذا ضمت تمتد (ويستقبل ببطونها القبلة) ويكون الرفع (إلى حذو) بالذال المعجمة (منكبيه برؤوسهما) الحذو: المقابل. والمنكب: -بفتح الميم وكسر الكاف- مجمع عظم العضد والكتف.
ومحل ذلك (إن لم يكن) للمصلي (عذر) يمنعه من رفعهما، أو رفع إحداهما إلى حذو منكبيه، لما روى ابن عمر قال: "كان النبي ﷺ وإذا قام إلى الصَّلاة، رفع يديه، حتَّى يكونا حذو منكبيه، ثم يكبر" متفق عليه (١).
(ويرفعهما) المصلي (أقل) من ذلك (وأكثر) منه (لعذر) يمنعه منه، لحديث: "إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم" (٢).
(ويسقط) ندب رفع اليدين (بفراغ التَّكبير كله) لأنَّه سنة فات محلها. وإن نسيه في ابتداء التكبير ثم ذكره في أثنائه أتى به فيما بقي؛ لبقاء محل الاستحباب.
(ورفعهما) أي اليدين (إشارة إلى رفع الحجاب بينه وبين ربه) كما أن السبابة إشارة إلى الوحدانية، ذكره ابن شهاب (٣).
(ثم) بعد فراغ التكبير (يحطهما) أي يديه (من غير ذكر) لعدم وروده (ثم يقبض بكفه الأيمن كوعه الأيسر) نص عليه؛ لأنَّ النبي ﷺ "وضع اليمنى على اليسرى" رواه مسلم (٤) من حديث وائل. وفي رواية لأحمد، وأبي
стр. 843
داود: "ثم وضع كفه اليمنى على كفه اليسرى، والرسغ، والساعد" (١).
(ويجعلهما تحت سرته) روي عن علي، وأبي هريرة، لقول علي: "من السُّنة وضعُ اليمنى على الشمال تحت السُّرَّة" رواه أحمد، وأبو داود (٢). وذكر
стр. 844
ابن الجوزي في "التحقيق" (١): أنه لا يصح. قيل للقاضي: هو عورة فلا يضعهما عليه كالعانة، والفخذ؟ فأجاب: بأن العورة أولى وأبلغ بالوضع عليه لحفظه (ومعناه) أي معنى وضع كفه الأيمن على كوعه الأيسر جعلهما تحت سرته: أن فاعل ذلك ذو (ذل بين يدي عز) نقله أحمد بن يَحْيَى الرقي (٢).
(ويكره) جعل يديه (على صدره (٣)) نص عليه (٤)، مع أنه رواه (٥)، قاله في "المبدع".
(و يستحب نظره إلى موضع سجوده في كل حالات الصَّلاة) لما روى أحمد في الناسخ والمنسوخ عن ابن سيرين أن النبي ﷺ "كان يقلب بصره إلى السماء، فنزلت: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (٦) فطأطأ رأسه" (٧) ورواه
стр. 845
سعيد بسنده أيضًا عنه وزاد فيه: "قال: كانوا يستحبون للرجل أن لا يجاوز بصره مصلاه" ولأنه أخشع وأكف لنظره.
(إلا في صلاة الخوف، إذا كان العدو في جهة القبلة، فينظر إلى العدو) للحاجة.
(وكذا إذا اشتد الخوف، أو كان خائفًا من سيل، أو سبع، أو فوات) وقت (الوقوف بعرفة، أو ضياع ماله، وشبه ذلك مما يحصل له به ضرر، إذا نظر إلى موضع سجوده).
قال في "المبدع": وحال إشارته في التشهد، فإنَّه ينظر إلى سبابته، لخبر ابن الزبير (١).
وصلاته تجاه الكعبة فإنَّه ينظر إليها.
وفي الغنية: يكره إلصاق الحنك بالصدر، وعلي الثوب، وإنه يروى عن الحسن: أن العلماء من الصّحابة كرهته.
стр. 846
فصل (ثم يستفتح سرًا)
(فيقول: سبحانك) أي أنزهك تنزيهك اللائق بجلالك (اللهم) أي: يا الله (وبحمدك) قيل الواو عاطفة على محذوف، تقديره: سبحتك بكل ما يليق تسبيحك به، وبحمدك سبحتك، أي بنعمتك التي توجب عليَّ حمدًا سبحتك، لا بحولي وقوتي. وقال ثعلب: معناه سبحتك بحمدك. قال أبو عمر (١): كأنه يذهب إلى أن الواو صلة (٢)، أي زائدة. ويجوز أن يكون معناه: وبحمدك اللائق بك أحمدك.
(وتبارك) فعل لا يتصرف، فلا يستعمل منه غير الماضي (اسمك) أي دام خيره، والبركة: الزيادة والنماء، أى البركة تكسب وتنال بذكرك، ويقال: تبارك: تقدس، والقدس: الطهارة، ويقال: تعاظم.
(وتعالى جدك) بفتح الجيم، أي علا جلالك، وارتفعت عظمتك (ولا إله غيرك) قال الترمذي: العمل على هذا عند أكثر أهل العلم من التّابعين وغيرهم، لأنه ﷺ كان يستفتح بذلك، رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي (٣)، ولفظه من حديث أبى سعيد، وهو من رواية علي بن علي الرفاعي، وقد وثقه
стр. 847
أبو زرعة، وابن معين، وتكلم فيه بعضهم، وعمل به عمر بين يدي أصحاب النبي ﷺ (١)، ولذلك اختاره الإمام أحمد، وجوز الاستفتاح بغيره مما ورد (٢).
стр. 848
وقال الشيخ تقي الدين (١): الأفضل أن يأتي بكل نوع أحيانًا، وكذا صلاة الخوف.
(ثم يتعوذ سرًا، فيقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ. . . الآية﴾ (٢) أي إذا أردت القراءة، وكان النَّبيُّ ﷺ يقولها قبل القراءة (٣) (وكيفما تعوذ من الوارد فحسن) كحديث أبي سعيد
стр. 849
مرفوعًا: "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم" (١) قال الترمذي: هو أشهر حديث في الباب. وهو متضمن للزيادة، والأخذ بها أولى، لكن ضعفه أحمد (٢)، واختار ابن بطة وجوب الاستفتاح والتعوذ. واختار الشيخ تقي الدين (٣): التعوذ أول كل قربة (٤).
(ثم يقرأ البسملة) أي يقول: بسم الله الرحمن الرحيم (سرًا) لما روي نعيم المجمر قال: "صليت وراء أبي هريرة، فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن، حتى بلغ: ولا الضالين، الحديث" ثم قال: "والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ " رواه النسائي (٥)، وفي لفظ لابن خزيمة، والدارقطني: أن النبي ﷺ "كان يسر بسم الله الرحمن الرحيم، وأبو بكر، وعمر" زاد ابن خزيمة: "في الصلاة" (٦) فيسر بها (ولو قيل: إنها من الفاتحة) كما
стр. 850
اختاره ابن بطة، وأبو حفص، وصححه ابن شهاب (١).
(وليست) بسم الله الرحمن الرحيم (منها) أي من الفاتحة، جزم به أكثر الأصحاب، وصححه ابن الجوزي، وابن تميم، وصاحب "الفروع"، وحكاه القاضي إجماعًا سابقًا. و (كغيرها) أي وليست آية من غير الفاتحة، لحديث أبي هريرة، قال: سمعت النَّبيَّ ﷺ يقول: "قال الله: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال العبدُ: الحمد لله رب العالمين، قال الله: حمدني عبدي - الحديث" رواه مسلم (٢)، ولو كانت آية لعدها وبدأ بها، ولما تحقق التنصيف، لأن ما هو ثناء وتمجيد أربع آيات ونصف، وما هو لآدمي آيتان ونصف، لأنها سبع آيات إجماعًا، لكن حكى الرازي (٣)، عن الحسن البصري: أنها ثمان آيات. وقال النَّبيُّ ﷺ في تبارك الَّذي بيده الملك: "إنها ثلاثون آية" رواه أحمد، وأبو داود والترمذي (٤)، بإسناد حسن. ولم يختلف
стр. 851
العادون أنها ثلاثون آية بدون البسملة قال الأصوليون (١): وقوة الشبهة في بسم الله الرحمن الرحيم، منعت التكفير من الجانبين، فدل على أنها ليست من المسائل القطعية، خلافًا للقاضي أبي بكر
(بل) بسم الله الرحمن الرحيم بعض آية من النمل إجماعًا. و (آية من القرآن) فاعلة بين كل سورتين، فهي (مشروعة قبلها) أي الفاتحة (وبين كل سورتين، سوى براءة فيكره ابتداؤها بها) لنزولها بالسيف، وقيل: لأنها مع الأنفال سورة واحدة.
стр. 852
(فإن ترك الاستفتاح) وفي نسخة "الافتتاح" (ولو عمدًا، حتَّى تعوذ) سقط (أو) ترك (التعوذ حتَّى بسمل) سقط (أو) ترك (البسملة حتَّى شرع في القرآن) وفي نسخة "القراءة" (سقط) لأنه سنة فات محلها.
و يسن كتابة البسملة أوائل الكتب، كما كتبها سليمان، والنَّبيُّ ﷺ في صلح الحديبية (١)، وإلى قيصر (٢) وغيره، نص عليه. فتذكر في ابتداء جميع الأفعال، وعند دخول المنزل، والخروج منه، للتبرك، وهي تطرد الشيطان، وإنما تستحب إذا ابتدأ فعلًا تبعًا لغيرها لا مستقلة، فلم تجعل كالحمدلة وغيرها. ونقل ابن الحكم: لا تكتب أمام الشعر، ولا معه. وذكر الشعبي (٣): أنَّهم كانوا يكرهونه. قال القاضي: لأنه يشوبه الكذب والهجر غالبًا.
وأما حديث أنس المتفق عليه: "كان النَّبيُّ ﷺ ، وأبو بكر، وعمر، يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين" (٤)، فمحمول على أن الَّذي يسمعه أنس منهم "الحمد لله رب العالمين"، وقد جاء ذلك مصرحًا به عن أنس (٥).
стр. 853
ويخير في غير الصلاة بين الجهر بالبسملة وتركه، قال القاضي: كالقراءة (ثم يقرأ الفاتحة مرتبة، متوالية، مشددة) أي بتشديداتها، وهي ركن في كل ركعة؛ لحديث عبادة مرفوعًا: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحةِ الكتاب" متفق عليه (١)، وفي لفظ: "لا تجزئ صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" رواه الدارقطني (٢)، وقال: إسناده صحيح.
وعن أبي هريرة مرفوعًا: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج، يقوله ثلاثًا" رواه مسلم (٣).
والخداج: النقصان في الذات، نقص فساد وبطلان، تقول العرب: أخدجت الناقة ولدها، أي ألقته وهو دم لم يتم خلقه. فإن نسيها في ركعة لم يعتد بها.
وسميت فاتحة: لأنه يفتتح بقراءتها في الصلاة، وبكتابتها في المصاحف.
وتسمى: الحمد، والسبع المثاني، وأم الكتاب، والراقية، والشافية، والأساس، والصلاة، وأم القرآن؛ لأن المقصود منه تقرير أمور الإلهيات، والمعاد والنبوة (٤)، وإثبات القضاء والقدر لله تعالى، فالحمد لله إلى الرحيم بدل على الإلهيات، و"مالك يوم الدين" يدل على المعاد، و"إياك نعبد وإياك
стр. 854
نستعين" يدل على نفي الجبر والقدر، وعلى أن الكل بقضاء الله و"اهدنا الصراط المستقيم" إلى آخرها، يدل على النبوات.
وتسمى: الشفاء، والشافية، والسؤال، والدعاء. وقال الحسن (١): أودع الله فيها معاني القرآن كما أودع فيه معنى الكتب السابقة.
(والمستحب أن يأتي بها مرتلة، معربة) لقوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ (٢) ويأتي لذلك تتمة في أحكام القراءة (يقف فيها) أي الفاتحة (عند كل آية) لقراءته ﷺ (٣) (وإن) أي: ولو (كانت الآية الثانية متعلقة بالأولى
стр. 855
تعلق الصفة بالموصوف) كالرحمن الرحيم، بعد الحمد لله رب العالمين (أو) كانت متعلقة بها (غير ذلك) التعلق، كتعلق البدل بالمبدل منه، كصراط الذين أنعمت، بعد اهدنا الصراط المستقيم.
(ويمكن حروف المد واللين) وهي الألف اللينة، والواو المضموم ما قبلها، والياء المكسور ما قبلها، لقوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ (١) (ما لم يخرجه ذلك) التمكين (إلى التمطيط) فيتركه.
(وهي) أي الفاتحة (أعظم سورة في القرآن) وقال الشيخ تقي الدين (٢): هي أفضل سوره، وذكر ابن شهاب (٣) وغيره معناه؛ لقوله ﷺ فيها: "أعظم سورةٍ في القرآن" (٤).
стр. 856
(وأعظم آية فيه) أي القرآن (آية الكرسي) كما رواه أحمد، ومسلم عنه ﷺ (١).
ومنه: يؤخذ أن بعض القرآن قد يكون أفضل من بعض باعتبار متعلقه من المعاني والبلاغة، وغير ذلك، ولا يمنع من ذلك كون الجميع صفة لله تعالى، لما ذكرنا من أن التفضيل باعتبار المتعلق لا بالذات. وللترمذي وغيره "أنها -أي آية الكرسي- سيدة آي القرآن" (٢).
(وفيها) أي الفاتحة (إحدى عشرة تشديدة) وذلك في: لله، ورب، والرحمن، والرحيم، والدين، وإياك، وإياك، والصراط، والذين، وفي الضالين ثنتان، وأما البسملة ففيها ثلاث تشديدات.
стр. 857
(فإن ترك ترتيبها) أي الفاتحة، بأن قدم بعض الآيات على بعض لم يعتد بها؛ لأن ترتيبها شرط صحة قراءتها، فإن من نكسها لا يسمى قارئًا لها عرفًا. وقال في "الشرح" عن القاضي: وإن قدم آية منها في غير موضعها عمدًا أبطلها، وإن كان غلطًا، رجع، فأتمها.
(أو) ترك (حرفًا منها) أي الفاتحة، لم يعتد بها؛ لأنه لم يقرأها، وإنما قرأ بعضها.
(أو) ترك (تشديدة) منها (لم يعتد بها) لأن التشديدة بمنزلة حرف، فإن الحرف المشدد قائم مقام حرفين، فإذا أخل بها فقد أخل بحرف. قال في "شرح الفروع": وهذا إذا فات محلها وبعد عنه، بحيث يخل بالموالاة، أما لو كان قريبًا منه فأعاد الكلمة أجزأه ذلك؛ لأنه يكون بمثابة من نطق بها على غير الصواب، فيأتي بها على وجه الصواب. قال: وهذا كله يقتضي عدم بطلان صلاته، ومقتضى ذلك: أن يكون ترك التشديدة سهوًا أو خطأ، أما لو تركها عمدًا فقاعدة المذهب: تقتضي بطلان صلاته -إن انتقل عن محله (١) -. كغيرها من الأركان، فأما مادام في محلها، وهو حرفها لم تبطل اهـ. وفيه نظر فإن الفاتحة ركن واحد محله القيام، لا أن كل حرف ركن.
تتمة: إذا أظهر المدغم، مثل أن يظهر "لام" الرحمن، فصلاته صحيحة، لأنه إنما ترك الإدغام، وهو لحن لا يحيل المعنى، ذكره في "الشرح".
(وإن قطعها) أي الفاتحة (غير مأموم) وهو الإمام أو المنفرد (بذكر) كثير (أو دعاء) كثير (أو قرآن كثير، أو سكوت طويل، عمدًا، لزمه استئنافها) لاختلال نظمها (لا إن كان) القرآن، أو الذكر، أو الدعاء (يسيرًا) فلا يلزمه
стр. 858
استئنافها، لعدم إخلاله بنظمها (أو) كان القرآن، أو: الذكر، أو الدعاء (كثيرًا سهوًا، أو نومًا) فلا يلزمه استئنافها؛ لحديث: "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان" (١).
(أو انتقل) عن الفاتحة (إلى) قراءة (غيرها غلطًا، فطال) ذلك فلا يلزمه استئنافها، لما تقدم (ولا يضر) القطع (في حق مأموم، إن كان القطع) مشروعًا (أو) كان (السكوت مشروعًا، كالتأمين، وسجود التلاوة، والتسبيح بالتنبيه) أي لأجل التنبيه (ونحوه) كالفتح على إمامه، إذا أُرْتِج عليه، أو غلط (أو) كان السكوت (لاستماع قراءة الإمام) فلا أثر للتقطيع في ذلك كله، لأنه مشروع (ويبني) المأموم على ما قرأه.
(ولا تبطل) القراءة (بنية قطعها، ولو سكت يسيرًا) فيبني على ما قرأه لأن القراءة باللسان، فلم تنقطع، بخلاف نية الصلاة (ويأتي في صلاة الجماعة: إذا لحن لحنًا يحيل المعنى، أو أبدل حرفًا بحرف ونحوه)، كإدغام ما لا يدغم.
(ويكره الإفراط في التشديد) بحيث يزيد على حرف ساكن؛ لأنها أقيمت مقامه، فإذا زادها عن ذلك، زادها عما أقيمت مقامه.
(و) الإفراط في (المد) لأنه ربما جعل الحركات حروفًا.
(و) يكره (أن يقول مع إمامه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ونحوه) لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ (٢).
(و ﴿مَالِكِ﴾ أحب إلى) الإمام (أحمد من ﴿ملك﴾) لما في ﴿مَالِكِ﴾ من زيادة حرف الألف، ولأنه كما قال أبو عبيدة: أوسع وأجمع، لأنه يقال:
стр. 859
مالك العبيد، والطير، والدواب، ولا يقال: ملك هذه الأشياء ا هـ. ولا يقال: مالك الشيء إلا وهو يملكه، وقد يكون ملك الشيء ولا يملكه.
وقال قوم: ملك، أولى لأن كل ملك مالك، وليس كل مالك ملكًا، وهذا غير مفيد هنا، لأن مالك الشيء ملك له وزيادة، والكلام هنا في مالك المضاف إلى يوم الدين، فإذا كان مالكه كان ملكًا له (١).
(فإذا فرغ) من قراءة الفاتحة (قال: آمين، بعد سكتة لطيفة، ليعلم أنها ليست من القرآن) وإنما هي طابع الدعاء، ومعناه: اللهم استجب، وقيل: اسم من أسمائه تعالى.
(يجهر بها إمام، ومأموم معًا في صلاة جهر) لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "إذا أمن الإمام فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمينَ الملائكةِ غفر له" متفق عليه (٢). وروى أبو وائل (٣) أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يقول: "آمين" يمد بها صوتَه. رواه أحمد، وأبو داود، والدارقطني (٤) وصححه. وقال عطاء: "كان ابن الزبير يؤمنُ
ويؤمنونَ، حتى إن للمسجد للجة" رواه الشافعي (١).
(و) يجهر بها (منفرد) إن جهر بالقراءة تبعًا لها (و) يجهر بها (غير مصل إن جهر بالقراءة) تبعًا لها.
(وإن تركه) أي التأمين (إمام) عمدًا، أو سهوًا، أتى به مأموم جهرًا (أو أسره) الإمام عمدًا، أو سهوًا (أتى به مأموم جهرًا، ليذكره) أي يذكر الناسي، وكسائر السنن إذا تركها الإمام أتى بها المأموم، ولم يتابعه في تركها.
стр. 862
(ويأتي المأموم أيضًا بالتعوذ، ولو تركه الإمام) وقياسه: الاستفتاح، والبسملة.
(فإن ترك) المصلي (التأمين، حتى شرع في قراءة السورة لم يعد إليه) لأنه سنة فات محلها.
(والأولى) في همزة آمين (المد) ذكره القاضي. وظاهره: أن الإمالة وعدمها سيان.
(ويجوز القصر في آمين) لأنه لغة فيه.
(يحرم تشديد الميم) لأنه يصير بمعنى قاصدين، قال في "المنتهى": وحرم، وبطلت إن شدد ميمها اهـ. مع أنه في "شرح الشذور" (١) حكى ذلك لغة فيها عن بعضهم.
(فإن قال: آمين رب العالمين، لم يستحب) قياسًا على قول أحمد في التكبير الله أكبر كبيرًا، لا يستحب.
(ويستحب سكوت الإمام بعدها) أي بعد قراءة الفاتحة (بقدر قراءة مأموم) الفاتحة في الصلاة الجهرية، لحديث أبي داود، وابن ماجه، عن سمرة (٢)، وليتمكن المأموم من قراءة الفاتحة مع الإنصات لقراءة الإمام.
стр. 863
(ويلزم الجاهل) يعني من لم يحسن الفاتحة (تعلمها) لأنها واجبة في الصلاة، فلزمه تحصيلها إذا أمكنه كشروطها (فإن لم يفعل) أي لم يتعلم الفاتحة (مع القدرة عليه، لم تصح صلاته) لتركه الفرض، وهو قادر عليه.
(فإن لم يقدر) على تعلم الفاتحة لبعد حفظه (أو ضاق الوقت عنه، سقط) كسائر ما يعجز عنه (ولزمه قراءة قدرها) أي الفاتحة (في عدد الحروف، والآيات، من غيرها) أي من أي سورة شاء من القرآن لمشاركته لها في القرآنية، وإنما اعتبر عدد الحروف، لأنها مقصودة، بدليل اعتبار تقدير الحسنات بها فاعتبرت كالآي.
(فإن لم يحسن) من القرآن (إلا آية واحدة منها) أي من الفاتحة (أو من
стр. 864
غيرها، كررها بقدرها) أي الفاتحة، مراعيًا عدد الحروف والآيات، كما تقدم (فإن كان يحسن آية منها) أي الفاتحة (و) يحسن (شيئًا من غيرها) أي آية فأكثر من باقي السور (كرر الآية) التي يحسنها من الفاتحة و (لا) يكرر (الشيء) الذي ليس من الفاتحة (بقدرها) متعلق بكرر، لأن الذي منها أقرب إليها من غيرها.
(فإن لم يحسن إلا بعض آية، لم يكرره، وعدل إلى غيره) سواء كان بعض الآية من الفاتحة، أو من غيرها؛ لأن النَّبي ﷺ "أمر الذي لا يحسن الفاتحةَ أن يقول: الحمدُ لله" وغيرها مما يأتي، والحمد لله بعض آية من الفاتحة، ولم يأمره بتكرارها.
(فإن لم يحسن شيئًا من القرآن، حرم أن يترجم عنه) أي أن يقوله (بلغة أخرى) غير العربية (كعالم) بالعربية؛ لأن الترجمة عنه تفسير لا قرآن؛ لأن القرآن هو اللفظ العربي المنزل على محمَّد ﷺ . قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (١) وقال تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (٢).
(وترجمته) أي القرآن (بالفارسية أو غيرها لا تسمى قرآنًا، فلا تحرم على الجنب، ولا يحنث بها من حلف لا يقرأ) لما تقدم، قال أحمد (٣): القرآن معجز بنفسه، أي بخلاف ترجمته بلغه أخرى، فإنه لا إعجاز فيها، فدل أن الإعجاز في اللفظ والمعنى، وفي بعض آية إعجاز (٤). ذكره القاضي وغيره.
стр. 865
وفي كلامه في التمهيد في النسخ وكلام أبي المعالي: لا.
(وتحسن للحاجة ترجمته) أي القرآن (إذا احتاج إلى تفهمه إياه بالترجمة) وتكون تلك الترجمة عبارة عن معنى القرآن، وتفسيرًا له بتلك اللغة، لا قرآنًا، ولا معجزًا، كما تقدم (و) على هذا فإنما (حصل الإنذار بالقرآن) أي المعبر عن معناه بتلك اللغة (دون تلك اللغة، كترجمة الشهادة) أي كما لو ترجمت الشهادة للحاكم، فإن حكمه يقع بالشهادة، لا بالترجمة.
(ويلزمه) أي من لم يحسن آية من القرآن (أن يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) وذكر جماعة "ولا حول ولا قوة إلا بالله" لخبر أبي داود، عن ابن أبي أوفى قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني لا أستطيع أن آخذ شيئًا من القرآن، فعلمني ما يجزئني منه، فقال: سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله" الحديث (١).
стр. 866
ومن أسقط "لا حول ولا قوة إلا بالله" اعتمد على حديث رفاعة بن رافع، أن رسول الله ﷺ "علم رجلًا الصلاة، فقال: إن كان معك قرآن فاقرأ، وإلا، فاحمد الله، وكبره، وهلله، ثم اركع" رواه أبو داود والترمذي (١)
قال في "شرح الفروع": لكن يرد عليه إيجاب سبحان الله، فإنه ليس في حديث رفاعة الأمر بالتسبيح، وقد أوجبه، أخذًا بحديث ابن أبي أوفى، فوجب الأخذ بجميعه. ا هـ (٢).
قلت: ويجاب عنه: بأن الحمد لما كان مقارنًا للتسبيح غالبًا، فكأنه عبارة عنهما في حديث رفاعة، ودل عليه حديث ابن أبي أوفى، فكأنهما اتفقا عليه بخلاف الحوقلة، فإسقاطها من حديث رفاعة دليل على أن الأمر بها في حديث ابن أبي أوفى ليس للوجوب، ومع ذلك فالاحتياط الإتيان بها، للحديث، وخروجًا من الخلاف.
стр. 867
تنبيه: الحديث يدل على أن الذكر السابق يجزئه، وإن لم يكن بقدر الفاتحة، بخلاف القراءة من غيرها، خلافًا لابن عقيل، لأن هذا بدل من غير الجنس أشبه التيمم.
(فإن لم يحسن) المصلي (إلا بعض الذكر) المذكور (كرره) أي ما يحسنه (بقدر الذكر) مراعيًا لعدد الحروف، والجمل، على قياس ما سبق.
(فإن لم يحسن) المصلي (شيئًا منه) أي من الذكر (وقف بقدر الفاتحة كالأخرس) ومقطوع اللسان، لأن القيام ركن مقصود في نفسه، لأنه لو تركه مع القدرة عليه لم يجزئه، فمع القدرة تجب القراءة، والقيام بقدرها، فإذا عجز عن أحدهما، لزمه الآخر، لقوله ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم" (١).
(ولا يحرك لسانه) كما تقدم في تكبيرة الإحرام (ولم تلزمه) أي الذي لم يحسن الفاتحة (الصلاة خلف قارئ) لأنه ﷺ لم يأمر السائل به في حديث ابن أبي أوفى السابق، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز (لكن يستحب) له أن يصلي خلف قارئ، لتكون قراءة الإمام قراءة له، وخروجًا من خلاف من أوجبه.
(و من صلى وتلقف القراءة من غيره، صحت) صلاته، لأنه أتى بفرض القراءة، أشبه القارئ من حفظه، أو من مصحف.
تنبيه: يقال: لقفت الشيء وتلقفته: إذا تناولته (٢) بسرعة، قاله الجوهري (٣) وإنما اعتبر ذلك، أي سرعة التناول، لئلا تفوت الموالاة.
стр. 868
فصل
(ثم يقرأ البسملة سرًّا) نص عليه، كما في أول الفاتحة.
(ثم) يقرأ (سورة كاملة) قال في "شرح الفروع": لا خلاف بين أهل العلم في استحباب قراءة سورة مع الفاتحة في الركعتين الأوليين من كل صلاة.
(وتجوز) أي تجزئ (آية، إلا أن) الإمام (أحمد استحب أن تكون) الآية (طويلة، كآية الدين، وآية الكرسي) لتشبه بعض السور القصار.
قلت: والظاهر عدم إجزاء آية لا تستقل بمعنى أو حكم نحو ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ (١) ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ (٢) كما يأتي عن أبي المعالي في خطبة الجمعة.
(فإن قرأ من أثناء سورة، فلا بأس أن يبسمل نصًا) قال في "الرعاية": ويجوز قراءة آخر سورة، وأوسطها، فيسمي إذن اهـ. وظاهره حتى براءة. ولبعض القراء فيه تردد (٣).
(وإن كان) يقرأ (في غير صلاة، فإن شاء جهر بها) أي البسملة (وإن شاء خافت) بها، كما يخير في القراءة.
(و يكره الاقتصار) في الصلاة (على) قراءة (الفاتحة) لأنه خلاف السنة المستفيضة.
(و) يستحب أن (تكون) القراءة (في الفجر بطوال المفصل) لحديث
стр. 869
جابر بن سمرة أن النَّبيَّ ﷺ : "كان يقرأ في الفجر بـ ق والقرآن المجيد ونحوها، وكانت صلاته بعد إلى التخفيف" رواه مسلم (١).
وكتب عمر إلى أبي موسى أن "اقرأ في الصبح بطوال المفصل، واقرأ في الظهر بأوساط المفصل، واقرأ في المغرب بقصار المفصل" رواه أبو حفص (٢).
وهو السبع السابع، سمي به لكثرة فصوله
(وأوله) أي المفصل سورة (ق) لما روى أبو داود عن أوس بن حذيفة قال: "سألت أصحاب رسول الله ﷺ كيف يحزبون القرآن؟ قالوا: ثلاث (٣)، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة،
стр. 870
وحزب المفصل وحده" (١).
وهذا يقتضي أن أول المفصل السورة التاسعة والأربعون من أول البقرة، لا من الفاتحة، وهي "ق"، قاله ابن نصر الله في "شرح الفروع"، وفي "الفنون": أوله الحجرات.
(ويكره) أن يقرأ (بقصاره في الفجر من غير عذر كسفر، ومرض، ونحوهما) كغلبة نعاس، وخوف؛ لمخالفته السنة.
(ويقرأ في المغرب من قصاره) أي المفصل، لما يأتي (ولا يكره) أن يقرأ في المغرب (بطواله) أي المفصل (إن لم يكن عذر) يقتضي التخفيف (نصًا) لما روى النسائي عن عائشة أنه ﷺ : "قرأ في المغرب بالأعراف، فرَّقها في ركعتين" (٢).
(و) يقرأ (في الباقي) وهو الظهر والعصر، والعشاء (من أوساطه) أي
стр. 871
المفصل، لما روى سليمان بن يسار عن أبي هريرة قال: "ما رأيت رجلًا أشبه صلاة برسول الله ﷺ من فلان، قال سليمان: فصليت خلفه، فكان يقرأ في الغداة بطوال المفصل، وفي المغرب بقصاره، وفي العشاء بوسط المفصل" رواه أحمد والنسائي (١) ولفظه له، ورواته ثقات. قاله في "المبدع" (إن لم يكن عذر) من مرض وسفر ونحوهما (فإن كان) ثم عذر (لم يكره) أن يقرأ (بأقصر منه) أي مما ذكر.
وقراءة السورة وإن قصرت أفضل من بعضها.
ولا يعتد بالسورة قبل الفاتحة.
(ويجهر الإمام بالقراءة) استحبابًا (في الصبح، وأولتي المغرب، و) أولتي (العشاء) إجماعًا، لفعله ﷺ ، وقد ثبت ذلك بنقل الخلف عن السلف.
(ويكره) الجهر بالقراءة (لمأموم) لأنه مأمور بالإنصات؛ والأمر بالشيء نهي عن ضده.
(ويخير منفرد، وقائم لقضاء ما فاته بعد سلام إمامه، بين جهر) بالقراءة، (وإخفات) بها؛ لأنه لا يراد منه إسماع غيره ولا استماعه، بخلاف الإمام والمأموم.
стр. 872
(ولا بأس بجهر امرأة) في الجهرية (إذا لم يسمعها أجنبي) منها، بأن كانت تصلي وحدها، أو مع محرمها، أو مع النساء.
(وخنثى مثلها) أي مثل المرأة في الجهر وعدمه، وعلم منه: أنه إذا سمعها أجنبي أنها تسر، قال في "شرح المنتهى": وجوبًا، قال الإمام أحمد (١): لا ترفع صوتها، قال القاضي: أطلق المنع.
(ويسر في قضاء صلاة جهر) كعشاء، أو صبح قضاها (نهارًا ولو جماعة) اعتبارًا بزمن القضاء (كصلاة سر) قضاها ولو ليلًا، اعتبارًا بالمقضية (ويجهر بالجهرية) كأولتي المغرب إذا قضاها (ليلًا في جماعة فقط) اعتبارًا بالقضاء، وشبهها بالأداء، لكونها في جماعة. فإن قضاها منفردًا أسرها لفوات شبهها بالأداء.
(ويكره جهره) أي المصلي (في نفل نهارًا) لحديث: "صلاةُ النهارِ عجماء" (٢).
(و) المتنفل (ليلًا يراعى المصلحة) فإن كان بحضرته أو قريبًا منه من يتأذى بجهره أسر، وإن كان من ينتفع بجهره جهر.
(والأظهر أن المراد هنا بالنهار من طلوع الشمس، لا من طلوع
стр. 873
الفجر، وبالليل من غروبها) أي الشمس (إلى طلوعها، قاله ابن نصر الله) وتقدم في الأذان معناه عن الشيخ تقي الدين، عند قوله: ويصح لفجر بعد نصف الليل. لكن تقدم أن الصبح من صلاة النهار في المواقيت.
(وإن أسر في) محل (جهر، أو جهر في) محل (سر، بني على قراءته) لصحتها.
والجهر أو السر سنة لا يبطل تركه القراءة.
(ويستحب أن يقرأ كما في المصحف من ترتيب السور) قال أحمد في رواية مهنا: أعجب إلي أن يقرأ من البقرة إلى أسفل، لأن ذلك المنقول عن رسول الله ﷺ .
(و يحرم تنكيس الكلمات) أي كلمات القرآن، لإخلاله بنظمه (وتبطل به الصلاة) لأنه يصير بإخلال نظمه كلامًا أجنبيًا، يبطل الصلاة عمده وسهوه.
(و يكره تنكيس السور) كأن يقرأ ألم نشرح، ثم يقرأ بعدها والضحى، سواء كان ذلك (في ركعة أو ركعتين) لما روى عن ابن مسعود أنه سئل عمن يقرأ القرآن منكوسًا فقال: "ذلك منكوسُ القلبِ" (١) وفسره أبو عبيد (٢) بأن يقرأ سورة، ثم يقرأ بعدها أخرى هي قبلها في النظم، ذكره ابن نصر الله في الشرح (كالآيات) أي كما يكره تنكيس الآيات، قال في "الفروع": وفاقًا. قال ابن نصر الله: ولو قيل بالتحريم في تنكيس الآيات كما يأتى من كلام الشيخ تقي الدين (٣): أنه واجب لما فيه من مخالفة النص، وتغيير المعنى، كان متجهًا،
стр. 874
ودليل الكراهة فقط غير ظاهر، والاحتجاج بتعلمه ﷺ فيه نظر، فإنه كان للحاجة؛ لأن القرآن كان ينزل بحسب الوقائع.
و (قال الشيخ (١): ترتيب الآيات واجب؛ لأن ترتيبها بالنص إجماعًا، وترتيب السور بالاجتهاد لا بالنص، في قول جمهور العلماء، منهم المالكية، والشافعية، فتجوز قراءة هذه) السورة (قبل هذه) السورة، واختاره صاحب "المحرر" وغيره، واحتج أحمد بأن النَّبيَّ ﷺ تعلم على ذلك.
(وكذا في الكتابة) أي تجوز كتابة هذه قبل هذه (ولهذا تنوعت مصاحف الصحابة في كتابتها، لكن لما اتفقوا على المصحف زمن عثمان) بن عفان ﵁ (صار هذا مما سنه الخلفاء الراشدون. وقد دل الحديث) أي حديث العرباض بن سارية الذي من جملته "فعليكم بسنتي، وسنةِ الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذِ" الحديث (٢) (على أن لهم سنة يجب اتباعها) لقوله: "فعليكم بسنتي، وسنةِ الخلفاءِ الراشدينَ".
(وإن قرأ بقراءة تخرج عن مصحف عثمان) قال في "شرح الفروع": وظاهره: ولو وافق قراءة أحد من العشرة في أصح الروايتين (لم تصح صلاته.
ويحرم) قراءة ما خرج عن مصحف عثمان (لعدم تواتره.
وعنه يكره) أن يقرأ بما يخرج عن مصحف عثمان (و) على هذه الرواية (تصح) صلاته (إذا صح سنده) لأن الصحابة كانوا يصلون بقراءتهم في عصره ﷺ ، وبعده، وكانت صلاتهم صحيحة بغير شك.
(وتصح) الصلاة (بما وافق المصحف) العثماني (وإن لم يكن من
стр. 875
العشرة نصًا) أو لم يكن في مصحف غيره من الصحابة، كسورة المعوذتين، وزيادة بعض الكلمات، زاد في "الرعاية": وصح سنده عن صحابي. قال في "شرح الفروع": ولابد من اعتبار ذلك.
والعشرة هم قراء الإسلام المشهورون، فمن أهل المدينة: اثنان، الأول أبو جعفر يزيد بن القعقاع، والثاني نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم، ومن أهل مكة: عبد الله بن كثير، ومن الشام: عبد الله بن عامر، ومن البصرة: أبو عمرو ويعقوب بن إسحاق الحضرمي، ومن الكوفة: عاصم بن أبي النجود بهدلة، وحمزة بن حبيب الزيات القسملي (١)، وأبو الحسن علي بن حمزة الكسائي، وخلف بن هشام البزار.
(وكره) الإمام (أحمد قراءة حمزة، والكسائي (٢)) لما فيهما من الكسر، والإدغام، والتكلف، وزيادة المد، وأنكرها السلف، منهم سفيان بن عيينة، ويزيد بن هارون، قال في "الفروع": ولم يكره أحمد غيرهما، وعنه (والإدغام الكبير لأبي عمرو) للإدغام الشديد (٣).
(واختار) الإمام أحمد (٤) (قراءة نافع من رواية إسماعيل بن جعفر) لأن إسماعيل قرأ على شيبة شيخ نافع (ثم قراءة عاصم من رواية أبي بكر بن
стр. 876
عياش) لأنه قرأ على أبي عبد الرحمن السلمي، وقرأ أبو عبد الرحمن على عثمان، وعلي، وزيد، وأُبي بن كعب، وابن مسعود، وظاهر كلام أحمد: أنه اختارها من رواية أبي بكر بن عياش، وهو أضبط من أخذها عنه، مع علم وعمل وزهد. وقال له الميموني: أي القراءة تختار لي فأقرأ بها؟ قال قراءة ابن العلاء، لغة قريش، والفصحاء من الصحابة.
وإن كان في قراءة زيادة حرف "مثل" فأزلهما، وأزالهما، ووصى وأوصى، فهي أولى؛ لأجل العشر حسنات، نقله حرب، واختار الشيخ تقي الدين (١) أن الحرف الكلمة.
стр. 877
فصل (ثم يرفع يديه)
إلى حذو منكبيه (كرفعه الأول) عند افتتاح الصلاة (بعد فراغه من القراءة) قال في "الشرح" و"المبدع": إذا فرغ من قراءته ثبت قائمًا، وسكت حتى يرجع إليه نفسه قبل أن يركع، ولا يصل قراءته بتكبيرة الركوع، قاله أحمد (١)، لحديث سمرة في بعض رواياته: "فإذا فرغ من القراءة سكت" رواه أبو داود (٢).
ويكون رفع اليدين (مع ابتداء الركوع) استحبابًا في قول خلائق من الصحابة، ومن بعدهم؛ لما روى ابن عمر قال: "رأيتُ النَّبيَّ ﷺ إذا استفتح الصلاةَ رفع يديه، حتى يحاذيَ منكبيه، إذا أراد أن يركع، وبعد ما يرفعُ رأسه من الركوع" متفق عليه (٣).
وروى أحمد بإسناد جيد عن الحسن "أن أصحابَ النَّبيِّ ﷺ كانوا يفعلون ذلك" (٤).
стр. 878
وكان ابن عمر (١) "إذا رأى رجلًا لا يرفع يديه حصبه، وأمره أن يرفعَ" (٢). ومضى عمل السلف على هذا.
(مكبرًا) لحديث أبي هريرة قال: "كان النَّبيُّ ﷺ يكبرُ إذا قام إلى الصلاة، ثم يكبر حين يركع" متفق عليه (٣).
(فيضع يديه مفرجتي الأصابع على ركبتيه ملقمًا كل يد ركبة) لما في حديث رفاعة عن النَّبيِّ ﷺ قال: "وإذا ركعت فضعْ راحتيك على ركبتيك" رواه أبو داود (٤). وروى أحمد من حديث ابن (٥) مسعود أنه ﷺ "فرج أصابعه من وراء ركبتيه" (٦).
стр. 879
(ويمد ظهر مستويًا)، ويجعل (رأسه حيال (١)) أي بإزاء (ظهره) لا يرفعه ولا يخفضه، لما روت عائشة قالت: "كان النَّبيُّ ﷺ إذا ركع لم يرفع رأسه ولم يصوبه، ولكن بين ذلك" متفق عليه (٢). وروي أنه ﷺ "كان إذا ركع لو كان قدحُ ماء على ظهره ما تحرك، لإستواء ظهره" ذكره في "المغني" و"الشرح". قال في "المبدع": والمحفوظ ما رواه ابن ماجه، عن وابصة بن معبد قال: "رأيتُ النَّبيَّ ﷺ يصلى، وكان إذا ركع سوى ظهره حتى لو صب عليه الماء لاستقر" (٣).
(ويجافي مرفقيه عن جنبيه) لما روى أبو حميد "أن النَّبيَّ ﷺ ركع فوضع
стр. 880
يديه على ركبتيه، كأنه قابض عليهما، ووتر يديه، فنحاهما عن جنبيه" رواه أبو داود، والترمذي، وصححه (١).
(ويكره أن يطبق إحدى راحتيه على الأخرى، ويجعلهما بين ركبتيه) وهذا كَان في أول الإسلام، ثم نسخ، وقد فعله مصعب بن سعد، قال: فنهاني أبي، وقال: "كنا نفعل ذلك، فأمرنا أن نضعَ أيدينا على الركب" متفق عليه (٢).
(وقدر الإجزاء) في الركوع (انحناؤه يحيث يمكنه مس ركبتيه بيديه، -نصًا- إذا كان وسطًا من الناس، لا طويل اليدين، ولا قصيرهما) لأنه لا يسمى راكعًا بدونه، ولا يخرج عن حد القيام إلى الركوع إلا به (وقدره) أي الانحناء، بحيت يمكنه مس ركبتيه بيديه لو كان من أوساط الناس (في حقهما) أي طويل اليدين وقصيرهما. قال في "الفروع": أو قدره من غيره، أي غير الوسط من الناس (قال المجد) عبد السلام بن تيمية الحراني: وضابط الإجزاء الذي لا يختلف (بحيث) عبارته: أن (يكون انحناؤه إلى الركوع المعتدل، أقرب منه إلى القيام المعتدل) ومقتضى كلامه في "الإنصاف" وغيره أنه قول مقابل للقول الذي مشى عليه المصنف، وقد أوضحت ذلك في الحاشية.
وإن كانت يداه عليلتين لا يمكنه وضعهما، انحنى، ولم يضعهما. وإن كانت إحداهما عليلة، وضع الأخرى. ذكره في "المغني" و"الشرح".