Полный текст (422 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
فصل
فِي صِفَات الْإِصَابَة وأنواعها
الْإِصَابَة نَوْعَانِ مُطلقَة ومقيدة
فالمطلقة إِصَابَة الْغَرَض على أَي صفة كَانَت إِمَّا فِي وَسطه أَو جَانِبه الْأَيْمن أَو الْأَيْسَر وَكَذَلِكَ يتَنَاوَل مَا وَقع فِي الْغَرَض وَلم يخرقه أَو خرقه وَلم ينفذ مِنْهُ أَو خرقه وَنفذ مِنْهُ أَو غَيره
فَإِن أطلقا الْإِصَابَة وَلم يقيداها بِقَيْد فَفِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا أَن العقد يَصح ويتناولها على أَي صفة كَانَت من هَذِه الصِّفَات وَالثَّانِي وَهُوَ الَّذِي ذكره فِي الْمُغنِي أَن ذكر صفة الْإِصَابَة شرطا فِي صِحَة المناضلة فَإِن قَالَا رمينَا خواصل كَانَ تَأْكِيدًا لمُطلق الْإِصَابَة لِأَنَّهُ اسْم لَهَا كَيْفَمَا كَانَت وَتسَمى القرع والقرطسة يُقَال خصل وقرع وقرطس بِمَعْنى وَاحِد إِذا أصَاب
فصل
النضال على الْإِصَابَة
فَإِن قَالَا (خواسق) وَهُوَ مَا خرق الْغَرَض وَثَبت فِيهِ أَو (خوازق) وَهُوَ مَا خرقه وَوَقع بَين يَدَيْهِ أَو (موارق) وَهُوَ مَا نفذ الْغَرَض وَوَقع من
стр. 317
وَرَائه أَو (خوارم) وَهُوَ مَا خرم جَانب الْغَرَض أَو (حوابي) وَهُوَ مَا وَقع بَين يَدي الْغَرَض ثمَّ وثب إِلَيْهِ وَمِنْه يُقَال حبا الصَّبِي أَو (خواصر) وَهُوَ مَا كَانَ فِي إِحْدَى جَانِبي الْغَرَض وَمِنْه قيل الخاصرة لِأَنَّهَا فِي جَانب الْإِنْسَان تقيدت المناضلة بذلك لِأَن الْمرجع فِي الْمُسَابقَة إِلَى شَرطهمَا فتتقيد بِمَا شرطاه
وَإِن شرطا الخواسق والحوابي مَعًا صَحَّ هَكَذَا ذكره أَصْحَابنَا
وَيحْتَمل أَن لَا يَصح شَرط الْإِصَابَة النادرة كالحوابي فَإِن هَذَا إِنَّمَا يَقع اتِّفَاقًا نَادرا فاشتراط الاحتساب بِهِ دون مَا عداهُ ينْدر جدا وَذَلِكَ يفوت مَقْصُود الرَّمْي وَكَذَلِكَ كل شَرط تندر مَعَه الْإِصَابَة لَا يَنْبَغِي صِحَة اشْتِرَاطه وَهَذَا بِخِلَاف مَا إِذا شرطا إِصَابَة مَوضِع من الْغَرَض كدائرته وَنَحْوهَا فَإِنَّهُ يَصح لِأَنَّهُ لَا ينْدر الْإِصَابَة فِيهِ وَهُوَ من حذف الرَّامِي وَمِمَّا ينَال بالتعليم بِخِلَاف اشْتِرَاط وُقُوع السهْم دون الْغَرَض ثمن يحبو بِنَفسِهِ حَتَّى يَقع فِي الْغَرَض فَإِن هَذَا لَا ينَال بالتعلم وَلَا هُوَ مِمَّا يكثر وُقُوعه وَلَا يتنافس فِيهِ الرُّمَاة
وَقد نَص الشَّافِعِي فِي أحد قوليه أَنه إِذا شَرط الخسق فخرق الْغَرَض وَنفذ مِنْهُ لقُوته أَنه يحْتَسب لَهُ بِهِ قَالَ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيره من أَصْحَابه وَهُوَ الْأَصَح لموافقته اللَّفْظ وَالْمعْنَى قلت وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَار وَالْقَوْل الثَّانِي لَا يحْتَسب لَهُ بِهِ وَإِلَيْهِ ميل الرُّمَاة
стр. 318
(فرع)
فَإِن شرطا خوارق فخسق وَثَبت فِي الْغَرَض وَإِذا وَرَاءه خَشَبَة أَو شَيْء يمنعهُ من الْخرق بِحَيْثُ لولاه لنفذ احْتمل أَن يحْتَسب لَهُ بِهِ نظرا إِلَى الْمَقْصُود وَأَنه لَوْلَا الْمَانِع لحصل الْمَشْرُوط وَهُوَ كَمَا لَو أطارت الرّيح الْغَرَض فَوَقع السهْم مَكَانَهُ وَاحْتمل أَن لَا يحْتَسب لَهُ بِهِ للشَّكّ فِي حُصُول الْخرق لَو كَانَ الْمَانِع زائلا إِذْ من الْمُحْتَمل أَن يثبت مَعَ عدم الْمَانِع
فصل
فِي الْقرب وَالْأَقْرَب
النضال على نَوْعَيْنِ أَحدهمَا على الْإِصَابَة وَالثَّانِي على الْقرب من الْغَرَض فَأَي السِّهَام كَانَ أقرب احتسب بِهِ وألغي مَا دونه
فَإِن كَانَ لقدر الْقرب عَادَة بَينهم حمل إِطْلَاق العقد عَلَيْهَا وَصَارَت كالمشروطة وَإِن لم يكن لَهُ عرف وَلَا عَادَة فَلَا بُد من بَيَان قدر الْقرب الْمُحْتَسب بِهِ هَل هُوَ ذِرَاع أَو شبر أَو نَحوه
فَإِن اطلقوا العقد وَلم يبينوا قدر الْقرب بل قَالُوا أَيّنَا كَانَ أقرب سَهْما إل الْغَرَض احتسب بِهِ لم يَصح لِأَنَّهُ مَا من قرب إِلَّا وَغَيره أقرب
стр. 319
مِنْهُ فَلَا يعرف قدر مَا يحْتَسب بِهِ وَفِيه وَجْهَان آخرَانِ للشَّافِعِيَّة أَحدهمَا يَصح وَيقدر الْقرب بِسَهْم وَهَذَا تحكم لَا دَلِيل لَهُ الثَّانِي أَن يحْتَسب بالأقرب فَالْأَقْرَب وَيسْقط كل سهم بِمَا هُوَ أقرب مِنْهُ وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ
إِذا وَقعت سهامهما فِي حد الْقرب وَكَانَ فِي سِهَام أَحدهمَا قريب واقرب وأبعدهما أقرب من اقْربْ الآخر فَهَل يحْتَسب جَمِيع سهامه أَو يسْقط أبعدها بأقربها فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا يحْتَسب بجميعها لِأَنَّهَا كلهَا اقْربْ من سِهَام الآخر وَهَذَا أظهر الثَّانِي أَنه يسْقط أبعدها بأقربها وَيجْعَل الْأَبْعَد لَغوا وَيكون الحكم للأقرب وَوجه هَذَا أَن قَائِله لما احتسب بالأقرب فَالْأَقْرَب جعل الْأَبْعَد ملغى واحتسب بِمَا هُوَ أقرب مِنْهُ كمن لَو كَانَ الْأَبْعَد من سِهَام صَاحبه وَالْأَقْرَب من سهامه هُوَ فَيعْمل فِي سهامه وَحده مَا يعْمل فِي سهامهما
هَذَا كُله تَفْرِيع على الْوَجْه الأول وَأما على اشْتِرَاط مَسَافَة الْقرب
стр. 320
فَلَا يَجِيء ذَلِك
وَمهما وَقع فِي جَوَانِب الهدف فِي حد الْقرب الْمُشْتَرط حسب ولأصحاب الشَّافِعِي وَجه ضَعِيف جدا أَنه لَا يحْتَسب مَا وَقع فِي أَعلَى الهدف
وَلَا وَجه لَهُ بل أَعْلَاهُ وأسفله وجوانبه سَوَاء (فرع) إِذا قدرا قدر الْأَقْرَب بِذِرَاع مثلا وشرطا أَن يسْقط قريب كل رام مَا هُوَ أبعد مِنْهُ من رمي الآخر وَلَو كَانَ فِي حد الْقرب وَجب اتِّبَاعه فَلَو لم يشرطاه وشرطا أَن من كَانَ أقرب بِذِرَاع فَهُوَ الناضل وَكن أَحدهمَا أقرب بِدُونِ الذِّرَاع احْتمل أَن يحْتَسب بالأقرب فَالْأَقْرَب بِدُونِ الذِّرَاع وَاحْتمل أَن يحْتَسب بِكُل مَا يَقع فِي حد الْقرب مَا لم يقصر عَنهُ وقريبه وأقربه سَوَاء والوجهان لأَصْحَاب الشَّافِعِي
هَذَا إِذا لم يكن للرماة عَادَة فَإِن كَانَ لَهُم عَادَة فِي الاحتساب أَو عَدمه نزل العقد عَلَيْهَا إِجْرَاء لَهَا مجْرى الشَّرْط وَالله أعلم
فصل
فِيمَا يطْرَأ من النكبات
إِذا عرض عَارض من كسر قَوس أَو قطع وتر أَو ريح شَدِيدَة لم يحْتَسب عَلَيْهِ بِالسَّهْمِ إِذا اخطأ لعَارض من هَذِه الْعَوَارِض أَو غَيرهَا كحيوان
стр. 321
اعْترض بَين يَدَيْهِ لِأَن هَذَا الْخَطَأ لعَارض لَا لسوء رميه قَالَ القَاضِي
وَلَو أصَاب لم يحْتَسب لَهُ بِهِ لِأَنَّهُ لم يحْتَسب عَلَيْهِ لم يحْتَسب لَهُ لِأَن الرّيح الشَّدِيدَة كَمَا يجوز أَن تصرف الرَّمْي السديد فيخطئ يجوز أَن تصرف السهْم الْمُخطئ عَن خطئه فَيَقَع مصيبا وَتَكون إِصَابَته بِالرِّيحِ لَا بحذق الرَّامِي فَإِن وَقع السهْم فِي حَائِل بَينه وَبَين الْغَرَض فمرقه وَأصَاب الْغَرَض حسب هَل لِأَن إِصَابَته لسداد رميه ومروقه لقُوته فَهُوَ أولى من غَيره وَإِن كَانَت الرّيح لينَة لَا ترد السهْم عَادَة لم يمْنَع الاحتساب عَلَيْهِ بِالسَّهْمِ وَله لِأَن الجو لَا يَخْلُو من ريح وَلِأَن الرّيح الرخَاء لَا تُؤثر إِلَّا فِي الرَّمْي الرخو الَّذِي لَا ينْتَفع بِهِ (فرع)
حكم الْإِصَابَة بطارئ
وَإِذا أطارت الرّيح الْغَرَض فَوَقع السهْم مَوْضِعه فَإِن كَانَ شَرطهمَا خواصل احتسب لَهُ بِهِ لعلمنا أَنه لَو كَانَ الْغَرَض فِي مَوْضِعه أَصَابَهُ وَإِن كَانَ شَرطهمَا خواسق لم يحْتَسب لَهُ بِهِ وَلَا عَلَيْهِ
هَذَا قَول أبي الْخطاب لِأَنَّهُ لَا يدْرِي هَل يثبت فِي الْغَرَض إِذا كَانَ مَوْجُودا أَو لَا وَقَالَ القَاضِي
стр. 322
ينظر فَإِن كَانَت صلابة الهدف كصلابة الْغَرَض فَثَبت فِي الهدف احتسب لَهُ بِهِ لِأَنَّهُ لَو بَقِي مَكَانَهُ لثبت فِيهِ كثبوته فِي الهدف وَإِن لم يثبت فِيهِ مَعَ التَّسَاوِي لم يحْتَسب وَإِن كَانَ الهدف أَصْلَب فَلم يثبت فِيهِ أَو إِن كَانَ رخوا لم يحْتَسب السهْم لَهُ وَلَا عَلَيْهِ لأَنا لَا نعلم هَل كَانَ يثبت فِي الْغَرَض لَو بَقِي مَكَانَهُ أم لَا وَهَذَا كُله مَذْهَب الشَّافِعِي (فرع)
فَإِن اطارت الرّيح الْغَرَض فَوَقع السهْم فِيهِ لَا فِي الْمَكَان الَّذِي طَار مِنْهُ فَقَالَ أَصْحَابنَا يحْتَسب عَلَيْهِ السهْم لَا لَهُ إِلَّا أَن يَكُونَا اتفقَا على رميه فِي الْموضع الَّذِي طَار إِلَيْهِ
وَعِنْدِي أَنه إِذا أطارته بعد خُرُوج السهْم من كبد الْقوس حسبت عَلَيْهِ لأَنا نتيقن أَنه لَو كَانَ مَكَانَهُ لأخطأه وَإِن أطارته قبل الرَّمْي حسب لَهُ لِأَن الْغَرَض هُوَ الْمَقْصُود وَقد أَصَابَهُ
وَإِن أطارته قبل الرَّمْي فَوَقع سهم أَحدهمَا فِي مَوْضِعه الْأَصْلِيّ وَوَقع سهم الآخر فِيهِ نَفسه فالمصيب من وَقع سَهْمه فِيهِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَقْصُود فَمن أَصَابَهُ أصَاب وعَلى قَول الْأَصْحَاب الْمُصِيب هُوَ الَّذِي وَقع سَهْمه فِي مَوْضِعه
стр. 323
وَإِن كَانَت إطارته بعد رميهما فالمصيب من وَقع سَهْمه فِي مَكَانَهُ الْأَصْلِيّ لِأَنَّهُ هُوَ كَانَ الْمَقْصُود فِي الرَّمْي وَالْغَرَض عَلامَة عَلَيْهِ وَقد أصَاب الْمَقْصُود بِخِلَاف مَا إِذا اطارته قبل الرَّمْي فَإِنَّهُ هُوَ الْمَقْصُود بِالرَّمْي فمصيبه مُصِيب للمقصود وَهَذَا وَاضح بِحَمْد الله تَعَالَى (فرع)
وَإِذا أَلْقَت الرّيح الْغَرَض على وَجهه فَحكمه حكم مَا أطارته يَمِينا وَشمَالًا وخلفا وأماما
فصل
وكل رمية فَسدتْ لفساد الْقَبْض أَو النّظر أَو العقد أَو الجذب أَو الْإِطْلَاق حسبت عَلَيْهِ من رشقه
وَإِن فَسدتْ لعَارض لَا ينْسب إِلَى تَقْصِيره نَحْو كسر الْقوس وَانْقِطَاع الْوتر وهبوب الرّيح عَاصِفَة وعروض ظلمَة شَدِيدَة وَنَحْو ذَلِك حسب لَهُ إِن أصَاب وَإِن أَخطَأ لم يحْسب عَلَيْهِ
وَأبْعد من قَالَ من الْأَصْحَاب إِنَّه يحْتَسب عَلَيْهِ وَهُوَ غلط وَأبْعد مِنْهُ من قَالَ من أَصْحَاب الشَّافِعِي لَا يحْتَسب لَهُ مَعَ الْإِصَابَة إِذْ مَعْلُوم أَن الْإِصَابَة مَعَ التنكيد من وجودة الرَّمْي وَفضل الحذق
стр. 324
وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ
إِن عرض كسرالقوس وَانْقِطَاع الْوتر قبل نُفُوذ السهْم لم يحْتَسب عَلَيْهِ وَإِن عرض بعد النّفُوذ حسب عَلَيْهِ
فرع
وَإِن انْكَسَرَ السهْم فَإِن كَانَ لضعف قدحه لم يحْسب عَلَيْهِ
وَإِن كَانَ انكساره لسوء الرَّمْي بِأَن أخلى الفوق فِي النزع عَن الْوتر أَو أغرق فِي النزع فعلق رَأس النصل فِي كبد الْقوس فانكسر حسب عَلَيْهِ لِأَنَّهُ من سوء رميه
وَإِن أصَاب الْغَرَض بعد انكساره فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يُصِيبهُ طولا أَو عرضا فَإِن أَصَابَهُ عرضا لم يحْسب لَهُ وَلَا عَلَيْهِ وَإِن أَصَابَهُ طولا فَإِن
стр. 325
كَانَت الْإِصَابَة بالنصل حسب لَهُ وَإِن أصَاب بِغَيْر النصل لم يحْسب
لَهُ قَالَه أَصْحَابنَا
وَفِيه نظر ظَاهر إِذْ الْإِصَابَة بِرَأْس الْقطعَة الَّتِي فِيهَا الفوق كالإصابة بالنصل سَوَاء وَلَا فرق بَينهمَا
بل قد قَالَ بعض أَصْحَاب الشَّافِعِي إِنَّه إِن أَصَابَهُ بِقِطْعَة النصل لم يحْسب وَإِن أَصَابَهُ بِقِطْعَة الفوق حسب فِي أحد الْوَجْهَيْنِ
وَالْقَوْلَان ضعيفان فِي النّظر وَالْقِيَاس
وَالصَّوَاب أَنه يحْسب لَهُ بهما إِذْ لَا عِبْرَة بالنصل وَإِنَّمَا الْعبْرَة بالإصابة وَلَو كَانَ النصل ضَعِيفا فَسقط دون الْغَرَض وَوَقع السهْم بِلَا نصل فِي الْغَرَض حسب لَهُ قطعا وَهَذَا مثله
فرع
فَإِذا أغرق الرَّامِي فِي النزع فَخرج السهْم من الْجَانِب الآخر حسب لَهُ وَعَلِيهِ فَإِن اعْتَرَضَهُ حَيَوَان فِي طَرِيقه فَأَصَابَهُ وَنفذ مِنْهُ إِلَى الْغَرَض فَأصَاب حسب لَهُ
وَأبْعد من قَالَ من أَصْحَاب الشَّافِعِي إِنَّه لَا يحْسب لَهُ وَلَا وَجه لقَوْله
стр. 326
وَإِن كَانَ الْخَطَأ لفساد عرض لَهُ فِي بدنه كالتواء يَده أَو عَارض عرض لَهُ فِي بَصَره أَو دَاء عرض لَهُ أفسد رميه لم يحْتَسب عَلَيْهِ بِهِ إِلَّا أَن ينْسب الْعَارِض إِلَى تَقْصِيره فِي الرَّمْي كَأَن تلتوي يَده لعدم حذقه فِي الْقَبْض فَإِنَّهُ يحْسب عَلَيْهِ
فصل
وَكَذَلِكَ كل إِصَابَة تُضَاف إِلَى غير الرَّمْي لم يحْتَسب لَهُ بهَا فَإِذا أصَاب السهْم شَجَرَة مائلة عَن سمت الْغَرَض أَو شَجَرَة أَو جِدَار كَذَلِك فَارْتَد بصدمته فَأصَاب الْغَرَض فَإِن هَذِه الْإِصَابَة لَا تُضَاف إِلَى رميه وَيحْتَمل أَن يحْتَسب لَهُ بِهِ لِأَنَّهَا متولده عَن رميه وللشافعية وَجْهَان فِي ذَلِك
فَإِن كَانَت الشَّجَرَة أَو الْجِدَار مسامتين للغرض حسب لَهُ قطعا إِذْ الْإِصَابَة من حسن الرَّمْي فَإِن مر السهْم على السداد فصدم الأَرْض ثمَّ قفز فَأصَاب الْغَرَض فَهَل يحْتَسب لَهُ بِهِ ينظر فَإِن كَانَ لَهُم شَرط ابتع وَإِن لم يكن لَهُم شَرط اتبعت عَادَتهم إِذْ هِيَ منزلَة منزلَة الشَّرْط وَإِن لم يكن لَهُم عَادَة وَلَا شَرط احْتمل وَجْهَيْن ولأصحاب الشَّافِعِي فِي ذَلِك ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا يحْتَسب بِهِ وَالثَّانِي لَا يحْتَسب
стр. 327
وَالثَّالِث إِن اتبعت الْعَادة لم يحْتَسب بِهِ وَإِلَّا احتسب بِهِ
قَالُوا لِأَن عَادَة الرُّمَاة عدم الاحتساب وَالصَّوَاب الاحتساب بِهِ لأَنا نوجب الْقصاص بِمثل هَذِه الْإِصَابَة إِذا تعمد قتل من يُكَافِئهُ وينزلها منزلَة السهْم الَّذِي مر كَمَا هُوَ حَتَّى أصَاب الْمَقْتُول بل الاحتساب بِهِ فِي النضال أولى إِذْ لَو كَانَ ذَلِك شُبْهَة يمْنَع الاحتساب بِهِ فِي الْإِصَابَة لكَانَتْ أولى بِالْمَنْعِ فِي الْقصاص وَهَذَا ظَاهر وَللَّه الْحَمد
فصل
وَقد تقدم الْخلاف فِي الْمُسَابقَة هَل هِيَ عقد لَازم أَو جَائِز
وَإِن الْمَشْهُور من الْمَذْهَب أَنَّهَا عقد جَائِز فَلِكُل وَاحِد مِنْهُمَا فَسخه قبل الشُّرُوع فِيهِ وَلَهُمَا الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان وَإنَّهُ إِن ظهر فضل احدهما فَلهُ وَحده الْفَسْخ وتنفسخ بِمَوْت أَحدهمَا وَلَا يُؤْخَذ بهَا رهن وَلَا ضمين وَلَا يثبت فِيهَا خِيَار مجْلِس وَالْوَجْه الثَّانِي أَنَّهَا عقد لَازم كَالْإِجَارَةِ فتنعكس هَذِه الْأَحْكَام فَإِن أَرَادَ أَحدهمَا تَأْخِير الرَّمْي فَإِن كَانَ لعَارض يعمهما أَو يخْتَص بِأَحَدِهِمَا كوجع أَو التواء عرق وَنَحْو ذَلِك أَو ريح أَو ظلمَة أَو سيل جَازَ تَأْخِير الرَّمْي وَلَا يَنْفَسِخ العقد بذلك وَلِصَاحِب الْعذر الْفَسْخ بِهِ
وَإِن أَرَادَ أَحدهمَا تَأْخِيره بِلَا عذر فَإِن قيل إِن العقد جَائِز فَلهُ
стр. 328
ذَلِك وَإِن قيل بلزومه فَلَا
وَلَو تشاغل عَن الرَّمْي فِي الْغَايَة وَطول لَا حَاجَة إِلَيْهِ من مسح الْقوس وَالْوتر وَنَحْو ذَلِك ليبرد همة صَاحبه أَو ينسيه الْوَجْه الَّذِي أصَاب بِهِ ويشغله عه منع من ذَلِك وطولب بتعجيل الرَّمْي وَلَا يدهش بالاستعجال بِحَيْثُ يمْتَنع من تحري الْإِصَابَة وَيمْتَنع كل وَاحِد من المناضلين من الْكَلَام الَّذِي يغِيظ بِهِ صَاحبه مثل أنة يفتخر ويتبجح بالإصابة ويعنف صَاحبه على الْخَطَأ أَو يظْهر لَهُ أَنه يُعلمهُ وَيمْنَع من ذَلِك من حضرهم من الْأمين وَالشُّهُود والنظارة
فصل
فِي الجلب وَالْجنب
روى أَبُو دَاوُد فِي سنَنه من حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لَا جلب وَلَا جنب يَوْم الرِّهَان
وَفِي الْمسند من حَدِيث ابْن عمر أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا جلب وَلَا جنب وَلَا شغار فِي الْإِسْلَام وَفِي سنَن الدَّارَقُطْنِيّ عَن عَليّ بن أبي طَالب
стр. 329
أَن النَّبِي ﷺ قَالَه لَهُ يَا عَليّ قد جعلت إِلَيْك هَذِه السبقة بَين النَّاس فَخرج عَليّ فَدَعَا سراقَة بن مَالك فَقَالَ يَا سراقتة إِنِّي قد جعلت إِلَيْك مَا جعل النَّبِي ﷺ فِي عنقِي من هَذِه السبقة فِي عُنُقك فَإِذا أتيت الميطان قَالَ أَبُو عبد الرَّحْمَن والميطان مرسلها من الْغَايَة فَصف الْخَيل ثمَّ نَاد هَل من مصلح للجام أَو حَامِل لغلام أَو طارح لجل فَإِذا لم يجبك أحد فَكبر ثَلَاثًا ثمَّ خلها عِنْد الثَّالِثَة يسْعد الله بسبقه من شَاءَ من خلقه
فَكَانَ عَليّ ﵁ يقْعد عِنْد مُنْتَهى الْغَايَة ويخط خطا وَيُقِيم رجلَيْنِ مُتَقَابلين عِنْد طرفِي الْخط طرفه بَين إبهامي أرجلهما وتمر الْخَيل بَين الرجلَيْن وَيَقُول
إِذا خرج أحد الفرسين على صَاحبه بِطرف أُذُنَيْهِ أَو أذن أَو
стр. 330
عذرا فاجعلوا السبقة لَهُ فَإِن شككتما فاجعلا سبقهما نِصْفَيْنِ فَإِن قرنتم ثِنْتَيْنِ فاجعلوا الْغَايَة من غَايَة أَصْغَر الثِّنْتَيْنِ وَلَا جلب وَلَا جنب وَلَا شغار فِي الْإِسْلَام
وَقد تقدم الْكَلَام فِي معنى الجلب وَالْجنب وَاخْتِلَاف شرَّاح الحَدِيث فِيهِ وَنحن نذْكر كَلَام الْفُقَهَاء فِيهِ
كَلَام الْفُقَهَاء فِي الجلب وَالْجنب
فَقَالَ الْخرقِيّ فِي مُخْتَصره
وَلَا يجوز إِذا أرسل الفرسان أَن يجنب أَحدهمَا إِلَى فرسه فرسا يحرضه على الْعَدو وَلَا يَصِيح بِهِ فِي وَقت سباقه وَذكر الحَدِيث
стр. 331
واكثر الْفُقَهَاء على هَذَا الَّذِي قَالَه
وَقَالَ القَاضِي مَعْنَاهُ أَن يجنب فرسا يتَحَوَّل عَلَيْهِ عِنْد الْغَايَة لكَونه أقل كلالا وإعياء قَالَ ابْن الْمُنْذر كَذَا قيل
قَالَ الشَّيْخ
وَلَا أَحسب هَذَا يَصح لِأَن الْفرس الَّتِي يسابق عَلَيْهَا لَا بُد من تعينها فَإِن كَانَت الَّتِي تحول عَنْهَا فَمَا حصل السَّبق بهَا وَإِن كَانَت الَّتِي يتَحَوَّل إِلَيْهَا فَمَا حصلت الْمُسَابقَة بهَا فِي جَمِيع الحلبة وَمن شَرط السباق ذَلِك وَلِأَن هَذَا مَتى احْتَاجَ إِلَى التَّحَوُّل والاشتغال بِهِ فَرُبمَا سبق باشتغاله لَا بِسُرْعَة غَيره وَلِأَن الْمَقْصُود معرفَة عَدو الْفرس فِي الحلبة كلهَا فَمَتَى كَانَ إِنَّمَا تَركه فِي آخر الحلبة فَمَا حصل الْمَقْصُود
وَأما الجلب فو أَن يتبع الرجل فرسه من يرْكض خَلفه ويجلب عَلَيْهِ ويصيح وَرَاءه يستحثه بذلك على الْعَدو
وَهَكَذَا فسره مَالك وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب
وَفَسرهُ بعض الْفُقَهَاء بِأَنَّهُ هُوَ أَن يَصِيح بفرسه وَقت السباق ويجلب عَلَيْهِ
وَفِيه نظر لِأَنَّهُ لَا يمْنَع من ضربه وَلَا نخسه بالمهماز وَغَيره مَا
стр. 332
يحرضه على الْعَدو هَكَذَا لَا يمْنَع من صياحه عَلَيْهِ وَلَيْسَ هَذَا ظلما لِأَن الآخر يفعل بفرسه هَكَذَا
وَالله أعلم بِمُرَاد رَسُول الله ﷺ فِي الحَدِيث وَهُوَ مُحْتَمل الْأَمريْنِ
وَعَن أبي عبيد فِي تَفْسِير الحَدِيث رِوَايَتَانِ احدهما كَقَوْل مَالك وَالثَّانيَِة أَن معنى الجلب أَن يحْشر السَّاعِي أَي أهل الْمَاشِيَة ليصدقهم قَالَ
قَالَ فَلَا يفعل بل يَأْتِيهم على مِيَاههمْ فيصدقهم وَالتَّفْسِير الأول تَفْسِير الْأَكْثَرين وَيدل عَلَيْهِ قَوْله فِي الرِّهَان وَهَذَا يبطل تَفْسِيره بالجلب فِي الصَّدَقَة وَأَيْضًا فالجنب لَا يعقل فِي الصَّدَقَة وَأَيْضًا فَفِي حَدِيث عَليّ الْمُتَقَدّم فِي السباق لَا جلب وَلَا جنب وَأَيْضًا فَحَدِيث ابْن عَبَّاس يرفعهُ
стр. 333
من أجلب على الْخَيل يَوْم الرِّهَان فَلَيْسَ منا ذكره صَاحب الْمُغنِي وَلَا أعرف من خرجه
فصل
صور بذل الْعِوَض فِي المسابقات
إِذا قَالَ رجل لآخر ارْمِ هَذَا السهْم فَإِن أصبته فلك دِرْهَم أَو أجب فِي هَذِه الْمَسْأَلَة فَإِن أصبت فلك كَذَا أَو احفظ هَذَا الْكتاب وَلَك كَذَا وَكَذَا صَحَّ وَكَانَ جعَالَة مَحْضَة لَيْسَ من عقد السباق فِي شَيْء وَقد بذلا مَالا فِي فعل لَهُ فِيهِ غَرَض صَحِيح لِأَن السباق إِنَّمَا يكون بَين اثْنَيْنِ فَصَاعِدا وَيكون الْجعل للسباق لصَاحبه
فَإِن قَالَ إِن أصبت فلك دِرْهَم وَإِن اخطأت فَعَلَيْك دِرْهَم لم
стр. 334
يَصح لِأَنَّهُ قمار
وَكَذَا إِن قَالَ إِن حفظته فلك مئة وَإِن عجزت عَنهُ فَعَلَيْك مئة لم يَصح
فَإِن قَالَ ارْمِ عشرَة أسْهم أَو أجب فِي هَذِه الْمسَائِل الْعشْر فَإِن كَانَ صوابك أَكثر من خطئك فلك دِرْهَم صَحَّ لِأَنَّهُ بذل الْجعل فِي مُقَابلَة الْإِصَابَة الْمَعْلُومَة وَهِي اكثر الْعشْر وَلَيْسَ ذَلِك بِمَجْهُول
وَكَذَا لَو قَالَ إِن كَانَ صوابك أَكثر فلك بِكُل إِصَابَة دِرْهَم صَحَّ ذَلِك
وَلَو قَالَ لَك بِكُل إِصَابَة دِرْهَم صَحَّ وَلم يشْتَرط أَن تكون إصاباته اكثر وَلَا مُسَاوِيَة
وَلَو قَالَ إِن أصبتها فلك بِكُل إِصَابَة دِرْهَم صَحَّ فَلَو أصَاب تِسْعَة مِنْهَا لم يسْتَحق شَيْئا وَلَو قَالَ الرَّامِي لأَجْنَبِيّ إِن أَخْطَأت أَنا فِي هَذَا السهْم فلك دِرْهَم أَو إِن أَخْطَأت فِي الْجَواب عَن هَذِه الْمَسْأَلَة فلك دِرْهَم لم يَصح لِأَن الْجعل يكون فِي مُقَابلَة عمل وَلم يجد من الْأَجْنَبِيّ عمل
الْحِنْث فِي نذر اللجاج وَأَحْكَامه عِنْد الْأَئِمَّة
فَلَو قَالَ إِن أَخْطَأت فعلي نذر دِرْهَم أَو فَمَا فِي يَدي صَدَقَة
стр. 335
أَو فعلي صَوْم شهر أَو عتق رَقَبَة فَهُوَ نذر يَمِين وَيُسمى نذر اللجاج وَالْغَضَب إِذا كَانَ قَصده أَن لَا يكون الشَّرْط وَلَا الْجَزَاء
وَقد اخْتلف فِي مُوجبه عِنْد الْحِنْث على ثَلَاثَة أَقْوَال وَهِي للشَّافِعِيّ أَحدهَا لُزُوم الْوَفَاء بِمَا الْتَزمهُ كَائِنا مَا كَانَ وَهَذَا مَذْهَب مَالك وَأبي حنيفَة فِي أشهر الرِّوَايَتَيْنِ عَنهُ الثَّانِي تعْتَبر كَفَّارَة الْيَمين لَا يجْزِيه غَيرهَا وَهُوَ رِوَايَة فِي مَذْهَب أَحْمد الثَّالِث يُخَيّر بَين الْتِزَام مَا الْتَزمهُ وَبَين كَفَّارَة الْيَمين وَهُوَ الْمَشْهُور فِي مَذْهَب أَحْمد وَالشَّافِعِيّ فَإِن أَوجَبْنَا الْكَفَّارَة فوفى بنذره فَهَل تسْقط الْكَفَّارَة فِيهِ وَجْهَان لأَصْحَاب الشَّافِعِي وَغلط أَبُو الْمَعَالِي وَغَيره من قَالَ بسقوطها وَلَيْسَ
стр. 336
بغلط بل هُوَ الصَّوَاب قطعا فَإِن الْكَفَّارَة إِنَّمَا تجب بِالْحِنْثِ فَإِن وفى بنذره لم يَحْنَث فَلَا يبْقى لوَجَبَ الْكَفَّارَة وَجه
فَإِن قيل مُوجب هَذَا العقد الْكَفَّارَة قُلْنَا نعم غَايَته أَنه يَمِين وموجبها الْكَفَّارَة عِنْد الْحِنْث وَلَا يَحْنَث مَعَ الْبر يُوضحهُ أَنه لَو حلف على ذَلِك بِاللَّه وبر لم تلْزمهُ الْكَفَّارَة فَلَو قَالَ وَالله إِن فعلت كَذَا وَكَذَا تَصَدَّقت ثمَّ فعله وَتصدق لم تلْزمهُ الْكَفَّارَة
فصل
تعْيين القسي فِي النضال
إِذا عينا نوعا من القسي تعين وَلَا يجوز الْعُدُول عَنهُ إِلَى غَيره إِلَّا باتفاقهما وَإِن عينا قوسا بعيها لم تتَعَيَّن وَيجوز إبدالها بغَيْرهَا من نوعها
وَالْفرق بَينهمَا أَن أَحدهمَا قد يكون أحذق بِالرَّمْي بِأحد النَّوْعَيْنِ دون الآخر فَلَا يقوم النَّوْع الآخر مقَام النَّوْع الْمعِين بِخِلَاف تعْيين الْقوس من النَّوْع الآخر الْوَاحِد
وَأَيْضًا فَإِن الْقوس الْمعينَة قد تنكسر أَو يحْتَاج إِلَى إبدالها
وَأَيْضًا فالحذق لَا يخْتَلف باخْتلَاف عين الْقوس بِخِلَاف
стр. 337
فصل
تعْيين الْقوس فِي النضال
فَإِن تناضلا على أَن يَرْمِي أَحدهمَا بِالْقَوْسِ الْعَرَبيَّة وَالْآخر بِالْفَارِسِيَّةِ أَو أَحدهمَا بقوس الزَّيْتُون وَالْآخر بقوس الجرخ وَكِلَاهُمَا قَوس رجل صَحَّ عِنْد القَاضِي وَالشَّافِعِيّ كَمَا تقدم وَإِن كَانَ أَحدهمَا قَوس يَد وَالْآخر قَوس رجل لم يَصح
وَالْفرق بَينهمَا أَن فِي الصُّورَة الأولى هما نَوْعَانِ من جنس وَاحِد وَصحت الْمُسَابقَة مَعَ اختلافها كاختلاف أَنْوَاع الْخَيل وَالْإِبِل وَفِي الثَّانِيَة هما جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ فَلَا يَصح النضال بَينهمَا كَمَا لَا تصح الْمُسَابقَة بَين فرس وجمل
فصل
إِطْلَاق العقد
وَإِذا اطلق عقد النضال وَلَهُم عَادَة بِنَوْع من القسي صَحَّ
стр. 338
وَانْصَرف العقد بِإِطْلَاقِهِ إِلَيْهِ وَإِن اخْتلفت عَادَتهم فَإِن كَانَ فِيهَا غَالب حمل العقد على النَّوْع الْغَالِب وَإِن اسْتَوَت فَلَا بُد من تعْيين النَّوْع ليرتفع النزاع بَينهم
فَإِن قَالَا على أَن نرمي بالنشاب انْصَرف ذَلِك إِلَى الْقوس الفارسية وَهِي قسي الْعَسْكَر الْيَوْم لِأَن النشاب اسْم لسهامها الْخَاصَّة
وَإِن قَالَا نرمي بِالنَّبلِ انْصَرف إِلَى الْقوس الْعَرَبيَّة لِأَن سهامها هِيَ الْمُسَمَّاة بِالنَّبلِ
هَذَا إِذا لم يكن شَرط وَلَا عَادَة مطردَة أَو غالبة
فصل
جَوَاز الْمُسَابقَة بالقسي الفارسية
وَقد نَص الإِمَام أَحْمد على جَوَاز الْمُسَابقَة بالقسي الفارسية وأباح الرَّمْي بهَا
وَقَالَ أَبُو بكر من أَصْحَابنَا يكره الرَّمْي بهَا وَاحْتج بِأَن النَّبِي ﷺ رأى مَعَ رجل قوسا فارسية فَقَالَ
ألقها فَإِنَّهَا ملعونة وَلَكِن عَلَيْكُم بالقسي الْعَرَبيَّة وبرماح القنا فبها يُؤَيّد الله الدّين وَيُمكن الله لكم فِي الأَرْض
وَالصَّوَاب الْمَقْطُوع بِهِ أَنه لَا يكره الرَّمْي بهَا وَلَا النضال عَلَيْهَا وَقد
стр. 339
انْعَقَد إِجْمَاع الْأمة على إِبَاحَة الرَّمْي بهَا وَحملهَا وَهِي الَّتِي يَقع بهَا الْجِهَاد فِي هَذِه الْأَعْصَار وَبهَا يكسر الْعَدو وَبهَا يعز الْإِسْلَام ويرعب الْمُشْركُونَ
وَالْمَقْصُود نصْرَة الدّين وَكسر اعدائه لَا عين الْقوس وجنسها وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَأَعدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم من قُوَّة﴾ [الْأَنْفَال: ٦٠] وَالرَّمْي بِهَذِهِ القسي من الْقُوَّة الْمعدة
وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ ارموا واركبوا وَأَن ترموا أحب إِلَيّ من أَن تركبوا
وَلم يخص نوعا من نوع وَلَيْسَ هَذَا الْخطاب مُخْتَصًّا بالصحابة بل هُوَ لَهُم فَافْهَم وللأمة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فَهُوَ أَمر لكل طَائِفَة بِمَا اعتادوه من الرَّمْي والقسي
وَالْأَحَادِيث الَّتِي تقدّمت فِي فضل الرَّمْي وتبليغ الْعَدو بِالسِّهَامِ عَامَّة فِي كل نوع فَلَا يدعى فِيهَا التَّخْصِيص بِغَيْر مُوجب
وَأما النَّهْي عَنْهَا ف إِن صَحَّ نَقله فَذَاك فِي وَقت مَخْصُوص وَهُوَ حِين كَانَت الْعَرَب هم عَسْكَر الْإِسْلَام وقسيهم الْعَرَبيَّة فكلامهم بِالْعَرَبِيَّةِ ودواتهم عَرَبِيَّة وفروسيتهم عَرَبِيَّة وَكَانَ الرَّمْي بِغَيْر قسيهم وَالْكَلَام بِغَيْر لسانهم حِينَئِذٍ تشبها بالكفار من الْعَجم وَغَيرهم
ف أما فِي هَذِه الْأَزْمَان فقسي عَسَاكِر الْإِسْلَام الفارسية أَو
стр. 340
التركية وَكَلَامهم وأدواتهم وفروسيتهم بِغَيْر الْعَرَبيَّة فَلَو كره لَهُم ذَلِك وَمنعُوا مِنْهُ فَسدتْ الدُّنْيَا وَالدّين وتعطل سوق الْجِهَاد وَاسْتولى الْكفَّار على الْمُسلمين هَذَا من أبطل الْبَاطِل
فَإِن صَحَّ الْخَبَر فالنبي ﷺ لعنها وَأمر بإلقائها حِين لم يُمكن الْعَجم وَالتّرْك قد أَسْلمُوا فِيهِ كَانَت شعارا للْكفَّار وَالْمُشْرِكين أَو منع الرجل من حملهَا لعدم مَعْرفَته بهَا وتكلفه الرَّمْي بهَا وَالْخُرُوج عَن عَادَته وَعَادَة أهل الْإِسْلَام حِينَئِذٍ وَلِهَذَا قَالَ وَعَلَيْكُم برماح القنا فَلَو قاتلنا أمة لَا تَنْفَع مَعَهم الرماح بل السِّهَام وَالسُّيُوف لم تسْتَعْمل الرماح حِينَئِذٍ وَاسْتعْمل مَعَهم مَا يخَافُونَ شوكته من السِّلَاح
وَمن هَذَا لَو حاصرنا حصنا فقوس الجرخ فِيهِ أَنْفَع من قَوس الْيَد لَكَانَ الرَّمْي بقوس الجرخ أولى من الرَّمْي بقوس الْيَد بل كَانَ يتَعَيَّن فَإِن كَانَ الرَّمْي بالمنجنيق أدعى إِلَى فَتحه كَانَ أولى من النشاب وَحده وَالْكَافِر عَدو وَالْمَقْصُود قَتله كَيْفَمَا أمكن كَقَتل الْحَيَّة وَالْكَلب الْعَقُور
فلك طَائِفَة من الْمُسلمين الْأَفْضَل فِي حَقّهَا أَن تقَاتل بِمَا اعتادته من القسي والآلات وأنواع الْحَرْب والقتال
وَلَو كَانَت عَسَاكِر الْإِسْلَام الْيَوْم تقَاتل بَين يَدي رَسُول الله ﷺ بِهَذِهِ القسي الفارسية وينصر الله وَرَسُوله بهَا لمدحها وَأثْنى عَلَيْهَا وَلم ينهاهم عَنْهَا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
стр. 341
فصل
فِيمَا يعرف بِهِ السَّبق فِي الْخَيل وَالْإِبِل
الِاعْتِبَار فِي ابْتِدَاء الميدان بالأقدام لَا بِرَأْس وَلَا كتف فَيتَعَيَّن تَسَاوِي أَقْدَام المركوبين
وَأما فِي انتهائه فَاخْتلف الْفُقَهَاء فِي ذَلِك وَللشَّافِعِيّ ثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهَا أَنه بالأعناق وَالثَّانِي أَنه بالأقدام الثَّالِث أَنه بالأعناق فِي الْخَيل وبالاخفاف بِالْإِبِلِ هَذِه طَريقَة الخراسانين من أَصْحَابه
وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ إِن تفاوتت الْأَعْنَاق فَلَا عِبْرَة بهَا وَإِن تَسَاوَت فَهِيَ مَحل الْأَقْوَال الثَّلَاثَة
وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي إِن تفاوتت الْخَيل فِي مد أعناقها حَال الجري وَجب النّظر إِلَى الطول وَالْقصر وَإِن كَانَ أحد الفرسين يمد عُنُقه وَالْآخر يرفعهُ فَفِيهِ الْأَقْوَال الثَّلَاثَة وَإِن اسْتَويَا فِي مد الْعُنُق فَإِن اعْتبرنَا الْقدَم لم ينظر إِلَى العناق وَإِن اعْتبرنَا الْعُنُق اتجه اشْتِرَاط تَسَاوِي الْأَعْنَاق
وَلَا يخفى مَا فِي هَذِه الطَّرِيقَة من الضعْف وَعدم شَهَادَة نُصُوص الشَّافِعِي لَهَا بِالِاعْتِبَارِ
стр. 342
وَأما أَصْحَاب أَحْمد فَلهم ثَلَاث طرق أَحدهَا أَن السَّبق فِيهَا بالكتف وَهَذِه طَريقَة أبي البركات ابْن تَيْمِية وَغَيره وَالثَّانيَِة أَن السَّبق فِي الْإِبِل بالكتف وَأما الْخَيل فَإِن تَسَاوَت أعناقها فبالرأس وَإِن تفاوتت فبالكتف وَهَذِه طَريقَة الشَّيْخ أبي مُحَمَّد وَغَيره
وَالثَّالِثَة أَن السَّبق فِي الْجَمِيع بالأقدام وَهَذِه اخْتِيَار شَيخنَا أبي الْعَبَّاس بن تَيْمِية وَهِي الَّتِي اخْتَارَهَا أَبُو عبد الله بن حمدَان فِي رعايته وَهِي الصَّحِيحَة الْمَقْطُوع بهَا اعْتِبَارا بِأول الميدان واعتبارا بمسابقة بني آدم على الْأَقْدَام وَلِأَن أحد الفرسين قد يكون أمد جسما من الْأُخْرَى فَمَا اللسبق والكتف وَالرَّأْس وَإِنَّمَا جريها وعملها على أَقْدَامهَا فَكيف يحكم لمن سبقت يداها وَتَقَدَّمت بالتأخر إِذا تقدّمت عَلَيْهَا كتف الْأُخْرَى أَو رَأسهَا وَهل هَذَا إِلَّا جعل الْمَسْبُوق سَابِقًا وَالسَّابِق مَسْبُوقا
وَمن الْمَعْلُوم أَن أحد الفرسين أَو البعيرين إِذا تقدم قدمه على الآخر كَانَ سَابِقًا لَهُ بِنَفس آلَة السباق فَلَا مدْخل فِي ذَلِك لرأس وَلَا كتف
وَلَعَلَّ قَول الثَّوْريّ إِن السَّبق فِي ذَلِك كُله بالأذن أمثل من اعْتِبَار الرَّأْس والكتف وَهُوَ الَّذِي جَاءَ مُصَرحًا بِهِ فلي حَدِيث عَليّ بن أبي طَالب ﵁ وَقد تقدم بِخِلَاف الرَّأْس والكتف فَإِنَّهُ لم
стр. 343
يحفظ فِيهِ أثر عَن رَسُول الله ﷺ وَلَا عَن أَصْحَابه وَالظَّاهِر أَن عَادَتهم كَانَت اعْتِبَار السَّبق بالأقدام فَاعْلَم كمسابقة بني آدم وَلَا يعقل اسْم السَّبق إِلَّا بذلك فَلَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى نقل صَرِيح لعدم التباسه واطراد الْعَادة بِهِ وَالله أعلم
فصل
ذكر أَنْوَاع السِّلَاح ومنافعه والتفضيل بَين أَنْوَاعه
فصل فِي أَنْوَاع القسي
وَهِي فِي الأَصْل نَوْعَانِ قَوس يَد وقوس رجل
وقوس الْيَد ثَلَاثَة أَصْنَاف عَرَبِيَّة وفارسية وتركية
والعربية نَوْعَانِ
فَمِنْهَا الحجازية يصنعنها من عود النبع أَو الشوحط وَهِي قضيب أَو قضيبان ويسمونها شريحية وَالَّتِي من عود وَاحِد عِنْدهم أَجود قَالَ شَاعِرهمْ
стр. 344
(ارْمِ عَلَيْهَا وَهِي فرع أجمع ... وَهِي ثَلَاث أَذْرع وأصبع)
وَهَذَا قسي أهل البدو مِنْهُم
وَأما أهل الْحَضَر فيعقبون ظُهُورهَا ويكسون بطونها قُرُون الْمعز وَلَا تكَاد هَذِه القسي ترى إِلَّا بِأَرْض الْحجاز وَلَا ينْتَفع بهَا فِي غَيرهَا من الْأَمَاكِن وَلَيْسَت لَهَا سيات وَلَا مقابض
وَالنَّوْع الثَّانِي مِنْهَا الواسطية وَهِي مصنوعة من أَرْبَعَة أَشْيَاء الْخشب والعقب والقرن والغرا وَلها سيتان ومقبض وَسميت واسطية وَسميت واسطية لتوسطها بَين القسي الحجازية والفارسية وَلَيْسَت نِسْبَة إِلَى وَاسِط فَإِنَّهَا كَانَت مَوْجُودَة قبل بِنَاء وَاسِط وتسميها الْعَرَب لمن فصل ة لانفصال أَجْزَائِهَا قبل التَّرْكِيب وَهِي أَحْمد القسي عِنْدهم
وَتَحْت هذَيْن النَّوْعَيْنِ أَصْنَاف كَثِيرَة تجَاوز الْعشْرَة
فصل
وَأما الْقوس الفارسية فَهِيَ قسي العساكر الإسلامية فِي هَذَا الزَّمَان فِي الشَّام ومصر وَمَا يُضَاف إِلَيْهِمَا
وَأما القسي التركية فَهِيَ مثل قسي الْفرس غير أَنَّهَا أغْلظ مِنْهَا وَكثير مِنْهَا بل أَكْثَرهَا لَهَا قفل ومفتاح وَتسَمى الْأُنْثَى وَالذكر ويجعلون
стр. 345
لَهَا ركابا فِي طرف مجْراهَا فَإِذا أَرَادَ أحدهم أَن يوترها أَدخل رجله فِي ركابهَا فأوترها
فصل
وَأما [الْقوس المنعوتة بقوس الرجل فنوعان
أَحدهمَا هَذِه التركية
وَالثَّانِي قَوس الجرخ وَهِي قَوس لَهَا جوزة ومفتاح وَأهل الْمغرب يعتنون بهَا كثيرا ويفضلونها
المفاضلة بَين قَوس الْيَد وقوس الرجل
وَأَصْحَاب قَوس الْيَد يذمونها فَيَقُولُونَ لَا يَنْبَغِي لعاقل أَن يَرْمِي بهَا وَلَا أَن يعْتَمد عَلَيْهَا ويذكرون مَا فِيهَا من الْغرَر والعيوب والتكلف والإبطاء وَشدَّة الْمُؤْنَة بِالْحملِ وَأَنَّهَا تخون وَقت الكفاح وَلَا يتَمَكَّن الْمُحَارب بهَا من أَكثر من سهم وَاحِد ثمَّ يخالطه عدوه
قَالُوا فصاحبها ضَعِيف النكاية لَا يملك إِلَّا سَهْما وَاحِدًا ثمَّ هُوَ أَسِير مَمْلُوك وصاحبها لَا يُمكنهُ حمل الترس مَعَ الْقوس وَلَا الدرقة وَإِنَّمَا يَرْمِي من خلف جِدَار السُّور وَخلف حجر يكون مَسْتُورا بِهِ فَإِن رمى فِي براح من الأَرْض فَلَا بُد لَهُ من رجلَيْنِ مترسين يمسكان عَلَيْهِ حَتَّى يَرْمِي وَأَيْنَ من يَرْمِي من شقّ فِي جِدَار السُّور إِلَى من يبرز فِي البراح والفضاء يَرْمِي
стр. 346
نظره وَذَلِكَ لَا يَرْمِي إِلَّا قِطْعَة يسيرَة أَمَامه
وأربابها يفضلونها ويذكرون فوائدها ونكايتها فِي الْحُصُون والمعاقل وتأثيرها مَا لَا يؤثره قَوس الْيَد
فصل النزاع بَين الطَّائِفَتَيْنِ
وَفصل النزاع بَين الطَّائِفَتَيْنِ أَن قَوس الْيَد أَنْفَع فِي وَقت مصافة الجيوش وملاقاة الْعَدو فِي الصَّحرَاء وَأما قَوس الرجل فأنفع وَقت حِصَار القلاع والحصول وأنكى من قَوس الْيَد وَقد يكون الرَّمْي بهَا من دَاخل الْحُصُون وَأَيْضًا إِلَى الْعَدو الْجَامِع أَنْفَع لَهُ وأنكى فِيهِ فلهذه مَوضِع ولهذه مَوضِع
وقوس الْيَد أَعم نفعا وعَلى الرَّمْي بهَا أَكثر الْأُمَم وَأَهْلهَا هم الرُّمَاة على الْحَقِيقَة
فصل
فِي أَنْفَع القسي وأولاها بِالِاسْتِعْمَالِ
أولاها وأنفعها مَا كثرت نكايته وَقلت آفته وخف [حمله] وَقَوي فعله فَتلك الْقوس المحمودة لصَاحِبهَا الدافعة الْأَذَى عَن حاملها
وَهَذَا عَام فِي جَمِيع السِّلَاح فأنفعه وأفضله مَا خف حمله على الْأَعْضَاء وَدفع عَنْهَا الْأَذَى
وَسَأَلَ عمر بن الْخطاب عَمْرو بن معد يكرب يَوْمًا عَن السِّلَاح فَقَالَ يسْأَل أَمِير الْمُؤمنِينَ عَمَّا بدا لَهُ قَالَ مَا تَقول فِي الرمْح فَقَالَ أَخُوك
стр. 347
وَرُبمَا خانك ف [انْكَسَرَ أَو] انقصف قَالَ فَمَا تَقول فِي الترس فَقَالَ هُوَ المحز وَعَلِيهِ تَدور الدَّوَائِر قَالَ فالنبل فَقَالَ منايا تخطئ وتصيب قَالَ فالدرع قَالَ متعبة للراجل مشغلة للراكب وَإِنَّهَا لحصن حُصَيْن قَالَ فالسيف قَالَ هُنَالك ثكلتك أمك فَضَربهُ [عمر ﵁] بِالدرةِ قَالَ بل أمك لَا أم لَك
فصل
أَنْفَع قسي الْيَد
وَخير قسي الْيَد وأنفعها مَا تركبت من الْخَشَبَة والعقب والقرن والغراء وَفِي ذَلِك حِكْمَة بليغة وصنعة شريفة رفيعة [وَذَلِكَ] أَنَّهَا منشأة على نشأة الْإِنْسَان فَإِن قوامه وبناءه على أَربع على الْعظم وَاللَّحم وَالْعُرُوق وَالدَّم فَكَذَا أنشئت الْقوس على هَذِه الْأَرْبَع
فالخشب لَهَا بِمَنْزِلَة الْعظم من الْإِنْسَان
والقرن بِمَنْزِلَة اللَّحْم المشبك على جَمِيع أعضائها
والعقب بِمَنْزِلَة الْعُرُوق المشتبكة على جَمِيع أَعْضَاء الْحَيَوَان
والغراء فِيهَا بِمَنْزِلَة الدَّم الَّذِي بِهِ يلتئم جَمِيعهَا
وَلما كَانَ للْإنْسَان ظهر وبطن جعلُوا لَهَا ظهرا [وبطنا] وَكَذَلِكَ [ترَاهَا] تنطوي من نَحْو بَطنهَا كَمَا ينطوي الْإِنْسَان وَإِن كسر ظهرهَا
стр. 348
انْكَسَرت من ساعتها وَكَذَلِكَ الْإِنْسَان
وَقد ذكر أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِيّ فِي تَارِيخه أَن جِبْرِيل نزل بِالْقَوْسِ على آدم فَهُوَ أول من رمى بهَا
وَثَبت فِي الصَّحِيح أَن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم خَلِيل الرَّحْمَن كَانَ راميا
وَرمى النَّبِي ﷺ يَوْم أحد حَتَّى اندقت سية قوسه
وَقد ذكر عَنهُ ﷺ أَنه كَانَت عِنْده ثَلَاث قسي قَوس معقبة تدعى الروحاء وقوس شوحط تدعى الْبَيْضَاء وقوس نبع تدعى الصَّفْرَاء
стр. 349
وَلَا ريب أَن القسي الْعَرَبيَّة أَنْفَع للْعَرَب والفارسية [أَنْفَع] للعسكر الْيَوْم وَكِلَاهُمَا يفضل القسي التركية لما فِيهَا من الْقُوَّة والشدة والسرعة والرطوبة وخفة الْحمل وَقُوَّة الْفِعْل وَلم تكن التّرْك تعتاد هَذِه القسي الفارسية وَلَكِن لما خالطت الْفرس وعاشرتهم تعلمُوا مِنْهُم كثيرا من زيهم ولباسهم وحربهم ولسانهم وآلاتهم
فصل
فِي الْمُفَاخَرَة بَين قَوس الْيَد وقوس الرجل
قَالَ قَوس الرجل لقوس الْيَد أَنا اشد مِنْك باسا واعظم أركانا واقوى وترا وَأَغْلظ سَهْما [ونصلا] وَأبْعد مرمى واشد نفوذا [أَنا] أنفذ فِي الصخر الْأَصَم وأخرق مَا ينكسر فِيهِ لَك من نصل وَسَهْم تَفِر الجيوش من وَقع سهم وَاحِد من سهامي وأهزمها يَمِينا وَشمَالًا وَأَنا مَحْجُوب وَرَاء الرَّامِي زمجرتي كزمجرة الرعود ومنظري الكريه كمنظر الْأسود لَا يخَاف ظَهْري الانكسار وَلَا على وتري الِانْقِطَاع وَلَا ترد سهامي عواصف الرِّيَاح وَلَا يحجبها درع وَلَا مغْفرَة وَلَا سابغة وَلَا يقوم لَهَا شَيْء من السِّلَاح فسل عني الْحُصُون والقلاع هَل يقوم غَيْرِي مقَامي فِي المكافحة عَنْهَا والدفاع ثمَّ سل جيوشها عَن مقدمي تِلْكَ الصُّفُوف وَعَمن يشيرون إِلَيْهِ فِي تِلْكَ الرجوف فَهَل لراميك قُوَّة تحملي أم لَك قدرَة على دفع سهمي وَنُصَلِّي من الَّذِي خالطه سهمي فَلم يغادره صَرِيعًا أم من الَّذِي حل بساحته فَمَا سلبه ثَوْبه والحياة سلبا سَرِيعا فَمن الَّذِي يقوم مقَامي لباسي الشَّديد أم أَي قَوس سواي ترمي بسهام الْحَدِيد هَذَا وَإِن السهْم من سهامي ليوزن بِالْقَوْسِ من سواي وَإِذا أحَاط الْعَدو بالحصول خَانَهُمْ
стр. 350
جَمِيع أَنْوَاع السِّلَاح إِلَّا إيَّايَ فَأَنا والمنجنيق رضيعا لَبَنًا وَإِن التقيت بِالْوَاحِدِ من النَّاس وَهُوَ يحْتَاج إِلَى كَثْرَة الأعوان وَمن حاربني فَمَا لَهُ بحربي يدان وَمن نَازع قوتي فقد جاهر بمخالفة العيان
قَالَ قَوس اللَّيْل
عجبا لَك أَيهَا البغيض الثقيل ومزاحمة اللطاف الرشاق والجري مَعهَا وَلست هُنَاكَ فِي ميدان السباق وَقل لي مَتى استصحبك فِي الحروب العساكر مَتى استصحبك فِي الصَّيْد صائد أَو فِي طَرِيق سَفَره الْمُسَافِر أما تَسْتَحي من ثقل حملك على الْأَعْضَاء وَمن تخلفك عَن جيوش الْإِسْلَام يَوْم اللِّقَاء فَإِذا وَقعت الْعين فِي الْعين كنت عَن اللِّقَاء بمعزل وَإِذا نزلت أُمَرَاء جيوش السِّلَاح منازلها فمنزلتك مِنْهَا أبعد منزل لَا تقَاتل إِلَّا من وَرَاء جِدَار أَو سور وَمَتى برزت إِلَى الْعَدو فِي براح من الأَرْض فَأَنت لَا شكّ مغلوب ومأسور هَذَا وَإِن قدر الله وأعان وبرزت إِلَى الْعَدو مَعَ الأعوان فلك سهم وَاحِد تبطر بِهِ وَقد لَا تصيب وَأَنا أرمي عَلَيْك عدَّة من السِّهَام وَإِن كَانَ مِنْهَا الْمُخطئ والمصيب أَنا أعين صَاحِبي على رميه قَائِما وَقَاعِدا ولابثا وسائرا وراكبا ونازلا وَلَو أَرَادَ صَاحبك مِنْك ذَلِك لَكُنْت بَينه وَبَين قَصده حَائِلا وَيَكْفِيك قبحا أَن شكلك كالصليب وَلِهَذَا حمل من حمل من الْعلمَاء لعن النَّبِي ﷺ لَك على ذَلِك كطائفة مِنْهُم عبد الْملك بن حبيب
وَيَكْفِيك ذما أَن الْمُسْتَخْرج لَك عَدو إِبْرَاهِيم الْخَلِيل بل عَدو
стр. 351
الرَّحْمَن وَهُوَ نمْرُود بن كنعان كَمَا ذكر ذَلِك مؤرخ الْإِسْلَام مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِيّ فِي تَارِيخه الْكَبِير عَن ابْن عَبَّاس أَن أول من رمى بقوس الرجل النمرود بن كنعان استخرجها حِين رجم بهَا السَّمَاء لِأَنَّهُ لما صَحَّ عِنْد أَن الله فِي السَّمَاء صنع تابوتا وربى نسرين عظيمين فِي الْخلقَة وَجعل التابوت على ظهرهما وَكَانَ التابوت لَهُ ثَلَاث طَبَقَات فَلَمَّا غَابَتْ الدُّنْيَا عَن بَصَره أَمر بِالْقَوْسِ وَكَانَت قوسا عَظِيما يجذبها بحركة كاللولب لقوتها فَجعل السهْم فِيهَا وَرمى بهَا نَحْو السَّمَاء فَغَاب السهْم عَن بَصَره سَاعَة ثمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ مدمى لما أَرَادَ الله من خذلانه وتماديه على الْكفْر وعذابه بِمَا سبق فِي علمه فَقَالَ قد قتلت إِلَه السَّمَاء فحول النسرين وَجعل التابوت نَحْو الأَرْض حَتَّى هَبَط إِلَى الأَرْض فازاداد استكبارا وعلوا فِي الأَرْض حَتَّى أهلكه الله بأضعف خلقه وَهِي الْبَعُوضَة فَلَو لم يكن لَك مثلبة غَيرهَا لكفى بهَا وَكم بَين قَوس رمت بهَا الْأَنْبِيَاء وقوس رميت بهَا السَّمَاء
وَأَنت لَا يتَمَكَّن صَاحبك من حملك مَعَ ترس وَلَا درقة وَلَا تركاش وَلَا شَيْء من أَنْوَاع السِّلَاح وَلَا يُمكن الْجمع بَيْنك وَبَين سمر العوالي وبيض الصفاح هَذَا وَقُوَّة الدّفع فِيك بحركة وصناعة وَقُوَّة الدّفع مني بِمَا أعين بِهِ صَاحِبي من الْقُوَّة والشجاعة فصاحبك ضَعِيف النكاية قَلِيل الحماية تَابع لغيره مَأْمُور مَحْكُوم عَلَيْهِ فَافْهَم وصاحبي عَظِيم الهيبة كثير الْمَنْفَعَة متبوع أَمِير يتحاكم إِلَيْهِ غايتك أَن تكون من بعض خدمته ومنخرطا فِي سلك أَتْبَاعه وحشمه وَبِي فتحت الْبِلَاد ودانت بِالطَّاعَةِ لرب
стр. 352
الْعباد وأصحابي هم الْمُلُوك والأمراء والأجناد وَأَصْحَابك حراس القلاع وأصحابي أَرْبَاب الْأَخْبَار الْعَظِيمَة والأقطاع
فيا عجبا لَك كَيفَ يَسْتَوِي رَاكب أتان وراكب حصان وَكَيف يَسْتَوِي الْقوس الشَّرِيفَة المؤيدة المنصورة الَّتِي شهد رَسُول الله ﷺ لجنسها بالنصر والتأييد والقوس الَّتِي نِهَايَة أمرهَا أَن تكون فِي مثل الخدم وَالْعَبِيد
سهامي تخرج مُتَتَابِعَات متواصلات متماطرات سهم فِي أثر سهم وإصابة فِي أثر إِصَابَة فترى سهامي كوابل انهل من صوب الْغَمَام وَهِي ترد متتابعة يَتْلُو بَعْضهَا بَعْضًا تَسوق النُّفُوس إِلَى الْحمام
فصاحبي مثل الْأسد فِي بسالته مهيب حَيْثُمَا تَوَجَّهت ركائبه مخوف مُعظم حَيْثُمَا اسْتقْبلت مضاربه لِأَن قوتي مَعَه وشدتي فِي يَده فَحَيْثُ أَرَادَ كيد عدوه تمكن مِنْهُ وَلَا يتقيه بِشَيْء من السِّلَاح لقُوته وشدته وسرعته لِأَنَّهُ لَا يعرف من أَيْن يتقيه وَلَا من أَيْن يَأْتِيهِ
وَأي فَضِيلَة أشرف وَأي مكانة أَعلَى وَأي حُرْمَة أَشد من رجل من الْمُسلمين قد أحكم صناعَة الرمى بِي فَركب جَوَاده سدد سهامه وَأقَام إِلَى الصُّفُوف عيَانًا فأثخنهم بالجراح والحتوف من قَاتله قَتله وَمن اتبعهُ صرعه لَا يُنجي الفار مِنْهُ فراره وَلَا ينفع الشجاع البطل مِنْهُ إقباله وإدباره
وَإِنَّمَا مَال من مَال عني من أَرْبَاب قَوس الرجل لأَنهم وجدوها أقرب تناولا إِلَيْهِم وأسهل مُؤنَة وأخف عَلَيْهِم فعدلوا لذَلِك إِلَيْهَا وعولوا بعجزهم عني عَلَيْهَا وَسَهل ذَلِك عَلَيْهِم أَنهم لم يكن لَهُم دربة على
стр. 353
الْخَيل فتدعوهم إِلَى قسي الْيَد دَاعِيَة الِاضْطِرَار وَإِنَّمَا كَانَت حروبهم فِي قرى مُحصنَة أَو من وَرَاء جِدَار
فاسمع الْآن جملَة من عيوبك المتكاثرة ثمَّ اقصد إِلَى المساجلة والمفاخرة
فَمِنْهَا أَن شكلك كواحد الصلبان وثقلك كَنِصْف حجر الطَّحَّان وَبَين السهمين من سهامك بُرْهَة من الزَّمَان لَا تبرز لعدوك فِي الفضاء وَلَا تَلقاهُ بالعراء
وَمِنْهَا أَن المَاء إِذا أَصَابَك بمطر أَو غَيره وابتل بِهِ وَترك لم يُمكن صَاحبك من الرَّمْي بك أَلْبَتَّة بل تصير كالقطعة من الْخَشَبَة الْيَابِسَة
وَأَيْضًا فقوس الرجل قوته فِي أول أمره ثمَّ يضعف عَن الأول الثَّانِي وَالثَّالِث عَن الثَّانِي وَالرَّابِع عَن الثَّالِث وهلم جرى حَتَّى تفنى قوته وصلابته ويتحلل ثُبُوته إِلَى أَن يصير الْوتر عمالا على المجرى فَإِن رمي بِهِ لم يُوصل إِلَى شَيْء وَرُبمَا قتل الرَّامِي بِهِ وَإِن حلّه وفتل الْوتر كَمَا يفعل بَعضهم اعتراه فِي الثَّانِي مَا اعتراه فِي الأول فَلَا تزَال الْقوس فِي ضعف وخور فَإِن فتل الْوتر ثَانِيَة ضعفت جدا وَرُبمَا بطلت قوتها رُبمَا انْكَسَرت فتدعوه الضَّرُورَة إِلَى قَوس غَيرهَا أَو يجلس خاسرا فكم بَين من يَرْمِي نَهَاره كُله بقوس الْيَد لَا يتَغَيَّر لَهَا سهم وَلَا ينْحل لَهَا قُوَّة وَيكون آخر سهم كأول سهم وَبَين من يَرْمِي بقوس إِنَّمَا سلطانها فِي أول سهم ثمَّ هِيَ أَمِير فِي الثَّانِي ثمَّ تفتت فِي الثَّالِث ثمَّ تتردى فِي الرَّابِع ثمَّ هِيَ فِي الْخَامِس بِمَنْزِلَة الرجل الضَّعِيف
وَيَكْفِي من عيوبك أَن الْوتر مِنْك رُبمَا كَانَ على وَجه المجرى
стр. 354
فَرجع السهْم إِلَى وَجه الرَّامِي فيقتله وَرُبمَا كَانَ فَوق السهْم فِيهِ ضيق عَن الْوتر فينبذ بِهِ الْقوس إِلَى نَاحيَة أُخْرَى غير المرمى فَيقْتل من كَانَ قَرِيبا مِنْهُ وَرُبمَا كَانَت الجوزة عالية جدا فينبذ الْوتر السهْم إِلَى نَاحيَة أُخْرَى أَو إِلَى وَجه الرَّامِي فيقتله وَلَقَد شوهد بعض رُمَاة هَذَا الْقوس وَقد مَال قوسه وَألقى فِيهَا سَهْمه وَهُوَ يُرِيد أَن يضْرب سبعا ضاريا كَانَ يُؤْذِي النَّاس فَلَمَّا فَوق نَحْو السَّبع رَجَعَ السهْم إِلَى وَجهه فَضَربهُ ضَرْبَة فِي عينه فاحتبس فِيهَا وَكَانَ إِخْرَاجه من عينه بعد الْجهد الشَّديد وَالْمَشَقَّة الْعَظِيمَة قد سَالَتْ على وجنته فآلى الرجل على نَفسه أَن لَا يَرْمِي بِهَذِهِ الْقوس أبدا
وَأما مَا يسمع لَك من القعقة والجعجعة فَهِيَ الَّتِي غرت جهال النَّاس بمنافع قَوس الرجل ومصالحها فَإِنَّهُم إِذا سمعُوا صَوت تِلْكَ القعاقع وشاهدوا هول تِلْكَ الجعاجع ظنوها لقوتك وَشدَّة بأسك أَو لقُوَّة الرَّامِي بك ولسان الْحَال يَقُول أسمع جعجعة وَلَا أرى طحنا وأشاهد قعقعة وَلَا أرى فعلا
هَذَا وَجَمِيع قوتك وشدتها إِنَّمَا تذْهب فِي المجرى بِمحل الْوتر
стр. 355
لَهُ إِذْ الْوتر لَيْسَ مواريا لموْضِع الْقَضِيب إِنَّمَا الْوتر على وَجه المجرى والقضيب فِي نصفهَا فَزَالَتْ قُوَّة الْقوس من السهْم وحصلت جَمِيع الْقُوَّة فِي المجرى وَقد حدد حذاق هَذَا الرَّمْي مَا يصل من الْقُوَّة إِلَى السهْم فوجدوا ربع الْقُوَّة فَمَا ظَنك بِربع الْقُوَّة مَعَ الْخطر وَالْغرر
وَيَكْفِي فِي التَّفْضِيل أَن أول من رمى بك نمْرُود بن كنعان كَمَا تقدم وَأول من رمى بِي آدم أَبُو الْبشر كَمَا حَكَاهُ مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِيّ فِي تَارِيخه إِن الله سُبْحَانَهُ لما أَمر آم بالزارعة حِين أهبط إِلَى الأَرْض من الْجنَّة فزرع أرسل الله إِلَيْهِ طائرين يأكلان مَا زرع ويخرجان مَا بذر فَشَكا ذَلِك إِلَى الله فأهبط عَلَيْهِ جِبْرِيل وَبِيَدِهِ قَوس ووتر وسهمان فَقَالَ يَا جِبْرِيل مَا هَذَا واعطاه الْقوس قَالَ هَذِه قُوَّة من الله وَأَعْطَاهُ الْوتر وَقَالَ هَذِه شدَّة من الله ثمَّ اعطاه السهمين فَقَالَ يَا جِبْرِيل مَا هَذِه فَقَالَ هَذِه نكاية الله وَعلمه الرَّمْي بهَا فَرمى بهما الطائرين فَقَتَلَهُمَا وسر بذلك
ثمَّ صَار علم الرَّمْي إِلَى إِبْرَاهِيم الْخَلِيل ثمَّ إِلَى وَلَده إِسْمَاعِيل وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لنفر من أسلم ارموا بني إِسْمَاعِيل فَإِن أَبَاكُم كَانَ راميا وَقد تقدم أَن النَّبِي ﷺ رمى يَوْم أحد
следующие страницы →