Полный текст (309 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وَمُحَمّد بن جَعْفَر بن أبي طَالب وَمُحَمّد بن سعد بن أبي وَقاص وَمُحَمّد بن حَاطِب وَمُحَمّد بن الْمُنْذر
وَقَالَ ابْن أبي خَيْثَمَة فِي تَارِيخه حَدثنَا ابْن الْأَصْبَهَانِيّ حَدثنَا عَليّ ابْن هَاشم عَن فطر عَن مُنْذر عَن ابْن الْحَنَفِيَّة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِنَّه سيولد لَك بعدِي ولد فسمه باسمي وكنه بكنيتي فَكَانَت رخصَة من رَسُول الله ﷺ لعَلي
وللكراهة ثَلَاثَة مآخذ أَحدهَا إِعْطَاء معنى الِاسْم لغير من يصلح لَهُ وَقد أَشَارَ النَّبِي ﷺ إِلَى هَذِه الْعلَّة بقوله إِنَّمَا أَنا قَاسم أقسم بَيْنكُم فَهُوَ ﷺ يقسم بَينهم مَا أَمر ربه تَعَالَى بقسمته لم يكن يقسم كقسمة الْمُلُوك الَّذين يُعْطون من شاؤوا ويحرمون من شاؤوا وَالثَّانِي خشيَة الالتباس وَقت المخاطبة والدعوة وَقد أَشَارَ إِلَى هَذِه الْعلَّة فِي حَدِيث أنس الْمُتَقَدّم حَيْثُ قَالَ الدَّاعِي لم أعنك فَقَالَ تسموا باسمي وَلَا تكنوا بكنيتي وَالثَّالِث أَن فِي الِاشْتِرَاك الْوَاقِع فِي الِاسْم والكنية مَعًا زَوَال مصلحَة الِاخْتِصَاص والتمييز بِالِاسْمِ والكنية كَمَا نهى أَن ينقش أحد على خَاتمه كنقشه فعلى المأخذ الأول يمْنَع الرجل من فِي حَيَاته وَبعد مَوته وعَلى المأخذ الثَّانِي يخْتَص الْمَنْع بِحَال حَيَاته وعَلى المأخذ الثَّالِث يخْتَص الْمَنْع بِالْجمعِ بَين
стр. 142
الكنية وَالِاسْم دون إِفْرَاد أَحدهمَا وَالْأَحَادِيث فِي هَذَا الْبَاب تَدور على هَذِه الْمعَانِي الثَّلَاثَة وَالله أعلم
الْفَصْل الثَّامِن فِي جَوَاز التَّسْمِيَة بِأَكْثَرَ من اسْم وَاحِد
لما كَانَ الْمَقْصُود بِالِاسْمِ التَّعْرِيف والتمييز وَكَانَ الِاسْم الْوَاحِد كَافِيا فِي ذَلِك كَانَ الِاقْتِصَار عَلَيْهِ أولى وَيجوز التَّسْمِيَة بِأَكْثَرَ من اسْم وَاحِد كَمَا يوضع لَهُ اسْم وكنية ولقب وَأما أَسمَاء الرب تَعَالَى وَأَسْمَاء كِتَابه وَأَسْمَاء رَسُوله فَلَمَّا كَانَت نعوتا دَالَّة على الْمَدْح وَالثنَاء لم تكن من هَذَا الْبَاب بك من بَاب تَكْثِير الاسماء لجلالة الْمُسَمّى وعظمته وفضله قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَللَّه الْأَسْمَاء الْحسنى فَادعوهُ بهَا﴾
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث جُبَير بن مطعم قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لي خَمْسَة أَسمَاء أَنا مُحَمَّد وَأَنا أَحْمد وَأَنا الماحي الَّذِي يمحو الله بِي الْكفْر وَأَنا الحاشر الَّذِي يحْشر النَّاس على قدمي وَأَنا العاقب الَّذِي لَيْسَ بعده نَبِي
стр. 143
وَقَالَ الامام أَحْمد حَدثنَا أسود بن عَامر حَدثنَا أَبُو بكر عَن عَاصِم ابْن بَهْدَلَة عَن أبي وَائِل عَن حُذَيْفَة قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول أَنا مُحَمَّد وَأحمد وَنَبِي الرَّحْمَة وَنَبِي التَّوْبَة والحاشر والمقفي وَنَبِي الْمَلَاحِم
قَالَ أَحْمد وَحدثنَا يزِيد بن هَارُون حَدثنَا المَسْعُودِيّ عَن عَمْرو بن مرّة عَن أبي عُبَيْدَة عَن أبي مُوسَى قَالَ سمى لنا رَسُول الله ﷺ نَفسه أَسمَاء مِنْهَا مَا حفظناه وَمِنْهَا مَا لم نَحْفَظهُ قَالَ أَنا مُحَمَّد وَأحمد والمقفي والحاشر وَنَبِي التَّوْبَة وَنَبِي الْمَلَاحِم رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه
وَذكر أَبُو الْحسن بن فَارس لرَسُول الله ﷺ ثَلَاثَة وَعشْرين اسْما مُحَمَّد وَأحمد والماحي وَالْعَاقِب والمقفي وَنَبِي الرَّحْمَة وَنَبِي التَّوْبَة وَنَبِي الْمَلَاحِم وَالشَّاهِد والمبشر والنذير والضحوك والقتال والمتوكل والفاتح والأمين والخاتم والمصطفى وَالرَّسُول وَالنَّبِيّ والأمي وَالقَاسِم والحاشر
стр. 144
الْفَصْل التَّاسِع فِي بَيَان ارتباط معنى الِاسْم بِالْمُسَمّى
وَقد تقدم مَا يدل على ذَلِك من وُجُوه أَحدهمَا قَول سعيد بن الْمسيب مَا زَالَت فِينَا تِلْكَ الحزونة وَهِي الَّتِي حصلت من تَسْمِيَة الْجد بحزن وَقد تقدم قَول عمر لجمرة بن شهَاب أدْرك أهلك فقد احترقوا وَمنع النَّبِي ﷺ من كَانَ اسْمه حَربًا أَو مرّة أَن يحلب الشَّاة تِلْكَ الَّتِي أَرَادَ حلبها وشواهد ذَلِك كَثِيرَة جدا فَقل أَن ترى اسْما قبيحا إِلَّا وَهُوَ على مُسَمّى قَبِيح كَمَا قيل
(وَقل مَا أَبْصرت عَيْنَاك ذَا لقب ... إِلَّا وَمَعْنَاهُ إِن فَكرت فِي لقبه)
وَالله سُبْحَانَهُ بِحِكْمَتِهِ فِي قَضَائِهِ وَقدره يلهم النُّفُوس أَن تضع الْأَسْمَاء على حسب مسمياتها لتناسب حكمته تَعَالَى بَين اللَّفْظ وَمَعْنَاهُ كَمَا تناسبت بَين الْأَسْبَاب ومسبباتها قَالَ أَبُو الْفَتْح ابْن جني وَلَقَد مر بِي دهر وَأَنا أسمع الِاسْم لَا أَدْرِي مَعْنَاهُ فآخذ مَعْنَاهُ من لَفظه ثمَّ أكشفه فَإِذا هُوَ ذَلِك بِعَيْنِه أَو قريب مِنْهُ
فَذكرت ذَلِك لشيخ الاسلام ابْن تَيْمِية ﵀ فَقَالَ وَأَنا يَقع لي ذَلِك كثيرا وَقد تقدم قَوْله ﷺ أسلم سَالَمَهَا الله وغفار غفر الله لَهَا وَعصيَّة عَصَتْ الله وَرَسُوله وَلما أسلم وَحشِي قَاتل حَمْزَة وقف بَين يَدي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 145
فكره اسْمه وَفعله وَقَالَ غيب وَجهك عني
وَبِالْجُمْلَةِ فألاخلاق والأعمال وَالْأَفْعَال القبيحة تستدعي أَسمَاء تناسبها وأضدادها تستدعي أَسمَاء تناسبها وكما أَن ذَلِك ثَابت فِي أَسمَاء الْأَوْصَاف فَهُوَ كَذَلِك فِي أَسمَاء الْأَعْلَام وَمَا سمي رَسُول الله ﷺ مُحَمَّدًا وَأحمد إِلَّا لِكَثْرَة خِصَال الْحَمد فِيهِ وَلِهَذَا كَانَ لِوَاء الْحَمد بِيَدِهِ وَأمته الْحَمَّادُونَ وَهُوَ أعظم الْخلق حمدا لرَبه تَعَالَى وَلِهَذَا أَمر رَسُول الله ﷺ بتحسين الْأَسْمَاء فَقَالَ حسنوا أسماءكم فَإِن صَاحب الِاسْم الْحسن قد يستحي من اسْمه وَقد يحملهُ اسْمه على فعل مَا يُنَاسِبه وَترك مَا يضاده ولهذى ترى أَكثر السّفل أَسمَاؤُهُم تناسبهم وَأكْثر الْعلية أَسمَاؤُهُم تناسبهم وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
الْفَصْل الْعَاشِر فِي بَيَان أَن الْخلق يدعونَ يَوْم الْقِيَامَة بآبائهم لَا بأمهاتهم
هَذَا الصَّوَاب الَّذِي دلّت عَلَيْهِ السّنة الصَّحِيحَة الصَّرِيحَة وَنَصّ عَلَيْهِ الْأَئِمَّة كالبخاري وَغَيره فَقَالَ فِي صَحِيحه بَاب يدعى النَّاس يَوْم الْقِيَامَة بآبائهم لَا بأمهاتهم ثمَّ سَاق فِي الْبَاب حَدِيث ابْن عمر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا جمع الله الْأَوَّلين والآخرين يَوْم الْقِيَامَة يرفع الله لكل
стр. 146
غادر لِوَاء يَوْم الْقِيَامَة فَيُقَال هَذِه غدرة فلَان بن فلَان
وَفِي سنَن أبي دَاوُد بِإِسْنَاد جيد عَن أبي الدَّرْدَاء قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِنَّكُم تدعون يَوْم الْقِيَامَة بأسمائكم وَأَسْمَاء آبائكم فحسنوا أسماءكم فَزعم بعض النَّاس أَنهم يدعونَ بأمهاتهم وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِحَدِيث لَا يَصح وَهُوَ فِي مُعْجم الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أبي أُمَامَة عَن النَّبِي ﷺ إِذا مَاتَ أحد مَا إخْوَانكُمْ فسو يتم التُّرَاب على قَبره فَليقمْ أحدكُم على رَأس قَبره ثمَّ ليقل يَا فلَان بن فُلَانَة فَإِنَّهُ يسمعهُ وَلَا يجِيبه ثمَّ يَقُول يَا فلَان بن فُلَانَة فَإِنَّهُ يَقُول أرشدنا يَرْحَمك الله الحَدِيث وَفِيه فَقَالَ رجل يَا رَسُول الله فَإِن لم يعرف اسْم أمه قَالَ فلينسبه إِلَى أمه حَوَّاء يَا فلَان ابْن حَوَّاء قَالُوا وَأَيْضًا فالرجل قد لَا يكون نسبه ثَابتا من
стр. 147
أَبِيه كالمنفي بِاللّعانِ وَولد الزِّنَى فَكيف يدعى بِأَبِيهِ وَالْجَوَاب أما الحَدِيث فضعيف بِاتِّفَاق أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ واما من انْقَطع نسبه من جِهَة أَبِيه فَإِنَّهُ يدعى بِمَا يدعى بِهِ فِي الدُّنْيَا فَالْعَبْد يدعى فِي الْآخِرَة بِمَا يدعى بِهِ فِي الدُّنْيَا من أَب أَو أم وَالله أعلم
стр. 148
الْبَاب التَّاسِع
فِي ختان الْمَوْلُود وَأَحْكَامه وَفِيه أَرْبَعَة عشر فصلا
١ - الْفَصْل الأول فِي معنى الْخِتَان واشتقاقه ومسماه
٢ - الْفَصْل الثَّانِي فِي ختان ابراهيم الْخَلِيل والأنبياء من بعده
٣ - الْفَصْل الثَّالِث فِي مشروعيته وَأَنه من أصل الْفطْرَة
٤ - الْفَصْل الرَّابِع فِي اخْتِلَاف أهل الْعلم فِي وُجُوبه
٥ - الْفَصْل الْخَامِس فِي وَقت الْوُجُوب
٦ - الْفَصْل السَّادِس فِي اخْتلَافهمْ فِي الْخِتَان فِي السَّابِع من الْولادَة هَل هُوَ مَكْرُوه أم لَا وَحجَّة الْفَرِيقَيْنِ
٧ - الْفَصْل السَّابِع فِي أَحْكَام الْخِتَان وفوائده
٨ - الْفَصْل الثَّامِن فِي بَيَان الْقدر الَّذِي يُؤْخَذ فِي الْخِتَان
٩ - الْفَصْل التَّاسِع فِي أَن حكمه يعم الذّكر وَالْأُنْثَى
١٠ - الْفَصْل الْعَاشِر فِي حكم جِنَايَة الخاتن وسراية الْجِنَايَة
стр. 149
١١ - الْفَصْل الْحَادِي عشر فِي أَحْكَام الأقلف فِي طَهَارَته وَصلَاته وإمامته وذبيمته وشهادته
١٢ - الْفَصْل الثَّانِي عشر فِي المسقطات لوُجُوبه
١٣ - الْفَصْل الثَّالِث عشر فِي ختان نَبينَا مُحَمَّد ﷺ وَالِاخْتِلَاف فِيهِ هَل ولد مختونا أَو ختن بعد الْولادَة وَمَتى ختن
١٤ - الْفَصْل الرَّابِع عشر فِي حكمه الَّتِي لأَجلهَا يبْعَث النَّاس يَوْم الْقِيَامَة غرلًا غير مختونين
стр. 150
الْفَصْل الأول فِي بَيَان مَعْنَاهُ واشتقاقه
الْخِتَان اسْم لفعل الخاتن وَهُوَ مصدر كالنزال والقتال وَيُسمى بِهِ مَوضِع الختن أَيْضا وَمِنْه الحَدِيث إِذا التقى الختانان وَجب الْغسْل وَيُسمى فِي حق الْأُنْثَى خفضا يُقَال ختنت الْغُلَام ختنا وخفضت الْجَارِيَة خفضا وَيُسمى فِي الذّكر إعذارا أَيْضا وَغير الْمَعْذُور يُسمى أغلف وأقلف وَقد يُقَال الْإِعْذَار لَهما أَيْضا قَالَ فِي الصِّحَاح قَالَ أَبُو عُبَيْدَة عذرت الْجَارِيَة والغلام أعذرهما عذرا ختنتهما وَكَذَلِكَ أعذرتهما قَالَ وَالْأَكْثَر حفضت الْجَارِيَة والقلفة والغرلة هِيَ الْجلْدَة الَّتِي تقطع قَالَ وتزعم الْعَرَب أَن الْغُلَام إِذا ولد فِي الْقَمَر فسنمت قلفته فَصَارَ كالمختون فختان الرجل هُوَ الْحَرْف المستدير على أَسْفَل الْحَشَفَة وَهُوَ الَّذِي ترتبت الْأَحْكَام على تغييبه فِي الْفرج فيترتب عَلَيْهِ أَكثر من ثَلَاثمِائَة حكم وَقد جمعهَا بَعضهم فبلغت أَرْبَعمِائَة إِلَّا ثَمَانِيَة أَحْكَام
وَأما ختان الْمَرْأَة فَهِيَ جلدَة كعرف الديك فَوق الْفرج فَإِذا غَابَتْ الْحَشَفَة فِي الْفرج حَاذَى ختانه ختانها فَإِذا تحاذيا فقد التقيا كَمَا يُقَال
стр. 151
التقى الفارسان إِذا تحاذيا وَإِن لم يتضاما وَالْمَقْصُود أَن الْخِتَان اسْم للمحل وَهِي الْجلْدَة الَّتِي تبقى بعد الْقطع وَاسم للْفِعْل وَهُوَ فعل الخاتن وَنَظِير هَذَا السِّوَاك فَإِنَّهُ اسْم للآلة الَّتِي يستاك بهَا وَقد يُطلق الْخِتَان على الدعْوَة إِلَى وليمته كَمَا تطلق الْعَقِيقَة على ذَلِك أَيْضا
الْفَصْل الثَّانِي فِي ذكر ختان إِبْرَاهِيم الْخَلِيل والأنبياء بعده صلى الله عَلَيْهِم أجميعن
فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ اختتن إِبْرَاهِيم ﷺ وَهُوَ ابْن ثَمَانِينَ سنة بالقدوم
قَالَ البُخَارِيّ الْقدوم مُخَفّفَة وَهُوَ اسْم مَوضِع وَقَالَ الْمروزِي سُئِلَ أَبُو عبد الله هَل ختن إِبْرَاهِيم ﵇ نَفسه بقدوم قَالَ بِطرف الْقدوم وَقَالَ أَبُو دَاوُد وَعبد الله بن أَحْمد وَحرب إِنَّهُم سَأَلُوا أَحْمد عَن قَوْله اختتن بالقدوم قَالَ هُوَ مَوضِع وَقَالَ غَيره هُوَ اسْم للآلة وَاحْتج بقول الشَّاعِر
(فَقلت أعيروني الْقدوم لعلني ... أخط بِهِ قبرا لأبيض ماجد)
стр. 152
وَقَالَت طَائِفَة من رَوَاهُ مخففا فَهُوَ اسْم الْموضع وَمن رَوَاهُ مُثقلًا فَهُوَ اسْم الْآلَة وَقد رويت قصَّة ختان الْخَلِيل بِأَلْفَاظ يُوهم بَعْضهَا التَّعَارُض وَلَا تعَارض فِيهَا بِحَمْد الله وَنحن نذكرها
فَفِي صَحِيح البُخَارِيّ من حَدِيث أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ اختتن إِبْرَاهِيم وَهُوَ ابْن ثَمَانِينَ سنة بالقدوم وَفِي لفظ اختتن إِبْرَاهِيم بعد ثَمَانِينَ سنة بالقدوم مُخَفّفَة وَفِي حَدِيث يحيى بن سعيد عَن ابْن عجلَان عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة مثله وَقَالَ يحيى والقدوم الفأس
وَقَالَ النَّضر بن شُمَيْل قطعه بالقدوم فَقيل لَهُ يَقُولُونَ قدوم قَرْيَة بِالشَّام فَلم يعرفهُ وَثَبت على قَوْله قَالَ الْجَوْهَرِي الْقدوم الَّذِي ينحت بِهِ مخفف قَالَ ابْن السّكيت وَلَا تقل قدوم بِالتَّشْدِيدِ قَالَ والقدوم أَيْضا اسْم مَوضِع مخفف وَالصَّحِيح أَن الْقدوم فِي الحَدِيث الْآلَة لما رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أخبرنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ وَأَبُو سعيد بن أبي عَمْرو قَالَا حَدثنَا أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يَعْقُوب حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله حَدثنَا أَبُو عبد الرَّحْمَن الْمقري حَدثنَا مُوسَى بن عَليّ قَالَ سَمِعت أبي يَقُول إِن إِبْرَاهِيم
стр. 153
الْخَلِيل أَمر أَن يختن وَهُوَ ابْن ثَمَانِينَ سنة فَعجل فاختتن بقدوم فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الوجع فَدَعَا ربه فَأوحى الله إِلَيْهِ إِنَّك عجلت قبل أَن نأمرك بالآلة قَالَ يَا رب كرهت أَن أؤخر أَمرك قَالَ وختن إِسْمَاعِيل وَهُوَ ابْن ثَلَاث عشرَة سنة وختن إِسْحَاق وَهُوَ ابْن سَبْعَة أَيَّام
وَقَالَ حَنْبَل حَدثنَا عَاصِم حَدثنَا أَبُو أويس قَالَ حَدثنِي أَبُو الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِبْرَاهِيم أول من اختتن وَهُوَ ابْن مائَة وَعشْرين سنة اختتن بالقدوم ثمَّ عَاشَ بعد ذَلِك ثَمَانِينَ سنة وَلَكِن هَذَا حَدِيث مَعْلُول رَوَاهُ يحيى بن سعيد عَن سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة قَوْله وَمَعَ هَذَا فَهُوَ من رِوَايَة أبي أويس عبد الله ابْن عبد الله الْمدنِي وَقد روى لَهُ مُسلم فِي صَحِيحه محتجا بِهِ وروى لَهُ أهل السّنَن الْأَرْبَعَة وَقَالَ أَبُو دَاوُد وَهُوَ صَالح الحَدِيث وَاخْتلفت الرِّوَايَة فِيهِ عَن ابْن معِين فروى عَنهُ الدوري فِي حَدِيثه ضعف وروى عَنهُ توثيقه وَلَكِن الْمُغيرَة بن عبد الرَّحْمَن وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة وَغَيرهمَا رووا عَن أبي الزِّنَاد خلاف مَا رَوَاهُ أَبُو أويس وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَصْحَاب الصَّحِيح أَنه اختتن وَهُوَ
стр. 154
ابْن ثَمَانِينَ سنة وَهَذَا أولى بِالصَّوَابِ وَهُوَ يدل على ضعف الْمَرْفُوع وَالْمَوْقُوف
وَقد أجَاب بَعضهم بِأَن قَالَ الرِّوَايَتَانِ صحيحتان وَوجه الْجمع بَين الْحَدِيثين يعرف من مُدَّة حَيَاة الْخَلِيل فَإِنَّهُ عَاشَ مِائَتي سنة مِنْهَا ثَمَانُون غير مختون وَمِنْهَا عشرُون وَمِائَة سنة مختونا فَقَوله اختتن لثمانين سنة مَضَت من عمره والْحَدِيث الثَّانِي اختتن لمِائَة وَعشْرين سنة بقيت من عمره فِي هَذَا الْجمع نظر لَا يخفى فَإِنَّهُ قَالَ أول من اختتن إِبْرَاهِيم وَهُوَ ابْن مائَة وَعشْرين سنة وَلم يقل اختتن لمِائَة وَعشْرين سنة وَقد ذكرنَا رِوَايَة يحيى بن سعيد عَن سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة مَوْقُوفا عَلَيْهِ أَنه اختتن وَهُوَ ابْن مائَة وَعشْرين سنة وَالرِّوَايَة الصَّحِيحَة المرفوعة عَن أبي هُرَيْرَة تخَالف هَذَا على أَن الْوَلِيد بن مُسلم قد قَالَ أَخْبرنِي الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى ابْن سعيد عَن سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة يرفعهُ قَالَ اختتن إِبْرَاهِيم وَهُوَ ابْن عشْرين وَمِائَة سنة ثمَّ عَاشَ بعد ذَلِك ثَمَانِينَ سنة وَهَذَا حَدِيث مَعْلُول فقد رَوَاهُ جَعْفَر بن عون وَعِكْرِمَة بن إِبْرَاهِيم عَن يحيى بن سعيد عَن أبي هُرَيْرَة قَوْله وَالْمَرْفُوع الصَّحِيح أولى مِنْهُ والوليد بن مُسلم مَعْرُوف بالتدليس
قَالَ هَيْثَم بن خَارِجَة قلت للوليد بن مُسلم قد أفسدت حَدِيث
стр. 155
الْأَوْزَاعِيّ قَالَ كَيفَ قلت تروي عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن نَافِع وَعَن الْأَوْزَاعِيّ عَن الزُّهْرِيّ وَعَن الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى بن سعيد وَغَيْرك يدْخل بَين الْأَوْزَاعِيّ وَبَين نَافِع عبد الله بن عَامر الْأَسْلَمِيّ وَبَينه وَبَين الزُّهْرِيّ إِبْرَاهِيم بن ميسرَة وقرة وَغَيرهمَا فَمَا يحملك على هَذَا قَالَ أنبل الْأَوْزَاعِيّ أَن يروي عَن مثل هَؤُلَاءِ قلت فَإِذا روى الْأَوْزَاعِيّ عَن هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاء ضِعَاف أَصْحَاب أَحَادِيث مَنَاكِير فأسقطتهم أَنْت وصيرتها من رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ عَن الثِّقَات ضعفت الْأَوْزَاعِيّ فَلم يلْتَفت إِلَى قولي وَقَالَ أَبُو مسْهر كَانَ الْوَلِيد بن مُسلم يحدث بِأَحَادِيث الْأَوْزَاعِيّ عَن الْكَذَّابين ثمَّ يدلسها عَنْهُم وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ الْوَلِيد بن مُسلم يروي عَن الْأَوْزَاعِيّ أَحَادِيث هِيَ عِنْد الْأَوْزَاعِيّ عَن شُيُوخ ضعفاء عَن شُيُوخ قد أدركهم الْأَوْزَاعِيّ مثل نَافِع وَعَطَاء وَالزهْرِيّ فَيسْقط أَسمَاء الضُّعَفَاء ويجعلها عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن عَطاء
وَقَالَ الإِمَام أَحْمد فِي رِوَايَة ابْنه عبد الله كَانَ الْوَلِيد رفاعا وَفِي رِوَايَة الْمروزِي هُوَ كثير الْخَطَأ وَقد روى هَذَا الحَدِيث من غير هَذَا الطَّرِيق من نُسْخَة نبيط بن شريط عَن النَّبِي ﷺ أول من أضَاف الضَّيْف إِبْرَاهِيم
стр. 156
وَأول من لبس السَّرَاوِيل إِبْرَاهِيم وَأول من اختتن إِبْرَاهِيم بالقدوم وَهُوَ ابْن عشْرين وَمِائَة سنة وَهَذِه النُّسْخَة ضعفها أَئِمَّة الحَدِيث
وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذَا الحَدِيث ضَعِيف مَعْلُول لَا يُعَارض مَا ثَبت فِي الصَّحِيح وَلَا يَصح تَأْوِيله بِمَا ذكره هَذَا الْقَائِل لوجوه أَحدهَا أَن لَفظه لَا يصلح لَهُ فَإِنَّهُ قَالَ اختتن وَهُوَ ابْن عشْرين ومائه سنة الثَّانِي أَنه قَالَ ثمَّ عَاشَ بعد ذَلِك ثَمَانِينَ سنة الثَّالِث أَن الَّذِي يحْتَملهُ على تَفْسِير واستكراه قَوْله اختتن لمِائَة وَعشْرين سنة وَيكون المُرَاد بقيت من عمره لَا مَضَت وَالْمَعْرُوف فِي مثل هَذَا الِاسْتِعْمَال إِنَّمَا هُوَ إِذا كَانَ الْبَاقِي أقل من الْمَاضِي فَإِن الْمَشْهُور من اسْتِعْمَال الْعَرَب فِي خلت وَبقيت أَنه من أول الشَّهْر إِلَى نصفه يُقَال خلت وخلون وَمن نصفه إِلَى آخِره بقيت وبقين فَقَوله لمِائَة وَعشْرين بقيت من عمره مثل أَن يُقَال لاثْنَتَيْنِ وَعشْرين لَيْلَة بقيت من الشَّهْر وَهَذَا لَا يسوغ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
والختان كَانَ من الْخِصَال الَّتِي ابتلى الله سُبْحَانَهُ بهَا إِبْرَاهِيم خَلِيله فأتمهن وأكملهن فَجعله إِمَامًا للنَّاس وَقد روى أَنه أول من اختتن كَمَا تقدم وَالَّذِي فِي الصَّحِيح اختتن إِبْرَاهِيم وَهُوَ ابْن ثَمَانِينَ سنة وَاسْتمرّ الْخِتَان بعده فِي الرُّسُل وأتباعهم حَتَّى فِي الْمَسِيح فَأَنَّهُ اختتن وَالنَّصَارَى تقر بذلك وَلَا
стр. 157
تجحده كَمَا تقر بِأَنَّهُ حرم لحم الْخِنْزِير وَحرم كسب السبت وَصلى إِلَى الصَّخْرَة وَلم يصم خمسين يَوْمًا وَهُوَ الصّيام الَّذِي يسمونه الصَّوْم الْكَبِير
وَفِي جَامع التِّرْمِذِيّ ومسند الإِمَام أَحْمد من حَدِيث أبي أَيُّوب قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَربع من سنَن الْمُرْسلين الْحيَاء والتعطر والسواك وَالنِّكَاح قَالَ التِّرْمِذِيّ هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب وَاخْتلف فِي ضَبطه فَقَالَ بَعضهم الْحيَاء بِالْيَاءِ وَالْمدّ وَقَالَ بَعضهم الْحِنَّاء بالنُّون
وَسمعت شَيخنَا أَبَا الْحجَّاج الْحَافِظ الْمزي يَقُول وَكِلَاهُمَا غلط وَإِنَّمَا هُوَ الْخِتَان فَوَقَعت النُّون فِي الْهَامِش فَذَهَبت فَاخْتلف فِي اللَّفْظَة قَالَ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْمحَامِلِي عَن الشَّيْخ الَّذِي روى عَنهُ التِّرْمِذِيّ بِعَيْنِه فَقَالَ الْخِتَان قَالَ وَهَذَا أولى من الْحيَاء والحناء فَإِن الْحيَاء خلق والحناء لَيْسَ من السّنَن وَلَا ذكره النَّبِي ﷺ فِي خِصَال الْفطْرَة وَلَا ندب أليه بِخِلَاف الْخِتَان
стр. 158
فصل فِي ختان الرجل نَفسه بِيَدِهِ
قَالَ الْمروزِي سُئِلَ أَبُو عبد الله عَن الرجل يختن نَفسه فَقَالَ إِن قوي وَقَالَ الْخلال أَخْبرنِي عبد الْكَرِيم بن الْهَيْثَم قَالَ سَمِعت أَبَا عبد الله وَسُئِلَ عَن الرجل يختن نَفسه قَالَ إِن قوي على ذَلِك قَالَ وَأَخْبرنِي مُحَمَّد بن هَارُون أَن إِسْحَاق حَدثهمْ أَن أَبَا عبد الله سُئِلَ عَن الْمَرْأَة يدْخل عَلَيْهَا زَوجهَا لم تختتن يجب عَلَيْهَا الْخِتَان فَقَالَ الْخِتَان سنة حَسَنَة وَذكر نَحْو مَسْأَلَة الْمروزِي فِي ختان نَفسهَا قيل لَهُ فَإِن قويت على ذَلِك قَالَ مَا أحْسنه وَسُئِلَ عَن الرجل يختن نَفسه قَالَ إِذا قوي عَلَيْهِ فَهُوَ حسن وَهِي سنة حَسَنَة
الْفَصْل الثَّالِث فِي مشروعيته وَأَنه من خِصَال الْفطْرَة
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله الْفطْرَة خمس الْخِتَان والاستحداد وقص الشَّارِب وتقليم الأظافر ونتف الْإِبِط فَجعل الْخِتَان رَأس خِصَال الْفطْرَة وَإِنَّمَا كَانَت هَذِه الْخِصَال من الْفطْرَة لِأَن الْفطْرَة هِيَ الحنيفية مِلَّة إِبْرَاهِيم وَهَذِه الْخِصَال
стр. 159
أَمر بهَا إِبْرَاهِيم وَهِي من الْكَلِمَات الَّتِي ابتلاه ربه بِهن كَمَا ذكر عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن طَاوس عَن أَبِيه عَن ابْن عَبَّاس فِي هَذِه الْآيَة قَالَ ابتلاه بِالطَّهَارَةِ خمس فِي الرَّأْس وَخمْس فِي الْجَسَد خمس فِي الرَّأْس قصّ الشَّارِب والمضمضة وَالِاسْتِنْشَاق والسواك وَفرق الرَّأْس وَفِي الْجَسَد تقليم الأظافر وَحلق الْعَانَة والختان ونتف الْإِبِط وَغسل أثر الْغَائِط وَالْبَوْل بِالْمَاءِ
والفطرة فطرتان فطْرَة تتَعَلَّق بِالْقَلْبِ وَهِي معرفَة الله ومحبته وإيثاره على مَا سواهُ وفطرة عملية وَهِي هَذِه الْخِصَال فَالْأولى تزكي الرّوح وتطهر الْقلب وَالثَّانيَِة تطهر الْبدن وكل مِنْهُمَا تمد الْأُخْرَى وتقويها وَكَانَ رَأس فطْرَة الْبدن الْخِتَان لما سَنذكرُهُ فِي الْفَصْل السَّابِع إِن شَاءَ الله
وَفِي مُسْند الإِمَام أَحْمد من حَدِيث عمار بن يَاسر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من الْفطْرَة أَو الْفطْرَة الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق وقص الشَّارِب والسواك وتقليم الأظافر وَغسل البراجم ونتف الْإِبِط والاستحداد والاختتان والانتضاح وَقد اشتركت خِصَال الْفطْرَة
стр. 160
فِي الطَّهَارَة والنظافة وَأخذ الفضلات المستقذرة الَّتِي يألفها الشَّيْطَان ويجاورها من بني آدم وَله بالغرلة اتِّصَال واختصاص ستقف عَلَيْهِ فِي الْفَصْل السَّابِع إِن شَاءَ الله
وَقَالَ غير وَاحِد من السّلف من صلى وَحج واختتن فَهُوَ حنيف فالحج والختان شعار الحنيفة وَهِي فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا قَالَ الرَّاعِي يُخَاطب أَبَا بكر ﵁
(أخليفة الرَّحْمَن إِنَّا معشر ... حنفَاء نسجد بكرَة وَأَصِيلا)
(عرب نرى لله فِي أَمْوَالنَا ... حق الزَّكَاة منزلا تَنْزِيلا)
الْفَصْل الرَّابِع فِي الِاخْتِلَاف فِي وُجُوبه واستحبابه
اخْتلف الْفُقَهَاء فَقَالَ الشّعبِيّ وَرَبِيعَة وَالْأَوْزَاعِيّ وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد هُوَ وَاجِب وشدد فِيهِ مَالك حَتَّى قَالَ من لم يختتن لم تجز إِمَامَته وَلم تقبل شَهَادَته وَنقل كثير من الْفُقَهَاء عَن مَالك أَنه سنة حَتَّى قَالَ القَاضِي عِيَاض الاختتان عِنْد مَالك وَعَامة الْعلمَاء سنة وَلَكِن السّنة عِنْدهم يَأْثَم بِتَرْكِهَا فهم يطلقونها على مرتبَة بَين الْفَرْض
стр. 161
الْفَرْض وَبَين النّدب وَإِلَّا فقد صرح مَالك بِأَنَّهُ لَا تقبل شَهَادَة الأقلف وَلَا تجوز إِمَامَته وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ وَأَبُو حنيفَة لَا يجب بل هُوَ سنة وَكَذَلِكَ قَالَ ابْن أبي مُوسَى من أَصْحَاب أَحْمد هُوَ سنة مُؤَكدَة
وَنَصّ أَحْمد فِي رِوَايَة أَنه لَا يحب على النِّسَاء وَاحْتج الموجبون لَهُ بِوُجُوه أَحدهَا قَوْله تَعَالَى ﴿ثمَّ أَوْحَينَا إِلَيْك أَن اتبع مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا﴾ النَّحْل ١٢٣ والختان من مِلَّته لما تقدم
الْوَجْه الثَّانِي مَا رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد حَدثنَا عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج قَالَ أخْبرت عَن عثيم بن كُلَيْب عَن أَبِيه عَن جده أَنه جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ قد أسلمت قَالَ ألق عَنْك شعر الْكفْر يَقُول احْلق وَأَخْبرنِي آخر مَعَه أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لآخر الق عَنهُ شعر الْكفْر واختتن وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن مخلد بن خَالِد عَن عبد الرَّزَّاق وَحمله على النّدب فِي إِلْقَاء الشّعْر لَا يلْزم مِنْهُ حمله عَلَيْهِ فِي الآخر
الْوَجْه الثَّالِث قَالَ حَرْب فِي مسائلة عَن الزُّهْرِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله
стр. 162
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من أسلم فليختتن وَإِن كَانَ كَبِيرا وَهَذَا وَإِن كَانَ مُرْسلا فَهُوَ يصلح للاعتضاد
الْوَجْه الرَّابِع مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر بن مُحَمَّد ابْن عَليّ بن حُسَيْن بن عَليّ عَن آبَائِهِ وَاحِدًا بعد وَاحِد عَن عَليّ ﵁ قَالَ وجدنَا فِي قَائِم سيف رَسُول الله ﷺ فِي الصَّحِيفَة أَن الأقلف لَا يتْرك فِي الاسلام حَتَّى يختتن وَلَو بلغ ثَمَانِينَ سنة قَالَ الْبَيْهَقِيّ هَذَا حَدِيث ينْفَرد بِهِ أهل الْبَيْت بِهَذَا الاسناد
الْوَجْه الْخَامِس مَا رَوَاهُ ابْن الْمُنْذر من حَدِيث أبي بَرزَة عَن النَّبِي ﷺ فِي الأغلف لَا يحجّ بَيت الله حَتَّى يختتن وَفِي لفظ سَأَلنَا رَسُول الله ﷺ عَن رجل أقلف يحجّ بَيت الله قَالَ لَا حَتَّى يختتن ثمَّ قَالَ لَا يثبت لِأَن إِسْنَاده مَجْهُول
الْوَجْه السَّادِس مَا رَوَاهُ وَكِيع عَن سَالم أبي الْعَلَاء الْمرَادِي عَن عَمْرو ابْن هرم عَن جَابر بن زيد عَن ابْن عَبَّاس قَالَ الأقلف لَا تقبل لَهُ صَلَاة وَلَا تُؤْكَل ذَبِيحَته
وَقَالَ الإِمَام أَحْمد حَدثنَا مُحَمَّد بن عبيد عَن سَالم الْمرَادِي عَن عَمْرو
стр. 163
ابْن هرم عَن جَابر بن زيد عَن ابْن عَبَّاس لَا تُؤْكَل ذَبِيحَة الأقلف
وَقَالَ حَنْبَل فِي مسائلة حَدثنَا أَبُو عمر الحوضي حَدثنَا همام عَن قَتَادَة عَن عِكْرِمَة قَالَ لَا تُؤْكَل ذَبِيحَة الأقلف قَالَ وَكَانَ الْحسن لَا يرى مَا قَالَ عِكْرِمَة قَالَ وَقيل لعكرمة أَله حج قَالَ لَا قَالَ حَنْبَل قَالَ أَبُو عبد الله لَا تُؤْكَل ذَبِيحَته وَلَا صَلَاة لَهُ وَلَا حج حَتَّى يطهر وَهُوَ من تَمام الْإِسْلَام قَالَ حَنْبَل وَقَالَ أَبُو عبد الله الأقلف لَا يذبح وَلَا تُؤْكَل ذَبِيحَته وَلَا صَلَاة لَهُ وَقَالَ عبد الله بن أَحْمد حَدثنِي أبي حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم حَدثنَا سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة عَن جَابر بن زيد عَن ابْن عَبَّاس قَالَ الأقلف لَا تحل لَهُ صَلَاة وَلَا تُؤْكَل لَهُ ذَبِيحَة وَلَا يجوز لَهُ الشَّهَادَة قَالَ قَتَادَة وَكَانَ الْحسن لَا يرى ذَلِك
الْوَجْه السَّابِع أَن الْخِتَان من أظهر الشعائر الَّتِي يفرق بهَا بَين الْمُسلم وَالنَّصْرَانِيّ فوجوبه أظهر من وجوب الْوتر وَزَكَاة الْخَيل وَوُجُوب الْوضُوء على من قهقه فِي صلَاته وَوُجُوب الْوضُوء على من احْتجم أَو تقيأ أَو رعف وَوُجُوب التَّيَمُّم إِلَى الْمرْفقين وَوُجُوب الضربتين على الأَرْض وَغير ذَلِك مِمَّا وجوب الْخِتَان أظهر من وُجُوبه وَأقوى حَتَّى إِن الْمُسلمين لَا يكادون
стр. 164
يعدون الأقلف مِنْهُم وَلِهَذَا ذهب طَائِفَة من الْفُقَهَاء إِلَى أَن تَكْبِير يجب عَلَيْهِ أَن يختتن وَلَو أدّى الى تلفة كَمَا سَنذكرُهُ فِي الْفَصْل الثَّانِي عشر إِن شَاءَ الله تَعَالَى
الْوَجْه الثَّامِن أَنه قطع شرع الله لَا تؤمن من سرايته فَكَانَ وَاجِبا كَقطع يَد السَّارِق
الْوَجْه التَّاسِع أَنه لَا يجوز كشف الْعَوْرَة لَهُ لغير ضَرُورَة وَلَا مداواة فَلَو لم يجب لما جَازَ لِأَن الْحَرَام لَا يلْتَزم للمحافظة على الْمسنون
الْوَجْه الْعَاشِر أَنه لَا يسْتَغْنى فِيهِ عَن ترك واجبين وارتكاب محظورين أَحدهمَا كشف الْعَوْرَة فِي جَانب المختون وَالنَّظَر الى عَورَة الْأَجْنَبِيّ فِي جَانب الخاتن فَلَو لم يكن وَاجِبا لما كَانَ قد ترك لَهُ واجبان وارتكب محظوران
الْوَجْه الْحَادِي عشر مَا احْتج بِهِ الْخطابِيّ قَالَ أما الْخِتَان فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ مَذْكُورا فِي جملَة السّنَن فَإِنَّهُ عِنْد كثير من الْعلمَاء على الْوُجُوب وَذَلِكَ أَنه شعار الدّين وَبِه يعرف الْمُسلم من الْكَافِر وَإِذا وجد المختون بَين جمَاعَة قَتْلَى غير مختونين صلى عَلَيْهِ وَدفن فِي مَقَابِر الْمُسلمين
стр. 165
الْوَجْه الثَّانِي عشر أَن الْوَلِيّ يؤلم فِيهِ الصَّبِي ويعرضه للتلف بِالسّرَايَةِ وَيخرج من مَاله أُجْرَة الخاتن وَثمن الدَّوَاء وَلَا يضمن سرايته بالتلف وَلَو لم يكن وَاجِبا لما جَازَ ذَلِك فَإِنَّهُ لَا يجوز إِضَاعَة مَاله وإيلامه الْأَلَم الْبَالِغ وتعريضه للتلف بِفعل مَا لَا يجب فعله بل غَايَته أَن يكون مُسْتَحبا وَهَذَا ظَاهر بِحَمْد الله
الْوَجْه الثَّالِث عشر أَنه لَو لم يكن وَاجِبا لما جَازَ للخاتن الْإِقْدَام عَلَيْهِ وَإِن أذن فِيهِ المختون أَو وليه فَإِنَّهُ لَا يجوز لَهُ الْإِقْدَام على قطع عُضْو لم يَأْمر الله وَرَسُوله بِقطعِهِ وَلَا أوجب قطعه كَمَا لَو أذن لَهُ فِي قطع أُذُنه أَو إصبعه فَإِنَّهُ لَا يجوز لَهُ ذَلِك وَلَا يسْقط الْإِثْم عَنهُ بِالْإِذْنِ وَفِي سُقُوط الضَّمَان عَنهُ نزاع
الْوَجْه الرَّابِع عشر أَن الأقلف معرض لفساد طَهَارَته وَصلَاته فَإِن القلفة تستر الذّكر كُله فيصيبها الْبَوْل وَلَا يُمكن الِاسْتِجْمَار لَهَا فصحة الطَّهَارَة وَالصَّلَاة مَوْقُوفَة على الْخِتَان وَلِهَذَا منع كثير من السّلف وَالْخلف إِمَامَته وَإِن كَانَ مَعْذُورًا فِي نَفسه فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَة من بِهِ سَلس الْبَوْل وَنَحْوه
فالمقصود بالختان التَّحَرُّز من احتباس الْبَوْل فِي القلفة فتفسد الطَّهَارَة وَالصَّلَاة وَلِهَذَا قَالَ ابْن عَبَّاس فِيمَا رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد وَغَيره لَا تقبل لَهُ صَلَاة وَلِهَذَا يسْقط بِالْمَوْتِ لزوَال التَّكْلِيف بِالطَّهَارَةِ وَالصَّلَاة
стр. 166
الْوَجْه الْخَامِس عشر أَنه شعار عباد الصَّلِيب وَعباد النَّار الَّذين تميزوا بِهِ عَن الحنفاء والختان شعار الحنفاء فِي الأَصْل وَلِهَذَا أول من اختتن إِمَام الحنفاء وَصَارَ للختان شعار الحنيفية وَهُوَ مِمَّا توارثه بَنو إِسْمَاعِيل وَبَنُو إِسْرَائِيل عَن إِبْرَاهِيم الْخَلِيل ﷺ فَلَا يجوز مُوَافقَة عباد الصَّلِيب القلف فِي شعار كفرهم وتثليثهم
فصل
قَالَ المسقطون لوُجُوبه قد صرحت السّنة بِأَنَّهُ سنة كَمَا فِي حَدِيث شَدَّاد ابْن أَوْس عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ الْخِتَان سنة للرِّجَال مكرمَة للنِّسَاء رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد
قَالُوا وَقد قرنه ﷺ بالمسنونات دون الْوَاجِبَات وَهِي الاستحداد وقص الشَّارِب وتقليم الْأَظْفَار ونتف الْإِبِط
قَالُوا وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ قد أسلم مَعَ رَسُول الله ﷺ النَّاس
стр. 167
الْأسود والأبيض والرومي والفارسي والحبشي فَمَا فتش أحدا مِنْهُم أَو مَا بَلغنِي أَنه فتش أحدا مِنْهُم وَقَالَ الإِمَام أَحْمد حَدثنَا الْمُعْتَمِر عَن سلم ابْن أبي الذَّيَّال قَالَ سَمِعت الْحسن يَقُول يَا عجبا لهَذَا الرجل يَعْنِي أَمِير الْبَصْرَة لَقِي أشياخا من أهل كيكر فَقَالَ مَا دينكُمْ قَالُوا مُسلمين فَأمر بهم ففتشوا فوجدوا غير مختونين فختنوا فِي هَذَا الشتَاء وَقد بَلغنِي أَن بَعضهم مَاتَ وَقد أسلم مَعَ النَّبِي ﷺ الرُّومِي والفارسي والحبشي فَمَا فتش أحدا مِنْهُم
قَالُوا وَأما استدلالكم بقوله تَعَالَى ﴿ثمَّ أَوْحَينَا إِلَيْك أَن اتبع مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا﴾ النَّحْل ١٢٣ فالملة هِيَ الحنيفية وَهِي التَّوْحِيد وَلِهَذَا بَينهَا بقوله ﴿حَنِيفا وَمَا كَانَ من الْمُشْركين﴾
وَقَالَ يُوسُف الصّديق أَنِّي تركت مِلَّة قوم لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه وهم بِالآخِرَة هم كافرون وَاتَّبَعت مِلَّة آبَائِي إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب مَا كَانَ لنا أَن نشْرك بِاللَّه من شَيْء يُوسُف ٣٧ و ٣٨ وَقَالَ تَعَالَى ﴿قل صدق الله فاتبعوا مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا وَمَا كَانَ من الْمُشْركين﴾ آل عمرَان ٩٥ فالملة فِي هَذَا كُله هِيَ أصل الايمان من التَّوْحِيد والإنابة إِلَى
стр. 168
الله وإخلاص الدّين لَهُ وَكَانَ رَسُول الله ﷺ يعلم أَصْحَابه إِذا أَصْبحُوا أَن يَقُولُوا أَصْبَحْنَا على فطْرَة الْإِسْلَام وَكلمَة الْإِخْلَاص وَدين نَبينَا مُحَمَّد وملة أَبينَا إِبْرَاهِيم حَنِيفا مُسلما وَمَا كَانَ من الْمُشْركين
قَالُوا وَلَو دخلت الْأَفْعَال فِي الْملَّة فمتابعته فِيهَا أَن تفعل على الْوَجْه الَّذِي فعله فَإِن كَانَ فعلهَا على سَبِيل الْوُجُوب فاتباعه أَن يَفْعَلهَا كَذَلِك وان كَانَ فعلهَا على وَجه النّدب فاتباعه أَن يَفْعَلهَا على وَجه النّدب فَلَيْسَ مَعكُمْ حِينَئِذٍ إِلَّا مُجَرّد فعل إِبْرَاهِيم وَالْفِعْل هَل هُوَ على الْوُجُوب أَو النّدب فِيهِ النزاع الْمَعْرُوف والأقوى أَنه إِنَّمَا يدل على النّدب إِذا لم يكن بَيَانا لواجب فَمَتَى فَعَلْنَاهُ على وَجه النّدب كُنَّا قد اتبعناه قَالُوا وَأما حَدِيث عثيم ابْن كُلَيْب عَن أَبِيه عَن جده ألق عَنْك شعر الْكفْر واختتن فَابْن جريج قَالَ فِيهِ أخْبرت عَن عثيم بن كُلَيْب قَالَ أَبُو أَحْمد بن عدي هَذَا الَّذِي قَالَ ابْن جريج فِي هَذَا الْإِسْنَاد أخْبرت عَن عثيم بن كُلَيْب أَنما حَدثهُ ابراهيم بن أبي يحيى فكنى عَن اسْمه وَإِبْرَاهِيم هَذَا مُتَّفق على ضعفه بَين أهل الحَدِيث مَا خلا الشَّافِعِي وَحده قَالُوا وَأما مُرْسل الزُّهْرِيّ عَن النَّبِي ﷺ من أسلم فليختتن وَأَن كَانَ كَبِيرا فمرسيل الزُّهْرِيّ عِنْدهم من أَضْعَف الْمَرَاسِيل لَا تصلح للاحتجاج. .
стр. 169
قَالَ ابْن أبي حَاتِم حَدثنَا أَحْمد بن سِنَان قَالَ مَكَان يحيى بن سعيد الْقطَّان لَا يرى إرْسَال الزُّهْرِيّ وَقَتَادَة شَيْئا وَيَقُول هُوَ بِمَنْزِلَة الرّيح وقرىء على عَبَّاس الدوري عَن يحيى بن معِين قَالَ مَرَاسِيل الزُّهْرِيّ لَيست بِشَيْء قَالُوا وَأما حَدِيث مُوسَى بن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر عَن آبَائِهِ فَحَدِيث لَا يعرف وَلم يروه أهل الحَدِيث ومخرجه من هَذَا الْوَجْه وَحده تفرد بِهِ مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن آبَائِهِ بِهَذَا السَّنَد فَهُوَ نَظِير أَمْثَاله من الْأَحَادِيث الَّتِي تفرد بهَا غير الْحفاظ المعروفين بِحمْل الحَدِيث قَالُوا وَأما حَدِيث أبي بَرزَة فَقَالَ ابْن الْمُنْذر حَدثنَا يحيى بن مُحَمَّد حَدثنَا أَحْمد بن يُونُس حَدَّثتنَا أم الْأسود عَن منية عَن جدها أبي بَرزَة فَذكره قَالَ ابْن الْمُنْذر هَذَا إِسْنَاد مَجْهُول لَا يثبت قَالُوا وَأما استدلالكم بقول ابْن عَبَّاس الأقلف لَا تُؤْكَل ذَبِيحَته وَلَا تقبل لَهُ صَلَاة فَقَوْل صَحَابِيّ تفرد بِهِ
قَالَ أَحْمد وَكَانَ يشدد فِيهِ وَقد خَالفه الْحسن الْبَصْرِيّ وَغَيره وَأما قَوْلكُم إِنَّه من الشعائر صَحِيح لَا نزاع فِيهِ وَلَكِن لَيْسَ كل مَا كَانَ من الشعائر يكون وَاجِبا فالشعائر منقسمة إِلَى وَاجِب كالصلوات الْخمس وَالْحج وَالصِّيَام وَالْوُضُوء وَإِلَى مُسْتَحبّ كالتلبية وسوق الْهَدْي
стр. 170
وتقليده وَإِلَى مُخْتَلف فِيهِ كالأذان وَالْعِيدَيْنِ وَالْأُضْحِيَّة والختان فَمن أَيْن لكم أَن هَذَا من قسم الشعائر الْوَاجِبَة
وَأما قَوْلكُم أَنه قطع شرع الله لَا تؤمن سرايته فَكَانَ وَاجِبا كَقطع يَد السَّارِق من أبرد الأقيسة فَأَيْنَ الْخِتَان من قطع يَد اللص فيا بعد مَا بَينهمَا وَلَقَد أبعد النجعة من قَاس أَحدهمَا على الآخر فالختان إكرام المختون وَقطع يَد السَّارِق عُقُوبَة لَهُ وَأَيْنَ بَاب الْعُقُوبَات من أَبْوَاب الطهارات والتنظيف
وَأما قَوْلكُم يجوز كشف الْعَوْرَة لَهُ لغير ضَرُورَة وَلَا مداواة فَكَانَ وَاجِبا لَا يلْزم من جَوَاز كشف الْعَوْرَة وُجُوبه فَإِنَّهُ يجوز كشفها لغير الْوَاجِب إِجْمَاعًا كَمَا يكْشف لنظر الطَّبِيب ومعالجته وَإِن جَازَ ترك المعالجة وَأَيْضًا فَوجه الْمَرْأَة عَورَة فِي النّظر وَيجوز لَهَا كشفه فِي الْمُعَامَلَة الَّتِي لَا يجب ولتحمل الشَّهَادَة عَلَيْهَا حَيْثُ لَا تجب وَأَيْضًا فَإِنَّهُم جوزوا لغاسل الْمَيِّت حلق عانته وَذَلِكَ يسْتَلْزم كشف الْعَوْرَة أَو لمسها لغير وَاجِب
وَأما قَوْلكُم إِن بِهِ يعرف الْمُسلم من الْكَافِر حَتَّى إِذا وجد المختون بَين جمَاعَة قَتْلَى غير مختونين صلي عَلَيْهِ دونهم لَيْسَ كَذَلِك فَإِن بعض الْكفَّار يختتنون وهم الْيَهُود فالختان لَا يُمَيّز بَين الْمُسلم وَالْكَافِر إِلَّا إِذا كَانَ فِي مَحل لَا يختتن فِيهِ إِلَّا الْمُسلمُونَ وَحِينَئِذٍ فَيكون فرقا بَين الْمُسلم وَالْكَافِر وَلَا
стр. 171
يلْزم من ذَلِك وُجُوبه كَمَا لَا يلْزم وجوب سَائِر مَا يفرق بَين الْمُسلم وَالْكَافِر
وَأما قَوْلكُم إِن الْوَلِيّ يؤلم فِيهِ الصَّبِي ويعرضه للتلف بِالسّرَايَةِ وَيخرج من مَاله أُجْرَة الخاتن وَثمن الدَّوَاء فَهَذَا لَا يدل على وُجُوبه كَمَا يؤلمه بِضَرْب التَّأْدِيب لمصلحته وَيخرج من مَاله أُجْرَة الْمُؤَدب والمعلم وكما يضحى عَنهُ
قَالَ الْخلال بَاب الْأُضْحِية عَن الْيَتِيم أَخْبرنِي حَرْب بن اسماعيل قَالَ قلت لِأَحْمَد يضحى عَن الْيَتِيم قَالَ نعم إِذا كَانَ لَهُ مَال وَكَذَلِكَ قَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ قَالَ جَعْفَر بن مُحَمَّد النَّيْسَابُورِي سَمِعت أَبَا عبد الله يسئل عَن وَصِيّ يتيمة يَشْتَرِي لَهَا أضْحِية قَالَ لَهَا مَال قَالَ نعم قَالَ يَشْتَرِي لَهَا قَوْله لَو لم يكن وَاجِبا لما جَازَ للخاتن الْإِقْدَام عَلَيْهِ إِلَى آخِره ينْتَقض بإقدامه على قطع السّلْعَة والعضو التَّالِف وَقلع السن وَقطع الْعُرُوق وشق الْجلد للحجامة والتشريط فَيجوز الْإِقْدَام على مَا يُبَاح للرجل قطعه فضلا عَمَّا يسْتَحبّ لَهُ وَيسن وَفِيه مصلحَة ظَاهِرَة
وقولكم إِن الأقلف معرض لفساد طَهَارَته وَصلَاته فَهَذَا إِنَّمَا يلام عَلَيْهِ إِذا كَانَ بِاخْتِيَارِهِ وَمَا خرج عَن اخْتِيَاره وَقدرته وَلم يلم عَلَيْهِ وَلم تفْسد طَهَارَته كسلس الْبَوْل والرعاف وسلس الْمَذْي فَإِذا فعل مَا يقدر عَلَيْهِ من الِاسْتِجْمَار والاستنجاء لم يُؤَاخذ بِمَا عجز عَنهُ
стр. 172
قَوْلكُم إِنَّه من شعار عباد الصلبان وَعباد النيرَان فموافقتهم فِيهِ مُوَافقَة فِي شعار دينهم جَوَابه أَنهم لم يتميزوا عَن الحنفاء بِمُجَرَّد ترك الْخِتَان وَإِنَّمَا امتازوا بِمَجْمُوع مَا هم عَلَيْهِ من الدّين الْبَاطِل وموافقة الْمُسلم فِي ترك الْخِتَان لَا يسْتَلْزم موافقتهم فِي شعار دينهم الَّذِي امتازوا بِهِ عَن الحنفاء
قَالَ الموجبون الْخِتَان علم الحنيفية وشعار الْإِسْلَام وَرَأس الْفطْرَة وعنوان الْملَّة وَإِذا كَانَ النَّبِي ﷺ قد قَالَ من لم يَأْخُذ شار بِهِ فَلَيْسَ منا فَكيف من عطل الْخِتَان وَرَضي بشعار القلف عباد الصلبان وَمن أظهر مَا يفرق بَين عباد الصلبان وَعباد الرَّحْمَن الْخِتَان وَعَلِيهِ اسْتمرّ عمل الحنفاء من عهد إمَامهمْ إِبْرَاهِيم إِلَى عهد خَاتم الْأَنْبِيَاء فَبعث بتكميل الحنيفية وتقريرها لَا بتحويلها وتغيرها
وَلما أَمر الله بِهِ خَلِيله وَعلم أَن أمره المطاع وَإنَّهُ لَا يجوز أَن يعطل ويضاع بَادر إِلَى امْتِثَال مَا أَمر بِهِ الْحَيّ القيوم وختن نَفسه بالقدوم مبادرة إِلَى الِامْتِثَال وَطَاعَة لذِي الْعِزَّة والجلال وَجعله فطْرَة بَاقِيَة فِي عقبَة إِلَى أَن يَرث الأَرْض وَمن عَلَيْهَا وَلذَلِك دَعَا جَمِيع الْأَنْبِيَاء من ذُريَّته أممهم إِلَيْهَا حَتَّى عبد الله وَرَسُوله وكلمته ابْن الْعَذْرَاء البتول فَإِنَّهُ اختتن مُتَابعَة لإِبْرَاهِيم
стр. 173
الْخَلِيل وَالنَّصَارَى تقر بذلك وتعترف أَنه من أَحْكَام الْإِنْجِيل وَلَكِن اتبعُوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وَضَلُّوا عَن سَوَاء السَّبِيل
حَتَّى لقد أذن عَالم أهل بَيت رَسُول الله ﷺ عبد الله بن عَبَّاس أذانا سَمعه الْخَاص وَالْعَام أَن من لم يختتن فَلَا صَلَاة لَهُ وَلَا تُؤْكَل ذَبِيحَته فَأخْرجهُ من جملَة أهل الْإِسْلَام وَمثل هَذَا لَا يُقَال لتارك أَمر هُوَ بَين تَركه وَفعله بِالْخِيَارِ وَإِنَّمَا يُقَال لما علم وُجُوبه علما يقرب من الِاضْطِرَار وَيَكْفِي فِي وُجُوبه أَنه رَأس خِصَال الحنيفية الَّتِي فطر الله عباده عَلَيْهَا ودعت جَمِيع الرُّسُل إِلَيْهَا فتاركه خَارج عَن الْفطْرَة الَّتِي بعث الله رسله بتكميلها وَمَوْضِع فِي تعطيلها مُؤخر لما اسْتحق التَّقْدِيم رَاغِب فِي مِلَّة أَبِيه إِبْرَاهِيم ﴿وَمن يرغب عَن مِلَّة إِبْرَاهِيم إِلَّا من سفه نَفسه وَلَقَد اصطفيناه فِي الدُّنْيَا وَإنَّهُ فِي الْآخِرَة لمن الصَّالِحين إِذْ قَالَ لَهُ ربه أسلم قَالَ أسلمت لرب الْعَالمين﴾ الْبَقَرَة ١٣١ - ١٣٢ فَكَمَا أَن الْإِسْلَام رَأس الْملَّة الحنيفية وقوامها فالاستسلام لأَمره كمالها وتمامها
فصل
وَأما قَوْله فِي الحَدِيث الْخِتَان سنة للرِّجَال مكرمَة للنِّسَاء فَهَذَا حَدِيث يرْوى عَن ابْن عَبَّاس بِإِسْنَاد ضَعِيف وَالْمَحْفُوظ أَنه مَوْقُوف عَلَيْهِ ويروى أَيْضا عَن الْحجَّاج بن أَرْطَاة وَهُوَ مِمَّن لَا يحْتَج بِهِ عَن أبي الْمليح
стр. 174
ابْن أُسَامَة عَن أَبِيه عَنهُ وَعَن مَكْحُول عَن أبي أَيُّوب عَن النَّبِي ﷺ فَذكره ذكر ذَلِك كُله الْبَيْهَقِيّ ثمَّ سَاق عَن ابْن عَبَّاس أَنه لَا تُؤْكَل ذَبِيحَة الأقلف وَلَا تقبل صلَاته وَلَا تجوز شَهَادَته ثمَّ قَالَ وَهَذَا يدل على أَنه كَانَ يُوجِبهُ وَأَن قَوْله الْخِتَان سنة أَرَادَ بِهِ سنة النَّبِي ﷺ وَأَن رَسُول الله ﷺ سنة وَأمر بِهِ فَيكون وَاجِبا انْتهى
وَالسّنة هِيَ الطَّرِيقَة يُقَال سننت لَهُ كَذَا أَي شرعت فَقَوله الْخِتَان سنة للرِّجَال أَي مَشْرُوع لَهُم لَا أَنه ندب غير وَاجِب فَالسنة هِيَ الطَّرِيقَة المتبعة وجوبا واستحبابا لقَوْله ﷺ من رغب عَن سنتي فَلَيْسَ مني وَقَوله عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين من بعدِي
وَقَالَ ابْن عَبَّاس من خَالف السّنة كفر وَتَخْصِيص السّنة بِمَا يجوز تَركه اصْطِلَاح حَادث وَإِلَّا فَالسنة مَا سنه رَسُول الله ﷺ لأمته من وَاجِب
стр. 175
ومستحب فَالسنة هِيَ الطَّرِيقَة وَهِي الشَّرِيعَة والمنهاج والسبيل
وَأما قَوْلكُم إِن رَسُول الله ﷺ قرنه بالمسنونات فدلالة الاقتران لَا تقوى على مُعَارضَة أَدِلَّة الْوُجُوب ثمَّ إِن الْخِصَال الْمَذْكُورَة فِي الحَدِيث مِنْهَا مَا هُوَ وَاجِب كالمضمضة وَالِاسْتِنْشَاق والاستنجاء وَمِنْهَا مَا هُوَ مُسْتَحبّ كالسواك وَأما تقليم الْأَظْفَار فَإِن الظفر إِذا طَال جدا بِحَيْثُ يجْتَمع تَحْتَهُ الْوَسخ وَجب تقليمه لصِحَّة الطَّهَارَة وَأما قصّ الشَّارِب فالدليل يقتضى وُجُوبه إِذا طَال وَهَذَا الَّذِي يتَعَيَّن القَوْل بِهِ لأمر رَسُول الله ﷺ بِهِ وَلقَوْله ﷺ من لم يَأْخُذ شَاربه فَلَيْسَ منا
وَأما قَول الْحسن الْبَصْرِيّ قد أسلم مَعَ رَسُول الله ﷺ النَّاس فَمَا فتش أحدا مِنْهُم فَجَوَابه أَنهم استغنوا عَن التفتيش بِمَا كَانُوا عَلَيْهِ من الْخِتَان فَإِن الْعَرَب قاطبة كلهم كَانُوا يختتنون وَالْيَهُود قاطبة تختتن وَلم يبْق إِلَّا النَّصَارَى وهم فرقتان فرقة تختتن وَفرْقَة لَا تختتن وَقد علم كل من دخل فِي الْإِسْلَام مِنْهُم وَمن غَيرهم أَن شعار الْإِسْلَام الْخِتَان فَكَانُوا يبادرون اليه بعد الْإِسْلَام كَمَا يبادرون إِلَى الْغسْل وَمن كَانَ مِنْهُم كَبِيرا يشق عَلَيْهِ وَيخَاف التّلف سقط عَنهُ وَقد سُئِلَ الإِمَام أَحْمد عَن ذَبِيحَة الأقلف
стр. 176
وَذكر لَهُ حَدِيث ابْن عَبَّاس لَا تُؤْكَل فَقَالَ ذَلِك عِنْدِي إِذا ولد بَين أبوين مُسلمين فَكبر وَلم يختتن وَأما الْكَبِير إِذا أسلم وَخَافَ على نَفسه الْخِتَان فَلهُ عِنْدِي رخصَة
وَأما قَوْلكُم إِن الْملَّة هِيَ التَّوْحِيد فالملة هِيَ الدّين وَهِي مَجْمُوعَة أَقْوَال وأفعال واعتقاد وَدخُول الْأَعْمَال فِي الْملَّة كدخول الْإِيمَان فالملة هِيَ الْفطْرَة وَهِي الدّين ومحال أَن يَأْمر الله سُبْحَانَهُ بِاتِّبَاع إِبْرَاهِيم فِي مُجَرّد الْكَلِمَة دون الْأَعْمَال وخصال الْفطْرَة وَإِنَّمَا أَمر بمتابعه فِي توحيده وأقواله وأفعاله وَهُوَ ﷺ اختتن امتثالا لأمر ربه الَّذِي أمره بِهِ وابتلاه بِهِ فوفاه كَمَا أَمر فَإِن لم نَفْعل كَمَا فعل لم نَكُنْ متبعين لَهُ وَأما قَوْلكُم فِي حَدِيث عثيم بن كُلَيْب عَن أَبِيه عَن جده بِأَنَّهُ من رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن أبي يحيى فالشافعي كَانَ حسن الظَّن بِهِ وَغَيره يُضعفهُ فَحَدِيثه يصلح للاعتضاد بِحَيْثُ يتقوى بِهِ وَإِن لم يحْتَج بِهِ وَحده وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي مُرْسل الزُّهْرِيّ فَإِذا لم يحْتَج بِهِ وَحده فَإِن هَذِه المرفوعات والموقوفات والمراسيل يشد بَعْضهَا بَعْضًا وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي حَدِيث مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَشبهه
стр. 177
وَأما قَوْلكُم إِن ابْن عَبَّاس تفرد بقوله فِي الأقلف لَا تُؤْكَل ذَبِيحَته وَلَا صَلَاة لَهُ فَهَذَا قَول صَحَابِيّ وَقد احْتج الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَغَيرهم بأقوال الصَّحَابَة وصرحوا بِأَنَّهَا حجَّة وَبَالغ الشَّافِعِي فِي ذَلِك وَجعل مخالفتها بِدعَة كَيفَ وَلم يحفظ عَن صَحَابِيّ خلاف ابْن عَبَّاس وَمثل هَذَا التَّشْدِيد والتغليظ لَا يَقُوله عَالم مثل ابْن عَبَّاس فِي ترك مَنْدُوب يُخَيّر الرجل بَين فعله وَتَركه
وَأما قَوْلكُم إِن الشعائر تَنْقَسِم إِلَى مُسْتَحبّ وواجب فَالْأَمْر كَذَلِك وَلَكِن مثل هَذَا الشعار الْعَظِيم الْفَارِق بَين عباد الصَّلِيب وَعباد الرَّحْمَن الَّذِي لَا تتمّ الطَّهَارَة إِلَّا بِهِ وَتَركه شعار عباد الصَّلِيب لَا يكون إِلَّا من أعظم الْوَاجِبَات
وَأما قَوْلكُم أَيْن بَاب الْعُقُوبَات من بَاب الْخِتَان فَنحْن لم نجْعَل ذَلِك أصلا فِي وجوب الْخِتَان بل اعْتبرنَا وجوب أَحدهمَا بِوُجُوب الآخر فَإِن أَعْضَاء الْمُسلم وظهره وَدَمه حمى إِلَّا من حد أَو حق وَكِلَاهُمَا يتَعَيَّن إِقَامَته وَلَا يجوز تعطيله وَأما كشف الْعَوْرَة لَهُ فَلَو لم تكن مصْلحَته أرجح من مفْسدَة كشفها وَالنَّظَر إِلَيْهَا ولمسها لم يجز ارْتِكَاب ثَلَاث مفاسد عَظِيمَة لأمر مَنْدُوب يجوز فعله وَتَركه وَأما المداواة فَتلك من تَمام الْحَيَاة وأسبابها الَّتِي
стр. 178
لَا بُد للبنية مِنْهَا فَلَو كَانَ الْخِتَان من بَاب المندوبات لَكَانَ بِمَنْزِلَة كشفها لما لَا تَدْعُو الْحَاجة إِلَيْهِ وَهَذَا لَا يجوز
وَأما قَوْلكُم إِن الْوَلِيّ يخرج من مَال الصَّبِي أُجْرَة الْمعلم والمؤدب فَلَا ريب أَن تَعْلِيمه وتأديبه حق وَاجِب على الْوَلِيّ فَمَا أخرج مَا لَهُ إِلَّا فِيمَا لَا بُد لَهُ من صَلَاحه فِي دُنْيَاهُ وآخرته مِنْهُ فَلَو كَانَ الْخِتَان مَنْدُوبًا مُحصنا لَكَانَ إِخْرَاجه بِمَنْزِلَة الصَّدَقَة التَّطَوُّع عِنْده وبذله لمن يحجّ عَنهُ حجَّة التَّطَوُّع وَنَحْو ذَلِك وَأما الْأُضْحِية عَنهُ فَهِيَ مُخْتَلف فِي وُجُوبهَا فَمن أوجبهَا لم يخرج مَاله إِلَّا فِي وَاجِب وَمن رَآهَا سنة قَالَ مَا يحصل بهَا من جبر قلبه وَالْإِحْسَان إِلَيْهِ وتفريحه أعظم من بَقَاء ثمنهَا فِي ملكه
الْفَصْل الْخَامِس فِي وَقت وُجُوبه
وَوَقته عِنْد الْبلُوغ لِأَنَّهُ وَقت وجوب الْعِبَادَات عَلَيْهِ وَلَا يجب قبل ذَلِك
وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ من حَدِيث سعيد بن جُبَير قَالَ سُئِلَ ابْن عَبَّاس ﵄ مثل من أَنْت حِين قبض رَسُول الله ﷺ قَالَ أَنا يَوْمئِذٍ مختون وَكَانُوا لَا يختنون الرجل حَتَّى يدْرك وَقد اخْتلف فِي سنّ ابْن عَبَّاس عِنْد
стр. 179
وَفَاة النَّبِي ﷺ فَقَالَ الزبير والواقدي ولد فِي الشّعب قبل خُرُوج بني هَاشم مِنْهُ قبل الْهِجْرَة بِثَلَاث سِنِين وَتُوفِّي رَسُول الله ﷺ وَله ثَلَاث عشرَة سنة
وَقَالَ سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس توفّي رَسُول الله ﷺ وَأَنا ابْن عشر سِنِين وَقد قَرَأت الْمُحكم يَعْنِي الْمفصل قَالَ أَبُو عمر روينَا ذَلِك عَنهُ من وُجُوه قَالَ وَقد رُوِيَ عَن ابْن إِسْحَاق عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس قبض رَسُول الله ﷺ وَأَنا ختين أَو مختون وَلَا يَصح قلت بل هُوَ أصح شَيْء فِي الْبَاب وَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه كَمَا تقدم لَفظه وَقَالَ عبد الله ابْن الإِمَام أَحْمد حَدثنَا أبي حَدثنَا سُلَيْمَان بن دَاوُد حَدثنَا شُعْبَة عَن أبي إِسْحَاق قَالَ سَمِعت سعيد بن جُبَير يحدث عَن ابْن عَبَّاس قَالَ توفّي رَسُول الله ﷺ وَأَنا ابْن خمس عشرَة سنة قَالَ عبد الله قَالَ أبي وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب
قلت وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنهُ قَالَ أَقبلت رَاكِبًا على أتان وَأَنا يَوْمئِذٍ قد ناهزت الِاحْتِلَام وَرَسُول الله ﷺ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بمنى إِلَى غير جِدَار فمررت بَين يَدي بعض الصَّفّ ٠٠٠٠ الحَدِيث وَالَّذِي عَلَيْهِ أَكثر أهل السّير
стр. 180
وَالْأَخْبَار أَن سنه كَانَ يَوْم وَفَاة النَّبِي ﷺ ثَلَاث عشرَة سنة فَإِنَّهُ ولد فِي الشّعب وَكَانَ قبل الْهِجْرَة بِثَلَاث سِنِين وَأقَام رَسُول الله ﷺ بِالْمَدِينَةِ عشرا وَقد أخبر أَنه كَانَ يَوْمئِذٍ مختونا
قَالُوا وَلَا يجب الْخِتَان قبل الْبلُوغ لِأَن الصَّبِي لَيْسَ أَهلا لوُجُوب الْعِبَادَات الْمُتَعَلّقَة بالأبدان فَمَا الظَّن بِالْجرْحِ الَّذِي ورد التَّعَبُّد بِهِ وَلَا ينْتَقض هَذَا بالعدة الَّتِي تجب على الصَّغِيرَة فَإِنَّهَا لَا مؤونة عَلَيْهَا فِيهَا إِنَّمَا هِيَ مُضِيّ الزَّمَان قَالُوا فَإِذا بلغ الصَّبِي وَهُوَ أقلف أَو الْمَرْأَة غير مختونة وَلَا عذر لَهما ألزمهما السُّلْطَان بِهِ وَعِنْدِي أَنه يجب على الْوَلِيّ أَن يختن الصَّبِي قبل الْبلُوغ بِحَيْثُ يبلغ مختونا فَإِن ذَلِك لَا يتم الْوَاجِب إِلَّا بِهِ
وَأما قَول ابْن عَبَّاس كَانُوا لَا يختنون الرجل حَتَّى يدْرك أَي حَتَّى يُقَارب الْبلُوغ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَإِذا بلغن أَجلهنَّ فأمسكوهن بِمَعْرُوف أَو فارقوهن بِمَعْرُوف﴾ الْبَقَرَة ٦٥ وَبعد بُلُوغ الْأَجَل لَا يَتَأَتَّى الْإِمْسَاك وَقد صرح ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ يَوْم موت النَّبِي ﷺ مختونا وَأخْبر فِي حجَّة الْوَدَاع الَّتِي عَاشَ بعْدهَا رَسُول الله ﷺ بضعَة وَثَمَانِينَ يَوْمًا أَنه كَانَ قد ناهز الِاحْتِلَام وَقد أَمر النَّبِي ﷺ الْآبَاء أَن يأمروا أَوْلَادهم بِالصَّلَاةِ لسبع وَأَن يضربوهم على تَركهَا لعشر فَكيف يسوغ لَهُم ترك ختانهم حَتَّى يجاوزوا الْبلُوغ وَالله أعلم
следующие страницы →