(فيقول) تفسير للتشهد: (التحياتُ لله، والصلواتُ، والطيبات، السلام عليك أيها النَّبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد اللهِ الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله) لحديث ابن مسعود (١)، ولفظه قال: "كنا إذا جلسنا مع النَّبيِّ ﷺ في الصلاة، قلنا: السلام على الله من عباده، السلام على جبريل، السلام على ميكائيل، السلام على فلان، فسمعنا النَّبيُّ ﷺ فقال: إن الله هو السلامُ، فإذا جلس أحدكم فليقل: التحيات لله - إلى آخره - ثم قال: ثم ليتخير من الدعاء أعجبه
стр. 912
إليه فيدعو" وفي لفظ: "علمني النَّبيُّ ﷺ التشهد، كفي بين كفيه، كما يعلمني السورة من القرآن". قال الترمذي (١): هو أصح حديث في التشهد، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين، وليس في المتفق عليه حديث غيره. ورواه - أيضًا - ابن عمر (٢)، وجابر (٣)، وأبو هريرة (٤)،
стр. 913
وعائشة (١). ويرجح بأنه اختص بأنه ﷺ أمره بأن يعلمه الناس، رواه أحمد (٢).
(وبأي تشهد تَشَهّدَ مما صح عن النَّبيِّ ﷺ ، جاز) كتشهد ابن عباس، وهو: "التحياتُ المباركاتُ، الصلواتُ الطيباتُ لله" إلى آخره. ولفظ مسلم: "وأشهد أن محمدًا رسول الله" (٣).
وكتشهد عمر: "التحيات لله الزاكيات لله، الطيبات الصلواتُ لله، سلام عليك" إلى آخره (٤).
والتحيات: جمع تحية، وهي العظمة، وقال أبو عمر (٥): الملك. وقال ابن الأنباري (٦): السلام. وقيل: البقاء.
стр. 914
والصلوات: هي الخمس. وقيل: الرحمة. وقيل: الأدعية. وقيل: العبادات.
والطيبات: هي الأعمال الصالحة. وقال ابن الأنباري (١): الطيبات من الكلام.
ومن خواص الهيللة، أن حروفها كلها مهملة؛ تنبيهًا على التجرد من كل معبود سوى الله.
وجوفية ليس فيها شيء من الشفوية؛ إشارة إلى أنها تخرج من القلب.
وإذا قال: "السلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين" نوى به النساء، ومن لا يشركه في صلاته في ظاهر كلامهم، لقوله ﷺ : "أصابت كلَّ عبد لله صالح في السماء والأرض" (٢).
(ولا تكره التسمية أوله) لما روي عن عمر أنه "كان إذا تشهد قال: باسم الله خير الأسماء" (٣)، وعن ابن عمر أنه كان يسمي أوله (٤) (وتركها) أي ترك التسمية أول التشهد (أولى) لأن ابن عباس سمع رجلًا يقول: "باسم الله" فانتهره (٥).
стр. 915
(وذكر جماعة أنه لا بأس بزيادة "وحده لا شريك له") لفعل ابن عمر (١).
(والأولى تخفيفه، وعدم الزيادة عليه) أي التشهد؛ لحديث أبي عبيدة عن أبيه ابن مسعود (٢)؛ ولقول مسروق: "كنا إذا جلسنا مع أبي بكر كأنه على الرضف حتى يقوم" رواه أحمد (٣). وقال حنبل: رأيت أبا عبد الله يصلي، فإذا
стр. 916
جلسَ في الجلسة بعد الركعتين، أخف الجلوس، ثم يقوم كأنه كان على الرضف، أي الحجارة المحماة بالنار، قال: وإنما قصد الاقتداء بالنَّبيِّ ﷺ وصاحبه.
(وإن قال: وأن محمدًا) رسول الله (وأسقط "أشهد" فلا بأس) لأنه لا يخل بالمقصود من المعنى.
(وهذا التشهد الأول) في المغرب، والرباعية (ثم إن كانت الصلاة ركعتين فقط) فرضًا كانت أو نفلًا (أتى بالصلاة على النَّبيِّ ﷺ ، وبما بعدها، فيقول: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل (١) إبراهيم، إنك حميد مجيد. وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. هذا الأولى من ألفاظ الصلاة والبركة) عليه، ﷺ وعلى آله؛ لما روى كعب بن عجرة قال: خرج علينا الرسول ﷺ فقلنا: قد عرفنا كيف نسلم عليكَ، فكيف نصلي عليكَ؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيمَ، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيمَ، إنك حميد مجيد" متفق عليه (٢).
(ويجوز) أن يصلي على النَّبيِّ ﷺ (بغيره) أي غير اللفظ (مما ورد) ومنه ما رواه أحمد، والترمذي وصححه، وغيرهما من حديث كعب، وفيه: "اللهم صل على محمد، وآل محمد، كما صليت على إبراهيم، وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد، وآل محمد، كما باركت على إبراهيم،
стр. 917
وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد" (١).
(وآله: أتباعه على دينه) ﷺ ، وإن لم يكونوا من أقاربه، قال تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (٢) ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ (٣) ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ (٤) وقد يضاف آل الشخص إليه، ويكون داخلًا فيهم، كهذه الآيات.
(والصواب عدم جواز إبداله) أي آل (بأهل) لأن أهل الرجل أقاربه، أو زوجته، وآله أتباعه على دينه، فتغايرا.
(و إذا أدرك) المسبوق (بعض الصلاة مع الإمام، فجلس الإمام في آخر صلاته، لم يزد المأموم على التشهد الأول، بل يكرره) أي التشهد الأول (٥).
(ولا يصلي على النَّبي ﷺ ، ولا يدعو بشيء مما يدعى به في التشهد الأخير) لأنه لا يعقبه سلامه (فإن سلم إمامه) قبل أن يتمه (قام، ولم يتمه) لعدم وجوبه عليه (إن لم يكن واجبًا في حقه) بأن يكون محل تشهده الأول (٦) فيتمه لوجوبه عليه.
(وتجوز الصلاة على غيره) أي غير النَّبيِّ ﷺ (منفردًا) عنه (نصًا) نص
стр. 918
عليه في رواية أبي داود (١)، واحتج بقول علي لعمر: صلى الله عليك (٢). وذكر في "شرح الهداية": أنه لا يصلى على غيره منفردًا، وحكى ذلك عن ابن عباس ﵄، رواه سعيد، واللالكائي عنه (٣). قال الشيخ وجيه الدين (٤): الصلاة على غير الرسول جائزة تبعًا لا مقصودة، واختار الشيخ تقي الدين (٥) منصوص أحمد. قال: وذكره القاضي، وابن عقيل، وعبد القادر. قال: وإذا
стр. 919
جازت، جازت أحيانًا على كل أحد من المؤمنين، فأما أنه يتخذ شعارًا لذكر بعض الناس، أو يقصد الصلاة على بعض الصحابة، دون بعض، فهذا لا يجوز، وهو معنى قول ابن عباس.
قال (١): والسلام على غيره باسمه جائز من غير تردد.
(وتسن الصلاة على النَّبيِّ ﷺ في غير الصلاة) فإنها ركن في التشهد الأخير، وكذا في خطبة الجمعة (بتأكد) لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ (٢) الآية. والأحاديث بها شهيرة.
(وتتأكد) الصلاة عليه (كثيرًا عند ذكره) ﷺ ، بل قيل: بوجوبها إذن. وتقدم توضيحه في شرح الخطبة.
(وفي يوم الجمعة، وليلتها) للخبر (٣).
стр. 920
وأما الصلاة على الأنبياء، فقال ابن القيم في "جلاء الأفهام" (١): هي مشروعة، وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد، منهم: النووي وغيره، والمسألة ذكرها النووي في أذكاره (٢)، وذكر أن الملائكة مع الأنبياء في جواز الصلاة عليهم استقلالًا، وذكر أن الصلاة على الأنبياء مستحبة. قاله ابن قندس في "حاشية الفروع".
"تنبيه" إن قيل: إن المشبه دون المشبه به، فكيف تطلب صلاة النَّبيِّ ﷺ ، وتشبه بالصلاة على إبراهيم وآله؟
أجيب: بأنه يحتمل أن مراده أصل الصَّلاة بأصلها، لا القدر بالقدر كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ الآية (٣)، ويحتمل أن التشبيه وقع في الصلاة على الآل، لا على النَّبيِّ ﷺ ، فيكون "وعلى آله" متصلًا بما بعده، ومقدرًا له ما يتعلق به، والأول مقطوع عن التشبيه. قال في "المبدع" (٤): وفيهما
стр. 921
نظر، ويحتمل - وهو أحسنها - أن المشبه الصلاة على النَّبيِّ وآله، بالصلاة على إبراهيم وآله، فتقابلت الجملتان، ويقدر أن يكون لآل الرسول ما لآل إبراهيم الذين هم الأنبياء، فكأن ما توفر من ذلك حاصل للرسول ﷺ والذي تحصل من ذلك هو آثار الرحمة والرضوان، ومن كانت في حقه البركات أفضل (١).
(ويسن أن يتعوز فيقول: أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح (٢) الدجال، اللهم إني أعوذ بك من المأثم، والمغرم) لما ورد أنه ﷺ "كان يتعوذ من ذلك" (٣). والمحيا والممات: الحياة والموت، والمسيح - بالحاء المهملة على المعروف -.
(وإن دعا بما ورد في الكتاب والسنة، أو عن الصحابة والسلف، أو بغيره مما يتضمن طاعة، ويعود إلى أمر آخرته - نصا - ولو لم يشبه ما ورد، كالدعاء بالرزق الحلال، والرحمة، والعصمة من الفواحش، ونحوه، فلا
стр. 922
بأس) لقوله ﷺ : "ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه، فيدعو" (١).
وعن أبي بكر أنه قال: يا رسول الله، علمني دعاء أدعو به في صلاتي، فقال: قل: اللهم إني ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفرُ الذنوب إلا أنت، فأغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم" متفق عليه (٢).
وعن علي أن النَّبيَّ ﷺ "كان من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم: اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررتُ وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدِّم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت" رواه الترمذي (٣) وصححه.
وعن معاذ أن النَّبيَّ ﷺ قال: "أوصيك بكلمات تقولهن في كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك" رواه أحمد (٤).
стр. 923
وقال عبد الله (١): سمعت أبي يقول في سجوده: اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك، فصن وجهي عن المسألة لغيرك. قال: وكان عبد الرحمن (٢) يقوله. وقال: سمعت الثوري يقوله.
(ما لم يشق على مأموم) لحديث: "من أمَّ بالناس فليخفف" (٣).
(أو يخف سهوًا) وإن كان منفردًا.
(وكذا) حكم الدعاء (في ركوع، وسجود، ونحوهما) كالاعتدال، والجلوس بين السجدتين، وفي "المغني" وغيره: يستحب الدعاء في السجود للأخبار.
(ولا يجوز الدعاء بغير ما ورد، وليس من أمر (٤) الآخرة، كحوائج دنياه وملاذِّها، كقوله: اللهم ارزقني جارية حسناء، وحلة خضراء، ودابة هملاجة (٥)، ونحوه) كدار واسعة. (وتبطل) الصلاة بالدعاء (به) لأنه من كلام الآدميين (٦).
стр. 924
(ولا بأس بالدعاء) في الصلاة (لشخص معين) روي عن علي (١) وأبي الدرداء (٢)؛ لقول النَّبيِّ ﷺ في قنوته: "اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة" (٣)؛ ولأنه دعاء لبعض المؤمنين أشبه ما لو قال: رب اغفر لي ولوالديَّ. قال الميموني (٤): سمعت أبا عبد الله يقول لابن الشافعي: أنا أدعو لقوم منذ سنين في صلاتي، أبوك أحدهم (ما لم يأت بكاف الخطاب، فإن أتى به) أي بكاف الخطاب (بطلت) صلاته؛ لخبر تشميت العاطس (٥).
وقوله ﷺ لإبليس: "ألعنك بلعنة الله" (٦) قبل التحريم، أو مؤول، أو من خصائصه (وظاهره لغير النَّبيِّ ﷺ كما في التشهد، وهو السلام عليك أيها
стр. 925
النَّبيِّ) فلا تبطل به، فيكون من خصائصه ﷺ .
(ولا تبطل بقوله) أي المصلي: (لعنه الله، عند ذكر إبليس، ولا بتعويذ نفسه بقرآن لحمَّى، ولا بحوقلة في أمر الدنيا، ونحوه) كمن لدغته عقرب فقال: باسم الله، ووافق أكثرهم على قول "باسم الله" لوجع مريض عند قيام وانحطاط (ويأتي) موضحًا.
стр. 926
فصل
(ثم يسلم وهو جالس) بلا نزاع، قاله في "المبدع"، وأنه تحليلها، وهو منها؛ لقوله ﷺ : "وتحليلها التسليم" (١)، وليس لها تحليل سواه (مرتبًا معرفًا وجوبًا) لأن الأحاديث قد صحت أنه ﷺ كان يقوله كذلك، ولم ينقل عنه خلافه، وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٢).
(مبتدئًا ندبًا عن يمينه، قائلًا: السلام عليكم ورحمة الله) روي ذلك عن أبي بكر، وعمر، وعلي، وعمار، وابن مسعود (٣)؛ لقول ابن مسعود: "إن
стр. 927
النَّبيَّ ﷺ كان يسلم عن يمينه وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، حتى يرى بياض خديه" رواه أبو داود، والنسائي، والترمذي (١) وقال: حسن صحيح، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، من الصحابة والتابعين ومن بعدهم (فقط) لما تقدم.
стр. 928
(فإن زاد: "وبركاته" جاز) لفعل النَّبيِّ ﷺ . رواه أبو داود من حديث وائل (١) (والأولى تركه) كما في أكثر الأحاديث.
(فإن لم يقل "ورحمة الله" في غير صلاة الجنازة لم يجزئه) لأنه ﷺ كان يقوله، وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٢) وهو سلام في صلاة ورد مقرونًا بالرحمة، فلم يجزئه بدونها، كالسلام في التشهد.
(و) يسلم (عن يساره كذلك) لما تقدم، وأصح الروايات عن النَّبيِّ ﷺ أنهما تسليمتان. فعن سعد قال: "كنت أرى النَّبيَّ ﷺ يسلم عن يمينه ويساره، حتى يرى بياض خده" رواه مسلم (٣).
(والالتفات سنة) قال أحمد (٤): ثبت عندنا من غير وجه "أنه كان ﷺ يسلم عن يمينه ويساره، حتى يرى بياض خده" (٥).
(ويكون) التفاته (عن يساره أكثر) لفعله ﷺ . رواه يحيى بن محمد بن صاعد عن عمار قال: "كان يسلم عن يمينه حتى يرى بياض خده الأيمن، وإذا سلم عن يساره يرى بياض خده الأيمن والأيسر" (٦) فيلتفت (بحيث يرى خداه.
стр. 929
يجهر إمام بـ) ــالتسليمة (الأولى فقط) لأن الجهر في غير القراءة إنما كان للإعلام بالانتقال من ركن إلى ركن (١)، وقد حصل بالجهر بالأولى (ويسرهما) أي التسليمتين (غيره) وهو المنفرد والمأموم إلا لحاجة. وتقدم.
(ويستحب جزمه، و) هو (عدم إعرابه، فيقف على كل تسليمة) لأن المراد بالجزم هنا معناه اللغوي، أي قطع إعراب آخر الجلالة بحذف الجر منها، وبحذف الرفع منها (٢)، وبحذف الرفع في راء "أكبر" في التكبير.
(وحذفه) أي: السلام (سنة) لقول أبي هريرة: "حذف السلام سنة" (٣)
стр. 930
وروي مرفوعًا عنه (١)، وصححه الترمذي.
(وهو) أي: حذف السلام (عدم تطويله، و) عدم (مده في الصلاة، وعلى الناس) قال أبو عبد الله (٢): هو أن لا يطول به صوته. وقال ابن المبارك (٣): معناه أن لا يمد مدًا.
(فإن نكر السلام) كقوله: سلام عليكم، أو عرفه بغير اللام، كسلامي، أو سلام الله عليكم.
(أو نكسه فقال: عليكم السلام، أو قال: السلام عليك، بإسقاط الميم، أو نكسه في التشهد، فقال: عليك السلام أيها النَّبيِّ، أو علينا السلام وعلى عباد الله، لم يجزئه) لمخالفته لقوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٤). ومن تعمد قولًا من هذه الصور التي قلنا إنها لا تجزئ، بطلت صلاته؛ لأنه يغير السلام الوارد، ويخل بحرف يقتضي الاستغراق، قاله في "شرح المنتهى".
(و ينوي بسلامه الخروج من الصلاة استحبابًا) لتكون النية شاملة لطرفي الصلاة، فإن لم ينوه جاز؛ لأن نية الصلاة قد شملت جميعها، والسلام من جملتها كتكبيرة الإحرام.
(فإن نوى معه) أي: مع الخروج من الصلاة: السلام (على) الملائكة (الحفظة، والإمام، والمأموم، جاز) نص عليه، لما روى سمرة بن جندب، قال: "أمرنا النَّبيُّ ﷺ أن نردَّ على الإمام (٥)، وأن يسلم بعضُنا على بعض" رواه
стр. 931
أبو داود (١)، وإسناده ثقات (ولم يستحب) ذلك (نصًا، وكذا لو نوى ذلك) أي: السلام على الحفظة، والإمام، والمأموم، (دون الخروج) من الصلاة، فلا تبطل به، خلافًا لابن حامد.
(وإن كانت صلاته أكثر من ركعتين) كمغرب، ورباعية (نهض مكبرًا كنهوضه من السجود) قائمًا على صدور قدميه (إذا فرغ من التشهد الأول.
ولا يرفع يديه) حكاه بعضهم وفاقًا، قال في "الإنصاف": وهو المذهب، وعليه جماهير الأصحاب، وقطع به كثير منهم. وعنه: يرفعهما، اختارها المجد، والشيخ تقي الدين (٢)، وصاحب "الفائق"، وابن عبدوس، اهـ. قال في "المبدع": وهي أظهر، وقد صححه أحمد (٣) وغيره عن النَّبيِّ
стр. 932
- ﷺ (١). قال الخطابي (٢): وهو قول جماعة من أهل الحديث.
(وأتى بما بقي من صلاته كما سبق) لقوله ﷺ للمسيء في صلاته: "ثم افعل ذلك في صلاتك كلها" (٣) (إلا أنه لا يجهر) قال في "المبدع": بغير خلاف نعلمه (ولا يقرأ شيئًا بعد الفاتحة) قال ابن سيرين (٤): لا أعلمهم يختلفون فيه؛ لحديث أبي قتادة: "أنه ﷺ كان يقرأ في الركعتين الأخيرتين بأم الكتاب" (٥).
وكتب عمر إلى شريح يأمره بذلك (٦). ويستثنى الإمام في صلاة الخوف،
стр. 933
إذا قلنا: ينتظر الطائفة الثانية في الركعة الثالثة، فيقرأ سورة معها.
(فإن قرأ) شيئًا بعد الفاتحة في ذلك (أبيح، ولم يكره) لفعله ﷺ . رواه مسلم، من حديث أبي سعيد (١).
(ثم يجلس في التشهد الثاني من ثلاثية فأكثر متوركًا) لحديث أبي حميد (٢)، فإنه وصف جلوسه في التشهد الأول مفترشًا، وفي الثاني متوركًا. وهذا بيان الفرق بينهما، وزيادة يجب الأخذ بها، والمصير إليها، وحينئذ لا يسن التورك إلا في صلاة فيها تشهدان أصليان في الأخير منهما. وصفته كما رواه الأثرم عنه (يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى، ويخرجهما عن يمينه ويجعل أليتيه على الأرض) لقول أبي حميد: "فإذا كان في الرابعة أفضى بوركه اليسرى إلى الأرض، وأخرج قدميه من ناحية واحدة" رواه أبو داود (٣). وفي لفظ: "جلس على أليتيه ونصب قدمه اليمنى" (٤). وذكر الخرقي، والقاضي، والسامري، أنه يجعل باطن قدمه اليسرى تحت فخذه اليمنى. وقدمه ابن تميم، وصححه المجد في "شرحه"؛ لأنه ﷺ "كان يفعله" رواه
стр. 934
مسلم (١) من حديث ابن الزبير، قال في "الشرح": وأيهما فعل فحسن.
(ويأتي بالتشهد الأول؛ ثم بالصلاة على النَّبيِّ ﷺ مرتبًا وجوبًا) فلا يجزئ إن قدم الصلاة عليه على التشهد الأول؛ لإخلاله بالترتيب (ثم) يأتي (بالدعاء) أي التعوذ مما تقدم لما سبق (ثم يسلم كما سبق) لما مر.
(وإن سجد لسهو بعد السلام) ولو كان محله قبله فأخره (في ثلاثية فأكثر، تورك في تشهد سجوده) لأن تشهدها يتورك فيه، وهذا تابع له، قاله في "الشرح".
(و) إن سجد لسهو بعد السلام (في) صلاة (ثنائية) كصبح، وجمعة (و) في ركعة (وتر يفترش) لأنه تابع لجلوس التشهد، كما تقدم.
(والمرأة كالرجل في ذلك) المتقدم في صفة الصلاة لشمول الخطاب لها في قوله ﷺ : "صلوا كما رأيتوني أصلي" (٢) (إلا أنها تجمع نفسها في الركوع، والسجود، وجميع أحوال الصلاة) لما روى زيد (٣) بن أبي حبيب: أن النَّبيَّ ﷺ مر على امرأتين تصليان فقال: "إذا سجدتما فضما بعض اللحم إلى بعض، فإن المرأة ليست في ذلك كالرجل" رواه أبو داود في مراسيله" (٤). ولأنها عورة؛ فكان الأليق بها الانضمام.
стр. 935
(وتجلس متربعة) لأن ابن عمر، كان يأمر النساء أن يتربعن في الصلاة (١) (أو تسدل رجليها عن يمينها، وهو أفضل) من التربع، لأنه غالب فعل عائشة، وأشبه بجلسة الرجل (كرفع يديها) أي أنه أفضل لها في مواضعه؛ لأنه من تمام الصلاة لما تقدم.
(وخنثى كامرأة) لاحتمال أن يكون امرأة، وتقدم أنها تسر إن سمعها أجنبي.
(وينحرف الإمام إلى المأموم جهة قصده يمينًا أو شمالًا، وإلا) بأن لم يكن قاصدًا جهة (فـ) إنه ينحرف (عن يمينه) إكرامًا لليمين (فتلي يساره في انحرافه) إلى المأمومين (القبلة (٢).
ويستحب للإمام أن لا يطيل الجلوس بعد السلام مستقبل القبلة) لقول عائشة: "إن النَّبيَّ ﷺ كان إذا سلم لم يقعدْ إلا مقدار ما يقول: اللهم أنتَ السلامُ ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلالِ والإكرامِ" رواه مسلم (٣).
(و) يستحب (أن لا ينصرف المأموم قبله) أي قبل الإمام لقوله ﷺ : "إني إمامكم فلا تسبقُوني بالركوع، ولا بالسجودِ، ولا بالقيامِ، ولا بالانصراف" رواه مسلم (٤).
(إلا أن يطيل) الإمام (الجلوس) فينصرف المأموم لإعراضه عن السنة.
(فإن كان رجال ونساء) مأمومين به (استحب لهن) أي للنساء (أن يقمن
стр. 936
عقب سلامه) وينصرفن؛ لأنهنَّ عورة، فلا يختلطن بالرجال.
(و) استحب (أن يثبت الرجال قليلًا، بحيث لا يدركون من انصرف منهن) لحديث أم سلمة قالت: "كان النَّبيُّ ﷺ إذا سلَّم قام النساءُ حين يقضِي تسليمه، وهو يمكث في مكانه يسيرًا قبل أن يقوم. قالت: نُرى - والله أعلم - أن ذلك كان لكي ينصرف النساءُ قبل أن يدركهُنَّ الرجالُ" رواه أحمد، والبخاري (١) (ويأتي) ذلك (آخر صلاة الجماعة) بأوضح من هذا.
стр. 937
فصل
(يسن ذكر الله والدعاء والاستغفار عقب الصلاة) المكتوبة (كما ورد) في الأخبار على ما ستقف عليه مفصلًا، قال ابن نصر الله في "الشرح": والظاهر أن مرادهم به أن يقول ذلك وهو قاعد، ولو قاله بعد قيامه، وفي ذهابه، فالظاهر أنه مصيب للسنة أيضًا، إذ لا تحجير في ذلك، ولو شغل عن ذلك، ثم تذكره فذكره، فالظاهر حصول أجره الخاص له أيضًا إذا كان قريبًا للعذر، أما لو تركه عمدًا، ثم استدركه بعد زمن طويل، فالظاهر فوات أجره الخاص، وبقاء أجر الذكر المطلق له.
(فيقول: أستغفر الله ثلاثًا، اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام) لما روى ثوبان أن النَّبيَّ ﷺ : "كان إذا سلم استغفر ثلاثًا، ويقول: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام" رواه مسلم (١).
ومما ورد من الذكر: ما روي عن عبد الله بن الزبير أنه كان يقول دبر كل صلاة حين يسلم: (لا إله الا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون) قال ابن الزبير: "وكان النَّبيُّ ﷺ يهلل بهن دبر كل صلاة" رواه مسلم (٢).
وعن المغيرة بن شعبة "أنه كتب إلى معاوية: سمعت النَّبيَّ ﷺ يقول: في
стр. 938
دبر كل صلاة مكتوبة: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد") متفق عليه (١).
(ويسبح، ويحمد، ويكبر، كل واحدة) من التسبيح، والتحميد، والتكبير، (ثلاثًا وثلاثين) لما في الصحيحين من رواية أبي صالح السمان، عن أبي هريرة، مرفوعًا: "تسبحون، وتحمدون، وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين" (٢).
(والأفضل أن يفرغ منهن) أي من عدد الكل (معًا) لقول أبي صالح - راوي الحديث - "تقول: الله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، حتى تبلغ من جميعهن ثلاثًا وثلاثين" (وتمام المائة، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
ويعقده) أي يعقد العدد المتقدم بيده (و) يعقد (الاستغفار بيده، أي يضبط عدده بأصابعه، كما يأتي) لحديث بصرة (٣) مرفوعًا "واعقدن بالأنامل، فإنهن مسئولات مستنطقات" رواه أحمد وغيره (٤).
стр. 939
(قال الشيخ: و يستحب الجهر بالتسبيح، والتحميد، والتكبير، عقب الصلاة. انتهى) لقول ابن عباس: "كنتُ أعلم إذا انصرفوا بذلك، إذا سمعته" (١) وفي رواية: "كنت أعرف انقضاء صلاة النَّبيِّ ﷺ بالتكبير" متفق عليه (٢).
قال في "المبدع": ويستحب الجهر بذلك، وحكى ابن بطال (٣) عن أهل المذاهب المتبوعة خلافه. وكلام أصحابنا مختلف، قاله في الفروع. قال: ويتوجه: يجهر لقصد التعليم فقط ثم يتركه. والمقصود من العدد: أن لا ينقص منه، وأما الزيادة فلا تضر شيئًا، لاسيما من غير قصد؛ لأن الذكر مشروع في الجملة، فهو يشبه المقدر في الزكاة، إذا زاد عليه.
(و) يقول (بعد كل من) صلاتي (الصبح، والمغرب، وهو ثان رجليه، قبل أن يتكلم، عشر مرات: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير) لخبر أحمد، عن شهر
стр. 940
ابن حوشب، عن عبد الرحمن بن غَنم مرفوعًا (١).
ولهذا مناسبة، ويكون الشارع شرعه أول النهار والليل، ليحترس به من الشيطان فيهما.
والخبر رواه الترمذي (٢) أيضًا، وقال: حسن صحيح، والنسائي (٣)، ولم يذكر المغرب، فلهذا اقتصر في "المذهب" وغيره على الفجر فقط، قال في "الفروع": وشهر متكلم فيه جدًا (٤). اهـ.
ويقول أيضًا، وهو على الصفة المذكورة: (اللهم أجرني من النار، سبع
стр. 941
مرات) لما روي عن عبد الرحمن بن حسان، عن مسلم بن الحارث التميمي، عن أبيه - وقيل الحارث بن مسلم عن أبيه - أن النَّبي ﷺ أسر إليه، فقال: "إذا انصرفت من صلاة المغرب، فقل: اللهم أجرْني من النار سبع مرات" وفي رواية: "قبل أن تكلم أحدًا، فإنك إذا قلت ذلك، ثم مت في ليلتك، كتب لك جوار منها، وإذا صليت الصبح فقل مثل ذلك، فإنك إن مت من يومك كتب لك جوار منها، قال الحارث: أسر بها النَّبيُّ ﷺ (١) ونحن نخص بها إخواننا" رواه أبو داود (٢)، وعبد الرحمن تفرد عن هذا الرجل، فلهذا قال الدارقطني (٣): لا يعرف. وكذلك رواه أحمد (٤). وفي لفظ (٥): "قبل أن تكلم أحدًا من الناس".
(و) يقرأ (بعد كل صلاة آية الكرسي، والإخلاص) لخبر أبي أمامة:
стр. 942
"من قرأ آية الكرسي، وقل هو الله أحد، دبر كل صلاة مكتوبة، لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت" إسناده جيد، وقد تكلم فيه. ورواه الطبراني وابن حبان في صحيحه، وكذا صححه صاحب المختارة من أصحابنا (١).
(و) يقرأ (المعوذتين) لما روي عن عقبة بن عامر قال: "أمرني النَّبيُّ ﷺ أن أقرأ المعوذات دبر كل صلاة" له طرق، وهو حديث حسن، أو صحيح،
стр. 943
رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي (١)، وقال: غريب. قال بعض أصحابنا: وفي هذا سر عظيم في دفع الشر من الصلاة إلى الصلاة، قاله في "الفروع".
(ويدعو) الإمام (بعد فجر وعصر، لحضور الملائكة) (٢) أي: ملائكة الليل والنهار (فيهما فيؤمنون) على الدعاء، فيكون أقرب للإجابة (وكذا) يدعو بعد (غيرهما من الصلوات) لأن من أوقات الإجابة: أدبار المكتوبات.
(ويبدأ) الدعاء (بالحمد لله والثناء عليه) لقوله ﷺ : "إذا صلى (٣) أحدكم فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه، ثم يصلي على النَّبيِّ، ثم يدعو بما شاء" رواه أبو داود، والنسائي، والترمذي، وصححه (٤).
стр. 944
(ويختم) دعاءه (به) أي بالحمد، لقوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١).
(ويصلي على النَّبيِّ ﷺ أوله وآخره) قال الآجري: ووسطه، لخبر جابر قال: قال ﷺ : "لا تجعلوني كقدح الراكبِ، فإن الراكب يملأ قدحه، ثم يضيعه (٢)، ويرفعُ متاعه، فإن احتاج إلى شراب شربه، أو الوضوء توضأ، وإلا أهراقه، ولكن اجعلوني في أول الدعاء، وأوسطه، وآخره" (٣).
(ويستقبل) الداعي (غير إمام هنا القبلة) لأن خير المجالس ما استقبل به القبلة (٤)، (ويكره للإمام) استقبال القبلة (بل يستقبل) الإمام (المأمومين) لما تقدم: أنه ينحرف إليهم إذا سلم.
стр. 945
(ويلح) الداعي في الدعاء، لحديث: "إن الله يحبُّ الملحين في الدعاءِ" (١).
(ويكرره) أي الدعاء (ثلاثًا) لأنه نوع من الإلحاح.
(و) الدعاء (سرًّا أفضل) منه جهرًا، لقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ (٢) ولأنه أقرب إلى الإخلاص.
(ويعم به) أي بالدعاء، لقوله ﷺ : "يا علي عمم" الحديث (٣).
(ومن آداب الدعاء، بسط يديه ورفعهما إلى صدره) لحديث مالك بن يسار مرفوعًا: "إذا سألتم الله فاسألوه ببطونِ أكفكم، ولا تسألوه بظهورها" رواه
стр. 946
أبو داود (١) بإسناد حسن.
وتكون يداه مضمومتين، لما روى الطبراني في "الكبير" (٢) عن ابن عباس:
стр. 947
"كان النَّبيُّ ﷺ إذا دعا ضم كفيه، وجعل بطونهما مما يلي وجهه" وضعفه في المواهب (١).
ويكون متطهرًا، ويقدم بين يدي حاجته التوبة والاستغفار (ويدعو بدعاء معهود) أي مأثور، إما من القرآن، أو السنة، أو عن الصحابة، أو التابعين، أو الأئمة المشهورين، ويكون جامعًا (بتأدب) في هيئته، وألفاظه، فيكون جلوسه إن كان جالسًا كجلوس أقل (٢) العبيد بين يدي أعظم الموالي (وخشوع، وخضوع، وعزم، ورغبة، وحضور قلب، ورجاء) لحديث: "لا يستجاب من قلب غافل" رواه أحمد وغيره (٣).
ويتملق ويتوسل إليه بأسمائه وصفاته وتوحيده.
ويقدم بين يدي دعائه صدقة.
стр. 948
ويتحرى أوقات الإجابة، وهي: الثلث الأخير من الليل، وعند الأذان، وبين الأذان والإقامة، وأدبار الصلوات المكتوبة، وعند صعود الإمام يوم الجمعة على المنبر حتى تنقضي الصلاة، وآخر ساعة بعد العصر من يوم الجمعة.
(وينتظر الإجابة) لحديث: "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة" (١).
(ولا يعجل، فيقول: دعوت فلم يستجب لي) لما في "الصحيح" مرفوعًا: "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، قالوا: وكيف يعجل يا رسول الله؟ قال: يقول: قد دعوت وقد دعوت، فلم أر يستجبْ لي. فيستحسر عندَ ذلك ويدع الدعاء" (٢).
وينتظر الفرج، فهو عبادة أيضًا، قال ابن عيينة (٣): "لم يأمر بالمسألة إلا ليعطي". وروى الترمذي وصححه من حديث عبادة: "ما على الأرض مسلمٌ يدعو الله بدعوةٍ إلا آتاه الله اياها، أو صرف عنه من السوء مثلها، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم. فقال رجل من القوم: إذن نكثر. قال: الله أكثر" (٤).
ولأحمد من حديث أبي سعيد مثله، وفيه: "إما أن يعجلها، أو يدخرها له
стр. 949
في الآخرة، أو يصرف عنه من السوء مثلها" (١).
ويبدأ في دعائه بنفسه.
(ولا يكره رفع بصره إلى السماء فيه) أي: الدعاء، خلافًا للغنية، لحديث المقداد: "أن النَّبيَّ ﷺ رفع رأسه إلى السماء، فقال: اللهم أطعم من أطعمني، واسق من سقاني" (٢).
(و لا بأس أن يخص نفسه بالدعاء نصًا) لما في حديث أبي بكرة (٣)،
стр. 950
وحديث أم سلمة (١)، وحديث سعد بن أبي وقاص (٢)، إذ أولها: "اللهم إني أعوذ بك وأسألك" وذلك يخص نفسه الكريمة ﷺ . قال الشيخ تقي الدين (٣): (والمراد) به أي بالدعاء الذي لا يكره أن يخص به نفسه: الدعاء (الذي لا يؤمن عليه كالمنفرد، وكـ) ــالدعاء (بعد التشهد) أو في السجود ونحوه (فأما ما يؤمن عليه، كالمأمومين مع الإمام، فيعم) بالدعاء (وإلا) بأن كان يؤمن عليه ولم يعمهم، فقد (خانهم، وكدعاء القنوت) فإنه إذا لم يعم به كان خائنًا لهم لخبر ثوبان فإن فيه: "لا يؤم رجلٌ قومًا فيخص نفسه بالدعاء دونهم، فإن فعل فقد خانهم" (٤).