Полный текст (422 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وَالشَّافِعِيّ وفقهاء الرَّأْي كَأبي حنيفَة وَأَصْحَابه وَمن النَّاس غير هَؤُلَاءِ فيكفينا أَن ثَلَاثَة أَرْكَان الْأمة من جانبنا والركن الآخر وَهُوَ مَالك عَنهُ رِوَايَتَانِ إِحْدَاهمَا مُوَافقَة سعيد بن الْمسيب فِي القَوْل بالمحلل قَالَ أَبُو عمر بن عبد الْبر وَهُوَ الأجود من قوليه وَقَول سعيد بن الْمسيب وَجُمْهُور أهل الْعلم وَاخْتَارَهُ ابْن الْمَوَّاز
قَالُوا وَمذهب أبي حنيفَة أَن التَّابِعِيّ إِذا عاصر الصَّحَابَة وزاحمهم فِي الْفَتْوَى وأقروه على ذَلِك كَانَ قَوْله حجَّة
قَالُوا وَهَذَا مَذْهَب إِمَام أهل الشَّام الْأَوْزَاعِيّ وَإِمَام أهل خُرَاسَان إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَهُوَ مَذْهَب الزُّهْرِيّ فقد تواطأ على هَذَا الْمَذْهَب فُقَهَاء الْأَمْصَار وفقهاء الْآثَار وفقهاء الرَّأْي وَالْقِيَاس وَقد سَمِعْتُمْ أدلته [ردود مشترطي الْمُحَلّل على مخالفيهم]
قَالُوا وَأما أدلتكم فَهِيَ نَوْعَانِ أثرية ومعنوية
فَأَما الأثرية فَالصَّحِيح مِنْهَا إِمَّا عَام وأدلتنا خَاصَّة فَتقدم عَلَيْهِ أَو مُجمل وأدلتنا مفصلة وَإِمَّا مُتَقَدم مَنْسُوخ بِمَا ذكرنَا من الْأَدِلَّة كقصة مصارعة النَّبِي ﷺ ومراهنة الصّديق فَإِنَّهُمَا كَانَا فِي أول الْإِسْلَام
قَالُوا وَقد حكى [أَبُو] مُحَمَّد بن حزم الْإِجْمَاع على نسخ قصَّة
стр. 142
الصّديق ومراهنته فَإِنَّهُ قَالَ أَجمعت الْأمة الَّتِي لَا يجوز عَلَيْهَا الْخَطَأ فِيمَا نقلته مجمعة عَلَيْهِ أَن الميسر الَّذِي حرمه الله هُوَ الْقمَار وَذَلِكَ ملاعبة الرجل صَاحبه على أَن من غَالب مِنْهُمَا أَخذ من المغلوب قمرته الَّتِي جعلاها بَينهمَا كالمتصارعين يتصارعان والراكبين يتراكبان على أَن من غلب مِنْهُمَا فللغالب على المغلوب كَذَا وَكَذَا خطارا وقمارا فَإِن ذَلِك هُوَ الميسر الَّذِي حرمه الله تَعَالَى وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ من قَالَ لصَاحبه تعال أقامرك فليتصدق
قَالُوا وَلَا يعلم فِي هَذِه الْمَسْأَلَة إِلَّا مذهبان
مَذْهَب من يمْنَع اخراج الرَّهْن من الحزبين مَعًا سَوَاء كَانَ بِمُحَلل أَو لم يكن بِمُحَلل وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوف من مَذْهَب مَالك
قَالَ أَبُو عمر بن عبد الْبر قَالَ مَالك لَا تَأْخُذ بقول سعيد بن الْمسيب فِي الْمُحَلّل وَلَا يجب الْمُحَلّل فِي الْخَيل
قَالَ صَاحب الْجَوَاهِر
وَهَذَا الْمَشْهُور عَنهُ
وَالْقَوْل الثَّانِي قَول من يجوزه بِشَرْط الْمُحَلّل وَهُوَ قَول من حكينا
стр. 143
قَوْله آنِفا
وَأما الْجَوَاز من الحزبين من غير مُحَلل فَلَا نعلم بِهِ قَائِلا من الْأَئِمَّة المتبوعين
قَالُوا وَأما مَا استدللتم بِهِ من قَوْله رَاهن رَسُول الله ﷺ وَأَن الْمُرَاهنَة مفاعلة وحقيقتها من اثْنَيْنِ فَذَلِك غير لَازم فِيهَا فَإِنَّهُ يُقَال سَافر فلَان وعاقب اللص وطارق النَّعْل وَيَكْفِي عافاك الله
وَأما المعنوية فسائر مَا ذكرْتُمْ من الْمعَانِي والإلزامات فنردها كلهَا بِأَمْر وَاحِد وَهُوَ فَسَاد [اعْتِبَارهَا لتضمنها مُخَالفَة مَا ذكرنَا من النُّصُوص الدَّالَّة على] اعْتِبَار الْمُحَلّل فَلَا حَاجَة إِلَى افراد كل وَاحِد مِنْهَا بِجَوَاب فَهَذَا غَايَة مَا تمسكت بِهِ هَذِه الْفرْقَة وانْتهى إِلَيْهِ نظرهم واستدلالتهم [قَالُوا] فقد تبين انا أولى بالأدلة الشَّرْعِيَّة آثارها ومعانيها مِنْكُم كَمَا نَحن أولى بالأئمة مِنْكُم فِي هَذِه الْمَسْأَلَة فَإِن كاثرتمونا بالأدلة كاثرناكم بالأئمة فَكيف وَدَلِيل وَاحِد من الْأَدِلَّة الَّتِي ذَكرنَاهَا يكفينا فِي النُّصْرَة علكيم
قَالُوا وَهَؤُلَاء جُمْهُور الْأمة قد رَأَوْا هَذَا القَوْل حسنا وَفِي الحَدِيث مَا رأه الْمُسلمُونَ الْمُؤْمِنُونَ حسنا فَهُوَ عِنْد الله حسن
стр. 144
وَمَا عداهُ فَقَوْل شَاذ وَمن شَذَّ شَذَّ الله بِهِ وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ الشَّيْطَان مَعَ الْوَاحِد وَهُوَ من الْإِثْنَيْنِ أبعد
стр. 145
فصل \
ردود منكري الْمُحَلّل على مخالفيهم]
قَالَ المنكرون للمحلل لسنا مِمَّن يقعقع لَهُ بالشنان وَلَا مِمَّن يفر إِذا أشرع إِلَيْهِ طرف السنان وَإِنَّا بِحَمْد الله للحق ناصرون وَبِه منتصرون [وَفِيه متبصرون] وَبِه مخاصمون وَإِلَيْهِ محاكمون وَهُوَ أخبيتنا الَّتِي نفزع اليها وقاعدتنا الَّتِي نعتمد عَلَيْهَا وَنحن نبرأ إِلَى الله مِمَّا سواهُ ونعوذ بِاللَّه ان ننصر إِلَّا اياه ولسنا مِمَّن يعرف الْحق بِالرِّجَالِ وَإِنَّمَا مِمَّن يعرف الرِّجَال بِالْحَقِّ ولسنا مِمَّن يعرض الْحق على آراء الْخلق فَمَا وَافقه مِنْهَا قبله وَمَا خَالفه رده وَإِنَّمَا نَحن مِمَّن يعرض آراء الرِّجَال وأقوالها على الدَّلِيل فَمَا وَافقه مِنْهَا اعْتد بِهِ وَقَبله وَمَا خَالفه خَالفه
قَالُوا وَنحن نبين أَن جيوش أدلتكم الَّتِي عولتم عَلَيْهَا واستندتم فِي النُّصْرَة اليها لَيست لَهَا فِي مقاومة جيوشنا يدان وَلَا تجْرِي مَعَ فرسانها فِي ميدان وَإِنَّهَا احاديث بَاطِلَة معلولة وصحيحها لَيْسَ مَعكُمْ مِنْهُ شَيْء وَإِن قياسكم بَين الْبطلَان من أَكثر من أَرْبَعِينَ وَجها فَنَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
أما مَا قدمتم من ذكر قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لمُؤْمِن وَلَا مُؤمنَة إِذا قضى الله وَرَسُوله أمرا أَن يكون لَهُم الْخيرَة من أَمرهم﴾ [الْأَحْزَاب ٣٦] وَقَوله ﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ﴾ [الْحَشْر ٧] إِلَى آخر الْمُقدمَة فَنعم وَالله وسمعا وَطَاعَة لداعي الله وَرَسُوله وتركا لكل قَول يُخَالِفهُ
وَنحن ننشدكم الله إِذا دعوناكم إِلَى النُّصُوص الَّتِي تخَالف من قلدتموه هَل تقدمونها على قَوْله وتقولون بموجبها أم تَجْعَلُونَ قَول من قلدتموه نصا محكما [حَاكما عَلَيْهَا] والنصوص ظواهر متشابهة إِن أمكن
стр. 146
ردهَا بأنواع التأويلات والا قيل صَاحب الْمَذْهَب أعلم
وَعند هَذَا فَنَقُول
[الرَّد على الدَّلِيل الأول]
أما الحَدِيث الأول وَهُوَ حَدِيث سعيد بن الْمسيب فَالْكَلَام مَعكُمْ فِيهِ فِي مقامين
أَحدهمَا صِحَّته مَرْفُوعا إِلَى النَّبِي ﷺ
الثَّانِي بَيَان دلَالَته على مَحل النزاع
[ضعف الحَدِيث]
فَأَما الْمقَام الأول فَنَقُول هَذَا حَدِيث لَا يَصح عَن رَسُول الله ﷺ أَلْبَتَّة وَنحن نذْكر كَلَام من تكلم فِي الحَدِيث من الْأَئِمَّة وَفِي سُفْيَان بن حُسَيْن
فَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن أبي حَاتِم فِي كتاب الْعِلَل لَهُ
سَأَلت أبي عَن حَدِيث رَوَاهُ يزِيد بن هَارُون وَغَيره عَن سُفْيَان بن حُسَيْن عَن الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا أَيّمَا رجل أَدخل فرسا بَين فرسين وَهُوَ يَأْمَن أَن يسْبق فَهُوَ قمار قَالَ أبي هَذَا خطأ لم يعْمل سُفْيَان بن حُسَيْن شَيْئا لَا يشبه أَن يكون عَن النَّبِي ﷺ وَأحسن أَحْوَاله أَن يكون عَن سعيد بن الْمسيب من قَوْله وَقد رَوَاهُ يحيى بن
стр. 147
سعيد عَن سعيد من قَوْله
وَقَالَ ابْن أبي خَيْثَمَة فِي تَارِيخه
سَأَلت يحيى بن معِين عَن حَدِيث سُفْيَان بن حُسَيْن عَن الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ من أَدخل فرسا بَين فرسين الحَدِيث فَقَالَ بَاطِل وَخطأ على أبي هُرَيْرَة
وَقَالَ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه بعد أَن أخرجه رَوَاهُ معمر وَشُعَيْب وَعقيل عَن الزُّهْرِيّ عَن رجال من أهل الْعلم قَالُوا من أَدخل فرسا وَهَذَا أصح عندنَا
هَذَا لفظ أبي دَاوُد فَلَا يَنْبَغِي أَن يقْتَصر الْمخْرج لَهُ من السّنَن على قَوْله رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ويسكت عَن تَعْلِيله لَهُ
وَقد رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ عَن ابْن شهَاب عَن سعيد بن الْمسيب أَنه قَالَ من أَدخل فرسا فَجعله من كَلَام سعيد نَفسه
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الأساطين الْأَثْبَات من أَصْحَاب الزُّهْرِيّ معمر بن رَاشد وَعقيل بن خَالِد وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة وَاللَّيْث بن سعد وَيُونُس
стр. 148
ابْن يزِيد الْأَيْلِي وَهَؤُلَاء أَعْيَان اصحاب الزُّهْرِيّ كلهم رَوَوْهُ عَن سعيد بن الْمسيب من قَوْله
وَمِمَّنْ اعله ابو عبيد الْقَاسِم بن سَلام وَأعله أَبُو عمر بن عبد الْبر فِي التَّمْهِيد وَقَالَ هَذَا حَدِيث انْفَرد بِهِ سُفْيَان بن حُسَيْن من بَين اصحاب ابْن شهَاب ثمَّ أعله بِكَلَام ابي دَاوُد
وَقَالَ بعض الْحفاظ يبعد جدا أَن يكون الحَدِيث عِنْد الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب عَن ابي هُرَيْرَة مَرْفُوعا ثمَّ لَا يرويهِ وَاحِد من أَصْحَابه الملازمين لَهُ المختصين بِهِ الَّذين يحفظون حَدِيثه حفظا وهم أعلم النَّاس بحَديثه وَعَلَيْهِم مَدَاره وَكلهمْ يَرْوُونَهُ عَنهُ كَأَنَّمَا من قَول سعيد نَفسه وتتوفر هممهم ودواعيهم على ترك رَفعه إِلَى النَّبِي ﷺ وهم الطَّبَقَة الْعليا من أَصْحَابه المقدمون على كل من عداهم مِمَّن روى عَن الزُّهْرِيّ ثمَّ ينْفَرد بِرَفْعِهِ من لَا يدانيهم وَلَا يقاربهم لَا فِي الِاخْتِصَاص بِهِ وَلَا فِي الْمُلَازمَة لَهُ وَلَا فِي الْحِفْظ و [لَا فِي] الإتقان وَهُوَ مَعْدُود عِنْدهم فِي الطَّبَقَة السَّادِسَة من أَصْحَاب الزُّهْرِيّ على مَا قَالَ أَبُو عبد الرَّحْمَن النَّسَائِيّ وَهُوَ سُفْيَان بن حُسَيْن فَمن لَهُ
стр. 149
ذوق فِي علم الحَدِيث لَا يشك وَلَا يتَوَقَّف أَنه من كَلَام سعيد بن الْمسيب لَا من كَلَام رَسُول الله ﷺ وَلَا يَتَأَتَّى لَهُ الحكم بِرَفْع الحَدِيث إِلَى النَّبِي ﷺ بل إِمَّا أَن يرويهِ ويسكت عَنهُ أَو يُنَبه عَلَيْهِ
وَسمعت شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية يَقُول رفع هَذَا الحَدِيث إِلَى النَّبِي ﷺ خطأ وَإِنَّمَا هُوَ من كَلَام سعيد بن الْمسيب
قَالَ وَهَذَا مِمَّا يعلم أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ أَنه لَيْسَ من كَلَام النَّبِي ﷺ وَإِنَّمَا هُوَ من كَلَام سعيد بن الْمسيب نَفسه وَهَكَذَا رَوَاهُ الثِّقَات الْأَثْبَات من أَصْحَاب الزُّهْرِيّ عَنهُ عَن سعيد بن الْمسيب مثل اللَّيْث بن سعد وَعقيل وَيُونُس وَمَالك بن أنس وَذكره فِي الْمُوَطَّأ عَن سعيد بن الْمسيب نَفسه وَرَفعه سُفْيَان بن حُسَيْن الوَاسِطِيّ وَهُوَ ضَعِيف لَا يحْتَج بِمُجَرَّد رِوَايَته عَن الزُّهْرِيّ لغلطه فِي ذَلِك
قلت فقد غلط الإِمَام الشَّافِعِي سُفْيَان بن حُسَيْن فِي تفرده عَن الزُّهْرِيّ بِحَدِيث الرجل جَبَّار فَقَالَ روى سُفْيَان بن حُسَيْن عَن الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا (الرجل الْجَبَّار) ثمَّ قَالَ وَهَذَا غلط وَالله أعلم إِن الْحفاظ لم يحفظوا ذَلِك
стр. 150
وَهَذَا اسناد حَدِيث الْمُحَلّل بِعَيْنِه وعيانه وَالْعلَّة وَاحِدَة بِعَينهَا فَإِن الْحفاظ لم يحفظوا رَفعه كَمَا تقدم
وَقَالَ ابْن عدي وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ تفرد بِهَذَا الحَدِيث عَن الزُّهْرِيّ سُفْيَان بن حُسَيْن قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ وَهُوَ وهم لِأَن الثِّقَات خالفوه وَلم يذكرُوا ذَلِك
قَالَ الْبَيْهَقِيّ وَقد رَوَاهُ مَالك وَاللَّيْث وَابْن جريج وَمعمر وَعقيل وسُفْيَان بن عيينه وَغَيرهم عَن الزُّهْرِيّ وَلم يذكر أحد مِنْهُم فِيهِ الرجل
وَهَذَا نَظِير تَعْلِيل حَدِيثه فِي الْمُحَلّل سَوَاء بِسَوَاء
وَنَظِير هَذَا حَدِيثه [عَن] الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن أَبِيه فِي الصَّدقَات قَالَ يحيى بن معِين لم يُتَابع سُفْيَان بن حُسَيْن عَلَيْهِ أحد لَيْسَ يَصح هَذَا مَعَ أَن لَهُ شَاهدا فِي صَحِيح البُخَارِيّ وَقد وَافقه عَلَيْهِ سُلَيْمَان بن كثير أَخُو مُحَمَّد
стр. 151
ابْن كثير
فَلم يُصَحِّحهُ لِتَفَرُّد سُفْيَان هَذَا بِهِ وَمُخَالفَة غَيره من اصحاب الزُّهْرِيّ لَهُ فِي وَقفه
وَنَظِير هَذَا بل أبلغ مِنْهُ أَن سُفْيَان بن حُسَيْن روى عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة قَالَت كنت أَنا وَحَفْصَة صائمتين فَعرض لنا طَعَام فاشتهيناه فأكلناه فَدخل علينا رَسُول الله ﷺ فبدرتني حَفْصَة وَكَانَت ابْنه ابيها فقصت عَلَيْهِ الْقِصَّة فَقَالَ (اقضيا يَوْمًا مَكَانَهُ)
وَتَابعه جَعْفَر بن برْقَان وَصَالح بن ابي الْأَخْضَر ثمَّ قَالَ جمَاعَة مِنْهُم الْبَيْهَقِيّ وَقد وهموا فِيهِ على الزُّهْرِيّ فقد رَوَاهُ الْحفاظ من أَصْحَاب الزُّهْرِيّ عَنهُ قَالَ بَلغنِي أَن عَائِشَة وَحَفْصَة أصبحتا صائمتين هَكَذَا رَوَاهُ مَالك وَيُونُس وَمعمر وَابْن جريج وَيحيى بن سعيد وَعبيد الله بن عمر وسُفْيَان بن عيينه وَمُحَمّد بن الْوَلِيد الزبيدِيّ وَبكر بن وَائِل وَغَيرهم وَقد شهد ابْن جريج وسُفْيَان بن عُيَيْنَة على لفظ الزُّهْرِيّ أَنه لم يسمع هَذَا الحَدِيث من عُرْوَة قَالَ ابْن جريج عَنهُ وَلَكِن حَدثنِي نَاس فِي خلَافَة سُلَيْمَان بن عبد الْملك عَن بعض من كَانَ يدْخل على عَائِشَة وَقَالَ الْحميدِي أَخْبرنِي [غير] وَاحِد عَن معمر أَنه قَالَ فِي هَذَا الحَدِيث لَو كَانَ
стр. 152
عَن عُرْوَة مَا نسبته وَقَالَ البُخَارِيّ وَمُحَمّد بن يحيى الذهلي لَا يَصح هَذَا الحَدِيث عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة
فَهَذَا وَأَمْثَاله مِمَّا بَين ضعف رِوَايَة سُفْيَان بن حُسَيْن عَن الزُّهْرِيّ وَلَو تَابعه غَيره عِنْد أَئِمَّة هَذَا الشَّأْن وفرسان هَذَا الميدان فَكيف بِمَا تفرد بِهِ عَن الثِّقَات وَخَالف فِيهِ الْأَئِمَّة الاثبات
وَمَعْرِفَة هَذَا الشَّأْن وَعلله ذوق وَنور يقذفه الله فِي الْقلب يقطع [بِهِ] من ذاقه وَلَا يشك فِيهِ وَمن لَيْسَ لَهُ هَذَا الذَّوْق لَا شُعُور لَهُ بِهِ وَهَذَا كنقد الدَّرَاهِم لأربابه فِيهِ ذوق وَمَعْرِفَة ليستا لكبار الْعلمَاء
قَالَ مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير قَالَ عبد الرَّحْمَن [بن مهْدي] إِن معرفَة الحَدِيث الْهَام
قَالَ ابْن نمير صدق لَو قلت لَهُ من أَيْن قلت لم يكن لَهُ جَوَاب
وَقَالَ ابو حَاتِم الرَّازِيّ قَالَ عبد الرَّحْمَن بن مهْدي إنكارنا للْحَدِيث عِنْد الْجُهَّال كهَانَة
стр. 153
فصل
[كَلَام أَئِمَّة الْجرْح وَالتَّعْدِيل فِي سُفْيَان بن حُسَيْن الوَاسِطِيّ]
فَهَذَا كَلَام هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة فِي هَذَا الحَدِيث وَأما كَلَامهم فِي سُفْيَان بن حُسَيْن الَّذِي تفرد بِهِ عَن النَّاس فَقَالَ الإِمَام أَحْمد فِي رِوَايَة الْمروزِي عَنهُ لَيْسَ بِذَاكَ فِي حَدِيثه عَن الزُّهْرِيّ
وَقَالَ يحيى بن معِين فِي رِوَايَة عَبَّاس الدوري عَنهُ لَيْسَ بِهِ بَأْس وَلَيْسَ من كبار أَصْحَاب الزُّهْرِيّ وَفِي حَدِيثه ضعف عَن الزُّهْرِيّ
وَلَا تنَافِي بَين قوليه لَيْسَ بِهِ بَأْس وَقَوله فِي حَدِيثه ضعف عَن الزُّهْرِيّ لما سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله من بَيَان سَبَب ضعف حَدِيثه عَن الزُّهْرِيّ
وَقَالَ يحيى فِي رِوَايَة ابْن أبي خَيْثَمَة عَنهُ ثِقَة فِي غير الزُّهْرِيّ لَا يدْفع وَحَدِيثه عَن الزُّهْرِيّ لَيْسَ بِذَاكَ إِنَّمَا سمع مِنْهُ بِالْمَوْسِمِ
стр. 154
وَقَالَ فِي رِوَايَة يَعْقُوب بن [ابي] شَبيه كَانَ سُفْيَان بن حُسَيْن مؤدبا وَلم يكن بِالْقَوِيّ
وَقَالَ فِي رِوَايَة أبي دَاوُد وَلَيْسَ بِالْحَافِظِ وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ فِي الزُّهْرِيّ
وَقَالَ عُثْمَان بن أبي شيبَة كَانَ ثِقَة وَلكنه كَانَ مضطربا فِي الحَدِيث قَلِيلا
وَقَالَ ابْن سعد ثِقَة يُخطئ فِي حَدِيثه كثيرا وَقَالَ يَعْقُوب بن [ابي] شَيْبه ثِقَة صَدُوق وَفِي حَدِيثه ضعف وَقد حمل النَّاس عَنهُ
وَقَالَ ابو حَاتِم الرَّازِيّ صَالح الحَدِيث يكْتب حَدِيثه وَلَا يحْتَج بِهِ نَحْو مُحَمَّد بن
стр. 155
إِسْحَاق وَهُوَ أحب إِلَيّ من سُلَيْمَان بن كثير
وَقَالَ النَّسَائِيّ لَيْسَ بِهِ بَأْس إِلَّا فِي الزُّهْرِيّ
وَقَالَ أَبُو حَاتِم البستي فِي كتاب الضُّعَفَاء وَقد أدخلهُ فِيهِ يروي عَن الزُّهْرِيّ المقلوبات فَإِذا روى عَن غَيره أشبه حَدِيثه حَدِيث الْأَثْبَات وَذَلِكَ أَن صحيفَة الزُّهْرِيّ اخْتلطت عَلَيْهِ وَكَانَ يَأْتِي بهَا على التَّوَهُّم فالإنصاف من أمره يكْتب مِمَّا روى عَن الزُّهْرِيّ والاحتجاج بِمَا روى عَن غَيره
وَقَالَ أَبُو أَحْمد بن عدي هُوَ فِي غير الزُّهْرِيّ صَالح وَفِي الزُّهْرِيّ يروي أَشْيَاء خَالف [فِيهَا] النَّاس
[قَوَاعِد جليلة فِي علم الْجرْح وَالتَّعْدِيل]
قَالُوا وَلَا تنَافِي بَين قَول من ضعفه وَقَول من وَثَّقَهُ لِأَن من وَثَّقَهُ جمع بَين توثيقه فِي غير الزُّهْرِيّ وتضعيفه فِيهِ وَهَذِه مَسْأَلَة غير مَسْأَلَة تعَارض الْجرْح وَالتَّعْدِيل بل يظنّ قَاصِر الْعلم أَنَّهَا هِيَ فيعارض قَول من
стр. 156
جرحه بقول من عدله وَإِنَّمَا هَذِه مَسْأَلَة أُخْرَى غَيرهَا وَهِي الِاحْتِجَاج بِالرجلِ فِيمَا رَوَاهُ عَن بعض الشُّيُوخ وَترك الِاحْتِجَاج بِهِ بِعَيْنِه فِيمَا رَوَاهُ عَن آخر
وَهَذَا كإسماعيل بن عَيَّاش فَإِنَّهُ عِنْد أَئِمَّة هَذَا الشَّأْن حجه فِي الشاميين أهل بَلَده وَغير حجه فِيمَا رَوَاهُ عَن الْحِجَازِيِّينَ والعراقيين وَغير أهل بَلَده
وَمثل هَذَا تَضْعِيف [من ضعف] قبيصَة فِي سُفْيَان الثَّوْريّ وَاحْتج بِهِ فِي غَيره كَمَا فعل أَبُو عبد الرَّحْمَن النَّسَائِيّ
وَهَذِه طَريقَة الحذاق من أَصْحَاب الحَدِيث أطباء علله يحتجون بِحَدِيث الشَّخْص عَمَّن هُوَ مَعْرُوف بالرواية عَنهُ وبحفظ حَدِيثه وإتقانه وملازمته لَهُ واعتنائه بحَديثه ومتابعة غَيره لَهُ ويتركون حَدِيثه نَفسه عَمَّن لَيْسَ هُوَ مَعَه بِهَذِهِ الْمنزلَة
وَهَذِه حَال سُفْيَان بن حُسَيْن عِنْد جَمَاعَتهمْ ثِقَة صَدُوق وَهُوَ فِي الزُّهْرِيّ ضَعِيف لَا يحْتَج بِهِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا لقِيه مرّة بِالْمَوْسِمِ وَلم يكن لَهُ من الاعتناء بِحَدِيث الزُّهْرِيّ وصحبته وملازمته لَهُ مَا لأَصْحَاب الزُّهْرِيّ الْكِبَار كمالك وَاللَّيْث وَمعمر وَعقيل وَيُونُس وَشُعَيْب فَإِذا تفرد مثل هَذَا
стр. 157
بِحَدِيث عَن هَؤُلَاءِ مَعَ ملازمتهم الزُّهْرِيّ وحفظهم حَدِيثه وضبطهم لَهُ و [هُوَ] لَيْسَ مثلهم فِي الْحِفْظ والإتقان لم يكن حجَّة عِنْدهم
هَذَا إِذا لم يخالفوه فَكيف إِذا خالفوه فَرفع مَا [قد] وَقَفُوهُ وَوصل مَا قطعوه وَأسْندَ مَا أَرْسلُوهُ
هَذَا مِمَّا لَا يرتاب أَئِمَّة هَذَا الشَّأْن فِي [أَن] الحاق الْغَلَط بِهِ أولى
وَرُبمَا يظنّ الغالط الَّذِي لَيْسَ لَهُ ذوق الْقَوْم ونقدهم أَن هَذَا تنَاقض مِنْهُم فَإِنَّهُم يحتجون بِالرجلِ ويوثقونه فِي مَوضِع ثمَّ يضعفونه بِعَيْنِه وَلَا يحتجون بِهِ فِي مَوضِع آخر وَيَقُولُونَ إِن كَانَ ثِقَة وَجب [قبُول رِوَايَته جملَة وَإِن لم يكن ثِقَة وَجب] ترك الِاحْتِجَاج بِهِ جملَة
وَهَذِه طَريقَة [قاصري الْعلم وَهِي طَريقَة] فَاسِدَة مجمع بَين أهل الحَدِيث على فَسَادهَا فَإِنَّهُم يحتجون من حَدِيث الرجل بِمَا تَابعه غَيره عَلَيْهِ وَقَامَت شُهُوده من طرق ومتون أُخْرَى ويتركون حَدِيثه بِعَيْنِه إِذا روى مَا يُخَالف النَّاس أَو انْفَرد عَنْهُم بِمَا لَا يتابعونه عَلَيْهِ إِذْ الْغَلَط فِي مَوضِع لَا يُوجب الْغَلَط فِي كل مَوضِع والإصابة فِي بعض الحَدِيث اَوْ [فِي] غالبه لَا توجب الْعِصْمَة من الْخَطَأ فِي بعضه وَلَا سِيمَا إِذا علم من مثل هَذَا أغلاط عديده ثمَّ روى مَا يُخَالف النَّاس وَلَا يتابعونه عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يغلب على الظَّن أَو يجْزم بغلطه
فصل
[التَّنْبِيه على غلطين فِي علم مصطلح الحَدِيث لعَظيم فَائِدَة الِاحْتِرَاز مِنْهُمَا]
وَهنا يعرض لمن قصر نَقده وذوقه هُنَا عَن نقد الْأَئِمَّة وذوقهم فِي
стр. 158
هَذَا الشَّأْن نَوْعَانِ من الْغَلَط ننبه عَلَيْهِمَا لعَظيم فَائِدَة الِاحْتِرَاز مِنْهُمَا
[الأول فِي شَرط الصَّحِيح]
أَحدهمَا أَن يرى مثل هَذَا الرجل قد وثق وَشهد لَهُ بِالصّدقِ وَالْعَدَالَة أَو خرج حَدِيثه فِي الصَّحِيح فَيجْعَل كل مَا رَوَاهُ على شَرط الصَّحِيح وَهَذَا غلط ظَاهر فَإِنَّهُ إِنَّمَا يكون على شَرط الصَّحِيح إِذا انْتَفَت عَنهُ الْعِلَل والشذوذ والنكارة وتوبع عَلَيْهِ فَأَما مَعَ وجود ذَلِك أَو بعضه فَإِنَّهُ لَا يكون صَحِيحا وَلَا على شَرط الصَّحِيح
وَمن تَأمل كَلَام البُخَارِيّ ونظرائه فِي تَعْلِيله أَحَادِيث جمَاعَة أخرج حَدِيثهمْ فِي صَحِيحه علم إِمَامَته وموقعه من هَذَا الشَّأْن وَتبين بِهِ حَقِيقَة مَا ذكرنَا
فصل
[الثَّانِي التَّفْصِيل والنقد فِي اعْتِبَار حَدِيث الرَّاوِي]
النَّوْع الثَّانِي من الْغَلَط أَن يرى الرجل قد تكلم فِي بعض حَدِيثه وَضعف فِي شيخ أَو فِي حَدِيث فَيجْعَل ذَلِك سَببا لتعليل حَدِيثه وتضعيفه أَيْن وجد كَمَا يَفْعَله بعض الْمُتَأَخِّرين من اهل الظَّاهِر وَغَيرهم
وَهَذَا ايضا غلط فان تَضْعِيفه فِي رجل أَو فِي حَدِيث ظهر فِيهِ غلط لَا يُوجب تَضْعِيف حَدِيثه مُطلقًا وأئمة الحَدِيث على التَّفْصِيل والنقد وَاعْتِبَار حَدِيث الرجل بِغَيْرِهِ وَالْفرق بَين مَا انْفَرد بِهِ أَو وَافق فِيهِ الثِّقَات
стр. 159
وَهَذِه كَلِمَات نافعة فِي هَذَا الْموضع تبين كَيفَ يكون نقد الحَدِيث وَمَعْرِفَة صَحِيحه من سقيمه ومعلوله من سليمه وَلم يَجْعَل الله لَهُ نورا فَمَا لَهُ من نور
قَالُوا فَهَذَا شَأْن هَذَا الحَدِيث وشأن رَاوِيه
لم يشْتَرط مُسلم فِي مُقَدّمَة صَحِيحه مَا شَرطه فِي صَحِيحه
وَأما قَوْلكُم إِن مُسلما روى لِسُفْيَان بن حُسَيْن فِي صَحِيحه فَلَيْسَ كَمَا ذكرْتُمْ وَإِنَّمَا روى لَهُ فِي مُقَدّمَة كِتَابه وَمُسلم لم يشْتَرط فِيهَا مَا شَرطه فِي الْكتاب من الصِّحَّة فلهَا شَأْن ولسائر كِتَابه شَأْن آخر وَلَا يشك أهل الحَدِيث فِي ذَلِك
التَّفْرِقَة بَين من أخرج لَهُ البُخَارِيّ فِي الصَّحِيح وَبَين مَا أخرج لَهُ فِي الشواهد والمتابعات
قَالُوا وَأما استشهاد البُخَارِيّ [بِهِ] فِي الصَّحِيح فَلَا يدل أَنه حجَّة عِنْده لِأَن الشواهد والمتابعات يحْتَمل فِيهَا مَا لَا يحْتَمل فِي الْأُصُول وَقد اسْتشْهد البُخَارِيّ فِي صَحِيحه بِأَحَادِيث جمَاعَة وَترك الِاحْتِجَاج بهم
تساهل التِّرْمِذِيّ فِي التوثيق الصَّحِيح
وَأما تَصْحِيح التِّرْمِذِيّ لِسُفْيَان بن حُسَيْن فَإِنَّمَا صحّح لَهُ حَدِيثا غير هَذَا الحَدِيث كَمَا تقدم وَلم يصحح هَذَا الحَدِيث الَّذِي صَححهُ إِلَّا من رِوَايَته عَن غير الزُّهْرِيّ وَأما حَدِيثه عَن الزُّهْرِيّ فكالمجمع على ضعفه كَمَا حكينا أَقْوَال أَئِمَّة هَذَا الشَّأْن فِيهِ آنِفا
стр. 160
هَذَا مَعَ أَن التِّرْمِذِيّ يصحح أَحَادِيث لم يُتَابِعه غَيره على تصحيحها بل يصحح مَا يُضعفهُ غَيره أَو يُنكره
فَإِنَّهُ صحّح حَدِيث كثير بن عبد الله بن عَمْرو بن عَوْف وَأحمد يضعف حَدِيثه جدا وفال لِابْنِهِ عبد الله لَا تحدث عَنهُ وَقَالَ مُنكر الحَدِيث لَيْسَ بِشَيْء
وَقَالَ يحيى حَدِيثه لَيْسَ بِشَيْء وَلَا يكْتب
وَقَالَ النَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ مَتْرُوك الحَدِيث
وَقَالَ الشَّافِعِي هُوَ ركن من أَرْكَان الْكَذِب
وَقَالَ ابْن حبَان
стр. 161
روى عَن أَبِيه عَن جده نسخه مَوْضُوعه لَا يحل ذكرهَا فِي الْكتب وَلَا الرِّوَايَة عَنهُ إِلَّا على التَّعَجُّب
ويصحح أَيْضا حَدِيث مُحَمَّد بن إِسْحَاق وَهُوَ أعذر من تَصْحِيحه حَدِيث كثير [هَذَا]
ويصحح أَيْضا للحجاج بن أَرْطَأَة مَعَ اشتهار ضعفه
ويصحح حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب وَأحسن كل الْإِحْسَان فِي ذَلِك
وَالْمَقْصُود أَنه يصحح مَا لَا يُصَحِّحهُ غَيره وَمَا يُخَالف فِي تَصْحِيحه
стр. 162
تَصْحِيح الْحَاكِم
قَالُوا وَأما تَصْحِيح الْحَاكِم فَكَمَا قَالَ الْقَائِل
(فاصبحت من ليلى الْغَدَاة كقابض ... على المَاء خانته فروج الْأَصَابِع)
وَلَا يعبأ الْحفاظ أطباء [علل] الحَدِيث بتصحيح الْحَاكِم شَيْئا وَلَا يرفعون بِهِ رَأْسا الْبَتَّةَ بل لَا [يعدل] تَصْحِيحه [وَلَا يدل] على حسن الحَدِيث بل يصحح أَشْيَاء مَوْضُوعَة بِلَا شكّ عِنْد أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ وَإِن كَانَ من لَا علم لَهُ بِالْحَدِيثِ لَا يعرف ذَلِك فَلَيْسَ بمعيار على سنة رَسُول الله ﷺ وَلَا يعبأ أهل الحَدِيث بِهِ شَيْئا
وَالْحَاكِم نَفسه يصحح أَحَادِيث جمَاعَة وَقد أخبر فِي كتاب الْمدْخل لَهُ أَن لَا يحْتَج بهم وَأطلق الْكَذِب على بَعضهم هَذَا مَعَ أَن مُسْتَند تَصْحِيحه ظَاهر سَنَده وَأَن رُوَاته ثِقَات وَلِهَذَا قَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد
وَقد علم أَن صِحَة الْإِسْنَاد شَرط من شُرُوط صِحَة الحَدِيث وَلَيْسَت مُوجبَة لصِحَّته فَإِن الحَدِيث إِنَّمَا يَصح بِمَجْمُوع أُمُور مِنْهَا
стр. 163
صِحَة سَنَده وَانْتِفَاء علته وَعدم شذوذه ونكارته وَأَن لَا يكون روايه قد خَالف الثِّقَات أَو شَذَّ عَنْهُم
وَهَذَا الحَدِيث قد تبينت ونكارته
تَصْحِيح ابْن حزم
قَالُوا وَأما تَصْحِيح أبي مُحَمَّد بن حزم لَهُ فَمَا أجدره بظاهريته وَعدم التفاته إِلَى الْعِلَل والقرائن الَّتِي تمنع ثُبُوت الحَدِيث بتصحيح [مثل] هَذَا الحَدِيث وَمَا هُوَ دونه فِي الشذوذ والنكارة فتصحيحه للأحاديث المعلولة وإنكاره لنقلتها نَظِير إِنْكَاره للمعاني والمناسبات والأقيسة الَّتِي يَسْتَوِي فِيهَا الأَصْل وَالْفرع من كل وَجه وَالرجل يصحح مَا أجمع أهل الحَدِيث على ضعفه وَهَذَا بَين فِي كتبه لمن تَأمله
لَيْسَ كل مَا رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد فِي الْمسند وَسكت عَنهُ يكون صَحِيحا عِنْده وأمثلة على ذَلِك
وَأما قَوْلكُم إِن الإِمَام أَحْمد رَوَاهُ وَبنى مذْهبه عَلَيْهِ وَسكت عَن تَضْعِيفه وَمَا سكت عَنهُ فِي الْمسند فَهُوَ صَحِيح عِنْده
وَهَذِه أَربع مُقَدمَات لَو سلمت لكم لَكَانَ غَايَة مَا يستنتج مِنْهَا تَصْحِيح أَحْمد لَهُ
وَأحمد قد خَالفه من ذكرنَا أَقْوَالهم فِي تَضْعِيفه وَالشَّهَادَة لَهُ
стр. 164
بالنكارة وَأَنه لَيْسَ من كَلَام رَسُول الله ﷺ
وَإِذا اخْتلف أَحْمد وَغَيره من أَئِمَّة الحَدِيث فِي حَدِيث فالدليل يحكم بَينهم وَلَيْسَ قَوْله حجَّة عَلَيْهِم كَمَا إِذا خَالفه غَيره فِي مَسْأَلَة من الْفِقْه لم يكن قَوْله حجَّة على من خَالفه بل الْحجَّة الفاصلة هِيَ الدَّلِيل
وَلَو أَنا احتججنا عَلَيْكُم بِمثل هَذَا لقلتم ولسمع قَوْلكُم تَصْحِيح أَحْمد معَارض لتضعيف هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة فَلَا يكون حجَّة
كَيفَ والشأن فِي الْمُقدمَة الرَّابِعَة وَهِي أَن كل مَا سكت عَنهُ أَحْمد فِي الْمسند فَهُوَ صَحِيح عِنْده فَإِن هَذِه الْمُقدمَة لَا مُسْتَند لَهَا الْبَتَّةَ بل أهل الحَدِيث كلهم على خلَافهَا وَالْإِمَام أَحْمد لم يشْتَرط فِي مُسْنده الصَّحِيح وَلَا الْتَزمهُ وَفِي مُسْنده عدَّة أَحَادِيث سُئِلَ هُوَ عَنْهَا فضعفها بِعَينهَا وأنكرها
كَمَا روى حَدِيث الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة يرفعهُ إِذا كَانَ النّصْف من شعْبَان فأمسكوا عَن الصّيام حَتَّى يكون رَمَضَان وَقَالَ حَرْب سَمِعت أَحْمد يَقُول هَذَا حَدِيث مُنكر وَلم يحدث الْعَلَاء بِحَدِيث أنكر من هَذَا وَكَانَ عبد الرَّحْمَن بن مهْدي لَا يحدث بِهِ [الْبَتَّةَ]
стр. 165
وروى حَدِيث لَا صِيَام لمن لم يبيت الصّيام من اللَّيْل وَسَأَلَهُ الْمَيْمُونِيّ عَنهُ فَقَالَ أخْبرك مَا لَهُ عِنْدِي ذَلِك الْإِسْنَاد إِلَّا أَنه عَن عَائِشَة وَحَفْصَة إسنادان جيدان يُرِيد أَنه مَوْقُوف
стр. 166
وروى حَدِيث أبي المطوس عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة يرفعهُ من أفطر يَوْمًا من رَمَضَان لم يقضه عَنهُ صِيَام الدَّهْر وَقَالَ فِي رِوَايَة مهنا وَقد سَأَلَهُ عَنهُ لَا أعرف أَبَا المطوس وَلَا ابْن المطوس
وروى أَنه لَا وضوء لمن لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ وَقَالَ الْمروزِي لم يُصَحِّحهُ أَبُو عبد الله وَقَالَ لَيْسَ فِيهِ شَيْء يثبت
стр. 167
وروى حَدِيث عَائِشَة مرن أزواجكن أَن يغسلوا عَنْهُم أثر الْغَائِط وَالْبَوْل فَإِنِّي أستحييهم وَكَانَ رَسُول الله ﷺ يَفْعَله وَقَالَ فِي رِوَايَة حَرْب
стр. 168
لم يَصح فِي الِاسْتِنْجَاء بِالْمَاءِ حَدِيث قيل لَهُ فَحَدِيث عَائِشَة قَالَ لَا يَصح لِأَن غير قَتَادَة لَا يرفعهُ
وروى حَدِيث عرَاك عَن عَائِشَة حولوا مقعدتي نَحْو الْقبْلَة
стр. 169
وَأعله بِالْإِرْسَال وَأنكر أَن يكون عرَاك سمع من عَائِشَة
وروى لجَعْفَر بن الزبير وَقَالَ فِي رِوَايَة الْمروزِي لَيْسَ بِشَيْء
стр. 170
وروى حَدِيث وضوء النَّبِي ﷺ مرّة مرّة وَقَالَ فِي رِوَايَة مهنا
الْأَحَادِيث فِيهِ ضَعِيفَة وروى حَدِيث طَلْحَة بن مصرف عَن أَبِيه عَن جده أَن النَّبِي ﷺ مسح رَأسه حَتَّى بلغ القذال وَأنْكرهُ فِي رِوَايَة أبي دَاوُد قَالَ
стр. 171
مَا أَدْرِي مَا هَذَا وَابْن عُيَيْنَة كَانَ يُنكره وروى حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده يرفعهُ أَيّمَا رجل مس ذكره فَليَتَوَضَّأ وَقَالَ فِي رِوَايَة أَحْمد بن هَاشم الْأَنْطَاكِي لَيْسَ بذلك وَكَأَنَّهُ ضعفه وروى حَدِيث زيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ يرفعهُ من مس فرجه
стр. 172
فَليَتَوَضَّأ وَقَالَ مهنا سَأَلت أَحْمد عَنهُ فَقَالَ لَيْسَ بِصَحِيح الحَدِيث حَدِيث نسْوَة فَقلت من قبل من جَاءَ خَطؤُهُ فَقَالَ من قبل ابْن اسحاق أَخطَأ فِيهِ وَمن طَرِيقه رَوَاهُ فِي مُسْنده وروى حَدِيث عَائِشَة مَرْفُوعا فِي مس الذّكر وَقَالَ فِي رِوَايَة مهنا
стр. 173
لَيْسَ بِصَحِيح وروى عَن عَائِشَة مدت امْرَأَة من وَرَاء السّتْر بِيَدِهَا كتابا إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقبض ﷺ يَده وَقَالَ مَا أَدْرِي أيد رجل أَو يَد امْرَأَة قَالَت بل امْرَأَة قَالَ لَو كنت امْرَأَة غيرت أظفارك بِالْحِنَّاءِ وَقَالَ فِي رِوَايَة حَنْبَل هَذَا حَدِيث مُنكر وروى حَدِيث أبي هُرَيْرَة يرفعهُ من استقاء فليقض وَمن ذرعه القئ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاء وَعلله فِي رِوَايَة مهنا وَأبي دَاوُد قَالَ أَبُو
стр. 174
دَاوُد سَأَلت أَحْمد عَن هَذَا فَقَالَ لَيْسَ فِي هَذَا شئ إِنَّمَا هُوَ من أكل نَاسِيا وَهُوَ صَائِم فَإِنَّمَا أطْعمهُ الله وسقاه وروى حَدِيث ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي ﷺ احْتجم وَهُوَ صَائِم وَقَالَ فِي رِوَايَة مهنا وَقد سَأَلَهُ عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ
стр. 175
لَيْسَ بِصَحِيح وروى حَدِيث ابْن عمر يرفعهُ من اشْترى ثوبا بِعشْرَة دَرَاهِم وَفِيه دِرْهَم حرَام لم تقبل لَهُ صَلَاة مَا دَامَ عَلَيْهِ وَسَأَلَهُ أَبُو طَالب عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ لَيْسَ لَهُ إِسْنَاد
стр. 176
وَقَالَ فِي رِوَايَة مهنا لَا أعرف يزِيد بن عبد الله وَلَا هَاشم الأوقص وَمن طريقهما رَوَاهُ وروى عَن القواريري معَاذ بن معَاذ عَن أشعب الحمراني عَن ابْن سِيرِين عَن عبد الله بن شَقِيق عَن عَائِشَة كَانَ رَسُول الله ﷺ لَا يُصَلِّي فِي شعرنَا وَلَا لحفنا وَقَالَ فِي رِوَايَة ابْنه عبد الله مَا سَمِعت عَن أَشْعَث أنكر من هَذَا وَأنْكرهُ إنكارا شَدِيدا وروى حَدِيث عَليّ أَن الْعَبَّاس سَأَلَ رَسُول الله ﷺ فِي تَعْجِيل صدقته قبل أَن تحل فَرخص لَهُ فِي ذَلِك وَقَالَ الْأَثْرَم سَمِعت أَبَا
стр. 177
عبد الله ذكر لَهُ هَذَا الحَدِيث فضعفه وَقَالَ لَيْسَ ذَلِك بشئ هَذَا مَعَ أَن مذْهبه جَوَاز تَعْجِيل الزَّكَاة وروى حَدِيث أم سَلمَة أَن النَّبِي ﷺ أمرهَا أَن توافيه يَوْم النَّحْر بِمَكَّة وَقَالَ فِي رِوَايَة الْأَثْرَم هُوَ خطأ وَقَالَ وَكِيع عَن أَبِيه مُرْسل إِن النَّبِي ﷺ أمرهَا أَن توافيه صَلَاة الصُّبْح يَوْم النَّحْر بِمَكَّة أَو نَحْو هَذَا يُنكر وَمن هَذَا أَيْضا عجب النَّبِي ﷺ يَوْم النَّحْر مَا يصنع بِمَكَّة يُنكر ذَلِك
стр. 178
وروى حَدِيث أبي هُرَيْرَة يرفعهُ من وجد سَعَة فَلم يضح فَلَا يقربن مصلانا وَقَالَ فِي رِوَايَة حَنْبَل هَذَا حَدِيث مُنكر وَنَظِير مَا نَحن فِيهِ سَوَاء بِسَوَاء مَا رَوَاهُ عَن عُثْمَان بن عمر حَدثنَا
стр. 179
يُونُس عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة عَن عَائِشَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَا نذر فِي مَعْصِيّة وكفارته كَفَّارَة الْيَمين فَهَذَا حَدِيث رَوَاهُ وَبنى عَلَيْهِ مذْهبه وَاحْتج بِهِ ثمَّ قَالَ فِي رِوَايَة حَنْبَل هَذَا حَدِيث مُنكر
стр. 180
وَهَذَا بَاب وَاسع جدا لَو تتبعناه لجاء كتابا كَبِيرا وَالْمَقْصُود أَنه لَيْسَ كل مَا رَوَاهُ وَسكت عَنهُ يكون صَحِيحا عِنْده وَحَتَّى لَو كَانَ صَحِيحا عِنْده وَخَالفهُ غَيره فِي تَصْحِيحه لم يكن قَوْله حجَّة على نَظِيره وَبِهَذَا يعرف وهم الْحَافِظ أبي مُوسَى الْمَدِينِيّ فِي قَوْله إِن مَا خرجه الإِمَام أَحْمد فِي مُسْنده فَهُوَ صَحِيح عِنْده فَإِن أَحْمد لم يقل ذَلِك قطّ وَلَا قَالَ مَا يدل عَلَيْهِ بل قَالَ مَا يدل على خلاف ذَلِك كَمَا قَالَ أَبُو الْعِزّ بن كادش إِن عبد الله بن أَحْمد قَالَ لِأَبِيهِ مَا تَقول فِي حَدِيث ربعي عَن حُذَيْفَة قَالَ الَّذِي يرويهِ عبد الْعَزِيز بن أبي رواد قلت يَصح قَالَ لَا
следующие страницы →