Полный текст (422 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
فصل
الرَّد على الدَّلِيل الْخَامِس
قَالُوا وَأما دليلكم الْخَامِس وَهُوَ حَدِيث البُخَارِيّ إِن النَّبِي ﷺ مر بِقوم أسلم ينتضلون الحَدِيث وَفِيه ارموا وَأَنا مَعكُمْ كلكُمْ فسبحان الله مَاذَا يُوجب نصْرَة الْمذَاهب والتقليد لأربابه من ارْتِكَاب أَنْوَاع من الْخَطَأ وَالِاسْتِدْلَال بِمَا لَيْسَ بِدَلِيل وَمُخَالفَة صَرِيح الدَّلِيل فيا لله الْعجب أَيْن دلَالَة هَذَا الحَدِيث على الْمُحَلّل بِوَجْه من الْوُجُوه وَهل مثل هَذَا إِلَّا حجَّة عَلَيْكُم
فَإِن النَّبِي ﷺ قَالَ أَولا ارموا وَأَنا مَعَ بني فلَان فَلم يسْأَل هَل أخرج الحزبان مَعًا أَو احدهما أَو لم يخرج أحد شَيْئا فَدلَّ على أَنه لَا فرق فِي جَوَاز العقد
ثمَّ إِن الْمُحَلّل لَا يكون مَعَ أحد الحزبين وَلَا يجوز لَهُ أَن يَقُول أَنا مَعَ فلَان أَو مَعَ هَذَا الحزب دون هَذَا فَلَيْسَ هَذَا من شَأْن الْمُحَلّل وَلَا يتمم لكم حِينَئِذٍ الِاسْتِدْلَال بِالْحَدِيثِ إِلَّا بعد أُمُور أَحدهَا أَن الحزبين أخرجَا مَعًا وَأَن النَّبِي ﷺ علم بذلك وَدخل مَعَهم وَلم يخرج وَكَانَ محللا وَهَذَا إِن لم يقطع بِبُطْلَانِهِ فدعواه دَعْوَى مُجَرّدَة عَن برهَان من الله
стр. 212
وَرَسُوله فَلَا تكون مسموعة وَلَا مَقْبُولَة ثمَّ نقُول ثَانِيهَا إِن كَانَ الْإِخْرَاج قد وَقع من كلا الْفَرِيقَيْنِ فَالْحَدِيث حجَّة عَلَيْكُم فَإِنَّهُ قَالَ ارموا وَأَنا مَعَ بني فلَان والمحلل لَا يكون مَعَ أَحدهمَا وَثَالِثهَا إِن كَانَ الْمخْرج أحد الْفَرِيقَيْنِ أَو لم يكن إِخْرَاج بِالْكُلِّيَّةِ بَطل استدلالكم بِالْحَدِيثِ فَهُوَ إِمَّا أَن يكون حجَّة عَلَيْكُم أَو لَيْسَ لكم فِيهِ حِدة أصلا
فَإِن قيل فَمَا فَائِدَة دُخُوله ﷺ مَعَ كلا الْفَرِيقَيْنِ إِذا لم يكن محللا فَالْجَوَاب إِن النَّبِي ﷺ لما صَار مَعَ أحد الحزبين أمسك الحزب الآخر وَعَلمُوا أَن النَّبِي ﷺ إِذا كَانَ فِي حزب كَانَ هُوَ الْغَالِب الْمَنْصُور فَلم يحتاجوا أَن يَكُونُوا فِي الحزب الَّذِي لَيْسَ فِيهِ رَسُول الله ﷺ فَلَمَّا علم ذَلِك مِنْهُم طيب قُلُوبهم وَقَالَ أَنا مَعكُمْ كلكُمْ هَذَا مُقْتَضى الحَدِيث الَّذِي يدل عَلَيْهِ وَهُوَ برِئ من التَّحْلِيل وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
فصل
الرَّد على الدَّلِيل السَّادِس
قَالُوا وَأما دليلكم السَّادِس وَهُوَ أَنه إِذا لم يكن مَعَهُمَا مُحَلل وَأَخْرَجَا مَعًا فقد دَار كل وَاحِد مِنْهُمَا بَين الْمغنم والمغرم وَهَذَا حَقِيقَة الْقمَار فقد تقدم من الْوُجُوه الْكَثِيرَة الَّتِي لَا جَوَاب لكم عَنْهَا مَا يُبطلهُ
стр. 213
وَيبين أَنه إِن كَانَ هَذَا العقد بِدُونِ الْمُحَلّل قمارا فَهُوَ بالمحلل أولى أَن يكون قمارا وَإِن لم يكن قمارا بالمحلل فَهُوَ بِدُونِ أولى أَن لَا يكون قمارا وَلَا يتَصَوَّر أَن يكون قمارا فِي إِحْدَى الصُّورَتَيْنِ دون الْأُخْرَى وَلَا يذكرُونَ فرقا وَلَا معنى إِلَّا كَانَ اقتضاؤه بِعَدَمِ اشْتِرَاط الْمُحَلّل أظهر من اقتضائه لاشتراطه وَقد تقدم منا بَيَان ذَلِك فَإِن كَانَ لكم عَنهُ جَوَاب فبينوه وَلَا سَبِيل إِلَيْهِ
فصل
حجية قَول التَّابِعين وَوُجُوب اتِّبَاع الدَّلِيل وَترك التَّقْلِيد
وَأما قَوْلكُم لَو لم يكن فِي هَذَا إِلَّا أَنه قَول أعلم التَّابِعين سعيد بن الْمسيب فَإِن مَذْهَب أبي حنيفَة أَن التَّابِعِيّ إِذا عاصر الصَّحَابَة وزاحمهم فِي الْفَتْوَى كَانَ قَوْله حجَّة فَيُقَال من الْعجب أَن يكون قَول سعيد بن المسب حجَّة وَفعل أبي عُبَيْدَة بن الْجراح غير حجَّة وَأَيْضًا فَأنْتم فِي أحد الْقَوْلَيْنِ عنْدكُمْ لَا تَجْعَلُونَ قَول الصَّحَابِيّ حجَّة فَكيف يكون قَول التَّابِعِيّ حجَّة
وَأَيْضًا فَأنْتم لَا توجبون اتِّبَاع سعيد بن الْمسيب فِي جَمِيع مَا يذهب إِلَيْهِ فَكيف توجبون اتِّبَاعه فِي هَذِه الْمَسْأَلَة
وَأَيْضًا فَلَو كَانَ قَول سعيد بن الْمسيب فِي هَذِه الْمَسْأَلَة حجَّة أَو كَانَت الْحجَّة مُوَافقَة أهل عصره لَهُ كَمَا يتوهمه المتوهم لما سَاغَ لمَالِك أَن يَقُول
стр. 214
وَلَا نَأْخُذ بقول سعيد بن الْمسيب فِي الْمُحَلّل وَلَا يجب الْمُحَلّل وَالظَّاهِر أَن هَذَا إِشَارَة من مَالك إِلَى نَفسه وَإِلَى عُلَمَاء الْمَدِينَة مَعَه وَأَنَّهُمْ أَو جمهورهم لم يَأْخُذُوا بقوله فِي الْمُحَلّل وقولكم يكفينا أَن ثَلَاثَة أَرْكَان الْأمة عَلَيْهِ يُرِيدُونَ الشَّافِعِي وَأَبا حنيفَة وَأحمد فطرد هَذَا يُوجب عَلَيْكُم أَن كل مَسْأَلَة اتّفق عَلَيْهَا ثَلَاثَة من الْأَئِمَّة وَخَالفهُم الرَّابِع أَن تَأْخُذُوا فِيهَا بقول الثَّلَاثَة لأَنهم ثَلَاثَة أَرْكَان الْأمة وَهَذَا يلْزم أهل كل مَذْهَب وكل هَذِه التلفيقات بمعزل عَن الْبُرْهَان الَّذِي يُطَالب بِهِ كل من قَالَ قولا فِي الدّين وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر﴾ [النِّسَاء: ٥ فَأَيْنَ أَمر بِالرَّدِّ إِلَى مَا ذكرْتُمْ وَمن ذكرْتُمْ وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم﴾ [النِّسَاء: ٦ فَوقف الْإِيمَان على تحكيمه وَحده وَلم يُوقف الْإِيمَان على تحكيم غَيره ألبته وقولكم إِن هَذَا قَول الْجُمْهُور فَإِن كَانَ قَول الْجُمْهُور فِي كل
стр. 215
مَسْأَلَة تنَازع فِيهَا الْعلمَاء هُوَ الصَّوَاب وَجب بطلَان كل قَول انْفَرد بِهِ أحد الْأَئِمَّة عَن الْجُمْهُور وَيذكر لكل طَائِفَة من الطوائف مَا انْفَرد بِهِ من قلدوه عَن الْجُمْهُور وَلَا يُمكنهُم إِنْكَار ذَلِك وَلَا الْإِقْرَار بِبُطْلَان قَوْله وَلَا ملْجأ لَهُم إِلَّا التَّنَاقُض وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق وهم إِذا كَانَ قَول الْجُمْهُور مَعَهم نادوا فيهم على رُؤُوس الأشهاد وأجلبوا بهم على من خالفهم وَإِذا كَانَ قَوْلهم خلاف قَول الْجُمْهُور قَالُوا قَول الْجُمْهُور لَيْسَ بِحجَّة وَالْحجّة فِي الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع ثمَّ نقُول أَيْن المكاثرة بِالرِّجَالِ إِلَى المكاثرة بالأدلة وَقد ذكرنَا من الْأَدِلَّة مَا لَا جَوَاب لكم عَنهُ وَالْوَاجِب اتِّبَاع الدَّلِيل أَيْن كَانَ وَمَعَ من كَانَ وَهُوَ الَّذِي أوجب الله اتِّبَاعه وَحرم مُخَالفَته وَجعله الْمِيزَان الرَّاجِح بَين الْعلمَاء فَمن كَانَ من جَانِبه كَانَ أسعد بِالصَّوَابِ قل موافقوه أَو كَثُرُوا وَأما قَوْلكُم إِن جُمْهُور الْمُسلمين رَأَوْا هَذَا النَّقْل حسنا وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا رَآهُ الْمُسلمُونَ حسنا فَهُوَ عِنْد الله حسن فَجَوَابه من وُجُوه
أَحدهَا أَن هَذَا يلزمكم فِي كل مَسْأَلَة انْفَرد بهَا من قلدتموه عَن جُمْهُور الْأمة فَمَا كَانَ جوابكم لمن خالفكم فَهُوَ جَوَابنَا لكم بِعَيْنِه
الثَّانِي أَن هَذَا لَيْسَ من كَلَام رَسُول الله ﷺ وَإِنَّمَا يضيفه إِلَى كَلَامه من لَا علم لَهُ بِالْحَدِيثِ وَإِنَّمَا هُوَ ثَابت عَن ابْن مَسْعُود من قَوْله
стр. 216
ذكره الإِمَام أَحْمد وَغَيره مَوْقُوفا عَلَيْهِ وَلَفظه
إِن الله نظر فِي قُلُوب الْعباد فَوجدَ قلب مُحَمَّد خير قُلُوب الْعباد فاختاره لرسالته ثمَّ نظر فِي قُلُوب الْعباد فَوجدَ قُلُوب أَصْحَابه خير قُلُوب الْعباد فاختارهم لصحبته فَمَا رَآهُ الْمُسلمُونَ حسنا فَهُوَ عِنْد الله حسن
الثَّالِث أَنه لَو صَحَّ مَرْفُوعا فَهُوَ دَلِيل على أَن مَا أجمع عَلَيْهِ الْمُسلمُونَ ورأوه حسنا فَهُوَ عِنْد الله حسن لَا مَا رَآهُ بَعضهم فَهُوَ حجَّة عَلَيْكُم
الرَّابِع أَن الْمُسلمين كلهم لَا يرَوْنَ الْمُحَلّل فِي عقد السباق حسنا بل كثير مِنْهُم تنكره فطرهم وَقُلُوبهمْ ويرونه غير حسن وَلَو كَانَ حسنا عِنْد الله وَهُوَ من تَمام الْعدْل الَّذِي فطر الله الْقُلُوب على استحسانه لرأوه كلهم حسنا وَشهِدت بِهِ فطرتهم وَشهِدت بقبح العقد إِذا خلا عَنهُ كَمَا شهِدت بقبح الظُّلم والقمار وَحسن الْعدْل وَأكل المَال بِالْحَقِّ قَالُوا وَنحن نحاكمكم فِي ذَلِك إِلَى الْفطر الَّتِي لم تنْدَفع بالتعصب ونصرة آراء الرِّجَال والتقليد وَأما قَوْلكُم إِن القَوْل بِعَدَمِ الْمُحَلّل قَول شَاذ وَإِن من شَذَّ شَذَّ الله بِهِ فَجَوَابه من وُجُوه
أَحدهَا أَن القَوْل الشاذ هُوَ الَّذِي لَيْسَ مَعَ قَائِله دَلِيل من كتاب الله وَلَا من سنة رَسُول الله ﷺ فَهَذَا هُوَ القَوْل الشاذ وَلَو كَانَ عَلَيْهِ جُمْهُور
стр. 217
أهل الأَرْض وَأما قَول مَا دلّ عَلَيْهِ كتاب الله وَسنة رَسُول الله ﷺ فَلَيْسَ بشاذ وَلَو ذهب إِلَيْهِ الْوَاحِد من الْأمة فَإِن كَثْرَة الْقَائِلين وقلتهم لَيْسَ بمعيار وميزان للحق يعير بِهِ ويوزن بِهِ
وَهَذِه غير طَريقَة الراسخين فِي الْعلم وَإِنَّمَا هِيَ طَريقَة عامية تلِيق بِمن بضاعتهم من كتاب الله وَالسّنة مزجاة
وَأما أهل الْعلم الَّذين هم أَهله فالشذوذ عِنْدهم والمخالفة القبيحة هِيَ الشذوذ عَن الْكتاب وَالسّنة وأقوال الصَّحَابَة ومخالفتها وَلَا اعْتِبَار عِنْدهم بِغَيْر ذَلِك مَا لم يجمع الْمُسلمُونَ على قَول وَاحِد وَيعلم إِجْمَاعهم يَقِينا فَهَذَا الَّذِي لَا تحل مُخَالفَته وَنحن نقُول لمنازعينا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة إِذا كَانَ القَوْل بِبُطْلَان الْمُحَلّل بَاطِلا مُخَالفا للْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع فَلَا بُد أَن تكون أَدِلَّة بُطْلَانه ظَاهِرَة لَا تخفى وقوية لَا تضعف وَلَا يُمكن أَن تكون أَدِلَّة القَوْل الْبَاطِل الْمُخَالف للْإِجْمَاع قَوِيَّة كَثِيرَة وَلَا يمكنكم إِبْطَالهَا وَلَا معارضتها فَإِن بينتم بطلَان هَذِه الْأَدِلَّة بأقوى مِنْهَا وَأظْهر فالرجوع إِلَى الْحق خير من التَّمَادِي فِي الْبَاطِل وَإِن لم يكن بِأَيْدِيكُمْ إِلَّا بعض مَا قد حكينا عَنْكُم فَإنَّا ذكرنَا لكم من الْأَدِلَّة مَا لم يُوجد عنْدكُمْ أَلْبَتَّة وَلَا ذكره أحد مِمَّن انتصر لقولكم ثمَّ ذكرنَا من الْكَلَام عَلَيْهَا دَلِيلا دَلِيلا مَا إِن كَانَ بَاطِلا فَرده مَقْدُور ومأمور بِهِ وَإِن كَانَ حَقًا فمتبعه محسن وَمَا على الْمُحْسِنِينَ من سَبِيل
ثمَّ نقُول لَو ذكرنَا لكم نَظِير كلامكم هَذَا فِي مَسْأَلَة انفردتم بهَا عَن الْأَئِمَّة لم تلتفتوا إِلَيْهِ وَلم تقبلوه منا فَكيف تحتجون علينا بِمَا لَا
стр. 218
تقبلونه منا إِذا احتججنا بِهِ عَلَيْكُم
فَإِن قُلْتُمْ وَأَيْنَ هَذَا الشذوذ فَلْتنْظرْ كل طَائِفَة إِلَى مَا انْفَرد بِهِ متبوعها ومقلدوها عَن سَائِر الْأمة وَلَا حَاجَة بِنَا إِلَى الإطالة بِذكر ذَلِك وَبِاللَّهِ تَعَالَى الْمُسْتَعَان والتوفيق
فصل
فِي تَحْرِير مَذَاهِب أهل الْعلم فِيمَا يجوز بذل السَّبق فِيهِ من المغالبات وَمَا لَا يجوز وعَلى أَي وَجه يجوز بذل السَّبق
المغالبات ثَلَاثَة أَقسَام قد تقدم أَن المغالبات ثَلَاثَة أَقسَام قسم مَحْبُوب مرضِي لله وَرَسُوله معِين على تَحْصِيل محابه كالسباق بِالْخَيْلِ وَالْإِبِل وَالرَّمْي بالنشاب وَقسم مبغوض مسخوط لله وَرَسُوله موصل إِلَى مَا يكرههُ الله وَرَسُوله كَسَائِر المغالبات الَّتِي توقع الْعَدَاوَة والبغضاء وتصد عَن ذكر الله وَعَن الصَّلَاة كالنرد وَالشطْرَنْج وَمَا أشبههما وَقسم لَيْسَ بمحبوب لله وَلَا مسخوط لَهُ بل هُوَ مُبَاح لعدم الْمضرَّة الراجحة كالسباق على الْأَقْدَام والسباحة وشيل الْأَحْجَار والصراع وَنَحْو ذَلِك
стр. 219
فالنوع الأول يشرع مُفردا عَن الرَّهْن وَمَعَ الرَّهْن ويشرع فِيهِ كل مَا كَانَ أدعى إِلَى تَحْصِيله فيشرع فِيهِ بذل الرَّهْن من هَذَا وَحده وَمن الآخر وَحده ومنهما مَعًا وَمن الْأَجْنَبِيّ وَأكل المَال بِهِ اكل بِحَق لَيْسَ أكلا بباطل وَلَيْسَ من الْقمَار وَالْميسر فِي شَيْء
النَّرْد وَالشطْرَنْج
وَالنَّوْع الثَّانِي محرم وَحده وَمَعَ الرَّهْن وَأكل المَال بِهِ ميسر وقمار كَيفَ كَانَ سَوَاء كَانَ من أَحدهمَا أَو من كليهمَا أَو من ثَالِث وَهَذَا بِاتِّفَاق الْمُسلمين غير سَائِغ فَأَما إِن خلا عَن الرَّهْن فَهُوَ أَيْضا حرَام عِنْد الْجُمْهُور نردا كَانَ أَو شطرنجا
стр. 220
هَذَا قَول مَالك وَأَصْحَابه وَأبي حنيفَة وَأَصْحَابه وَأحمد وَأَصْحَابه وَقَول جُمْهُور التَّابِعين وَلَا يحفظ عَن صَحَابِيّ حلّه وَقد نَص الشَّافِعِي على تَحْرِيم النَّرْد وَتوقف فِي تَحْرِيم الشطرنج فَلم يجْزم بِتَحْرِيمِهِ وَذكر أَنه لم يتَبَيَّن لَهُ تَحْرِيمه وَلِهَذَا
стр. 221
اخْتلف أَصْحَابه فِي الشطرنج فَمنهمْ من حرمه وَمِنْهُم من كرهه وَلم يحرمه وَمِمَّنْ حرمه وَبَالغ فِي تَقْرِير تَحْرِيمه أَبُو عبد الله الْحَلِيمِيّ وَالشَّافِعِيّ نَص على تَحْرِيم النَّرْد الْخَالِي عَن الْعِوَض وَتوقف فِي الشطرنج الْخَالِي عَن الْعِوَض فَمن أَصْحَابه من طرد توقفه فِي النَّرْد أَيْضا وَقَالَ إِذا خلا عَن الْعِوَض لم يحرم كالشطرنج
стр. 222
وَهَذَا مَحْض الْقيَاس لِأَن مفْسدَة الشطرنج أعظم من مفْسدَة النَّرْد بِكَثِير فَإِذا لم تنهض مفْسدَة الشطرنج للتَّحْرِيم فالنرد أولى وَمِنْهُم من طرد نَصه فِي تَحْرِيم النَّرْد وعداه إِلَى الشطرنج وَهَذَا أصح تخريجا وأوضح دَلِيلا فَإِن مفْسدَة الشطرنج أعظم من مفْسدَة النَّرْد وكل مَا يدل على تَحْرِيم النَّرْد بِغَيْر عوض فدلالته على تَحْرِيم الشطرنج بطرِيق أولى وَقد ثَبت فِي صَحِيح مُسلم عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ من لعب بالنردشير فَكَأَنَّمَا صبغ يَده فِي لحم خِنْزِير وَدَمه وَفِي الْمُوَطَّأ وَالسّنَن من حَدِيث أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عَن النَّبِي ﷺ من لعب بالنرد فقد عصى الله وَرَسُوله
стр. 223
وسر الْمَسْأَلَة وفقهها أَن الله سُبْحَانَهُ لماذا حرم الميسر هَل هُوَ لأجل مَا فِيهِ من المخاطرة المتضمنة لأكل المَال بِالْبَاطِلِ فعلى هَذَا إِذا خلا عَن الْعِوَض لم يكن حَرَامًا فَلهَذَا طرد من طرد ذَلِك هَذَا الأَصْل وَقَالَ إِذا خلا النَّرْد وَالشطْرَنْج عَن الْعِوَض لم يَكُونَا حَرَامًا وَلَكِن هَذَا القَوْل خلاف النَّص وَالْقِيَاس كَمَا سَنذكرُهُ أَو حرمه لما يشْتَمل عَلَيْهِ فِي نَفسه من الْمفْسدَة وَإِن خلا عَن الْعِوَض فتحريمه من جنس تَحْرِيم الْخمر فَإِنَّهُ يُوقع الْعَدَاوَة والبغضاء ويصد عَن ذكر الله وَعَن الصَّلَاة وَأكل المَال فِيهِ عون وذريعة إِلَى الإقبال عَلَيْهِ واشتغال النُّفُوس بِهِ فَإِن الدَّاعِي حِينَئِذٍ يقوى من وَجْهَيْن من جِهَة المغالبة وَمن جِهَة أكل المَال فَيكون حَرَامًا من الْوَجْهَيْنِ وَهَذَا المأخذ أصح نصا وَقِيَاسًا نعم وأصول الشَّرِيعَة وتصرفاتها تشهد لَهُ بِالِاعْتِبَارِ فَإِن الله سُبْحَانَهُ قَالَ فِي كِتَابه ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِنَّمَا الْخمر وَالْميسر والأنصاب والأزلام رِجْس من عمل الشَّيْطَان فَاجْتَنبُوهُ لَعَلَّكُمْ تفلحون إِنَّمَا يُرِيد الشَّيْطَان أَن يُوقع بَيْنكُم الْعَدَاوَة والبغضاء فِي الْخمر وَالْميسر ويصدكم عَن ذكر الله وَعَن الصَّلَاة فَهَل أَنْتُم مُنْتَهُونَ وَأَطيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول واحذروا فَإِن توليتم فاعلموا﴾
стр. 224
أَنما على رَسُولنَا الْبَلَاغ الْمُبين) [الْمَائِدَة: ٩٠ - ٩١] فقرن الميسر بالأنصاب والأزلام وَالْخمر وَأخْبر أَن الْأَرْبَعَة رِجْس وَأَنَّهَا من عمل الشَّيْطَان ثمَّ أَمر باجتنابها وعلق الْفَلاح باجتنابها ثمَّ نبه على وُجُوه الْمفْسدَة الْمُقْتَضِيَة للتَّحْرِيم فِيهَا وَهِي مَا يقوعه الشَّيْطَان بَين أَهلهَا من الْعَدَاوَة والبغضاء وَمن الصد عَن ذكر الله وَعَن الصَّلَاة وكل أحد يعلم أَن هَذِه الْمَفَاسِد ناشئة من نفس الْعَمَل لَا من مُجَرّد أكل المَال بِهِ فتعليل التَّحْرِيم بِأَنَّهُ مُتَضَمّن لأكل المَال بِالْبَاطِلِ تَعْلِيل بِغَيْر الْوَصْف الْمَذْكُور فِي النَّص وإلغاء للوصف الَّذِي نبه النَّص عَلَيْهِ وأرشد إِلَيْهِ وَهَذَا فَاسد من الْوَجْهَيْنِ يُوضحهُ أَن السّلف الَّذين نزل الْقُرْآن بلغتهم سموا نفس الْفِعْل ميسرًا لَا أكل المَال بِهِ فَقَالَ غير وَاحِد من السّلف الشطرنج ميسر الْعَجم وصنف أَبُو مُحَمَّد بن قُتَيْبَة كتابا فِي الميسر وَذكر فِيهِ أَنْوَاعه
стр. 225
وأصنافه وعدها وَمَعْلُوم أَن أكل المَال بالميسر قد زَاد على كَونه ميسرًا وَلِهَذَا كَانَ أكل المَال بِهِ اكلا بِهِ بِالْبَاطِلِ لِأَنَّهُ أكل بِعَمَل محرم فِي نَفسه فَالْمَال حرَام وَالْعَمَل حرَام بِخِلَاف أكله بالنوع الأول فَإِنَّهُ كل بِحَق فَهُوَ حَلَال وَالْعَمَل طَاعَة وَأما النَّوْع الثَّالِث وَهُوَ الْمُبَاح فَإِنَّهُ وَإِن حرم أكل المَال بِهِ فَلَيْسَ لِأَن فِي الْعلم مفْسدَة فِي نَفسه وَهُوَ حرَام بل لِأَن تَجْوِيز أكل المَال بِهِ ذَرِيعَة إِلَى اشْتِغَال النُّفُوس بِهِ واتخاذه مكسبا لَا سِيمَا وَهُوَ من اللَّهْو واللعب الْخَفِيف على النُّفُوس فتشتد رغبتها فِيهِ من الْوَجْهَيْنِ فأبيح فِي نَفسه لِأَنَّهُ إِعَانَة وإجمام للنَّفس وراحة لَهَا وَحرم أكل المَال بِهِ لِئَلَّا يتَّخذ عَادَة وصناعة ومتجرا فَهَذَا من حِكْمَة الشَّرِيعَة ونظرها فِي الْمصَالح والمفاسد ومقاديرها يُوضح هَذَا أَن الله سُبْحَانَهُ حرم الْخمر قليلها وكثيرها مَا أسكر مِنْهَا وَمنا لم يسكر لِأَن قليلها يَدْعُو إِلَى كثيرها الَّذِي يُغير الْعقل ويوقع فِي الْمَفَاسِد الَّتِي يُرِيد الشَّيْطَان أَن يُوقع الْعباد فِيهَا وَيمْنَع عَن الْإِصْلَاح الَّذِي يُحِبهُ الله وَرَسُوله فتحريم كثيرها من بَاب تَحْرِيم الْأَسْبَاب الموقعة فِي الْفساد وَتَحْرِيم قليلها من بَاب سد الذرائع وَإِذا تَأَمَّلت أَحْوَال هَذِه المغالبات رَأَيْتهَا فِي ذَلِك كَالْخمرِ قليلها يَدْعُو إِلَى كثيرها وكثيرها يصد عَن مَا يُحِبهُ الله وَرَسُوله ويوقع فِيمَا يبغضه الله وَرَسُوله فَلَو لم يكن فِي تَحْرِيمهَا نَص لكَانَتْ أصُول الشَّرِيعَة وقواعدها وَمَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ من الحكم والمصالح وَعدم الْفرق بَين
стр. 226
المتماثلين توجب تَحْرِيم ذَلِك وَالنَّهْي عَنهُ فَكيف والنصوص قد دلّت على تَحْرِيمه فقد اتّفق على تَحْرِيم ذَلِك النَّص وَالْقِيَاس وَقد سمى عَليّ بن أبي طَالب الشطرنج تماثيل فَمر بِقوم يَلْعَبُونَ بهَا فَقَالَ مَا هَذِه التماثيل الَّتِي أَنْتُم لَهَا عاكفون وقلب الرقعة عَلَيْهِم
стр. 227
وَلَا يعلم أحد من الصَّحَابَة أحلهَا وَلَا لعب بهَا وَقد أعاذهم الله من ذَلِك وكل مَا نسب إِلَى أحد مِنْهُم من أَنه لعب بهَا كَأبي هُرَيْرَة فافتراء وبهت على الصَّحَابَة يُنكره كل عَالم بأحوال الصَّحَابَة وكل عَارِف بالآثار وَكَيف يُبِيح خير الْقُرُون وَخير الْخلق بعد رَسُول الله ﷺ اللّعب بِشَيْء صده عَن ذكر الله وَعَن الصَّلَاة أعظم من صد الْخمر إِذا استغرق فِيهِ لاعبه وَالْوَاقِع شَاهد بذلك وَكَيف يحرم الشَّارِع النَّرْد ويبيح الشطرنج وَهُوَ يزِيد عَلَيْهِ مفْسدَة بأضعاف مضاعفة وَكَيف يظنّ برَسُول الله ﷺ وَأَصْحَابه إِبَاحَة ميسر الْعَجم وَهُوَ أبْغض إِلَى الله وَرَسُوله من ميسر الْعَرَب بل الشطرنج سُلْطَان أَنْوَاع الميسر وَإِذا كَانَ اللاعب بالنرد كغامس يَده فِي لحم الْخِنْزِير وَدَمه فَكيف
стр. 228
بِحَال اللاعب بالشطرنج وَهل هَذَا إِلَّا من بَاب التَّنْبِيه بالأدنى على الْأَعْلَى وَإِذا كَانَ من لعب بالنرد عَاصِيا لله وَرَسُوله مَعَ خفَّة مفْسدَة النَّرْد فَكيف يسلب اسْم الْمعْصِيَة لله وَلِرَسُولِهِ عَن صَاحب الشطرنج مَعَ عظم مفسدتها وصدها عَن مَا يحب الله وَرَسُوله وَأَخذهَا بفكر لاعبها واشتغال قلبه وجوارحه وضياع عمره وَدُعَاء قليلها إِلَى كثيرها مثل دُعَاء قَلِيل الْخمر إِلَى كثيرها ورغبة النُّفُوس فِيهَا بِالْعِوَضِ فَوق رغبتها فِيهَا بِلَا عوض فَلَو لم يكن فِي اللّعب فِيهَا مفْسدَة أصلا غير أَنَّهَا ذَرِيعَة قريبَة الإيصال إِلَى أكل المَال الْحَرَام بالقمار لَكَانَ تَحْرِيمهَا مُتَعَيّنا فِي الشَّرِيعَة كَيفَ وَفِي الْمَفَاسِد الناشئة من مُجَرّد اللّعب بهَا مَا يَقْتَضِي تَحْرِيمهَا وَكَيف يظنّ بالشريعة أَنَّهَا تبيح مَا يلهي الْقلب ويشغله أعظم شغل عَن مصَالح دينه ودنياه وَيُورث الْعَدَاوَة والبغضاء بَين أَرْبَابهَا وقليلها يَدْعُو إِلَى كثيرها وَيفْعل بِالْعقلِ والفكر كَمَا يفعل الْمُسكر وَأعظم وَلِهَذَا يصبر صَاحبهَا عاكفا عَلَيْهَا كعكوف شَارِب الْخمر على خمرة أَو أَشد فَإِنَّهُ لَا يستحيي وَلَا يخَاف كَمَا يستحيي شَارِب الْخمر وَكِلَاهُمَا مشبه بالعاكف على الْأَصْنَام أما صَاحب الشطرنج فقد صَحَّ عَن عَليّ أَمِير الْمُؤمنِينَ رَضِي الله
стр. 229
عَنهُ أَنه شبهه بالعاكف على التماثيل وَأما صَاحب الْخمر فَفِي مُسْند الإِمَام أَحْمد عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ شَارِب الْخمر كعابد وثن وَقد صَحَّ النَّهْي عَنْهَا عَن عبد الله بن عَبَّاس وَعَن عبد الله بن عمر وَلَا يعلم لَهما فِي الصَّحَابَة مُخَالف فِي ذَلِك ألبته وَقد اتّفق على تَحْرِيمهَا الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة وأتباعهم وَالشَّافِعِيّ لم يجْزم بإباحتها فَلَا يجوز أَن يُقَال مَذْهَب الشَّافِعِي إباحتها فَإِن هَذَا كذب عَلَيْهِ بل قَالَ وَأما الشطرنج فَلم يتَبَيَّن لي تَحْرِيمهَا فتوقف ﵁ فِي التَّحْرِيم وَلم يفت بِالْإِبَاحَةِ ثمَّ اخْتلف المحرمون لَهَا هَل هِيَ أَشد تَحْرِيمًا من النَّرْد أَو النَّرْد أَشد تَحْرِيمًا مِنْهَا فصح عَن ابْن عمر أَنه قَالَ
стр. 230
الشطرنج شَرّ من النَّرْد وَنَصّ مَالك على ذَلِك وَقَالَ الإِمَام أَحْمد وَأَبُو حنيفَة النَّرْد أَشد تَحْرِيمًا مِنْهَا قَالَ شيخ الْإِسْلَام أَبُو الْعَبَّاس بن عبد الْحَلِيم بن عبد السَّلَام الْحَرَّانِي ﵁ وكلا الْقَوْلَيْنِ صَحِيح بِاعْتِبَار فَإِن الْغَالِب على النَّرْد اشتمالها على عوض بِخِلَاف الشطرنج فالنرد بعوض شَرّ من الشطرنج الْخَالِي عَن الْعِوَض وَأما إِذا اشتملا جَمِيعًا على الْعِوَض أَو خلوا عَنهُ فالشطرنج شَرّ من النَّرْد فَإِنَّهَا تحْتَاج إِلَى فكر يلهي صَاحبهَا أَكثر مِمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ النَّرْد وَلِهَذَا يُقَال إِنَّهَا مَبْنِيَّة على مَذْهَب الْقدر والنرد مَبْنِيَّة على مَذْهَب الْجَبْر فمضرتها بِالْعقلِ وَالدّين أعظم من مضرَّة النَّرْد وَلَكِن إِذا
стр. 231
خلوا عَن الْعِوَض كَانَ تحريمهما من جِهَة الْعَمَل وَإِذا اشتملا على الْعِوَض صَار تحريمهما من وَجْهَيْن من جِهَة الْعَمَل وَمن جِهَة أكل المَال بِالْبَاطِلِ فَتَصِير بِمَنْزِلَة لحم الْخِنْزِير الْمَيِّت قَالَ أَحْمد هُوَ حرَام من وَجْهَيْن فَإِن غصبه أَو سَرقه من نَصْرَانِيّ صَار حَرَامًا من ثَلَاثَة أوجه فالتحريم يقوى ويضعف بِحَسب قُوَّة الْمَفَاسِد وضعفها وبحسب تعدد أَسبَابه فَاعْلَم
فصل
[مسَائِل] إِذا عرف هَذَا فاتفق النَّاس على تَحْرِيم أكل الْعِوَض فِي هَذَا النَّوْع وعَلى تَحْرِيم المغالبة فِيهِ بالرهان وَاتَّفَقُوا على جَوَاز أكل المَال بسباق الْخَيل وَالْإِبِل والنضال من حَيْثُ الْجُمْلَة وَإِن اخْتلفُوا فِي كَيْفيَّة الْجَوَاز وتفصيله على مَا سَنذكرُهُ وَاخْتلفُوا فِي مسَائِل هَل هِيَ مُلْحقَة بِهَذَا أَو هَذَا وَنحن نذكرها الْمَسْأَلَة الأولى اخْتلفُوا فِي جَوَاز الْمُسَابقَة على البغال وَالْحمير بعوض فَقَالَ الإِمَام أَحْمد وَمَالك وَالشَّافِعِيّ فِي أحد قوليه
стр. 232
وَالزهْرِيّ لَا يجوز ذَلِك وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ فِي القَوْل الْأُخَر يجوز الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة اخْتلفُوا فِي الْمُسَابقَة على الْحمام والفيل وَالْبَقر بعوض فَمَنعه أَحْمد وَمَالك وَأكْثر الشَّافِعِيَّة وَأَجَازَهُ أَصْحَاب أبي حنيفَة وَبَعض الشَّافِعِيَّة وَبَعض أَصْحَاب أَحْمد فِي الْحمام الناقلة للْأَخْبَار الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة هَل يجوز الْعِوَض فِي الْمُسَابقَة على الْأَقْدَام فَمَنعه مَالك وَأحمد وَالشَّافِعِيّ فِي الْمَنْصُوص عَنهُ صَرِيحًا وَأَجَازَهُ الحنيفة وَبَعض الشَّافِعِيَّة وَهُوَ مُخَالف لنَصّ الإِمَام الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة هَل يجوز الْعِوَض فِي الْمُسَابقَة بالسباحة مَنعه الْأَكْثَرُونَ وَجوزهُ بعض الشَّافِعِيَّة وَالْحَنَفِيَّة الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة الصراع منع أَحْمد وَمَالك وَبَعض أَصْحَاب الشَّافِعِي الْعِوَض فِيهِ وَهُوَ مُقْتَضى نَص الشَّافِعِي فِي مَنعه الْعِوَض فِي
стр. 233
الْمُسَابقَة بالأقدام وَجوزهُ بعض أَصْحَابه وَأَصْحَاب أبي حنيفَة الْمَسْأَلَة السَّادِسَة المشابكة بِالْأَيْدِي لَا تجوز بعوض عِنْد الْجُمْهُور وفيهَا وَجه للشَّافِعِيَّة بِالْجَوَازِ وَمُقْتَضى مَذْهَب أَصْحَاب أبي حنيفَة جَوَازه فَإِنَّهُ يجوزوه فِي الصراع والمسابقة بالأقدام والمغالبة فِي مسَائِل الْعلم الْمَسْأَلَة السَّابِعَة الْمُسَابقَة بِالسَّيْفِ وَالرمْح والعمود منعهَا بعوض مَالك وَأحمد وجوزها أَصْحَاب أبي حنيفَة وللشافعية فِيهَا وَجْهَان الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة الْمُسَابقَة بالمقاليع على الْعِوَض منعهَا الْجُمْهُور وللشافعية فِيهَا وَجه وَمُقْتَضى مَذْهَب أَصْحَاب أبي حنيفَة الْجَوَاز الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة المغالبة بشيل الأثقال كالحجارة والعلاج فالجمهور لَا يجوزون الْعِوَض فِيهَا وَمن جوزه على المشابكة والسباحة والصراع والأقدام فَمُقْتَضى قَوْله الْجَوَاز هُنَا إِذْ لَا فرق الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة المثاقفة لَا تجوز بعوض عِنْد الْجُمْهُور وأباحها
стр. 234
بعض الشَّافِعِيَّة وَهُوَ مُقْتَضى مَذْهَب أَصْحَاب أبي حنيفَة الْمَسْأَلَة الْحَادِيَة عشرَة الْمُسَابقَة على حفظ الْقُرْآن والْحَدِيث وَالْفِقْه وَغَيره من الْعُلُوم النافعة والإصابة فِي الْمسَائِل هَل تجوز بعوض مَنعه أَصْحَاب مَالك وَأحمد وَالشَّافِعِيّ وَجوزهُ أَصْحَاب أبي حنيفَة وَشَيخنَا وَحَكَاهُ ابْن عبد الْبر عَن الشَّافِعِي وَهُوَ أولى من الشباك والصراع والسباحة فَمن جوز الْمُسَابقَة عَلَيْهَا بعوض فالمسابقة على الْعلم أولى بِالْجَوَازِ وَهِي صُورَة مراهنة الصّديق لكفار قُرَيْش على صِحَة مَا أخْبرهُم بِهِ وثبوته وَقد تقدم أَنه لم يقم دَلِيل شَرْعِي على نسخه وَأَن الصّديق أَخذ رهنهم بعد تَحْرِيم الْقمَار وَأَن الدّين قِيَامه بالججة وَالْجهَاد فَإِذا جَازَت الْمُرَاهنَة على آلَات الْجِهَاد فَهِيَ فِي الْعلم أولى بِالْجَوَازِ وَهَذَا القَوْل هُوَ الرَّاجِح الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة عشرَة الْمُسَابقَة بِالسِّهَامِ على بعد الرَّمْي لَا على الْإِصَابَة فَأَيّهمَا كَانَ أبعد مدى كَانَ هُوَ الْغَالِب منعهَا بِالْعِوَضِ
стр. 235
أَصْحَاب أَحْمد وَالشَّافِعِيّ وَيلْزم من جَوَازهَا فِي الْمُسَابقَة بالأقدام والسباحة والمصارعة جَوَازهَا هُنَا بل هِيَ أولى بِالْجَوَازِ فَإِن الْمَقْصُود بِالرَّمْي أَمْرَانِ الْبعد والإصابة فالبعد أحد مقصوديه والسبق بِهِ من جنس السَّبق بِالْخَيْلِ وَالْإِبِل وَبِكُل حَال هُوَ أولى من سَائِر الصُّور الَّتِي قاسوها على مورد النَّص بِالْجَوَازِ وَظَاهر الحَدِيث يَقْتَضِيهِ فَإِنَّهُ أثبت السَّبق فِي النصل كَمَا أثْبته فِي الْخُف والحافر هَذَا يَقْتَضِي أَن يكون السَّبق بِهِ كالسبق بهما فَأَما أَن يُقَال يَقْتَضِي الْإِصَابَة دون السَّبق فِي الْغَايَة فكلا وَهُوَ فِي اقتضائهما مَعًا أظهر من الِاقْتِصَار على الْإِصَابَة فَقَط وَالله أعلم
فصل
فِي مَأْخَذ هَذِه الْأَقْوَال
وَهِي نَوْعَانِ لَفْظِي ومعنوي فاللفظي الِاقْتِصَار على مَا أثْبته النَّص بعد النَّفْي الْعَام وَهِي الثَّلَاثَة الْمَذْكُورَة فِي الحَدِيث فَقَط فَلَا يجوز فِي غَيرهَا وَهَؤُلَاء جعلُوا
стр. 236
أكل المَال بِهَذِهِ الثَّلَاثَة مُسْتَثْنى من جَمِيع أَنْوَاع المغالبات وَقَالُوا لَيْسَ غَيرهَا فِي مَعْنَاهَا حَتَّى يلْحق بهَا فَإِن سَائِر هَذِه الْأَنْوَاع الْمَذْكُورَة لَا يتَضَمَّن مَا تتضمنه هَذِه الثَّلَاثَة من الفروسية وَتعلم أَسبَاب الْجِهَاد واعتيادها وتمرين الْبدن عَلَيْهَا فَأَيْنَ هَذِه من السباحة والمشابكة وَالسَّعْي والصراع والعلاج واللعب بالحمام فَلَا نَص وَلَا قِيَاس قَالُوا ويوضح هَذَا أَن الْخَيل وَالْإِبِل هِيَ الَّتِي عهِدت الْمُسَابقَة عَلَيْهَا بَين الصحابه فِي عهد رَسُول الله ﷺ وَهِي الَّتِي سَابق عَلَيْهَا رَسُول الله ﷺ وَلم يسابق على بغل وَلَا حمَار قطّ لَا هُوَ وَلَا أحد من أَصْحَابه مَعَ وجود الْحمير وَالْبِغَال عِنْدهم وَالْخَيْل هِيَ الَّتِي تصلح للكر والفر ولقاء الْعَدو وَفتح الْبِلَاد وَأما أَصْحَاب الْحمير فَأهل الذلة والقلة وَلَا مَنْفَعَة بهم فِي الْجِهَاد أَلْبَتَّة فقياسها على الْخَيل من أفسد الْقيَاس وَفهم حوافرها من حوافر الْخَيل من أبعد الْفَهم وَالْخَيْل هِيَ الَّتِي يُسهم لَهَا فِي الْجِهَاد دون البغال وَالْحمير وَهِي الَّتِي أخبر رَسُول الله ﷺ أَن الْخَيْر مَعْقُود بنواصيها إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَهِي الَّتِي ورد الْحَث عَن النَّبِي ﷺ على اقتنائها وَالْقِيَام عَلَيْهَا وَأخْبر بِأَن أبوالها وأرواثها فِي ميزَان صَاحبهَا وَهِي الَّتِي جعل رَسُول الله ﷺ تأديبها
стр. 237
وَتَعْلِيمهَا وتمرينها على الْكر والفر من الْحق بِخِلَاف غَيرهَا من الْحَيَوَانَات وَهِي الَّتِي أَمر الله سُبْحَانَهُ الْمُؤمنِينَ برباطها إعادا لعَدوه فَقَالَ ﴿وَأَعدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم من قُوَّة وَمن رِبَاط الْخَيل﴾ [الْأَنْفَال: ٦] وَهِي الَّتِي ضمن الْعِزّ لأربابها والقهر لمن عاداهم فظهروها عز لَهُم وحصون ومعاقل وَهِي الَّتِي كَانَت أحب الدَّوَابّ إِلَى رَسُول الله ﷺ وَهِي أكْرم الداب وَأَشْرَفهَا نفوسا وأشبهها طبيعة بالنوع الإنساني
فصل
وَأما الرَّمْي بالنشاب فقد تقدم ذكر منفعَته وتأثيره ونكايته فِي الْعَدو وَخَوف الْجَيْش الَّذِي لَا رامي فيهم من رام وَاحِد فَقِيَاس المقاليع والثقاف وَالرَّمْي بالمسالي وَنَحْو ذَلِك عَلَيْهِ من أبطل الْقيَاس صُورَة وَمعنى وَالرَّمْي بالمزاريق والحراب وَإِن كَانَ فِيهِ نكاية فِي الْعَدو فَلَيْسَ مثل نكاية الرَّمْي بالنشاب وَلَا قَرِيبا مِنْهُ
стр. 238
وَبِالْجُمْلَةِ فَغير هَذِه الثَّلَاثَة الْمَشْهُورَة الْمَذْكُورَة فِي الحَدِيث لَا تشبهها لَا صُورَة وَلَا معنى وَلَا يحصل مقصودها فَيمْتَنع إلحاقها بهَا هَذَا تَقْرِير مَذْهَب المقتصرين على الثَّلَاثَة كمالك وَأحمد وَكثير من السّلف وَالْخلف قَالَت الشَّافِعِيَّة المغالبات الَّتِي تسْتَعْمل فِي الفروسية والشجاعة ثَلَاثَة أَقسَام أَحدهَا مَا يُوجد فِيهِ لفظ الحَدِيث وَمَعْنَاهُ فَيجوز أَخذ السَّبق عَلَيْهِ كالخيل وَالْإِبِل والفيل على الْأَصَح والبغل وَالْحمار فِي أحد الْوَجْهَيْنِ الثَّانِي مَا يُوجد فِيهِ الْمَعْنى دون اللَّفْظ كالرمي بالمقاليع وَالْحِجَارَة والسفن والعدو على الْأَقْدَام فَفِيهِ وَجْهَان وَالْمَنْع أظهر لِخُرُوجِهِ عَن اللَّفْظ الثَّالِث مَا لَا يُوجد فِيهِ الْمَعْنى وَلَا اللَّفْظ كالحمام والصراع والشباك فَهُوَ أولى بِالْمَنْعِ قَالَ الْحَنَفِيّ النَّص على هَذِه الثَّلَاثَة لَا يَنْفِي الْجَوَاز فِيمَا عَداهَا وَقَوله لَا سبق إِلَّا فِي خف أَو حافر أَو نصل يُرِيد بِهِ لَا سبق
стр. 239
كَامِلا ونافعا وَنَحْوه وبذل السَّبق هُوَ من بَاب الجعالات فَيجوز فِي كل عمل مُبَاح يجوز بذلك الْجعل فِيهِ فَالْعقد من بَاب الجعالات فَهِيَ لَا تخْتَص بِالثَّلَاثَةِ وَقد ذكر الْجوزجَاني فِي كِتَابه المترجم حَدثنَا الْعقيلِيّ ثَنَا يحيى بن يمَان عَن ابْن جريج قَالَ قَالَ عَطاء السَّبق فِي كل شَيْء ذكر هَذَا فِي (بَاب تَرْجَمَة مَا تجوز فِيهِ الْمُسَابقَة) فمذهب أبي حنيفَة فِي هَذَا الْبَاب أوسع الْمذَاهب ويليه مَذْهَب الشَّافِعِي وَمذهب مَالك أضيق الْمذَاهب ويليه مَذْهَب أَحْمد وَمذهب أبي حنفة هُوَ الْقيَاس لَو أَن السَّبق الْمَشْرُوع من جنس الْجعَالَة ومنازعوه أَكْثَرهم يسلم لَهُ أَنه من بَاب الجعالات فألزمهم الْحَنَفِيَّة القَوْل بِجَوَاز السَّبق فِي الصُّور الَّتِي منعوها فَلم يفرقُوا بفرق طائل وألزموا الْحَنَفِيَّة أَنَّهَا لَو كَانَت من بَاب الجعالات لما اشْترط فِيهَا مُحَلل إِذا كَانَ الْجعل من المتسابقين كَمَا لَا يشْتَرط فِي سَائِر الجعلات إِذا جعل كل مِنْهُمَا جعلا لمن يعْمل لَهُ نَظِير مَا يعمله هُوَ للْآخر وَهَذَا مُشْتَرك الْإِلْزَام بَين الطَّائِفَتَيْنِ فَإِنَّهُم سلمُوا لَهُ أَنَّهَا من بَاب الجعالات ثمَّ اقتصروا بهَا على بعض الْأَعْمَال الْمُبَاحَة واشترطوا فِيهَا الْمُحَلّل إِذا كَانَ الْجعل مِنْهُمَا هَذَا مُخَالف لقاعدة بَاب الْجعَالَة وَقَالَت طَائِفَة ثَالِثَة لَيْسَ هَذَا من الْجعَالَة فِي شَيْء فَإِنَّهُ من الْمَعْلُوم أَن المتسابقين إِذا أخرج أَحدهمَا سبقا للْآخر إِذا غَلبه لَيْسَ مَقْصُوده أَن يغلبه
стр. 240
الآخر وَيَأْخُذ مَاله فَإِن هَذَا لَا يَقْصِدهُ عَاقل فَكيف يقْصد الْعَاقِل أَن يكون مَغْلُوبًا خاسرا بل مَقْصُوده أَن يكون غَالِبا كاسبا كَمَا يقْصد الْمُجَاهِد والجعالة قصد الْبَاذِل فِيهَا حُصُول الْعَمَل من الآخر ومعاوضته عَلَيْهِ بِمَالِه وَهَذَا عكس بَاب الْمُسَابقَة فَإِن الْمُسَابقَة هِيَ عَليّ صُورَة الْجِهَاد وشرعت تموينا وتدريبا وتوطينا للنَّفس عَلَيْهِ والمجاهد لَا يقْصد أَن يغلب ويسلب وَإِن كَانَ قد يَقع ذَلِك من آحَاد الْمُجَاهدين إِذا قصد الانغماس فِي الْعَدو وَأَن يستشهد فِي سَبِيل الله تَعَالَى وَهَذَا يحمد إِذا تضمن مصلحَة للجيش وَالْإِسْلَام كَحال الْغُلَام الَّذِي أَمر الْملك بقتْله ليتوصل بذلك إِلَى إِسْلَام النَّاس
وَقد يتَّفق فِي المتسابقين ذَلِك إِذا كَانَ قصد الْبَاذِل تمرين من يسابقه وإعانته على الفروسية وتفريح نَفسه بالغلب وَالْكَسْب لَا سِيمَا إِذا كَانَ مَعَ ذَلِك من يحب تَعْلِيمه كولده وخادمه وَنَحْوهمَا وَهَذَا الْبَاذِل قد يقْصد فِي سبقه وَعلمه ليظْهر الآخر عَلَيْهِ ويفرح نَفسه بذلك وَيكون قَصده أَن يغلبه وَيُعْطِي مَا بذل لَهُ
وَهَذَا قد يَقع وَلكنه لَيْسَ بالغالب بل الغلب خِلَافه وَهُوَ مسابقة النظراء بَعضهم لبَعض وَالْأول مسابقة الْمعلم للمتعلم
والمقصور أَن هَذَا (لَيْسَ) هُوَ الْجعَالَة الْمَعْرُوفَة مَعَ أَن النَّاس متنازعون فِي الْجعَالَة فَإِنَّهُ أبطلها طَائِفَة من أهل الْعلم وأدخلوها فِي قسم الْغرَر والقمار وَقَالُوا الْعَمَل فِيهَا غير مَعْلُوم فَإِنَّهُ إِذا قَالَ من رد عَبدِي
стр. 241
فَلهُ كَذَا وَمن شفى مريضي فَلهُ كَذَا لم يعرف مِقْدَار الْعَمَل وَلَا زَمَنه وَهَذَا قَول بعض الظَّاهِرِيَّة وَلَكِن الْأَكْثَرُونَ على خلاف قَوْلهم وَهُوَ الصَّوَاب قطعا
وَلَكِن هِيَ عقد جَائِز إِذْ الْعَمَل فِيهَا غير مَعْلُوم بِخِلَاف الْإِجَارَة اللَّازِمَة وَلِهَذَا يجوز أَن يَجْعَل للطبيب جعلا على الشِّفَاء كَمَا جعل (أهل) الْحَيّ لأَصْحَاب النَّبِي ﷺ جعلا على الشِّفَاء بالرقية لسَيِّد الْحَيّ الدّين استضافوهم (فَأَبَوا) وَلَا يجوز أَن يسْتَأْجر الطَّبِيب على الشِّفَاء لِأَنَّهُ عير مَقْدُور لَهُ وَالْعَمَل غير مضبوط لَهُ
فباب الْجعَالَة أوسع من بَاب الْإِجَارَة وَعقد الْمُسَابقَة لَيْسَ بِوَاحِد من الْبَابَيْنِ بل هُوَ عقد مُسْتَقل بِنَفسِهِ لَهُ أَحْكَام يخْتَص بهَا وَمن أدخلهُ فِي أحد الْبَابَيْنِ تنَاقض كَمَا تقدم
فصل
فِي تَحْرِير الْمذَاهب فِي كَيْفيَّة بذل السَّبق وَمَا يحل مِنْهُ وَمَا يحرم وللمسألة ثَلَاث صور أَحدهَا أَن يكون الْبَاذِل غَيرهمَا إِمَّا الإِمَام أَو أحد الرّعية
стр. 242
الثَّانِيَة أَن نَكُون الْبَاذِل أَحدهمَا وَحده الثَّالِثَة أَن يكون الْبَذْل مِنْهُمَا مَعًا فمنعت طَائِفَة بذل السَّبق من المتسابقين أَو من أَحدهمَا وَقَالَت لَا يكون إِلَّا من الإِمَام أَو رجل غَيره وَهَذَا قَول الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَحجَّة هَذَا القَوْل أَنه مَتى كَانَ الْبَاذِل أَحدهمَا فَإِنَّهُ لَا تطيب نَفسه بِأَن يغلب وَيُؤْخَذ مَاله فَإِذا غلب أكل السَّابِق مَاله بِغَيْر طيب نَفسه وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ (لَا يحل مَال امْرِئ مُسلم إِلَّا عَن طيب نفس مِنْهُ) وَهَذَا بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ الْبَاذِل الإِمَام أَو أَجْنَبِيّا عَنْهُمَا فَإِنَّهُ تطيب نَفسه ببذل المَال لمن يسْبق فَلَا يكون مَاله مَأْكُولا بِغَيْر طيب نفس وَلَا يلْزم من هَذَا القَوْل الْمَنْع إِذا كَانَ الْبَذْل من كل وَاحِد مِنْهُمَا وَأَنه يكون أولى بِالْمَنْعِ فَإِنَّهُ لم يخْتَص أحدهم ببذل مَاله لمن يغلبه بل كل مِنْهُمَا باذل مبذول لَهُ فهما سَوَاء فِي الْبَذْل وَالْعَمَل ويسعد الله بسبقه من شَاءَ من خلقه وكل مِنْهُمَا خَاص لنَفسِهِ راج لإحراز مَاله والفوز بِمَال
стр. 243
صَاحبه فَلم يتَمَيَّز أَحدهمَا عَن الآخر وَأما إِذا كَانَ الْبَاذِل أَحدهمَا فَإِن سبق رَجَعَ إِلَيْهِ مَاله وَلم يَأْخُذ من الآخر شَيْئا وَإِن كَانَ مَسْبُوقا غرم مَاله وَالْآخر إِن سبق غنم وَإِن سبق لم يغرم والعقود مبناها على الْعدْل من الْجَانِبَيْنِ وَبِهَذَا يتَبَيَّن أَن العقد الْمُشْتَمل على الْإِخْرَاج مِنْهُمَا مَعًا أحل من العقد الَّذِي انْفَرد أَحدهمَا فِيهِ بِالْإِخْرَاجِ وَأجِيب صَاحب هَذَا القَوْل بِأَن النَّبِي ﷺ أطلق جَوَاز السَّبق فِي هَذِه الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة وَلم يَخُصُّهُ بباذل خَارج عَنْهُمَا فَهُوَ يتَنَاوَل حل السَّبق من كل باذل قَالُوا وَأما قَوْلكُم إِنَّه لَا تطيب نَفسه بِأَكْل مَاله فَإِنَّهُ لما الْتزم بذله عَن كَونه مَغْلُوبًا حل للْغَالِب أكله بِحكم الْتِزَامه الِاخْتِيَارِيّ الَّذِي لم يجْبرهُ أحد عَلَيْهِ فَهُوَ كَمَا لَو نذر إِن سلم الله غائبه أَن يتَصَدَّق على فلَان بِكَذَا وَكَذَا فَوجدَ الشَّرْط فَإِنَّهُ يلْزمه إِخْرَاج مَا الْتَزمهُ وَيحل للْآخر أكله وَإِن كَانَ عَن غير طيب نَفسه قَالُوا وَالَّذِي حرمه الشَّارِع من أكل مَال الْمُسلم بِغَيْر طيب (نفس) مِنْهُ هُوَ أَن يكون مكْرها على إِخْرَاج مَاله فَأَما إِذا كَانَ بذله والتزامه بِاخْتِيَارِهِ لم يدْخل فِي الحَدِيث
فصل
(بذل السَّبق من أحد المتسابقين) وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى يجوز أَن يبْذل السَّبق أحدهم فَيَقُول إِن
стр. 244
سبقتني فلك كَذَا وَيكرهُ أَن يَقُول إِن سبقتك فَعَلَيْك كَذَا فَيجوز أَن يكون باذلا وَيكرهُ أَن كَون طَالبا متقاضيا وَهَذَا مَذْهَب إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَعِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس وَجَمَاعَة من أَصْحَاب عبد الله بن مَسْعُود قَالَ إِبْرَاهِيم بن يَعْقُوب السَّعْدِيّ فِي كِتَابه (المترجم) حَدثنَا أَبُو صَالح أخبرنَا أَبُو إِسْحَاق عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم قَالَ (كَانَ عَلْقَمَة لَهُ برذون يراهن عَلَيْهِ فَقلت لإِبْرَاهِيم كَيفَ كَانُوا يصنعون قَالَ أَن الرجل يَقُول لَو سبقتني فلك كَذَا وَكَذَا وَلَا يَقُول إِن سبقتك فلي كَذَا وَكَذَا وَإِن سبقتني فلك كَذَا وَكَذَا) وَقَالَ ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب السَّبق لَهُ أخبرنَا حَمْزَة بن الْعَبَّاس أخبرنَا عَليّ بن سُفْيَان أَن عبد الله بن الْمُبَارك عَن الْأَعْمَش عَن إِبْرَاهِيم قَالَ (لم يَكُونُوا يرَوْنَ بَأْسا أَن يَقُول إِن سبقتني فلك كَذَا وَكَذَا ويكرهون أَن يَقُول إِن سبقتك فَعَلَيْك كَذَا وَكَذَا)
فصل
(القَوْل بِأَن الْجعل فِي السَّبق من بَاب مَكَارِم الْأَخْلَاق لَا من بَاب الْحُقُوق ورده) (و) قَالَت طَائِفَة أُخْرَى بذل السَّبق من مَكَارِم الْأَخْلَاق فَلَا يقْضِي
стр. 245
عَلَيْهِ بِهِ القَاضِي إِذا غلب وَلَا يجْبرهُ عَلَيْهِ كَمَا يقْضِي عَلَيْهِ بِمَا يلْزمه من الْحُقُوق وَالْأَمْوَال وَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَة الْعدة إِن (شَاءَ) وفى بهَا وَإِلَّا لم يجْبر على الْوَفَاء قَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ (إِذا قَالَ إِن سبقتك فلي كَذَا وَكَذَا فَإِن القَاضِي لَا يجْبرهُ على أَن يُعْطِيهِ) وَقَالَ عبد الله بن الْمُبَارك أخبرنَا يُونُس عَن الزُّهْرِيّ عَن سباق الرَّمْي مَا يحل مِنْهُ قَالَ مَا كَانَ عَن طبي نفس لَا يتقاضاه صَاحبه وَهَذَا الْمَذْهَب فِيهِ أَمْرَانِ أَحدهمَا أَن أربابه كَرهُوا أَن يكون الرجل باذلا متقاضيا كأصحاب الْمَذْهَب الَّذِي قبله الثَّانِي أَنهم جعلُوا الْجعل فِيهِ من بَاب مَكَارِم الْأَخْلَاق لَا بِمن بَاب الْحُقُوق الَّتِي (يجب) إيفاؤها كالوعد عِنْد من لم يُوجب الْوَفَاء بِهِ وَأَصْحَاب الْمَذْهَب الَّذِي قبله كَرهُوا أَن يكون أَن يكون الرجل باذلا متقاضيا لِأَنَّهُ إِذا كَانَ باذلا كَانَ كمن بذل مَاله لما فِيهِ مَنْفَعَة للْمُسلمين وَهُوَ مُلْحق بالجعالة الَّتِي يعم نَفعهَا وَإِذا كَانَ متقاضيا طَالبا كرهوه لِأَنَّهُ كلب أكل مَال غَيره على وَجه يعود نَفعه إِلَى باذل المَال. وَهَذَا بِخِلَاف الآخر إِذا بذل لَهُ الْمخْرج من غير طلب مِنْهُ جَازَ لَهُ أَخذه إِذْ لَا يلْزم لايلزم من كَرَاهَة أكله على وَجه الطّلب (مَا يلْزم من) كَرَاهَة
стр. 246
بذله وَلَا كَرَاهَة أكله إِذا جَاءَ من غير طلب وَمن أَرْبَاب هَذَا الْمَذْهَب من صرح بِأَنَّهُ إِنَّمَا يجوز أكل السَّبق إِذا لم يُؤْخَذ بِهِ رهن وَلَا يلْزم بِهِ باذله وَإِنَّمَا يكون تَبَرعا مَحْضا قَالَ ابْن وهب أَخْبرنِي يحيى بن أَيُّوب عَن يحيى بن سعيد أَنه قَالَ إِذا سبق الرجل فِي الرَّمْي فَلَا بَأْس مَا لم يكن جَزَاء وَاحِدَة بِوَاحِدَة أَو يُؤْخَذ بِهِ رهن أَو يلْزم بِهِ صَاحبه قَالَ ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كِتَابه حَدثنِي يَعْقُوب بن عبيد ثَنَا مُحَمَّد بن سَلمَة أنبأ أَن وهب (فَذكره) فَهَذَا القَوْل يَقْتَضِي أَنه لم يَجْعَل الْعِوَض فِيهِ لَازِما قطّ وَقد اشْترط فِيهِ أَن لَا يكون جَزَاء وَاحِدَة بِوَاحِدَة وَهَذَا يشبه أَن يكون المُرَاد بِهِ التسبيق من الْجَانِبَيْنِ وَهَذَا من أضيق الْمذَاهب وَهُوَ مَذْهَب أبي جَعْفَر مُحَمَّد بن جرير فَإِنَّهُ قَالَ فِي كِتَابه (تَهْذِيب الْآثَار) (وَإِذا امْتنع الْمَسْبُوق من أَدَاء السَّبق إِلَى السَّابِق أَو الْفَاضِل فَإِنَّهُ لَا يجْبر على أَدَاء ذَلِك إِلَيْهِ لِأَنَّهُ لم يسْتَحقّهُ عوضا على معتاض عَنهُ وَلَا ألزمهُ الله بِهِ وَإِنَّمَا هُوَ عدَّة فَحسب وَمن جميل الْأَخْلَاق الْوَفَاء بِهِ فَإِن شح بِالْوَفَاءِ بِهِ لم يقْض عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا خلاف بَين الْجَمِيع أَن رجلا لَو وعد رجلا هبة شَيْء من مَاله مَعْلُوم ثمَّ لم يَفِ لَهُ بِشَيْء أَنه لَا يقْضى عَلَيْهِ بِهِ ثمَّ أورد على نَفسه سؤالا فَقَالَ (فَإِن قيل كَيفَ خص النَّبِي ﷺ بِإِجَازَة السَّبق فِيمَا أجَاز ذَلِك فِيهِ إِن
стр. 247
كَانَ مَا يخرج مِنْهُ على غير وجوب وَحقّ يلْزم فِي مَال الْمخْرج والهبات جَائِزَة على السَّبق وَغَيره وأجب عَنهُ بِأَن قَالَ خُصُوص جَوَاز السَّبق فِيمَا خص ذَلِك مِنْهُ لم يكن لإلزامه للسبق وَإِنَّمَا ذَلِك لكَونه على وَجه اللَّهْو دون سَائِر الملاهي (غَيره) لَا على أَن مَا وعد بِهِ المسبق الْوَفَاء بِهِ فمأخوذ بِهِ على كل حَال وَحجَّة هَذَا القَوْل أَن بذل المَال فِي الْمُسَابقَة تبرع كالوعد وَلَا يلْزم الْوَفَاء بِهِ بل يسْتَحبّ فَإِن الْبَاذِل لم يبْذل مُعَاوضَة فَإِنَّهُ لم يرجع ليه عوض مَا بذله لَهُ من المَال وَإِنَّمَا هُوَ عَطِيَّة وتبرع لمن يسْبق فَهُوَ كَمَا لَو وعد من يسْبق إِلَى حفظ سُورَة أَو بَاب من الْفِقْه بِشَيْء من المَال قَالُوا والتبرعات ينْدب إِلَى الْوَفَاء بهَا وَلَا يقْضى عَلَيْهِ بِهِ وَإِذا أورد على هَؤُلَاءِ تَخْصِيص النَّبِي ﷺ الثَّلَاثَة الْمَذْكُورَة بِالسَّبقِ دون غَيره كَانَ جوابهم أَن التَّخْصِيص بِالثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَة بِكَوْنِهَا من الْحق فالسبق فِيهَا إِعَانَة على الْحق كإعانة الْحَاج والصائم والغازي على حجه وصومه وغزوه فبذل المَال فِيهَا بذل على حق وَطَاعَة بِخِلَاف غَيرهَا وعَلى قَول هَؤُلَاءِ فَلَا حَاجَة إِلَى مُحَلل أصلا لِأَن باذل المَال يبذله لمن كَانَ أقوى على طَاعَة الله فَأَيّهمَا غلب أَخذه كَمَا يذكر عَن الشَّافِعِي أَنه كَانَ يسْأَل بعض أَهله عَن الْمَسْأَلَة وَيَقُول من أجَاب فِيهَا أَعْطيته درهما وَهَذَا كَقَوْل الإِمَام من قتل قَتِيلا فَلهُ سلبه وَمن جَاءَ
стр. 248
بِرَأْس من رُؤُوس الْمُشْركين فَلهُ كَذَا وَكَذَا مَا يَجْعَل فِيهِ الْجعل لمن فضل غَيره فِي عمل بر ليَكُون ذَلِك مرغبا للنفوس فِيمَا يستعان بِهِ على طَاعَة الله ومرضاته وَلِهَذَا اسْتَثْنَاهُ النَّبِي ﷺ من اللَّهْو الْبَاطِل فَهَذَا تَحْرِير هَذَا الْمَذْهَب (وَتَقْرِيره)
فصل
(بذل الْجعل من الإِمَام أَو أَجْنَبِي) وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى يجوز بذل الْجعل من الإِمَام أَو أَجْنَبِي وَأما إِن كَانَ الْبَاذِل أَحدهمَا جَازَ بِشَرْط أَن لَا يعود السَّبق إِلَى الْمخْرج بل إِن كَانَ مَعَهُمَا غَيرهمَا كَانَ لمن يَلِيهِ وَإِن كَانَا اثْنَيْنِ فَقَط كَانَ لمن حضر وسر هَذَا القَوْل أَن مخرج السَّبق لَا يعود إِلَه سبقه بِحَال وَهَذَا إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن مَالك وَقَالَ أَبُو بكر الطرطوشي وَهُوَ قَوْله الْمَشْهُور وَقَالَ أَبُو عمر بن عبد الْبر اتّفق ربيعَة وَمَالك وَالْأَوْزَاعِيّ على أَن الْأَشْيَاء المستبق بهَا لَا ترجع إِلَى المسبق بهَا على كل حَال يُرِيد أَن السَّبق لَا يرجع عِنْد هَؤُلَاءِ إِلَى مخرجه بِحَال وَقَالَ وَخَالفهُم الشَّافِعِي وَأَبُو حنيفَة وَالثَّوْري وَغَيرهم
стр. 249
وعَلى هَذَا القَوْل فَإِذا سبق الْمخْرج كَانَ سبقه طعمة لمن حضر سَوَاء شَرط ذَلِك أم لَا
وَعَن مَالك رِوَايَة ثَانِيَة رَوَاهَا ابْن وهب عَنهُ أَنه إِذا اشْترط السَّبق لمن سبق جَازَ سَوَاء كَانَ مخرجا أَو لم يكن
وعَلى هَذِه الرِّوَايَة لَا يكون طعمة لمن حضر وَإِنَّمَا يكون للسابق (فَإِن) شَرط (على) هَذِه الرِّوَايَة أَن يكون السَّبق طعمة للحاضرين فال الطرطوشي
(لم يجز فِي قَول مُعظم الْعلمَاء) قَالَ (وَهَكَذَا يَجِيء على قَول مَالك فَإِن أخرجَا مَعًا وَلم يكون مَعَهُمَا غَيرهم لم يجز قولا وَاحِدًا فِي مذْهبه وَإِن كَانَ مَعَهُمَا مُحَلل فَعَنْهُ فِي ذَلِك رِوَايَتَانِ أحداهما الْمَنْع كَمَا لَو لم يكن مُحَلل وَهِي الْمَشْهُورَة عَنهُ قَالَ ابْن عبد الْبر قَالَ مَالك لَا نَأْخُذ بقول سعيد بن الْمسيب فِي الْمُحَلّل وَلَا يجب الْمُحَلّل فِي الْخَيل قَالَ ابْن شاش وَهَذِه الْمَشْهُورَة عَنهُ (و) الرِّوَايَة الثَّانِيَة أَنه يجوز بالمحلل كَقَوْل سعيد بن الْمسيب قَالَ أَبُو عمر (و) هُوَ الأجود من قوليه وَقَول ابْن الْمسيب وَجُمْهُور أهل الْعلم وَاخْتَارَهُ ابْن الْمَوَّاز وَغَيره
стр. 250
فصل
(حجَّة القَوْل السَّابِق) وَحجَّة هَذَا القَوْل أَنه لَا يعود إِلَى الْمخْرج سبقه بِحَال أَنه مَتى عَاد إِلَيْهِ إِذا كَانَ غَالِبا لم يكن جعَالَة لِأَن الْإِنْسَان لَا يبْذل الْجعل من مَاله لنَفسِهِ (على) عمل يعمله فَإِذا كَانَ سَابِقًا فَلَو أحرز سبق نَفسه لَكَانَ قد بذل من مَال نَفسه جعلا على عمل يعمله هُوَ وَهَذَا غير جَائِز فَإِنَّهُ لَا يحصل لَهُ بذلك فَائِدَة
قَالُوا وَأَيْضًا فَفِيهِ شبه الْقمَار لِأَنَّهُ إِمَّا أَن يغرم وَإِمَّا أَن يسلم وَهَذَا شَأْن الْقمَار بِخِلَاف الْجَاعِل إِذا كَانَ أَجْنَبِيّا فَإِنَّهُ غَارِم لَا محَالة
قَالُوا فالجاعل هُنَا يلْزمه بذل المَال الَّذِي جعله للسابق لِأَنَّهُ بذله على عمل وَقد وجد كَمَا يلْزم ذَلِك فِي نَظَائِره قَالُوا وَهَذَا على أصُول أهل الْمَدِينَة ألزم فَإِنَّهُ يلْزمه الْوَفَاء بالوعد إِذا تضمن تَقْرِير كمن قَالَ لغيره تزوج وَأَنا أنقد عَنْك الْمهْر واستدن وكل وَأَنا أوفي عَنْك وَنَحْو هَذَا وَهُوَ بِلَا خلاف عِنْدهم وَبِخِلَاف عندنَا
وَأما إِذا لم يتَضَمَّن تقريرا فَفِيهِ خلاف بَين الْأَصْحَاب وَأَصْحَاب هَذَا القَوْل يَقُولُونَ مَتى كَانَ الْجَاعِل يغرم مُطلقًا فَهُوَ جَاعل وَمَتى كَانَ دائرا بَين أَمريْن كَانَ مقامرا سَوَاء دَار بَين أَن يغنم وَيغرم أَو بَين أَن يغرم وَيسلم أَو بَين أَن يغنم وَيسلم لِأَن المقامرة هِيَ المخاطرة عِنْدهم وَقد تقدم (مَا) فِي هَذِه الْحجَّة عِنْد ذكر الْوُجُوه الدَّالَّة على إبِْطَال الْمُحَلّل
следующие страницы →