Полный текст (422 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
بذله وَلَا كَرَاهَة أكله إِذا جَاءَ من غير طلب وَمن أَرْبَاب هَذَا الْمَذْهَب من صرح بِأَنَّهُ إِنَّمَا يجوز أكل السَّبق إِذا لم يُؤْخَذ بِهِ رهن وَلَا يلْزم بِهِ باذله وَإِنَّمَا يكون تَبَرعا مَحْضا قَالَ ابْن وهب أَخْبرنِي يحيى بن أَيُّوب عَن يحيى بن سعيد أَنه قَالَ إِذا سبق الرجل فِي الرَّمْي فَلَا بَأْس مَا لم يكن جَزَاء وَاحِدَة بِوَاحِدَة أَو يُؤْخَذ بِهِ رهن أَو يلْزم بِهِ صَاحبه قَالَ ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كِتَابه حَدثنِي يَعْقُوب بن عبيد ثَنَا مُحَمَّد بن سَلمَة أنبأ أَن وهب (فَذكره) فَهَذَا القَوْل يَقْتَضِي أَنه لم يَجْعَل الْعِوَض فِيهِ لَازِما قطّ وَقد اشْترط فِيهِ أَن لَا يكون جَزَاء وَاحِدَة بِوَاحِدَة وَهَذَا يشبه أَن يكون المُرَاد بِهِ التسبيق من الْجَانِبَيْنِ وَهَذَا من أضيق الْمذَاهب وَهُوَ مَذْهَب أبي جَعْفَر مُحَمَّد بن جرير فَإِنَّهُ قَالَ فِي كِتَابه (تَهْذِيب الْآثَار) (وَإِذا امْتنع الْمَسْبُوق من أَدَاء السَّبق إِلَى السَّابِق أَو الْفَاضِل فَإِنَّهُ لَا يجْبر على أَدَاء ذَلِك إِلَيْهِ لِأَنَّهُ لم يسْتَحقّهُ عوضا على معتاض عَنهُ وَلَا ألزمهُ الله بِهِ وَإِنَّمَا هُوَ عدَّة فَحسب وَمن جميل الْأَخْلَاق الْوَفَاء بِهِ فَإِن شح بِالْوَفَاءِ بِهِ لم يقْض عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا خلاف بَين الْجَمِيع أَن رجلا لَو وعد رجلا هبة شَيْء من مَاله مَعْلُوم ثمَّ لم يَفِ لَهُ بِشَيْء أَنه لَا يقْضى عَلَيْهِ بِهِ ثمَّ أورد على نَفسه سؤالا فَقَالَ (فَإِن قيل كَيفَ خص النَّبِي ﷺ بِإِجَازَة السَّبق فِيمَا أجَاز ذَلِك فِيهِ إِن
стр. 247
كَانَ مَا يخرج مِنْهُ على غير وجوب وَحقّ يلْزم فِي مَال الْمخْرج والهبات جَائِزَة على السَّبق وَغَيره وأجب عَنهُ بِأَن قَالَ خُصُوص جَوَاز السَّبق فِيمَا خص ذَلِك مِنْهُ لم يكن لإلزامه للسبق وَإِنَّمَا ذَلِك لكَونه على وَجه اللَّهْو دون سَائِر الملاهي (غَيره) لَا على أَن مَا وعد بِهِ المسبق الْوَفَاء بِهِ فمأخوذ بِهِ على كل حَال وَحجَّة هَذَا القَوْل أَن بذل المَال فِي الْمُسَابقَة تبرع كالوعد وَلَا يلْزم الْوَفَاء بِهِ بل يسْتَحبّ فَإِن الْبَاذِل لم يبْذل مُعَاوضَة فَإِنَّهُ لم يرجع ليه عوض مَا بذله لَهُ من المَال وَإِنَّمَا هُوَ عَطِيَّة وتبرع لمن يسْبق فَهُوَ كَمَا لَو وعد من يسْبق إِلَى حفظ سُورَة أَو بَاب من الْفِقْه بِشَيْء من المَال قَالُوا والتبرعات ينْدب إِلَى الْوَفَاء بهَا وَلَا يقْضى عَلَيْهِ بِهِ وَإِذا أورد على هَؤُلَاءِ تَخْصِيص النَّبِي ﷺ الثَّلَاثَة الْمَذْكُورَة بِالسَّبقِ دون غَيره كَانَ جوابهم أَن التَّخْصِيص بِالثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَة بِكَوْنِهَا من الْحق فالسبق فِيهَا إِعَانَة على الْحق كإعانة الْحَاج والصائم والغازي على حجه وصومه وغزوه فبذل المَال فِيهَا بذل على حق وَطَاعَة بِخِلَاف غَيرهَا وعَلى قَول هَؤُلَاءِ فَلَا حَاجَة إِلَى مُحَلل أصلا لِأَن باذل المَال يبذله لمن كَانَ أقوى على طَاعَة الله فَأَيّهمَا غلب أَخذه كَمَا يذكر عَن الشَّافِعِي أَنه كَانَ يسْأَل بعض أَهله عَن الْمَسْأَلَة وَيَقُول من أجَاب فِيهَا أَعْطيته درهما وَهَذَا كَقَوْل الإِمَام من قتل قَتِيلا فَلهُ سلبه وَمن جَاءَ
стр. 248
بِرَأْس من رُؤُوس الْمُشْركين فَلهُ كَذَا وَكَذَا مَا يَجْعَل فِيهِ الْجعل لمن فضل غَيره فِي عمل بر ليَكُون ذَلِك مرغبا للنفوس فِيمَا يستعان بِهِ على طَاعَة الله ومرضاته وَلِهَذَا اسْتَثْنَاهُ النَّبِي ﷺ من اللَّهْو الْبَاطِل فَهَذَا تَحْرِير هَذَا الْمَذْهَب (وَتَقْرِيره)
فصل
(بذل الْجعل من الإِمَام أَو أَجْنَبِي) وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى يجوز بذل الْجعل من الإِمَام أَو أَجْنَبِي وَأما إِن كَانَ الْبَاذِل أَحدهمَا جَازَ بِشَرْط أَن لَا يعود السَّبق إِلَى الْمخْرج بل إِن كَانَ مَعَهُمَا غَيرهمَا كَانَ لمن يَلِيهِ وَإِن كَانَا اثْنَيْنِ فَقَط كَانَ لمن حضر وسر هَذَا القَوْل أَن مخرج السَّبق لَا يعود إِلَه سبقه بِحَال وَهَذَا إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن مَالك وَقَالَ أَبُو بكر الطرطوشي وَهُوَ قَوْله الْمَشْهُور وَقَالَ أَبُو عمر بن عبد الْبر اتّفق ربيعَة وَمَالك وَالْأَوْزَاعِيّ على أَن الْأَشْيَاء المستبق بهَا لَا ترجع إِلَى المسبق بهَا على كل حَال يُرِيد أَن السَّبق لَا يرجع عِنْد هَؤُلَاءِ إِلَى مخرجه بِحَال وَقَالَ وَخَالفهُم الشَّافِعِي وَأَبُو حنيفَة وَالثَّوْري وَغَيرهم
стр. 249
وعَلى هَذَا القَوْل فَإِذا سبق الْمخْرج كَانَ سبقه طعمة لمن حضر سَوَاء شَرط ذَلِك أم لَا
وَعَن مَالك رِوَايَة ثَانِيَة رَوَاهَا ابْن وهب عَنهُ أَنه إِذا اشْترط السَّبق لمن سبق جَازَ سَوَاء كَانَ مخرجا أَو لم يكن
وعَلى هَذِه الرِّوَايَة لَا يكون طعمة لمن حضر وَإِنَّمَا يكون للسابق (فَإِن) شَرط (على) هَذِه الرِّوَايَة أَن يكون السَّبق طعمة للحاضرين فال الطرطوشي
(لم يجز فِي قَول مُعظم الْعلمَاء) قَالَ (وَهَكَذَا يَجِيء على قَول مَالك فَإِن أخرجَا مَعًا وَلم يكون مَعَهُمَا غَيرهم لم يجز قولا وَاحِدًا فِي مذْهبه وَإِن كَانَ مَعَهُمَا مُحَلل فَعَنْهُ فِي ذَلِك رِوَايَتَانِ أحداهما الْمَنْع كَمَا لَو لم يكن مُحَلل وَهِي الْمَشْهُورَة عَنهُ قَالَ ابْن عبد الْبر قَالَ مَالك لَا نَأْخُذ بقول سعيد بن الْمسيب فِي الْمُحَلّل وَلَا يجب الْمُحَلّل فِي الْخَيل قَالَ ابْن شاش وَهَذِه الْمَشْهُورَة عَنهُ (و) الرِّوَايَة الثَّانِيَة أَنه يجوز بالمحلل كَقَوْل سعيد بن الْمسيب قَالَ أَبُو عمر (و) هُوَ الأجود من قوليه وَقَول ابْن الْمسيب وَجُمْهُور أهل الْعلم وَاخْتَارَهُ ابْن الْمَوَّاز وَغَيره
стр. 250
فصل
(حجَّة القَوْل السَّابِق) وَحجَّة هَذَا القَوْل أَنه لَا يعود إِلَى الْمخْرج سبقه بِحَال أَنه مَتى عَاد إِلَيْهِ إِذا كَانَ غَالِبا لم يكن جعَالَة لِأَن الْإِنْسَان لَا يبْذل الْجعل من مَاله لنَفسِهِ (على) عمل يعمله فَإِذا كَانَ سَابِقًا فَلَو أحرز سبق نَفسه لَكَانَ قد بذل من مَال نَفسه جعلا على عمل يعمله هُوَ وَهَذَا غير جَائِز فَإِنَّهُ لَا يحصل لَهُ بذلك فَائِدَة
قَالُوا وَأَيْضًا فَفِيهِ شبه الْقمَار لِأَنَّهُ إِمَّا أَن يغرم وَإِمَّا أَن يسلم وَهَذَا شَأْن الْقمَار بِخِلَاف الْجَاعِل إِذا كَانَ أَجْنَبِيّا فَإِنَّهُ غَارِم لَا محَالة
قَالُوا فالجاعل هُنَا يلْزمه بذل المَال الَّذِي جعله للسابق لِأَنَّهُ بذله على عمل وَقد وجد كَمَا يلْزم ذَلِك فِي نَظَائِره قَالُوا وَهَذَا على أصُول أهل الْمَدِينَة ألزم فَإِنَّهُ يلْزمه الْوَفَاء بالوعد إِذا تضمن تَقْرِير كمن قَالَ لغيره تزوج وَأَنا أنقد عَنْك الْمهْر واستدن وكل وَأَنا أوفي عَنْك وَنَحْو هَذَا وَهُوَ بِلَا خلاف عِنْدهم وَبِخِلَاف عندنَا
وَأما إِذا لم يتَضَمَّن تقريرا فَفِيهِ خلاف بَين الْأَصْحَاب وَأَصْحَاب هَذَا القَوْل يَقُولُونَ مَتى كَانَ الْجَاعِل يغرم مُطلقًا فَهُوَ جَاعل وَمَتى كَانَ دائرا بَين أَمريْن كَانَ مقامرا سَوَاء دَار بَين أَن يغنم وَيغرم أَو بَين أَن يغرم وَيسلم أَو بَين أَن يغنم وَيسلم لِأَن المقامرة هِيَ المخاطرة عِنْدهم وَقد تقدم (مَا) فِي هَذِه الْحجَّة عِنْد ذكر الْوُجُوه الدَّالَّة على إبِْطَال الْمُحَلّل
стр. 251
فصل
(يجوز أَن يكون السَّبق من أحد المتسابقين أَو من كليهمَا أَو من ثَالِث)
وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى يجوز أَن يكون السَّبق من احدهما وَمن كليهمَا وَمن ثَالِث وَيقْضى بِهِ إِذا امْتنع الْمَسْبُوق من بذله لَكِن إِن كَانَ مِنْهُمَا لم يجز إِلَّا بِمحل لَا يخرج شَيْئا
وَهَذَا مَذْهَب أَحْمد وَأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَإِسْحَاق وَالْأَوْزَاعِيّ وَسَعِيد بن الْمسيب وَالزهْرِيّ وَابْن الْمَوَّاز من الْمَالِكِيَّة ودخوله ليحلل السَّبق لَهما وعَلى هَذَا إِذا اشْترك هُوَ وَأَحَدهمَا فِي سبق الآخر كَانَ بَينهمَا وَإِن انْفَرد بسبقهما أحرز السبقين وَأَن سبقاه لم يأخذا مِنْهُ شَيْئا وَإِن جاؤوا مَعًا أحرز كل وَاحِد سبقه وَلَا شَيْء لمحلل
стр. 252
وَقد تقدّمت حجَّة هَؤُلَاءِ وَالْكَلَام عَلَيْهَا
فصل
فَسَاد القَوْل بِأَن الْمُحَلّل دخل ليحل السَّبق لنَفسِهِ لَا للمتسابقين
وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى مثل هَذَا إِلَّا أَنهم قَالُوا إِنَّمَا دخل الْمُحَلّل ليحل السَّبق لنَفسِهِ لَا لَهما
وَهَذَا قَول مَالك على قَوْله بالمحلل فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَاخْتِيَار أبي عَليّ بن خيران من الشَّافِعِيَّة وَحَكَاهُ أَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ قولا للشَّافِعِيّ
وعَلى قَول هَؤُلَاءِ إِذا سبق أَحدهمَا ثمَّ جَاءَ الآخر بعده ثمَّ الْمُحَلّل أحرز السَّابِق سبق نَفسه خَاصَّة دون سبق الآخر فَإِنَّهُ لَا يحرزه فَإِن الْمُحَلّل لم يدْخل لأَجله هُوَ وَإِنَّمَا دخل ليحل السَّبق لنَفسِهِ وَلَا يحرزه الْمُحَلّل أَيْضا لِأَنَّهُ لم يسْبق فَيبقى على ملك صَاحبه
وَهَذَا فَاسد فَإِن صَاحبه مَسْبُوق فَكيف يسلم وَهُوَ مَسْبُوق وَأي فَائِدَة حصلت للسابق وَكَيف يُؤْخَذ مَاله إِن غلب وَلَا يَأْخُذ مَال صَاحبه إِن غَلبه
فَإِن سبق الْمُحَلّل وَأحد المخرجين للثَّالِث أحرز السَّابِق سبق نَفسه وَكَانَ سبق الآخر للمحلل وَحده عِنْد هَؤُلَاءِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا دخل ليحل السَّبق لنَفسِهِ إِذا جَاءَ سَابِقًا وَقد سبق الثَّالِث
стр. 253
وَهَذَا فَاسد ايضا فَإِن الأول قد سبق هَذَا الآخر ايضا واشترك هُوَ والمحلل فِي سبقه فَكيف ينْفَرد الْمُحَلّل بسبقه مَعَ اشتراكه هُوَ وَالْأول فِي سبقه وَمَعْلُوم أَن هَذَا لَيْسَ (من) مُوجب العقد وَالشّرط وَلَا مُوجب الشَّرْع ومقتضيات الْعُقُود تتلقى تَارَة من الشَّارِع وَتارَة من الْمُتَعَاقدين وَهَذَا لم يتلق لَا من الشَّارِع وَلَا من الْعَاقِد وَإِن سبق الْمُحَلّل ثمَّ جَاءَ أحد المخرجين بعده ثمَّ الثَّالِث بعدهمَا أحرز الْمُحَلّل السبقين على الْقَوْلَيْنِ وَهَذَا هوا الصَّحِيح (قَولَانِ لبَعض الشَّافِعِيَّة وكشف فسادهما) وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى من الشَّافِعِيَّة سبق الثَّالِث بَين الْمُحَلّل وَالثَّانِي نِصْفَيْنِ وَسبق الثَّانِي يخْتَص بِهِ الْمُحَلّل (دون) الثَّانِي لِأَن الْمُحَلّل وَالثَّانِي قد اشْتَركَا فِي سبق الثَّالِث فيشتركان فِي سبقه وَقد انْفَرد الْمُحَلّل فِي سبق الثَّانِي فَيخْتَص (ب) سبقه وَهَذَا وهم (أَيْضا) لِأَن الْمُحَلّل قد سبقهما وَالثَّانِي مَسْبُوق (ف) كَيفَ يُشَارك السَّابِق وَقَوْلهمْ قد اشْتَركَا هُوَ والمحلل فِي سبق الثَّالِث غير مُسلم فَإِن السَّبق الَّذِي حصل للْأولِ لم يشركهُ فِيهِ غَيره بل انْفَرد بِهِ وَسبق الثَّانِي ملغي بسبق الأول فَسبق الثَّانِي مُقَيّد الأول مُطلق فَهُوَ السَّابِق حَقِيقَة وَقَالَت طَائِفَة مِنْهُم بل يكون سبق الثَّالِث للثَّانِي وَحده
وَهَذَا أفسد من الأول وَكَأن قَائِل هَذَا القَوْل رأى أَن الثَّانِي لما كَانَ
стр. 254
سَابِقًا مَسْبُوقا اعْتبر الوصفين فِي حَقه فَأخْرج مِنْهُ السَّبق إِلَى الأول لكَونه مَسْبُوقا وَأَعْطَاهُ سبق الثَّالِث لكَونه سَابِقًا
لَكِن هَذَا غلط فَإِن الأول قد سبقهما سبقا مُطلقًا وَهُوَ لَو سبق الثَّالِث فَقَط لَا يسْتَحق سبقه فَكيف إِذا سبق سَابق الثَّالِث مَعَ سبقه لَهُم وَقَوْلهمْ إِنَّه سَابق مَسْبُوق فيراعي فِي حَقه الوصفان جَوَابه أَن يُقَال بل هُوَ مَسْبُوق وَكَونه سَابِقًا ملغى بسبق الأول لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَنْفَعهُ كَونه سَابِقًا إِذا لم يسْبقهُ غَيره
فصل
وَإِن سبق أَحدهمَا وَجَاء الْمُحَلّل والأخر مَعًا لم يكن للمحل شَيْء ويحرز السَّبق سبق نَفسه وَسبق الآخر على قَول الطَّائِفَة الأولى وعَلى قَول هَؤُلَاءِ يكون سبق الآخر (لَهُ) لَا يَأْخُذهُ الْمُحَلّل لِأَنَّهُ لم يسْبقهُ وَلَا الأول لِأَن دُخُول الْمُحَلّل إِنَّمَا كَانَ ليحل السَّبق لنَفسِهِ وعَلى هَذَا فَإِذا سبق أَحدهمَا وَجَاء الْمُحَلّل بعده وَتَأَخر الثَّالِث فعلى قَول الْأَوَّلين يحرز الأول السبقين لسبقه وعَلى قَول هَؤُلَاءِ يكون سبق الثَّالِث للمحلل لِأَنَّهُ دخل ليحل السَّبق لنَفسِهِ وَقد سبق الثَّالِث
فصل
(قَول فِي مَذْهَب أبي حنيفَة وَبَيَان مُخَالفَته لِلْأُصُولِ من وُجُوه) وَقَالَت طَائِفَة أُخْرَى إِذا أخرجَا مَعًا لم يجز إِلَّا بِمُحَلل إِلَّا أَن الْمُحَلّل إِن سبقهما لم يَأْخُذ مِنْهُمَا وَإِن سبقاه أعطاهما
стр. 255
وَهَذَا قَول فِي مَذْهَب أبي حنيفَة حَكَاهُ ابْن بلدجي فِي شرح مُخْتَار الْفَتْوَى فَقَالَ فِي مَسْأَلَة الْمُحَلّل وَقيل فِي الْمُحَلّل إِن سبقاه أعطاهما وَإِن سبقهما لم يَأْخُذ مِنْهُمَا قَالَ وَهُوَ جَائِز أَيْضا وَهَذَا لفظ الشَّارِع وَذكره ابْن الساعاتي فِي شرح مجمع الْبَحْرين لَهُ وَهَذِه الطَّرِيقَة بعيدَة جدا وَمُخَالفَة لِلْأُصُولِ من وُجُوه أَحدهَا أَن يغرم إِن كَانَ مَسْبُوقا وَلَا يغنم إِن كن سَابِقًا الثَّانِي أَنه يغرم مَا لم تلْزم غرامته وَلَو أخرج لم يكن محللا وَاحْتَاجَ العقد إِلَى مُحَلل آخر الثَّالِث أَن مبْنى هَذَا العقد إِذا أخرجَا مَعًا على الْعدْل وَالْعدْل إِن كَانَ وَاحِد من المتسابقين لَا يتَمَيَّز عَن الآخر بل إِن سبق أَخذ وَإِن سبق غرم فَإِذا كَانَ الْمُحَلّل لَا يغنم إِن سبق وَيغرم إِن سبق لم يكن هَذَا عدلا وَكَأن قَائِل هَذَا (القَوْل) يلحظ أَن الْمَقْصُود دُخُول مُحَلل يحل السَّبق لغيره لَا لنَفسِهِ كَمَا قَالَ الْجُمْهُور وَلَا يَأْخُذ شَيْء مِنْهُمَا لِأَنَّهُ لَو أَخذ إِن سبق لم يكن محللا بل يكون كأحدهما فَكَمَا يجوز أَن يَأْخُذ إِذا سبق يجوز ان يغرم إِذا سبق وَحِينَئِذٍ فَيُقَال فَيجوز أَن يخرج مَعَهُمَا وَيخرج عَن كَونه محللا وَإِلَّا فَكيف يغرم إِن سبق وَلَا يغنم إِن سبق
стр. 256
ولقائله أَن يَقُول كَمَا أَنكُمْ قُلْتُمْ إِن سبق أَخذ وَإِن سبق لم يغرم وَلم يكن هَذَا ظلما وجعلتم هَذَا خَاصَّة للمحلل ليتميز عَن المخرجين فَهُوَ إِمَّا أَن يغنم وَإِمَّا أَن يسلم مَعَ كَونه مَغْلُوبًا وَهُوَ بِخِلَاف أحد المخرجين فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ مَغْلُوبًا غرم فَبِمَ تنكرون على من يَقُول بِهِ بل خاصيته أَن يغرم إِن جَاءَ مَسْبُوقا وَلَا يغنم إِن جَاءَ سَابِقًا لِأَنَّهُ لَو غنم لخرج عَن أَن يكون محللا فَإِذا كَانَت خاصية الْمُحَلّل أَن لَا يكون دائرا بَين الْغنم وَالْغُرْم أصلا فَأَي فرق بَين أَن يكون دائرا بَين أَن يغنم وَيسلم أَو يغرم وَيسلم فَكَمَا صنتموه عَن الغرامة إِذا كَانَ مَسْبُوقا ليتميز عَنْهُمَا منعناه نَحن من الْمغنم إِذا كَانَ سَابِقًا لهَذَا الْمَعْنى بِعَيْنِه
فَهَذَا القَوْل عكس قَوْلكُم فِي الْمَعْنى وَمثله فِي المأخذ وكل مَا تلزمونا بِهِ إِذا كَانَ سَابِقًا وَلم يغنم نلزمكم بِهِ إِذا كَانَ مَسْبُوقا وَلم يغرم قَالُوا والْحَدِيث لَيْسَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي هَذَا القَوْل وَلَا قَوْلكُم وَلَا (مَا) يبطل وَاحِدًا من الْقَوْلَيْنِ فَلَا يُمكن أَن تُبْطِلُوا قَوْلنَا بِهِ وَلَكِن يبقي التَّرْجِيح فِي أَي الْقَوْلَيْنِ أقرب إِلَى خُرُوج العقد بِهِ عَن الْقمَار إِن كَانَ بالمحلل يخرج عَن الْقمَار وَأما حكم الْمُحَلّل فَلَا تعلق لَهُ بِالْحَدِيثِ غير أَنه يكون مكافئا لَهما فِي الرَّمْي وَالرُّكُوب وَلَا يَأْمَن إِن سبقاه فَحسب
فصل
قَالَ المنكرون للمحلل الدخيل تَأمل هَذِه الْأَقْوَال والطرق واختلافها فِي الْمُحَلّل ومصادمة بَعْضهَا بِبَعْض ومناقضة بَعْضهَا لبَعض
стр. 257
وَفَسَاد الْفُرُوع واللوازم يدل على فَسَاد الأَصْل والملزوم وكل مَا كَانَت من عِنْد غير الله فَلَا بُد أَن يَقع فِيهِ اخْتِلَاف كثير وَلَيْسَ وَاحِد من هَذِه الْأَقْوَال بِأولى بِالصِّحَّةِ من الآخر وَلَا دلّ الحَدِيث على تَقْدِير ثُبُوته على شَيْء مِنْهَا وَإِنَّمَا هِيَ آراء يصادم بَعْضهَا بَعْضًا وينقض بَعْضهَا بَعْضًا فَكل بِكُل معَارض ووكل بِكُل مُنَاقض قَالُوا وَقد قَالَ عَمْرو بن دِينَار قَالَ رجل عِنْد جَابر بن زيد إِن أَصْحَاب مُحَمَّد كَانُوا لَا يرَوْنَ بالدخيل بَأْسا فَقَالَ إِنَّهُم كَانُوا أعف من ذَلِك (و) انْظُر إِلَى فقه الصَّحَابَة وجلالتهم وَقَول جَابر إِنَّهُم كَانُوا أعف من أَن يحتاجوا إِلَى دخيل قَالَ السَّعْدِيّ فِي كتاب المترجم حَدثنَا أَبُو صَالح أخبرنَا أَبُو إِسْحَاق عَن ابْن عُيَيْنَة عَن عمْرَة (فَذكره) وَنحن نقُول كَمَا قَالَ جَابر بن زيد (وَإِنَّهُم كَانُوا أفقه من ذَلِك)
فصل
ثمَّ افترق منكرو التَّحْلِيل فرْقَتَيْن إِحْدَاهمَا منعت الْإِخْرَاج من الِاثْنَيْنِ (مُطلقًا وَهُوَ مَشْهُور مَذْهَب مَالك وَمن قَالَ بقوله وَفرْقَة جوزته بِغَيْر مُحَلل قَالَ شيخ الْإِسْلَام
стр. 258
وَهُوَ مُقْتَضى الْمَنْقُول عَن أبي عُبَيْدَة بن الْجراح
قَالَ وَمَا علمت فِي الصَّحَابَة من اشْترط الْمُحَلّل وَإِنَّمَا هُوَ مَعْرُوف عَن سعيد بن الْمسيب وَعنهُ تَلقاهُ النَّاس وَلِهَذَا قَالَ مَالك لَا نَأْخُذ بقول سعيد ين الْمسيب فِي الْمُحَلّل وَلَا يجب الْمُحَلّل وَالَّذِي مَشى هَذَا القَوْل هَيْبَة قَائِله وهيبة إِبَاحَة الْقمَار وظنوا أَن هَذَا مخرج للْعقد عَن كَونه قمارا فَاجْتمع عَظمَة سعيد عِنْد الْأمة وعظمة الْقمَار وقبحه وَلم يكن بُد من إِبَاحَة السَّبق كَمَا أَبَاحَهُ النَّبِي ﷺ وَلم يمْنَع نَص من الْإِخْرَاج مِنْهُمَا وَقد قَالَ عَالم الْإِسْلَام فِي وقته إِن العقد بِدُونِهِ قمار فَهَذَا الَّذِي مَشى هَذَا القَوْل وَالله أعلم
فصل
(مَنْهَج المُصَنّف فِي الْبَحْث والتأليف واعتماده على الْأَدِلَّة من الْكتاب وَالسّنة)
فَتَأمل أَيهَا الْمنصف هَذِه الْمذَاهب وَهَذِه المآخذ لتعلم ضعف بضَاعَة من قمش شَيْئا من الْعلم (من) غير طائل وارتوى من غير مورد وَأنكر غير القَوْل لذِي قَلّدهُ بِلَا علم وَأنكر على من ذهب إِلَيْهِ وَأفْتى بِهِ وانتصر لَهُ وَكَأن مذهبَة وَقَول من قَلّدهُ عيارا على الْأمة بل عيار على الْكتاب وَالسّنة فَهُوَ الْمُحكم ونصوصهما متشابهة فَمَا وَافق قَول من
стр. 259
قَلّدهُ مِنْهُمَا احْتج بِهِ وَقَررهُ وصال بِهِ وَمَا خَلفه تَأَوَّلَه أَو فوضه فالميزان الرَّاجِح هُوَ قَوْله ومذهبه قد أهْدر مَذَاهِب الْعلمَاء من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وأئمة الْمُسلمين فَلَا ينظر فِيهَا إِلَّا نظر من ردهَا رَاغِبًا عَنْهَا غير مُتبع لَهَا حَتَّى كَأَنَّهَا شَرِيعَة أُخْرَى وَنحن نبرأ إِلَى الله من هَذَا الْخلق الذميم والمرتع الَّذِي هُوَ على أَصْحَابه وخيم ونوالي عُلَمَاء المسلين ونتخير من أَقْوَالهم مَا وَافق الْكتاب وَالسّنة ونزنها بهما لَا نزنهما بقول أحد كَائِنا من كَانَ وَلَا نتَّخذ من دون الله وَرَسُوله رجلا يُصِيب ويخطئ فنتبعه فِي كل مَا قَالَ ونمنع بل نحرم مُتَابعَة غَيره فِي كل مَا خَالفه فِيهِ وَبِهَذَا أوصانا أَئِمَّة الْإِسْلَام فَهَذَا عَهدهم إِلَيْنَا فَنحْن فِي ذَلِك على منهاجهم وطريقهم وهديهم دون من خَالَفنَا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
فصل
(عقد الرِّهَان عقد قَائِم بِنَفسِهِ)
فَإِن قيل هَل العقد (هُوَ) من بَاب الْإِجَارَات أَو من بَاب الجعالات أَو من بَات المشاركات أَو من بَاب النذور والالتزامات أَو من بَاب العدات والتبرعات أَو عقد مُسْتَقل بِنَفسِهِ قَائِم بِرَأْسِهِ خَارج عَن هَذِه الْعُقُود
فَالْجَوَاب إِنَّه عقد مُسْتَقل بِنَفسِهِ قَائِم بِرَأْسِهِ غير دَاخل فِي شَيْء
стр. 260
من هَذِه الْعُقُود لانْتِفَاء أَحْكَامهَا عَنهُ (بطلَان كَون عقد الرِّهَان من عُقُود الْإِجَارَات)
فَأَما بطلَان كَونه من عُقُود الْإِجَارَات فَمن وُجُوه أَحدهَا أَنه عقد جَائِز لكل مِنْهُمَا فَسخه قبل الشُّرُوع فِي الْعَمَل بِخِلَاف الْإِجَارَة الثَّانِي أَن الْعَمَل فِي الْإِجَارَة لَا بُد وَأَن يكون مَعْلُوما مَقْدُورًا للْأَجِير والسبق هَا هُنَا غير ملعوم لَهُ وَلَا مَقْدُور وَلَا يدْرِي أيسبق أم يسْبق وَهَذَا فِي الْإِجَارَة غرر مَحْض الثَّالِث أَن الْعَمَل فِي الْإِجَارَة يرجع إِلَى المسأجر وَالْمَال يعود إِلَى الْأَجِير فَهَذَا بذل مَاله وَهَذَا بذل نَفعه فِي مُقَابلَته فَانْتَفع كل مِنْهُمَا بِمَا عِنْد الآخر بِخِلَاف الْمُسَابقَة فَإِن الْعَمَل يرجع إِلَى السَّابِق الرَّابِع أَن الْأَجِير إِذا لم يوف الْعَمَل لم يلْزمه غرم والمراهن إِذا لم يَجِيء سَابِقًا غرم مَاله إِذا كَانَ مخرجا الْخَامِس أَن عقد الْإِجَارَة لَا يفْتَقر إِلَى مُحَلل وَهَذَا عنْدكُمْ يفْتَقر إِلَيْهِ فِي بعض صوره السَّادِس أَن الْأَجِير إِمَّا مُخْتَصّ وَإِمَّا مُشْتَرك وَهَذَا لَيْسَ وَاحِدًا مِنْهُمَا فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي ذمَّته عمل يلْزمه الْوَفَاء بِهِ وَلَا يلْزمه تَسْلِيم نَفسه إِلَى الْعَاقِد مَعَه السَّابِع أَن الْأُجْرَة تجب بِنَفس العقد وتستحق بِالتَّسْلِيمِ والعوض
стр. 261
هُنَا لَا يجب بِالْعقدِ وَلَا يسْتَحق بِالتَّسْلِيمِ الثَّامِن أَن الْأَجِير لَهُ أَن يَسْتَنِيب فِي الْعَمَل من يقوم مقَامه وَيسْتَحق الْأُجْرَة وَلَيْسَ ذَلِك للمسابق التَّاسِع أَنه لَو أجر نَفسه على عمل بِشَرْط أَن يؤجره الآخر نَفسه على نَظِيره فَسدتْ الْإِجَارَة وَعقد السباق لَا يَصح إِلَّا بذلك فَإِن خلا عَن هَذَا لم يكن عقد سباق كَمَا أَنه إِذا قَالَ إِن أصبت من الْعشْرَة تِسْعَة فلك كَذَا وَكَذَا فَهَذَا لَيْسَ بِعقد رهان وَإِنَّمَا هُوَ تبرع لَهُ على عمل ينْتَفع هُوَ بِهِ أَو هُوَ وَغَيره أَو جعَالَة فِي هَذَا الْحَال يقْضِي عَلَيْهِ بِمَا الْتَزمهُ الْعَاشِر أَن الْأَجِير يحرص على أَن يُوفي الْمُسْتَأْجر غَرَضه والمراهن أحرص شَيْء على ضد غَرَض مراهنه وَهُوَ أَن يغلبه وَيَأْكُل مَاله وَبَينهمَا فروق كَثِيرَة يطول استقصاؤها فتأملها
فصل
بطلَان كَونه من بَاب الجعالات
وَالَّذِي يدل على بطلَان كَونه من بَاب الجعالات وُجُوه أَحدهَا أَن الْعَامِل فِيهِ لَا يَجْعَل لمن يغلبه ويقهره وَإِنَّمَا يبْذل مَاله فِيمَا يعود نَفعه إِلَيْهِ وَلَو كَانَ بذله فِيمَا لَا ينْتَفع بِهِ لم يَصح العقد وَكَانَ سفها الثَّانِي أَن الْجعَالَة يجوز أَن يكون الْعَمَل فِيهَا مَجْهُولا كَقَوْلِه من رد عَبدِي الْآبِق فَلهُ كَذَا وَكَذَا بِخِلَاف عقد السباق فَإِن الْعَمَل فِيهِ لَا يكون إِلَّا مَعْلُوما
стр. 262
الثَّالِث أَنه يجوز أَن يكون الْعِوَض فِي الْجعَالَة مَجْهُولا كَقَوْل الإِمَام من دلَّنِي على حصن أَو قلعة فَلهُ ثلث مَا يغنم مِنْهُ أَو ربعه بِخِلَاف عقد السباق الرَّابِع أَن المراهن قَصده تعجيز خَصمه وَأَن لَا يُوفي عمله بِخِلَاف الْجَاعِل فَإِن قَصده حُصُول الْعَمَل المجعول لَهُ وتوفيته إِيَّاه وَأكْثر الْوُجُوه الْمُتَقَدّمَة فِي الْفرق بَينهمَا وَبَين الْإِجَارَة تَجِيء هَا هُنَا (بطلَان كَونه من عُقُود المشاركات) وَأما بطلَان كَونهَا من عُقُود المشاركات فَظَاهر جدا فَإِنَّهَا لَيْسَ نوعا من أَنْوَاع الشّركَة وَسَائِر أَحْكَامهَا منتفية عَنْهَا
فصل
بطلَان كَونه من بَاب النذور
وَالَّذِي يبطل كَونه من بَاب النذور وُجُوه أَحدهَا أَن النَّاذِر قد الْتزم إِخْرَاج مَا عينه إِن حصل لَهُ مَقْصُوده والمسابق إِنَّمَا يلْزمه إِخْرَاج مَاله إِذا حصل ضد مَقْصُوده الثَّانِي أَن النَّاذِر مُلْتَزم إِخْرَاج مَا نَذره إِلَى غير الْغَالِب لَهُ والمسابق إِنَّمَا الْتزم إِخْرَاجه لمن غَلبه الثَّالِث أَن النَّاذِر لَا يلْزم أَن يكون مَعَه مثله يُشَارِكهُ فِي نَذره والمراهن بِخِلَافِهِ الرَّابِع أَن النّذر مَتى تعذر الْوَفَاء بِهِ انْتقل إِلَى بدله إِن كَانَ لَهُ بدل
стр. 263
شَرْعِي وَإِلَّا فكفارة يَمِين بِخِلَاف المراهن الْخَامِس أَن النّذر يَصح مُطلقًا ومعلقا كَقَوْلِه لله عَليّ صَوْم يَوْم وَإِن شفى الله مريضي فعلي صَوْم يَوْم بِخِلَاف الْمُسَابقَة السَّادِس أَن الْمُسَابقَة لَا تصح على الصَّوْم وَالْحج وَالِاعْتِكَاف وَالصَّلَاة والقرب الْبَدَنِيَّة وَلَا تكون إِلَّا على مَال بِخِلَاف النّذر السَّابِع أَن النّذر مَنْهِيّ عَنهُ وَقَالَ النَّبِي ﷺ إِن النّذر لَا يَأْتِي بِخَير بِخِلَاف الْمُسَابقَة فَإِنَّهُ مَأْمُور بهَا مرغب فِيهَا الثَّامِن أَن النّذر عقد لَازم لَا بُد من الْوَفَاء بِهِ والمسابقة عقد جَائِز التَّاسِع أَن النّذر حق لله بِمَا الْتَزمهُ بِهِ لَا يسْقط بِإِسْقَاط العَبْد وَمَا الْتَزمهُ بالمسابقة حق للْعَبد يسْقط بإسقاطه الْعَاشِر أَن النّذر لَا يلْزم أَن يكون جَزَاء على عمل وَيجوز أَن يكون على مَا لَا صنع للْعَبد فِيهِ أَلْبَتَّة كمجئ الْمَطَر وَحُصُول الْوَلَد ونمو الزَّرْع بِخِلَاف عقد الْمُسَابقَة فَإِن قيل فَهَب أَنه لَيْسَ من بَاب نذر التبرر فَمَا الَّذِي يبطل كَونه من بَاب نذر اللجاج وَالْغَضَب وَشبهه بِهِ ظَاهر فَإِن المراهن يَقُول لخصمه إِن غلبتني فلك من مَالِي كَذَا وَكَذَا وَعرضه أَن يحض نَفسه على أَن يكون
стр. 264
هُوَ الْغَالِب وَلَا يخسر مَاله فَهُوَ كَمَا لَو قَالَ: ان كلمتك فَللَّه عَليّ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ يحض نَفسه على ترك كَلَامه لِئَلَّا يخسر مَاله بِكَلَامِهِ فان الْغَرَض منع نَفسه من الْفِعْل الَّذِي الْتزم لاجله اخراج مَا يكره اخراجه قيل هَذَا حسن لَا بَأْس بِهِ لَكِن الْفرق بَينهمَا ان النَّاذِر مُلْتَزم اخراج مَاله عِنْد فعله مَا يكون مُخَالفا لعقد نَذره والمغالب مُلْتَزم لذَلِك عِنْد سبق غَيره لَهُ وعجزه هُوَ عَن مغالبته لَكِن قد يلْزم النَّاذِر اخراج شَيْء من مَاله عِنْد غَلَبَة غَيره لَهُ كَقَوْلِه ان غلبتني فَمَالِي صَدَقَة وعَلى هَذَا فَيكون الْفرق بَينهمَا ان فِي الْمُسَابقَة [يكون] حرصه على الْمغنم تَارَة وعَلى دفع الْغرم أُخْرَى - فِيمَا اذا كَانَ الْبَاذِل غَيرهمَا أَو كِلَاهُمَا والناذر نذر اللجاج حرصه على دفع الْغرم فَقَط فبينهما جَامع وَفَارق.
فصل
[بطلَان كَونه من بَاب العدات والتبرعات] وَالَّذِي يبطل كَونه من بَاب العدات والتبرعات الْقَصْد والحقيقة وَالِاسْم وَالْحكم اما الْقَصْد فَإِن المراهن لَيْسَ غَرَضه التَّبَرُّع وَأَن يكون مَغْلُوبًا بل غَرَضه الْكسْب وان يكون غَالِبا فَهُوَ ضد الْمُتَبَرّع وَأما الْحَقِيقَة فَإِن التَّبَرُّع وَالْهِبَة لَا تكون على عمل وَمَتى كَانَ على عمل خرج عَن أَن يكون هبة وَكَانَ من نوع الْمُعَاوَضَات
стр. 265
وَأما الِاسْم فَإِن اسْم الرِّهَان والسبق والخطر والجعل غير اسْم الْهِبَة وَالصَّدَََقَة والتبرع وَأما الحكم فأحكام الْهِبَة مُخَالفَة لأحكام الرِّهَان من كل وَجه وَإِن جَمعهمَا مُجَرّد اخراج المَال الى الْغَيْر على وَجه لَا يعتاض باذله عَنهُ فَهَذَا هُوَ الْقدر الْمُشْتَرك بَينه وَبَين الْهِبَة والتبرع وَلَا تخفى الفروق الَّتِي بَين هَذَا العقد وَبَين عقد الْهِبَة فَإِذا عرف هَذَا فَالصَّوَاب ان هَذَا العقد عقد مُسْتَقل بِنَفسِهِ لَهُ أَحْكَام يتَمَيَّز بهَا عَن سَائِر هَذِه الْعُقُود فَلَا تُؤْخَذ أَحْكَامه مِنْهَا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
فصل
[هَل عقد الرِّهَان لَازم أَو جَائِز] وَاخْتلف الْفُقَهَاء فِي هَذَا العقد هَل هُوَ عقد لَازم أَو جَائِز على قَوْلَيْنِ أَحدهمَا أَنه من الْعُقُود الْجَائِزَة وَهَذَا الْمَشْهُور عِنْد أَصْحَاب أَحْمد وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَأحد قولي الشَّافِعِي وَالثَّانِي أَنه عقد لَازم وَهُوَ القَوْل الآخر للشَّافِعِيّ وَوجه فِي
стр. 266
مَذْهَب أَحْمد ولأصحاب الشَّافِعِي فِي مَحل الْقَوْلَيْنِ طريقتان إِحْدَاهمَا أَن الْقَوْلَيْنِ جاريان فِي مُطلق صُورَة العقد سَوَاء كَانَ الْجعل مِنْهُمَا اَوْ من أَحدهمَا أَو من ثَالِث
وَالثَّانيَِة أَن مَحل الْقَوْلَيْنِ فِي حق من أخرج السَّبق وَأما الْمُحَلّل وَمن لم يخرج فَالْعقد جَائِز فِي حَقه قولا وَاحِدًا وَأَصْحَاب هَذِه الطَّرِيقَة رَأَوْا أَن لُزُوم العقد فِي حق من لم يخرج لَا فَائِدَة فِيهِ إِذْ لَا يلْزمه شَيْء فَإِنَّهُ إِمَّا أَن يكْسب مَالا أَو لَا يُعْطي شَيْئا فَلَا فَائِدَة لإلزامه بِعقد لَا يكون معطيا فِيهِ بل آخِذا وَأَصْحَاب الطَّرِيقَة الأولى يَقُولُونَ إِن الْمخْرج قد يَسْتَفِيد التَّعَلُّم مِمَّن لم يخرج فَيكون كالمعارض بِمَالِه على التَّعَلُّم فَيلْزم الآخر تتميم العقد قَالُوا وَلِأَنَّهُ عقد من شَرطه أَن يكون الْعِوَض والمعوض معلومين فَكَانَ لَازِما كَالْإِجَارَةِ وَمن قَالَ بِالْجَوَازِ دون اللُّزُوم قَالَ الْمُسَابقَة عقد على مَالا يتَحَقَّق الْقُدْرَة على تَسْلِيمه فَكَانَ جَائِزا كرد الْآبِق وَذَلِكَ لِأَنَّهُ عقد على الْإِصَابَة وَلَا يدْخل تَحت قدرته وَبِهَذَا فَارق الْإِجَارَة
стр. 267
فصل
فِي التَّفْرِيع على هَذَا الْخلاف قَالَت الشَّافِعِيَّة فرع إِن قُلْنَا باللزوم فَلَا بُد من الْقبُول وَإِن قُلْنَا بِالْجَوَازِ فَهَل يشْتَرط الْقبُول فِيهِ وَجْهَان الْمَذْهَب أَنه لَا يشْتَرط فرع هَل يَصح ضَمَان السَّبق فِيهِ طَرِيقَانِ أَحدهمَا أَنا إِن قُلْنَا باللزوم صَحَّ وَإِن قُلْنَا بِالْجَوَازِ فَهَل يَصح الضَّمَان على قَوْلَيْنِ والطريقة الثَّانِيَة أَنا إِن قُلْنَا باللزوم فَفِي الضَّمَان قَولَانِ وهما الْقَوْلَانِ فِي ضَمَان مَا لم يجب وَجرى بِسَبَب وُجُوبه فَإِن السَّبق لَا يسْتَحق قبل الْفَوْز اتِّفَاقًا سَوَاء إِن قُلْنَا بِالْجَوَازِ أَو اللُّزُوم فرع هَل يَصح أَخذ هَذَا الرَّهْن بالجعل قَالُوا إِن قُلْنَا لَا يَصح أَخذ الضمين بِهِ لم يَصح أَخذ الرَّهْن وَإِن
стр. 268
أجزنا أَخذ الضمين بِهِ فَفِي جَوَاز أَخذ الرَّهْن وَجْهَان وَالْفرق أَن بَاب الضَّمَان أوسع فَإِن يجوز ضَمَان الْعهْدَة وَلَا يجوز أَخذ الرَّهْن [بهَا] وَيجوز ضَمَان مَا لم يجب وَلَا يجوز أَخذ الرَّهْن بِهِ وَيجوز ضَمَان مَال الْكِتَابَة فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَلَا يَصح أَخذ الرَّهْن بِهِ وَالْفرق بَينهمَا من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن أَخذ الرَّهْن بِضَمَان الْعهْدَة وبمال الْكِتَابَة وَبِمَا لم يجب يمْنَع الارتفاق بِالرَّهْنِ فَإِنَّهُ يمنعهُ من بَيْعه والارتفاق بِهِ فِي كِتَابَته وَأَدَاء مَا عَلَيْهِ من الْحق وَلَيْسَ كَذَلِك الضَّمَان لِأَنَّهُ لَا يعطل على البَائِع شَيْئا وَلَا يمنعهُ الارتفاق بسلعته وَلَا يعطل على الْمكَاتب وَلَا على الْمُقْتَرض شَيْئا الثَّانِي أَن ضرب الرَّهْن يطول لِأَنَّهُ يَدُوم بَقَاؤُهُ عِنْد الْمُرْتَهن وَصَاحبه مَمْنُوع من التَّصَرُّف فِيهِ بِخِلَاف الضمين لِأَن كَون الدّين فِي ذمَّته لَا يمْنَع مَالك السّلْعَة من التَّصَرُّف فِيهَا فالمكاتب يستضر بِالرَّهْنِ وَلَا يستضر بالضمين ويستضر الْمُقْتَرض بِالرَّهْنِ قبل الْقَرْض وَلَا يستضر بالضمين وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ لَا يبعد ان يُوقف السَّبق فَإِن قاربه أَحدهمَا تبين اسْتِحْقَاقه بِالْعقدِ فَيكون كضمان الْعهْدَة إِلَّا أَن هَذِه عُهْدَة تقبل الرَّهْن لقرب أمدها بِخِلَاف عُهْدَة البَائِع إِذْ لَا أمد لَهَا
стр. 269
فرع إِذا قُلْنَا هِيَ عقد جَائِز فَلِكُل وَاحِد مِنْهُمَا فَسخهَا قبل الشُّرُوع اتِّفَاقًا وَإِن أَرَادَ أَحدهمَا الزِّيَادَة فِيهَا أَو النُّقْصَان لم يلْزم الآخر إجَابَته وَإِن اتفقَا على ذَلِك جَازَ وَإِن قُلْنَا باللزوم لم يملك أَحدهمَا فَسخهَا وَإِن اتفقَا على الْفَسْخ جَازَ وَإِن اتفقَا على الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان فِيهِ جازسواء ابقيا العقد أَو فسخاه فرع فَإِن شرعا فِيهَا فَإِن لم يظْهر لأَحَدهمَا فضل على الآخر جَازَ لكل وَاحِد مِنْهُمَا الْفَسْخ وَإِن ظهر لأحدها على الآخر مثل أَن يسْبقهُ بفرسه فِي بعض الْمسَافَة أَو يُصِيب بسهامه أَكثر مِنْهُ فللفاضل الْفَسْخ دون الْمَفْضُول لأَنا لَو جَوَّزنَا للمفضول الْفَسْخ لفات غَرَض الْمُسَابقَة فَلَا يحصل الْمَقْصُود وَكَانَ كل من رأى نَفسه مَغْلُوبًا فسخ [العقد] وَقَالَت الشَّافِعِيَّة إِذا قُلْنَا بِجَوَاز العقد دون لُزُومه فَفِي جَوَاز الْفَسْخ من الْمَفْضُول وَجْهَان فرع فَإِن مَاتَ أحد الْمُتَعَاقدين فَإِن قُلْنَا هِيَ [عقد] جَائِز انْفَسَخت
стр. 270
بِمَوْتِهِ قِيَاسا على سَائِر الْعُقُود الْجَائِزَة من الْوكَالَة وَالشَّرِكَة وَالْمُضَاربَة وَنَحْوهَا وَإِن قُلْنَا هِيَ عقد لَازم لم تَنْفَسِخ بِمَوْت الراكبين وَلَا تلف أحد القوسين وانفسخت بِمَوْت أحد المركوبين والراميين وَالْفرق بَينهمَا أَن العقد تعلق بِعَين المركوب والرامي فانفسخ بتلفه كَمَا لَو تلف الْمَعْقُود عَلَيْهِ فِي الْإِجَازَة بِخِلَاف موت الرَّاكِب وَتلف الْقوس فَإِنَّهُ غير الْمَعْقُود [عَلَيْهِ] فَلم يَنْفَسِخ العقد بتلفه كموت أحد الْمُتَبَايعين وَلِهَذَا يجوز إِبْدَال الْقوس والراكب وَلَا يجوز إِبْدَال الْفرس والرامي فعلى هَذَا يقوم وَارِث الْمَيِّت مقَامه كَمَا لَو اسْتَأْجر شَيْئا ثمَّ مَاتَ فَإِن لم يكن لَهُ وَارِث أَقَامَ الْحَاكِم مقَامه من تركته كَمَا لَو أجر نَفسه لعمل مَعْلُوم ثمَّ مَاتَ فرع فَإِن أخر أَحدهمَا السباق والنضال من الْوَقْت الَّذِي عين فِيهِ فَإِن كَانَ لعذر جَازَ وَإِن كَانَ لغير عذر وَقُلْنَا بِلُزُوم العقد لم يجز وَإِن قُلْنَا بِجَوَازِهِ فللآخر الْفَسْخ وَله الصَّبْر وَهَكَذَا إِن أخر إتْمَام الرَّمْي بعد الشُّرُوع فِيهِ
стр. 271
فصل
فِي إِلْحَاق الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان فِي الْجعل وَعدد الرشق وَمِقْدَار الْمسَافَة فِي عقد السباق والنضال وَهِي سِتّ صور إِلْحَاق زِيَادَة بالمسافة أَو نُقْصَان مِنْهَا وإلحاق زِيَادَة بالجعل أَو نُقْصَان مِنْهُ وإلحاق زِيَادَة بِعَدَد الرَّمْي وَالرُّمَاة أَو نُقْصَان مِنْهُ وَإِن قُلْنَا بِجَوَاز العقد جَازَ ذَلِك كُله بِاتِّفَاق الحزبين وَإِن قُلْنَا بلزومه فَقَالَ أَصْحَاب الشَّافِعِي لَا يلْحق كَمَا لَا تلْحق الزِّيَادَة فِي الثّمن بعد لُزُوم الْبَيْت وَلَا الزِّيَادَة فِي الْأجر بعد لُزُوم الْإِجَازَة وَأما من ألحق الزِّيَادَة فِي الثّمن وَالنُّقْصَان مِنْهُ بعد العقد كأصحاب ابي حنيفَة وَهُوَ القَوْل الرَّاجِح فِي الدَّلِيل فعلى أصولهم يجوز إِلْحَاق الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان فِي هَذَا العقد وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب إِذا اتفقَا عَلَيْهِ وَقد أَمر النَّبِي ﷺ الصّديق أَن يزِيد فِي الْأَجَل وَالرَّهْن لما رَاهن الْمُشْركين على غَلَبَة الرّوم وَالْفرس وَلَا مَحْذُور فإلحاق هَذِه الزِّيَادَة أصلا بل النَّص وَالْقِيَاس يقتضيان جَوَازهَا وَقد قَالَ أَصْحَابنَا تجوز الزِّيَادَة فِي الصَدَاق بعد لُزُومه مَعَ ان عقد النِّكَاح عقد لَازم وَتَكون الزِّيَادَة كالأصل فِيمَا يقرره وينفعه وَاتَّفَقُوا على جَوَاز الزِّيَادَة فِي الرَّهْن
стр. 272
وَاخْتلفُوا فِي جَوَاز الزِّيَادَة فِي دينه فَمنعهَا أَبُو حنيفَة وَأحمد وأجازها مَالك وَالشَّافِعِيّ فِي قَوْله الْقَدِيم ومنعها فِي الْجَدِيد وَلم أجد عَن أَحْمد نصا بِالْمَنْعِ وَإِنَّمَا أَخذه أَصْحَابه من نَصه فِي الزِّيَادَة فِي الثّمن وَقَول مَالك فِي هَذِه الْمَسْأَلَة أرجح إِذْ لَا مَحْذُور فِي ذَلِك وَهِي زِيَادَة تتَعَلَّق بِالرَّهْنِ فجازت كزيادة التَّعَلُّق بِذِمَّة الضَّامِن وَلَا أثر للْفرق بَينهمَا بسعة هَذَا وضيق الرَّهْن لِأَن لَهما أَن يوسعها أَضْعَاف مَا هُوَ مُتَعَلق بِهِ بِأَن يُغير الرَّهْن وَلَوْلَا سعته لما أمكن ذَلِك وَقد قَالَ أَصْحَابنَا لَو جنى العَبْد الْمَرْهُون فَفَدَاهُ الْمُرْتَهن ليَكُون رهنا بِالْفِدَاءِ وبالحق الأول جَازَ وَهَذَا زِيَادَة فِي دين الرَّهْن وَلَكِن فرقوا بَين هَذِه الزِّيَادَة وَبَين غَيرهَا بِأَن الْجِنَايَة تملك الْمَجْنِي عَلَيْهِ الْمُطَالبَة بِبيعِهِ فِي الْجِنَايَة وَإِبْطَال الْوَثِيقَة من الرَّهْن فَصَارَ بِمَنْزِلَة الرَّهْن الْجَائِز قبل قَبضه فَإِنَّهُ يكون غير لَازم وَالرَّهْن قبل لُزُومه تجوز الزِّيَادَة فِي دينه فَكَذَلِك بعد الْجِنَايَة لِأَنَّهُ قد تعرض لزوَال لُزُومه قَالُوا وَلَيْسَ كَذَلِك إِذا لم يجز الرَّهْن لِأَنَّهُ لَازم لَا سَبِيل الى إبِْطَال حق الْمُرْتَهن عَنهُ فَلم يَصح أَن يرهنه بِحَق آخر كَمَا لَو رَهنه عِنْد إِنْسَان آخر قَالُوا وَلِأَنَّهُ قد تعلق بجملته كل جُزْء من أَجزَاء الْحق فَلم يبْق فِيهِ مَوضِع لتَعلق حق آخر بِهِ بِخِلَاف الضَّمَان فَإِن مَحَله ذمَّة الضَّامِن وَهِي متسعة لكل دين يرد عَلَيْهَا وَلمن رجح قَول مَالك أَن يَقُول لما ملكا تَغْيِير العقد وَرَفعه ثمَّ
стр. 273
جعل الرَّهْن وَثِيقَة بالدينين ملكا أَن يجعلاه وَثِيقَة بهما مَعَ بَقَاء العقد واي فَائِدَة أَو مصلحَة حصلت لَهما بتغيير العقد وفسخه وتعريض الْحق للضياع بِإِبْطَال الرَّهْن وَمَعْلُوم أَن الشَّارِع لَا يشرع مَا هُوَ عَبث لَا مصلحَة فِيهِ فَيَقُول إِذا أردتما الزِّيَادَة فِي الدّين فافسخا عقد الرَّهْن وأبطلاه ثمَّ زيدا فِيهِ فتغيير صفته أسهل عَلَيْهِمَا وَأَقل كلفة وَأبين مصلحَة وقولكم إِنَّه قد تعلق بجملة الرَّهْن كل جُزْء من اجزاء الدّين فَهَذَا لَيْسَ مُتَّفقا عَلَيْهِ بَين الْفُقَهَاء فَإِن أَبَا حنيفَة قَالَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ إِذا رهن شَيْئَيْنِ بِحَق فَتلف أَحدهمَا كَانَ الْبَاقِي رهنا بِمَا يُقَابله من الْحق لَا بِجَمِيعِهِ وَلَو سلم أَنه رهن على كل جُزْء من أَجزَاء الْحق لم يمْنَع أَن يصير رهنا على حق آخر باتفاقهما كَمَا لَو غير العقد كَمَا لَو كَانَ جَائِزا لم يلْزم بعد أَو طَرَأَ عَلَيْهِ مَا يعرضه لزوَال لُزُومه وقياسكم الزِّيَادَة فِي الدّين على رَهنه عِنْد رجل آخر لَا يَصح لتَعَدد المطالب الْمُسْتَحق وَحُصُول التَّنَازُع والتشاح فِي التَّقْدِيم بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ الْمُسْتَحق وَاحِدًا وَالْمَقْصُود أَن الزِّيَادَة فِي عقد السباق تصح وَتلْزم إِذا اتفقَا عَلَيْهَا كَمَا زَاد الصّديق فِي الْمدَّة والخطر بِأَمْر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 274
فصل
أَنْوَاع المناضلة
المناضلة على ضَرْبَيْنِ مناضلة على الْإِصَابَة ومناضلة على بعد الْمسَافَة
- فَالْأولى جَائِزَة اتِّفَاقًا
- وَأما المناضلة على بعد الْمسَافَة فللشافعي فِيهَا قَولَانِ ولأصحابنا فِيهَا طَرِيقَانِ فأكثرهم منعوها وَقَالَ صَاحب الرِّعَايَة فِيهَا
قلت فَإِن تسابقا بِالْخَيْلِ على أَن السَّبق لأطولهما مدى لم يَصح وَإِن تناضلا على أَن السَّبق لأبعدهما رميا احْتمل وَجْهَيْن
وَقد تقدم أَن هَذِه أولى بِالصِّحَّةِ من المصارعة والسباحة والمسابقة على الْأَقْدَام فَمن جوزها [فِي هَذِه الصُّورَة فتجوزيها] على بعد الْمسَافَة أولى وَأَحْرَى وَهَذَا أرجح
وَقد شَرط بعض من جوزها على الْبعد اسْتِوَاء القوسين فِي الشدَّة والضعف لتنافس الرُّمَاة فِي ذَلِك حَتَّى إِنَّهُم رُبمَا رموا بقوس وَاحِد وَسَهْم وَاحِدَة وَإِذا كَانَ العقد على الْإِصَابَة لم يشْتَرط تعْيين القوسين وَلَا استواؤهما اتِّفَاقًا
стр. 275
شُرُوط العقد على الْإِصَابَة
وَالنَّوْع الثَّانِي العقد على الْإِصَابَة وَله شُرُوط
أَحدهمَا تعْيين الرُّمَاة لِأَن الْمَقْصُود عين الرَّامِي وَمَعْرِفَة حذقه وإصابته لَا معرفَة حذق رام مَا فَلَو تعاقد متراميان على أَن مَعَ كل وَاحِد مِنْهُمَا ثَلَاثَة أَو اثْنَيْنِ أَو وَاحِدًا يَرْمِي مَعَه غير معِين لم يجز ذَلِك
وَلَا يشْتَرط تعْيين القوسين وَلَا تعْيين السِّهَام وَلَا عينهَا لم تتَعَيَّن وَجَاز إبدالها لِأَن الْقَصْد معرفَة الحذق لَا معرفَة الْقوس ومنفعته
وَأما [فِي] الْخَيل فَيشْتَرط معرفَة المركوبين بِالتَّعْيِينِ دون الراكبين لِأَن الْمَقْصُود معرفَة عَدو الْفرس لَا سوق راكبها
فعلى هَذَا أَن شرطا أَن لَا يَرْمِي [بغَيْرهَا أَعنِي] بِغَيْر هَذَا الْقوس أَو بِغَيْر هَذَا السهْم أَو لَا يركب غير هَذَا الرجل لم يَصح الشَّرْط وَلم يتَعَيَّن عَلَيْهِ ذَلِك
стр. 276
الثَّانِي أَن يكون القوسان من نوع وَاحِد وجنس وَاحِد فَلَا يَصح عقد السباق بَين قَوس يَد وقوس رجل وَلَا بَين قوسين عَرَبِيَّة وقوس فارسية فِي أحد الْوَجْهَيْنِ وَفِي الآخر يجوز بَين النَّوْعَيْنِ دون الجنسين والوجهان لأَصْحَاب الشَّافِعِي وَأحمد
وَنَظِير هَذَا الِاخْتِلَاف فِي الْمُسَابقَة بَين الْعَرَبِيّ والهجين وَبَين البختي والعربي من الْإِبِل فَإِن فِيهِ وَجْهَيْن لأَصْحَاب أَحْمد وَالْجَوَاز اخْتِيَار القَاضِي وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي
الثَّالِث تَحْدِيد الْمسَافَة والغاية بِمَا جرت بِهِ الْعَادة فِي النضال والسباق لِأَن الْغَرَض معرفَة أسبقهما وَلَا يعلم ذَلِك إِلَّا بتساويهما فِي الْمسَافَة لِأَن أَحدهمَا قد يكون مقصرا فِي أول عدوه سَرِيعا فِي انتهائه وَبِالْعَكْسِ فَيحْتَاج إِلَى غَايَة تجميع حالتيه وَمن الْخَيل مَا هُوَ أَصْبِر والقارح أَصْبِر من غَيره وَلِهَذَا فضل النَّبِي ﷺ الْقرح فِي الْغَايَة
стр. 277
فَإِن استبقا بِغَيْر غَايَة لينْظر أَيهمَا يقف أَولا لم يجز لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى أَنه لَا يقف أَحدهمَا حَتَّى يَنْقَطِع فرسه فيتعذر الحكم للْآخر بِالسَّبقِ كَمَا لَو مَاتَ فرس الآخر أَو انْكَسَرَ
وَكَذَلِكَ [أَيْضا] يشْتَرط معرفَة مدى الرَّمْي إِمَّا بِالْمُشَاهَدَةِ والرؤية وَإِمَّا بالذرعان لِأَن الْإِصَابَة تخْتَلف بِالْقربِ والبعد
وَيجوز أَن يجعلا غَايَة مَا يتفقان عَلَيْهِ إِلَّا أَن يجعلا مَسَافَة بعيدَة تتعذر الْإِصَابَة فِي مثلهَا غَالِبا - وَهُوَ مَا زَاد على ثَلَاث مئة ذِرَاع -[فَلَا يَصح لِأَن] الْغَرَض يفوت بذلك وَقد قيل إِنَّه مَا رمى فِي أَربع مئة ذِرَاع إِلَّا عقبَة بن عَامر الْجُهَنِيّ ﵁
هَذَا كَلَام أَصْحَاب أَحْمد
وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ من أَصْحَاب الشَّافِعِي إِذا كَانَت الْمسَافَة مئتين وَخمسين ذِرَاعا جَازَ وَإِن زَادَت على ثَلَاث مئة وَخمسين لم يجز وَفِيهِمَا بَينهمَا وَجْهَان وَهَذَا التَّقْدِير لَيْسَ مَعَهم بِهِ نَص من الإِمَام وَلَا دَلِيل من [جِهَة] الشَّرِيعَة
وَقَالَ الخراسانيون مِنْهُم إِن كَانَت الْمسَافَة تقرب الْإِصَابَة فِيهَا
стр. 278
صَحَّ تَعْيِينهَا وَإِن تَعَذَّرَتْ الْإِصَابَة [فِيهَا لم يَصح وَإِن كَانَت بِحَيْثُ يقطعهَا السهْم وتندر الْإِصَابَة] فَوَجْهَانِ
قلت وَهَذَا أقرب إِلَى الصَّوَاب فَإِنَّهُم إِذا جوزوا تقديرها بِثَلَاث مئة وَخمسين ذِرَاعا أَو بِثَلَاث مئة وَلم يجوزوا الرَّمْي على الْبعد بل على الْإِصَابَة لم تحصل الْإِصَابَة فِي هَذِه الْمسَافَة إِلَّا اتِّفَاقًا وَكلما بَعدت الْمسَافَة عزت الْإِصَابَة وَلِهَذَا رمي الْغَرَض لَا يكون إِلَّا مَعَ مَسَافَة يُمكن فِيهَا الْإِصَابَة غَالِبا وَهَذِه ثَلَاثَة قَصِيرَة وطويلة ومتوسطة وَلِهَذَا يَبْتَدِئ المتعلم بالقريب ثمَّ بالمتوسط ثمَّ بالبعيد فَالَّذِي يُصِيب مَا جرت بِهِ الْعَادة فِي الثَّلَاثَة بِنِبَالٍ الثَّلَاثَة هُوَ الرَّامِي حَقِيقَة
الرَّابِع أَن يكون الْعِوَض مَعْلُوما وَيجوز أَن يكون معينا وموصوفا وَأَن يكون حَالا ومؤجلا وَأَن يكون من جنس وَمن أَجنَاس وَأَن يكون بعضه حَالا وَبَعضه مُؤَجّلا
الْخَامِس أَن يكون مَقْدُورًا على تَسْلِيمه فَلَو جعله عبدا آبقا أَو فرسا شاردا أَو جَوْهَرَة فِي الْبَحْر أَو طيرا فِي الْهَوَاء يحصله لَهُ لم يجز لِأَن ذَلِك كُله غرر وَلَا يجوز أَن يكون مورد الشَّيْء من عُقُود الْمُعَاوَضَات
стр. 279
فصل
تعدد السِّهَام وَعدم تعددها
وَيجوز أَن يتناضلا بسهام مُتعَدِّدَة لَهما أَو لكل وَاحِد مِنْهَا وبسهم وَاحِد يَرْمِي أَحدهمَا جملَة رشقه ثمَّ يَرْمِي بِهِ الآخر أَو يَرْمِي بِهِ هَذَا مرّة وَهَذَا مرّة لحُصُول الْغَرَض بذلك
وَمنع بعض أَصْحَاب الشَّافِعِي المناضلة على سهم وَاحِد بِشَرْط أَن يَرْمِي كل مِنْهُمَا بِهِ مرّة
وَلَا يظْهر لهَذَا الْمَنْع وَجه فَإِنَّهُمَا لَو تناضلا بعدة أسْهم على أَن يَرْمِي هَذَا فردة وَهَذَا لردة جَازَ كَمَا يجوز أَن يَسْتَوْفِي ل مِنْهُمَا رميه عَن وَلَاء ثمَّ يَأْخُذ الآخر فِي الرَّمْي وَيجوز أَن يتساويا سَهْمَيْنِ سَهْمَيْنِ وَثَلَاثَة ثَلَاثَة إِذْ الْمَقْصُود استواؤهما وَالتَّعْدِيل بَينهمَا
فصل
فِي تحزب الرُّمَاة
وَهُوَ نَوْعَانِ أَحدهمَا أَن يَكُونَا اثْنَيْنِ فَقَط الثَّانِي أَن يَكُونُوا جماعتين
стр. 280
فَإِن كَانَا اثْنَيْنِ فَقَط وَعلم أَحدهمَا أَن الآخر غَالب لَهُ وَلَا بُد أَو مغلوب مَعَه وَلَا بُد
فَإِن أخرج من تحقق أَنه غَالب جَازَ إِذْ لَا يَأْخُذ من الآخر شَيْئا وغايته أَنه يحرز مَاله ويغلب صَاحبه
وَإِن أخرج من تحقق أَنه مغلوب وَكَانَ لَهُ فِي ذَلِك غَرَض صَحِيح مثل أَن يُرِيد أَن ينفع وَلَده أَو صَاحبه أَو فَقِيرا فيوصل إِلَيْهِ المَال على هَذَا الْوَجْه وَيُقَوِّي نَفسه ويفرحها جَازَ ذَلِك وَهُوَ محسن وَإِن لم يكن لَهُ غَرَض صَحِيح فَفِي صِحَة ذَلِك نظر لتضمن بذل مَاله فِيمَا لَا مَنْفَعَة لَهُ فِيهِ لَا دنيا وَلَا أُخْرَى وَمثل ذَلِك يمْنَع مِنْهُ الشَّرْع وَالْعقل
стр. 281
وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ فِي النِّهَايَة
إِذا أخرج أَحدهمَا وَقد علم أَن الْمَشْرُوط لَهُ لَا يفوز كَانَت مناضلة بِغَيْر مَال وَإِن علم فوزه صحت على الْأَصَح
فرع
وَإِذا كَانُوا جماعتين فَهَل يشْتَرط تَسَاوِي عددهما أَو يجوز أَن يَكُونُوا اثْنَيْنِ وَثَلَاثَة
فِيهِ احْتِمَالَانِ لِأَصْحَابِنَا
ومأخذ الِاشْتِرَاط تحقق الْعدْل بالتساوي
ومأخذ عَدمه قد يكون فِي أحد الحزبين وَاحِد يقوم مقَام جمَاعَة فَتكون الْقِسْمَة بِهِ قسْمَة تَعْدِيل
وَيشْتَرط تكافؤهما فِي الرَّمْي والسهام فَلَا يكون رمي أَحدهمَا صلبا والأخر لينًا أَو سهم أَحدهمَا قصبا وَالْآخر خلنجا وَكَذَلِكَ فِي الْقوس فيا يكون قَوس أَحدهمَا عَرَبيا وَالْآخر فارسيا
وَفِيه وَجه بِجَوَازِهِ بَين النَّوْعَيْنِ من القسي
стр. 282
فرع
وَيشْتَرط كَون الرشق مِمَّا يُمكن قسمته بَينهم بِغَيْر كسر ويتساوون فِيهِ فَإِن كَانُوا ثَلَاثَة وَجب أَن يكون لَهُ ثلث وَإِن كَانُوا أَرْبَعَة فَأن يكون لَهُ ربع وَكَذَلِكَ مَا زَاد لِأَنَّهُ إِذا لم يكن كَذَلِك بِأَن بَقِي سهم أَو أَكثر بَينهم لَا يُمكن الْجَمَاعَة الِاشْتِرَاك فِيهِ
فرع
فَإِن عقد النضال جمَاعَة بَينهم لينقسموا حزبين بعد العقد فَفِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا أَنه يَصح اخْتَارَهُ القَاضِي وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي لِأَن التَّعْيِين الطَّارِئ كالمقارن وَالْوَجْه الثَّانِي لَا يَصح لِأَن التَّعْيِين شَرط وَلم يُوجد حَال العقد وَقبل الْقِسْمَة لم يتَعَيَّن من فِي كل وَاحِد من الحزبين فعلى هَذَا الْوَجْه إِذا تقاسموا كَانَ تقاسمهم ابْتِدَاء للْعقد وَيحْتَمل أَن يعْتَبر تَجْدِيد العقد بعد التقاسم وَهُوَ الَّذِي ذكره فِي الْمُغنِي
وعَلى قَول القَاضِي قد صَحَّ العقد قبل التقاسم فالتقاسم هُوَ مُوجب العقد
стр. 283
فرع
فَإِن قُلْنَا بقول القَاضِي لم يجز أَن يتقاسموا بِالْقُرْعَةِ لِأَنَّهَا قد تقع على الحذاق فِي أحد الحزبين وعَلى الكوادن فِي الحزب الآخر فَيخرج العقد عَن الْعدْل الَّذِي هُوَ مَقْصُود النضال
وَإِن قُلْنَا بِالْوَجْهِ الْأُخَر جَازَ أَن يتقاسموا بِالْقُرْعَةِ فَإِن العقد لم يَصح قبل الْقِسْمَة فَإِذا أخرجت الْقرعَة أحد الحزبين وميزته من الآخر فَإِن تراضوا بذلك وَإِلَّا فَلَا عقد بَينهم
وَطَرِيق الْقِسْمَة بِالْعَدْلِ أَن يخرج من كل حزب زعيم فيختار أَحدهمَا وَاحِدًا ثمَّ يخْتَار الزعيم الآخر وَاحِدًا إِلَى أَن تتمّ الْقِسْمَة على الْعدْل
وَلَا يجز أَن يَجْعَل الْخِيَار إِلَى أحد الزعيمين فِي الْجَمِيع وَلَا أَن يخْتَار احدهما جَمِيع حزبه أَولا ثمَّ يعد الآخر فيختار بعده لخروجهما عَن الْعدْل فَإِن الأول لَا يُؤمن أَن يخْتَار الحذاق فِي حزبه
وَلَا يجوز أَن يَجْعَل رَئِيس الحزبين وَاحِدًا مِنْهُمَا فَإِنَّهُ يمِيل إِلَى حزبه فتلحقه التُّهْمَة
وَلَا يجوز أَن يخْتَار كل وَاحِد من الرئيسين أَكثر من وَاحِد لِأَنَّهُ أقرب إِلَى التَّسَاوِي وَالْعدْل فَإِذا اخْتَارُوا وَاحِدًا اخْتَار الرئيس الآخر ثَانِيًا
وَنَظِير هَذَا أَنه لَا يقدم السَّابِق بِأَكْثَرَ من حُكُومَة وَاحِدَة فَلَو قَالَ احكم لي حكومتين ثمَّ احكم لمن جَاءَ بعدِي حكومتين لم يكن لَهُ ذَلِك
стр. 284
وَنَظِيره أَيْضا أَن من خرجت لَهَا الْقرعَة من نِسَائِهِ فِي الْبدَاءَة بهَا لم تقدم بليلتين
وَنَظِيره أَن الطَّالِب المتعلم إِذا سبق غَيره إِلَى الشَّيْخ ليقْرَأ عَلَيْهِ لم يقدم بدرسين إِلَّا أَن يكون كل مِنْهُم يقْرَأ درسين درسين
وَإِن اخْتلفَا فِي المتبدئ بِالْخِيَارِ أَقرع بَينهمَا
وَلَو قَالَ أَحدهمَا أَنا أخْتَار أَولا وَأخرج السَّبق أَو يُخرجهُ أَصْحَابِي لم يجز لِأَن السَّبق إِنَّمَا يسْتَحق بِالسَّبقِ لَا بِغَيْرِهِ
فصل
وَإِذا أخرج أحد الزعيمين السَّبق من عِنْده فَسبق حزبه لم يكن على حزبه شَيْء لِأَنَّهُ جعله على نَفسه دونهم وَإِن شَرطه عَلَيْهِم فَهُوَ عَلَيْهِم بِالسَّوِيَّةِ
وَأما الحزب الآخر فَفِي كَيْفيَّة اقتسامهم لَهُ وَجْهَان أَحدهمَا يقتسمونه بالتسوية من أصَاب مِنْهُم وَمن أَخطَأ كَمَا أَنه على الحزب المغلوب بِالسَّوِيَّةِ فَيكون للْغَالِب بِالسَّوِيَّةِ وَهَذَا قَول أَصْحَاب الشَّافِعِي وَالثَّانِي يقسم بَينهم على قدر الْإِصَابَة وَمن لم يصب مِنْهُم فَلَا
стр. 285
شَيْء لَهُ لِأَن اسْتِحْقَاقه بالإصابة فَكَانَ على قدرهَا واختص بِمن وجدت فِيهِ بِخِلَاف المسبوقين فَإِنَّهُ وَجب عَلَيْهِم لالتزامهم لَهُ وَقد اسْتَووا فِي الِالْتِزَام وَهَؤُلَاء استحقوه بالإصابة وَقد تفاوتوا فِيهَا وَهَذَا الْوَجْه أظهر وَالله أعلم
فصل
فَإِن شرطُوا أَن يكون فلَان مقدما فِي هَذَا الحزب وَفُلَان مقدما فِي الحزب الآخر ثمَّ فلَان تاليا فِي هَذَا الحزب وَفُلَان تاليا فِي الحزب الآخر فَقَالَ أَصْحَابنَا يكون شرطا فَاسِدا
قَالُوا لِأَن تَقْدِيم من فِي كل من الحزبين إِلَى رَأْي زعيمه خَاصَّة وَلَيْسَ للْآخر مشاركته فِي ذَلِك فَإِذا شرطوه كَانَ فَاسِدا
قلت وَيحْتَمل الصِّحَّة كَمَا أَن تعْيين الزعيمين كَانَ باتفاقهما على اشْتِرَاطه فَكَذَلِك تعْيين البادئين مِنْهُمَا يجوز أَن يتبع اشْتِرَاط الحزبين وَلَيْسَ فِي ذَلِك جور وَلَا مفْسدَة وَقد يكون لَهُم فِيهِ غَرَض صَحِيح فَلَا يفوت عَلَيْهِم بِغَيْر سَبَب
وَقَوْلهمْ إِنَّه لَيْسَ للْآخر مُشَاركَة الزعيم فِيمَن يقدمهُ جَوَابه إِن اسْتِحْقَاق تقدميه كَانَ بِاشْتِرَاط الْفَرِيقَيْنِ ورضاهم بِهِ وَالْأَصْل فِي الشُّرُوط الصِّحَّة إِلَّا مَا خَالف حكم الله تَعَالَى وَرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
следующие страницы →