← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 626

المسلمون في بلاد الغربة

أمين الشقاوي

Полный текст (370 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ومن أدلة القيد الثالث - وهو كراهة القلب للتحاكم إلى القانون الوضعي-: قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾ [النحل]. ومنها: حديث: «٠٠٠ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ» (١)، وحديث: «سَيَكُونُ أُمَرَاءُ، فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ عَرَفَ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ. قَالُوا: أَفَلَا نَقَاتِلُهُم؟ قَالَ: لَا، مَا صَلَّوْا» (٢). وأما ما يدل على القيد الرابع فهو قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾ [البقرة]. وقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)﴾ [الأنعام].وقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥)﴾ [النحل]. كما يُستفاد ذلك من القاعدة الفقهية (الضرورات تبيح المحظورات). كما يدلُّ على ذلك أيضاً قصة لجوء الصحابة ﵃ للمثول أمام النجاشي الكافر - يومئذٍ- مرتين بسبب مطالبة كفار قريش بهم، وللذود عن حقهم في إبطال مزاعم قريش الباطلة فيهم. ومن قرارات المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي بشأن الرواية التي كتبها المدعو سلمان

стр. 177

رشدي: (القرار الثالث: يعلن المجلس أنه يجب ملاحقة هذا الشخص، بدعوى قضائية جزائية تُقَدَّم عليه، وعلى دار النشر التي نشرت له هذه الرواية في المحاكم المختصة في بريطانيا، وأن تتولى رفع هذه الدعوى عليه منظمة المؤتمر الإسلامي التي تمثل الدول الإسلامية، وأن تُوَكِّل في هذه الدعوى أقوى المحامين المتمرسين في القضايا الجنائية أمام محاكم الجزاء البريطانية) (١). وواضح من القرار تجويزهم التحاكم إلى المحاكم البريطانية في تلك النازلة" (٢). الثانية: طلب الصلح دون الحكم: فقد روى أبو داود في سننه من حديث هاني بن يزيد أنه لما وفد إلى رسول الله ﷺ مع قومه سمعهم يكنونه بأبي الحكم فدعاه رسول الله ﷺ فقال: «إِنَّ اللَّه هُوَ الْحَكَمُ وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ، فَلِمَ تُكَنَّ أَبَا الْحَكَمِ؟ فَقَالَ: إِنَّ قَوْمِي إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَتَوْنِي فَحَكَمْتُ بَيْنَهُمْ فَرَضِيَ كِلا الْفَرِيقَيْنِ، فَقَالَ رَسُولِ اللَّه ﷺ : مَا أَحْسَنَ هَذَا! فَمَا لَكَ مِنَ الْوَلَدِ؟ قَالَ: لِي شُرَيْحٌ وَعَبْدُ اللَّه وَمُسْلِمٌ. قَالَ: فَمَنْ أَكْبَرُهُمْ؟ قُلتُ: شُرَيْحٌ، قَالَ: فَأَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ» (٣).

стр. 178

وثانيهما: استيفاء الحقوق كاسترجاع المسروق ورد الاعتداء ودفع الظلم .. ونحو ذلك. والقول بجواز هذا القسم هو المتعين للضرورة لعدم التمكن من التحاكم إلى محاكم إسلامية، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبدالرحمن بن عوف ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «شَهِدْتُ مَعَ عُمُومَتِي حِلْفَ الْمُطَيَّبِينَ، فَمَا أُحِبُّ أَنْ أَنْكُثُهُ وَ أَنَّ لِي حُمْرَ النَّعَمِ» (١). قال ابن الأثير: (اجتمع بنو هاشم وبنو زهرة وتيم في دار ابن جدعان في الجاهلية وجعلوا طيباً في جفنة وغمسوا أيديهم فيه، وتحالفوا على التناصر والأخذ للمظلوم من الظالم فسموا المطيبين) (٢). رغم أن هذا الحلف تتوفر فيه عناصر الحكم والتحاكم من فض للنزاعات بين الظالم والمظلوم، وأن القائمين على هذه المهمة هم من أكابر المشركين، فإن النبي ﷺ قد أثنى عليه خيراً، وما أحب أن ينقضه ولو بحمر النعم لقيامه على معنى صحيح لا يتعارض مع الشرع وهو إنصاف المظلوم من الظالم.

стр. 179

وفيه مسائل: الأولى: الطلاق الذي يوقعه القاضي الكافر في بلاد الكفار: هذه المسألة من معضلات المسائل التي يقع فيها بعض المسلمين الذين يعيشون في بلاد الكفر، وذلك لما يترتب على هذا الحكم من الجور والظلم والإجحاف بحق صاحب الحق لانتسابه إلى القوانين الوضعية المخالفة للشرائع السماوية، وسبب الوقوع في هذه البلية هو العيش في تلك البلاد كما سبق شرحه وبيانه في أول هذه الرسالة، وسبب آخر هو عدم الاهتمام بهذه الأمور والتفكر في عواقبها قبل الوقوع فيها، ومن الحلول لهذه المعضلة: ١ - أن يتجنب المسلم نكاح الكتابيات، وإن كان ذلك مباحاً في الشريعة الإسلامية بشروطه لما يترتب عليه من جر الزوج كرهاً للتحاكم إلى المحاكم الكفرية، والمباح إذا جر إلى محرم، أو كان وسيلة إليه يتحول إلى محرم، وهذا الذي خافه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب حين بلغه أن حذيفة بن اليمان تزوج وهو بالمدائن امرأة يهودية، فكتب إليه عمر مرة أخرى (أعزم عليكم ألا تضع كتابي هذا حتى تخلي سبيلها، فكتب إليه: أتزعم أنها حرام، فقال: لا أزعم أنها حرام، ولكني أخاف أن تعاطوا المومسات منهن) (١).

стр. 180

قال ابن جرير الطبري: "وإنما كره عمر حذراً من أن يقتدي به الناس فيزهدوا في المسلمات أو لغير ذلك من المعاني" (١). وفي الحديث: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (٢) "فيجب دفع الضرر عن النفس ودفع الأضرار عن الغير، وإذا كان المسلمون في بلد ما يمثلون أقلية محدودة مثل بعض الجاليات في أوربا وأمريكا، وبعض الأقليات في آسيا وأفريقيا، فمن المنطق أن يُمنَع الرجال المسلمون من الزواج بغير المسلمات، وإلا كانت النتيجة ألا تجد بنات المسلمين - أو عدد كبير منهن - رجلاً مسلماً يتقدم للزواج منهن، وحينئذ تتعرض المرأة المسلمة لأحد أمور ثلاث: - إما الزواج من غير مسلم، وهذا باطل في الإسلام. - وإما الانحراف والسير في طريق الرذيلة، وهذا من كبائر الإثم. - وإما عيشة الحرمان الدائم من حياة الزوجية والأمومة" (٣). ٢ - أن يتفق الزوجان أنه في حال وقوع الشقاق بينهما ألا يتحاكما إلى غير الشريعة الإسلامية، ويثبت ذلك في أصل العقد. ٣ - نظراً إلى أنه صدرت فتاوى من بعض أهل العلم باعتبار

стр. 181

المراكز الإسلامية، وما يقوم مقامها بالدول الكافرة قائمة مقام الحاكم الشرعي، فإن على الزوجين إجراء العقود من جمع، وتفريق، وفسخ، وخلع لديها، كما سيأتي بمزيد من الإيضاح في المسألة الثانية. الثانية: اعتبار المراكز الإسلامية في مقام الحاكم الشرعي: هذه المسألة من المسائل العامة التي يجب العناية بها لما يترتب عليها من حل كثير من مشاكل إخواننا المسلمين في بلاد الغربة، فإن لم يوجد مركزاً إسلامياً فإن على الجماعة المسلمة اختيار مرجعاً لهم شخصاً واحداً أو أكثر من طلبة العلم والعقلاء ليقيم لهم صلاتهم، وخطب جمعهم، وأعيادهم، ويقوم بعقد نكاحهم، وحل مشكلاتهم، ومما عُرِف أن أبا بكر هو الخليفة بعد رسول الله ﷺ إمامته للمسلمين في مرض النبي ﷺ بأمره، قال ﷺ : «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ» (١). ولأهمية الإمارة التي يرجع إليها أمر النبي ﷺ إذا سافر ثلاثة أن يؤمروا أحدهم، فكيف بحال الإقامة، وهي أكثر حوادث من حال السفر، روى أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إِذَا خَرَجَ ثَلاثَةٌ فِي سَفَرٍ، فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ» (٢). وفي صحيح البخاري في غزوة حنين، قال النبي ﷺ : «إِنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ

стр. 182

إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ» فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم ثم رجعوا إلى رسول الله ﷺ فأخبروه أنهم قد طيبوا وأذنوا (١). وفي صحيح البخاري أن امرأة سألت أبا بكر ﵁ فقالت: ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح الذي جاء الله به بعد الجاهلية، قال بقاؤكم عليه ما استقامت بكم أئمتكم، قالت: وما الأئمة، قال: أما كان لقومك رؤوس وأشراف يأمرونهم فيطيعونهم؟ قالت: بلى، قال: فهم أولئك على الناس (٢). سُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، سائل يقول: كتابية رغبت في الزواج من مسلم، ولما توقع والدها وهو كتابي أيضاً أن ابنته ربما تدخل في الإسلام بعد زواجها من الشاب المسلم رفض أن يكون وليها في الزواج، بل رفض زواجها منه، علماً بأنها لم تدخل في الإسلام بعد، فمن يكون وليها في هذه الحالة؟ أرجو التكرم بالجواب الراجح؟ الإجابة: الكتابية يزوجها والدها، فإن لم يوجد أو وجد وامتنع زوجها أقرب عصبتها، فإن لم يوجدوا أو وجدوا وامتنعوا، زوجها القاضي المسلم إن وجد، فإن لم يوجد زوجها أمير المركز الإسلامي في منطقتها؛ لأن الأصل في ولاية النكاح أنها للأب ثم للعصبة الأقرب فالأقرب، فإذا عدموا أو كانوا ليسوا أهلاً للولاية لأي مانع من الموانع أو امتنعوا بغير حق انتقلت الولاية إلى الحاكم أو من ينيبه، قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ

стр. 183

بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]. وروي أن النبي ﷺ لما أراد أن يتزوج أم حبيبة بنت أبي سفيان، وكانت مسلمة وأبو سفيان لم يسلم، وكَّل النبي ﷺ عمرو ابن أمية الضمري فتزوجها من ابن عمها خالد بن سعيد بن العاص وكان مسلماً، وإن عضل أقرب أولياء حرة فلم يزوجها بكفء رضيته زوجها الأبعد، فإن لم يكن فالحاكم لقول النبي ﷺ : «السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» (١) (٢) (٣). وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس عبدالله بن غديان ... عبدالرزاق عفيفي ... عبدالعزيز بن باز كما سُئلت اللجنة الدائمة للإفتاء، يقول السائل: كيف نصنع مع رجل فرنسي جاء ليعلن إسلامه ومعه امرأة مسلمة تقول أنها أحضرته إلى المسجد ليدخل الإسلام ثم تتزوج منه، علماً بأنها هي نفسها لا تصلي ولا تلبس الحجاب،

стр. 184

بل هي بعيدة هنا عن أهلها وذويها، ثم إن الرجل نفسه يؤكد أنه يحب أن يسلم رغبة منه في الإسلام، فماذا نصنع معهما؟ وماذا نصنع إن كانا قد تزوجا بعضهما منذ عام أو عامين وكان منهما أولاد ولم يكن الرجل قد أسلم وإنما جاء ليسلم بعدئذٍ، فهل يقبل إسلامه وهل استبراؤه إياها بحيضة أو حيضتين ينسحب عليهما أم لا، وكيف يمكن تصحيح زواجهما والمرأة ليس لها ولي هنا في فرنسا لا أبعد ولا أقرب، وما حكم الأولاد، وهم لا شك أولاد زنا؟ الجواب: أولاً: يخبر بسروركم بإسلامه وأن دخوله في الإسلام أعظم واجب وأكبر نعمة يهنأ بها. ثانياً: يوضح له أركان الإسلام، وأصول الإيمان، ومعنى الشهادتين ومعنى الإيمان باليوم الآخر والقدر، ويبين له بطلان قول النصارى في عيسى وأن عليه أن يؤمن بأن عيسى عبدالله ورسوله كسائر الرسل وليس ابناً لله، تعالى الله عن قول النصارى علواً كبيراً، ويبين له أن محمداً ﵊ هو خاتم الأنبياء ورسالته عامة للجن والإنس والعرب والعجم، وهكذا يوضح ذلك للمرأة ويطلب منها إسلامها من جديد؛ لأن ترك الصلاة كفر. ثالثاً: إذا لم يكن للمرأة ولي مسلم قريب أو بعيد فإن رئيس المركز الإسلامي لديكم يتولى عقد النكاح؛ لأنه بمثابة الوالي بالنسبة لأمثال هؤلاء، لقول النبي ﷺ : «السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ

стр. 185

لَهُ» (١)، ورئيس المركز ذو سلطان في محله، لعدم وجود القضاة المسلمين في محله. رابعاً: ليس هناك حاجة إلى الاستبراء إذا كان اتصاله السابق بها باسم النكاح وأولادهما لاحقون به، كما يلحقون في وطء الشبهة بالنكاح الفاسد (٢). وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس عبدالله بن قعود ... عبدالرزاق عفيفي ... عبدالعزيز بن باز وهذه بعض النصائح من د. محمد يسري للمسلمين في بلاد الغربة ينبغي العناية بها لأهميتها، قال وفقه الله: أولاً: يجب على المسلم والمسلمة أن يعقدا زواجهما وفق الأحكام الشرعية ما أمكن ذلك؛ لأنه وإن كان عقد الزواج وفق القوانين الأوربية يُعتبر جائزاً من حيث إنه عقد، إذا جرى ضمن الضوابط الشرعية، إلا أن الزوجين بعد ذلك يخضعان إلى هذه القوانين في كل ما يتعلق بآثار الزواج، ومنها: الطلاق، والإرث، ولا يجوز للمسلم أن يتحاكم إلى

стр. 186

غير شرع الله برضاه. وبناءً على ذلك فإن من واجب المسلم أن يعقد زواجه في دولته المسلمة طالما كان ذلك ممكناً ما دام قانون دولته مستمداً من الأحكام الشرعية ولو كانت فيه بعض المخالفات. ثانياً: المسلم والمسلمة من أصحاب الجنسية الأوروبية، سواء كانوا من أهل البلاد الأصليين فأسلموا، أو من المسلمين الذين تجنسوا بجنسية أوروبية، فليس أمامهم إلا أن يعقدوا زواجهم مدنياً حسب قوانين بلادهم، ثم يجري عقد زواج شرعي بعد العقد المدني أو قبله، لكن هذا العقد الشرعي ليس له أي مفعول أمام القضاء الأوروبي بالنسبة لآثار الزواج، وإن كان يعطي الزوجين اطمئناناً أكثر إلى مشروعية المعاشرة الزوجية. وإن كانا غير ملزمين بذلك؛ لأنهما لا يحملان الجنسية، بل هما مقيمان هناك، ويتمتعان بجنسية دولة إسلامية، فقد يلحقهما إثم من الإقدام على عقد الزواج وفق قانون أوروبي، وفي هذه الحالة نكون أمام واقعة جديدة، وهي: ثالثاً: عندما يعقد زوجان مسلمان زواجهما وفق قانون وضعي غير مسلم، يجب عليهما أن يتفقا على إخضاع هذا الزواج بآثاره للأحكام الشرعية ما أمكنهما ذلك، ومن الواجب أن يكون مثل هذا الاتفاق رسمياً إذا سمح القانون بذلك، وإلا يكفي أن يكون خطياً في هذه الحالة، وحين يقع خلاف بينهما

стр. 187

يختاران حكماً من العلماء، أو من المسلمين القادرين على القيام بهذه المهمة، وهذا الحكم يحاول الإصلاح ما أمكن، فإن تعذَّر عليه ذلك حكم بالتفريق بينهما شرعاً، ويصبح تنفيذ هذا الحكم الشرعي وفق الإجراءات القضائية للقوانين الأوروبية أمراً مشروعاً، وهو السبيل الوحيد لتنفيذ الحكم الشرعي إذا أراده الطرفان. وأخيراً فقد أباح الله تعالى للمرأة أن تبعث حكماً من أهلها، ويبعث الرجل حكماً من أهله، أو من غير أهلهما على ما صححه شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، ولتأخذ برأي من يعتبر أن للحكمين التفريق إذا اجتمعا عليه، وهم جمع من فقهاء المالكية مع الإمام مالك، وهو أحد قولي الإمام ... أحمد ورجحه ابن تيمية، وقبل ذلك هو قول جمع من الصحابة ﵃ (١). فإذا حكما بالتفريق جاز لهما عندئذٍ أن يعتبرا أن الفراق قد وقع حقيقة، وجاز لها أن تنكح زوجاً غيره بعد انتهاء عدتها (٢). والله تعالى أعلم (٣).

стр. 188

الثالثة: من أين يستقي المسلم المقيم هناك الفتاوى وماذا يتبع؟ المسلم الذي هو من عوام المسلمين عليه أن يتعلم دينه من أهل العلم وأن يسأل أهل الذكر عما يشكل عليه ويستفتي من يثق في دينه وأمانته، ويكون في كل ذلك سائلاً عن حكم الله وحكم رسوله، وإذا تبين له الحق من كلام الله وكلام رسوله، فلا يجوز له أن يتركه لقول قائل كائناً من كان لأن الله تعبدنا بكلامه وكلام رسوله ﷺ فقط، وإذا لم يكن في المسألة حكم صريح لله ورسوله وكانت المسألة من مسائل الاجتهاد فإن المسلم يتبع من يثق في دينه وعلمه. وإذا اختلف أهل العلم في مسألة من المسائل وجب على المسلم أن يتبع ما يظنه أقرب للحق والصواب، وما يطمئن إليه قلبه، كما قال ﷺ : «اسْتَفْتِ نَفْسَكَ وَإِنْ أَفْتَاكَ الْمُفْتُونَ» (١)، وقال ﷺ : «الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ النَّاسُ عَلَيْهِ» (٢). ولا يجوز للمسلم أن يتبع رخص العلماء وما يسمى بالأسهل

стр. 189

في كل مذهب فإنه من تتبع رخص العلماء اجتمع فيه الشر كله، ووجد من الفتاوى ما يستحل بها كثيراً من المحرمات. ولا يجب على أحد من المسلمين تقليد شخص بعينه من علماء الأئمة الأربعة أو غيرهم في كل ما يقول، وعلى المسلم إذا نزلت به نازلة أن يستفتي من يعتقد أنه سيفتيه بشرع الله ورسوله امتثالاً لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾] النحل [(١).

стр. 190

الأصل الثالث الولاء والبراء

стр. 191

الولاء والبراء في الإسلام أصل عظيم من أصول الإسلام، والتمسك به أخذ بعروة الإيمان الوثقى، سواء في دار إسلام أو دار كفر، غير أن مسائله ونوازله في دار الكفر أكثر، والحاجة إلى معرفته أشد، وهو مبني على أصلين عظيمين: الأول: إخلاص العبادة لله سبحانه، قال: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام]. الثاني: البراءة من الشرك والمشركين، وإظهار عداوتهم، قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]. فمن لم يحقق هذين الأصلين لا يصح له أن ينتسب إلى إبراهيم ﵇ وملته، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١)﴾ [الممتحنة]. بل لقد حرم على المؤمن موالاة الكافرين ولو كانوا من أقرب الناس إليه، قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢].

стр. 192

ومما ينبغي التنبيه عليه قول بعض الناس في هذا الوقت إن النصارى أحسن من المسلمين في المعاملة، وهذا لا يجوز فلا تفضيل للكفار على المسلمين لا في المعاملة ولا في غيرها؛ لأن الله لعن المنافقين الذين يقولون للذين كفروا: ﴿هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١)﴾ [النساء]. ولو قدر أن بعض المسلمين لا يصدق في المعاملة، فإن الحكم لا يعمم على المسلمين. ومن المسائل التي تتعلق بهذا الأصل ما يلي:

стр. 193

أولاً: الزواج من نسائهم. ثانياً: بعض أحكام الأولاد. ثالثاً: التحاق أطفال المسلمين في بلاد الغرب بالمدارس النصرانية. رابعاً: العمل أو الدراسة لدى الكفار. خامساً: العمل في الوظائف العسكرية. سادساً: تأجير البيوت والمحلات على الكفار. سابعاً: تحية غير المسلمين والسلام عليهم. ثامناً: حكم مصافحة المرأة الأجنبية والخلوة بها. تاسعاً: تعزية الكافر وحضور جنازته. عاشراً: حكم حضور أعياد الكفار وتهنئتهم بها. الحادي عشر: الإهداء للكفار. الثاني عشر: حكم قبول هداياهم بالمناسبات الدينية وغيرها. الثالث عشر: قبول دعوة الكافر إلى الطعام. الرابع عشر: عيادة مريضهم ورقيته.

стр. 194

الخامس عشر: دخول كنائس الكفار، وفيه مسائل: (أ) دخولها والصلاة فيها. (ب) الصلاة في الكنيسة عند عدم وجود المسجد. (ج) شراء الكنيسة لتكون مسجداً. السادس عشر: الانتخابات في بلاد الكفار، وفيها مسائل: (أ) مشاركة المسلم في الانتخابات مع غير المسلمين. (ب) التصويت في انتخاباتهم. السابع عشر: التجارة، وتشمل: (أ) التقيد بالأنظمة. (ب) البيع والشراء فيما لا يحل. الثامن عشر: السكن مع العائلة الكافرة. التاسع عشر: إذا أسلمت المرأة وزوجها كافر. العشرون: معاملة الرجل المسلم أو المرأة المسلمة لأهلها الكفار. الحادي والعشرون: الأحزاب والجماعات الإسلامية، وماذا يتبع المسلم منها.

стр. 195

أولاً: الزواج من نسائهم ذهب جماهير أهل العلم إلى حل الزواج بالكتابية، وخالف في ذلك بعضهم واستدلوا بما رواه البخاري في صحيحه من حديث ابن عمر كان إذا سئل عن نكاح الرجل النصرانية أو اليهودية قال: «إن الله حرم المشركات على المؤمنين، ولا أعلم من الإشراك شيئاً أكبر من أن تقول المرأة ربها عيسى وهو عبد من عباد الله» (١). واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]. ووجه الدلالة أن الله تعالى حرم نكاح المشركات، والكتابية مشركة، فيحرم نكاحها. وبقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]. وهذا نهي عن إبقاء الكافرة في عصمة المسلم، فاقتضى النهي عن ابتداء نكاحها، والكتابية داخلة في مسمى الكوافر. وقالوا أنه يُشترط بأن توحد الله ولا تشرك به شيئاً، ولكنها لا تتبع إلا موسى ﵊، إن كانت يهودية، أو عيسى ﵊، إن كانت نصرانية، فإن خالفت الإسلام وأشركت فإنها لا تحل، وهؤلاء راموا الجمع بين آية

стр. 196

المائدة وهي قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]. وبين آية البقرة: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]. فقالوا: إذا أشركت بالله ولو كانت يهودية أو نصرانية فلا تحل، وأما إذا كانت غير مشركة بالله، وإن لم تدن بالإسلام الذي جاء به محمد ﵊ فإنها تحل، وتكون الفائدة من قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] أنها غير مسلمة وحلت لا أنها مشركة وحلت. وإلى هذا ذهب كثير من أهل العلم من السلف والخلف، وعلى هذا الرأي إذا كانت النصرانية تقول بأن الله ثالث ثلاثة فإنها لا تحل ولو تدينت بدين النصارى، وكذلك اليهودية إذا قالت عزير ابن الله فإنها لا تحل لأنها مشركة. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "وذهب أكثر أهل العلم إلى أن الآية ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥] عامة فكل من انتمى إلى دين أهل الكتاب فهو منهم، وقالوا: إن هذا مخصص لقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]. لأن آية البقرة متقدمة على آية المائدة، ثم هذا التعليل في الحقيقة عليل، لأن التخصيص لا فرق فيه بين المتقدم والمتأخر، لكن الدليل الواضح هو أن الله ذكر في سورة المائدة حل نساء أهل الكتاب، وحكى عنهم الشرك وكفرهم أيضاً، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ

стр. 197

كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧]. وقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠)﴾ [التوبة] " (١). قال ابن كثير: "وقد تزوج جماعة من الصحابة من نساء النصارى ولم يروا بذلك بأساً، أخذاً بهذه الآية الكريمة: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، فجعلوا هذه مخصصة للآية التي في سورة البقرة: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]. إن قيل بدخول الكتابيات في عمومها وإلا فلا معارضة بينها وبينها؛ لأن أهل الكتاب قد انفصلوا في ذكرهم عن المشركين في غير موضع، كقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١)﴾ [البينة]. وكقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ [آل عمران: ٢٠] " (٢). "فالحاصل والذي عليه جمهور أهل العلم أن من تدين بدين أهل الكتاب وانتسب إليهم ولو كان يقول بالتثليث فإنه تحل ذبيحته ويحل نكاحه" (٣). وهذا مشروط بما في الآية الكريمة ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا

стр. 198

الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥]، وقد اختلف أهل العلم في المراد بالإحصان، فقيل: أراد بالمحصنات الحرائر دون الإماء، وقيل المراد: العفيفات. قال ابن كثير: "والقول الأخير هو قول الجمهور، وهو الأشبه لئلا يجتمع فيها أن تكون ذمية، وهي مع ذلك غير عفيفة، فيفسد حالها بالكلية ويتحصل زوجها على ما قيل في المثل (حشفا وسوء كيله)، والظاهر من الآية: أن المراد بالمحصنات: العفيفات عن الزنا، كما قال تعالى في الآية الآخرى: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ [النساء: ٢٥] " (١). "والذي يطلع على حقوق الزوجين في الغرب يخجل في الحقيقة من هذا القانون، ويترفع عن مقارنته، لا بالإسلام الذي هو شريعة ربانية، بل بالنظم البشرية في العصور الحجرية إذ كلها تأنف من جعل الزوج ديوثاً يرى من يجامع زوجته فيباركه، أو يرى من يحبلها ولا حق له سوى نفقات الولادة، في الحقيقة أن الغرب فرغوا الزواج من معناه الحقيقي، وجعلوه رسماً بلا معنى وصورة بلا روح، وإلا فقولوا لي: بماذا تمتاز الزوجة عن الأجنبية بالنسبة للرجل؟ فالزوجة لا يلزمها في القانون الغربي أن تقدم لزوجها فنجاناً من القهوة والأجنبية كذلك، ولا يمكن لزوجها أن يجامعها إلا برضاها والأجنبية كذلك، وليس عليه أن يملي عليها رأيه والأجنبية

стр. 199

كذلك، وليس له أن يمنعها الخروج من البيت والأجنبية كذلك، وليس له أن يمنعها معاشرة الرجال والأجنبية كذلك. وليس له أن يمنعها استضافة عشيقها في البيت والأجنبية كذلك، ولها أن تدعي أن هذا الولد من عشيقها لا من زوجها فينسب للعشيق، فأين حقوق الزوج في الغرب. كل هذا سببه نظريتهم في المساواة بين الرجل والمرأة ونظريتهم في احترام الحرية الشخصية، إضافة إلى أن القوانين الغربية فتحت باباً عظيماً من أبواب الفساد في صميم الجالية المسلمة، فإن الرجل لم يعد يستطيع أن يكلم زوجته كلمة واحدة إذ بيدها تطليقه، وأخذ نصف ثروته، وأكثر من نصف راتبه الشهري، إلى جانب استئثارها بحضانة أولاده وإذلاله في المحاكم. هذا بالنسبة للزوج، أما بالنسبة للأولاد، فإن الرجل مهما دفع لهم فإنه أبوهم ومسؤول عنهم، وعن تأمين العيش الكريم لهم، ولكن المشكلة لا تكمن هنا، وإنما صلب المشكلة أن هذا الأب ليس له حظ من أولاده إلا أن يراهم ساعة في الأسبوع، ثم تستأثر الأم بسائر أوقاتهم وتكون المشكلة أعظم إن كان المطلق مسلماً والمطلقة كتابية، فإنها ستتأثر بتربيتهم على الكفر وعادات الكافرين فيدفع هذا المسكين نصف ثروته لامرأته الكافرة، وينفق عليها أكثر من نصف راتبه الشهري لتربي أولاده على الكفر وعلى عداوة أبيهم وبغضه وهو محروم من رؤيتهم وتربيتهم ومن أنسهم

стр. 200

ومودتهم، حقاً إنها طامة لا يعرفها إلا من ذاقها. وللأسف هذا حال كثير من المسلمين في أوروبا الذين بادروا بالزواج من كتابيات طمعاً بالإقامة والجنسية والعمل، ورغبة بجمالها وشقارها، فانقلبوا بعد حين ليذوقوا مرارة الطلاق ويدفعوا مالهم ودين أولادهم ثمناً لهذا الزواج. ومنهم من تورط في الزواج ثم أدرك مغبة الطلاق وما يجره عليه من خسارة في ماله وولده، فآثر الصبر على أخلاق الزوجة الغربية وصار خادماً عندها تسيره كيف تشاء، يتجرع كأس الذل والمهانة كل يوم، ولا يستطيع أن يشكو همه لأحد. لقد رأيت في ألمانيا من مآسي المسلمين العرب ما يبعث على الحزن ويوجع القلب، ولقد رأيت من يرى ابنته تصاحب الألماني الكافر، ولا يستطيع أن يتدخل في شأنها، ومن تأتي ابنته والصليب على رقبتها ولا يستطيع أن يتكلم، ومن تزوجت ابنته من كافر وليس له إلا أن يبارك هذا الزواج، ومن اتخذت امرأته عشيقاً ولا يستطيع إلا أن يكرمه. نعم يا إخواني إن ما أخذه الغرب من المسلمين المهاجرين، كان أكثر مما أعطاهم، ولو بدا لهم لأول وهلة أنه أعطاهم الكثير، وإن من ارتد وانحرف من أولاد المسلمين أكثر من الغربيين الذين دخلوا في الإسلام، وكان تأثيرهم فينا أكثر من تأثيرنا فيهم، وإن كان ديننا أعظم من دينهم لأننا جعلنا الدين من غير صدق، وهم صدقوا من غير دين.

стр. 201

ومن القصص المحزنة في ذلك: قبل حوالي شهر حصل في برلين أن صاحب محل تجاري من المسلمين انتحر بسبب الطلاق، فرضت عليه المحكمة أن يدفع أكثر من نصف مدخوله الشهري لمطلقته وأولاده، كما فرضت عليه أن يتخلى عن محله التجاري، حتى يباع وتأخذ مطلقته نصيبها، أي تقسيم ثروته المالية بينه وبينها على السواء، فلم يستطع تحمل هذا الأمر فأقدم على الانتحار. إنا لله وإنا إليه راجعون. ومن هذه الحالات: صديق لي تزوج بامرأة نصرانية، ولم يكن حسن الالتزام بدينه، وكانت هي أيضاً بعيدة عن دينها، ويسر الله لهذا الرجل أن تعرف على المسلمين الملتزمين على المسجد حتى أصبح من رواده، وأصبح داعية للإسلام، وكان له من زوجته خمسة أولاد لا تتجاوز أعمارهم السبع سنوات، وصار يحضرهم إلى المسجد ويعلمهم الإسلام، وبدأت العداوة تكبر في صدر امرأته حتى اشتعل صدرها ببغض هذا الدين، ودفعها هذا البغض إلى الاقتراب من الكنيسة والدفاع عنها، وكانت تثور في البيت المجادلات الدينية والتي لم تنته إلا بطلب المرأة الطلاق، وصدر الحكم بالطلاق، وكانت الأم قد أطلعت القاضي على سبب العداوة بينها وبين زوجها الذي انقلب إلى رجل متعصب - بزعمها - ويريد أن يربي أولاده على الإسلام ويأخذهم إلى المسجد، فمال القاضي إليها وحكم لها بحضانة الأطفال الخمسة، ولم يعد يسمح للأب أن يزور أولاده إلا مرة واحدة في الأسبوع.

стр. 202

وحرصت الأم بعد ذلك على غرس الكفر في نفوس الأطفال، فصارت تصحبهم إلى الكنيسة بعد أن كانت الكنيسة لا تعني شيئاً لها، وبدأت تطبخ لهم الخنزير وتنفرهم من الإسلام، وكان الأب في غضون زيارة الأولاد له يحرص على تعليمهم الصلاة ويحببهم فيها، فلما علمت الأم بذلك أخبرت القاضي الذي قام بإنذار الأب بحرمانه من زيارة أطفاله له إذا حدثهم عن الإسلام أو الصلاة أو حتى صلى إحدى الصلوات أمامهم. وهذا غيض من فيض مما يجري في بلاد الغرب، من حرب على الإسلام وأهله، والاعتداء على أبناء المسلمين لإبعادهم عن دينهم. ومنذ أيام قلائل اتصل بي أحد الأخوة، وأخبرني أن صديقاً له من المسلمين العرب توفي وله زوجة ألمانية، فأراد أهله وأصدقاؤه دفنه في مقبرة المسلمين فرفضت زوجته، وأصرت على أن يدفن في مقابر النصارى، فذهب بعض الأخوة يترجونها للسماح بدفنه في مقابر المسلمين، فلم تقبل ودُفن في مقابر النصارى. فالزوجة في القانون الألماني هي التي تأخذ هذا القرار، وليس لأهله أو أسرته أي حق في التدخل بهذا الشأن. والذي أنصح به أنه لا ينبغي الإقدام على الزواج من الكتابية إلا إذا رجى إسلامها، وغلب ذلك على ظنه بما يتوسمه من حسن صفاتها، وحبها للخير؛ لأنه حين يعقد عليها في بلاد الغرب

стр. 203

يخضع زواجهما للقوانين الغربية، وفي هذه القوانين من السوء والعار ما لا يجوز للمسلم أن يرضى به، كانعدام قوامة الرجل في بيته، وحرية الزوجة في معاشرة الأجانب، واصطحاب العشيق إلى البيت .. وغير ذلك من المخازي. والإسلام حين أجاز الزواج بالكتابية كان ذلك مبنياً على الخضوع لأحكامه، فالرجل هو القوام على المرأة وعلى البيت، ولا يدع للمرأة تأثيراً في تسيير البيت وتوجيهه نحو الانحلال أو تربية الأطفال على الكفر وعادات الكافرين، فبهذه القوامة التي منحه الشارع إياها، يزول المحذور الذي يخشى وقوعه من قبل امرأته الكافرة، وأما مع عدم الخضوع لأحكام الإسلام وعدم القوامة فالأمر يختلف. فينبغي على المسلم أن ينظر في المحذورات المتوقعة من هذا الزواج، ويتفق مع المرأة على تفاديها، كأن يتفق معها على قوامته على البيت، وتربية الأولاد وفق شرع الله، وفي حال الطلاق تكون حضانتهم له، فإن وافقت أقدم على الزواج بعد توثيق هذا الاتفاق في المركز الإسلامي، وإن أبت فلا يقدم عليه؛ لأن في الإقدام عليه تفريطاً في حق نفسه وحق أولاده، وتضييع للأمانة التي حمَّله الله إياها، وسيسأل عن ذلك يوم القيامة" (١).

стр. 204

ثانياً: بعض أحكام الأولاد من المسائل التي تشكل على بعض المسلمين في بلد الكفر إذا أسلم أحد الزوجين، فهل يلحق الولد بأمه أم بأبيه، وكذلك زواج بعض المسلمين من نساء نصرانيات دون عقد، ثم ينجبان الأولاد، وغيرها من المسائل. وهذه بعض الفتاوى من اللجنة الدائمة للإفتاء بالمملكة العربية السعودية في موضوع الأولاد: السؤال التاسع من الفتوى رقم (٢٣٨٧)، يقول السائل: قيل إن المولود يتبع أباه في النسب ويتبع أمه في الحرية والرق، ثم رأيت في كتاب (عدة الباحث في أحكام التوارث) تأليف الشيخ/ عبدالعزيز بن ناصر الرشيد، أنه يتبع خير والديه في الدين والولاء، ويدل ذلك على أن الولد إذا مات قبل سن الصلاة يتبع والده إن كان مسلماً، فيصلى عليه ولو لم تكن أمه مسلمة، أو يتبع أمه إن كانت مسلمة فيصلى عليه ولو لم يكن أبوه مسلماً (كما فهمت أنا)، وإذا كان الأمر كذلك، فما هي الأدلة من الكتاب والسنة في هذه الأوجه الثلاثة؟ الجواب: ما ذكر من التبعية تظهر آثاره في الأحكام الدنيوية من إرث أو عدمه، ومن صلاة الجنازة على من مات من الأولاد قبل سن التكليف، وتغسيله ودفنه في مقابر المسلمين أو عدم

стр. 205

ذلك، ولا تناقض في ذلك بين العبارة الأولى وعبارة فضيلة الشيخ عبدالعزيز بن ناصر الرشيد في كتابه (عدة الباحث) التي نصها: (والولد يتبع أمه في الحرية والرق، ويتبع خير أبويه في الدين، وفي الولاء والنسب يتبع أباه). وما فهمته من أن الولد يتبع المسلم منهما سواء كان أباً أم أماً فيغسل ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين ولو كان الطرف الآخر كافراً فهم صحيح، كما لو كانا مسلمين تغليباً لجانب الإسلام؛ لأن الولد يولد على فطرة الإسلام؛ لقول الله سبحانه: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، ولقول رسول الله ﷺ : «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ .. الحديث» (١). وأما تبعيته لأبيه في النسب ولأمه في الحرية والرق فدليله الإجماع العملي جيلاً بعد جيل، ولعموم قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] (٢). وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس عبدالله بن قعود ... عبدالله بن غديان ... عبدالرزاق عفيفي ... عبدالعزيز بن باز

стр. 206

الفتوى رقم (١٠٦٦٣)، يقول السائل: رجل تزوج بامرأة فرنسية بدون عقد شرعي، ثم ولدت منه أولاداً، وبعد ذلك تاب إلى الله وأراد أن يجدد زواجه بنفس المرأة بالعقد الشرعي، فهل يعد أولاده السابقون أولاد زنى، وهل يجوز أن يمكثوا معه في هذه الحالة، وهل يجوز أن يصارحهم بأنهم ليسوا أبناء شرعيين؟ أفتونا مأجورين. الجواب: الأولاد الذين ولدوا قبل عقدك الشرعي على المرأة يعتبرون أولاد زنا، وإذا أخبرت الأولاد بالواقع فلا شيء في ذلك، وأما بقاؤهم والإنفاق عليهم والإحسان بقدر المستطاع فهذا أمر طيب بعد توبة كل منكما إلى الله، وإذا رغبتما الزواج جاز إجراؤه بعد توفر أركانه وشروطه وانتفاء موانعه، وهم لا ذنب لهم فيما حصل (١). وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس عبدالله بن غديان ... عبدالرزاق عفيفي ... عبدالعزيز بن باز السؤال الثالث من الفتوى رقم (١٨١٤٧)، يقول السائل: قد شاع في بعض البلدان نسبة المرأة المسلمة بعد الزواج إلى اسم زوجها أو لقبه، فمثلاً تزوجت زينب زيداً، فهل يجوز لها أن تكتب (زينب زيد)؟ أم هي من الحضارة الغربية التي يجب اجتنابها والحذر منها؟

стр. 207

الجواب: لا يجوز نسبة الإنسان إلى غير أبيه، قال تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، وقد جاء الوعيد الشديد على من انتسب إلى غير أبيه. وعلى هذا فلا يجوز نسبة المرأة إلى زوجها كما جرت العادة عند الكفار، ومن تشبه بهم من المسلمين (١). وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء أعضاء ... نائب الرئيس ... الرئيس بكر أبو زيد/صالح الفوزان/ عبدالله بن غديان ... عبدالعزيز آل الشيخ عبدالعزيز بن باز السؤال الحادي عشر من الفتوى رقم (٢٢٩٢)، يقول السائل: منعت الحكومة البريطانية منعاً باتاً دخول الأجانب في بريطانيا، إلا الذي له ابن صغير أو بنت صغيرة، فمسموح لهم الدخول، وقد فعل بعض المسلمين من الأجانب أن نسبوا أولاد غيرهم إلى أنفسهم، أو يدعي الأخ لأخيه أنه أبوه، أو العم لابن أخيه أنه أبوه، وهكذا يغيرون الأنساب، ليسهل عليهم الدخول في بريطانيا، ما حكم هذه الحيلة؟ الجواب: إذا كان الواقع كما ذكر، فلا يجوز أن يدعي مسلم أن فلاناً ابنه أو ابنته والواقع ليس كذلك، ولا يكون بذلك ولداً

стр. 208

له، بل ذلك كذب وزور، وقد أمرنا الله أن ندعو الأولاد وننسبهم لآبائهم، قال تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥)﴾ [الأحزاب]، وليس له أن يقول ذلك تأولاً؛ ليكون له مندوحة عن الكذب؛ لأنه لا حاجة تدعوه إلى استعمال المعاريض، فإن أرض الله واسعة، وعلى من كان في بلاد الكفار أن يخرج منها، وعلى من كان خارجها ألا يدخلها إلا لضرورة أو مصلحة إسلامية كالدعوة إلى الله؛ محافظة على دينه، وبعداً عن الفتن، ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب (١). وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس عبدالله بن قعود ... عبدالله بن غديان ... عبدالرزاق عفيفي ... عبدالعزيز بن باز الفتوى رقم (٢١٣٢٨)، يقول السائل: نحن زوج وزوجة نعيش في تايوان وليس لدينا أولاد، وقد بلغنا الأربعين سنة، ونرغب أن نتبنى طفلاً مهجوراً حديث ولادة، وبنتاً عمرها ثلاث سنوات، وكلاهما ليسا من عائلة واحدة، وقد ناقشنا هذا الموضوع مع إمامنا في تايبيه، فأحالنا إلى سماحة المفتي في

стр. 209

المملكة للحصول على رأي سديد في الموضوع، نرجو التكرم بإفادتنا برأيكم في الموضوع، وعن كيفية معاملتنا معهما من الصغر إلى أن يبلغا؟ ونسأل الله أن يرشد جميع المسلمين إلى سواء السبيل، جزاكم الله خيراً. الجواب: لا يجوز لكما تبني الطفل المهجور ولا البنت المذكورة، ولا غيرهما من الأولاد الذين ليسوا أولاداً شرعيين لكما؛ لأن الله حرم التبني في الإسلام، وأبطل التبني الذي كان معمولاً به في الجاهلية وأول الإسلام، ومن ذلك تبني رسول الله ﷺ لزيد بن حارثة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤)﴾ [الأحزاب]، كما حرم رسول الله ﷺ على كل مسلم ومسلمة أن ينسب إنساناً له أو إلى غيره وهو ليس كذلك، أو يدعي نسبه إلى شخص أو قبيلة وهو كاذب، ويدل على ذلك ما رواه أبو ذر ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: «لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُهُ إِلَّا كَفَرَ، وَمَنِ ادَّعَى قَوْمًا لَيْسَ لَهُ فِيهِمْ نَسَبٌ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (١). وفي رواية: «إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْفِرَى أَنْ يَدَّعِى الرَّجُلُ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ ... » (٢). فالواجب أن يُنسب كل شخص إلى أبيه، فإن لم يكن له أب معروف وكان له ولاء نسب إليه، فإن لم يكن له ولاء دعي باسم

стр. 210

الأخوة في الدين، فيقال له: يا أخي، أو يا أختي؛ لقول الله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]. والمشروع لكما الإحسان إليهما وحضانتهما إن لم يكن لهما أحد من ذويهما يكفلهما، ولكما الأجر والثواب عند الله على ذلك، وإن بقيا عندكما حتى البلوغ ولم يكن بينكما رضاع محرم فإنهما أجنبيان منكما، لا يحل للزوج أن يخلو بالمرأة ولا النظر إليها، ولا يحل للزوجة أن تخلو بالرجل ولا نظرها إليه أو نظره إليها، ويجب على المرأة أن تتحجب الحجاب الشرعي عن الرجل، وكذلك لا يجوز السفر بهما بدون محرم، وكذلك الشأن بين الطفل والطفلة إذا بلغا، وليس بينهما رضاع محرم هي أجنبية منه، لا يجوز الخلوة بينهما، ويجب على المرأة أن تتحجب منه الحجاب الشرعي، ولا يجوز له أن يسافر بها بدون محرم، كما لا يجوز لكما أن تليا عقد نكاحها، فإن لم يكن لها ولي من النسب أو وصي شرعي عليهما ولا عصبة، فالمرجع في ذلك إلى الإمام أو نائبه كالقاضي (١). وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... عضو ... الرئيس بكر أبو زيد ... صالح الفوزان ... عبدالله بن غديان ... عبدالعزيز بن باز

стр. 211

ثالثاً: التحاق أطفال المسلمين في بلاد الغرب بالمدارس النصرانية من المشاكل الكبيرة التي يعاني منها المسلمون في بلاد الغرب، عدم وجود مدارس إسلامية يلحقون بها أبناءهم، وبالتالي يضطر البعض إلى إلحاقهم بالمدارس النصرانية، وفي ذلك محاذير كثيرة: "منها أنه بعد بلوغ الطفل سن السادسة تلزم الدولة الأبوين بإحضار أولادهما إلى المدرسة، إذ أن التعليم إجباري لمدة عشر سنوات، وفي المدرسة يخضع الطفل لتربية لا تمت للدين بصلة، ولا تمت للأخلاق الحميدة بقربى، فمن سن السابعة تبدأ دروس الجنس في المدرسة، فيتعلم الأطفال معاني الجنس وكيفية ممارسته، دون تحذير من العلاقة الجنسية المحرمة، بل على العكس من ذلك فيها حض كبير على العلاقة الجنسية المطلقة. كما أن الطفل لا ينجو من أفكار الإلحاد التي تطرح على رأسه الصغير من مدرسته، أو مدرسه، دون أن يغفل المدرس عن بيان حقوق الطفل، ومنها حق الاعتراض على أمه وأبيه، وأن ليس لأحد أن يضربه أو يؤدبه، وحرية اختياره لدينه، وعشيقته، وطريقة حياته، دون ممانعة من أب أو أم، وإن فعلا فيسحب حق

стр. 212

تربيتهما لطفلهما فلا يتجاوز الطفل سن البلوغ إلا وهو عاصٍ لربه، عاق لوالديه، مجانب للقيم والأخلاق إلا من عصم الله. ولذلك فإن المسلم المقيم هناك إذا رُزق أطفالٌ، وبلغوا سن دخول المدارس فيجب عليه الرجوع إلى بلاد الإسلام؛ لأنه إن حصن نفسه وزوجته من الفتن الأولى، فهو غير قادر على تحصين أولاده من هذه الفتن، والواجب عليه أن يؤمن لأولاده العيشة الصالحة التي تعينهم على دينهم، وتساعدهم على الإيمان بالله والتخلق بأخلاق رسوله ﷺ ، ويحرم عليه أن يزجهم في أتون الكفر والمعصية، ثم يقول إذا أصبحوا كفاراً إن مثلهم كمثل ابن نوح إذ دعاه أبوه إلى التوحيد فلم يقتنع، لأن دعوة ابنك إلى الإيمان والصلاح لا تكفي إذا لم تجنبه مواقع الفتن، وبؤر الفساد، وتأخذ بيديه إلى الطريق المستقيم، ومن ادعى بأنه يستطيع أن يربي أولاده في أوروبا التربية الإسلامية الصحيحة فنقول له: بيننا وبينك واقع الحال، فالواقع يدلنا أن المنحرفين من أبناء المسلمين أضعاف أضعاف الملتزمين منهم، وهذا ليس في الأبناء الذين درج آباؤهم على الرذيلة وتعودوا عليها، وإنما هذا في الأبناء الذين نشأ آباؤهم على الالتزام وثبتوا عليه. فإذا بلغ الانحراف في أبناء الأسر الملتزمة أضعاف أضعاف الصلاح فيهم، تعين على المسلم ووجب عليه أن يحتاط لأبنائه وينتشلهم من هذه البيئة، إذ الحكم للغالب وليس للنادر" (١).

стр. 213

ولذلك فإن من الحلول للجاليات المسلمة في بلاد الكفار أن يحرصوا على إنشاء مدارس إسلامية يكون المدرسون فيها مسلمين، وتنشئتهم نشأة إسلامية، وتكون المناهج سليمة من المخالفات الشرعية، ويتعلم فيها أطفال المسلمين العقيدة الصحيحة، والآداب الإسلامية، والأخلاق الكريمة، ويتم الفصل فيها بين الجنسين، وقد طبقت هذه التجربة في بعض البلاد الغربية وكان لها أثر كبير في تربية أطفال المسلمين، وتعليمهم أمور دينهم. ومنها كذلك أن يحرص على اصطحابهم معه إلى المساجد، والمراكز الإسلامية لسماع المحاضرات، والدروس، والكلمات، مما يكون له أكبر الأثر في صلاحهم. سُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية، يقول السائل: ما حكم أن يأخذ الرجل ابنه أو ابنته ويسجله في مدرسة فرنسية أو انجليزية، المخالفين لتعاليم الدين، مع زعمه أنه مسلم، وأنه يختار لهم مستقبلاً حسناً؟ الجواب: يجب على الوالد أن يربي أولاده ذكوراً وإناثاً تربية إسلامية، فإنهم أمانة بيده، وهو مسؤول عنهم يوم القيامة، ولا يجوز له أن يدخلهم مدارس الكفار، خشية الفتنة، وإفساد العقيدة والأخلاق، والمستقبل بيد الله ، يقول تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤)﴾] الطلاق [(١).

стр. 214

وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس عبدالله بن قعود ... عبدالله بن غديان ... عبدالرزاق عفيفي ... عبدالعزيز بن باز

стр. 215

رابعاً: العمل أو الدراسة لدى الكفار قال ابن بطال في شرحه على ما بوَّب البخاري ﵀ باب (هل يؤاجر المسلم نفسه من مشرك في أرض الحرب؟) وذكر فيه حديث خباب قال: «كُنْتُ قَيْنًا - أي حداداً-، فَعَملتُ للْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ فَاجْتَمَعَ لِي عِندَه، فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ فَقَالَ: لَا، وَاللَّه لَا أَقْضِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، فَقُلْتُ: أَما وَاللَّه، حَتَّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ فَلَا. قَالَ: وإِنِّي لَميت ثُمَّ مَبْعُوثٌ؟ قَالَ: نَعَمْ .. الحديث» (١). قال المهلب: "كره العلماء أن يؤاجر المسلم نفسه من مشرك في دار الحرب أو دار الإسلام؛ لأن في ذلك ذلة للمسلمين، إلا أن تدعو إلى ذلك ضرورة، فلا يخدمه فيما يعود على المسلمين بضر، ولا فيما لا يحل مثل عصر خمر، أو رعاية خنازير، أو عمل سلاح أو شبه ذلك، فلا يصح لمسلم أن يهين نفسه بالخدمة لمشرك إلا عند الضرورة، فإن وقع ذلك فهو جائز، .... ألا ترى أن خباباً عمل للعاص بن وائل وهو كافر، وجاز له ذلك" (٢). قال المهلب: "كره أهل العلم ذلك إلا لضرورة بشرطين، أحدهما أن يكون عمله فيما يحل للمسلم فعله، والآخر أن
следующие страницы →