← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6278

الإمام في بيان أدلة الأحكام

عز الدين بن عبد السلام

Полный текст (208 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فالسلبي كالقدوس وَالسَّلَام والغني ويذكرها الرب سُبْحَانَهُ تمدحا لنَفسِهِ وإعلاما لِعِبَادِهِ وترغيبا فِي الإعظام والإجلال وَقد يذكر الْغَنِيّ لبَيَان أَن جَزَاء أَعمال الْعباد تعود عَلَيْهِم دونه كَقَوْلِه ﴿وَمن كفر فَإِن الله غَنِي عَن الْعَالمين﴾ ﴿إِن تكفرُوا فَإِن الله غَنِي عَنْكُم وَلَا يرضى لِعِبَادِهِ الْكفْر﴾ ﴿وَمن كفر فَإِن رَبِّي غَنِي كريم﴾ جَوَاب الشَّرْط وَمن كفر فقد ضيع حَظّ نَفسه من الثَّوَاب وَمن السَّلامَة من الْعقَاب فَيَعُود ذَلِك إِلَى الزّجر عَن الْكفْر وصفات الْإِثْبَات ضَرْبَان ذاتي وفعلي وتذكر صِفَات الذَّات إعلاما وترغيبا فِي الإجلال والمهابة وتمدحا وترغيبا فِي الطَّاعَة وتحذيرا من الْمعْصِيَة

стр. 142

وتذكر صِفَات الْفِعْل للتمدح والتمنن وَالتَّرْغِيب والترهيب والتعليم لأجل التَّعْظِيم وَقد ينْسب إِلَيْهِ أوصافا على سَبِيل التَّجَوُّز إِذْ لَا يُمكن اتصافه بحقائقها وَهل يكون مجازها عبارَة عَن وصف ذاتي أَو فعلي فِيهِ خلاف وَقد يكون فِي بعض المواطن عبارَة عَن وصف ذاتي وَفِي بَعْضهَا عَن وصف فعلي كَقَوْلِه ﷺ أعوذ برضاك من سخطك فالرضا هُنَا عبارَة عَن الْإِرَادَة إِذْ لَا يستعاذ بحادث وَالْمرَاد بالسخط فعل الساخط إِذْ لَا يستعاذ من قديم وبمعافاتك من عُقُوبَتك أَي بموجبات معافاتك وَهِي من قدرتك وإرادتك من عين عُقُوبَتك وَبِك مِنْك لِأَن الِاسْتِعَاذَة بالفاعل على التَّحْقِيق

стр. 143

وصفات الذَّات سبع الصّفة الأولى الْحَيَاة وتذكر تَعْلِيما للإجلال وتمدحا كَقَوْلِه ﴿الْحَيّ القيوم﴾ ﴿هُوَ الْحَيّ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ﴾ وَقد تذكر ترغيبا كَقَوْلِه ﴿وتوكل على الْحَيّ الَّذِي لَا يَمُوت﴾ وَذكر الْحَيَاة الدائمة ترغيبا فِي التَّوَكُّل عَلَيْهِ والالتجاء إِلَيْهِ الصّفة الثَّانِيَة الْعلم وتذكر تمدحا كَقَوْلِه ﴿وَهُوَ بِكُل شَيْء عليم﴾ ﴿وَيعلم مَا فِي الْبر وَالْبَحْر﴾ ﴿وَكَانَ الله بِكُل شَيْء عليما﴾ ﴿إِن الله لَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء فِي الأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء﴾ ﴿وَمَا يعزب عَن رَبك من مِثْقَال ذرة فِي الأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء﴾ ﴿وأحصى كل شَيْء عددا﴾ وَقد تذكر ترغيبا وترهيبا فالترغيب كَقَوْلِه ﴿وَمَا تَفعلُوا من خير يُعلمهُ الله﴾

стр. 144

﴿وَمَا أنفقتم من نَفَقَة أَو نذرتم من نذر فَإِن الله يُعلمهُ﴾ ﴿وَمَا تَفعلُوا من خير فَإِن الله بِهِ عليم﴾ ﴿وَالله عليم بالمتقين﴾ والترهيب كَقَوْلِه ﴿وَالله عليم بالظالمين﴾ ﴿فَإِن الله عليم بالمفسدين﴾ ﴿وَلَا تحسبن الله غافلا عَمَّا يعْمل الظَّالِمُونَ﴾ ﴿إِن الَّذين يلحدون فِي آيَاتنَا لَا يخفون علينا﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذين يعلم الله مَا فِي قُلُوبهم﴾ ﴿يعلم مَا فِي أَنفسكُم فَاحْذَرُوهُ﴾ ﴿وَأَنا أعلم بِمَا أخفيتم وَمَا أعلنتم﴾ وَالْجمع بَين التَّرْغِيب والترهيب كَقَوْلِه ﴿وَالله يعلم الْمُفْسد من المصلح﴾ ﴿إِن رَبك هُوَ أعلم بِمن ضل عَن سَبيله وَهُوَ أعلم بالمهتدين﴾ ﴿يعلم مَا تكسب كل نفس﴾ ﴿وَمَا رَبك بغافل عَمَّا يعْملُونَ﴾ ﴿وَلَا تَعْمَلُونَ من عمل إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُم شُهُودًا إِذْ تفيضون فِيهِ﴾ ﴿فلنقصن عَلَيْهِم بِعلم وَمَا كُنَّا غائبين﴾ ﴿وَالله عليم بِذَات الصُّدُور﴾ ﴿وَالله يعلم أَعمالكُم﴾ ﴿وليعلم الْمُؤمنِينَ وليعلم الَّذين نافقوا﴾

стр. 145

وَقد تذكر للتسلية كَقَوْلِه ﴿قد نعلم إِنَّه ليحزنك الَّذِي يَقُولُونَ﴾ ﴿وَلَقَد نعلم أَنَّك يضيق صدرك بِمَا يَقُولُونَ﴾ الصّفة الثَّالِثَة الْإِرَادَة وَقد تذكر تمدحا كَقَوْلِه ﴿فعال لما يُرِيد﴾ تمدح بنفوذ إِرَادَته فِي كل مَا يتَعَلَّق بِهِ وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿وَيفْعل الله مَا يَشَاء﴾ ﴿تؤتي الْملك من تشَاء﴾ ﴿وَإِذا أَرَادَ الله بِقوم سوءا فَلَا مرد لَهُ﴾ الْآيَة ﴿وَمن يرد الله فتنته فَلَنْ تملك لَهُ من الله شَيْئا﴾ ﴿وَلَو شَاءَ رَبك لآمن من فِي الأَرْض كلهم جَمِيعًا﴾ ﴿وَلَو شِئْنَا لآتينا كل نفس هداها﴾ ﴿وَلَو شَاءَ رَبك مَا فَعَلُوهُ﴾ ﴿إِن يَشَأْ يذهبكم﴾ وَقد تذكر تمننا كَقَوْلِه ﴿وَالله يُرِيد أَن يَتُوب عَلَيْكُم﴾ ﴿إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس﴾ ﴿وَلَكِن يُرِيد ليطهركم﴾ ﴿يُرِيد الله أَن يُخَفف عَنْكُم﴾ ﴿وَلَو شَاءَ الله لسلطهم عَلَيْكُم﴾ ﴿وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك﴾

стр. 146

وَقد تذكر ترهيبا كَقَوْلِه ﴿أَن لَو نشَاء أصبناهم بِذُنُوبِهِمْ﴾ ﴿وَلَو نشَاء لطمسنا على أَعينهم﴾ ﴿وَلَو نشَاء لمسخناهم على مكانتهم﴾ ﴿لَو نشَاء لجعلناه حطاما﴾ ﴿وَلَو نشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ﴾ ﴿لَو نشَاء جَعَلْنَاهُ أجاجا﴾ الصّفة الرَّابِعَة السّمع وتذكر تمدحا كَقَوْلِه جلّ ثَنَاؤُهُ ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير﴾ ﴿وَالله هُوَ السَّمِيع الْعَلِيم﴾ وتذكر تهديدا كَقَوْلِه ﴿لقد سمع الله قَول الَّذين قَالُوا إِن الله فَقير وَنحن أَغْنِيَاء﴾ وَكَقَوْلِه ﴿أم يحسبون أَنا لَا نسْمع سرهم ونجواهم بلَى﴾ ... وتذكر تسكينا وتطمينا كَقَوْلِه ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أسمع وَأرى﴾ وتذكر ترغيبا كَقَوْلِه ﴿وَإِذا سَأَلَك عبَادي عني فَإِنِّي قريب أُجِيب دَعْوَة الداع﴾ أَي سامع لدعائهم عبر بِالْقربِ عَن السّمع لتوقفه عَلَيْهِ فِي الْعَادة

стр. 147

وتذكر بِمَعْنى الْإِجَابَة كَقَوْلِه ﴿إِن رَبِّي لسميع الدُّعَاء﴾ ﴿إِنَّه سميع قريب﴾ وَكَذَلِكَ قَول الْمُصَلِّي سمع الله لمن حَمده الصّفة الْخَامِسَة الْبَصَر وتذكر تمدحا كَقَوْلِه ﴿وَهُوَ يدْرك الْأَبْصَار﴾ وَكَقَوْلِه ﴿وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير﴾ وتذكر تسكينا وتطمينا كَقَوْلِه ﴿أسمع وَأرى﴾ وتذكر ترهيبا كَقَوْلِه ﴿أيحسب أَن لم يره أحد﴾ ﴿ألم يعلم بِأَن الله يرى﴾ وتذكر ترغيبا كَقَوْلِه ﴿الَّذِي يراك حِين تقوم وتقلبك فِي الساجدين﴾ وَقَوله ﴿وَأَن سَعْيه سَوف يرى﴾ وتذكر ترهيبا وترغيبا كَقَوْلِه ﴿وَمَا كُنَّا غائبين﴾ وَقَوله ﴿فسيرى الله عَمَلكُمْ وَرَسُوله﴾ وَقَوله ﴿لنَنْظُر كَيفَ تَعْمَلُونَ﴾ وَقَوله ﴿فَينْظر كَيفَ تَعْمَلُونَ﴾ وَكَقَوْلِه ﴿إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُم شُهُودًا إِذْ تفيضون فِيهِ﴾ الصّفة السَّادِسَة الْقُدْرَة وتذكر تمدحا كَقَوْلِه ﴿وَالله على كل شَيْء قدير﴾ ﴿وَكَانَ الله على كل شَيْء مقتدرا﴾ ﴿تبَارك الَّذِي بِيَدِهِ الْملك وَهُوَ على كل شَيْء قدير﴾

стр. 148

﴿وَالْأَرْض جَمِيعًا قَبضته يَوْم الْقِيَامَة وَالسَّمَاوَات مَطْوِيَّات بِيَمِينِهِ﴾ وتذكر ترغيبا ووعدا كَقَوْلِه ﴿إِن تبدوا خيرا أَو تُخْفُوهُ أَو تعفوا عَن سوء فَإِن الله كَانَ عفوا قَدِيرًا﴾ أَي على الْمُكَافَأَة والمجازاة ﴿عَسى الله أَن يَجْعَل بَيْنكُم وَبَين الَّذين عاديتم مِنْهُم مَوَدَّة وَالله قدير﴾ أَي على ذَلِك وَقد تذكر ترهيبا كَقَوْلِه ﴿وَإِنَّا على أَن نريك مَا نعدهم لقادرون﴾ ﴿أَو نرينك الَّذِي وعدناهم فَإنَّا عَلَيْهِم مقتدرون﴾ ﴿وَمَا نَحن بمسبوقين على أَن نبدل أمثالكم﴾ ﴿وَلَا يَحسبن الَّذين كفرُوا سبقوا إِنَّهُم لَا يعجزون﴾ ﴿إِن يَشَأْ يذهبكم أَيهَا النَّاس وَيَأْتِ بِآخَرين وَكَانَ الله على ذَلِك قَدِيرًا﴾ الصّفة السَّابِعَة الْكَلَام وَهُوَ الأَصْل فِي جَمِيع الْأَحْكَام لأَمره

стр. 149

وَنَهْيه وإطلاقه وإباحته ووعده ووعيده وذمه ومدحه وَغير ذَلِك مِمَّا تقدم ذكره من نصب الْأَسْبَاب والموانع والشرائط والآجال والأوقات وَغير ذَلِك من أَنْوَاع الْأَحْكَام وَأما صِفَات الْفِعْل فَمَا كَانَ مُتَعَلّقه خيرا أَو نعْمَة كالخلاق والرزاق والوهاب والفتاح والنافع والرافع فَإِنَّهُ يذكر تمننا أَو تمدحا أَو إطماعا فِي مُتَعَلق تِلْكَ الصّفة وَمَا كَانَ مُتَعَلّقه شِرَاء أَو نقمة فَإِنَّهُ يذكر تمدحا بالقهر وَالْغَلَبَة أَو ترهيبا من مُتَعَلّقه كالقهار والجبار إِن أَخذ من الْإِجْبَار وَقد يَأْمر بِأَن يتَعَلَّم ذَلِك الْوَصْف وَيكون الْغَرَض التَّرْغِيب والترهيب كَقَوْلِه ﴿اعلموا أَن الله شَدِيد الْعقَاب وَأَن الله غَفُور رَحِيم﴾ وَقد يَأْمر بإبلاغه إِلَى عباده لغَرَض التَّرْغِيب والترهيب كَقَوْلِه ﴿نبئ عبَادي أَنِّي أَنا الغفور الرَّحِيم وَأَن عَذَابي هُوَ الْعَذَاب الْأَلِيم﴾ وَقَوله ﴿وَاعْلَمُوا أَن الله يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه﴾ هَذَا رَاجع إِلَى صفة الْإِدْرَاك كَالْعلمِ والسمع وَالْبَصَر كَقَوْلِه ﴿وَنحن أقرب إِلَيْهِ من حَبل الوريد﴾ وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي أَوْصَاف لَا يجوز اتصاف الرب تَعَالَى بحقائقها فحملها بَعضهم على الْإِرَادَة الْمُلَازمَة لذَلِك الْوَصْف فِي غَالب الْأَمر وَحملهَا

стр. 150

الْآخرُونَ على فعل يثمره ذَلِك الْوَصْف فِي غَالب الْأَمر فَمن ذَلِك مَا يتَعَلَّق بِالْخَيرِ وَمِنْه مَا يتَعَلَّق بِالشَّرِّ مِثَال الْمُتَعَلّق بِالْخَيرِ الْمحبَّة والمودة والرأفة وَالرَّحْمَة والمصاحبة والمجالسة وَالْمَشْي والهرولة والتقرب والتقريب والمخالة وَأخذ الصَّدقَات بِيَمِينِهِ وإجلاس المقسطين عَن يَمِينه على مَنَابِر من نور وَبسط يَدَيْهِ بِالرَّحْمَةِ وَالتَّوْبَة وَنَحْو ذَلِك من الْأَوْصَاف الَّتِي متعلقها خير ونفع فَإِن جعل ذَلِك عبارَة عَن الْإِرَادَة قلت يُرِيد بوليه مَا يُريدهُ الْمُحب بحبيبه والواد بمودوده والراحم بِمن رَحمَه والرؤوف بِمن رأف بِهِ والمصاحب والمجالس بِصَاحِبِهِ وجليسه والماشي والمهرول إِكْرَاما لمن مَشى إِلَيْهِ وهرول إِلَيْهِ والمقرب بِمن قربه والمتقرب بِمن تقرب إِلَيْهِ والخليل بخليله والقابل لَهَا يهدي إِلَيْهِ بِيَمِينِهِ والمجلس لمن يُحِبهُ ويكرمه عَن يَمِينه وَإِن جعلت ذَلِك عبارَة عَن الْفِعْل قلت يُعَامل وليه مُعَاملَة الحبيب لحبيبه والواد لمودوده والراحم لمرحومه والرؤوف لمن رأف بِهِ والصاحب لصَاحبه والمجالس لجليسه والماشي لمن مَشى إِلَيْهِ والمهرول لمن هرول إِلَيْهِ والمقرب والمتقرب لمن قربه وتقرب إِلَيْهِ والخليل لخليله والقابل لما يهدي إِلَيْهِ بِيَمِينِهِ والمجلس لمن يُكرمهُ عَن يَمِينه

стр. 151

والباسط يَده بالبذل والإعطاء لمن بذل لَهُ وَأَعْطَاهُ وكل ذَلِك رَاجع إِلَى التَّرْغِيب الدَّال على الْأَمر أَمْثِلَة ﴿يحببكم الله﴾ ﴿وَهُوَ الغفور الرَّحِيم﴾ ﴿إِن رَبِّي رَحِيم ودود﴾ اللَّهُمَّ أَنْت الصاحب فِي السّفر اللَّهُمَّ أَصْبَحْنَا فِي سفرنا أَنا جليس من ذَكرنِي وَمن تقرب إِلَيّ شبْرًا تقربت إِلَيْهِ ذِرَاعا وَمن تقرب إِلَيّ ذِرَاعا تقربت إِلَيْهِ باعا وَمن جَاءَنِي يمشي جِئْته هرولة ﴿أُولَئِكَ المقربون﴾ ﴿وَاتخذ الله إِبْرَاهِيم خَلِيلًا﴾ وَإِن صَاحبكُم خَلِيل الله ﴿وَيَأْخُذ الصَّدقَات﴾ إِلَّا أَخذهَا الرَّحْمَن

стр. 152

بِيَمِينِهِ المقسطون على مَنَابِر من نور يَوْم الْقِيَامَة عَن يَمِين الرَّحْمَن وكلتا يَدي رَبِّي يَمِين ﴿بل يَدَاهُ مبسوطتان﴾ إِن الله يبسط يَده بِالنَّهَارِ ليتوب مسيء اللَّيْل وبالليل ليتوب مسيء النَّهَار وَمِثَال الْمُتَعَلّق بِالشَّرِّ وَالْغَضَب والسخط والأسف والمقت والعداوة وَنفي النّظر والإبعاد والإعراض وَنَحْو ذَلِك من الصِّفَات فَإِن جعلت ذَلِك عبارَة عَن الْإِرَادَة قلت يُرِيد بالعاصي مَا يُريدهُ الغضبان بِمن أغضبهُ والساخط بِمن أسخطه والماقت بمقوته والعدو

стр. 153

بعدوه والبعد بِمن أبعده والمعرض بِمن أعرض عَنهُ والمكاره المحتقر لمن لَا ينظر إِلَيْهِ حقارة وبغضا وَإِن جعلت ذَلِك عبارَة عَن الْفِعْل قلت يعامله مُعَاملَة الغضبان بِمن أغضبهُ والساخط لمن أسخطه والماقت لمقوته والعدو لعَدوه والمعرض لمن أعرض عَنهُ والمبعد لمن أبعده والمولي الَّذِي لَا ينظر إِلَى من يكرههُ مقتا وَكَرَاهَة لَهُ وكل ذَلِك رَاجع إِلَى الْوَعيد الدَّال على النَّهْي أَمْثِلَة ذَلِك ﴿وَغَضب الله عَلَيْهِم﴾ ﴿اتبعُوا مَا أَسخط الله﴾ ﴿لمقت الله أكبر من مقتكم أَنفسكُم﴾ ﴿فَإِن الله عَدو للْكَافِرِينَ﴾ ﴿أَلا بعدا لمدين﴾ ﴿فسحقا لأَصْحَاب السعير﴾ وَأما الثَّالِث فَأَعْرض فَأَعْرض الله عَنهُ ﴿وَلَا ينظر إِلَيْهِم يَوْم الْقِيَامَة وَلَا يزكيهم وَلَهُم عَذَاب أَلِيم﴾ وَالْأَحْسَن فِي جَمِيع هَذِه الْأَوْصَاف أَن

стр. 154

يتجوز لَهَا عَن الْفِعْل لِأَن التهديد بِهِ إِثْم بِخِلَاف التَّجَوُّز بهَا عَن الْإِرَادَة إِذْ يَصح أَن يُقَال أَرَادَ وَلم يفعل وَإِن كَانَ ذَلِك لَا يجوز فِي حق الرب لِأَنَّهُ يحْتَاج إِلَى نظر وَتَأمل حَتَّى يعرف وَأما إِيقَاع الْفِعْل فَلَا توقف فِيهِ فَيحصل التَّرْغِيب بِهِ والترهيب على الْفَوْر من غير تَأمل والتأمل فِي صدق الْخَبَر يعم الْإِخْبَار عَن الْإِرَادَة والإخبار عَن الْفِعْل ولهذه الْأَوْصَاف نَظَائِر كَثِيرَة كالشكور والصبور بِمَعْنى أَنه يُعَامل عباده مُعَاملَة الشكُور والصبور وَكَذَلِكَ وَصفه نَفسه بالغيرة أَي يُعَامل عباده مُعَاملَة الغيور وَكَذَلِكَ وَصفه نَفسه بنسيان من نَسيَه مَعْنَاهُ يعاملهم مُعَاملَة من سجن من أغضبهُ فِي الْعَذَاب ثمَّ نَسيَه وَمن أوصافنا مَا إِذا نسبناه إِلَيْهِ وَتعلق بِهِ عبر بِهِ عَن آثاره تجوزا كالتقرب إِلَيْهِ والذهاب إِلَيْهِ وَالْمَشْي إِلَيْهِ والإعراض عَنهُ والبعد مِنْهُ وَكَذَلِكَ قَول شُعَيْب ﴿واتخذتموه وراءكم ظهريا﴾ مَعْنَاهُ يعامله مُعَاملَة المتقرب إِلَيْهِ والذاهب إِلَيْهِ والمعرض عَنهُ والنائي بجانبه والنابذ للشَّيْء وَرَاء ظَهره اطراحا لَهُ أمثله ذَلِك ﴿واسجد واقترب﴾ ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِب إِلَى رَبِّي سيهدين﴾

стр. 155

﴿وَقَالَ إِنِّي مهَاجر إِلَى رَبِّي﴾ ﴿إِذْ جَاءَ ربه بقلب سليم﴾ وَمن جَاءَنِي يمشي جِئْته أهرول ﴿فأعرضوا فَأَرْسَلنَا عَلَيْهِم سيل العرم﴾ ﴿أعرض ونأى بجانبه﴾ ﴿فَلَمَّا كشفنا عَنهُ ضره مر كَأَن لم يدعنا إِلَى ضرّ مَسّه﴾ ﴿فَلَمَّا نجاكم إِلَى الْبر أعرضتم﴾ وَقد وصف نَفسه بأوصاف تعود إِلَى مَا ذَكرْنَاهُ كَقَوْلِه ﴿إِن رَبك لبالمرصاد﴾ عبر بذلك عَن أَن أحدا لَا يفوتهُ وَلَا بُد لَهُ مِنْهُ لكَونه على طَرِيقه والمرصاد وَالطَّرِيق وَاحِد وَأما قَوْله ﴿إِن رَبِّي على صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ فعبارة عَن عدله فِي خَلِيفَته فَإِنَّهُ لما قَالَ ﴿مَا من دَابَّة إِلَّا هُوَ آخذ بناصيتها﴾ قَالَ إِن رَبِّي عَادل فيهم محسن اليهم غير ظَالِم لأحد مِنْهُم قَالَ الشَّاعِر ... أَمِير الْمُؤمنِينَ على صِرَاط ... إِذا اعوج الْمَوَارِد مُسْتَقِيم ... وَعبر عَن الْقُدْرَة بِالْأَخْذِ بالناصية لِأَن الْأَخْذ بالناصية من آثَار الْقُدْرَة

стр. 156

وَأما نُزُوله فعبارة عَن لطفه وَعطفه ورفقه بخلقه لِأَن ذَلِك لَازم لمن نزل إِلَى عباده نَاظرا إِلَيْهِم ومستعرضا لحاجاتهم وَلذَلِك يَقُول هَل من دَاع فأستجيب لَهُ هَل من سَائل فَأعْطِيه هَل من مُسْتَغْفِر فَأغْفِر لَهُ ثمَّ يبسط يَده من يقْرض غير عديم وَلَا ظلوم ذكر هَاتين الصفتين ترغيبا فِي الْإِقْرَاض فَإِن العديم لَا يُعَامل والمليء الظلوم لَا يقْرض وَأما قَوْله وَقَوله ﴿إِلَّا هُوَ مَعَهم أَيْن مَا كَانُوا﴾ فَإِنَّهُ عبر بذلك عَن سَمعه لما يَقُولُونَ وبصره لما يَفْعَلُونَ لِأَن الْحَاضِر الْكَائِن مَعَك لَا يخفى عَلَيْهِ فعلك وَلَا قَوْلك فَلَمَّا كَانَ ذَلِك من آثَار الْمَعِيَّة عبر بهَا عَنهُ وَلِأَن الْمَعِيَّة سَبَب للاستحياء من ركُوب القبائح وَلَا سِيمَا معية العظماء الأكابر وَذَلِكَ مُتَضَمّن للترغيب والترهيب

стр. 157

وَالضَّابِط لهَذَا وَأَمْثَاله أَن حقائق هَذِه الْأَشْيَاء محَال فِي حق الْقَدِيم وَلَكِن لَهَا فِي الْعَادة لَوَازِم لَا تنفك عَنْهَا غَالِبا فَعبر بهَا عَن لوازمها مِثَال ذَلِك إِن المجالسة لَهَا آدَاب وإكرام وَحُقُوق فَعبر بالمجالسة عَنْهَا وَكَذَلِكَ للمصاحبة حُقُوق ولوازم فِي الرِّفْق وَالْحِفْظ والذب فَعبر بالمصاحبة عَن هَذِه اللوازم وَكَذَلِكَ الْعَدَاوَة والمقت لَهما لَوَازِم لَا تخفى فَعبر بهما عَن لوازمهما وَكَذَلِكَ الْمحبَّة والرضى والفرح وَالْغَضَب والأسف فليقس مَا لم أذكرهُ على مَا ذكرته وسأختم ذَلِك بفصلين أَحدهمَا فِي ذكر ضروب من الْمجَاز وَالثَّانِي فِي كَيْفيَّة اسْتِخْرَاج الْأَحْكَام من أدلتها الْمَذْكُورَة وَقد تركت أصنافا من الْوَعْد والوعيد والمدح والذم وَغير ذَلِك من الْأَدِلَّة كبياض الْوُجُوه وسوادها وعبوسها وبسورها ونعمتها ونضارتها ونظرها إِلَى رَبهَا وسؤال النَّاس عَن أَعْمَالهم وحسابهم على أَقْوَالهم وأفعالهم فَإِن فِيمَا ذكرته قَلِيلا على مَا أهملته وفقنا الله لفهم مُرَاده من كِتَابه وَسنة نبيه ﵇ ووفقنا على ذَلِك ووفقنا للْعَمَل بِهِ بمنه ولطفه

стр. 158

الْفَصْل التَّاسِع فِي ضروب من الْمجَاز يعبر عَن الْأَجْسَام والأعراض وَالنّسب تَارَة بِالْحَقِيقَةِ وَتارَة بالمجاز ويتجوز بِلَفْظ الْجِسْم عَن جسم آخر كَلَفْظِ الْإِنْسَان وَالْحَيَوَان وَالْأَشْجَار فَإِنَّهُ يعبر كل وَاحِد من هَذِه المسميات عَن تمثالها من الْأَجْسَام

стр. 159

بِأَهْلِهَا ويحتقرهم ويهينهم ويذلهم كَمَا قَالَ رَسُول الله صلى الله

стр. 160

عَلَيْهِ وَسلم فِي مآثر الْجَاهِلِيَّة إِنَّهَا مَوْضُوعَة تَحت قَدَمَيْهِ استهانة بالمآثر الْمُخَالفَة للشَّرْع ويتجوز بِلَفْظ النُّور فِي الْجلَال وَالْجمال وَفِي الْبِدَايَة والتعريف

стр. 161

وَكَذَلِكَ يعبر بِلَفْظ الْعرض عَن عرض آخر على مَا سنصفه إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَمن التَّعْبِير بِأَلْفَاظ الْأَجْسَام عَن الْمعَانِي الْيَد فيد الْقَدِيم وَيَمِينه عبارَة عَن قدرته وبطشه وقوته ﴿بِيَدِهِ الْملك﴾ أَي فِي قدرته ﴿مِمَّا عملت أَيْدِينَا﴾ أَي مِمَّا أحدثته قدرتنا ﴿لما خلقت بيَدي﴾ أَي لما كونته بِقُدْرَتِي ﴿لأخذنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ أَي بِالْقُوَّةِ والبطش ﴿كُنْتُم تأتوننا عَن الْيَمين﴾ أَي بِسَبَب قوتكم وقدرتكم علينا وَأما قَوْله فِي الصَّدَقَة إِلَّا أَخذهَا الرَّحْمَن بِيَمِينِهِ فعبارة عَن حسن الْقبُول لِأَن الْأَخْذ بِالْيَمِينِ مسبب عَنهُ وَكَذَلِكَ قَوْله إِن المقسطين على مَنَابِر من نور عَن يَمِين الرَّحْمَن

стр. 162

عبر بذلك عَن تكريمهم تقديرهم بِمَعْنى أَنه يعاملهم فِي الْإِكْرَام مُعَاملَة عَظِيم أَجْلِس إنْسَانا على كرْسِي عَن يَمِينه ويعبر بِالْعينِ عَن إِدْرَاك المبصرات لِأَنَّهَا مَحل الْإِدْرَاك كَمَا يعبر بِاللِّسَانِ عَن الْكَلَام وبالقلب عَن الْعقل فَقَوله ﴿فَإنَّك بأعيننا﴾ أَي بمرأى منا وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿تجْرِي بأعيننا﴾ وَمن التَّعْبِير بِاللَّفْظِ الْعرض عَن عرض آخر التَّعْبِير بِوَضْع الْقدَم عَن الاستهانة فِي قَوْله حَتَّى يضع الْجَبَّار قدمه على النَّار أَي يستهزىء

стр. 163

وبالمجيء والإتيان عَن التَّعْرِيف بعد الْجَهَالَة وَالْهِدَايَة بعد الضَّلَالَة تَشْبِيها لما غَابَ عَن البصيرة بِمَا غَابَ عَن الْبَصَر فَإِن الْبعد والعزوب سَبَب للغيبة عَن الْإِدْرَاك لمنعها مِنْهُ والقرب والحضور سَبَب الْإِدْرَاك والمشاهدة وَكَذَلِكَ الْوُقُوف قد يعبر بِهِ عَن التَّعْرِيف فِي قَوْلك وقفته على كَذَا إِذْ عَرفته بِهِ لِأَن الْوَاقِف على الشَّيْء مدرك لما وقف عَلَيْهِ وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَو ترى إِذْ وقفُوا على رَبهم﴾ أَي عرفوه فعرفوه وَكَذَلِكَ يعبر بالمحبة وَالْكَرَاهَة والسخط والرضى والقرب والبعد والإقبال والإعراض عَن آثارها ولوازمها وَكَذَلِكَ التَّرَدُّد فِي مساءة الْمُؤمن ذكر عبارَة عَن مَنْزِلَته عِنْد ربه فَإِن من عز عَلَيْك وَكَانَت لَهُ مصلحَة فِي طي مساءة فَإنَّك تَتَرَدَّد فِي ذَلِك لمنزلته لديك بِخِلَاف من هان عَلَيْك فَإِنَّهُ يسهل عَلَيْك مساءة وَلَا تبالي بِمَا ناله قَالَ الشَّاعِر

стр. 164

.. وَهَان على سراة بني لؤَي ... حريق بالبويرة مستطير ... ﴿فَسَوف نصليه نَارا وَكَانَ ذَلِك على الله يَسِيرا﴾ أَي لَا يعز عَلَيْهِ وَلَا يصعب قَالَ امْرُؤ الْقَيْس ... يعز عَلَيْهَا ريبتي ويسوءها ... بكاه فتثني الْجيد أَن يتضوعا ... وَقد تسْتَعْمل بعض أفعالنا المضافة إِلَى الله سُبْحَانَهُ الْمُتَعَلّقَة بِهِ على نوع من هَذَا الْمجَاز كقربنا إِلَيْهِ وبعدنا مِنْهُ وإعراضنا عَنهُ وإقبالنا إِلَيْهِ وذهابنا إِلَيْهِ كَقَوْلِه ﴿إِنِّي ذَاهِب إِلَى رَبِّي﴾ ﴿إِلَّا من أَتَى الله بقلب سليم﴾ ﴿فسحقا لأَصْحَاب السعير﴾ أَي فبعدا لَهُم ﴿فأعرضوا فَأَرْسَلنَا عَلَيْهِم سيل العرم﴾

стр. 165

فَأَعْرض فَأَعْرض الله عَنهُ ﴿وَمن أعرض عَن ذكري﴾ وأمثلة هَذَا وشواهده لَا تحصى كَثْرَة وسأذكر شَيْئا من ضروب الْمجَاز يسْتَدلّ بِمَا ذكرته على مَا تركته فَمن ذَلِك الْيَد وحقيقتها الْعُضْو الْيَد يعبر بهَا عَن الْقَهْر والاستيلاء كَقَوْلِه ﴿قل لمن فِي أَيْدِيكُم من الأسرى﴾ أَي فِي قهركم واستيلائكم ويعبر بهَا عَن الْقُدْرَة وَقد ذَكرْنَاهُ وَمن ذَلِك الْأَخْذ ويعبر بِهِ عَن الْقَهْر والهلاك كَقَوْلِه ﴿فَأَخذهُم الله بِذُنُوبِهِمْ﴾ ﴿فَأَخذهُم أَخْذَة رابية﴾ ﴿وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه﴾ ويعبر عَن الْجد فِي التَّمَسُّك بِالْعَمَلِ كَقَوْلِه

стр. 166

﴿خُذُوا مَا آتيناكم بِقُوَّة﴾ ﴿خُذ الْكتاب بِقُوَّة﴾ ويعبر بِهِ عَن الْقبُول كَقَوْلِه ﴿وَيَأْخُذ الصَّدقَات﴾ وَقَوله ﵇ إِلَّا أَخذهَا الرَّحْمَن بِيَمِينِهِ ويعبر بِهِ عَن الْأسر كَقَوْلِه ﴿خذوه فغلوه﴾ ﴿وخذوهم واحصروهم واقعدوا لَهُم كل مرصد﴾ ويعبر بِهِ عَن الرضى كَقَوْلِه ﴿فَخذ مَا آتيتك وَكن من الشَّاكِرِينَ﴾ ﴿آخذين مَا آتَاهُم رَبهم﴾ وَمن ذَلِك الْقَبْض ويعبر بِهِ عَن تقتير الرزق ﴿وَالله يقبض ويبسط﴾ ويعبر بِهِ عَن الْبُخْل ﴿ويقبضون أَيْديهم﴾ وَمن ذَلِك الْبسط ويعبر بِهِ عَن الإغناء ﴿وَالله يقبض ويبسط﴾ وَعَن كَثْرَة الْبَذْل ﴿وَلَا تبسطها كل الْبسط﴾ ﴿بل يَدَاهُ مبسوطتان﴾ وَمن ذَلِك السعَة ويعبر بهَا عَن الْغنى كَقَوْلِه ﴿وَالله وَاسع عليم﴾

стр. 167

﴿لينفق ذُو سَعَة من سعته﴾ وَعَن كَثْرَة التَّعَلُّق كَقَوْلِه ﴿رَبنَا وسعت كل شَيْء رَحْمَة وعلما﴾ ﴿وسع رَبنَا كل شَيْء علما﴾ ﴿إِن رَبك وَاسع الْمَغْفِرَة﴾ وَمن ذَلِك الضّيق ويعبر بِهِ عَن مشقة تحمل مَا تكرههُ النُّفُوس من الْفقر وَسَائِر المكاره كَقَوْلِه ﴿يَجْعَل صَدره ضيقا حرجا﴾ ﴿وَلَا تَكُ فِي ضيق مِمَّا يمكرون﴾ ﴿وضائق بِهِ صدرك﴾ وَمن ذَلِك وصف الزَّمَان وَالْمَكَان بِوَصْف مَا يَقع فيهمَا ﴿بَلَدا آمنا﴾ ﴿قَرْيَة كَانَت ظالمة﴾ ﴿من قريتك الَّتِي أخرجتك﴾ ﴿قَرْيَة كَانَت آمِنَة مطمئنة يَأْتِيهَا رزقها رغدا من كل مَكَان﴾ الْآيَة ﴿بَلْدَة طيبَة﴾ ﴿الْقرْيَة الَّتِي كَانَت تعْمل الْخَبَائِث﴾ أمرت بقرية تَأْكُل الْقرى ﴿وَهَذَا الْبَلَد الْأمين﴾ إِنِّي أَخَاف عَلَيْكُم عَذَاب يَوْم

стр. 168

﴿أَلِيم﴾ ﴿عَذَاب يَوْم عَظِيم﴾ ﴿ويذرون وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثقيلا﴾ ﴿وَذَلِكَ يَوْم مشهود﴾ ﴿يأكلن مَا قدمتم لَهُنَّ﴾ ﴿يَوْم عصيب﴾ ﴿يَوْم عقيم﴾ ﴿أَيَّام نحسات﴾ ﴿الشَّهْر الْحَرَام بالشهر الْحَرَام﴾ وَمن ذَلِك الغل ويعبر بِهِ عَن الْبُخْل كَقَوْلِه ﴿وَلَا تجْعَل يدك مغلولة إِلَى عُنُقك﴾ ﴿وَقَالَت الْيَهُود يَد الله مغلولة غلت أَيْديهم﴾ ويعبر بِهِ عَن التكاليف الشاقة ﴿وَيَضَع عَنْهُم إصرهم والأغلال الَّتِي كَانَت عَلَيْهِم﴾

стр. 169

وَعَن مَوَانِع الانقياد وموانع الْإِيمَان ﴿إِنَّا جعلنَا فِي أَعْنَاقهم أغلالا﴾ وَمن ذَلِك التَّعْبِير عَن الشَّيْء بمحله أَو بِمَا قَارب مَحَله كَقَوْلِه ﴿فَتكون لَهُم قُلُوب يعْقلُونَ بهَا أَو آذان يسمعُونَ بهَا﴾ عبر بِالْقَلْبِ عَن الْعقل وَالْأُذن عَن السّمع ﴿فَإنَّك بأعيننا﴾ ﴿تجْرِي بأعيننا﴾ ﴿ولتصنع على عَيْني﴾ ﴿إِن فِي ذَلِك لذكرى لمن كَانَ لَهُ قلب﴾ ﴿نزل بِهِ الرّوح الْأمين على قَلْبك﴾ ﴿لما خلقت بيَدي﴾ ﴿مِمَّا عملت أَيْدِينَا أنعاما﴾ ﴿وَالسَّمَاوَات مَطْوِيَّات بِيَمِينِهِ﴾ ﴿لأخذنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ ﴿ونأى بجانبه﴾ أَي بِنَفسِهِ ﴿فَإِذا نزل بِسَاحَتِهِمْ﴾ أَي رَبهم وَكَذَلِكَ التَّعْبِير بِاللِّسَانِ عَن اللُّغَة كَقَوْلِه ﴿بِلِسَان قومه﴾

стр. 170

﴿بِلِسَان عَرَبِيّ مُبين﴾ ﴿وَاخْتِلَاف أَلْسِنَتكُم وألوانكم﴾ وَعَن الثَّنَاء ﴿وَاجعَل لي لِسَان صدق فِي الآخرين﴾ ﴿وَجَعَلنَا لَهُم لِسَان صدق عليا﴾ وَمن ذَلِك التَّمَسُّك ويعبر بِهِ عَن مُلَازمَة الْفِعْل والاعتماد عَلَيْهِ كَقَوْلِه ﴿فَاسْتَمْسك بِالَّذِي أُوحِي إِلَيْك﴾ ﴿وَالَّذين يمسكون بِالْكتاب﴾ ﴿فقد استمسك بالعروة الوثقى﴾ وَمن ذَلِك الاسْتقَامَة ويعبر بهَا عَن تعَاطِي الْأَفْعَال الْحَسَنَة وَمن ذَلِك الْكفْر والرين والغين والحجاب والغطاء والأكنة والغلف والأقفال والختم والطبع والغشاوة والغمرة ويعبر

стр. 171

بذلك كُله عَن مَوَانِع الْمعرفَة وَالْإِيمَان وسواير البصيرة عَن الْعرْفَان فالموانع هِيَ الْجَهْل وَالشَّكّ وَفَسَاد الِاعْتِقَاد لِأَن الشكوك والجهالة تحول بَين البصيرة وَبَين إِدْرَاك المعقولات كَمَا أَن الْأَجْسَام الكثيفة حائلة بَين الْبَصَر وَبَين إِدْرَاك المبصرات فَصَارَ الْمَعْنى السَّاتِر للبصيرة كالجسم الساكر لِلْبَصَرِ ﴿إِن الَّذين كفرُوا﴾ ﴿أَلا إِن ثَمُود كفرُوا رَبهم﴾ ﴿بل ران على قُلُوبهم﴾ إِنَّه ليغان على قلبِي ﴿حِجَابا مَسْتُورا﴾ ﴿وَمن بَيْننَا وَبَيْنك حجاب﴾ ﴿فكشفنا عَنْك غطاءك﴾ ﴿وَجَعَلنَا على قُلُوبهم أكنة﴾ ﴿قُلُوبنَا غلف﴾ ﴿أم على قُلُوب أقفالها﴾ ﴿ختم الله على قُلُوبهم وعَلى سمعهم وعَلى أَبْصَارهم غشاوة﴾

стр. 172

﴿وطبع على قُلُوبهم﴾ ﴿وَجعل على بَصَره غشاوة﴾ ﴿فأغشيناهم فهم لَا يبصرون﴾ ﴿بل قُلُوبهم فِي غمرة من هَذَا﴾ ﴿وَختم على سَمعه وَقَلبه وَجعل على بَصَره غشاوة﴾ عبر عَن مَانع فهم مَا يسمعهُ أَو يتعقله بالختم وَعَن مَانع الِاعْتِبَار بِمَا يُشَاهِدهُ بِعَيْنيهِ بالغشاوة وَمن ذَلِك الصدْق ويعبر بِهِ عَن الْحسن كَقَوْلِه ﴿قدم صدق﴾ ﴿مقْعد صدق﴾ ﴿لِسَان صدق﴾ وَمن ذَلِك خفض الْجنَاح ويعبر بِهِ عَن التَّوَاضُع ولين الْجَانِب ﴿واخفض لَهما جنَاح الذل من الرَّحْمَة﴾ ﴿واخفض جناحك لمن اتبعك من الْمُؤمنِينَ﴾

стр. 173

وَمن ذَلِك اللين ويعبر بِهِ عَن حسن التأني وَسُرْعَة الانقياد ﴿فبمَا رَحْمَة من الله لنت لَهُم﴾ الْمُؤْمِنُونَ هَينُونَ لَينُونَ وَمن ذَلِك الانقلاب على الْوَجْه وعَلى الْعقب أصل انْقَلب على وَجهه رَجَعَ على طَرِيقه الَّذِي جَاءَ مِنْهُ ويعبر بِهِ عَن الرُّجُوع إِلَى مثل مَا كَانَ عَلَيْهِ من الْفِعْل والاعتقاد انْقَلب على وَجهه رَجَعَ إِلَى دينه وأصل الانقلاب على الْعقب الرُّجُوع إِلَى جِهَة الْعقب ويعبر بِهِ أَيْضا عَمَّا يعبر مِنْهُ بالإنقلاب على الْوَجْه ﴿انقلبتم على أعقابكم﴾ ﴿يردوكم على أعقابكم﴾ ﴿وَمن يَنْقَلِب على عَقِبَيْهِ فَلَنْ يضر الله شَيْئا﴾ العروة الوثقى ويتجوز بهَا عَن الدّين العاصم من الْعَذَاب

стр. 174

الْحَبل يتجوز بِهِ عَن الْعَهْد ﴿واعتصموا بِحَبل الله جَمِيعًا﴾ ﴿إِلَّا بِحَبل من الله وحبل من النَّاس﴾ ... إِنِّي بحبلك وَاصل حبلي ... وبريش نبلك رائش نبلي الْبناء ويعبر بِهِ عَن تأليف الْأَجْسَام وَأَحْكَام تأليفها وإتقانه ﴿وَالسَّمَاء بنيناها بأيد﴾ ﴿وَالسَّمَاء وَمَا بناها﴾ ﴿كَيفَ بنيناها وزيناها﴾ ويعبر بِهِ عَن أَحْكَام الْأَمر وَالْمَكْر وإبرامه ﴿فَأتى الله بنيانهم من الْقَوَاعِد فَخر عَلَيْهِم السّقف من فَوْقهم﴾ عبر بذلك عَن رُجُوع وبال مَكْرهمْ عَلَيْهِم

стр. 175

الشفا ويعبر بِهِ عَن كفرهم الْمُوجب لسقوطهم فِي النَّار ﴿وكنتم على شفا حُفْرَة من النَّار فأنقذكم مِنْهَا﴾ وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿على شفا جرف هار﴾ عبر بِهِ عَن نفاقهم الْمُوجب لسقوطهم فِي النَّار وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿فانهار بِهِ فِي نَار جَهَنَّم﴾ الشِّرَاء وَالْبيع ويعبر بِالشِّرَاءِ عَن التَّكْلِيف بِشَرْط الثَّوَاب وَعَن البيع بِالْتِزَام التَّكْلِيف ﴿إِن الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ أنفسهم وَأَمْوَالهمْ بِأَن لَهُم الْجنَّة﴾ أَي بذل أنفسهم وَأَمْوَالهمْ بِأَن لَهُم الْجنَّة ﴿فاستبشروا ببيعكم الَّذِي بايعتم بِهِ﴾ ﴿إِن الَّذين يُبَايعُونَك إِنَّمَا يبايعون الله﴾ ﴿لقد رَضِي الله عَن الْمُؤمنِينَ إِذْ يُبَايعُونَك تَحت الشَّجَرَة﴾ ﴿وَمن النَّاس من يشري نَفسه ابْتِغَاء مرضات الله﴾ بَين الْيَدَيْنِ ويعبر بِهِ عَن التَّقَدُّم والسبق ﴿فقدموا بَين يَدي نَجوَاكُمْ صَدَقَة﴾ ﴿مُصدقا لما بَين يَدَيْهِ من الْكتاب﴾ ﴿بَين يَدي عَذَاب شَدِيد﴾ ﴿لَا تقدمُوا بَين يَدي الله وَرَسُوله﴾ ﴿اتَّقوا مَا بَين أَيْدِيكُم﴾

стр. 176

النبذ وَالتّرْك وَرَاء الظّهْر ويعبر بهما عَن الاستهانة والإعراض ﴿فنبذوه وَرَاء ظُهُورهمْ﴾ ﴿ويذرون وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثقيلا﴾ ﴿واتخذتموه وراءكم ظهريا﴾ ﴿نبذ فريق من الَّذين أُوتُوا الْكتاب كتاب الله وَرَاء ظُهُورهمْ﴾ ويعبر بالثقل عَن الْمَشَقَّة كَقَوْلِه ﴿إِنَّا سنلقي عَلَيْك قولا ثقيلا﴾ ويعبر بِهِ عَن الشّرف فِي قَوْله ﷺ تركت فِيكُم الثقلَيْن وَمِنْه الثَّقَلَان الْجِنّ وَالْإِنْس لِشَرَفِهِمَا بِالْعقلِ فتح الْبَاب ويعبر بِهِ عَن النَّقْل من الشدَّة إِلَى الرخَاء وَمن النِّعْمَة إِلَى الْبلَاء ﴿فتحنا عَلَيْهِم أَبْوَاب كل شَيْء﴾ أَي من النعم ﴿حَتَّى إِذا فتحنا عَلَيْهِم بَابا ذَا عَذَاب شَدِيد﴾ ويعبر بِالْفَتْح أَيْضا عَن الْمعرفَة بعد

стр. 177

الْجَهَالَة فِي قَوْله ﴿إِنَّا فتحنا لَك فتحا مُبينًا﴾ على قَول بَعضهم وَعَن الحكم لِأَنَّهُ يفتح مَا انغلق عَن الْخَصْمَيْنِ ﴿قل يجمع بَيْننَا رَبنَا ثمَّ يفتح بَيْننَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الفتاح الْعَلِيم﴾ ﴿رَبنَا افْتَحْ بَيْننَا وَبَين قَومنَا بِالْحَقِّ وَأَنت خير الفاتحين﴾ وَعَن إِفَادَة الرزق ﴿لفتحنا عَلَيْهِم بَرَكَات من السَّمَاء وَالْأَرْض﴾

стр. 178

التَّعْبِير بِبَعْض الشَّيْء عَن جملَته يعبر عَن الصَّلَاة بِالْقُرْآنِ فِي قَوْله ﴿وَقُرْآن الْفجْر﴾ وبالقيام فِي قَوْله ﴿لَا تقم فِيهِ أبدا﴾ من قَامَ رَمَضَان إِيمَانًا واحتسابا وبالتسبيح فِي قَوْله ﴿وَسبح بِحَمْد رَبك قبل طُلُوع الشَّمْس وَقبل غُرُوبهَا﴾ وبالذكر فِي قَوْله ﴿وَاذْكُر اسْم رَبك بكرَة وَأَصِيلا﴾ وبالسجود فِي قَوْله ﴿وَمن اللَّيْل فاسجد لَهُ﴾ وَقَوله ﴿فَإِذا سجدوا فليكونوا من وَرَائِكُمْ﴾ وَقَوله ﴿يَتلون آيَات الله آنَاء اللَّيْل وهم يَسْجُدُونَ﴾ وبالركوع فِي قَوْله ﴿واركعوا مَعَ الراكعين﴾

стр. 179

ويعبر بِالْيَدِ عَن الْجُمْلَة فِي قَوْله ﴿ذَلِك بِمَا قدمت يداك﴾ ﴿فبمَا كسبت أَيْدِيكُم﴾ ﴿مِمَّا ملكت أَيْمَانكُم﴾ ويعبر بالعضد عَن الْجُمْلَة ﴿سنشد عضدك بأخيك﴾ وَقد يعبر بالعضد عَن النَّاصِر ﴿وَمَا كنت متخذ المضلين عضدا﴾ الْأَخْذ بالناصية ويعبر بِهِ عَن الْقَهْر والاستيلاء كَقَوْلِه ﴿مَا من دَابَّة إِلَّا هُوَ آخذ بناصيتها﴾ وَمن ذَلِك وصف الشَّيْء بِصفة بعضه قد يُوصف الشَّيْء بِصفة بعضه كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿بشيرا وَنَذِيرا فَأَعْرض أَكْثَرهم﴾ فَإِن جَمِيع آيَاته لَا تشْتَمل على الْبشَارَة وَلَا على النذارة ٣ وَمن ذَلِك وصف الشَّيْء بِمَا كَانَ عَلَيْهِ وَبِمَا يؤول إِلَيْهِ ﴿وَآتوا الْيَتَامَى أَمْوَالهم﴾ ﴿إِنَّك ميت وَإِنَّهُم ميتون﴾ ﴿أعصر خمرًا﴾

стр. 180

وَمن ذَلِك النّسَب المجازية ﴿إنَّهُنَّ أضللن كثيرا من النَّاس﴾ ﴿فأخرجهما مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ ﴿هَذَا كتَابنَا ينْطق عَلَيْكُم بِالْحَقِّ﴾ ﴿أم أنزلنَا عَلَيْهِم سُلْطَانا فَهُوَ يتَكَلَّم﴾ ﴿وَلما سكت عَن مُوسَى الْغَضَب﴾ الْعُلُوّ والفوقية والدرجة والرفعة يعبر بهَا عَن الْمجد والشرف ﴿وَهُوَ الْعلي الْعَظِيم﴾ ويعبر بالعلو عَن الْغَلَبَة ﴿وَأَنْتُم الأعلون﴾ ﴿وَالَّذين اتَّقوا فَوْقهم يَوْم الْقِيَامَة﴾ ﴿نرفع دَرَجَات من نشَاء وَفَوق كل ذِي علم عليم﴾ ﴿رفيع الدَّرَجَات﴾ ﴿ورفعنا بَعضهم فَوق بعض دَرَجَات﴾ ﴿وَهُوَ القاهر فَوق عباده﴾ الإنسلاخ ويعبر بِهِ عَن ترك الْعَمَل بعد التثبث بِهِ ﴿فانسلخ مِنْهَا﴾ الْكَذِب ويعبر بِهِ عَن بطلَان الدّلَالَة وإبهامها ﴿وجاؤوا على قَمِيصه بِدَم كذب﴾ الْعلم ويعبر بِهِ عَن الظَّن ﴿فَإِن علمتموهن مؤمنات﴾
следующие страницы →