Полный текст (309 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وَذكر لَهُ حَدِيث ابْن عَبَّاس لَا تُؤْكَل فَقَالَ ذَلِك عِنْدِي إِذا ولد بَين أبوين مُسلمين فَكبر وَلم يختتن وَأما الْكَبِير إِذا أسلم وَخَافَ على نَفسه الْخِتَان فَلهُ عِنْدِي رخصَة
وَأما قَوْلكُم إِن الْملَّة هِيَ التَّوْحِيد فالملة هِيَ الدّين وَهِي مَجْمُوعَة أَقْوَال وأفعال واعتقاد وَدخُول الْأَعْمَال فِي الْملَّة كدخول الْإِيمَان فالملة هِيَ الْفطْرَة وَهِي الدّين ومحال أَن يَأْمر الله سُبْحَانَهُ بِاتِّبَاع إِبْرَاهِيم فِي مُجَرّد الْكَلِمَة دون الْأَعْمَال وخصال الْفطْرَة وَإِنَّمَا أَمر بمتابعه فِي توحيده وأقواله وأفعاله وَهُوَ ﷺ اختتن امتثالا لأمر ربه الَّذِي أمره بِهِ وابتلاه بِهِ فوفاه كَمَا أَمر فَإِن لم نَفْعل كَمَا فعل لم نَكُنْ متبعين لَهُ وَأما قَوْلكُم فِي حَدِيث عثيم بن كُلَيْب عَن أَبِيه عَن جده بِأَنَّهُ من رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن أبي يحيى فالشافعي كَانَ حسن الظَّن بِهِ وَغَيره يُضعفهُ فَحَدِيثه يصلح للاعتضاد بِحَيْثُ يتقوى بِهِ وَإِن لم يحْتَج بِهِ وَحده وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي مُرْسل الزُّهْرِيّ فَإِذا لم يحْتَج بِهِ وَحده فَإِن هَذِه المرفوعات والموقوفات والمراسيل يشد بَعْضهَا بَعْضًا وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي حَدِيث مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَشبهه
стр. 177
وَأما قَوْلكُم إِن ابْن عَبَّاس تفرد بقوله فِي الأقلف لَا تُؤْكَل ذَبِيحَته وَلَا صَلَاة لَهُ فَهَذَا قَول صَحَابِيّ وَقد احْتج الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَغَيرهم بأقوال الصَّحَابَة وصرحوا بِأَنَّهَا حجَّة وَبَالغ الشَّافِعِي فِي ذَلِك وَجعل مخالفتها بِدعَة كَيفَ وَلم يحفظ عَن صَحَابِيّ خلاف ابْن عَبَّاس وَمثل هَذَا التَّشْدِيد والتغليظ لَا يَقُوله عَالم مثل ابْن عَبَّاس فِي ترك مَنْدُوب يُخَيّر الرجل بَين فعله وَتَركه
وَأما قَوْلكُم إِن الشعائر تَنْقَسِم إِلَى مُسْتَحبّ وواجب فَالْأَمْر كَذَلِك وَلَكِن مثل هَذَا الشعار الْعَظِيم الْفَارِق بَين عباد الصَّلِيب وَعباد الرَّحْمَن الَّذِي لَا تتمّ الطَّهَارَة إِلَّا بِهِ وَتَركه شعار عباد الصَّلِيب لَا يكون إِلَّا من أعظم الْوَاجِبَات
وَأما قَوْلكُم أَيْن بَاب الْعُقُوبَات من بَاب الْخِتَان فَنحْن لم نجْعَل ذَلِك أصلا فِي وجوب الْخِتَان بل اعْتبرنَا وجوب أَحدهمَا بِوُجُوب الآخر فَإِن أَعْضَاء الْمُسلم وظهره وَدَمه حمى إِلَّا من حد أَو حق وَكِلَاهُمَا يتَعَيَّن إِقَامَته وَلَا يجوز تعطيله وَأما كشف الْعَوْرَة لَهُ فَلَو لم تكن مصْلحَته أرجح من مفْسدَة كشفها وَالنَّظَر إِلَيْهَا ولمسها لم يجز ارْتِكَاب ثَلَاث مفاسد عَظِيمَة لأمر مَنْدُوب يجوز فعله وَتَركه وَأما المداواة فَتلك من تَمام الْحَيَاة وأسبابها الَّتِي
стр. 178
لَا بُد للبنية مِنْهَا فَلَو كَانَ الْخِتَان من بَاب المندوبات لَكَانَ بِمَنْزِلَة كشفها لما لَا تَدْعُو الْحَاجة إِلَيْهِ وَهَذَا لَا يجوز
وَأما قَوْلكُم إِن الْوَلِيّ يخرج من مَال الصَّبِي أُجْرَة الْمعلم والمؤدب فَلَا ريب أَن تَعْلِيمه وتأديبه حق وَاجِب على الْوَلِيّ فَمَا أخرج مَا لَهُ إِلَّا فِيمَا لَا بُد لَهُ من صَلَاحه فِي دُنْيَاهُ وآخرته مِنْهُ فَلَو كَانَ الْخِتَان مَنْدُوبًا مُحصنا لَكَانَ إِخْرَاجه بِمَنْزِلَة الصَّدَقَة التَّطَوُّع عِنْده وبذله لمن يحجّ عَنهُ حجَّة التَّطَوُّع وَنَحْو ذَلِك وَأما الْأُضْحِية عَنهُ فَهِيَ مُخْتَلف فِي وُجُوبهَا فَمن أوجبهَا لم يخرج مَاله إِلَّا فِي وَاجِب وَمن رَآهَا سنة قَالَ مَا يحصل بهَا من جبر قلبه وَالْإِحْسَان إِلَيْهِ وتفريحه أعظم من بَقَاء ثمنهَا فِي ملكه
الْفَصْل الْخَامِس فِي وَقت وُجُوبه
وَوَقته عِنْد الْبلُوغ لِأَنَّهُ وَقت وجوب الْعِبَادَات عَلَيْهِ وَلَا يجب قبل ذَلِك
وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ من حَدِيث سعيد بن جُبَير قَالَ سُئِلَ ابْن عَبَّاس ﵄ مثل من أَنْت حِين قبض رَسُول الله ﷺ قَالَ أَنا يَوْمئِذٍ مختون وَكَانُوا لَا يختنون الرجل حَتَّى يدْرك وَقد اخْتلف فِي سنّ ابْن عَبَّاس عِنْد
стр. 179
وَفَاة النَّبِي ﷺ فَقَالَ الزبير والواقدي ولد فِي الشّعب قبل خُرُوج بني هَاشم مِنْهُ قبل الْهِجْرَة بِثَلَاث سِنِين وَتُوفِّي رَسُول الله ﷺ وَله ثَلَاث عشرَة سنة
وَقَالَ سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس توفّي رَسُول الله ﷺ وَأَنا ابْن عشر سِنِين وَقد قَرَأت الْمُحكم يَعْنِي الْمفصل قَالَ أَبُو عمر روينَا ذَلِك عَنهُ من وُجُوه قَالَ وَقد رُوِيَ عَن ابْن إِسْحَاق عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس قبض رَسُول الله ﷺ وَأَنا ختين أَو مختون وَلَا يَصح قلت بل هُوَ أصح شَيْء فِي الْبَاب وَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه كَمَا تقدم لَفظه وَقَالَ عبد الله ابْن الإِمَام أَحْمد حَدثنَا أبي حَدثنَا سُلَيْمَان بن دَاوُد حَدثنَا شُعْبَة عَن أبي إِسْحَاق قَالَ سَمِعت سعيد بن جُبَير يحدث عَن ابْن عَبَّاس قَالَ توفّي رَسُول الله ﷺ وَأَنا ابْن خمس عشرَة سنة قَالَ عبد الله قَالَ أبي وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب
قلت وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنهُ قَالَ أَقبلت رَاكِبًا على أتان وَأَنا يَوْمئِذٍ قد ناهزت الِاحْتِلَام وَرَسُول الله ﷺ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بمنى إِلَى غير جِدَار فمررت بَين يَدي بعض الصَّفّ ٠٠٠٠ الحَدِيث وَالَّذِي عَلَيْهِ أَكثر أهل السّير
стр. 180
وَالْأَخْبَار أَن سنه كَانَ يَوْم وَفَاة النَّبِي ﷺ ثَلَاث عشرَة سنة فَإِنَّهُ ولد فِي الشّعب وَكَانَ قبل الْهِجْرَة بِثَلَاث سِنِين وَأقَام رَسُول الله ﷺ بِالْمَدِينَةِ عشرا وَقد أخبر أَنه كَانَ يَوْمئِذٍ مختونا
قَالُوا وَلَا يجب الْخِتَان قبل الْبلُوغ لِأَن الصَّبِي لَيْسَ أَهلا لوُجُوب الْعِبَادَات الْمُتَعَلّقَة بالأبدان فَمَا الظَّن بِالْجرْحِ الَّذِي ورد التَّعَبُّد بِهِ وَلَا ينْتَقض هَذَا بالعدة الَّتِي تجب على الصَّغِيرَة فَإِنَّهَا لَا مؤونة عَلَيْهَا فِيهَا إِنَّمَا هِيَ مُضِيّ الزَّمَان قَالُوا فَإِذا بلغ الصَّبِي وَهُوَ أقلف أَو الْمَرْأَة غير مختونة وَلَا عذر لَهما ألزمهما السُّلْطَان بِهِ وَعِنْدِي أَنه يجب على الْوَلِيّ أَن يختن الصَّبِي قبل الْبلُوغ بِحَيْثُ يبلغ مختونا فَإِن ذَلِك لَا يتم الْوَاجِب إِلَّا بِهِ
وَأما قَول ابْن عَبَّاس كَانُوا لَا يختنون الرجل حَتَّى يدْرك أَي حَتَّى يُقَارب الْبلُوغ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَإِذا بلغن أَجلهنَّ فأمسكوهن بِمَعْرُوف أَو فارقوهن بِمَعْرُوف﴾ الْبَقَرَة ٦٥ وَبعد بُلُوغ الْأَجَل لَا يَتَأَتَّى الْإِمْسَاك وَقد صرح ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ يَوْم موت النَّبِي ﷺ مختونا وَأخْبر فِي حجَّة الْوَدَاع الَّتِي عَاشَ بعْدهَا رَسُول الله ﷺ بضعَة وَثَمَانِينَ يَوْمًا أَنه كَانَ قد ناهز الِاحْتِلَام وَقد أَمر النَّبِي ﷺ الْآبَاء أَن يأمروا أَوْلَادهم بِالصَّلَاةِ لسبع وَأَن يضربوهم على تَركهَا لعشر فَكيف يسوغ لَهُم ترك ختانهم حَتَّى يجاوزوا الْبلُوغ وَالله أعلم
стр. 181
الْفَصْل السَّادِس فِي الِاخْتِلَاف فِي كَرَاهِيَة يَوْم السَّابِع
وَقد اخْتلف فِي ذَلِك على قَوْلَيْنِ هما رِوَايَتَانِ عَن الإِمَام أَحْمد قَالَ الْخلال بَاب ذكر ختان الصَّبِي أَخْبرنِي عبد الْملك بن عبد الحميد أَنه ذَاكر أَبَا عبد الله ختاننه الصَّبِي لكم يختتن قَالَ لَا أَدْرِي لم أسمع فِيهِ شَيْئا فَقلت إِنَّه يشق على الصَّغِير ابْن عشر يغلظ عَلَيْهِ وَذكرت لَهُ ابْني مُحَمَّدًا أَنه فِي خمس سِنِين فأشتهي أَن أختنه فِيهَا ورأيته كَأَنَّهُ يَشْتَهِي ذَلِك ورأيته يكره الْعشْرَة لغلظه عَلَيْهِ وشدته فَقَالَ لي مَا ظَنَنْت أَن الصَّغِير يشْتَد عَلَيْهِ هَذَا وَلم أره يكره للصَّغِير للشهر أَو السّنة وَلم يقل فِي ذَلِك شَيْئا إِلَّا أَنِّي رَأَيْته يعجب من أَن يكون هَذَا يُؤْذِي الصَّغِير
قَالَ عبد الْملك وسمعته يَقُول كَانَ الْحسن يكره أَن يختتن الصَّبِي يَوْم سابعه أخبرنَا مُحَمَّد بن عَليّ السمسار قَالَ حَدثنَا مهنا قَالَ سَأَلت أَبَا عبد الله عَن الرجل يختن ابْنه لسبعة أَيَّام فكرهه وَقَالَ هَذَا فعل الْيَهُود وَقَالَ لي أَحْمد بن حَنْبَل كَانَ الْحسن يكره أَن يختن الرجل ابْنه لسبعة أَيَّام فَقلت من ذكره عَن الْحسن قَالَ بعض الْبَصرِيين وَقَالَ لي أَحْمد بَلغنِي أَن سُفْيَان الثَّوْريّ سَأَلَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة فِي كم يختن الصَّبِي فَقَالَ سُفْيَان لَو قلت لَهُ فِي كم ختن ابْن عمر بنيه فَقَالَ لي أَحْمد مَا كَانَ أَكيس سُفْيَان بن عُيَيْنَة يَعْنِي حِين قَالَ لَو قلت لَهُ فِي كم ختن ابْن عمر بنيه
стр. 182
أَخْبرنِي عصمَة بن عِصَام حَدثنَا حَنْبَل أَن أَبَا عبد الله قَالَ وَإِن ختن يَوْم السَّابِع فَلَا بَأْس وَإِنَّمَا كرهه الْحسن كَيْلا يتشبه باليهود وَلَيْسَ فِي هَذَا شَيْء أَخْبرنِي مُحَمَّد بن عَليّ حَدثنَا صَالح أَنه قَالَ لِأَبِيهِ يختن الصَّبِي لسبعة أَيَّام قَالَ يرْوى عَن الْحسن أَنه قَالَ فعل الْيَهُود قَالَ وَسُئِلَ وهب بن مُنَبّه عَن ذَلِك فَقَالَ إِنَّمَا يسْتَحبّ ذَلِك فِي الْيَوْم السَّابِع لخفته على الصّبيان فَإِن الْمَوْلُود يُولد وَهُوَ خدر الْجَسَد كُله لَا يجد ألم مَا أَصَابَهُ سبعا وَإِذا لم يختتن لذَلِك فَدَعوهُ حَتَّى يقوى وَقَالَ ابْن الْمُنْذر فِي ذكر وَقت الْخِتَان وَقد اخْتلفُوا فِي وَقت الْخِتَان فَكرِهت طَائِفَة أَن يختن الصَّبِي يَوْم سابعه كره ذَلِك الْحسن الْبَصْرِيّ وَمَالك بن أنس خلافًا على الْيَهُود وَقَالَ الثَّوْريّ هُوَ خطر قَالَ مَالك وَالصَّوَاب فِي خلاف الْيَهُود قَالَ وَعَامة مَا رَأَيْت الْخِتَان ببلدان إِذا أثغر وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل لم أسمع فِي ذَلِك شَيْئا
وَقَالَ اللَّيْث بن سعد الْخِتَان للغلام مَا بَين السَّبع سِنِين إِلَى الْعشْرَة قَالَ وَقد حُكيَ عَن مَكْحُول أَو غَيره أَن إِبْرَاهِيم خَلِيل الرَّحْمَن ختن ابْنه إِسْحَاق لسبعة أَيَّام وختن ابْنه إِسْمَاعِيل لثلاث عشرَة سنة وَرُوِيَ عَن أبي جَعْفَر أَن فَاطِمَة كَانَت تختن وَلَدهَا يَوْم السَّابِع قَالَ ابْن الْمُنْذر لَيْسَ فِي هَذَا الْبَاب نهي يثبت وَلَيْسَ لوُقُوع الْخِتَان خبر يرجع إِلَيْهِ وَلَا سنة
стр. 183
تسْتَعْمل فالأشياء على الْإِبَاحَة وَلَا يجوز حظر شَيْء مِنْهَا إِلَّا بِحجَّة وَلَا نعلم مَعَ من منع أَن يختن الصَّبِي لسبعة أَيَّام حجَّة
وَفِي سنَن الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث زُهَيْر بن مُحَمَّد عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن جَابر قَالَ عق رَسُول الله النَّبِي ﷺ عَن الْحسن وَالْحُسَيْن وختنهما لسبعة أَيَّام
وفيهَا من حَدِيث مُوسَى بن عَليّ بن رَبَاح عَن أَبِيه أَن إِبْرَاهِيم ختن إِسْحَاق وَهُوَ ابْن سَبْعَة أَيَّام قَالَ شَيخنَا ختن إِبْرَاهِيم إِسْحَاق لسبعة أَيَّام وختن إِسْمَاعِيل عِنْد بُلُوغه فَصَارَ ختان إِسْحَاق سنة فِي بنيه وختان إِسْمَاعِيل سنة فِي بنيه وَالله أعلم
الْفَصْل السَّابِع فِي حِكْمَة الْخِتَان وفوائده
الْخِتَان من محَاسِن الشَّرَائِع الَّتِي شرعها الله سُبْحَانَهُ لِعِبَادِهِ ويجمل بهَا محاسنهم الظَّاهِرَة والباطنة فَهُوَ مكمل للفطرة الَّتِي فطرهم عَلَيْهَا وَلِهَذَا كَانَ من تَمام الحنيفبة مِلَّة إِبْرَاهِيم وأصل مَشْرُوعِيَّة الْخِتَان لتكميل الحنيفية فَإِن الله لما عَاهَدَ إِبْرَاهِيم وعده أَن يَجعله للنَّاس إِمَامًا ووعده أَن يكون أَبَا لشعوب كَثِيرَة وَأَن يكون الْأَنْبِيَاء والملوك من صلبه وَأَن يكثر نَسْله وَأخْبرهُ أَنه جَاعل بَينه وَبَين نَسْله عَلامَة الْعَهْد أَن يختنوا كل مَوْلُود مِنْهُم وَيكون عهدي هَذَا ميسما فِي أَجْسَادهم فالختان علم للدخول فِي مِلَّة إِبْرَاهِيم وَهَذَا
стр. 184
مُوَافق لتأويل من تَأَول قَوْله تَعَالَى ﴿صبغة الله وَمن أحسن من الله صبغة﴾ الْبَقَرَة ١٣٨ على الْخِتَان
فالختان للحنفاء بِمَنْزِلَة الصَّبْغ والتعميد لعباد الصَّلِيب فهم يطهرون أَوْلَادهم بزعمهم حِين يصبغونهم فِي المعمودية وَيَقُولُونَ الْآن صَار نَصْرَانِيّا فشرع الله سُبْحَانَهُ للحنفاء صبغة الحنيفية وَجعل ميسمها الْخِتَان فَقَالَ ﴿صبغة الله وَمن أحسن من الله صبغة﴾ الْبَقَرَة ١٣٨ وَقد جعل الله سُبْحَانَهُ السمات عَلامَة لمن يُضَاف مِنْهَا إِلَيْهِ الْمعلم بهَا وَلِهَذَا النَّاس يسمون دوابهم ومواشيهم بأنواع السمات حَتَّى يكون مَا يُضَاف مِنْهَا إِلَى كل إِنْسَان مَعْرُوفا بسمته ثمَّ قد تكون هَذِه السمة متوارثة فِي أمة بعد أمة
فَجعل الله سُبْحَانَهُ الْخِتَان علما لمن يُضَاف اليه وَإِلَى دينه وملته وينسب اليه بِنِسْبَة الْعُبُودِيَّة والحنيفية حَتَّى إِذا جهلت حَال إِنْسَان فِي دينه عرف بسمة الْخِتَان ورنكه وَكَانَت الْعَرَب تدعى بِأمة الْخِتَان وَلِهَذَا جَاءَ فِي حَدِيث هِرقل إِنِّي أجد ملك الْخِتَان قد ظهر فَقَالَ لَهُ أَصْحَابه لَا يهمنك هَذَا فَإِنَّمَا تختتن الْيَهُود فاقتلهم فَبَيْنَمَا هم على ذَلِك وَإِذا برَسُول رَسُول الله ﷺ قد جَاءَ بكتابه فَأمر بِهِ أَن يكْشف وَينظر هَل هُوَ مختون فَوجدَ مختونا
стр. 185
فَلَمَّا أخبرهُ أَن الْعَرَب تختتن قَالَ هَذَا ملك هَذِه الْأمة وَلما كَانَت وقْعَة أجنادين بَين الْمُسلمين وَالروم جعل هِشَام بن الْعَاصِ يَقُول يَا معشر الْمُسلمين إِن هَؤُلَاءِ القلف لَا صَبر لَهُم على السَّيْف فَذكرهمْ بشعار عباد الصَّلِيب ورنكهم وَجعله مِمَّا يُوجب إقرام الحنفاء عَلَيْهِم وتطهير الأَرْض مِنْهُم
وَالْمَقْصُود أَن صبغة الله هِيَ الحنيفية الَّتِي صبغت الْقُلُوب بمعرفته ومحبته وَالْإِخْلَاص لَهُ وعبادته وَحده لَا شريك لَهُ وصبغت الْأَبدَان بخصال الْفطْرَة من الْخِتَان والاستحداد وقص الشَّارِب وتقليم الْأَظْفَار ونتف الْإِبِط والمضمضة وَالِاسْتِنْشَاق والسواك والاستنجاء فظهرت فطْرَة الله على قُلُوب الحنفاء وأبدانهم
قَالَ مُحَمَّد بن جرير قي قَوْله تَعَالَى ﴿صبغة الله﴾ يَعْنِي بالصبغة صبغة الْإِسْلَام وَذَلِكَ أَن النَّصَارَى إِذا أَرَادَت أَن تنصر أطفالهم جعلتهم فِي مَاء لَهُم تزْعم أَن ذَلِك لَهَا تقديس بِمَنْزِلَة غسل الْجَنَابَة لأهل الْإِسْلَام وَأَنه صبغة لَهُم فِي النَّصْرَانِيَّة فَقَالَ الله جلّ ثَنَاؤُهُ لنَبيه ﷺ لما قَالَ الْيَهُود وَالنَّصَارَى ﴿كونُوا هودا أَو نَصَارَى تهتدوا قل بل مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا وَمَا كَانَ من الْمُشْركين﴾ إِلَى قَوْله ﴿صبغة الله وَمن أحسن من الله صبغة﴾ الْبَقَرَة ١٣٥ - ١٣٨
стр. 186
قَالَ قَتَادَة إِن الْيَهُود تصبغ أبناءها يهودا وَالنَّصَارَى تصبغ أبناءها نَصَارَى وَإِن صبغة الله الْإِسْلَام فَلَا صبغة أحسن من الْإِسْلَام وَلَا أطهر
وَقَالَ مُجَاهِد صبغة الله فطْرَة الله وَقَالَ غَيره دين الله هَذَا مَعَ مَا فِي الْخِتَان من الطَّهَارَة والنظافة والتزيين وتحسين الْخلقَة وتعديل الشَّهْوَة الَّتِي إِذا أفرطت ألحقت الْإِنْسَان بالحيوانات وَإِن عدمت بِالْكُلِّيَّةِ ألحقته بالجمادات فالختان يعدلها وَلِهَذَا تَجِد الأقلف من الرِّجَال والقلفاء من النِّسَاء لَا يشْبع من الْجِمَاع
وَلِهَذَا يذم الرجل ويشتم ويعير بِأَنَّهُ ابْن القلفاء إِشَارَة الى غلمتها وَأي زِينَة أحسن من أَخذ مَا طَال وَجَاوَزَ الْحَد من جلدَة القلفة وَشعر الْعَانَة وَشعر الْإِبِط وَشعر الشَّارِب وَمَا طَال من الظفر فَإِن الشَّيْطَان يختبىء تَحت ذَلِك كُله ويألفه ويقطن فِيهِ حَتَّى إِنَّه ينْفخ فِي إحليل الأقلف وَفرج القلفاء مَا لاينفخ فِي المختون ويختبىء فِي شعر الْعَانَة وَتَحْت الْأَظْفَار فالغرلة أقبح فِي موضعهَا من الظفر الطَّوِيل والشارب الطَّوِيل والعانة الْفَاحِشَة الطول وَلَا يخفى على ذِي الْحس السَّلِيم قبح الغرلة وَمَا فِي إِزَالَتهَا من التحسين والتنظيف والتزيين وَلِهَذَا لما ابتلى الله خَلِيله إِبْرَاهِيم بِإِزَالَة هَذِه الْأُمُور فأتمهن
стр. 187
جعله إِمَامًا للنَّاس هَذَا مَعَ مَا فِيهِ من بهاء الْوَجْه وضيائه وَفِي تَركه من الكسفة الَّتِي ترى عَلَيْهِ
وَقد ذكر حَرْب فِي مسَائِله عَن مَيْمُونَة زوج النَّبِي ﷺ أَنَّهَا قَالَت للخاتنة إِذا خفضت فأشمي وَلَا تنهكي فَإِنَّهُ أسرى للْوَجْه وأحظى لَهَا عِنْد زَوجهَا
وروى أَبُو دَاوُد عَن أم عَطِيَّة أَن رَسُول الله ﷺ أَمر ختانه تختن فَقَالَ إِذا ختنت فَلَا تنهكي فَإِن ذَلِك أحظى للْمَرْأَة وَأحب للبعل وَمعنى هَذَا أَن الخافضة إِذا استأصلت جلدَة الْخِتَان ضعفت شَهْوَة الْمَرْأَة فَقلت حظوتها عِنْد زَوجهَا كَمَا أَنَّهَا إِذا تركتهَا كَمَا هِيَ لم تَأْخُذ مِنْهَا شَيْئا ازدادت غلمتها فَإِذا أخذت مِنْهَا وأبقت كَانَ فِي ذَلِك تعديلا للخلقة والشهوة هَذَا مَعَ أَنه لَا يُنكر أَن يكون قطع هَذِه الْجلْدَة علما على الْعُبُودِيَّة فَإنَّك تَجِد قطع طرف الْأذن وكي الْجَبْهَة وَنَحْو ذَلِك فِي كثير من الرَّقِيق عَلامَة لرقهم وعبوديتهم حَتَّى إِذا أبق رد إِلَى مَالِكه بِتِلْكَ الْعَلامَة فَمَا يُنكر أَن يكون قطع هَذَا الطّرف علما على عبودية صَاحبه لله سُبْحَانَهُ حَتَّى يعرف النَّاس أَن من كَانَ كَذَلِك فَهُوَ من عبيد الله الحنفاء فَيكون الْخِتَان علما لهَذِهِ السّنة الَّتِي
стр. 188
لَا أشرف مِنْهَا مَعَ مَا فِيهِ من الطَّهَارَة والنظافة والزينة وتعديل الشَّهْوَة
وَقد ذكر فِي حِكْمَة خفض النِّسَاء أَن سارة لما وهبت هَاجر لإِبْرَاهِيم أَصَابَهَا فَحملت مِنْهُ فغارت سارة فَحَلَفت لتقطعن مِنْهَا ثَلَاثَة أَعْضَاء فخاف إِبْرَاهِيم أَن تجدع أنفها وتقطع أذنها فَأمرهَا بثقب أذنيها وختانها وَصَارَ ذَلِك سنة فِي النِّسَاء بعد وَلَا يُنكر هَذَا كَمَا كَانَ مبدأ السَّعْي سعي هَاجر بَين جبلين تبتغي لابنها الْقُوت وكما كَانَ مبدأ الْجمار حصب إِسْمَاعِيل للشَّيْطَان لما ذهب مَعَ أَبِيه فشرع الله سُبْحَانَهُ لِعِبَادِهِ تذكرة وإحياء لسنة خَلِيله وَإِقَامَة لذكره وإعظاما لعبوديته وَالله أعلم
الْفَصْل الثَّامِن فِي بَيَان الْقدر الَّذِي يُؤْخَذ من الْخِتَان
قَالَ أَبُو البركات فِي كِتَابه الْغَايَة وَيُؤْخَذ فِي ختان الرجل جلدَة الْحَشَفَة وَإِن اقْتصر على أَخذ أَكْثَرهَا جَازَ وَيسْتَحب لخافضة الْجَارِيَة أَن لَا تحيف نَص عَلَيْهِ
وَحكي عَن عمر أَنه قَالَ للخاتنة أُبْقِي مِنْهُ إِذا خفضت وَقَالَ الْخلال فِي جَامعه ذكر مَا يقطع فِي الْخِتَان أَخْبرنِي مُحَمَّد بن الْحُسَيْن أَن الْفضل بن زِيَاد حَدثهمْ قَالَ سُئِلَ أَحْمد كم يقطع فِي الختانة قَالَ حَتَّى تبدو الْحَشَفَة
وَأَخْبرنِي عبد الْملك الْمَيْمُونِيّ قَالَ قلت يَا أَبَا عبد الله مَسْأَلَة سُئِلت
стр. 189
عَنْهَا ختان ختن صَبيا فَلم يستقص فَقَالَ إِذا كَانَ الْخِتَان قد جَازَ نصف الْحَشَفَة إِلَى فَوق فَلَا يعْتد بِهِ لِأَن الْحَشَفَة تغلظ وَكلما غلظت هِيَ ارْتَفَعت الختانة ثمَّ قَالَ لي إِذا كَانَت دون النّصْف أَخَاف قلت لَهُ فَإِن الْإِعَادَة عَلَيْهِ شَدِيدَة جدا وَلَعَلَّه قد يخَاف عَلَيْهِ الْإِعَادَة قَالَ لي إيش يخَاف عَلَيْهِ وَرَأَيْت سهولة الْإِعَادَة إِذا كَانَت الختانة فِي أقل من نصف الْحَشَفَة إِلَى أَسْفَل وسمعته يَقُول هَذَا شَيْء لَا بُد أَن تتيسر فِيهِ الختانة
وَقَالَ ابْن الصّباغ فِي الشَّامِل الْوَاجِب على الرجل أَن يقطع الْجلْدَة الَّتِي على الْحَشَفَة حَتَّى تنكشف جَمِيعهَا وَأما الْمَرْأَة فلهَا عذرتان إِحْدَاهمَا بَكَارَتهَا وَالْأُخْرَى هِيَ الَّتِي يجب قطعهَا وَهِي كعرف الديك فِي أَعلَى الْفرج بَين الشفرين وَإِذا قطعت يبْقى أَصْلهَا كالنواة وَقَالَ الْجُوَيْنِيّ فِي نهايته الْمُسْتَحق فِي الرِّجَال قطع القلفة وَهِي الْجلْدَة الَّتِي تغشى الْحَشَفَة وَالْغَرَض أَن تبرز وَلَو فرض مِقْدَار مِنْهُ على الكمرة لَا ينبسط على سطح الْحَشَفَة فَيجب قطعه حَتَّى لَا تبقى الْجلْدَة متدلية
وَقَالَ ابْن كج عِنْدِي يَكْفِي قطع شَيْء من القلفة وَإِن قل بِشَرْط أَن يستوعب الْقطع تدوير رَأسهَا وَقَالَ الْجُوَيْنِيّ الْقدر الْمُسْتَحق من النِّسَاء مَا ينْطَلق عَلَيْهِ الِاسْم قَالَ فِي الحَدِيث مَا يدل على الْأَمر بالإقلال قَالَ ﷺ أشمي وَلَا تنكهي أَي اتركي الْموضع أَشمّ والأشم الْمُرْتَفع وَقَالَ
стр. 190
الْمَاوَرْدِيّ وَالسّنة أَن يستوعب القلفة الَّتِي تغشى الْحَشَفَة بِالْقطعِ من أَصْلهَا وَأَقل مَا يُجزئ فِيهِ أَن لَا يتغشى بهَا شَيْء من الْحَشَفَة وَأما خفض الْمَرْأَة فَهُوَ قطع جلدَة فِي الْفرج فَوق مدْخل الذّكر ومخرج الْبَوْل على أصل كالنواة وَيُؤْخَذ مِنْهُ الْجلْدَة المستعلية دون أَصْلهَا وَقد بَان بِهَذَا أَن الْقطع فِي الْخِتَان ثَلَاثَة أَقسَام سنة وواجب وَغير مجزئ على مَا تقدم وَالله أعلم
الْفَصْل التَّاسِع فِي أَن حكمه يعم الذّكر وَالْأُنْثَى
قَالَ صَالح بن أَحْمد إِذا جَامع الرجل امْرَأَته وَلم ينزل قَالَ إِذا التقى الختانان وَجب الْغسْل قَالَ أَحْمد وَفِي هَذَا أَن النِّسَاء كن يختتن وَسُئِلَ عَن الرجل تدخل عَلَيْهِ امْرَأَته فَلم يجدهَا مختونة أيجب عَلَيْهَا الْخِتَان قَالَ الْخِتَان سنة
قَالَ الْخلال وَأَخْبرنِي أَبُو بكر الْمروزِي وَعبد الْكَرِيم الْهَيْثَم ويوسف بن مُوسَى دخل كَلَام بَعضهم فِي بعض أَن أَبَا عبد الله سُئِلَ عَن الْمَرْأَة تدخل على زَوجهَا وَلم تختتن أيجب عَلَيْهَا الْخِتَان فَسكت والتفت إِلَى أبي حَفْص فَقَالَ تعرف فِي هَذَا شَيْئا قَالَ لَا فَقيل لَهُ إِنَّهَا أَتَى عَلَيْهَا ثَلَاثُونَ أَو أَرْبَعُونَ سنة فَسكت قيل لَهُ فَإِن قدرت على أَن تختتن قَالَ حسن
قَالَ وَأَخْبرنِي مُحَمَّد بن يحيى الكحال قَالَ سَأَلت أَبَا عبد الله عَن الْمَرْأَة تختتن فَقَالَ قد خرجت فِيهِ أَشْيَاء ثمَّ قَالَ فَنَظَرت فَإِذا خبر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 191
حِين يلتقي الختانان وَلَا يكون وَاحِدًا إِنَّمَا هُوَ اثْنَان قلت لأبي عبد الله فَلَا بُد مِنْهُ قَالَ الرجل أَشد وَذَلِكَ أَن الرجل إِذا لم يختتن فَتلك الْجلْدَة مدلاة على الكمرة فَلَا يبْقى مأثم وَالنِّسَاء أَهْون قلت لَا خلاف فِي اسْتِحْبَابه للْأُنْثَى وَاخْتلف فِي وُجُوبه وَعَن أَحْمد فِي ذَلِك رِوَايَتَانِ إِحْدَاهمَا يجب على الرِّجَال وَالنِّسَاء وَالثَّانيَِة يخْتَص وُجُوبه بالذكور وَحجَّة هَذِه الرِّوَايَة حَدِيث شَدَّاد بن أَوْس الْخِتَان سنة للرِّجَال مكرمَة للنِّسَاء فَفرق فِيهِ بَين الذُّكُور وَالْإِنَاث ويحتج لهَذَا القَوْل بِأَن الْأَمر بِهِ إِنَّمَا جَاءَ للرِّجَال كَمَا أَمر الله سُبْحَانَهُ بِهِ خَلِيله ﵇ فَفعله امتثالا لأَمره
وَأما ختان الْمَرْأَة فَكَانَ سَببه يَمِين سارة كَمَا تقدم قَالَ الإِمَام أَحْمد لَا تحيف خافضة الْمَرْأَة لِأَن عمر قَالَ لختانه ابقي مِنْهُ شَيْئا إِذا خفضت
وَذكر الإِمَام أَحْمد عَن أم عَطِيَّة أَن رَسُول الله ﷺ أَمر ختانه تختن فَقَالَ إِذا ختنت فَلَا تنهكي فَإِن ذَلِك أحظى للْمَرْأَة وَأحب للبعل وَالْحكمَة الَّتِي ذَكرنَاهَا فِي الْخِتَان تعم الذّكر وَالْأُنْثَى وَإِن كَانَت فِي الذّكر أبين وَالله أعلم
стр. 192
الْفَصْل الْعَاشِر فِي حكم جِنَايَة الخاتن وسراية الْخِتَان
قَالَ الله تَعَالَى ﴿مَا على الْمُحْسِنِينَ من سَبِيل﴾ التَّوْبَة ٩١ وَفِي السّنَن من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ من تطبب وَلم يعلم مِنْهُ طب فَهُوَ ضَامِن أما جِنَايَة يَد الخاتن فمضمونه عَلَيْهِ أَو على عَاقِلَته كجناية غَيره فَإِن زَادَت على ثلث الدِّيَة كَانَت على الْعَاقِلَة وَإِن نقصت عَن الثُّلُث فَهِيَ فِي مَاله وَأما مَا تلف بِالسّرَايَةِ فَإِن لم يكن من أهل الْعلم بصناعته وَلم يعرف بالحذق فِيهَا فَإِنَّهُ يضمنهَا لِأَنَّهَا سرَايَة جرح لم يجز الْإِقْدَام عَلَيْهِ فَهِيَ كسراية الْجِنَايَة مَضْمُونَة وَاخْتلفُوا فِيمَا عَداهَا فَقَالَ أَحْمد وَمَالك لَا تضمن سرَايَة مَأْذُون فِيهِ حدا كَانَ أَو تأديبا مُقَدرا كَانَ أَو غير مُقَدّر لِأَنَّهَا سرَايَة مَأْذُون فِيهِ فَلم يضمن كسراية اسْتِيفَاء مَنْفَعَة النِّكَاح وَإِزَالَة الْبكارَة وسراية الفصد والحجامة والختان وبط الدمل وَقطع السّلْعَة الْمَأْذُون فِيهِ لحاذق لم يَتَعَدَّ وَقَالَ الشَّافِعِي لَا يضمن
стр. 193
سرَايَة الْمُقدر حدا كَانَ أَو قصاصا وَيضمن سرَايَة غير الْمُقدر كالتعزيز والتأديب لِأَن التّلف بِهِ دَلِيل على التجاوز والعدوان
وَقَالَ أَبُو حنيفَة لَا يضمن سرَايَة الْوَاجِب خَاصَّة وَيضمن سرَايَة الْقود لِأَنَّهُ إِنَّمَا أُبِيح لَهُ اسْتِيفَاؤهُ بِشَرْط السَّلامَة وَالسّنة الصَّحِيحَة تخَالف هَذَا القَوْل وَإِن كَانَ الخاتن عَارِفًا بالصناعة وختن الْمَوْلُود فِي الزَّمن الَّذِي يختتن فِي مثله وَأعْطى الصِّنَاعَة حَقّهَا لم يضمن سرَايَة الْجرْح اتِّفَاقًا كَمَا لَو مرض المختون من ذَلِك وَمَات فَإِن أذن لَهُ أَن يختنه فِي زمن حر مفرط أَو برد مفرط أَو حَال ضعف يخَاف عَلَيْهِ مِنْهُ فَإِن كَانَ بَالغا عَاقِلا لم يضمنهُ لِأَنَّهُ أسقط حَقه بِالْإِذْنِ فِيهِ وَإِن كَانَ صَغِيرا ضمنه لِأَنَّهُ لَا يعْتَبر إِذْنه شرعا وَإِن أذن فِيهِ وليه فَهُوَ مَوضِع نظر هَل يجب الضَّمَان على الْوَلِيّ أَو على الخاتن وَلَا ريب أَن الْوَلِيّ المتسبب والخاتن مبَاشر فالقاعدة تَقْتَضِي تضمين الْمُبَاشر لِأَنَّهُ يُمكن الإحالة عَلَيْهِ بِخِلَاف مَا إِذا تعذر تَضْمِينه فَهَذَا تَفْصِيل القَوْل فِي جِنَايَة الخاتن وسراية ختانه وَالله أعلم
الْفَصْل الْحَادِي عشر فِي أَحْكَام الأقلف من طَهَارَته وَصلَاته وذبيحته وشهادته وَغير ذَلِك
قَالَ الْخلال أَخْبرنِي مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا وَكِيع عَن سَالم بن الْعَلَاء
стр. 194
الْمرَادِي عَن عَمْرو بن هرم عَن جَابر بن زيد عَن ابْن عَبَّاس قَالَ الأقلف لَا تقبل لَهُ صَلَاة وَلَا تُؤْكَل ذَبِيحَته قَالَ وَكِيع الأقلف إِذا بلغ فَلم يختتن لم تجز شَهَادَته أَخْبرنِي عصمَة بن عِصَام حَدثنَا حَنْبَل قَالَ حَدثنِي أَبُو عبد الله حَدثنَا مُحَمَّد بن عبيد عَن سَالم الْمرَادِي عَن عَمْرو بن هرم عَن جَابر بن زيد عَن ابْن عَبَّاس لَا تُؤْكَل ذَبِيحَة الأقلف
قَالَ حَنْبَل سَمِعت أَبَا عبد الله قَالَ لَا يُعجبنِي أَن يذبح الأقلف وَقَالَ حَنْبَل فِي مَوضِع آخر حَدثنَا أَبُو عَمْرو الحوضي حَدثنَا همام عَن قَتَادَة عَن عِكْرِمَة قَالَ لَا تُؤْكَل ذَبِيحَة الأقلف قَالَ وَكَانَ الْحسن لَا يرى مَا قَالَه عِكْرِمَة قَالَ قيل لعكرمة أَله حج قَالَ لَا قَالَ حَنْبَل قَالَ أَبُو عبد الله لَا تُؤْكَل ذَبِيحَته وَلَا صَلَاة لَهُ وَلَا حج لَهُ حَتَّى يتَطَهَّر هُوَ من تَمام الْإِسْلَام وَقَالَ حَنْبَل فِي مَوضِع آخر قَالَ أَبُو عبد الله الأقلف لَا يذبح وَلَا تُؤْكَل ذَبِيحَته وَلَا صَلَاة لَهُ
وَقَالَ عبد الله بن أَحْمد حَدثنِي أبي حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم حَدثنَا سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة عَن جَابر بن زيد عَن ابْن عَبَّاس قَالَ الأقلف لَا تحل لَهُ صَلَاة وَلَا تُؤْكَل ذَبِيحَته وَلَا تجوز لَهُ شَهَادَة قَالَ قَتَادَة وَكَانَ الْحسن لَا يرى ذَلِك وَقَالَ إِسْحَاق بن مَنْصُور قلت لأبي عبد الله ذَبِيحَة الأقلف قَالَ لَا بَأْس بهَا وَقَالَ أَبُو طَالب سَأَلت أَبَا عبد
стр. 195
الله عَن ذَبِيحَة الأقلف فَقَالَ ابْن عَبَّاس شدد فِي ذَبِيحَته جدا وَقَالَ الْفضل بن زِيَاد سَأَلت أَبَا عبد الله عَن ذَبِيحَة الأقلف فَقَالَ يرْوى عَن إِبْرَاهِيم وَالْحسن وَغَيرهمَا أَنهم كَانُوا لَا يرَوْنَ بهَا بَأْسا إِلَّا شَيْئا يرْوى عَن جَابر بن زيد عَن ابْن عَبَّاس أَنه كرهه
قَالَ أَبُو عبد الله وَهَذَا يشْتَد على النَّاس فَلَو أَن رجلا أسلم وَهُوَ كَبِير فخافوا عَلَيْهِ الْخِتَان أَفلا تُؤْكَل ذَبِيحَته
وَذكر الْخلال عَن أبي السَّمْح أَحْمد بن عبد الله بن ثَابت قَالَ سَمِعت أَحْمد بن حَنْبَل وَسُئِلَ عَن ذَبِيحَة الأقلف وَذكر لَهُ حَدِيث ابْن عَبَّاس لَا تُؤْكَل ذَبِيحَته فَقَالَ أَحْمد ذَاك عِنْدِي إِذا كَانَ الرجل يُولد بَين أبوين مُسلمين فَكيف لَا يختتن فَأَما الْكَبِير إِذا أسلم وَخَافَ على نَفسه الْخِتَان فَلهُ عِنْدِي رخصَة ثمَّ ذكر قصَّة الْحسن مَعَ أَمِير الْبَصْرَة الَّذِي ختن الرِّجَال فِي الشتَاء فَمَاتَ بَعضهم قَالَ فَكَانَ أَحْمد يَقُول إِذا أسلم الْكَبِير وَخَافَ على نَفسه فَلهُ عِنْدِي عذر
الْفَصْل الثَّانِي عشر فِي المسقطات لوُجُوبه
وَهِي أُمُور أَحدهَا أَن يُولد الرجل وَلَا قلفة لَهُ فَهَذَا مستغن عَن الْخِتَان إِذا لم يخلق لَهُ مَا يجب ختانه وَهَذَا مُتَّفق عَلَيْهِ لَكِن قَالَ بعض الْمُتَأَخِّرين
стр. 196
يسْتَحبّ إمرار الموسى على مَوضِع الْخِتَان لِأَنَّهُ مَا يقدر عَلَيْهِ من الْمَأْمُور بِهِ وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ إِذا أَمرتكُم بِأَمْر فَأتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم وَقد كَانَ الْوَاجِب أَمريْن مُبَاشرَة الحديدة وَالْقطع فَإِذا سقط الْقطع فَلَا أقل من اسْتِحْبَاب مُبَاشرَة الحديدة وَالصَّوَاب أَن هَذَا مَكْرُوه لَا يتَقرَّب إِلَى الله بِهِ وَلَا يتعبد بِمثلِهِ وتنزه عَنهُ الشَّرِيعَة فَإِنَّهُ عَبث لَا فَائِدَة فِيهِ وإمرار الموسى غير مَقْصُود بل هُوَ وَسِيلَة إِلَى فعل الْمَقْصُود فَإِذا سقط الْمَقْصُود لم يبْق للوسيلة معنى وَنَظِير هَذَا مَا قَالَ بَعضهم إِن الَّذِي يخلق على رَأسه شعر يسْتَحبّ لَهُ فِي النّسك أَن يمر الموسى على رَأسه وَنَظِير قَول بعض الْمُتَأَخِّرين من أَصْحَاب أَحْمد وَغَيرهم أَن الَّذِي لَا يحسن الْقِرَاءَة بِالْكُلِّيَّةِ وَلَا الذّكر أَو أخرس يُحَرك لِسَانه حَرَكَة مُجَرّدَة
قَالَ شَيخنَا وَلَو قيل إِن الصَّلَاة تبطل بذلك كَانَ أقرب لِأَنَّهُ عَبث يُنَافِي الْخُشُوع وَزِيَادَة عمل غير مَشْرُوع
وَالْمَقْصُود أَن هَذَا الَّذِي ولد وَلَا قلفة لَهُ كَانَت الْعَرَب تزْعم أَنه إِذا ولد فِي الْقَمَر تقلصت قلفته وتجمعت وَلِهَذَا يَقُولُونَ ختنه الْقَمَر وَهَذَا غير مطرد وَلَا هُوَ أَمر مُسْتَمر فَلم يزل النَّاس يولدون فِي الْقَمَر وَالَّذِي يُولد بِلَا قلفة نَادِر جدا وَمَعَ هَذَا فَلَا يكون زَوَال القلفة تَاما بل يظْهر رَأس الْحَشَفَة بِحَيْثُ يبين مخرج الْبَوْل وَلِهَذَا لَا بُد من ختانه ليظْهر تَمام
стр. 197
الْحَشَفَة وَأما الَّذِي يسْقط ختانه فَأن تكون الْحَشَفَة كلهَا ظَاهِرَة وَأَخْبرنِي صاحبنا مُحَمَّد بن عُثْمَان الخليلي الْمُحدث بِبَيْت الْمُقَدّس أَنه مِمَّن ولد كَذَلِك وَالله أعلم
فصل
الثَّانِي من مسقطاته ضعف الْمَوْلُود عَن احْتِمَاله بِحَيْثُ يخَاف عَلَيْهِ من التّلف وَيسْتَمر بِهِ الضعْف كَذَلِك فَهَذَا يعْذر فِي تَركه إِذْ غَايَته أَنه وَاجِب فَيسْقط بِالْعَجزِ عَنهُ كَسَائِر الْوَاجِبَات
فصل
الثَّالِث أَن يسلم الرجل كَبِيرا وَيخَاف على نَفسه مِنْهُ فَهَذَا يسْقط عَنهُ عِنْد الْجُمْهُور وَنَصّ عَلَيْهِ الإِمَام أَحْمد فِي رِوَايَة جمَاعَة من أَصْحَابه وَذكر قَول الْحسن أَنه قد أسلم فِي زمن رَسُول الله ﷺ الرُّومِي والحبشي والفارسي فَمَا فتش أحدا مِنْهُم وَخَالف سَحْنُون بن سعيد الْجُمْهُور فَلم يسْقطهُ عَن الْكَبِير الْخَائِف على نَفسه وَهُوَ قَول فِي مَذْهَب أَحْمد حَكَاهُ ابْن تَمِيم وَغَيره
فصل
وَظَاهر كَلَام أَصْحَابنَا أَنه يسْقط وُجُوبه فَقَط عِنْد خوف التّلف
стр. 198
وَالَّذِي يَنْبَغِي أَن يمْنَع من فعله وَلَا يجوز لَهُ وَصرح بِهِ فِي شرح الْهِدَايَة فَقَالَ يمْنَع مِنْهُ وَلِهَذَا نَظَائِر كَثِيرَة مِنْهَا الِاغْتِسَال بِالْمَاءِ الْبَارِد فِي حَال قُوَّة الْبرد وَالْمَرَض وَصَوْم الْمَرِيض الَّذِي يخْشَى تلفه بصومه وَإِقَامَة الْحَد على الْمَرِيض وَالْحَامِل وَغير ذَلِك فَإِن هَذِه الْأَعْذَار كلهَا تمنع إِبَاحَة الْفِعْل كَمَا تسْقط وُجُوبه
فصل
الرَّابِع الْمَوْت فَلَا يجب ختان الْمَيِّت بِاتِّفَاق الْأمة وَهل يسْتَحبّ فجمهور أهل الْعلم على أَنه لَا يسْتَحبّ وَهُوَ قَول الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَذكر بعض الْأَئِمَّة الْمُتَأَخِّرين أَنه مُسْتَحبّ وقاسه على أَخذ شَاربه وَحلق عانته ونتف إبطه وَهَذَا مُخَالف لما عَلَيْهِ عمل الْأمة وَهُوَ قِيَاس فَاسد فَإِن أَخذ الشَّارِب وتقليم الظفر وَحلق الْعَانَة من تَمام طَهَارَته وَإِزَالَة وسخه ودرنه
وَأما الْخِتَان فَهُوَ قطع عُضْو من أَعْضَائِهِ وَالْمعْنَى الَّذِي لأَجله شرع فِي الْحَيَاة قد زَالَ بِالْمَوْتِ فَلَا مصلحَة فِي ختانه وَقد أخبر النَّبِي ﷺ أَنه يبْعَث يَوْم الْقِيَامَة بغرلته غير مختون فَمَا الْفَائِدَة أَن يقطع مِنْهُ عِنْد الْمَوْت عُضْو يبْعَث بِهِ يَوْم الْقِيَامَة وَهُوَ من تَمام خلقه فِي النشأة الْأُخْرَى
стр. 199
فصل
وَلَا يمْنَع الْإِحْرَام من الْخِتَان نَص عَلَيْهِ الإِمَام أَحْمد وَقد سُئِلَ عَن الْمحرم يختتن فَقَالَ نعم فَلم يَجعله من بَاب إِزَالَة الشّعْر وتقليم الظفر لَا فِي الْحَيَاة وَلَا بعد الْمَوْت
الْفَصْل الثَّالِث عشر فِي ختان النَّبِي ﷺ
وَقد اخْتلف فِيهِ على أَقْوَال أَحدهَا أَنه ولد مختونا وَالثَّانِي أَن جِبْرِيل ختنه حِين شقّ صَدره الثَّالِث أَن جده عبد الْمطلب ختنه على عَادَة الْعَرَب فِي ختان أَوْلَادهم وَنحن نذْكر قائلي هَذِه الْأَقْوَال وحججهم فَأَما من قَالَ ولد مختونا فاحتجوا بِأَحَادِيث أَحدهَا مَا رَوَاهُ أَبُو عمر بن عبد الْبر فَقَالَ وَقد رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ ولد مختونا من حَدِيث عبد الله بن عَبَّاس عَن أَبِيه الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب قَالَ ولد رَسُول الله ﷺ مختونا مَسْرُورا يَعْنِي مَقْطُوع السُّرَّة فأعجب ذَلِك جده عبد الْمطلب وَقَالَ لَيَكُونن لِابْني هَذَا شَأْن عَظِيم ثمَّ قَالَ ابْن عبد الْبر لَيْسَ إِسْنَاد حَدِيث الْعَبَّاس هَذَا بالقائم قَالَ وَقد رُوِيَ مَوْقُوفا على ابْن عمر وَلَا يثبت أَيْضا قلت حَدِيث ابْن عمر روينَاهُ من طَرِيق أبي نعيم حَدثنَا أَبُو الْحسن أَحْمد ابْن مُحَمَّد بن خَالِد الْخَطِيب حَدثنَا مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان حَدثنَا عبد الرَّحْمَن ابْن أَيُّوب الْحِمصِي حَدثنَا مُوسَى بن أبي مُوسَى الْمَقْدِسِي حَدثنَا خَالِد بن سَلمَة
стр. 200
عَن نَافِع عَن ابْن عمر قَالَ ولد النَّبِي ﷺ مَسْرُورا مختونا وَلَكِن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان هَذَا هُوَ الباغندي وَقد ضَعَّفُوهُ وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ كَانَ كثير التَّدْلِيس يحدث بِمَا لم يسمع وَرُبمَا سرق الحَدِيث
وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ الْخَطِيب بِإِسْنَادِهِ من حَدِيث سُفْيَان بن مُحَمَّد المصِّيصِي حَدثنَا هشيم عَن يُونُس بن عبيد عَن الْحسن عَن أنس بن مَالك قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من كَرَامَتِي على الله أَنِّي ولدت مختونا وَلم ير سوءتي أحد قَالَ الْخَطِيب لم يروه فِيمَا يُقَال غير يُونُس عَن هشيم وَتفرد بِهِ سُفْيَان بن مُحَمَّد المصِّيصِي وَهُوَ مُنكر الحَدِيث
قَالَ الْخَطِيب أَخْبرنِي الْأَزْهَرِي قَالَ سُئِلَ الدَّارَقُطْنِيّ عَن سُفْيَان ابْن مُحَمَّد المصِّيصِي وَأَخْبرنِي أَبُو الطّيب الطَّبَرِيّ قَالَ قَالَ لنا الدَّارَقُطْنِيّ شيخ لأهل المصيصة يُقَال لَهُ سُفْيَان بن مُحَمَّد الْفَزارِيّ كَانَ ضَعِيفا سيء الْحَال وَقَالَ صَالح بن مُحَمَّد الْحَافِظ سُفْيَان بن مُحَمَّد المصِّيصِي لَا شَيْء وَقد رَوَاهُ أَبُو الْقَاسِم بن عَسَاكِر من طَرِيق الْحسن بن عَرَفَة حَدثنَا هشيم عَن يُونُس عَن الْحسن عَن أنس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من كَرَامَتِي على رَبِّي أَنِّي ولدت مختونا لم ير أحد سوءتي وَفِي إِسْنَاده إِلَى الْحسن بن عَرَفَة عدَّة مَجَاهِيل
قَالَ أَبُو الْقَاسِم بن عَسَاكِر وَقد سَرقه ابْن الْجَارُود وَهُوَ كَذَّاب
стр. 201
فَرَوَاهُ عَن الْحسن بن عَرَفَة وَمِمَّا احْتج بِهِ أَرْبَاب هَذَا القَوْل مَا ذكره مُحَمَّد ابْن عَليّ التِّرْمِذِيّ فِي معجزات النَّبِي ﷺ فَقَالَ وَمِنْهَا أَن صَفِيَّة بنت عبد الْمطلب قَالَت أردْت أَن أعرف أذكر هُوَ أم أُنْثَى فرأيته مختونا وَهَذَا الحَدِيث لَا يثبت وَلَيْسَ لَهُ إِسْنَاد يعرف بِهِ وَقد قَالَ أَبُو الْقَاسِم عمر بن أبي الْحسن بن هبة الله بن أبي جَرَادَة فِي كتاب صنفه فِي ختان الرَّسُول ﷺ يرد بِهِ على مُحَمَّد بن طَلْحَة فِي تصنيف صنفه وَقرر فِيهِ أَن رَسُول الله ﷺ ولد مختونا وَهَذَا مُحَمَّد بن عَليّ التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم لم يكن من أهل الحَدِيث وَلَا علم لَهُ بِطرقِهِ وصناعته وَإِنَّمَا كَانَ فِيهِ الْكَلَام على إشارات الصُّوفِيَّة والطرائق وَدَعوى الْكَشْف على الْأُمُور الغامضة والحقائق حَتَّى خرج فِي الْكَلَام على ذَلِك عَن قَاعِدَة الْفُقَهَاء وَاسْتحق الطعْن عَلَيْهِ بذلك والإزراء وَطعن عَلَيْهِ أَئِمَّة الْفُقَهَاء والصوفية وأخرجوه بذلك عَن السِّيرَة المرضية وَقَالُوا إِنَّه أَدخل فِي علم الشَّرِيعَة مَا فَارق بِهِ الْجَمَاعَة فاستوجب بذلك الْقدح والشناعة وملأ كتبه بالأحاديث الْمَوْضُوعَة وحشاها بالأخبار الَّتِي لَيست بمروية وَلَا مسموعة وَعلل فِيهَا خَفِي الْأُمُور الشَّرْعِيَّة الَّتِي لَا يعقل مَعْنَاهَا بعلل مَا أضعفها وَمَا أوهاها
وَمِمَّا ذكره فِي كتاب لَهُ وسمه بِالِاحْتِيَاطِ أَن يسْجد عقب كل صَلَاة يُصليهَا سَجْدَتي السَّهْو وَإِن لم يكن سَهَا فِيهَا وَهَذَا مِمَّا لَا يجوز فعله بِالْإِجْمَاع
стр. 202
وفاعله مَنْسُوب إِلَى الغلو والابتداع وَمَا حَكَاهُ عَن صَفِيَّة بقولِهَا فرأيته مختونا يُنَاقض الْأَحَادِيث الْأُخَر وَهُوَ قَوْله لم ير سوءتي أحد فَكل حَدِيث فِي هَذَا الْبَاب يُنَاقض الآخر وَلَا يثبت وَاحِد مِنْهَا وَلَو ولد مختونا فَلَيْسَ من خَصَائِصه ﷺ فَإِن كثيرا من النَّاس يُولد غير مُحْتَاج إِلَى الْخِتَان
قَالَ وَذكر أَبُو الْغَنَائِم النسابة الزيدي أَن أَبَاهُ القَاضِي أَبَا مُحَمَّد الْحسن ابْن مُحَمَّد بن الْحسن الزيدي ولد غير مُحْتَاج إِلَى الْخِتَان قَالَ وَلِهَذَا لقب بالمطهر قَالَ وَقَالَ فِيمَا قرأته بِخَطِّهِ خلق أَبُو مُحَمَّد الْحسن مطهرا لم يختن وَتُوفِّي كَمَا خلق وَقد ذكر الْفُقَهَاء فِي كتبهمْ أَن من ولد كَذَلِك لَا يختن وَاسْتحْسن بَعضهم أَن يمر الموسى على مَوضِع الْخِتَان ختان الْقَمَر يشيرون فِي ذَلِك إِلَى أَن النمو فِي خلقَة الْإِنْسَان يحصل فِي زِيَادَة الْقَمَر وَيحصل النُّقْصَان فِي الْخلقَة عِنْد نقصانه كَمَا يُوجد فِي ذَلِك الجزر وَالْمدّ فينسبون النُّقْصَان الَّذِي حصل فِي القلفة إِلَى نُقْصَان الْقَمَر
قَالَ وَقد ورد فِي حَدِيث رَوَاهُ سيف بن مُحَمَّد ابْن أُخْت سُفْيَان الثَّوْريّ عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ ابْن صياد
стр. 203
ولد مَسْرُورا مختونا وَسيف مطعون فِي حَدِيثه وَقيل إِن قَيْصر ملك الرّوم الَّذِي ورد عَلَيْهِ امْرُؤ الْقَيْس ولد كَذَلِك وَدخل عَلَيْهِ امْرُؤ الْقَيْس الْحمام فَرَآهُ كَذَلِك فَقَالَ يهجوه
(إِنِّي حَلَفت يَمِينا غير كَاذِبَة ... لأَنْت أغلف إِلَّا مَا جنى الْقَمَر)
يعيره أَنه لم يختتن وَجعل وِلَادَته كَذَلِك نقصا وَقيل إِن هَذَا الْبَيْت أحد الْأَسْبَاب الباعثة لقيصر على أَن سم امرء الْقَيْس فَمَاتَ
وَأنْشد ابْن الْأَعرَابِي فِيمَن ولد بِلَا قلفة
(فدَاك نكس لَا يبض حجره ... مخرق الْعرض حَدِيد ممصره)
(فِي ليل كانون شَدِيد خصره ... عض بأطراف الزبانى قمره)
يَقُول هُوَ أقلف لَيْسَ بمختون إِلَّا مَا قلص مِنْهُ الْقَمَر وَشبه قلفته بالزبانى وَهِي قرنا الْعَقْرَب وَكَانَت الْعَرَب لَا تَعْتَد بِصُورَة الْخِتَان من غير ختان وَترى الْفَضِيلَة فِي الْخِتَان نَفسه وتفخر بِهِ
قَالَ وَقد بعث الله نَبينَا ﷺ من صميم الْعَرَب وَخَصه بِصِفَات الْكَمَال من الْخلق وَالنّسب فَكيف يجوز أَن يكون مَا ذكره من كَونه مختونا مِمَّا يُمَيّز بِهِ النَّبِي ﷺ ويخصص وَقيل إِن الْخِتَان من الْكَلِمَات الَّتِي ابتلى الله بهَا خَلِيله ﷺ فأتمهن وأكملهن وَأَشد النَّاس بلَاء الْأَنْبِيَاء ثمَّ الأمثل فالأمثل وَقد عد النَّبِي ﷺ الْخِتَان من الْفطْرَة وَمن الْمَعْلُوم أَن الِابْتِلَاء بِهِ مَعَ الصَّبْر
стр. 204
مِمَّا يُضَاعف ثَوَاب الْمُبْتَلى بِهِ وأجره والأليق بِحَال النَّبِي ﷺ أَن لَا يسلب هَذِه الْفَضِيلَة وَأَن يُكرمهُ الله بهَا كَمَا أكْرم خَلِيله فَإِن خَصَائِصه أعظم من خَصَائِص غَيره من النَّبِيين وَأَعْلَى
وختن الْملك إِيَّاه كَمَا روينَاهُ أَجْدَر من أَن يكون من خَصَائِصه وَأولى هَذَا كُله كَلَام ابْن العديم وَيُرِيد بختن الْملك مَا رَوَاهُ من طَرِيق الْخَطِيب عَن أبي بكرَة أَن جِبْرِيل ختن النَّبِي ﷺ حِين طهر قلبه وَهُوَ مَعَ كَونه مَوْقُوفا على أبي بكرَة لَا يَصح إِسْنَاده فَإِن الْخَطِيب قَالَ فِيهِ أَنبأَنَا أَبُو الْقَاسِم عبد الْوَاحِد بن عُثْمَان بن مُحَمَّد البَجلِيّ أَنبأَنَا جَعْفَر بن مُحَمَّد بن نصير حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله بن سُلَيْمَان حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن عُيَيْنَة الْبَصْرِيّ حَدثنَا عَليّ بن مُحَمَّد الْمَدَائِنِي حَدثنَا مسلمة بن محَارب بن سليم بن زِيَاد عَن أَبِيه عَن أبي بكرَة وَلَيْسَ هَذَا الْإِسْنَاد مِمَّا يحْتَج بِهِ
وَحَدِيث شقّ الْملك قلبه ﷺ قد رُوِيَ من وُجُوه مُتعَدِّدَة مَرْفُوعا إِلَى النَّبِي ﷺ وَلَيْسَ فِي شَيْء مِنْهَا أَن جِبْرِيل ختنه إِلَّا فِي هَذَا الحَدِيث فَهُوَ شَاذ غَرِيب قَالَ ابْن العديم وَقد جَاءَ فِي بعض الرِّوَايَات أَن جده عبد الْمطلب ختنه فِي الْيَوْم السَّابِع قَالَ وَهُوَ على مَا فِيهِ أشبه بِالصَّوَابِ وَأقرب إِلَى الْوَاقِع
стр. 205
ثمَّ سَاق من طَرِيق ابْن عبد الْبر حَدثنَا أَبُو عَمْرو أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَحْمد قِرَاءَة مني عَلَيْهِ أَن مُحَمَّد بن عِيسَى حَدثهُ قَالَ حَدثنَا يحيى بن أَيُّوب بن زِيَاد العلاف حَدثنَا مُحَمَّد بن أبي السّري الْعَسْقَلَانِي حَدثنَا الْوَلِيد بن مُسلم عَن شُعَيْب بن أبي حَمْزَة عَن عَطاء الْخُرَاسَانِي عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس أَن عبد الْمطلب ختن النَّبِي ﷺ يَوْم سابعه وَجعل لَهُ مأدبة وَسَماهُ مُحَمَّدًا قَالَ يحيى بن أَيُّوب مَا وجدنَا هَذَا الحَدِيث عِنْد أحد إِلَّا عِنْد ابْن أبي السّري وَهُوَ مُحَمَّد بن المتَوَكل بن أبي السّري وَالله أعلم
الْفَصْل الرَّابِع عشر فِي الْحِكْمَة الَّتِي لأَجلهَا يُعَاد بَنو آدم غرلًا
لما وعد الله سُبْحَانَهُ وَهُوَ صَادِق الْوَعْد الَّذِي لَا يخلف وعده أَنه يُعِيد الْخلق كَمَا بدأهم أول مرّة كَانَ من صدق وعده أَن يُعِيدهُ على الْحَالة الَّتِي بدأه عَلَيْهَا من تَمام أَعْضَائِهِ وكمالها قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَوْم نطوي السَّمَاء كطي السّجل للكتب كَمَا بدأنا أول خلق نعيده وَعدا علينا إِنَّا كُنَّا فاعلين﴾ الْأَنْبِيَاء ١٠٤ وَقَالَ تَعَالَى ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تعودُونَ﴾ الْأَعْرَاف ٢٩ وَأَيْضًا فَإِن الْخِتَان إِنَّمَا شرع فِي الدُّنْيَا لتكميل الطَّهَارَة والتنزه من الْبَوْل وَأهل الْجنَّة لَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ فَلَيْسَ هُنَاكَ نَجَاسَة تصيب الغرلة فَيحْتَاج إِلَى
стр. 206
التَّحَرُّز مِنْهَا والقلفة لَا تمنع لَذَّة الْجِمَاع وَلَا تعوقه هَذَا إِن قدر استمرارهم على تِلْكَ الْحَالة الَّتِي بعثوا عَلَيْهَا وَإِلَّا فَلَا يلْزم من كَونهم يبعثون كَذَلِك أَن يستمروا على تِلْكَ الْحَالة الَّتِي بعثوا عَلَيْهَا فَإِنَّهُم يبعثون حُفَاة عُرَاة بهما ثمَّ يكسون ويمد خلقهمْ وَيُزَاد فِيهِ بعد ذَلِك يُزَاد فِي خلق أهل الْجنَّة وَالنَّار وَإِلَّا فوقت قيامهم من الْقُبُور يكونُونَ على صورتهم الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا فِي الدُّنْيَا وعَلى صفاتهم وهيئاتهم وأحوالهم فيبعث كل عبد على مَا مَاتَ عَلَيْهِ ثمَّ ينشئهم الله سُبْحَانَهُ كَمَا يَشَاء وَهل تبقى تِلْكَ الغرلة الَّتِي كملت خلقهمْ فِي الْقُبُور أَو تَزُول يُمكن هَذَا وَهَذَا وَلَا يعلم إِلَّا بِخَبَر يجب الْمصير إِلَيْهِ وَالله أعلم
стр. 207
الْبَاب الْعَاشِر فِي ثقب أذن الصَّبِي وَالْبِنْت
أما أذن الْبِنْت فَيجوز ثقبها للزِّينَة نَص عَلَيْهِ الإِمَام أَحْمد وَنَصّ على كَرَاهَته فِي حق الصَّبِي وَالْفرق بَينهمَا أَن الْأُنْثَى محتاجة للحلية فثقب الْأذن مصلحَة فِي حَقّهَا بِخِلَاف الصَّبِي وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ لعَائِشَة فِي حَدِيث أم زرع كنت لَك كَأبي زرع لأم زرع مَعَ قَوْلهَا أنَاس من حلي أُذُنِي أَي ملأها من الْحلِيّ حَتَّى صَار ينوس فِيهَا أَي يَتَحَرَّك ويجول
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ لما حرض النَّبِي ﷺ النِّسَاء على الصَّدَقَة جعلت الْمَرْأَة تلفي خرصها الحَدِيث والخرص هُوَ الْحلقَة الْمَوْضُوعَة فِي الْأذن وَيَكْفِي فِي جَوَازه علم الله وَرَسُوله بِفعل النَّاس لَهُ وإقرارهم على ذَلِك فَلَو كَانَ مِمَّا ينْهَى عَنهُ لنهى الْقُرْآن أَو السّنة فَإِن قيل فقد أخبر الله سُبْحَانَهُ عَن عدوه إِبْلِيس أَنه قَالَ ﴿ولآمرنهم فليبتكن آذان الْأَنْعَام﴾ النِّسَاء ١١٩ أَي يقطعونها وَهَذَا يدل على أَن قطع الْأذن وشقها وثقبها من أَمر الشَّيْطَان فَإِن البتك هُوَ الْقطع وثقب الْأذن قطع لَهَا فَهَذَا مُلْحق بِقطع أذن الْأَنْعَام
стр. 208
قيل هَذَا من أفسد الْقيَاس فَإِن الَّذِي أَمرهم بِهِ الشَّيْطَان أَنهم كَانُوا إِذا ولدت لَهُم النَّاقة خَمْسَة أبطن فَكَانَ الْبَطن السَّادِس ذكرا شَقوا أذن النَّاقة وحرموا ركُوبهَا وَالِانْتِفَاع بهَا وَلم تطرد عَن مَاء وَلَا عَن مرعى وَقَالُوا هَذِه بحيرة فشرع لَهُم الشَّيْطَان فِي ذَلِك شَرِيعَة من عِنْده فَأَيْنَ هَذَا من نخس أذن الصبية ليوضع فِيهَا الْحِلْية الَّتِي أَبَاحَ الله لَهَا أَن تتحلى بهَا وَأما ثقب الصَّبِي فَلَا مصلحَة لَهُ فِيهِ وَهُوَ قطع عُضْو من أَعْضَائِهِ لَا مصلحَة دينية وَلَا دنيوية فَلَا يجوز
وَمن أعجب مَا فِي هَذَا الْبَاب مَا قَالَ الْخَطِيب فِي تَارِيخه أَنا الْحسن بن عَليّ الْجَوْهَرِي ثَنَا مُحَمَّد بن الْعَبَّاس الخزاز حَدثنَا أَبُو عَمْرو عُثْمَان بن جَعْفَر الْمَعْرُوف بِابْن اللبان ثَنَا أَبُو الْحسن عَليّ بن إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه قَالَ ولد أبي من بطن أمه مثقوب الْأُذُنَيْنِ قَالَ فَمضى جدي رَاهَوَيْه إِلَى الْفضل بن مُوسَى السينَانِي فَسَأَلَهُ عَن ذَلِك وَقَالَ ولد لي ولد خرج من بطن أمه مثقوب الْأُذُنَيْنِ فَقَالَ يكون ابْنك رَأْسا إِمَّا فِي الْخَيْر وَإِمَّا فِي الشَّرّ فَكَأَن الْفضل بن مُوسَى وَالله أعلم تفرس فِيهِ أَنه لما تفرد عَن المولودين كلهم بِهَذِهِ الْخَاصَّة أَن ينْفَرد عَنْهُم بالرياسة فِي الدّين أَو الدُّنْيَا
وَقد كَانَ ﵀ رَأس أهل زَمَانه فِي الْعلم والْحَدِيث وَالتَّفْسِير وَالسّنة وَالْجَلالَة وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَكسر الْجَهْمِية وَأهل
стр. 209
الْبدع بِبِلَاد خُرَاسَان وَهُوَ الَّذِي نشر السّنة فِي بِلَاد خُرَاسَان وَعنهُ انتشرت هُنَاكَ وَقد كَانَ لَهُ مقامات محمودة عِنْد السُّلْطَان يظفره الله فِيهَا بأعدائه ويخزيهم على يَدَيْهِ حَتَّى تعجب مِنْهُ السُّلْطَان والحاضرون حَتَّى قَالَ مُحَمَّد بن أسلم الطوسي لَو كَانَ الثَّوْريّ حَيا لاحتاج إِلَى إِسْحَاق فَأخْبر بذلك أَحْمد بن سعيد الرباطي فَقَالَ وَالله لَو كَانَ الثَّوْريّ وَابْن عُيَيْنَة والحمادان فِي الْحَيَاة لاحتاجوا إِلَى إِسْحَاق فَأخْبر بذلك مُحَمَّد بن يحيى الصفار فَقَالَ وَالله لَو كَانَ الْحسن الْبَصْرِيّ حَيا لاحتاج إِلَى إِسْحَاق فِي أَشْيَاء كَثِيرَة وَكَانَ الإِمَام أَحْمد يُسَمِّيه أَمِير الْمُؤمنِينَ وَسَنذكر هَذَا وَأَمْثَاله فِي كتاب نفرده لمناقبه إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَنَذْكُر حِكَايَة عَجِيبَة يسْتَدلّ بهَا على أَنه كَانَ رَأس أهل زَمَانه قَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي تَارِيخ نيسابور أَخْبرنِي أَبُو مُحَمَّد بن زِيَاد قَالَ سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس الْأَزْهَرِي قَالَ سَمِعت عَليّ بن سَلمَة يَقُول كَانَ إِسْحَاق عِنْد عبد الله ابْن طَاهِر وَعِنْده إِبْرَاهِيم بن صَالح فَسَأَلَ عبد الله بن طَاهِر إِسْحَاق عَن مَسْأَلَة فَقَالَ إِسْحَاق السّنة فِيهَا كَذَا وَكَذَا وَأما النُّعْمَان وَأَصْحَابه فَيَقُولُونَ بِخِلَاف هَذَا فَقَالَ إِبْرَاهِيم لم يقل النُّعْمَان بِخِلَاف هَذَا فَقَالَ إِسْحَاق حفظته من كتاب جدك وَأَنا وَهُوَ فِي كتاب وَاحِد فَقَالَ إِبْرَاهِيم للأمير أصلحك الله كذب إِسْحَاق على جدي فَقَالَ إِسْحَاق ليَبْعَث الْأَمِير إِلَى جُزْء كَذَا
стр. 210
وَكَذَا من الْجَامِع فليحضره فَأتى بِالْكتاب فَجعل الْأَمِير يقلب الْكتاب فَقَالَ إِسْحَاق عد من أول الْكتاب إِحْدَى وَعشْرين ورقة ثمَّ عد تِسْعَة أسطر فَفعل فَإِذا الْمَسْأَلَة على مَا قَالَ إِسْحَاق فَقَالَ عبد الله بن طَاهِر لَيْسَ الْعجب من حفظك إِنَّمَا الْعجب بِمثل هَذِه الْمُشَاهدَة فَقَالَ إِسْحَاق ليَوْم مثل هَذَا لكَي يخزي الله على يَدي عدوا للسّنة مثل هَذَا وَقَالَ لَهُ عبد الله بن طَاهِر قيل لي إِنَّك تحفظ مائَة ألف حَدِيث فَقَالَ لَهُ مائَة ألف لَا أَدْرِي مَا هُوَ وَلَكِنِّي مَا سَمِعت شَيْئا قطّ إِلَّا حفظته وَلَا حفظت شَيْئا قطّ فَنسيته وَالْمَقْصُود صِحَة فراسة الْفضل بن مُوسَى فِيهِ وَأَنه يكون رَأْسا فِي الْخَيْر وَالله أعلم
стр. 211
الْبَاب الْحَادِي عشر فِي حكم بَوْل الْغُلَام وَالْجَارِيَة قبل أَن يأكلا الطَّعَام
ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالسّنَن وَالْمَسَانِيد عَن أم قيس بنت مُحصن أَنَّهَا أَتَت بِابْن لَهَا صَغِير لم يَأْكُل الطَّعَام إِلَى رَسُول الله ﷺ فَبَال على ثَوْبه فَدَعَا بِمَاء فنضحه عَلَيْهِ وَلم يغسلهُ
وَعَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ بَوْل الْغُلَام الرَّضِيع ينضح وَبَوْل الْجَارِيَة يغسل قَالَ قَتَادَة هَذَا مَا لم يطعما فَإِذا طعما غسلا جَمِيعًا رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن وَصَححهُ الْحَاكِم وَقَالَ هُوَ على شَرط الشَّيْخَيْنِ
стр. 212
وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت أُتِي رَسُول الله ﷺ بصبي يحنكه فَبَال عَلَيْهِ فَأتبعهُ المَاء رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَزَاد مُسلم وَلم يغسلهُ
وَعَن أم كرز الْخُزَاعِيَّة قَالَت أُتِي النَّبِي ﷺ بِغُلَام فَبَال عَلَيْهِ فَأمر بِهِ فنضح وَأتي بِجَارِيَة فبالت عَلَيْهِ فَأمر بِهِ فَغسل رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد وَفِي سنَن ابْن ماجة من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده عَن أم كرز أَن النَّبِي ﷺ قَالَ بَوْل الْغُلَام ينضح وَبَوْل الْجَارِيَة يغسل
وَعَن أم الْفضل لبَابَة بنت الْحَارِث قَالَت بَال الْحُسَيْن بن عَليّ فِي حجر النَّبِي ﷺ فَقلت يَا رَسُول الله أَعْطِنِي ثَوْبك والبس ثوبا غَيره حَتَّى أغسله فَقَالَ إِنَّمَا ينضح من بَوْل الذّكر وَبِغسْلِ من بَوْل الْأُنْثَى رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَقَالَ الْحَاكِم هُوَ صَحِيح
стр. 213
وَفِي صَحِيح الْحَاكِم من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن مهْدي حَدثنَا يحيى بن الْوَلِيد حَدثنِي مَحل بن خَليفَة حَدثنِي أَبُو السَّمْح قَالَ كنت خَادِم النَّبِي ﷺ فجيء بالْحسنِ وَالْحُسَيْن فبالا على صَدره فأرادوا أَن يغسلوه فَقَالَ رشوه رشا فَإِنَّهُ يغسل بَوْل الْجَارِيَة ويرش بَوْل الْغُلَام قَالَ الْحَاكِم هُوَ صَحِيح وَرَوَاهُ أهل السّنَن وَذهب إِلَى القَوْل بِهَذِهِ الْأَحَادِيث جُمْهُور أهل الْعلم من أهل الحَدِيث وَالْفِقْه حَتَّى ذهب دَاوُد إِلَى طَهَارَة بَوْل الْغُلَام قَالَ لِأَن النَّص إِنَّمَا ورد بنضحه ورشه دون غسله والنضح والرش لَا يُزِيلهُ
وَقَالَ فُقَهَاء الْعرَاق لَا يُجزئ فِيهِ إِلَّا الْغسْل فيهمَا جَمِيعًا هَذَا قَول النَّخعِيّ وَالثَّوْري وَأبي حنيفَة وَأَصْحَابه لعُمُوم الْأَحَادِيث الْوَارِدَة بِغسْل الْبَوْل وَقِيَاسًا على سَائِر النَّجَاسَات وَقِيَاسًا لبول الْغُلَام على بَوْل الْجَارِيَة وَالسّنة قد فرقت بَين البولين صَرِيحًا فَلَا يجوز التَّسْوِيَة بَين مَا صرحت بِهِ السّنة بِالْفرقِ بَينهمَا وَقَالَت طَائِفَة مِنْهُم الْأَوْزَاعِيّ وَمَالك فِي رِوَايَة الْوَلِيد بن مُسلم عَنهُ ينضح بَوْل الْغُلَام وَالْجَارِيَة دفعا للْمَشَقَّة لعُمُوم الِابْتِلَاء بالتربية وَالْحمل لَهما وَهَذَا
стр. 214
القَوْل يُقَابل من قَالَ يغسلان والتفريق هُوَ الصَّوَاب الَّذِي دلّت عَلَيْهِ السّنة الصَّحِيحَة الصَّرِيحَة
قَالَ أَبُو البركات ابْن تَيْمِية والتفريق بَين البولين إِجْمَاع الصَّحَابَة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن عَليّ بن أبي طَالب وَرَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور عَن أم سَلمَة وَقَالَ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه مَضَت السّنة من رَسُول الله ﷺ بِأَن يرش بَوْل الصَّبِي الَّذِي لم يطعم الطَّعَام وَيغسل بَوْل الْجَارِيَة طعمت أَو لم تطعم قَالَ وعَلى ذَلِك كَانَ أهل الْعلم من الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ قَالَ وَلم يسمع عَن النَّبِي ﷺ وَلَا عَمَّن بعده إِلَى زمَان التَّابِعين أَن أحدا سوى الْغُلَام وَالْجَارِيَة انْتهى كَلَامه وَالْقِيَاس فِي مُقَابلَة السّنة مَرْدُود
وَقد فرق بَين الْغُلَام وَالْجَارِيَة فِي الْمَعْنى بعدة فروق أَحدهَا أَن بَوْل الْغُلَام يتطاير وينشر هَاهُنَا وَهَاهُنَا فَيشق غسله وَبَوْل الْجَارِيَة يَقع فِي مَوضِع وَاحِد فَلَا يشق غسله الثَّانِي أَن بَوْل الْجَارِيَة أنتن من بَوْل الْغُلَام لِأَن حرارة الذّكر أقوى وَهِي تُؤثر فِي إنضاج الْبَوْل وَتَخْفِيف رَائِحَته الثَّالِث أَن حمل الْغُلَام أَكثر من حمل الْجَارِيَة لتَعلق الْقُلُوب بِهِ كَمَا تدل عَلَيْهِ الْمُشَاهدَة فَإِن صحت هَذِه الفروق وَإِلَّا فالمعول على تَفْرِيق السّنة
قَالَ الْأَصْحَاب وَغَيرهم النَّضْح أَن يغرقه بِالْمَاءِ وَإِن لم يزل عَنهُ وَلَيْسَ
стр. 215
هَذَا بِشَرْط بل النَّضْح الرش كَمَا صرح بِهِ فِي اللَّفْظ الآخر بِحَيْثُ يكاثر الْبَوْل بِالْمَاءِ وَلَا يبطل حكم النَّضْح بتعليق الْغسْل وَالشرَاب والتحنيك وَنَحْوه لِئَلَّا تتعطل الرُّخْصَة فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو من ذَلِك مَوْلُود غَالِبا وَلِأَن النَّبِي ﷺ كَانَ من عَادَته تحنيك الْأَطْفَال بِالتَّمْرِ عِنْد ولادتهم وَإِنَّمَا يَزُول حكم النَّضْح إِذا أكل الطَّعَام وأراده واشتهاه تغذيا بِهِ وَالله أعلم
следующие страницы →