← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 626

المسلمون في بلاد الغربة

أمين الشقاوي

Полный текст (370 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

مُرْتَفِعَةٌ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي أَمَرَهُ أَنْ يَبْرد بالظُّهْرَ فَأَبْرَدَ بِهَا، فَأَنْعَمَ أَنْ يُبْرِدَ بِهَا وَصَلَّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ آخِرُهَا فَوْقَ الَّذِي كَانَ، وَصَلَّى الْمَغْرِبَ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ، وَصَلَّى الْعِشَاءَ بَعْدَ مَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلُ، ثُمَّ صَلَّى الْفَجْرَ، فَأَسْفَرَ بِهَا، ثُمَّ قَالَ: «أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ وَقْتِ الصَّلاةِ؟» قَالَ الرَّجل: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّه، فقَالَ: «وَقْتُ صَلاتِكُمْ بَيْنَ مَا رَأَيْتُمْ» (١). وعن عبدالله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: «وَقْتُ الظُّهْرِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ وَكَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ، مَا لَمْ يَحْضُرِ الْعَصْرُ، وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغْرُبِ الشَّفَقُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ الأَوْسَطِ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ، مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَأَمْسِكْ عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ» (٢). إلى غير ذلك من الأحاديث التي وردت في تحديد أوقات الصلوات الخمس قولاً وفعلاً ولم تفرق بين طول النهار وقصره وطول الليل وقصره ما دامت أوقات الصلوات متمايزة بالعلامات التي بينها رسول الله ﷺ .

стр. 142

وهذا بالنسبة لتحديد أوقات صلاتهم، وأما بالنسبة لتحديد أوقات صيامهم شهر رمضان فعلى المكلفين أن يمسكوا كل يوم منه عن الطعام والشراب وسائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس في بلادهم ما دام النهار يتمايز في بلادهم من الليل وكان مجموع زمانهما أربعاً وعشرين ساعة. ويحل لهم الطعام والشراب والجماع ونحوها في ليلهم فقط وإن كان قصيراً، فإن شريعة الإسلام عامة للناس في جميع البلاد، وقد قال الله تعالى: ... ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. ومن عجز عن إتمام صوم يوم لطوله، أو علم بالأمارات أو التجربة أو إخبار طبيب أمين حاذق، أو غلب على ظنه أن الصوم يفضي على إهلاكه أو مرضه مرضاً شديداً، أو يفضي إلى زيادة مرضه أو بطء برئه، أفطر ويقضي الأيام التي أفطرها في أي شهر تمكن فيه من القضاء، قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. ثانياً: من كان يقيم في بلاد لا تغيب عنها الشمس صيفاً ولا تطلع فيها الشمس شتاءً، أو في بلاد يستمر نهارها إلى ستة أشهر، ويستمر ليلها ستة أشهر مثلاً، وجب عليهم أن يصلوا الصلوات الخمس في كل أربع وعشرين، وأن يقدروا لها أوقاتها ويحددوها معتمدين في ذلك على أقرب بلاد إليهم تتمايز فيها أوقات الصلوات المفروضة بعضها من بعض، لما ثبت في حديث

стр. 143

الإسراء والمعراج من أن الله تعالى فرض على هذه الأمة خمسين صلاة كل يوم وليلة، فلم يزل النبي ﷺ يسأل ربه التخفيف حتى قال: «يَا مُحَمَّدُ إِنَّهُنَ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لِكُلِّ صَلَاةٍ عَشْرٌ فَذَلكَ خَمْسُونَ صَلَاةً ٠٠٠ إلى آخر الحديث» (١). ولما ثبت من حديث طلحة بن عبيد الله ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ من أهل نجد ثائر الرأس نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول حتى دنا من رسول الله ﷺ فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : ... «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ وَاللَيْلَةِ» فقال: هل علي غيرهن قال: «إِلَاّ أَنْ تَطَوّع ٠٠٠ الحديث» (٢). ولما ثبت من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد أتانا رسولك فزعم أنك تزعم أن الله أرسلك قال: «صدق» قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: «نعم ... الحديث» (٣). وثبت أن النبي ﷺ حدث أصحابه عن المسيح الدجال فقيل له: ما لبثه في الأرض، قال: «أَرْبَعُونَ يَوْمًا: يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ» فقيل: يا رسول الله

стр. 144

اليوم الذي كسنة أيكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: «لَا، اقْدُرُوا لَهُ» (١) فلم يعتبر اليوم الذي كسنة يوماً واحداً يكفي فيه خمس صلوات، بل أوجب فيه خمس صلوات في كل أربع وعشرين ساعة، وأمرهم أن يوزعوها على أوقاتها اعتباراً بالأبعاد الزمنية التي بين أوقاتها في اليوم العادي في بلادهم. فيجب على المسلمين في البلاد المسؤول عن تحديد أوقات الصلوات فيها أن يحددوا أوقات صلاتهم معتمدين في ذلك على أقرب بلاد إليهم يتمايز فيها الليل من النهار، وتُعرف فيها أوقات الصلوات الخمس بعلاماتها الشرعية في كل أربع وعشرين ساعة. وكذلك يجب عليهم صيام شهر رمضان وعليهم أن يقدروا لصيامهم فيحددوا بدء شهر رمضان ونهايته وبدء الإمساك والإفطار في كل يوم منه ببدء الشهر ونهايته، وبطلوع فجر كل يوم وغروب شمسه في أقرب بلاد إليهم يتميز فيها الليل من النهار ويكون مجموعها أربعاً وعشرين ساعة لما تقدم في حديث النبي ﷺ عن المسيح الدجال، وإرشاده أصحابه فيه عن كيفية تحديد أوقات الصلوات فيه إذ لا فارق في ذلك بين الصوم والصلاة (٢).

стр. 145

الثاني والعشرون: أوقات الصيام (أ) الرؤية في دخول شهر رمضان وخروجه . سُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية، يقول السائل: نحن الطلبة المسلمين في الولايات المتحدة وكندا، يصادفنا في كل بداية لشهر رمضان مشكلة تسبب انقسام المسلمين إلى ثلاث فرق: ١ - فرقة تصوم بتحري الهلال في البلدة التي يسكنون فيها. ٢ - فرقة تصوم مع بداية الصيام في المملكة العربية السعودية. ٣ - فرقة تصوم عند وصول خبر من اتحاد الطلبة المسلمين في أمريكا وكندا الذي يتحرى الهلال في أماكن متعددة في أمريكا، وفور رؤيته في إحدى البلاد يعمم على المراكز المختلفة برؤيته فيصوم مسلمو أمريكا كلهم في يوم واحد على الرغم من المسافات الشاسعة التي بين المدن المختلفة. فأي الجهات أولى بالاتباع والصيام برؤيتها وخبرها؟ أفتونا مأجورين أثابكم الله.

стр. 146

الجواب: قد سبق أن نظر مجلس هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية في هذه المسألة، وأصدر فيها قراراً مضمونه ما يلي: أولاً: اختلاف مطالع الأهلة من الأمور التي علمت بالضرورة حساً وعقلاً، ولم يختلف فيها أحد من العلماء وإنما وقع الاختلاف بين علماء المسلمين في اعتبار اختلاف المطالع وعدم اعتباره. ثانياً: مسألة اعتبار اختلاف المطالع وعدم اعتباره من المسائل النظرية التي للاجتهاد فيها مجال، والاختلاف فيها واقع ممن لهم الشأن في العلم والدين، وهو من الخلاف السائغ الذي يؤجر فيه المصيب أجرين، أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، ويؤجر فيه المخطئ أجر الاجتهاد. وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: فمنهم من رأى اعتبار اختلاف المطالع، ومنهم من لم ير اعتباره، واستدل كل فريق منهما بأدلة من الكتاب والسنة، وربما استدل الفريقان بالنص الواحد، كاشتراكهما في الاستدلال بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩]. وبقوله ﷺ : «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ .. الحديث» (١). وذلك لاختلاف الفهم في النص وسلوك كل منهما طريقاً في الاستدلال به.

стр. 147

ونظراً لاعتبارات رأتها الهيئة وقدرتها، ونظراً إلى أن الاختلاف في هذه المسألة ليست له آثار تخشى عواقبها، فقد مضى على ظهور هذا الدين أربعة عشر قرناً لا نعلم فيها فترة جرى فيها توحيد الأمة الإسلامية على رؤية واحدة، فإن أعضاء مجلس كبار العلماء يرون بقاء الأمر على ما كان عليه، وعدم إثارة هذا الموضوع، وأن يكون لكل دولة إسلامية حق اختيار ما تراه بواسطة علمائها من الرأيين المشار إليهما في المسألة، إذ لكل منهما أدلته ومستنداته. ثالثاً: نظر مجلس الهيئة في مسألة ثبوت الأهلة بالحساب، وما ورد في ذلك من أدلة في الكتاب والسنة، واطلعوا على كلام أهل العلم في ذلك، فقرروا بإجماع: عدم اعتبار حساب النجوم في ثبوت الأهلة في المسائل الشرعية لقوله ﷺ : «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ .. الحديث» (١). وقوله ﷺ : «لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ .. الحديث» (٢). وما في معنى ذلك من الأدلة. وترى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء أن اتحاد الطلبة المسلمين في الدول التي حكوماتها غير إسلامية يقوم مقام حكومة إسلامية في مسألة إثبات الهلال بالنسبة لمن يعيش في تلك الدول من المسلمين.

стр. 148

وبناء على ما جاء في الفقرة الثانية من قرار مجلس الهيئة يكون لهذا الاتحاد حق اختيار أحد القولين: إما اعتبار اختلاف المطالع، وإما عدم اعتبار ذلك، ثم يعمم ما رآه على المسلمين في الدولة التي هو فيها، وعليهم أن يلتزموا بما رآه وعممه عليهم؛ توحيداً للكلمة، ولبدء الصيام وخروجاً من الخلاف والاضطراب، وعلى كل من يعيش في تلك الدول أن يتراءى الهلال في البلاد التي يقومون فيها، فإذا رآه ثقة منهم أو أكثر صاموا بذلك، وبلغوا الاتحاد ليعمم ذلك. وهذا في دخول الشهر، أما في خروجه فلابد من شهادة عدلين برؤية هلال شوال أو إكمال رمضان ثلاثين يوماً؛ لقول رسول الله ﷺ : «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا» (١) (٢). وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس عبدالله بن قعود ... عبدالله بن غديان ... عبدالرزاق عفيفي ... عبدالعزيز بن باز كما سُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية، يقول السائل: هل يجوز للمسلمين الذين يقيمون في بلد ليست بإسلامية

стр. 149

أن يشكلوا لجنة تقوم بإثبات هلال رمضان وشوال وذي الحجة؟ ... أم لا؟ الجواب: المسلمون الموجودون في بلد غير إسلامية يجوز لهم أن يشكلوا لجنة من المسلمين تتولى إثبات هلال رمضان، وشوال، وذي الحجة (١). وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس عبدالله بن قعود ... عبدالله بن غديان ... عبدالرزاق عفيفي ... عبدالعزيز بن باز (ب) صيام يوم عرفة، هل هو يوم اجتماع الناس في عرفة أو اليوم التاسع بحسب كل بلد. الجواب: المسألة فيها قولان: الأول: أن يوم عرفة هو اليوم الذي يقف فيه الحجيج بعرفة، وأن الناس تبع لهم في تحديد هذا اليوم، ومن رجح هذا القول، اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ولجنة الإفتاء المصرية .. وغيرهم، واستدلوا بأدلة منها قوله ﷺ : «أَضْحَاكُمْ يَوْمَ تُضَحُّونَ» وأراه قال: «وَعَرَفَةُ يَوْمَ تُعَرِّفُونَ» (٢) وغيرها من الأدلة.

стр. 150

القول الثاني: أن يوم عرفة هو اليوم التاسع من ذي الحجة، سواء وافق هذا اليوم وقفة الحجيج بعرفة أم لم يوافق، وأن لكل أهل قطر رؤيتهم، وممن أخذ بهذا القول الشيخ محمد بن صالح العثيمين، والشيخ عبدالله بن جبرين .. وغيرهم، واستدلوا على ذلك بأن هذه المسألة متفرعة من أصل الخلاف المشهور في مسألة اختلاف المطالع بين قطر وآخر في شهر رمضان وشوال، فينبغي أن نبني ونخرج عليه، وأدلة هذه المسألة المتفرعة هي نفسها أدلة تلك، فليرجع إليها في مظانها، ولا فرق في اختلاف المطالع في جميع الشهور، وإذا جازت المخالفة في الصوم والإفطار، فلم لا تجوز مخالفتها في ذي الحجة وغيره من الشهور، ولهذا فإن القائلين باختلاف المطالع لم ينقل عن أحد منهم تعريف في هذه المسألة. قال الشيخ ابن عثيمين في إجابة له لسؤال حول هذه المسألة: هذا يُبنى على اختلاف أهل العلم، والصواب أنه يختلف باختلاف المطالع، فمثلاً إذا كان الهلال قد رؤي بمكة، وكان هذا اليوم هو اليوم التاسع، ورؤي في بلد آخر قبل مكة بيوم وكان يوم عرفة عندهم اليوم العاشر، فإنه لا يجوز لهم أن يصوموا هذا اليوم؛ لأنه يوم عيد، وكذلك لو قدر أنه تأخرت الرؤية عن مكة وكان اليوم التاسع في مكة هو الثامن عندهم، فإنهم يصومون يوم التاسع عندهم الموافق ليوم العاشر في مكة. أ-هـ وغيرها من الأدلة (١).

стр. 151

ورد في فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية، يقول السائل: هل نستطيع أن نصوم هنا يومين لأجل صوم يوم عرفة، لأننا هنا نسمع في الراديو أن يوم عرفة غداً يوافق ذلك عندنا الثامن من شهر ذي الحجة؟ الجواب: يوم عرفة هو اليوم الذي يقف الناس فيه بعرفة، وصومه مشروع لغير من تلبس بالحج، فإذا أردت أن تصوم فإنك تصوم هذا اليوم، وإن صمت يوماً قبله فلا بأس، وإن صمت الأيام التسعة من أول ذي الحجة فحسن، لأنها أيام شريفة يستحب صومها لقول النبي ﷺ : «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ خَيرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّه مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّه وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّه؟ قَالَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّه، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ» (١) (٢). وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... الرئيس عبدالله بن غديان ... عبدالعزيز بن باز

стр. 152

(ج) تحديد زمن الإمساك في رمضان حال الغيم . سُئل الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀، يقول السائل: في مدينة لندن في بريطانيا، تختلف المراكز الإسلامية في تحديد زمن الإمساك في رمضان بين أن يجعل ذلك قبل الشروق بساعة ونصف، وآخر بساعتين .. وهكذا. أفيدونا بما ينبغي عمله في هذا الاختلاف بين المراكز الإسلامية، علماً بأن الغيوم في مدينة لندن وغيرها في بعض المدن البريطانية تحول دون تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، فما العمل في هذا الاختلاف؟ الجواب: عليهم العمل بغالب الظن، غالب الظن يكفي في طلوع الفجر، في التحديد في كل مكان بحسبه، إذا كانوا ما رأوا الفجر بسبب الغيوم ما فيه صحو، يعملون بغالب الظن الذي يعرفون أنه طلع فيه الفجر، أما إذا كان صحو ما فيه غيوم، ينظرون الفجر، وإذا كانت الساعة مضبوطة فالحمد لله يعملون بذلك، والبلاد تختلف ولكن ينظر في حالة الصحو، وما كان في حالة الصحو هو الأقرب، يعني في حالة الصحو كم بين طلوع الشمس وطلوع الفجر، حتى يعرف صحة التقدير، فإذا كان ما عنده بصيرة، يعمل بالاحتياط الذي يقول ساعتين، يعمل بالاحتياط من باب الاحتياط «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» (١) إن كان في الأمر شك في لندن أو غيرها يعمل

стр. 153

بالاحتياط «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» والحمد لله، وإذا كان هناك معرفة في الفصل بين الشمس وبين طلوع الفجر في حال الصحو يعمل به في حال الغيم حسب الساعة (١). (د) فتاوى متفرقة في الصيام . سُئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين ﵀، يقول السائل: يكون إقلاع بعض الرحلات وقت أذان المغرب، فنفطر ونحن على الأرض، وبعد الإقلاع والارتفاع عن مستوى الأرض نشاهد قرص الشمس ظاهراً، فهل نمسك أم نكمل إفطارنا؟ الجواب: أكمل إفطارك ولا تمسك؛ لأنك أفطرت بمقتضى الدليل الشرعي لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. ولقوله ﷺ : «إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ مِنْ هَا هُنَا، وَجَاءَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ» (٢). كما سُئل فضيلته، يقول السائل: في شهر رمضان نكون على سفر ونصوم خلال هذا السفر، فيدركنا الليل ونحن في الجو، فهل نفطر حيثما نرى اختفاء قرص الشمس من أمامنا؟ أم نفطر على توقيت أهل البلد الذين نمر من فوقهم؟ الجواب: أفطر حين ترى الشمس قد غابت، لقوله ﷺ : «إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ مِنْ هَا هُنَا، وَجَاءَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ» (٣).

стр. 154

وسُئل فضيلته، يقول السائل: لو كان هناك غيم ونحن صيام فكيف نفطر في الطائرة؟ الجواب: إذا غلب على ظنك أن الشمس غائبة أفطر، لأن النبي ﷺ أفطر ذات يوم هو وأصحابه بالمدينة في يوم غيم ثم طلعت الشمس بعد إفطارهم ولم يأمرهم بالقضاء (١). كما سُئل فضيلته، يقول السائل: في إحدى المرات كنت في السعودية، ورُؤي هلال العيد وكنت مسافراً في تلك الليلة إلى باكستان حوالي الساعة الثانية ليلاً، وعلمت أنهم لم يروا هلال شوال، وبالتالي فهم صائمون، فهل أصوم معهم؟ الجواب: صم معهم لأنك وقت الإمساك أنت في بلد صائم حتى لو زاد صيامك على شهر، فالزائد تبع كما أنك لو صمت في بلدك إلى قريب المغرب ثم أقلعت الطائرة إلى أمريكا وطالت رؤيتك للشمس أكثر من اليوم، فإنك لا تفطر حتى تغيب الشمس، وكذلك خروج الشهر، وإن صمت ثلاثين يوماً، ثم سافرت إلى بلد فوجدت شوال لم يدخل فصم معهم وصومك هذا للتبعية، لقوله ﷺ : «الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ، وَالْفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ، وَالْأَضْحَى يَوْمَ تُضَحُّونَ» (٢) (٣) (٤).

стр. 155

الثالث والعشرون: خوف المسلم من إظهار دينه إذا خاف المسلم من إظهار شعائر دينه، ولا يستطيع الصبر وتحمل الأذى جاز له إقامة شعائره سراً، والأصل في ذلك قول الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وقول النبي ﷺ : «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (١). ومع ذلك فلا يجوز الصلاة في الحمام اختياراً، والمقصود به بيت الخلاء حتى وإن اضطر أن يصلي قاعداً أو راقداً، أو يجمع بين الصلاتين الظهر والعصر، أو المغرب والعشاء لحديث النبي ﷺ : «الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَاّ الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ» (٢). فإن استطاع إظهار دينه ومواجهة الأعداء به والصبر على ذلك ولم يخش الفتنة في دينه فذلك أفضل، قال تعالى لنبيه: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤)﴾ [الحجر]. سُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية، يقول السائل: بفضل من الله تعالى وبهدايته تعلن بعض الفتيات اليابانيات

стр. 156

إسلامهن، ومن هنا يبدأ الصراع مع المجتمع الياباني الملحد، الذي يفضل أهله بقاءهم على الكفر، أو حتى تحولهم للمسيحية المشوهة الآن على أن يتحول إلى الإسلام، وذلك لعدم وجود التزامات في مسيحيتهم المحرفة، فيصبح الشخص شارباً للخمر آكلاً للخنزير، له صديقات في الحرام، ولكنه مسيحي يؤمن بالرب وابن الرب والروح القدس، ولا حول ولا قوة إلا بالله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، ولكنه إذا تحول إلى الإسلام فإنه يصبح شخصاً متميزاً عن الآخرين، ومختلفاً عنهم ومعتزلاً لمجتمعهم، وتاركاً لناديهم، فما يكون من المجتمع إلا أن ينبذه وينظر إليه نظرة غير العاقلين، وكثيراً ما يتخلص منه بالعزلة والمنع عن العمل، فهو ياباني مثلهم، فكيف له أن يفعل هذه الفعلة الشنيعة، ويتحول للإسلام فيترك حفلاتهم وخمورهم وخنزيرهم ويصلي لله الذي لا يحتسبونه ربهم. والمشكلة تكون مضاعفة مع الفتاة، حيث قوتها أضعف، وموردها المالي عادة ما يرتبط بعملها إن كان لها عمل، أو يرتبط بأسرتها الكافرة. ومن هذه المشكلات العديدة التي تواجه الفتاة المسلمة، مشكلة إقامة الفرائض مثل لبس الحجاب، ففي كثير من الأحيان يمنعها عملها من ذلك، كما يمنعها من أداء الصلاة في مكان عملها، مما يجعلها لا تستطيع أداء الصلاة على وقتها وتؤديها مجتمعة قضاءً لخشيتها من فصلها من عملها، والذي يمثل مورد

стр. 157

رزقها الوحيد، حيث تعيش معزولة عن أسرتها تماماً والتي لم يسلم منها إلا هي. وفي مشكلة أخرى لمسلمة أخرى نجدها لا تستطيع صيام شهر رمضان المبارك، حيث إنها تُخفي إسلامها عن أهلها، وخاصة أمها المسيحية المتزمتة، والتي تقبل الكفر لابنتها ولا تقبل لها الإسلام، مع العلم بأن هذه الأخت عمرها (١٨ عاماً)، وما زالت في مراحل التعليم بالجامعة، والتي تتكفل أسرتها بالإنفاق عليها؛ ولذا فهي تعيش معهم في نفس البيت تشاركهم في المأكل والمشرب والحياة كاملة، مما قد يشتمل على كثير من المحرمات، وهي لا تستطيع مثلاً أن تصوم شهر رمضان، وإلا ظهر ذلك غريباً على أهلها وعلموا بإسلامها، وهنا سيقومون بإيذائها ومنعها بكل الوسائل من إكمال دراستها وشق طريق حياتها، حيث سيكون ذلك هو موردها الوحيد مستقبلاً، وفي مشكلة ثالثة تتمثل في ياباني أعلن إسلامه بفضل من الله ورحمته، ولكن زوجته ما زالت على كفرها وأولاده كذلك والعياذ بالله، وهو لا يدري ما يفعل معهم. وهنا نسأل فضيلتكم: ١ - كيف تفعل الأخت المسلمة في وضعها السابق ذكره هنا في اليابان؟ ٢ - ماذا يفعل الأخ الياباني تجاه زوجته؟ هل تحل له إن استمرت على كفرها؟ وماذا يفعل تجاه أولاده كذلك؟ ٣ - هل تصح صلاة المرأة خارج بيتها، وفي الأماكن العامة

стр. 158

وهي جالسة بغرض عدم إظهار عورتها؟ وجزاكم الله عنهن وعن المسلمين خير الجزاء. الجواب: أولاً: من أسلم وأخفى إسلامه خشية أن يناله ضرر من إعلانه فإنه يجتهد في عرض محاسن الإسلام على من يخشاه دون أن يبدي له ما يظهر دخوله الإسلام، ويدعو الله تعالى له بالهداية لعل الله أن يشرح صدره للإسلام فيحصل الخير له بإسلامه ودفع الضرر المتوقع منه، فإن لم يهتد والضرر لا يزال متوقعاً منه، أو كان البلد لا يسمح بإظهار شعائر الإسلام، وجبت عليه الهجرة إلى بلاد المسلمين إن استطاع، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء: ١٠٠]. أي: يجد متحولاً يتحول إليه ومتزحزحاً عما يكره، وسعة من الضلالة إلى الهدى، ومن الضيق إلى الفرج، ومن الفقر إلى الغنى. أما إذا لم يستطع الهجرة بأن كان من المستضعفين فإن الله تعالى قد عذره، كمن يحال بينه وبين الهجرة، أو يكون امرأة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)﴾ [النساء]. والمعنى: لا يقدرون على حيلة ولا على نفقة، ولا يهتدون السبيل إلى محل الهجرة لو خرجوا.

стр. 159

ثانياً: المرأة إذا ضعفت حيلتها فإنها تتصل بالمراكز الإسلامية في بلدها إن وجدت، لعلها تجد من يعينها ويحل مشكلتها، وإلا فعليها الصبر وانتظار الفرج من الله، وسؤال الله تعالى أن يجعل لها من أمرها يسراً، وهي مأجورة في ذلك كله، مع التزامها بالإسلام وأحكامه وفرائضه حسب طاقتها؛ لقول الله سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. وقول النبي ﷺ : «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (١). ثالثاً: إذا دخل الزوج في الإسلام وبقيت زوجته على الكفر، فإنها إن كانت كتابية وهي اليهودية أو النصرانية جاز له الاستمرار معها؛ لأن الأصل أنه يجوز للمسلم الزواج من الكتابية المحصنة؛ لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]. أما إذا كانت غير كتابية فلا يجوز له الاستمرار معها؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]. أما إذا دخلت الزوجة في الإسلام، وبقي زوجها على الكفر، فإنها تحرم عليه؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠].

стр. 160

فإن أجبرت عليه ولم تستطع فراقه فإنها تصبر عليه حتى يأتيها الفرج ولا حرج عليها، كما صبر نساء المسلمين في الصدر الأول من الإسلام، ومنهن زينب ﵂ بنت رسول الله ﷺ فإنها بقيت بعد إسلامها مع زوجها أبي العاص بن الربيع قبل أن يسلم لما لم يستطع النبي ﷺ أن يفرق بينهما حتى لحقت بعد ذلك بالنبي ﷺ ، وفارقت زوجها ثم أرجعها النبي ﷺ إليه بعد إسلامه. رابعاً: أما الأولاد فإنهم يتبعون خير الأبوين ديناً، فإذا أسلم أحد الزوجين حُكم بإسلام جميع الأولاد القاصرين؛ لأن الصغير يتبع خير أبويه ديناً. خامساً: يجب على المرأة أن تحتجب عن الرجال الأجانب وتبتعد عن كل ما فيه إظهار لزينتها، وتحرص على لزوم بيتها، ولا تخرج منه إلا لحاجة مع الستر والحشمة، وإذا وجبت عليها الصلاة وهي خارج بيتها فإنها تبتعد عن الرجال وتصلي، وما ذُكر في السؤال لا يبيح تركها القيام، فإن القيام مع القدرة ركن من أركان الصلاة وهي تستطيعه (١). وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء أعضاء ... الرئيس بكر أبو زيد/عبدالعزيز آل الشيخ/ صالح الفوزان/ عبدالله غديان ... عبدالعزيز بن باز

стр. 161

الرابع والعشرون: الصلاة في المساجد التي فيها القبور وردت نصوص كثيرة تنهي عن الصلاة في المساجد التي فيها قبور، سُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية، يقول السائل: هل يجوز إقامة المساجد على قبور أولياء الله الصالحين، وهل يجوز الصلاة في هذه المساجد مع وجود مساجد أخرى في نفس البلد خالية من القبور؟ الجواب: لا يجوز بناء المساجد على قبور أولياء الله الصالحين، ولا تجوز الصلاة في هذه المساجد؛ لقول النبي ﷺ : «لَعَنَ اللَّه الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» (١)، ولقوله ﷺ : «أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ» (٢). وروى مسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبدالله

стр. 162

قال: «نَهَى النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُقْعَد عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ» (١). وإذا لم يتيسر للمسلمين في الحي الذي هم فيه مسجد ليس فيه قبر، فعليهم أن يسعوا إلى بناء مسجد على السنة ليصلوا فيه (٢). وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس عبدالله بن قعود ... عبدالله بن غديان ... عبدالرزاق عفيفي ... عبدالعزيز بن باز

стр. 163

الخامس والعشرون: الصلاة خلف الإمام المبتدع إن مذهب أهل السنة والجماعة الصلاة خلف كل بر وفاجر طلباً للألفة والجماعة، ودرءاً للخلاف والفرقة، ما لم تكن بدعته شركية، فإنه لا تجوز الصلاة خلفه. سُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، يقول السائل: هل تجوز الصلاة خلف الإمام المبتدع؟ الجواب: من وجد إماماً غير مبتدع فليصل وراءه دون المبتدع، ومن لم يجد سوى المبتدع نصحه عسى أن يتخلى عن بدعته، فإن لم يقبل وكانت بدعته شركية كمن يستغيث بالأموات، أو يدعوهم من دون الله، أو يذبح لهم، فلا يُصلى وراءه؛ لأنه كافر وصلاته باطلة، ولا يصح أن يُجعل إماماً، وإن كانت بدعته غير مكفرة كالتلفظ بالنية صحت صلاته، وصلاة من خلفه (١). وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس عبدالله بن قعود ... عبدالله بن غديان ... عبدالرزاق عفيفي ... عبدالعزيز بن باز

стр. 164

السادس والعشرون: دفن المسلم في مقابر الكفار هذه بعض الفتاوى التي تتعلق بدفن المسلم في بلاد الكفار: سُئلت اللجنة الدائمة بالمملكة العربية السعودية، يقول السائل: هل يجوز دفن الميت في مقبرة تكون واقعة على قطعة على حده، ولكن في سور واحد مع مقابر أهل الكتاب؟ وهل يوجد حديث نبوي في هذا الباب؟ الجواب: لا يدفن داخل سور مقبرة الكفار، ولو في قطعة أرض منها على حده؛ لأن جميع ما في داخل سورها يعتبر منها (١). وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس عبدالله بن قعود ... عبدالله بن غديان ... عبدالرزاق عفيفي ... عبدالعزيز بن باز نقل جثة المسلم من بلد الكفر: سُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، يقول السائل:

стр. 165

بعض المسلمين في بريطانيا ينقلون جثمان موتاهم إلى أوطانهم، فهل يجوز ذلك؟ الجواب: نعم، يجوز لهم أن ينقلوا موتاهم إلى مقابر في بلاد إسلامية، ولهم أن يتخذوا مقابر خاصة يدفن فيها المسلمون فقط، وعليهم أن يتحولوا من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، إلا من كان عالماً بشريعة الإسلام آمناً على نفسه ودينه، وبقي مجتهداً في نشر الإسلام، مؤملاً أن يهتدي على يديه أناس، فيجوز له البقاء لذلك، وقد يجب عليه ذلك لإقامة الحجة وبيان الحق (١). وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس عبدالله بن قعود ... عبدالله بن غديان ... عبدالرزاق عفيفي ... عبدالعزيز بن باز دفن المسلم في مقابر غير المسلمين (السؤال الثاني من الفتوى رقم ١٨٤١). سُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، يقول السائل: هل يجوز دفن المسلمين في مقابر غير المسلمين؟ حيث إن المسلمين يسكنون في بلاد بعيدة عن مقابرهم، ويحتاج دفنهم

стр. 166

فيها أن يسافروا بالميت أكثر من أسبوع، علماً بأن من السنة التعجيل بدفن الميت؟ الجواب: "لا يجوز للمسلمين أن يدفنوا مسلماً في مقابر الكافرين؛ لأن عمل أهل الإسلام من عهد النبي ﷺ والخلفاء الراشدين ومن بعدهم مستمر على إفراد مقابر المسلمين عن مقابر الكافرين، وعدم دفن مسلم مع مشرك، فكان هذا إجماعاً عملياً على إفراد مقابر المسلمين عن مقابر الكافرين؛ ولما رواه النسائي عن بشير بن معبد السدوسي قال: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ فمر على قبور المسلمين قال: «لَقَدْ سَبَقَ هَؤُلَاءِ شَراً كَثِيرًا»، ثم مر على قبور المشركين فقال: «لَقَدْ سَبَقَ هَؤُلَاءِ خَيْرًا كَثِيرًا» (١)، فدل هذا على التفريق بين قبور المسلمين وقبور المشركين. وعلى كل مسلم ألا يستوطن بلداً غير إسلامي، وألا يقيم بين أظهر الكافرين، بل عليه أن ينتقل إلى بلد إسلامي فراراً بدينه من الفتن؛ ليتمكن من إقامة شعائر دينه، ويتعاون مع إخوانه المسلمين على البر والتقوى، ويكثر سواد المسلمين إلا من أقام بينهم لنشر الإسلام، وكان أهلاً لذلك قادراً عليه، وكان ممن يعهد فيه أن يؤثر في غيره، ولا يغلب على أمره، فله ذلك وكذلك من اضطر إلى الإقامة بين أظهرهم، وعلى هؤلاء أن يتعاونوا ويتناصروا، وأن يتخذوا لأنفسهم مقابر خاصة يدفنون فيها موتاهم" (٢).

стр. 167

وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس عبدالله بن قعود ... عبدالله بن غديان ... عبدالرزاق عفيفي ... عبدالعزيز بن باز (السؤال الخامس من الفتوى رقم ٣٠٨١). سُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، يقول السائل: اشترت الجمعية الإسلامية عدداً من القبور في مقبرة النصارى، فهل يمكن دفن غير المسلمين أو الذين شذوا عن الإسلام كالقاديانيين أو غيرهم في القبور التي خصصناها لنا نحن السنيين؟ الجواب: لا يجوز دفن المسلم في مقابر النصارى؛ لأنه يتأذى بعذابهم، بل تكون القبور الخاصة بالمسلمين في مكان منفرد عن مقابر النصارى، أما القاديانيون من الكفار، فلا يدفنون في المقابر المخصصة للمسلمين لأنهم ليسوا منهم. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... الرئيس عبدالله بن قعود ... عبدالله بن غديان ... عبدالعزيز بن باز

стр. 168

(السؤال الثالث من الفتوى رقم ٥٣٧٧). سُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، يقول السائل: ما حكم المسلم الذي يتوفى في فرنسا وتعذر نقله إلى بلاده العربية، وليس في البلد الذي هو متوفى فيه مقبرة مخصصة للمسلمين، فهل يدفن في مقبرة النصارى، أم ماذا؟ وكذلك ليس هناك موضع لتغسيل أموات المسلمين إلا الحجرة المخصصة لتغسيل أموات النصارى، فهل يمكن تغسيل أموات المسلمين فيها إذا تعذر تغسيل الميت المسلم في بيته؟ الجواب: إذا لم يوجد مقبرة للمسلمين فإن المسلم إذا مات لا يدفن في مقابر الكفار، ولكن يلتمس له موضع في الصحراء يدفن فيه ويسوى بالأرض حتى لا يتعرض للنبش، وإن تيسر نقله إلى بلاد بها مقبرة للمسلمين بدون كلفة شديدة فهو أولى، أما تغسيل الميت المسلم في موضع تغسيل الكفرة فلا حرج فيه إذا لم يتيسر مكان سواه بدون كلفة (١). وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس عبدالله بن قعود ... عبالرزاق عفيفي ... عبدالعزيز بن باز

стр. 169

سُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية، يقول السائل: يوجب قانون هذه البلاد (أمريكا) أن يدفن الشخص بصندوق، فما حكم هذا؟ الجواب: إن تيسر أن يدفن الميت المسلم بلا تابوت ولا صندوق فهو السنة؛ لأن النبي ﷺ لم ينقل عنه ولا عن أصحابه﴾ أنهم دفنوا ميتاً في صندوق، والخير إنما هو في اتباعهم، ولأن في دفن الميت في صندوق تشبهاً بالكفار والمترفين من أهل الدنيا، والموت مدعاة للعبرة والموعظة، وإن لم يتيسر دفنه إلا بذلك فلا حرج لقول الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. وقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] (١). وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس عبدالله بن قعود ... عبدالله بن غديان ... عبدالرزاق عفيفي ... عبدالعزيز بن باز

стр. 170

الأصل الثاني التحكيم

стр. 171

ومن المسائل التي تتعلق بهذا الأصل ما يلي: أولاً: التقاضي. ثانياً: طلب الصلح. (ت) طلب الصلح دون الحكم. (ث) استيفاء الحقوق، وفيه مسائل: ١ - الطلاق الذي يوقعه القاضي الكافر في بلاد الكفار. ٢ - اعتبار المراكز الإسلامية في مقام الحاكم الشرعي. ٣ - نصائح لمسلمي الأقليات. ثالثاً: من أين يستقي المسلم المقيم هناك الفتاوى؟ وماذا يتبع؟

стр. 172

أولاً: التقاضي وذلك بإقامة الدعاوى وإحضار البينات وطلب الحكم. فلقد أجمع المسلمون أنه لا يحل الترافع إلا إلى من يحكم بشريعة الإسلام الناسخة لجميع الشرائع، وأنه لا يحل التحاكم إلى غيرها سواء كان الحاكم مسلماً أو كافراً، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]، وقال: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠)﴾ [الشورى]. وقد ذُكرت لي قصة طريفة تتعلق بهذه المسألة، مفادها باختصار: أن رجلاً من أهل التوحيد كان مبنياً على قبر أبيه قبة، فلما عرف الحق قام بهدمها فخاصمه بعض الجهلة الذين يعظمون تلك القباب، فتحاكم وإياهم إلى قاضٍ نصراني إذ لا يوجد قاضٍ مسلم لأنه في بلد كفر فاحتج عليهم بأن هذه القبة لأبيه وهو أولى به منهم، وبأنه وإياهم يرجعون إلى شريعة واحدة وهي شريعة الإسلام والحكم فيها تحريم البناء على القبور، والأمر بهدمها، فحكم له القاضي النصراني عليهم. وقد جرى البحث في استثناء حالتين: الأولى: حالة الضرورة: سئل الشيخ عبدالعزيز بن باز ﵀ عن هذا الموضوع، فقال للسائل: أشير إلى استفتائك المقيد بإدارة

стр. 173

البحوث العلمية والإفتاء برقم (٢١٥١) وتاريخ ٦/ ٦/١٤٠٧ هـ الذي تسأل فيه عن حكم التحاكم إلى من يحكم بالقوانين الوضعية إذا كانت المحاكم في بلدة كلها تحكم بالقوانين الوضعية ولا يستطيع الوصول إلى حقه إلا إذا تحاكم إليها، هل يكون كافراً؟ وأفيدك بأنه إذا اضطر إلى ذلك لا يكون كافراً، ولكن ليس له أن يتحاكم إليهم إلا عند الضرورة إذا لم يتيسر له الحصول على حقه إلا بذلك، وليس له أن يأخذ خلاف ما يحله الشرع المطهر" (١). وسُئل الشيخ ابن عثيمين ﵀، يقول السائل: هل يجوز أن نتحاكم إلى من يحكمون بالقانون الوضعي إذا كنا محقين، أو نترك حقوقنا للضياع؟ الجواب: ذكر ابن القيم في أول كتاب (الطرق الحكمية) أن من الفقهاء من قال لا نتحاكم إليهم، وقال: هذا لا يمكن أن تصلح به أحوال الناس لا سيما مع كثرة الذين يحكمون بغير ما أنزل الله، فلك أن تتحاكم إليهم، لكن لو حكم لك بغير ما أنزل الله فرده، وأما أن تضيع حقوق الناس فلا؛ لأنه ربما تكون أملاك فيها ورثة كثيرون، فلا يجوز أن تضيعها من أجل أن هذا يحكم بالقانون، بل نتحاكم إليه فإن حكم بالحق فالحق مقبول من أي إنسان، وإلا فلا (٢).

стр. 174

وسُئلت اللجنة الدائمة: ما حكم تحكيم القضاء الأمريكي في النزاع بين المسلمين في أمور الطلاق، والتجارة، وغيرها من الأمور؟ الجواب: لا يجوز للمسلم التحاكم إلى المحاكم الوضعية إلا عند الضرورة إذا لم توجد محاكم شرعية، وإذا قضى له بغير حق فلا يحل له أخذه (١). "ويتقيد هذا اللجوء إلى القانون الوضعي بمقيدات حاكمة وقواعد ضابطة، منها: ١ - تعذر استخلاص الحق أو الوصول إليه إلا بهذه الطريقة فحسب. ٢ - الاقتصار على المطالبة بالحق فحسب وأخذه عند الحكم به من غير زيادة. ٣ - كراهة القلب للاحتكام إلى غير القضاء الشرعي. ٤ - بقاء هذا الترخص في دائرة الضرورة بالمعنى العام، والذي يشمل الضرورة والحاجة. وأمَّا ما يدل على القيد الأول: تعذر استخلاص الحقوق أو دفع المظالم عن طريق القضاء الشرعي، فهو أنه إذا أمكن استخلاص الحق أو دفع المظلمة عن طريق القضاء الشرعي لم

стр. 175

تكن هناك ضرورة تُلجئ إلى التحاكم إلى القانون الوضعي الذي حكمه التحريم - كما تقدم - لغير الضرورة. وأما ما يدل على القيد الثاني: معرفة حكم الشرع في النازلة وعدم المطالبة بزيادة، فهو أن المطالبة بزيادة على حكم الشرع ظلم، والظلم حرام، دلَّ على ذلك الكتاب والسنة والإجماع، فمن أدلة الكتاب قوله تعالى: ﴿أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤)﴾ [الأعراف]. ومن أدلة السنة، الحديث القدسي: «إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلتُهُ بَيْنَكُم مُحَرَّمَاً، فَلَا تَظَالَمُوا» (١)، ومن دلائل ذلك: أن المسلم يجب عليه في حالة سلوك الوسيلة المباحة - وهي التحاكم إلى الشرع - ألا يأخذ مال غيره وإن حكم له به الحاكم الشرعي؛ لقوله ﷺ : «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّهُ يَأتِينِي الخَصْم، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ، فَأَحسِبُ أَنَّهُ صَادِقٌ، فَأَقْضِيَ لَهُ بِذَلِك، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِم، فَإِنَّمَا هِي قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ، فَلْيَأْخُذْهَا، أَوْ لِيَتْرُكهَا» (٢)، فمن باب أولى ألا يبيح له حكم الحاكم غير الشرعي أن يظلم غيره. ومن دلائل ذلك أيضاً: القاعدة الفقهية (الضرورة تُقَدَّرُ بقدرها) ودلائلها المعروفة؛ ولأن الضرورة أباحت سلوك وسيلة محرمة لاستخلاص الحق ورفع الظلم، ولم تُبِحْ سلوكها لظلم الآخرين وأخذ ما ليس بحق.

стр. 176

ومن أدلة القيد الثالث - وهو كراهة القلب للتحاكم إلى القانون الوضعي-: قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾ [النحل]. ومنها: حديث: «٠٠٠ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ» (١)، وحديث: «سَيَكُونُ أُمَرَاءُ، فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ عَرَفَ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ. قَالُوا: أَفَلَا نَقَاتِلُهُم؟ قَالَ: لَا، مَا صَلَّوْا» (٢). وأما ما يدل على القيد الرابع فهو قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾ [البقرة]. وقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)﴾ [الأنعام].وقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥)﴾ [النحل]. كما يُستفاد ذلك من القاعدة الفقهية (الضرورات تبيح المحظورات). كما يدلُّ على ذلك أيضاً قصة لجوء الصحابة ﵃ للمثول أمام النجاشي الكافر - يومئذٍ- مرتين بسبب مطالبة كفار قريش بهم، وللذود عن حقهم في إبطال مزاعم قريش الباطلة فيهم. ومن قرارات المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي بشأن الرواية التي كتبها المدعو سلمان

стр. 177

رشدي: (القرار الثالث: يعلن المجلس أنه يجب ملاحقة هذا الشخص، بدعوى قضائية جزائية تُقَدَّم عليه، وعلى دار النشر التي نشرت له هذه الرواية في المحاكم المختصة في بريطانيا، وأن تتولى رفع هذه الدعوى عليه منظمة المؤتمر الإسلامي التي تمثل الدول الإسلامية، وأن تُوَكِّل في هذه الدعوى أقوى المحامين المتمرسين في القضايا الجنائية أمام محاكم الجزاء البريطانية) (١). وواضح من القرار تجويزهم التحاكم إلى المحاكم البريطانية في تلك النازلة" (٢). الثانية: طلب الصلح دون الحكم: فقد روى أبو داود في سننه من حديث هاني بن يزيد أنه لما وفد إلى رسول الله ﷺ مع قومه سمعهم يكنونه بأبي الحكم فدعاه رسول الله ﷺ فقال: «إِنَّ اللَّه هُوَ الْحَكَمُ وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ، فَلِمَ تُكَنَّ أَبَا الْحَكَمِ؟ فَقَالَ: إِنَّ قَوْمِي إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَتَوْنِي فَحَكَمْتُ بَيْنَهُمْ فَرَضِيَ كِلا الْفَرِيقَيْنِ، فَقَالَ رَسُولِ اللَّه ﷺ : مَا أَحْسَنَ هَذَا! فَمَا لَكَ مِنَ الْوَلَدِ؟ قَالَ: لِي شُرَيْحٌ وَعَبْدُ اللَّه وَمُسْلِمٌ. قَالَ: فَمَنْ أَكْبَرُهُمْ؟ قُلتُ: شُرَيْحٌ، قَالَ: فَأَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ» (٣).

стр. 178

وثانيهما: استيفاء الحقوق كاسترجاع المسروق ورد الاعتداء ودفع الظلم .. ونحو ذلك. والقول بجواز هذا القسم هو المتعين للضرورة لعدم التمكن من التحاكم إلى محاكم إسلامية، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبدالرحمن بن عوف ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «شَهِدْتُ مَعَ عُمُومَتِي حِلْفَ الْمُطَيَّبِينَ، فَمَا أُحِبُّ أَنْ أَنْكُثُهُ وَ أَنَّ لِي حُمْرَ النَّعَمِ» (١). قال ابن الأثير: (اجتمع بنو هاشم وبنو زهرة وتيم في دار ابن جدعان في الجاهلية وجعلوا طيباً في جفنة وغمسوا أيديهم فيه، وتحالفوا على التناصر والأخذ للمظلوم من الظالم فسموا المطيبين) (٢). رغم أن هذا الحلف تتوفر فيه عناصر الحكم والتحاكم من فض للنزاعات بين الظالم والمظلوم، وأن القائمين على هذه المهمة هم من أكابر المشركين، فإن النبي ﷺ قد أثنى عليه خيراً، وما أحب أن ينقضه ولو بحمر النعم لقيامه على معنى صحيح لا يتعارض مع الشرع وهو إنصاف المظلوم من الظالم.

стр. 179

وفيه مسائل: الأولى: الطلاق الذي يوقعه القاضي الكافر في بلاد الكفار: هذه المسألة من معضلات المسائل التي يقع فيها بعض المسلمين الذين يعيشون في بلاد الكفر، وذلك لما يترتب على هذا الحكم من الجور والظلم والإجحاف بحق صاحب الحق لانتسابه إلى القوانين الوضعية المخالفة للشرائع السماوية، وسبب الوقوع في هذه البلية هو العيش في تلك البلاد كما سبق شرحه وبيانه في أول هذه الرسالة، وسبب آخر هو عدم الاهتمام بهذه الأمور والتفكر في عواقبها قبل الوقوع فيها، ومن الحلول لهذه المعضلة: ١ - أن يتجنب المسلم نكاح الكتابيات، وإن كان ذلك مباحاً في الشريعة الإسلامية بشروطه لما يترتب عليه من جر الزوج كرهاً للتحاكم إلى المحاكم الكفرية، والمباح إذا جر إلى محرم، أو كان وسيلة إليه يتحول إلى محرم، وهذا الذي خافه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب حين بلغه أن حذيفة بن اليمان تزوج وهو بالمدائن امرأة يهودية، فكتب إليه عمر مرة أخرى (أعزم عليكم ألا تضع كتابي هذا حتى تخلي سبيلها، فكتب إليه: أتزعم أنها حرام، فقال: لا أزعم أنها حرام، ولكني أخاف أن تعاطوا المومسات منهن) (١).

стр. 180

قال ابن جرير الطبري: "وإنما كره عمر حذراً من أن يقتدي به الناس فيزهدوا في المسلمات أو لغير ذلك من المعاني" (١). وفي الحديث: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (٢) "فيجب دفع الضرر عن النفس ودفع الأضرار عن الغير، وإذا كان المسلمون في بلد ما يمثلون أقلية محدودة مثل بعض الجاليات في أوربا وأمريكا، وبعض الأقليات في آسيا وأفريقيا، فمن المنطق أن يُمنَع الرجال المسلمون من الزواج بغير المسلمات، وإلا كانت النتيجة ألا تجد بنات المسلمين - أو عدد كبير منهن - رجلاً مسلماً يتقدم للزواج منهن، وحينئذ تتعرض المرأة المسلمة لأحد أمور ثلاث: - إما الزواج من غير مسلم، وهذا باطل في الإسلام. - وإما الانحراف والسير في طريق الرذيلة، وهذا من كبائر الإثم. - وإما عيشة الحرمان الدائم من حياة الزوجية والأمومة" (٣). ٢ - أن يتفق الزوجان أنه في حال وقوع الشقاق بينهما ألا يتحاكما إلى غير الشريعة الإسلامية، ويثبت ذلك في أصل العقد. ٣ - نظراً إلى أنه صدرت فتاوى من بعض أهل العلم باعتبار
следующие страницы →