← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6238

الاستخراج لأحكام الخراج

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (149 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

القوت وأن ما زاد عليه يتصدق به وله مثل ذلك نصوص كثيرة قال المروزي عن كتاب الورع قال أبو عبد الله: هذه الغلة ما يكون قوتنا وإنما ذهب فيه إلى أن لنا فيه شيئا قال: ودار بيني وبينه كلام وأخبرته عن رجل قال لو أن أبا عبد الله ترك الغلة وكان يبضع له صديق كان أعجب إلي فقال أبو عبد الله: هذه طعمة سوء أو قال: ردية من تعود هذا لم يصبر عنه ثم قال: هذا اعجب إلي يعني الغلة ثم قال لي أنت تعلم إلى أن هذه الغلة لا تقيمنا وإنما آخذها على الاضطرار وذهب إلى أن يأخذ الرجل من السواد القوت ويتصدق بالفضل قلت له: وترى أن يتخذ الرجل الضيعة في السواد؟ قال: حسبك يكون الرجل يتخذ القوت قال: وقال لي أبو عبد الله بشر بن الحارث كان يأكل من غلة بغداد؟ قلت: لا هو كان ينكر على من يأكل قال: إنما قوي بشر لأنه كان وحده لم يكن له عيال ليس من كان معيلا كمن كان وحده لو كان إلى ما بالبيت ما أكلت قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: لو وجدت السبيل لخرجت من ها هنا. قال: وسئل أحمد عن مسألة من الورع فقال أنا لا ينبغي لي أن اتكلم فيها أنا آكل من غلة بغداد لو كان بشر كان ينبغي أن يتكلم. وقال أحمد في رواية أبي طالب: لا يتمول الرجل من السواد فان عمر ﵁ أوقفه على المسلمين وإنما يجوز له قوته وقوت عياله وقال في رواية حنبل أقمت ما ورثت من السواد مقام المضطر الذي ليست له حيلة أن يأكل ما لا بد له منه من الميتة فعلى هذا المعني أنزل السواد والمقام فيه وأحمد ﵀ كان قد ورث من أبيه دورا وحوانيت ببغداد فكان ينزل الدور ويكري الحوانيت ويقتات منها وعنده أن بغداد من جملة أرض السواد نص على ذلك في رواية صالح وغيره لأنها كانت من أرض الخراج في زمن عمر ﵁.

стр. 107

قال القاضي في الأحكام السلطانية: الأصل في بغداد أنها وقف وقد تداولتها أيدي السلاطين وغيرهم بالبيع والاقطاع ورفع أيدي القوم الذين أقرهم فيها بالخراج الذي هو أجره فتحصل في حكم المغصوبة ومن أصله أن الزرع في الأرض المغصوبة لصاحب الأرض ولهذا اختار التقلل منها لأنها حال ضرورة والضرورة قد تؤثر في الاباحة "انتهى". فالقاضي ظن أن غلة بغداد التي كرهها أحمد زرعها وليس كذلك ولم يكن لأحمد بها زرع ولا بالسواد وإنما كان له ببغداد حوانيت يؤجرها فما وجه القاضي به كلام أحمد ها هنا غير متوجه وقال في كتاب المجرد قال أحمد: التجارة أحب الي من غلة بغداد وإنما أخذها على الاضطرار فقيل له: لم كرهتها وقد وقفها عمر ﵁ فقال من أجل ما غير هؤلاء قال القاضي: فقد بين علة الكراهة وهو ان حكم هذه الأرض أنها وقف على جماعة المسلمين لا يجوز لأحد أن ينفرد منها بزيادة على الحاجة وقد حدث من لم يعتبر هذا بل يملكها واستكثر منها فما يكون من غلتها يكون في أرض بغير حق ولهذا كرهه انتهى وهو عائد الى ما قبله من أن الغلة هي الزرع المزروع في الأرض وقد بينا أنه ليس ذلك مراد احمد وقال في كتاب الخلاف كلام أحمد هذا يدل على أن الفيء يصرف في الحاجات قال في رواية المروزي: من كان في العطا إنما أخذوا على الفقر وأعجبه حديث طلحة قال مالك: قلت لطلحة: يا أبا عبد الله لو وجدت غنا عن العطاء لتركته قال: طلحة هكذا نقول قال وقال في رواية بكر بن محمد الفيء لكل مسلم فيه حق إن رآه الامام وإعطاء الناس وأن يبلغ ذلك ولم يعط الامام وكان عدلا وهو على ما يرى فيه ويجتهد وهذا المحمل أشبه بكلام أحمد مما قبله وإن الفيء عنده يتقدم فيه ذوو الحاجات بقدر حاجاتهم وأنه على حسب اجتهاد

стр. 108

الامام العادل ولكن الامام العادل يتعذر وجوده في أغلب الأوقات فيأخذ كل مستحق منه بقدر حاجته عند الضرورة وليس له الزيادة على الحاجة ولهذا قال لا يتمول الرجل من السواد فإن عمر ﵁ أوقفه على المسلمين وإنما يجوز له قوته وقوت عياله وهذا يدل على أن الأموال المشتركة إما بين عموم المسلمين أو بين قوم موصوفين بصفة كالوقف على الفقهاء ونحوهم لا يتمول منه وإنما يأخذ الانسان منه قدر قوته وقوت عياله لا سيما ان لم يوجد أمام عادل يقسمه بالعدل وذلك هو الغالب ولا يقال إن منه ما يوجد أجرة عن عمل كالتدريس ونحوه لا أولا لا نسلم أن ذلك أجرة محضة بل هو رزق وإعانة على العلم بهذه الأموال وأيضا فلو سلم أنه أجرة فالواقفون إنما أرادوا به إعانة جنس طلبة العلم مثلا لتكثيره ونشره فلا يجوز لواحد الاستبداد بالجميع فان هذا ينعكس به المقصود وأيضا فلو كان قوم من العمال يطلبون العمل في موضع فجاء من يستعملهم فطلب واحد منهم أن يتقبل جميع الأعمال في ذمته ويقيم من يعملها ويمنع بقية رفقائه من العمل فان هذا لا يخفي قبحه وتحريمه وهو أشد تحريما من احتكار الأقوات المحتاج اليها ومن تلقي الأجلاب وبيع الحاضر للبادي ونحو ذلك مما نهي عنه للتضيق على الناس. ولكن المشهور عن أحمد أن الفيء مشترك بين الغني والفقير نقله عنه جماعة من أصحابنا فعلى هذا ينبغي أن يجوز الأخذ منه للغني والفقير لا سيما إن أعطاه الامام لكن مع تخصيص الامام لم توجد القسمة المعتبرة ولهذا اختلف في ذلك الحسن وابن سيرين فتورع ابن سيرين من الأخذ لكونهم لم يعملوا بالقسمة وأخذ الحسن لأن الامام له ولاية التخصيص وان كان غير عدل ثم إن ههنا حالتين إحداهما أن يحصل للانسان من مال بيت المال بقسمة من هو غير عادل فهنا توقف أحمد وغيره من أهل التدقيق في الورع كابن سيرين كما توقفوا في أخذ العطاء من المملوك.

стр. 109

وعلل أحمد بأن الثغور معطلة غير مشحونة والفيء غير مقسوم بين أهله وهذا لأن الفيء يجب فيه البداءة بمهمات المسلمين العامة ثم الباقي يقسم بين عموم المسلمين على رواية عنه وعلى أخرى يقدم ذوو الحاجات بقدرها ويقسم بالسوية من غير تفاضل على إحدى الروايتين فإذا خص بعضهم قبل سد مهمات المسلمين لم يعلم أنه يستحق بقدر ما أخذه وأيضا فهو كتخصيص المدين لبعض غرمائه بالعطاء دون بعض وهو غير جائز ولهذا يثبت للآخر حق الرجوع عليه وقد يجاب عن هذا بأن الفيء إذا علم أن فيه فضلا عن المهمات وقلنا يجوز قسمته على التفاضل فلا مانع حينئذ من الأخذ. والحالة الثانية أن يحصل في يد الانسان شيء بغير قسمة فسنذكره في باب مفرد إن شاء الله تعالى فمن ها هنا كان أحمد يتورع عن أجرة دور بغداد فتارة كان يخرج منها الخراج وتارة كان لا يخرج ويقدم حاجته ويتصدق بالفضل وأما أرض السواد فان كان الملوك يعطونها بغير خراج فهي كدور بغداد إلا أن يضعوا عنه الخراج فان فيه خلافا بين أحمد وإسحاق وسنذكره في موضع آخر إن شاء الله تعالى. وأما إن كانوا يعطونها بالخراج فهذه مأخوذة معاوضة والأئمة لهم ولاية ذلك فلا ينبغي التوقف في جوازه وإنما وقعت الكراهة في كلام أحمد على الحالة الأولى لأن الغالب كان في زمانه استيلاء الملوك على السواد واستقطاعه واستصفاؤه لأنفسهم وأعوانهم ولهذا كان أهل الورع الدقيق من العلماء كابن سيرين والثوري وأحمد يتشددون في قطائع الأمراء وصوافهم لأنفسهم وأعوانهم ولا يرون السكنى فيها ولا الأكل من زعرها لأنها في أيديهم كالغصب لأنها من مال الفيء وهم مستولون عليها بغير حق ولا يعطون المسلمين بخراج ولا غيره.

стр. 110

وفي زاد المسافر قال أبو عبد الله في رواية حنبل: مكة إنما كره إجارة بيوتها لأنها عنوة دخلها النبي ﷺ بالسيف فكلما كان عنوة كان المسلمون فيه شرعا واحدا وعمر ﵁ إنما ترك السواد لذلك وقال عمر ﵁: لا يمنعوا نازلا بليل أو نهار لأهل مكة لأنه لم يجعل لهم ملكا دون الناس فالحاج فيه سواء العاكف فيه والباد المقيم فيه والقادم والسواد وكل عنوة كذلك انتهى وتمام هذه الرواية ذكرها غير أبي بكر وهو قال: ولا يعجبني بيع منازل السواد ولا أرضهم قيل لأبي عبد الله فأراد السلطان أن يفعل ذلك؟ قال: كل إمام يقوم بذلك وكان له ذلك إلى السلطان الامام يصرف كيف شاء إلا الصلح لهم ما صولحوا عليه وهذا غريب جداأن السواد وكل عنوة لا يؤجر كبيوت مكة ويكون الناس فيه شرعا واحدا والمعروف من مذهب أحمد أن مكة لا تباع دورها ولا تؤجر فمن الأصحاب من بني ذلك على القول بأنها فتحت عنوة كما دل عليه كلام أحمد. هذا وقال: إن قلنا فتحت صلحا فهي ملك لأهلها فتباع وتؤجر ومنهم من قال بل تباع وتؤجر على القولين لأن النبي ﷺ فتحها عنوة ثم ردها إلى أهلها ولم يقسمها فصارت ملكا لهم وهو اختيار صاحب المغني وقد أنكر أحمد في رواية الميموني قول من قال إن دورهم ليست لهم ومنهم من علل بأنها بقاع المناسك ويحتاج المسلمون كلهم الى نزولها فيشتركون فيها للحاجة الى ذلك ثم منهم من يقول هذا على كلا القولين سواء قلنا فتحت عنوة أو صلححا ويجب بذل الفاضل من المساكن عليهم مجانا للواردين كما يجب بذل فضل الأموال في مواضع ومنهم من يقول بل النبي ﷺ أزال ملكهم عنها بعد الفتح وجعلها مشتركة بين المسلمين وأما الحاق أراضي العنوة بها في ذلك وأنه لا يمنع منازلها ولا أرضها فهو غريب جدا وإنما يكون ذلك في فاضل المنازل المتسعة للسكنى خاصة كما في بيوت

стр. 111

مكة وأولى وإذا منع أهلها من النزول إلا بأجرة فانه يعطيهم الأجرة وإن لم يجز لهم أخذها كما يعطي الحجام الأجرة وإن لم يطب له أكلها كذلك نص عليه أحمد في درو مكة وكان سفيان يهرب ولا يعطيهم شيئا وأنكر ذلك أحمد من فعله قال القاضي: لأنه لما استأجر منهم فقد عقد عقدا مختلفا فيه فيكره مخالفته وظاهر كلام القاضي أنه لا يجب عليه الوفاء لهم بالأجرة وكلام أحمد يدل على خلافه. "المسئلة الثانية" إجارة أرض العنوة وهي نوعان إجارة الدور للسكنى وإجارة المزارع للاستغلال أما إجارة الدور للسكنى فقد ذكر آنفا رواية حنبل عن أحمد: لا يعجبني بيع منازل السواد ولا أرضهم وهذه والله أعلم على طريق الكراهة لا التحريم فان أحمد كان له ببغداد دور يكريها ويقتات من كرائها إلى أن مات ووصى عند موته أن يقضي دينه من أجرتها إلا أنه كان يتأول في ذلك أنه مضطر إليه وأماإجارة المزارع للأزدراع فيجوز قال أحمد في رواية الأثرم وأبي داود ومحمد بن حرب: إذا استأجر أرضا من أرض السواد ممن هي في يده فجائز ويكون فيها مثلهم. وأكثر الأصحاب لم يحكوا في جواز ذلك خلافا لأن أرض الخراج مستأجرة في يد متقبلها بالخراج فيجوز له إجارتها كسائر الأرض المستأجرة من الوقف وغيره وفرق القاضي بين إجارة أرض العنوة واجارة بيوت مكة كان أرض العنوة ضرب الخراج عليها إجارة لها وقد فعله من فتحها بخلاف بيوت مكة فإن النبي ﷺ نهى عن إجارتها لكن النهي المرفوع عن إجارة بيوت مكة يضعف والصواب وقفه على الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. وحكى القاضي وابن عقيل أيضا رواية أخرى بعدم جواز إجارة أرض العنوة مطلقا من غير تفصيل بين المساكن والمزارع وذكر في كتاب

стр. 112

الروايتين أنها اختيار أبي بكر وجزم بذلك ابن عقيل في فتوته وإن حكم إجارتها حكم بيعها فلا ترد الاجارة إلا على البنيان دون المزارع مع أن في بيع البنيان خلافا سبق ذكره وعلل القاضي المنع بأنها أرض عنوة فلم تجز إجارتها كرباع مكة وهذه الرواية تؤخذ من روايته السابقة التي سوى أحمد فيها بين بيوت مكة وغيرها وقال: لا يعجبني بيع منازل السواد ولا أرضهم فسوى بين المزارع ولكن القاضي إنما أخذها مما رواه إسحاق بن هانيء عن أحمد في الرجل يستأجر أرضا من أرض السواد قال: يزارع رجلا أحب إلي من أن يستأجرها قال في كتاب الروايتين: فظاهر هذا في رجل استأجر من أرض السواد شيئا ممن هو في يديه هو جاز يكون فيها مثلهم وقال: يزارع رجلا أحب إلي من أن يستأجرها فصرح بجواز الاجارة مع استحبابه المزارعة عليها. قال القاضي في الأحكام السلطانية: وإنما اختار المزارعة على الاجارة لأن الاجارة أخذ عوض عن منفعة الأرض وقد منع من أخذ العوض عليها والمزارعة بذل منفعة عن عوض العامل ولذلك اختاره على الاجارة انتهى ومتى كانت اجارة أرض الخراج إجارة عين مستأجرة فينبغي أن يتخرج فيها الخلاف المذكور في إجارة عين المتسأجرة وهل يجوز بأزيد من الأجرة مطلقا أم لايجوز مطلقا لدخوله في ربح ما لم يضمن أو يفرق بين أن يكون قد جدد فيها شيئا أم لا؟ وإذا قلنا يصح استئجارها وهو الصحيح فيكون الخراج باقيا علىالمؤجر وعلى المستأجر له الأجرة هذا قول أكثر أصحابنا القاضي ومن اتبعه وهو قول شريك والحسن بن صالح وأبي حنيفة وأبي بكر بن عياش وكذا روي عن عمر بن عبد العزيز والزهري في المسلم إذا زرع في أرض الخراج من غير تفصيل بين

стр. 113

الاجارة وغيرها ووجه ذلك أن الخراج لازم لمن كانت الأرض في يده على الدوام وهو المتقبل بالخراج ويده باقية على الانتفاع والتمكن منه زرع أو لم يزرع فاذا أجر فقد انتفع بالأرض فاستقر الخراج عليه وقال أبو حفص العكبري من أصحابنا: الخراج على المستأجر لأنه المنتفع بالأرض حقيقة وأخذ ذلك من رواية أبي الصفر عن أحمد في الرجل يتقبل الأرض من أرض السواد: يتقبلها من السلطان فعلى من يتقبلها أن يؤدي وظيفة عمر ﵁ ويؤدي العشر بعد وظيفة عمر ﵁ وللأصحاب في رواية أبي الصفر تأويلان أحدهما أن أحمد أراد ما أخذ المسلم أرضا من أرض الخراج من السلطان بخراجها وهذا لا إشكال فيه فإن هذا بمنزلة من يقبل الأرض بخراجها من عمر ﵁ عند الفتح وليس هذا بمستأجر ممن عليه الخراج لأن السلطان لا خراج عليه وإنما هو ناظر للمسلمين وعلى هذا حمله القاضي في الأحكام السلطانية وأبو البركات بن تيمية وهو الصحيح والثاني أن المستأجر رضي بالتزام الخراج من جملة الأجرة وكان الخراج معلوما عنده فصار مستأجرا بقدر الخراج المؤجل وبالأجرة المعجلة قاله ابن عقيل وفيه بعد. وفي مسائل الأثرم سمعت أبا عبد الله يسأل عن الرجل يستأجر أرضا من قصر عبدويه الجريب بكذا وكذا فقال: أرض السواد من استأجر منها شيئا ممن هو في يديه فهو جائز يكون فيها مثله قيل له: إنها من هذه القطائع من قصر عبدويه فقبض يده وقال أما هذه فلا أدري ما هي ثم قال: هذه القطائع يخرجونها من أيدي من شاؤا ويدفعونها إلى من شاؤا وكره الدخول فيها قلت لأبي عبد الله: فما كان من أرض السواد في يدي من كانت في يديه فلا بأس أن يستأجرها رجل بأجر معلوم يؤدي الذي في يديه قال نعم لا بأس بهذا. ونقل محمد بن أبي حرب عن أحمد معنى ذلك وظاهر قوله يكون فيها

стр. 114

مثله أي مثل المؤجر فيؤدي خراجها وقد تأوله القاضي في بعض تعاليقه على أنه استأجرها بأجرة معلومة وبقدر خراجها كما تأول ابن عقيل رواية أبي الصفر وفيه بعد ومن المتأخرين من حملها على أنه يقبلها ممن عليه الخراج على التأبيد فيقبل يده عنها بعوض فقام مقامه في تأدية الخراج عنها والانتفاع بها إلى غير غاية وهذا معنى بيع منفعتها كما تقدم وفيه أيضا نظر ويحتمل أن يقال قوله فيها هو مثله أي في جواز الانتفاع والاستغلال لكن هذا يقتضي أيضا عموم الانتفاع ولو كان مستأجرا حقيقة لكان انتفاعه مختصا بما استأجر له وتفريق أحمد بين الاستئجار ممن عليه الخراج وبين الاستئجار من المقطعين لأن المقطع قد تملكها بغير خراج وذلك منهى عنه كما سبق بخلاف المتقبل لها بالخراج فإنها في يده بحق. "فصل" فلو ساقى على أرض الخراج أو زارع عليها فالخراج عليه لا ينتقل عنه ذكره القاضي في المجرد وهو ظاهر ما نقله صالح بن أحمد عن أبيه وكان ابن سيرين يدفع أرضه الخراجية بالثلث ويؤدي عنها الخراج ولو أعار أرض الخراج فالخراج عليه أيضا ذكره القاضي في الأحكام السلطانية وكذا ذكره يحيى بن آدم في كتابه ويتخرج أن الخراج على المستعير كالمستأجر ولو غصب أرض الخراج فزرعها الغاصب واستغلها فقال أبو البركات بن تيمة: قياس المذهب أنه كالمستأجر عليه العشر وفي الخراج روايتان: قال وقال محمد بن الحسن: إن نقصت الأرض الرزاعة دخل بعض الأرض في الخراج فان كان النقص مثل الخراج أو أكثر فالخراج في ذلك النقص وإن كان أقل فالخراج على الغاصب ويسقط النقص لدخوله فيه وقال أبو يوسف: قول أبي حنيفة إن الخراج على الغاصب لأنه لما لزمه غرامة النقص صار كالمستأجر وأما العشر فلا يجب عندهم بحال "انتهى".

стр. 115

وقد سبق الحكاية عن ابي حنيفة أن الخراج على المؤجر وهو مخالف ما ذكره هنا فليحقق. المسئلة الثالثة: رفع صاحب الخراج يده عنها بالكلية وأصل ذلك أن تقبل الأرض بخراجها عقد لازم من جهة الامام ما دام المتقبل قادرا على أداء خراجها وعمارتها فان عجز عن عمارتها رفعت يده عنها وكذا إن امتنع من أداء الخراج. روى حصين بن عبد الرحمن قال: كتب عبد الحميد بن عبد الرحمن إلى عمر بن عبد العزيز ﵁ إن شاء أهل السواد سألوا أن يوضع عليهم الصدقة ويرفع عنهم الخراج؟ فكتب إليه عمر إني لا أعلم شيئا أثبت لمادة الاسلام من هذه الأرض التي جعلها الله تعالى فيأ لهم فاسألهم؟ فمن كان له في الأرض أهل ومسكن فأجر على كل جدول منها ما يجري على أرض الخراج ومن لم يكن له بها أهل ولا مسكن فارددها إلى البنك من أهلها قال حصين: وأصل هذا أنه من كانت في يده أرض فرضي بأن يؤدي عنها الخراج وإلا فليردها فيمن يؤدي عنها الخراج من أهلها خرجه يحيى بن آدم وأبو عبيد واللفظ له وإنما أقر عمر ﵁ من له أهل ومسكن بالخراج لأن أخذ مسكنه منه وإخراج أهله منه فيه عليه ضرر بخلاف إخراج من ليس له أهل ولا مسكن وهو عقد جائز من جهة المتقبل فله أن يخرج من الأرض إذا شاء وقد خير عمر وعلي وغيرهما من الخلفاء رضوان الله عليهم أجمعين من أسلم على أرض خراج إن شاء أقام وإن شاء ترك أرضه للمسلمين. ولو أراد أحدهم الخروج وله ماء أو غراس في الأرض فهل يقال للامام أن يتملكه للمسلمين من مال الفيء إذا رآه أصلح كما يتملك الناظر للوقف ما غرس فيها أو بنى بالأجرة بعد انقضاء المدة؟ لا يبعد أن

стр. 116

يجوز ذلك بل هي أولى بذلك من ناظر الوقف لوقوع الاختلاف في ملك الموقوف عليهم لرقبة الوقف وأما المسلمون فانهم يملكون رقبة أرض العنوة وإن وهب للأرض وآثر بها غيره جاز أيضا وقام الثاني مقامه في الانتفاع وأداء الخراج ذكره أصحابنا و منهم من قال: لا يصح هبتها ولذلك نص عليه أحمد معللا بالوقفية ومراده هبة رقبتها لأنها ليست مملوكة له أما رفع يده عنها ونقلها إلى غيره بغير عوض فيجوز ولو وصى بداره من أرض السواد جاز فإن كان فيها بناء يملكه فهو محسوب من الثلث ولا يحسب رقبة الأرض من الثلث. قال أحمد في رواية بكر بن محمد في رجل له دار يريد أن يوصي بثلث داره فقال أحمد: أكره أن تباع الدار من أرض السواد إلا أن يباع البناء فإذا كان للرجل مال وله دار نظر إلى بناء الدار والملك الذي عنده فإذا أوصي بثلث ذلك وكان له دار تساوي عشرة آلاف دينار وبناؤها خمسة آلاف سوى بحسبها على خمسة آلاف ولو وقف داره من أرض السواد قال أحمد في رواية أبي طالب فيمن كانت له دار في الربض أو بقطيعة فأراد أن يخرج منها ويتنزه عنها كيف يصنع؟ قال: يوقف قلت: لله, قال: نعم, وسألته عن القطائع توقف؟ قال: نعم, إذا كان للمساكين يرجع إلى الأصل إذا جعلها للمساكين وحمل القاضي هذه الرواية على أحد أمرين إما على أن الوقف كان للبناء المملوك وفيه بعد أو على أن وقفه طابق الوقف الأول لا أنه أنشأ وقفا جديدا وأخذ ابن عقيل من هذا رواية بأن أرض السواد يملكها من هي في يده بالخراج وهذا مخالف لما تواتر عن أحمد فلا يثبت عنه خلاف ذلك بكلام محتمل والأظهر أنه أراد بوقفها وقف بنائها ورفع يده عن رقبتها إلى مستحقها وهم المساكين لأنهم مستحقوا الفيء ولكن يقال: الفيء لا يختص المساكين باستحقاقه بل هم أحد جهاته فكيف يخصون بما هو مشترك بينهم وبين المسلمين عموما؟ وقد يخرج

стр. 117

هذا على قوله بتقديم الفقراء والمساكين منه كما تقدم تقريره وكذلك المروزي عن أحمد فيمن ورث ضياعا وأراد التنزه عنها قال: لا يدعها في يد أخوته لكن يشهد أن ميراثه منها وقف قال: وأعجب إلي أن يقفها على قرابته فإن لم يكن فجيرانه أو من أحب من أهل المسكنة قوم يعرفهم يقفها لهم ويدعها في أيديهم ثم يخرج فإن كانت هذه الضياع من أرض السواد فهذا نص من أحمد على جواز وقفها على بعض مستحقي الفيء وإن كانت من غير السواد وإنما تنزه عنها لشبهة غصب ونحوه فالأمر واضح لأن المغصوب التي لا يعرف أربابها يتصدق بها واقفها على بعض جهات البر كالصدقة بها ويحتمل أن يقال إن الوقف هنا للمنفعة المملوكة له ملكا مؤبدا مدة حياته و تورث عنه بعد وفاته وإذا كان ذلك فيحتمل أن وقفها يأتي على منفعة للأرض دائما لكونها مالا له موروثا عنه وليس في ذلك إبطال لحق المسلمين لأن حقهم في الخراج وهو باق عليها ويحتمل أن يقال: يصح وقفها مدة حياته فقط كوقف أم الولد عند من أجازه من الشافعية ولكن وقف المنافع مما لا يجوز عند الأصحاب. وقال أحمد في رواية المروزي في رجل وقف غلته على المساكين أو على أم ولده قال: الغلة لا توقف أنما توقف الأرض فما أخرج منها فهي عليهم وهذا يدل على الثمرة لا توقف إنما يوقف أصلها ولكن الوقف في منافع الأرض الخراجية ليس واردا على عين ما يخرج من ثمر وزرع بل على منفعة الأرض المملوكة بالخراج التي يستحق بها الزرع والغراس في الأرض وأرض العنوة إنما هي فيء للمسلمين ليست وقفا على معنى الوقف الخاص كما تقدم تقريره. وذكر القاضي وابن عقيل فيمن وقف ضيعة قال: تكون الغلة بعد عمارتها وحق السلطان الى جهة عينها أنه يصح وهذا يدل على صحة وقف

стр. 118

الأرض الخراجية كما ذكرناه فان منفعهتها مملوكة لمن هي في يده بعقد لازم من جهة الأمام وهي تورث عنه ويده ثابتة على رقبتها فهي كاملاكه المحضه. "فصل" وأما انتقالها ميراثا إلى الورثة فهو ثابت لا سيما إن كان فيها بناء أو غراس ذكره القاضي وأخذه من نص أحمد في رواية حنبل على أن السواد كوقف وقفه رجل على ولده ثم على ولد ولده وقد ذكرنا لفظه فيما سبق وبعضهم نقل الإجماع عليه. وممن ورث الأرض الخراجية ابن سيرين و رثها عن أبيه وكان يزارع عليها مع تشدده ومبالغته في الورع وكذلك الأمام أحمد ورث عن أبيه دورا وكان يستغلها حتى مات وورث من زوجته أيضا قال أبو جعفر بن المنادي سأل رجل أحمد بن حنبل عن العقار الذي كان يستغله وسكن في دار منه كيف سبيله عنده؟ فقال: هذا شيء قد ورثته عن أبي فإن جاءني أحد فصحح أنه له خرجت عنه ودفعت اليه وقال الخلال: أخبرني محمد ابن علي السمسار قال: كانت لأم عبد الله بن أحمد دار معنا في الدرب يأخذ منها درهما حق ميراثه فاحتاجت الى نفقة فأصلحها عبد الله فترك أبو عبد الله الدرهم الذي كان يأخذه وقال: قد افسده علي. وقد سبق عن الأوزاعي نحو ذلك. ولعل مراده القربة أيضا قال القاضي: ونقل المروزي أن أحمد سئل هل ترى أن يورث الرجل من السوادقال وهل يجري في هذا ميراث قال القاضي إنما أراد أن رقبته لا تورث وهذا حق. وفي مسائل صالح سألت أبي عن رجل مات وترك ورثة وترك دكانا عليه خراج للسلطان فأحرق الدكان فأعطى بعض الورثة الخراج كله وبني الدكان من عنده بعلم الورثة إلا أنهم لم يروا فجاءوا بعد يطلبون حصتهم

стр. 119

من الدكان وقالوا: هو بيننا قال أبي: أما الخراج فيلزمهم كلهم وأما البناء فإن كانوا أذنوا فهو بينهم جميعا فإن لم يكونوا أذنوا فالبناء بناؤه ولهم أن يقولوا انقض بناءك فهو لك وحقهم ثابت في الدكان إلا أن يتراضوا به بينهم ويؤدوا إليه ما أنفق وهذا نص في إرث أرض الخراج وان خلت عن بناء لأن البناء المورث لهم ملكا قد احترق كله و بقيت عرصة الأرض ومع هذا فقد جعلها حقا بين الورثة كلهم وجعل الخراج عليهم جميعا. المسئلة الرابعة: قضاء الديون منها ولها ثلاث أحوال: أحدها أن يبيعها في قضاء الدين فإن باع رقبتها لذلك لم يجز نص عليه وإن باع البناء وحده ففيه ما سبق. الحالة الثانية أن يقضي الدين من أجرتها أو من ثمن ما يستغله منها من ثمرة أو زرع فيجوز لأن ذلك كله يملكه ونقل المروزي وغيره أن أحمد وصى في مرضه أن عليه خمسة وأربعين دينارا دينا فأوصى أن تعطى الغلة حتى يستوفي حقه يعني من أجرة ما يكون يكريه وذلك في وصيته أنه يعطي فورا كل شهر شيئا مسمى من الغلة ويعطي أم ولده ثمانية دراهم في كل شهر ما أقامت على ولدها قال القاضي: ووجه ذلك أنها في يده بعقد إجارة يعني الخراج والاجارة لا تبطل بموت المستأجر فكانت باقية على حكم ملكه ولذلك يصح وصيته منها وقوله إن الدور كانت معه بعقد إجارة ممنوع بل كانت معه ميراثا ولم يكن على مساكن بغداد خراج وإنما كان أحمد أحيانا يؤدي الخراج من عنده على ما سبق وقوله إن الاجارة لا تبطل بالموت فتبقى على حكم ملكه يقتضي أن استأجر شيئا مرة ثم مات في أثنائها فإن منافع بقية مدة الاجارة كمنافع الأعيان المملوكة له ومنافع الأعيان المملوكة له له الوصية بها كمنافع دوره

стр. 120

ورقيقه وما يحدث من حمل شجرة وأمانة وما يقبض من نجوم كتابة رقيقه فله التصرف في ذلك كله بالوصية وله أيضا أن يوصي بقضاء ديونه من بعضها كما يوصي بقضاء دين عليه من نجوم مكاتبه بعد موته فيصح ويلزم تنفيذها وقد صرح بذلك أصحابنا كالقاضي وابن عقيل والسر في ذلك أن المالك يملك منافع أمواله وفوائدها أبدا فالتصرف فيما يحدث منها بعد موته نفذ تصرفه والوراث إنما يستحق ما فضل عن حقوق موروثه وتصرفاته المعتبرة وليس له الاعتراض على ما تعلق به حق موروثه وتصرفاته المعتبرة وليس له الاعتراض على ما تعلق به حق موروثه من المنافع والأعيان ثم القاضي وابن عقيل ذكرا في باب الكتابة أن الثمرة الحادثة بعد موت الموصي كالثمرة الموصي بها وكنجوم الكتابة لا يدخل في التركة وهذا خلاف ما قرراه في وصاياهما فإن أرادا أنها تحدث ابتداء على ملك الموصي له ولا يحسب من ثلث مال الميت فهذا مخالف لما قرراه وهو بعيد وإن أرادا أن الوصية به لا تصح لحدوثه على ملك الورثة فكذلك أيضا وصرح طائفة من أصحابنا بقضاء ديون الميت من ثمرة أشجاره ونمائه مطلقا سواء أوصى بذلك أو لم يوص ومنهم ابن السني وقد دل عليه قضاء عمر دين أسيد بن حضير من ثمره أربع سنين كما تقدم ذكره وأما ما يتجدد من منافع الأعيان الموقوفة فإنها تنتقل إلى من يستحق الوقف بعده بمجرد موته لأن الطبقات كلها تتلقى الوقف عن الواقف على الصحيح ولا نعلم في شيء من ذلك خلافا إلا ما قاله المالكية فيمن كان له سكنى دار وقفا عليه فمات أن امرأته تستحق السكنى حتى تنقضي عدتها لأنه من تمام سكنى عياله المتعلق به وإذا تقر هذا فمنافع الأرض الخراجية إذا كانت مع من هو متقبل لها بالخراج أو مع من يجوز له الانتفاع بها من مستحقي الفي فهو مالك لها وما يحدث من أجورها أو ثمراتها حكمه حكم ثمرات ملكه الخالص فلذلك جازت الوصية بقضاء الديون من نجوم الكتابة كما صرح به الاصحاب وكما تصح الوصية بذلك تبرعا

стр. 121

للأجنبي ولهذا تورث الأرض الخراجية بخلاف الأوقاف على معين وقد أثر كل هذا على كثير من الأصحاب فلم يجوزوه وظنوا أن الخراجية إذا قلنا هي وقف كالوقف على معين فلا يقضي ما يحدث بعد موت المستحق لها شيء من ديونه ولا يتعدى وصاياه ولما رأوا وصية الامام أحمد بخلاف ذلك قالوا أرض الخراج مختلف فيها هل هي ملك أو وقف فلما دخلها الشبه والتأويل ألحقت بالملك كما أجاب بذلك الآمدي وهو جواب ضعيف. الحالة الثالثة يدفع الأرض بمنافعها معاوضة عن الديون اللازمة له فيصح. نص عليه أحمد في رواية حنبل ومحمد بن أبي حرب الجرجاني في رجل لامرأته عليه صداق وله ضيعة بالسواد امرأته وغيره بالسواد يسلمها إليها وقال في رواية إسحاق بن هانيء في ر جل يكون له ضيعة بالسواد وعليه دين: لا يبيع ضيعته في السواد وإن كان لامرأته عليه مهر يدفع إليه بمالها من الأرض ولا يبيعها قال القاضي: معناه أنه يسلم إليه حقه من منافعها ولم يرد تسليم الرقبة وهذا ظاهر لأن ملكه إنما هو المنافع وأما الرقبة فهي يده لاستيفاء المنافع المستحقة له كالعين المستأجرة فأراد أحمد أن يجوز دفع هذه المنافع عوضا عن الديون التي عليه لأنها مال قابل للمعاوضة ولا سيما إن كان فيها له ملك من بناء أو غراس ولو تزوج امرأة وأصدقها هذه المنافع ابتداء صيح نص عليه أحمد في رواية ابنه عبد الله في رجل تزوج امرأة على أرض السواد ثم طلقها قال: إن دخل بها تدفع إليها الأرض وإن لم يدخل بها فلها نصف الأرض قال القاضي: ظاهر هذا يقتضي جواز أن يكون منفعة السواد عوضا في الصداق مع قوله لا يجوز بيعها وغير ممتنع أن تكون منفعة الرقبة صداقا وإن لم يجز بيع الرقبة كمنفعة الوقف على رجل يعينه وكمنفعة أم الولد قال ويجب أن تكون المسئلة محمولة على أنه شرط لها مدة معلومة كما يجوز ذلك في منفعة

стр. 122

الوقف على معين وفي منفعة أم الولد أو شرط أجلا مطلقا فتكون مدته الفرقة "انتهى". وحاصله أن المهر يجوز أن يكون منفعة مملوكة وإن كانت الرقبة غير قابلة للمعاوضة كمنافع الوقف وأم الولد ونحوهما وأما منافع الحر ففي صحة أصداقها خلاف وتفصيل ليس هذا موضعه لكونها غير مملوكة حيقيقة. ولو قدر أنها ملحقة بالأموال منافع الأرض الخراجية كمنافع الوقف بل هي من جملة منافع الوقف عند كثير من الأصحاب فيصح أن يكون صداقا ومن هنا أخذ بعضهم جواز بيع هذه المنافع قال: لأنه إذا جاز جعلها صداقا جاز جعلها ثمنا وأجرة حيث قال: الأصحاب ما جاز أن يكون ثمنا وأجرا أن يكون صداقا قال: وما جاز أن يكون ثمنا جاز ان يكون مثمنا وأما قول القاضي: أن المسألة محمولة على أنه شرط مدة معلومة كمنافع الوقف وأم الولد ففيه نظر وظاهر كلام أحمد أنه جعل صداقها منافع الأرض أبدا والفرق بينهما وبين منافع أم الولد والوقف أن تلك لا تستحق منافعها على التأبيد بل يبطل حقه من منافعها بموته بخلاف هذه المنافع فانه يستحقها كما يستحق منافع أملاكه فكذلك ملك المعاوضة عليها على التأبيد وقوله انه إذا أطلق الشرط كانت مدته الفرقة يعني إذا أصدقها منافع الأرض الخراجية مطلقا من غير توقيت كانت موفية بمدة الزوجية كما قالوا إذا تزوجها على مهر مؤجل فانه يحل بالفرقة وقد بينا أن كلام أحمد إنما يدل على أن الصداق هو هذه المنافع على التأبيد فتقوم الزوجة مقامه فيها ويكون الخراج عليها وأما الدين المؤجل فلا بد من حلوله وإلا لم يكن له فائدة فجعل أجله الفرقة.

стр. 123

الباب التاسع: في حكم تصرفات الامام في أرض العنوة بعد أن تصير فيئا للمسلمين أو وقفا قد سبق حكم دفعها بالخراج وحكم بيع بعضها إذا رآة مصلحة كما ذكره أصحابنا أو مطلقا كما قاله العنبري قاضي البصرة. وحكم بيع ما انتقل الى بيت المال ولم يصر وقفا وبقي مسائل أخر: منها إذا أراد إعادتها الى القسمة بين الغانمين فان قلنا هي وقف لم يجز وإن قلنا فيء وهو الصحيح فقد تقدم على علي ﵁ أنه هم بقسم السواد وذلك دليل على أنه يجوز للامام العادل تغيير ما فعله من قبله من الأئمة العدل إلا أنه لم يفعله. وإذا أراد تخصيص بعض المسلمين بشيء منها فله صورتان: إحداهما أن يقطع بعضها لبعض المسلمين فإن قلنا: هي وقف لم يجز وصرح بذلك الأصحاب القاضي وغيره معللا بأن تغيير الوقف لا يجوز وقرأت بخط القاضي قال أحمد في رواية الأثرم: دور البصرة أقطعت على عهد عمر ﵁ قيل له: فالكوفة كيف يسن فيها قطايع؟ هذه الأرض السواد وتلك أرض أحيوها فاستخرجوها يعني البصرة قلت وتمام هذه الرواية قال: وقد اقطعوا أيضا بالكوفة فذكر حديث عثمان ﵁ أنه أقطع عبد الله وخبابا وهي في كتاب العلل للأثرم وساقها الخلال في كتاب العلل من طريق الأثرم ومن رواية إبراهيم بن الحارث عن أحمد أيضا.

стр. 124

وقد تكاثرت نصوصه بكراهة ما أقطعه الملوك من أرض السواد والأمر بالتنزه عنها وعن مغلها وجعله في حكم المغصوب المستولي عليه بغير حق وكان يسهل القول في اقطاع من ينتفع المسلمون به لجهاده قال المروزي: سئل أبو عبد الله عن القطائع التي بطرسوس هي مثل قطائع بغداد؟ فقال: لا, بل تلك عندي أسهل في نحر العدو "انتهى". وهذا يدل على أن الاقطاع إذا كان لمن ينتفع به المسلمون كان شبيها بإقطاع عثمان ﵁ وروى عنبسه ما يدل على جواز الاقطاع للامام العادل من أرض العنوة على أنها أرض فيء وليست وقفا وفي كلام أحمد ما يدل على كلا القولين بل فيه تصريح بهذا وبهذا أعني أنها وقف وأنها فيء فأما أن يحمل ذلك على اختلاف قولين أو على أن الوقف أريد به معنى الوقف لا حقيقة قال في رواية ابن منصور: الأرضون التي يملكها ربها ليس فيها خراج مثل هذه القطائع التي اقطعها عثمان ﵁ في السواد لسعد بن مسعود وخباب ﵃ فرأى عمر ﵁ أن يدع الأرض للمسلمين ورأى عثمان ﵁ لمنزلة هؤلاء من الاسلام وما يأتوا ففيه أن يقطعهم فيها ونقل صالح عن أبيه نحوه و قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: أليس قد اقطع عثمان عبد الله وخبابا وغيرهما ﵃؟ فقال: هذا أيضا يقوي أن أرض السواد ليست بملك لمن هي في يده أن عمر ﵁ لم يقطع وعثمان أقطع بعد فلو كان عمر ﵁ ملكها من هي في يده لم يقطع عثمان ﵁ بعد قيل لأبي عبد الله: إنهم يقولون إنما أقطع عمر ﵁ أرض كسرى ودار البريد فنفض يده وقال: ليس هذا بشيء قلت: فاحتجوا بقول عبد الله ويزادان ما يزدان فقال: نعم عثمان ﵁ أقطعه أي حجة في هذا وفي مسائل أبي داود؟ قال أحمد: أرض السواد

стр. 125

فيها الخراج لكن القطائع ليس يؤدوا عنها الخراج وهذا نصوص بصحة اقطاع الامام العادل أرض السواد. وقد أنكر قول من قال إنما أقطعهم من أرض كسرى وأرض البريد وهذا كان يقوله بعض الكوفيين قالوا: إنما أقطع عثمان أرضا اصطفاها عمر ﵁ جعلها لبيت المال لم يقطع الأرض الخراجية لأنها عندهما ملك لمن هي في يده بالخراج فأنكر أحمد ذلك. وقد روي في هذه الصوافي آثار متعددة قال يحيى بن آدم حدثني قيس بن الربيع عن رجل من بني أسد عن أبيه قال: اصطفى حذيفة أرض كسرى وأرض آل كسرى ومن كان كسرى اصفى أرضه وأرض من قتل ومن هرب والاجام ومغيض الماء. قال يحيى: وحدثنا عبد الله بن المبارك عن عبد الله بن الوليد عن عبد الله بن معقل حدثني عبد الملك بن أبي حرة عن أبيه قال اصفى عمر بن الخطاب ﵁ من هذا السواد عشرة أصناف أصفى أرض من قتل في الحرب ومن هرب من المسلمين وكل أرض لكسرى وكل أرض كانت لأحد من أهله وكل مغيض وكل دين يزيد قال: ونسيت أربعة قال: وكان خراج ما أصفى سبعة آلاف ألف فلما كانت الجماجم أحرق الناس الديوان فأخذ كل قوم ما يليهم. قال: وحدثني عبد السلام بن حرب عن عبد الله بن الوليد المزني عن رجل من بني أسد قال: لم أدرك بالكوفة أعلم بالسواد منه قال: بلغت غلة الصوافي على عهد عمر بن الخطاب ﵁ أربعة آلاف ألف. قلت: وما الصوافي؟ قال: إن عمر أصفى كل أرض كانت لكسرى أو لآل كسرى أو رجل قتل في الحرب أو رجل لحق بأهل الحرب أو مغيض

стр. 126

الماء أو دير بريد وهذه الأسانيد فيها جهالة ثم إن في بعضه أن هذه الأرض كان عليها الخراج فلم يبق حينئذ يبنها وبين بقية السواد فرق إلا أن يدعي أن هذه لم تملك وإنما كان خراجها إجارة بخلاف أرض الدهاقين التي أقرت في أيديهم فانهم ملكوها بالخراج وهذه دعوى مجردة. ومن متأخري أصحابنا من ادعى أن اقطاع عثمان ﵁ كان من موات السواد وهو أبعد وأبعد وممن قال: إن عثمان ﵁ إنما أقطع من الصوافي أبو عبيد أيضا لأنه يرى أن أرض السواد كالوقف قال: وهذه الصوافي كان أهلها قد جلسوا عنها فلم يبق بها ساكن ولا لها عامر فكان حكمها إلى الامام كالموات قال: فاقطعها عثمان ﵁ لمن يعمرها ويقوم بخراجها وهذا بناء منه على أن موات أرض السواد لا يملك إلا بالاحياء فيكون فيه الخراج على من عمره وذكر القاضي أبو يعلى متابعة للماوردي أن إقطاع عثمان ﵁ كان من هذه الصفايا وأن عثمان أقطعها وشرط على من أقطعها أن يأخذ منه حق الفيء فكان ذلك منه اقطاع إجارة لا إقطاع تمليك وقد رد ذلك بعض أصحابنا وقال: الاقطاع ينافي الاجارة فان المفهوم منه الاباحة فحمله على الاجارة غير معروف لغة ولا عرفا. وذكر القاضي أن هذه الصفايا اصطفاها عمر ﵁ بتطييب نفوس الغانمين وهذا بيعد على أصلنا لأن الامام له عندنا أن يقفها كلها بغير رضى الغانمين وإنما هذا مأخوذا من كلام الماوردي وذكر القاضي أن حكم مثل هذه الصفايا أنه تصير لبيت المال كالوقوف المؤبدة فلا يجوز للامام بيعها ولا إقطاعها وذكر في أرض بيت المال المنتقلة إليه عمن لا وارث له أنه يجوز بيعها وصرف ثمنها في المصالح على قولنا أنها لا تصير وقفا وهل يجوز إقطاعها؟ على قولين: وضعف القول بمنعه. وقد سبق من

стр. 127

كلام أحمد ما يدل على أن حكم أرض العنوة كلها كذلك يجوز أن يقطعها الامام العادل لأنها فيء للمسلمين فله أن يترك خراجها مشتركا بينهم وله أن يخص بها من شاء منهم وقد تأول القاضي قول أحمد إنها تصير مملوكة ولا خراج عليها بأن عثمان ﵁ أقطعهم خراجها وهذا فاسد لأن أحمد صرح بأنها مملوكة لأربابها وعلى ما ذكره القاضي تكون باقية على ملك المسلمين وخراجها باق إلا أن الامام اختص به هؤلاء المقطعين. وروى يحيى بن آدم عن قيس بن الربيع عن ابراهيم بن مهاجر عن موسى بن طلحة قال أقطع عثمان خمسة من أصحاب النبي ﷺ سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود وخباب وأسامة بن زيد قال: وأراه قال والزبير فأما أسامة فباع أرضه وخرجه أبو عبيد عن قبيصة عن سفيان عن إبراهيم بن مهاجر به مختصرا وخرجه أيضا عن أبي نعيم عن إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر عن أبيه عن موسى بن طلحة عن عثمان ﵁ مثله قال أبو عبيد سألت قبيصة هل ذكر فيه السواد؟ قال: لا, وروى هذا الأثر محمد بن فضيل عن الأعمش عن إبراهيم بن مهاجر عن موسى ابن طلحة قال: أقطع عثمان ﵁ اسبيتا وأقطع لخباب ﵁ صعما واقطع لسعد ﵁ قرية هرمز خرجه الخلال في العلل وذكر عن أحمد انه قال: قالوا: أليس هو كما ابن فضيل في سبيتا إنما هو كذا وكذا يعني أنه أخطأ في تسمية هذه القرية وهذا تصريح بأنه من أرض السواد ويدل عليه أيضا قول ابن مسعود ﵁ وبرذان ما برذان يعني أن تلك كان برذان. وروى الحسن بن زياد في كتاب الخراج عن الربيع عن أشعث ابن سوار عن موسى بن طلحة أن عمر بن الخطاب ﵁ منح

стр. 128

سعدا وابن مسعود ﵄ أرضا من ارضهما وهذا غلط وإنما منح عثمان ﵁ وذكر الخلال من طريق حنبل قال: قيل لأبي عبد الله: فما أقطع عمر في السواد يصح لمن كان في يده منها شيء؟ قال: قد أقطع عمر ﵁ بجيلة ثم رجع ورأى أن ليسوا بأحق به من المسلمين واقطاع عمر ﵁ ما أقطع من غير السواد ليس في قلبي منه شيء وهذا يدل على التوقف في إقطاع السواد وأما قوله: أقطع عمر ﵁ بجيلة ثم رجع ورأى أن ليسوا أحق به من المسلمين فهذا يخالف ما نقله عنه الأثرم في قطائع السواد أن عمر ﵁ لم يقطع وأن عثمان ﵁ أقطع. والأثرم أحفظ من حنبل بما لا يوصف وقد سبق أن عمر ﵁ إنما أعطى بجيلة من السواد قسمة لهم من غنيمتها ثم رأى أن تركها فيئا للمسلمين أصلح فلذلك استرجعها منهم. وقد روي عن عمر ﵁ أنه أقطع من السواد من وجه آخر رواه يحيى بن آدم عن قيس بن الربيع عن إبراهيم بن مهاجر عن شيخ من بني زهرة عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كتب إلى سعد يقطع سعيد بن زيد ﵃ أرضا فأقطعه أرضا لنبي الرفيل فأتى ابن الرفيل عمر ﵁ فقال يا أمير المؤمنين على ما صالحتمونا؟ قال: على أن تؤدوا إلينا الجزية ولكم أرضكم وأموالكم وأولادكم قال: يا أمير المؤمنين أقطعت أرضي لسعيد بن زيد قال: فكتب إلى سعد يرد عليه أرضه وهذا فيه جهالة وقد يتعلق به من يرى أن عمر ﵁ رد عليهم أرضهم ملكا. وذكر المروزي في كتاب الورع قال: سمعت أبا عبد الله يقول: كان محمد أفضل من أبيه عبد الله بن إدريس قال: وسمعت عبد الوهاب

стр. 129

يعني الوراق يقول: كان ابن إدريس يجري على ابنه محمد وعلى زوجته عشرة في كل شهر من قطيعة عمر بن الخطاب ﵁ ابن إدريس هو عبد الله بن إدريس الكوفي العالم المشهور بالعلم والدين وكان شديدا في أمر السواد ويقول: في كل من معه شيء منه أن يرده على أهل القادسية ومع هذا فقد أخذ من هذه القطيعة التي لعمر ﵁ وكان ابنه محمد شابا متعبدا وكان أحمد وغيره يفضلونه على أبيه في الورع والزهد والعباد ﵄. هذا كله في إقطاع رقبة أرض العنوة فأما اقطاع الامام منافعها وخراجها فيجوز وقد حمل القاضي رواية ابن منصور عن أحمد على ذلك كما سبق وسيأتي القول في إقطاع الخراج دون المنافع فيما بعد إن شاء تعالى. الصورة الثانية أن يقف الامام بعض العنوة على طائفة مخصوصة من المسلمين أو واحد منهم فإن قلنا أرض العنوة وقف فلا يجوز تغيير وقفها الأول عما هو عليه بغير رضى باقي الغانمين وإن قلنا إنها فيء يشترك في منافعها المسلمون الامام بعض المسلمين بها وقفا فهذه المسئلة حدثت في وسط الدولة العباسية واختلف الفقهاء فيها فقالت طائفة لا يجوز ذلك وحكي عن أبي حامد الاسفرايني من الشافعية ووجهه بعضهم بأن المصلحة قد تقتضي في مستقبل الزمان صرفه إلى ما هو أولى فلا احتياط في ذلك بخلاف التمليك فانه يجوز عندهم وقالت طائفة منهم يجوز ذلك وقيل إنه مذهب الشافعي وأخذوه من قول الشافعي في سير الواقدي فيما فتح عنوة فمن طاب نفسا عن حقه فجائز للامام أن يجعله وقفا على المسلمين يقسم بينهم على أهل الخراج والصدقة وحيث يرى الامام. قالوا: وقوله حيث يرى الامام كالصريح منه في جواز الوقف على

стр. 130

معين وفيه نظر فان الشافعي إنما قال: يجعله وقفا على المسلمين وأما قسمة الغلة ففي أهل الخراج والصدقة وحيث يراه هذا ظاهر كلامه وقد ذكرنا فيما تقدم أن الأرض المغنومة من الكفار داخلة في الفيء وأنها مشتركة بين المسلمين وإن تخصص الغانمين بها إذا رآة الامام يكون من باب تخصيص بعض المسلمين بما هو مشترك بين جميعهم وينبغي أن يكون وقف الامام لبعض أرض العنوة على بعض المسلمين ينبني حكمه على حكم إقطاعها كما تقدم فان قلنا لا يجوز إقطاعها فوقفها أولى وإن قلنا يجوز إقطاعها فوقفها كذلك. وقد سبق ما حكيناه عن الشافعية وأنه يقتضي جواز التمليك وأن الخلاف عندهم في الوقف وهو منقول من كلام ابن الرفعة ولكن ما ذكره من التفريق بين الوقف والتمليك بأن المصلحة قد تقتضي الصرف في المستقبل الى ما هو أولى والوقف بمنعه فيقال وكذلك التمليك أيضا فلا فرق بينهما ثم إن المنقول في كتب أصحابهم أن إقطاع التمليك لا مدخل له في العامر من أرض العنوة ولا غيرها وإنما ذكر الماوردي منهم جواز اقطاع الامام بعض أرض العنوة إقطاع إجارة كما سبق عنه فاذا منعوا من إقطاع أرض العنوة وتمليكها به فكيف يجوزون الوقف؟ هذا مشكل جدا وذكر بعضهم وأطنه عبد السلام أن وقف الملوك على جهة إن كانوا متمكنين في الشريعة من تمليك تلك العين تملك الجهة ابتداء صح الوقف كالوقف على جهة بر ما يستحقه تلك الجهة ومن ذلك بناء المدارس والربط وان لم يكونوا متمكنين من ذلك شرعا كإيقافهم الضياع على أولادهم وإمائهم لم يصح لعدم جلبهم مصلحة تحصل للمسلمين قال ولو وقفنا على مدرسة أكثر مما يستحق كمدرسة يوقف عليها نصف أقليم مثلا لم يصح فيما زاد على ما يستحقه. ووجد في بعض مجاميع أبي عمرو بن الصلاح بخطه صورة فتيا كتبت

стр. 131

بعد الخمسمائة في مواضع ينتفع بها ليس لها مالك معين ووقفها الامام على رجل من أهل العلم ثم على عقبة ثم على الفقراء أو اتصل بالوقف أحكام القضاة والاسجال به فهل هذا الوقف صحيح؟ وهل يجوز لأحد من الولاة تغييره وصرفه الى جهة أخرى؟ أجاب ابن عقيل أن ما لا يعرف له مالك فتصرف الامام فيه نافذ بما يراه من المصلحة من وقف وغيره ولا يملك أحد من خلق الله اعتراضه ولا تغييره وكتبه ابن عقيل وبعده جوابي مثله وكتب محمد بن أحمد بن الشاشي جوابي مثله وكتب أحمد بن علي بن برهان وبعده الجواب وبالله التوفيق أنه ينفذ حكم الحاكم ولا يرد ولا يعترض عليه وكتب أحمد بن الشاشي وبعده الجواب صحيح وكتب الزيني الجواب صحيح وكتب ابن الحلواني الأجوبة المشار إليها موافقة للشرع وكتب أحمد المهني وسئل عن مثل ذلك جماعة من الطبقة الأخرى عبد الله بن محمد بن أبي عصرون وعبد الرحمن بن محمد الغرنوي الحنفي ويونس بن محمد بن منعة ومسعود النيسابوري فافتوا جميعا بالصحة قال ابن الصلاح: قلت ولصحة هذا الوقف اتجاه "انتهى". ولكن ليس هذا السؤال في أرض العنوة وإنما هو في أرض ليس لها مالك معين فيحتمل أنها أرض انتقلت الى بيت المال ممن لا وارث له ونحو ذلك فقد تقدم أن القاضي أبي يعلى ذكر أن هذه يصح إقطاعها وتمليكها بخلاف أرض الفي ويمكن أن يفرق بينهما من وجهين أحدهما أن أرض العنوة قد سبق للخلفاء الراشدين فيها أحكام فلا تغير أحكامهم ولا يعترض عليها والثاني أن أرض بيت المال إذا انتقلت من مسلم لا وارث له وقلنا إنها تنتقل إرثا فالمسلمون كلهم جهة واستيعابهم بالقسمة غير ممكن فتخصيص الواحد منهم تعيين المستحق بالميراث فيمتنع. وها هنا فرع يقع كثيرا في هذه الأزمان المتأخرة وهو أنه يوجب كثيرا

стр. 132

هنا في أرض السواد وأرض الشام أو غيرهما مما فتح عنوة أرض مملوكة أو موقوفة بيد أربابها وهي ثابتة الملك أو الوقف عند الحكام وقال بعض متأخري الشافعية لا يغير ذلك ولا يزيلها عن يد من هي في يده لاحتمال أن تكون صارت اليه بطريق صحيحة وتكون خارجة عن وقف عمر ﵁ قال: وعلى القاضي أن يحترز في سماع هذه البينة لئلا يعتمد اليد المحتملة للملك "انتهى". ويجوز أيضا أن يكون من فتوح عمر ﵁ وباعها من يدري ان عمر ﵁ ملكها لأربابها بالخراج وحكم بذلك من يراه ومتى كان عليها خراج مستمر الى الان قوي هذا الاحتمال فتصير الأرض ملكا أو وقفا لمن هي في يده والخراج حق لبيت المال عليها وقد وقع السؤال في هذا الزمان عن جواز زيادة هذا الخراج فرأى بعض الفقهاء أنه لا يجوز زيادته لأنه لا يعرف أصل وضعه هل هو بحق أم لا؟ فلا يجوز الزيادة فيه مع هذا التردد ويقتصر على القدر الذي هو موضوع على هذه الأرض ولا سيما إن طال أمد ذلك وتقادم ولكن تقادم عهده مع ما نقل من فتح عمر ﵁ لهذه البلاد عنوة ووضعه الخراج عليها مما يقوي أن وضعه بحق فإذا صارت رقبة الارض وقفا أو ملكا خاصا بالطريق المذكور لم يسقط بذلك خراج الأرض وأيضا فيجوز أن تلك الارض بعينها فتحت صلحا ووضع عليها خراج أقررناها به على ملكهم لها ثم اسلموا وحكم حاكم باستمرار الخراج فانه محل اجتهاد ومثل هذا الخراج لا يزاد فيه بغير خلاف أما لو علم أن ذلك من أرض فتح عمر ﵁ عنوة ووضع عليها الخراج ولم يوجب مع أصحابها إلا كتب ثابتة بملك مطلق من غير تعرض لمحل الخلاف بين العلماء في مسئلة تملك أرض العنوة وبيعها وشرائها فإن كان الحاكم ممن لا يرى ان أرض العنوة تملك رقابها فيبعد نفوذ هذا الحكم ولزومه لأن من صادف حكمه مختلفا فيه. ولم يعلم به

стр. 133

وكان لا يراه فله نقضه إلا أن يتصل به حكم آخر ممن يرى جواز ذلك وان كان ممن يرى ذلك فلزومه متوجه "فصل" ويثبته وقف الامام لبعض أراضي الوقف من مال الفيء إذا كان فيه مصلحة عامة ذكره الشيخ تقي الدين أبو العباس بن تيمية ﵀ واستدل له بأن النبي ﷺ أعتق بني هوازن بعد قسمهم بين المسلمين وعوض من لم يطب نفسه برد نصيبه منهم من مال الفيء. فدل على أنه يجوز أن يشتري بمال الفيء من يعتقه للمصلحة هي ها هنا تألف هوازن على الاسلام واذا قلنا: يجوز للرجل أن يعتق من زكاة نفسه فعتق الامام من زكوات الناس أولى وإذا جاز اعتاقه من الزكوات فمن مال المصالح العامة أولى قال: ويجوز أيضا أن يعتق من مال المصالح وان كانت المصلحة تختص بالعتق لأن اعتاق الرقيق بمنزلة اعطائه لو كان حرا بل الاعتاق أوسع من الاعطاء ولهذا يجيز للمريض اعتاق وارثه من ثلاثة بخلاف اعطائه إذ الاعتاق اسقاط لا تملك فيه وأما حكم ولائهم فقال: يحتمل أن يقال لا ولاء عليهم لاحد بمنزلة عبد الكافر إذا أسلم وهاجر ويحتمل أن يقال الولاء عليهم للمسلمين قال وعلى هذا اذا اشترى السلطان رقيقا ونفذ ثمنهم من مال بيت المال ثم اعتقهم كان الملك فيهم ثابتا للمسلمين ويكون ولاؤهم مع عدم نسيب لهم في بيت المال لأن ولاءهم إما لبيت المال استحقاقا أو لكونهم لا وارث لهم فيوضع مالهم في بيت المال و ليس ميراثهم السلطان لأنه اشتراهم بحكم الملك لا بحكم الملك ولو احتمل أن يكون اشتراهم لنفسه وأن يكون اشتراهم للمسلمين حمل تصرفه على الجائز وهو شراؤهم للمسلمين دون المحرم وهو شراؤهم لنفسه من بيت المال فانه ممتنع قال: ولو عرف أنه اشتراهم لنفسه بمال المسلمين حكم بأن الملك للمسلمين لا له لأن له ولاية الشراء

стр. 134

للمسلمين من بيت مالهم فاذا اشترى بمالهم شيئا كان لهم دونه ونية الشراء لنفسه بمالهم محرمة فتلغى ويصير كأن العقد عري عنها. وهذا ملخص ما ذكره وبكل حال فبين العتق والوقف فرق وهو أن الموقوف إذا كان أرضا ففيه قطع استحقاق المسلمين عموما الى يوم القيامة لمنافعها الى يوم القيامة وهذا بخلاف اعتاق الرقيق نعم لو وقف منقولا من مال بيت المال كان مثل عتق الرقيق والله أعلم.

стр. 135

الباب العاشر: في حكم مال الخراج ومصارفه والتصرف فيه وفيه مسائل: الأولى أن الخراج على من هو عليه حكمه حكم الديون واجب في ذمته لأجل أرضه فهو موضع على رقبة الأرض كما توضع الجزية على رقاب الآدميين. هذا نص أحمد وإسحاق. وروي عن عمر بن عبد العزيز وهو قول مالك والشافعي والأكثرين من العلماء الذين يقولون: يجتمع وجوب الخراج والعشر لأن الخراج أجرة الأرض واجبة في الذمة والعشر واجب في الزرع فهو كما لو استأجر أرضا أو اشتراها بثمن في ذمته وزرعها وخالف في ذلك أبو حنيفة وطائفة من الكوفيين. وروي عن عكرمة وغيره وقالوا: لا عشر مع الخراج وجعلوا الخراج متعلقا بنفس الثمرة والزرع وهذا يشبه قولهم أنه يسقط بتلف الثمرة والزرع جائحة وأنه لا يوجد كاملا إلا إذا أخرجت الأرض مثليه فان أخرجت مثله أخذ منه نصفه وقد روي عن عكرمة أنه كان لا يأخذ من أرض الخراج عشرا باسناد مجهول وان صح فان أرض الخراج في وقته كانت من أهل الذمة وليسوا من أهل العشر ورووا فيه حديثا مرفوعا من رواية يحيى بن عنبسة عن أبي حنيفة عن حمار عن ابراهيم بن علقمة عن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا يجتمع على المسلم خراج

стр. 136

وعشر" قال: ابن عدي هذا الحديث لا يرويه غير يحيى بن عنبسة بهذا الاسناد عن أبي حنيفة وإنما يروى هذا من قول ابراهيم ويحكيه أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم من قوله وهو مذهب أبي حنيفة وجاء يحيى بن عنبسة فرواه عن أبي حنيفة فأوصله الى النبي ﷺ فأبطل فيه. قال ويحيى بن عنبسة هذا مكشوف الأمر في ضعفه لرواياته عن الثقات الموضوعات ومن السلف من قال يدخل الخراج في العشر ويؤخذ الفاضل من العشر. روى بقية عن سعيد بن عبد العزيز حدثني ابراهيم بن أبي عبلة قال: كانت لي أرض أؤدي عنها الجزية فكتب فيها عبد الله بن عوف الكناني وكان واليا عليهم قال: فكتب اليه عمر يعني ابن عبد العزيز أن اجعل الجزية من العشر ثم خذ الفضل. وإذا تقرر أن الخراج دين في الذمة كان حكم استيفائه حكم استيفاء سائر الديون فان كان من هو عليه موسرا حبس به وان كان معسرا أنظر به ولا يباع عليه فيه إلا ما يباع في وفاء غيره من ديون الآدميين ولا يعذب على أدائه. روى اسماعيل بن ابراهيم بن مهاجر حدثنا عبد الملك بن عمر حدثني رجل من ثقيف أن عليا استعمله على عكبرا قال: "ولم يكن السواد يسكنه المصلون فقال لي بين أيديهم: استوف منهم خراجهم ولا يجدون فيك رخصة ثم قال لي: إذا كان عند الظهر فأتني, فأتيته فقال: إني لم استطع أن أقول لك إلا الذي قلت لك بين أيديهم لأنهم قوم خدع ولكن آمرك وإن يبلغني عنك خلاف ما آمرك به عزلتك لا تبيعن لهم رزقا يأكلون ولا كسوة شتا ولا صيف ولا تضربن رجلا منهم سوطا في طلب درهم فانا نؤمر بذلك ولا تبيعن لهم دابة يعملون عليها إنا أمرنا أن نأخذ منهم العفو. قلت: إذا أجيك كما ذهبت قال: وان فعلت قال: فأتيتهم فاتبعت

стр. 137

ما أمرني به فرجعت والله ما بقي علي درهم واحد إلا أوفيته". خرجه يعقوب بن شيبة. وخرج أيضا من طريق جعفر الاحمر عن عبد الملك بن عمير به نحوه وزاد فيه "ولا يقيمن رجلا قائما في طلب درهم" وقال فيه: "إنا أمرنا أن نأخذ منهم العفو" يعني الفضل. وروى هذا الحديث خلف بن تميم عن اسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر عن عبد الملك بن عمير به عن أبي مسعود الثقفي عن علي ﵁. روى أبو عبيد حدثنا أبو مسهر حدثنا سعيد بن عبد العزيز قال: قدم سعيد بن حديم على عمر بن الخطاب ﵁ فقال له عمر ﵁ مالك تبطيء بالخراج؟ فقال: أمرتنا أن لا نزيد الفلاحين على أربعة دنانير فلسنا نزيدهم على ذلك ولكنا نؤخرهم الى غلاتهم فقال عمر ﵁: لا عزلتك ما حييت. قال أبو عبيد: إنما وجه التأخير الى الغلة للرفق بهم قال ولم نسمع في استيفاء الخراج والجزية وقتا من الزمان يجتبى فيه غير هذا. ثم روي عن مروان بن معاوية عن خلف مولي آل جعدة عن رجل من آل أبي المهاجر قال: استعمل علي ﵁ رجلا على عكبرا فذكر نحو حديث عبد الملك بن عمير مختصرا وقال فيه: لا تبيعن لهم في خراجهم حمارا ولا بقرة ولا كسوة شتاء ولا صيف وأرفق بهم. وروي عن أحمد ما يدل على أنه لا يباع لهم شيء في الخراج قال صالح سألت أبي عن الرجل يبيع الشيء على حد الضرورة أيشتري منه؟ قال: لا. كأنه يؤخذ بخراج فيبيع ليؤدي؟ قال: لا يعجبني أن يشتري منه.

стр. 138

وذكر الحسن بن زياد اللؤلؤي في كتاب الخراج أنهم ان كسروا من الخراج شيئا لم يبع لهم عرضا ولم يعدل بهم وإن صار على أحد منهم ما شد بعدما مضت السنة لم يأخذه بالماشد. وفي صحيح مسلم عن هشام بن عروة عن أبيه عن هشام بن حكيم ابن حزام قال مر بالشام على أناس وقد أقيموا في الشمس وصب على رؤسهم الزيت فقال: ما هذا؟ قيل: يعذبون في الخراج قال أما إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يعذب الذين يعذبون في الدنيا". وفي رواية أخرى له حبسوا في الجزية. المسئلة الثانية في مصرف الخراج ومصرفه مصرف الفيء عند الجمهور وقد سبق لأحمد نصوص متعددة بذلك وأن حكم السواد حكم الفيء يعني مغله وخراجه وكذلك قال في رواية بكر بن محمد وابي النصر الفيء ما صولحوا عليه من الأرضين وجزية الرؤس وخراج الأرضين فهذا لكل المسلمين فيه حق الغني والفقير وهذا أيضا مذهب الحسن بن حي والشافعي ونقل صاحب التهذيب من المالكية وهو البرادعي قال الأوزاعي: وقف عمر والصحابة ﵃ الفيء وخراج الأرضين للمجاهدين ففرض منه للمقاتلة والعيال والذرية فصار ذلك سنة لمن بعده فمن افترض فيه ونيته الاجتهاد فلا بأس به قال: قال مالك: أما جزية الأرض فلا أدري كيف كان يصنع فيها إلا أن عمر ﵁ أقر الأرض ولم يقسمها بين الذين فتحوها وأرى لمن نزل ذلك به أن يكشف عنه من يرضاه من أهل العلم والأمانة من أهل البلد كيف كان الأمر في ذلك. وإنما توقف فيه مالك لأن الخراج ليس مأخوذا من الكفار خاصة بل يؤخذ من الكفار وغيرهم وهو مأخوذ بعقد معاوضة لكنه لما كان عوضا عن

стр. 139

منفعة الأرض المستحقة للمسلمين التي هي فيء لهم صرف مصرف الفيء وقد تقدم عن معمر أنه قال بلغنا أن هذه الآية: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ (١) نزلت في الجزية والخراج. وذكر ابن المغلس الظاهري من أصحاب داود أن مال الجزية عندهم يصرف في المصالح وليس بفيء فان الفيء عندهم يخمس كله ولم يذكر قولهم في مصرف الخراج وقد ذكر طائفة من أصحابنا الاختلاف في تخميس الفيء وعدوا ما من جملة أموال الفيء المختلف في تخميسه الجزية والخراج ومنهم من قال: لا يخمس الخراج وان قلنا بتخميس الفيء كذا ذكره القاضي في الأحكام السلطانية إلا أنه علل بأن أصله قد خمس وهو الأرض المغنومة وهذا لا يجيء على المذهب فان المذهب أن الأرض كلها توقف من غير تخميس. وحكى طائفة من أصحابنا منهم أبو الخطاب الاجماع على أن الجزية لا تخمس فالخراج أولى إذ الجزية مأخوذة من مال الكفار وأما الخراج فهو عوض عن مالهم. السئلة الثالثة للامام ولاية المطالبة بالخراج كجزية الرءوس وقد كان عمر وعثمان وعلي ومن بعده يبعثون عمالهم على جباية الخراج وهذا متفق عليه فان طالب للامام وجب الدفع اليه وما لم يجز تفرقته وذكر القاضي والاصحاب في كتاب الزكاة أنه لا يجوز تفرقته دون الامام بخلاف الزكاة وفرقوا بينهما بأن الزكاة فرض من فروض الاسلام ومصارفها معينة فجاز لمن وجبت عليه أن يتولاها بنفسه والخراج والجزية يصرف في المصالح العامة ويحتاج الى اجتهاد ويتعلق بها حق جميع المسلمين والامام هو النائب لهم

стр. 140

والمجتهد في تعيين مصالحهم وكذا ذكر القاضي في الأحكام السلطانية متابعة للماوردي أن أموال الصدقات تجوز أن ينفرد أربابها بقسمتها في أهلها بخلاف من في يده من مال الفيء فانه ليس له أن ينفرد بقسمته في مستحقيه حتى يتولاه أهل الاجتهاد من الأئمة. وذكر القاضي في خلافه الكبير في مسائل الاحتهاد أن المنصوص عن أحمد أنه يجوز لمن عليه الخراج أن يتولى تفرقته بيفسه على مستحقيه ثم ذكر قول أحمد في رواية محمد بن العباس وسئل عن الرجل يكون له الغلات في مثل هذا البلد يعني بغداد فيمسحها ويخرج خراجها على ما وظف عمر ﵁ على السواد ويقسم على المساكين؟ قال: إن فعل فهو حسن وكذلك نقل يعقوب بن بختان في الرجل عما في يديه على ما وظف عمر رضي الله عه على كل جريب يتصدق به قال ما أجود هذا ثم علله القاضي بأنه مال لا قوام غير معنيين فجاز لمن حصل في يديه تفرقته كاللقطة والزكاة قال ويتخرج المنع وأنه يحمله الى الامام لأنه قال فيمن كانت في يده رهون لا يعرف مالكها أنه يتصدق بها ويرفعها الى الحكام. وللقاضي طريقة ثالثة كتبها بخطه على ظهر جزء من خلافه انه يجوز عند تعذر الامام المجتهد العادل لمن عليه الخراج أن يتولى إخراجه بنفسه على مستحقيه بغير خلاف وذكر نص أحمد المتقدم ثم قال: والوجه فيه أنه قد تعذر الوصول الى جهة الامام الذي تولى إخراج ذلك في وجوهه قال وقد أجاز أحمد ما هو في معنى هذا فيمن في يده وديعة ولا يعرف مالكا جاز له أن يتصدق بها وكذلك قال في الرهون: إذا عدم أصحابها قال والوجه فيه أنه مال ليس له مالك معين فجاز لمن حصل في يده أن يتولى صرفه بنفسه كاللقطة قال: فإن كان من وجب عليه الخراج يجوز

стр. 141

صرفه عليه فهل يجوز له صرف ذلك إلى نفسه؟ نقل عن أحمد ما يدل على جوازه لأنه قال في رواية الميموني في الوالي يدع الخراج فقال: لا الخراج فيء لو تركه أمير المؤمنين كان فأما من دونه فلا, قال: فقد أجاز إسقاط الخراج عنه قبل قبضه منه لذلك في حق من وجب عليه لأن الخراج حق في الذمة فلا معنى لأخذه منه ورده عليه وتفارق الزكاة لأنها تجب في العين فلهذا إذا وجبت عليه وهو ممن يجوز أن يرد عليه أنها تقبض منه قال ويحتمل المنع لأنه قد وجب عليه إخراج ذلك من ماله ولا يجوز له أخذه لحق نفسه من تحت يده كزكاة ماله إذا كان به حاجة اليها انتهى ما ذكره. وعندي أن كلام أحمد في جواز صرف الخراج الى مستحقه إنما هو فيما إذا لم يطالب به الامام فان كلام أحمد انما هو في دور بغداد كما كان هو يفعل بداره ومعلوم أن دور بغداد لم يكن السلطان يطالب بخراجها فاما مع مطالبه الامام وبعثه الجباة لأخذ الخراج فليس في كلام أحمد جواز تولى أخراج ذلك لمن هو عليه وأما أخذه من رواية الميموني أن من عليه الخراج له أخذه لنفسه فان رواية الميموني تدل على عكس ذلك فانه لم يجز فيها لمن دون الامام الأعظم من ولاة الأمور الاستبداد باسقاطه فكيف يجيز ذلك لمن هو عليه أن يسقطه عن نفسه وانما في نصه هذا أن إيتاء الخراج ليس بواجب بخلاف الزكاة وسنذكر هذه المسئلة إن شاء الله تعالى. ومذهب أبي حنيفة إذا أخرج الخراج بدون إذن الأمام فله أخذه منه ثانيا وان لم يطلبه الامام أخرجه المالك. المسئلة الرابعة إن قبض الخراج ليس بواجب عندنا بل يجوز للامام اسقاطه عمن وجب عليه اذا كان من مستحقه وقد تقدم نص أحمد بذلك.

стр. 142

في رواية الميموني وهو قول أبي يوسف. وقال محمد بن الحسن وإسحاق ابن راهويه فيما نقله عنه حرب: لا يجوز بل يجب فيه القبض كعشر الزكاة وقد تقدم أن القاضي فرق بين الزكاة والخراج بأن الخراج حق في الذمة فلا معنى لأخذه منه ورده عليه كما يقول في تقاضي الدينين في الزكاة عندنا وعند الاكثرين وهذا الفرق انما يجب عندنا بوجوب الزكاة في العين أما على قولنا بوجوبها في الذمة فلا يتوجه وفرق غيره بينهما بأن الزكاة يجب ايتاءها لله عبادة وطهرة فالاخراج فيها واجب ولهذا يشترط لها النية ولا يحصل ذلك بالاسقاط بخلاف الخراج فانه حق لبيت المال من جنس حقوق الآدميين العامة كثمن ما اشتراه من بيت المال وقيمة ما أتلفه له فيجوز للامام اسقاطه عمن هو عليه وأيضا فالزكاة يعتبر فيها تمليك المستحق ويجوز صرفها الى من لا يملك بخلاف مال الفيء فانه يصرف في المصالح العامة كسد البتوىء وكري الأنهار وعمارة القناطير فجاز أن يبرأ منه من هوعليه. المسئلة الخامسة اقطاع الامام الخراج. قال القاضي في الأحكام السلطانية: الخراج يختلف حكم اقطاعه بخلاف حال مقطعه وله ثلاثة أحوال: أحدها أن يكون من أهل الصدقة فيجوز لأنه يجوز صرف الفيء في أهل الصدقة. وقال قوم لا يجوز صرف الفيء إلى أهل الصدقة كما لا يستحق الصدقة أهل الفيء. الحالة الثانية أن يكون من أهل المصالح ممن ليس له رزق مفروض فلا يصح أن يقطعوه على الاطلاق وان جاز أن يقطعوا من مال الخراج لأن ما يقطعونه إنما هو من صلات المصالح فان جعل لهم من مال الخراج شيء أجري عليه حكم الحوالة والتسبيب لا حكم الاقطاع فيتعين في

стр. 143

جوازه شرطان أحدهما أن يكون بمال مقدر وقد وجد سبب استباحته. والثاني أن يكون مال الخراج قد حل ووجب فيصح التسبب عليه والحوالة به فيخرج بهذين الشرطين عن حكم الاقطاع. والحالة الثالثة أن يكون من أهل فرض الديوان وهم الجيش فهم أخص الناس بجواز الاقطاع لأن لهم أرزاقا مقدرة تصرف إليهم مصرف الاستحقاق لأنها أعواض عما أصدروا نفوسهم له من حماية البيضة والذب عن الحريم وإذا صح أن يكونوا من أهل الاقطاع روعي حينئذ حال الخراج فان له حالين حال تكون جزية وحال تكون أجرة فأما ما كانن جزية فهو غير مستقر على التأبيد لأنه مأخوذ مع بقاء الكفر وزائل مع حدوث الاسلام فلا يجوز إقطاعه أكثر من سنة لأنه غير موثوق باستحقاقه بعدها فان أقطعه سنة بعد حلوله واستحقاقه صح وإن أقطعه في السنة قبل استحقاقه لم يجز لأنه مضروب للوجوب. وأما ما كان من الخراج أجرة فهو مستقر الوجوب على التأبيد فيصح إقطاعه سنين وإذا كان كذلك لم يخل حال إقطاعه من ثلاثة أقسام: أحدها أن يكون بسنين معلومة كاقطاعه عشر سنين فيصح إذا روعي فيه شرطان أحدهما أن يكون رزق المقطع معلوم القدر عند باذل الاقطاع فان كان مجهولا عنده لم يصح والثاني أن يكون قدر الخراج. معلوما عند المقطع وعند باذل الاقطاع فان كان مجهولا عندهما أو عند أحدهما لم يصح وإذا كان كذلك لم يخل حال الخراج من أحد أمرين أما أن يكون مقاسمة أو مساحة فان كان مقاسمة فمن جوز من الققهاء وضع الخراج على المقاسمة جعله من المجهول الذي لا يجوز إقطاعه وإن كان الخراج مساحة فهو على ضربين أحدهما أن لا يختلف باختلاف الزرع فهذا معلوم يصح

стр. 144

إقطاعه. والثاني أن يختلف باختلاف الزروع فينظر رزق مقطعه فان كان في مقابلة أقل الخراجين صح اقطاعه لأنه راض بنقص ان دخل عليه وإن كان في مقابلة أقل الخراجين لم يصح اقطاعه لأنه قد يوجد فيه زيادة لا يستحقها ثم يراعى بعد صحة الاقطاع في هذا القسم حال المقطع مدة الاقطاع فانها لا تخلو من ثلاثة أحوال أحدها أن يبقى إلى انقضائها على السلامة فهو على استحقاق الاقطاع إلى انقضاء المدة الحالة الثانية أن يموت قبل انقضاء المدة فيبطل الأقطاع في المدة الباقية بعد موته ويعود إلى بيت المال فان كانت له ورثة دخلوا في إعطاء الدراري لا في أرزاق الأجناد وكان ما يعطى تسبيبا لا إقطاعا. الحالة الثالثة: أن تحدث زمانة فيكون باقي الحياة مفقود الصحة ففي بقاء إقطاعه بعد زمانته احتمالات أحدها أنه باق عليه إلى انقضاء مدته إذا قيل إن رزقه بالزمانة لا يسقط والثاني يرجع منه إذا قيل إن رزقه بالزمانة يسقط فهذا حكم القسم الأول إذا قدر الاقطاع بمدة معلومة القسم الثاني من أقسامه أن يستقطعه مدة حياته ثم لورثته وعقبه من بعده فهذا الاقطاع باطل لأنه قد خرج بهذا الاقطاع عن حقوق بيت المال إلى الاملاك الموروثة وإذا بطل كان ما اجتباه منه مأذونا فيه عن عقد فاسد فيرى أهل الخراج نقيصته وحوسب به من جملة رزقه فان كان أكثر رد الزيادة وان كان أقل رجع بالباقي وأظهر السلطان فساد الاقطاع حتى يمتنع من القبض ويمتنع أهل الخراج من الرفع فإن رفعوه بعد إظهار ذلك لم يبروا منه. القسم الثالث: أن يستقطعه مدة حياته ففي صحة الاقطاع إحتمالان أحدهما أن صحيح اذا قيل أن حدوث زمانة لا يقتضي سقوط رزقه والثاني أنه باطل إذا قيل أن حدوث زمانته موجب لسقوط رزقه وإذا صح

стр. 145

الاقطاع فأراد السلطان إسترجاعه من مقطعه جاز ذلك فيما بعد السنة التي هو فيها ويعود رزقه الى ديوان العطاء فأما في السنة التي هو فيها فينظر فإن حل رزقه فيها قبل حلول خراجها في رزقه جاز استرجاعه منه لأن تعجيل المؤجل إن كان جائزا فليس بلازم. فأما ارزاق من عدا الجيش إذا اقطعوا بها مال الخراج فينقسم ثلاثة أقسام: أحدها: من يرزق على عمل غير مستديم كعمال المصالح وجباة الخارج فالاقطاع بأرزاقهم لا يصح ويكون لهم من مال الخراج تسبيبا وحوالة استحقاق الرزق وحلول الخراج. القسم الثاني: من يرتزق على علم مستديم يجري رزقه مجرى الجعالة وهم الناظرون في أعمال البر التي يصح التطوع بها إذا إرتزقوا عليها كالمؤذنين والأئمة فيكون ما جعل لهم في أرزاقهم تسبيبا به وحوالة عليه ولا يكون أقطاعا. القسم الثالث: من يرتزق على عمل مستديم يجي رزقه مجرى الاجارة وهو من لا يصح نظره إلا بولاية وتقليد مثل القضاة والحكام وكتاب الدواوين فيجوز أن يقطعوا بأرزاقهم خراج سنة واحدة ويحتمل جوازا قطاعهم أكثر من سنة و فيه وجهان أحدهما يجوز كالجيش والثانيه لا يجوز لما يتوجه اليه من العزل والاستبدال "انتهى" ما ذكره. وفي بعضه نظر وتأمل وحاصل ما ذكره أنه لا يكون إقطاع الخراج إقطاعا صحيحا لازما إلا إذا كان على عمل مستديم ويكون الرزق فيه يجري مجرى الاجارة وهذا ما لا يصح الدخول فيه بدون تولية من الامام وأذن منه وهو على قسمين: أحدهما: من لا يجوز صرفه ما دام أهلا للعمل كالجند فهذا اقطاع صحيح.
следующие страницы →