← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6278

الإمام في بيان أدلة الأحكام

عز الدين بن عبد السلام

Полный текст (208 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الْخَامِس قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذين كفرُوا أَعْمَالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن مَاء حَتَّى إِذا جَاءَهُ لم يجده شَيْئا وَوجد الله عِنْده فوفاه حسابه﴾ شبه حسبانهم أَنهم يَنْتَفِعُونَ بأعمالهم بحسبان الظمآن السراب مَاء وَشبه فقدهم الإنتفاع بهَا فِي الْقيمَة بفقد الظمآن المَاء لما أَتَى مَوضِع السراب وَهَذَا أبلغ من الَّذِي قبله لِأَن فِي هَذَا الْمثل فقدان الثَّوَاب والخيبة بعد الحسبان والرجاء وَلم يتَعَرَّض للرجاء فِي الْمثل السَّابِق وَأما مَا يرجع إِلَى ذمّ الْفَاعِل فَلهُ أمثله الأول قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نقضت غزلها من بعد قُوَّة أنكاثا﴾ شبه نَاقض الْعَهْد فِي الْحمق بناقضة الْغَزل تنفيرا من نقض الْعَهْد

стр. 72

الثَّانِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِن شَرّ الدَّوَابّ عِنْد الله الصم الْبكم الَّذين لَا يعْقلُونَ﴾ جعلهم من جملَة الدَّوَابّ مُبَالغَة فِي الذَّم تنفيرا عَن التعامي عَن الْحق وَترك النُّطْق بِهِ الثَّالِث قَوْله تَعَالَى ﴿وَمثل الَّذين كفرُوا كَمثل الَّذِي ينعق بِمَا لَا يسمع إِلَّا دُعَاء ونداء﴾ وَفِيه قَولَانِ أَحدهمَا أَنه شبه دعاءهم الْأَصْنَام بالناعق بِمَا لَا يسمع إِلَّا دُعَاء ونداء وَفِيه زجر عَن دُعَاء الْأَصْنَام وَالْقَوْل الثَّانِي فِيهِ حذف تَقْدِيره وَمثل دَاعِي الَّذين كفرُوا إِلَى الْإِيمَان كَمثل الناعق فَيكون تَشْبِيها لَهُم بالبهائم فِي عدم الْفَهم وَلَا يخفى مَا فِيهِ من الزّجر وَأما مَا يرجع إِلَى مَا مدح الْفَاعِل وذمه فَلهُ أَمْثِلَة الأول قَوْله تَعَالَى ﴿مثل الْفَرِيقَيْنِ كالأعمى والأصم والبصير والسميع﴾

стр. 73

فِيهِ ذمّ لمن تعامى عَن الْحق وَلم يصغ إِلَيْهِ ومدح لمن اسْتمع للحق وعرفه فيتضمن الْحَث وَالْمَنْع الثَّانِي قَوْله تَعَالَى ﴿ضرب الله مثلا عبدا مَمْلُوكا لَا يقدر على شَيْء﴾ الْآيَة ٣ شبه تعذر الْإِيمَان وَالصَّلَاح على الْكَافِر بتعذر النَّفَقَة على العَبْد الْعَاجِز وَشبه تيَسّر الْإِيمَان على الْمُؤمن وَقدرته على الطَّاعَة بالغني الْبَاذِل لما فِي يَدَيْهِ سرا وجهرا وَقيل إِن الله ضرب العَبْد الْعَاجِز مثلا للصنم وَضرب الْغَنِيّ الْبَاذِل الْكَائِن على صِرَاط مُسْتَقِيم لنَفسِهِ تزهيدا فِي عبَادَة الْأَصْنَام وترغيبا فِي عِبَادَته

стр. 74

الثَّالِث قَوْله تَعَالَى ﴿ضرب الله مثلا رجلا فِيهِ شُرَكَاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل﴾ شبه الْمُشرك فِي سوء حَاله بِالْعَبدِ الْمُشْتَرك بَين المتشاكسين وَشبه الْمُؤمن فِي حسن حَاله بِالرجلِ السَّالِم ترغيبا فِي عِبَادَته وزجرا عَن عبَادَة غَيره وَأما مَا يرجع إِلَى الْوَعيد فَلهُ مثالان الأول قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن يُشْرك بِاللَّه فَكَأَنَّمَا خر من السَّمَاء فتخطفه الطير أَو تهوي بِهِ الرّيح فِي مَكَان سحيق﴾ شبه الْكَافِر فِي هَلَاكه الَّذِي لَا يتدارك بِهَلَاك الخار من السَّمَاء على الْوَجْه الْمَذْكُور تنفيرا من الشّرك الثَّانِي قَوْله تَعَالَى ﴿كَمثل الَّذِي استوقد نَارا فَلَمَّا أَضَاءَت مَا حوله ذهب الله بنورهم﴾ وَفِيه قَولَانِ أَحدهمَا أَنه نزل فِي الْمُنَافِقين شبه أسماعهم بِمَا أظهروه من الْإِيمَان

стр. 75

بانتفاع المستوقد بالنَّار وَشبه انْتِهَاء أَمرهم إِلَى عَذَاب الْآخِرَة وشدائدها بانطفاء النَّار وَبَقَاء مستوقدها فِي الظُّلُمَات فَكَذَلِك حُصُول الْمُنَافِقين فِي الْخَوْف بعد الْأَمْن وَفِي الشدائد بعد الرخَاء إِذْ يعبر بالظلمات عَن الشدائد قَالَ الله تَعَالَى ﴿قل من ينجيكم من ظلمات الْبر وَالْبَحْر﴾ وَفِي ذَلِك زجر عَن النِّفَاق وَالثَّانِي نزل فِي منافقي الْيَهُود وَكَانُوا يستفتحون على الْكفَّار برَسُول الله ﷺ ويؤمنون بِهِ فَلَمَّا بعث كفرُوا بِهِ فَشبه إِيمَانهم بِهِ واستفتاحهم باستيقاد النَّار وَشبه كفرهم بانطفاء النَّار والحصول فِي الظُّلُمَات مدحا للْإيمَان وذما للكفران وَأما مَا يرجع إِلَى الْعَذَاب العاجل فَقَوله ﴿وَضرب الله مثلا قَرْيَة كَانَت آمِنَة مطمئنة يَأْتِيهَا رزقها رغدا من كل مَكَان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لِبَاس الْجُوع وَالْخَوْف بِمَا كَانُوا يصنعون﴾

стр. 76

وَذَلِكَ تهديد بِالْعَذَابِ العاجل يتَضَمَّن الزّجر عَن الْكفْر بأنعم الله وَعَن تَكْذِيب رسله وَأما مَا يرجع إِلَى تسفيه الْفَاعِل وذمه بسخافة الْعقل فَلهُ مثالان الأول قَوْله تَعَالَى ﴿ضرب مثل فَاسْتَمعُوا لَهُ إِن الَّذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا وَلَو اجْتَمعُوا لَهُ﴾ الْآيَة وَهَذَا الْمثل يتَضَمَّن تسفيه عقل من عبد صنم الَّذِي لَا يقدر على جلب نفع وَلَا يدْفع عَن نَفسه ضرا الثَّانِي قَوْله تَعَالَى ﴿مثل الَّذين اتَّخذُوا من دون الله أَوْلِيَاء كَمثل العنكبوت اتَّخذت بَيْتا﴾ شبه الِاعْتِمَاد على شَفَاعَة الْأَصْنَام وتقريبها إِلَى الله زلفى باعتماد العنكبوت على بَيتهَا أَن يدْفع عَنْهَا وَهُوَ أوهن

стр. 77

الْبيُوت فَكَذَلِك الْأَصْنَام أوهن مُعْتَمد عَلَيْهِ وَلَقَد سفه من اعْتمد فِي عظائم الْأُمُور على أوهن الْأَشْيَاء وأبعدها فِي الْغناء عَنهُ وَأما مَا يرجع إِلَى التزهيد بتحقير المزهد فِيهِ فكقوله ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مثل الْحَيَاة الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ من السَّمَاء﴾ وَقَوله ﴿إِنَّمَا مثل الْحَيَاة الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ من السَّمَاء﴾ شبه سرعَة زَوَالهَا مَعَ الِاعْتِمَاد عَلَيْهَا والاغترار بهَا بِسُرْعَة فَسَاد زرع ظن أَهله أَنهم قادرون عَلَيْهِ فطرقته جَائِحَة جعلته هشيما تَذْرُوهُ الرِّيَاح كل ذَلِك تزهيد فِي الإعتماد على الْحَيَاة السريعة الزَّوَال وترغيب فِي ترك السَّعْي لَهَا فَإِن التحقير للشَّيْء فِي سِيَاق الْوَعْظ والنصح يتَضَمَّن التزهيد فِيهِ بعرف الِاسْتِعْمَال

стр. 78

وَأما مَا يرجع إِلَى مدح الْفِعْل وذمه فَهُوَ كتشبيه الْمعرفَة بِالنورِ والحياة وتشبيه الْجَهْل بالظلمة وَالْمَوْت وكتشبيه الْحق النافع بِالْمَاءِ النافع وبالحلي والأمتعة النافعة وتشبيه الْبَاطِل بالزبد الذَّاهِب جفَاء مدحا لأَحَدهمَا وذما للْآخر ﴿أَو من كَانَ مَيتا فأحييناه وَجَعَلنَا لَهُ نورا يمشي بِهِ فِي النَّاس﴾ أَي كَافِرًا فهديناه ﴿كمن مثله فِي الظُّلُمَات﴾ أَي ظلمات الْجَهْل وَكَذَلِكَ ضرب نور الْمشكاة مثلا لنوره فِي قلب الْمُؤمن فالمشكاة كصدر الْمُؤمن والزجاجة كقلبه والمصباح كالمعرفة وَالزَّيْت كفطنة الْمُؤمن الَّتِي تكَاد تدْرك الصَّوَاب من غير تَوْقِيف وَلَا كتاب وَكَذَلِكَ مثل الْقُرْآن الَّذِي هُوَ بِمَعْنى الْقِرَاءَة بِمَا أنزلهُ من السَّمَاء فسالت أَوديَة بِقَدرِهَا فَاحْتمل السَّيْل زبدا رابيا ثمَّ انْدفع الزّبد وَبَقِي المَاء النافع

стр. 79

شبه الْقُرْآن بِالْمَاءِ النافع لِأَنَّهُ حَيَّاهُ للقلوب كَمَا أَن المَاء حَيَاة للنبات وَشبه الْقُلُوب بالأودية إِذا أَخذ كل قلب من ذَلِك بِقدر مَا كتب لَهُ كَمَا أَخذ كل وَاد من المَاء بِقدر مَا كتب لَهُ ثمَّ شبه ارْتِفَاع كلمة الْكفْر على كلمة الْإِيمَان وَالْقُرْآن بارتفاع الزّبد على المَاء ثمَّ شبه زهوق الْبَاطِل وَذَهَاب الْكفْر بذهاب الزّبد جفَاء وَشبه بَقَاء الْمعرفَة وَالْقُرْآن بِبَقَاء المَاء النافع مدحا للمعرفة وَالْقُرْآن وذما للْجَهْل والكفران وَكَذَلِكَ شبه ذهَاب الْكفْر وزواله بذهاب زبد الْجَوَاهِر إِذا أحميت فِي النَّار ابْتِغَاء حلية أَو مَتَاع من الْأَمْتِعَة وَشبه بَقَاء الْقُرْآن بِبَقَاء الْحلِيّ والأمتعة النافعة والتشبيه بالزبد يتَضَمَّن ذمّ الْمُشبه بِهِ فَإِنَّهُم يشبهون الْحسن بالْحسنِ والقبيح بالقبيح

стр. 80

والمحمود بالمحمود والمذموم بالمذموم والنافع بالنافع والضار بالضار ﴿وَيضْرب الله الْأَمْثَال للنَّاس وَالله بِكُل شَيْء عليم﴾ وَقد يعبر بالْكفْر عَن الْهَلَاك لِأَنَّهُ سَبَب الْهَلَاك ويعبر عَن الْإِيمَان بِالْحَيَاةِ لِأَنَّهُ سَبَب الْحَيَاة الأبدية قَالَ تَعَالَى ﴿ليهلك من هلك عَن بَيِّنَة وَيحيى من حَيّ عَن بَيِّنَة﴾ أَي ليؤمن من آمن عَن يَقِين وبصيرة وَيكفر من كفر عَن يَقِين وَمَعْرِفَة وَقد شبه الله سُبْحَانَهُ بالأنعام والحمر وَالْكلاب احتقارا للمشبه وذما لَهُ وَلذَلِك قَالَ ﴿سَاءَ مثلا﴾ وَقَالَ ﴿بئس مثل الْقَوْم الَّذين كذبُوا بآيَات الله﴾ وَلما شبههم بالحمر كَانَ فِي تشبيهه مَا يَقْتَضِي أَنهم أَسْوَأ حَالا من الْحمر لِأَن الْحمر فرت من سَبَب هلاكها وَهُوَ الْأسد وَهَؤُلَاء فروا من التَّذْكِرَة وَهِي سَبَب نجاتهم كفرار الْحمر من سَبَب هلاكها وَهَذَا مثل قَوْله ﴿أَو كصيب﴾ مَعْنَاهُ أَو كأصحاب الصيب

стр. 81

شبه الْقُرْآن بالصيب والصيب إِذا نزل كَانَ رَحْمَة للزارع وبلية على الْمُسَافِر فَكَذَلِك الْقُرْآن كَانَ نُزُوله رَحْمَة للْمُؤْمِنين وبلاء على الْكَافرين ﴿وننزل من الْقُرْآن مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَة للْمُؤْمِنين وَلَا يزِيد الظَّالِمين إِلَّا خسارا﴾ فَجعل ثقل الْقُرْآن عَلَيْهِم ومشقته عِنْدهم كثقل الصيب ومشقته على الْمُسَافِر لَكِن الْقُرْآن ثقل عَلَيْهِم مَعَ كَونه سَببا لنجاتهم والصيب ثقل على أَصْحَابه لكَونه سَببا لهلاكهم وتضررهم كَمَا فرت الْحمر من القسورة وَهُوَ سَبَب هلاكها وفر الْمُشْركُونَ من التَّذْكِرَة وَهِي سَبَب نجاتهم

стр. 82

الْفَصْل السَّابِع فِي فَوَائِد مُتَفَرِّقَة الأولى السِّيَاق مرشد إِلَى تبين المجملات وترجيح المحتملات وَتَقْرِير الواضحات وكل ذَلِك بعرف الِاسْتِعْمَال فَكل صفة وَقعت فِي سِيَاق الْمَدْح كَانَت مدحا وكل صفة وَقعت فِي سِيَاق الذَّم كَانَت ذما فَمَا كَانَ مدحا بِالْوَضْعِ فَوَقع فِي سِيَاق الذَّم صَار ذما واستهزاء وتهكما بعرف الِاسْتِعْمَال مِثَاله ﴿ذُقْ إِنَّك أَنْت الْعَزِيز الْكَرِيم﴾ أَي الذَّلِيل المهان لوُقُوع ذَلِك فِي

стр. 83

سِيَاق الذَّم وَكَذَلِكَ قَول قوم شُعَيْب ﴿إِنَّك لأَنْت الْحَلِيم الرشيد﴾ أَي السَّفِيه الْجَاهِل لوُقُوعه فِي سِيَاق الْإِنْكَار عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ ﴿إِنَّا أَطعْنَا سادتنا وكبراءنا﴾ لوُقُوعه فِي سِيَاق ذمهم بإضلال الأتباع وَأما مَا يصلح للأمرين فَيدل على المُرَاد بِهِ السِّيَاق كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَإنَّك لعلى خلق عَظِيم﴾ أَرَادَ بِهِ عَظِيما فِي حسنه وشرفه لوُقُوع ذَلِك فِي سِيَاق الْمَدْح وَقَوله ﴿إِنَّكُم لتقولون قولا عَظِيما﴾ أَرَادَ بِهِ عَظِيما فِي قبحه لوُقُوع ذَلِك فِي سِيَاق الذَّم وَكَذَلِكَ صِفَات الرب المحتملة للمعاني المتعددة تحمل فِي كل سِيَاق على مَا يَلِيق بِهِ كَقَوْلِه ﴿إِن ذَلِك فِي كتاب إِن ذَلِك على الله يسير﴾ تمدح بسهولة فِي قدرته وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿ذَلِك حشر علينا يسير﴾ وَأما قَوْله ﴿فَسَوف نصليه نَارا وَكَانَ ذَلِك على الله يَسِيرا﴾ وَقَوله ﴿يُضَاعف لَهَا الْعَذَاب ضعفين وَكَانَ ذَلِك على الله يَسِيرا﴾ فَإِن المُرَاد فِي هَاتين الْآيَتَيْنِ احتقار المعذب وعنته وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِك لِأَن من هان عَلَيْك

стр. 84

سهل عَلَيْك عَذَابه وعنته وَمن عز عَلَيْك صَعب عَلَيْك مصابه ومشقته وَإِنَّمَا حمل على الاستهانة لِأَنَّهُ لَا يصلح من الرب التمدح بِالْقُدْرَةِ على تَعْذِيب امْرَأَة أَو رجل إِذْ التمدح من الرب بِأَدْنَى الصِّفَات قَبِيح فِي عرف الِاسْتِعْمَال وَلذَلِك يقبح أَن يُقَال سِيبَوَيْهٍ يعرف أَن الْفَاعِل مَرْفُوع وَالْمَفْعُول مَنْصُوب وَالشَّافِعِيّ يعرف مَسْأَلَة إِزَالَة النَّجَاسَة وجالينوس

стр. 85

يعرف أَن الصَّفْرَاء حادة يابسة وَكَذَلِكَ الْعَزِيز فِي أَوْصَاف الرب سُبْحَانَهُ يُطلق بِمَعْنى الْغَالِب القاهر وَيُطلق بِمَعْنى الْمُمْتَنع من الْعَيْب والضيم وَيُطلق بِمَعْنى الَّذِي لَا نَظِير لَهُ وَيحمل كل سِيَاق على مَا يَلِيق بِهِ الْفَائِدَة الثَّانِيَة إِخْبَار الشَّارِع عَن مَا يعلم بِالْعَادَةِ أَو بِالْعقلِ أَو بالحس لَيْسَ الْغَرَض مِنْهُ الْإِعْلَام بذلك الْمخبر عَنهُ بل بِهِ فَوَائِد تنثني عَلَيْهِ الأولى أَن يذكر ردا على دَعْوَى مُدع وتكذيبا لافتراء مفتر كَقَوْلِه ﴿مَا جعل الله لرجل من قلبين فِي جَوْفه﴾ وَقَوله ﴿فَمَا أَنْت بِنِعْمَة رَبك بكاهن وَلَا مَجْنُون﴾ وَقَوله ﴿مَا أَنْت بِنِعْمَة رَبك بمجنون﴾ ﴿وَمَا صَاحبكُم بمجنون﴾ الثَّانِيَة أَن يذكر وعظا كَقَوْلِه ﴿تِلْكَ أمة قد خلت﴾ ﴿قد خلت من قبلكُمْ سنَن﴾ ﴿كل نفس ذائقة الْمَوْت﴾ ﴿ثمَّ إِنَّكُم بعد ذَلِك لميتون﴾

стр. 86

﴿إِنَّك ميت وَإِنَّهُم ميتون﴾ ﴿قل إِن الْمَوْت الَّذِي تفرون مِنْهُ فَإِنَّهُ ملاقيكم﴾ كَذَلِك مَا تَوَاتر من قصَص المكذبين المهلكين فَإِنَّهُ ذكر للاعتبار والأتعاظ وَكَذَلِكَ قَالَ بعد ذكر إهلاكهم ﴿إِن فِي ذَلِك لذكرى لمن كَانَ لَهُ قلب﴾ أَي اتعاظا لمن كَانَ لَهُ عقل وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿يخربون بُيُوتهم بِأَيْدِيهِم وأيدي الْمُؤمنِينَ فاعتبروا يَا أولي الْأَبْصَار﴾ أَي فاتعظوا وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿كل من عَلَيْهَا فان﴾ الثَّالِثَة أَن يذكر للدلالة على صدق الرَّسُول ﷺ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَمَا كنت لديهم إِذْ يلقون أقلامهم أَيهمْ يكفل مَرْيَم﴾

стр. 87

الْآيَة ﴿وَمَا كنت لديهم إِذْ أَجمعُوا أَمرهم﴾ ذكر أخْفى مَا فِي الْقَضِيَّة لِأَنَّهُ أبلغ فِي الدّلَالَة ﴿وَمَا كنت بِجَانِب الغربي إِذْ قضينا إِلَى مُوسَى الْأَمر﴾ ﴿وَمَا كنت بِجَانِب الطّور إِذْ نادينا﴾ ﴿وَمَا كنت ثاويا فِي أهل مَدين﴾ ﴿وَمَا كنت تتلو من قبله من كتاب وَلَا تخطه بيمينك﴾ وَكَذَلِكَ الْقَصَص الْمُوَافقَة لما فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل ذكرت للاستدلال على صِحَة النُّبُوَّة وَلذَلِك قَالَ ﴿لقد كَانَ فِي قصصهم عِبْرَة لأولي الْأَلْبَاب﴾ أَي عبور من حيّز الْجَهْل إِلَى حيّز الْعلم لِأَن الْعبْرَة فعله من العبور فَجَاز أَن تسْتَعْمل فِي العبور من حيّز الْجَهْل إِلَى حيّز الْعلم كَمَا اسْتعْملت فِي العبور من الاغترار إِلَى حيّز الأتعاظ الرَّابِعَة أَن يذكر عتبا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَإِذ تَقول للَّذي أنعم الله عَلَيْهِ وأنعمت عَلَيْهِ﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَالله أَحَق أَن تخشاه﴾ وَقَوله ﴿عبس وَتَوَلَّى﴾ إِلَى قَوْله ﴿فَأَنت لَهُ تصدى﴾ الْخَامِسَة أَن يذكر توبيخا ولوما كَقَوْلِه ﴿إِذْ تصعدون وَلَا تلوون على أحد وَالرَّسُول يدعوكم فِي أخراكم﴾ ﴿مِنْكُم من يُرِيد الدُّنْيَا ومنكم من يُرِيد الْآخِرَة﴾

стр. 88

﴿وَلَقَد كُنْتُم تمنون الْمَوْت من قبل أَن تلقوهُ﴾ ﴿يجادلونك فِي الْحق بعد مَا تبين﴾ السَّادِسَة أَن يذكر تمننا كَقَوْلِه ﴿إِذْ يغشيكم النعاس أَمَنَة مِنْهُ﴾ قَوْله ﴿إِذْ أَنْتُم قَلِيل مستضعفون فِي الأَرْض تخافون أَن يتخطفكم النَّاس﴾ الْآيَة ﴿وَينزل عَلَيْكُم من السَّمَاء مَاء ليطهركم بِهِ﴾ ﴿إِذْ أَنْتُم بالعدوة الدُّنْيَا وهم بالعدوة القصوى والركب أَسْفَل مِنْكُم﴾ ﴿لقد نصركم الله فِي مَوَاطِن كَثِيرَة وَيَوْم حنين﴾ الْآيَتَانِ السَّابِعَة أَن يذكر للاستدلال على الْإِعَادَة بالإنشاء كَقَوْلِه ﴿ألم يَك نُطْفَة من مني يمنى﴾ ﴿ألم نخلقكم من مَاء مهين﴾ ﴿ألم نجْعَل الأَرْض كفاتا أَحيَاء وأمواتا﴾ ﴿لم يكن شَيْئا مَذْكُورا﴾ ﴿وَقد خلقتك من قبل وَلم تَكُ شَيْئا﴾ ﴿ثمَّ من نُطْفَة ثمَّ من علقَة ثمَّ من مُضْغَة مخلقة وَغير مخلقة لنبين لكم﴾

стр. 89

أَي اقتدارنا على بعثكم ﴿فَإِذا أنزلنَا عَلَيْهَا المَاء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج﴾ الثَّامِنَة أَن يذكر تمدحا كتمدح الرب سُبْحَانَهُ بأوصافه الَّتِي دلّ عَلَيْهَا الْعقل من الْحَيَاة وَالْعلم وَالْقُدْرَة والإرادة وَقد يذكر الْعلم وَالْقُدْرَة ترغيبا وترهيبا التَّاسِعَة أَن يذكر مدحا وذما كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿لقد خلقنَا الْإِنْسَان فِي أحسن تَقْوِيم﴾ ﴿فَأحْسن صوركُمْ﴾ وَيحْتَمل أَن يكون هَذَا تمعنا كَقَوْلِه ﴿خلق الْإِنْسَان من عجل﴾ ﴿إِن الْإِنْسَان خلق هلوعا﴾ ﴿وَخلق الْإِنْسَان ضَعِيفا﴾

стр. 90

الْعَاشِرَة أَن يذكر تَنْبِيها على سَعَة الْقُدْرَة كَقَوْلِه ﴿وَمَا يَسْتَوِي البحران هَذَا عذب فرات سَائِغ شرابه وَهَذَا ملح أجاج﴾ وَأما إخْبَاره عَن أكل اللَّحْم الطري مِنْهُمَا واستخراج الْحِلْية من الْملح فَذَاك من بَاب التمنن وَكَذَلِكَ من بَاب التمنن قَوْله ﴿يَسْأَلُونَك﴾ ﴿يستفتونك﴾ فَإِنَّهُ تمنن عَلَيْهِم بِأَن أجَاب سُؤَالهمْ وَلم يهملهم وَلم يعرض عَنْهُم وَلَا سِيمَا إِن أجابهم على الْفَوْر وَيحْتَمل أَن تكون فَائِدَته نفي ثمَّ احْتِمَال خُرُوج مَحل السُّؤَال عَن الْإِرَادَة الْحَادِيَة عشرَة أَن يذكر فارقا كَقَوْلِه ﴿وَمَا أَفَاء الله على رَسُوله مِنْهُم فَمَا أَوجَفْتُمْ عَلَيْهِ من خيل وَلَا ركاب﴾ ذكر فرقا بَين الْفَيْء وَالْغنيمَة

стр. 91

الثَّانِيَة عشرَة أَن يذكر إغراء بالعداوة والقتال وحثا عَلَيْهِمَا كَقَوْلِه ﴿نكثوا أَيْمَانهم وهموا بِإِخْرَاج الرَّسُول وهم بدؤوكم أول مرّة﴾ ﴿يخرجُون الرَّسُول وَإِيَّاكُم﴾ الْفَائِدَة الثَّالِثَة من فَوَائِد الْفَصْل كلمة التَّوْحِيد تدل على التَّكْلِيف بِالْوَاجِبِ وَالْحرَام إِذْ مَعْنَاهُ لَا

стр. 92

معبود بِحَق إِلَّا الله وَالْعِبَادَة هِيَ الطَّاعَة مَعَ غَايَة الذل والخضوع فقد نَص بالإستثناء على أَنه مُسْتَحقّ لَهَا وَأما نَفيهَا عَن مَا عداهُ فَيجوز أَن يكون حكما بِتَحْرِيم ذَلِك فِي حق غَيره وَهُوَ الظَّاهِر وَيجوز أَن يكون إِخْبَارًا عَن النَّفْي الْأَصْلِيّ وَيكون تَحْرِيم عبَادَة غير مأخوذا من قَوْله ﴿أَمر أَلا تعبدوا إِلَّا إِيَّاه﴾

стр. 93

أَو من الْإِجْمَاع وَكَذَلِكَ كل نفي فِي هَذَا الْمَعْنى كَقَوْلِه ﴿فَلَا جنَاح عَلَيْهِمَا﴾ ﴿فَلَا إِثْم عَلَيْهِ﴾ الْفَائِدَة الرَّابِعَة من فَوَائِد الْفَصْل قد يَقع فِي سِيَاق التوبيخ والذم والتهديد مَا لَا يتَعَلَّق بِهِ ذمّ وَلَا توبيخ وَلَا وَعِيد بل يذكر تقبيحا لما يتَعَلَّق بِهِ الذَّم والتوبيخ والوعيد كَقَوْلِه ﴿أتأمرون النَّاس بِالْبرِّ وتنسون أَنفسكُم﴾ ذكر الْأَمر بِالْبرِّ تقبيحا لنسيان الْأَنْفس ﴿أفتؤمنون بِبَعْض الْكتاب وتكفرون بِبَعْض﴾ ذكر الْإِيمَان بِبَعْض الْكتاب تقبيحا للكفر بِبَعْضِه ﴿فَإِذا مس الْإِنْسَان ضرّ دَعَانَا ثمَّ إِذا خولناه نعْمَة منا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتهُ على علم﴾ ذكر الدُّعَاء تقبيحا لقَوْله ﴿إِنَّمَا أُوتِيتهُ على علم﴾ ﴿وَإِذا مسكم الضّر فِي الْبَحْر ضل من تدعون إِلَّا إِيَّاه فَلَمَّا نجاكم إِلَى الْبر أعرضتم﴾ ذكر الْإِعْرَاض عَن الألهة تقبيحا للإعراض عَن الله

стр. 94

تَعَالَى عِنْد النجَاة ﴿وَإِن فريقا مِنْهُم ليكتمون الْحق وهم يعلمُونَ﴾ ذكر الْعلم تقبيحا للكتمان مَعَ الْمعرفَة وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿لم تكفرون بآيَات الله وَأَنْتُم تَشْهَدُون﴾ ﴿وجحدوا بهَا واستيقنتها أنفسهم﴾ ذكر الاستيقان تقبيحا للجحود مَعَ الْيَقِين وَكَذَلِكَ ﴿أتأتون الذكران من الْعَالمين وتذرون مَا خلق لكم ربكُم من أزواجكم﴾ ذكر ترك الْإِتْيَان للأزواج تقبيحا لإتيان الذكران إِن كَانَ التّرْك مُبَاحا فِي ملتهم وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿إِن الَّذين آمنُوا ثمَّ كفرُوا ثمَّ آمنُوا ثمَّ كفرُوا﴾ ذكر الْإِيمَان مُبَاحا فِي ملتهم وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿إِن الَّذين آمنُوا ثمَّ كفرُوا ثمَّ آمنُوا ثمَّ كفرُوا﴾ ذكر الْإِيمَان تقبيحا للكفر الْوَاقِع بعده الْفَائِدَة الْخَامِسَة قد يَقع فِي سِيَاق الْمَدْح وَالثَّوَاب مَا لَا يتعلقان بِهِ بل يذكر تعريفا للممدوح المثاب كَقَوْلِه ﴿أَنه من عمل مِنْكُم سوءا بِجَهَالَة ثمَّ تَابَ من بعده وَأصْلح فَأَنَّهُ غَفُور رَحِيم﴾ وَقَوله ﴿وَالَّذين عمِلُوا السَّيِّئَات ثمَّ تَابُوا من بعْدهَا وآمنوا إِن رَبك من بعْدهَا لغَفُور رَحِيم﴾

стр. 95

وَقَوله ﴿ثمَّ إِن رَبك للَّذين عمِلُوا السوء بِجَهَالَة ثمَّ تَابُوا من بعد ذَلِك وَأَصْلحُوا﴾ الْفَائِدَة السَّادِسَة قد يَقع فِي سِيَاق التوبيخ والذم مُبَاح لَا يتَعَلَّق بِهِ ذمّ وَلَا توبيخ من جِهَة كَونه مُبَاحا لَكِن من جِهَة كَونه شاغلا عَن الْوَاجِب كَقَوْلِه ﴿أَذهَبْتُم طَيِّبَاتكُمْ فِي حَيَاتكُم الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بهَا﴾ ﴿إِن هَؤُلَاءِ يحبونَ العاجلة﴾ ﴿وتحبون المَال حبا جما﴾ الْفَائِدَة السَّابِعَة تمنن الرب تَعَالَى بنعمه إِن كَانَت تِلْكَ النعم من أَفعاله الَّتِي لَا

стр. 96

اكْتِسَاب لنا فِيهَا كَانَ التمنن بهَا ترغيبا لنا فِي شكرها بعرف الِاسْتِعْمَال وَإِن كَانَت بِمَا خلق فِي الْأَعْيَان من الْمَنَافِع كَانَ ذَلِك أذنا فِي الِانْتِفَاع وترغيبا فِي الشُّكْر ﴿لقد من الله على الْمُؤمنِينَ إِذْ بعث فيهم رَسُولا من أنفسهم﴾ ﴿وَأنزل الله عَلَيْك الْكتاب وَالْحكمَة وعلمك مَا لم تكن تعلم﴾ ﴿قد أنزل الله إِلَيْكُم ذكرا رَسُولا﴾ ﴿أنزلنَا عَلَيْكُم لباسا يواري سوآتكم وريشا﴾ ﴿نسقيكم مِمَّا فِي بطونه﴾ ﴿يخرج من بطونها شراب مُخْتَلف ألوانه فِيهِ شِفَاء للنَّاس﴾ ﴿وَمَا ذَرأ لكم فِي الأَرْض مُخْتَلفا ألوانه﴾ ﴿خلق لكم مَا فِي الأَرْض جَمِيعًا﴾ ﴿وسخر لكم مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْض جَمِيعًا مِنْهُ﴾ ﴿وكنتم على شفا حُفْرَة من النَّار فأنقذكم مِنْهَا﴾ ﴿وَجعل لكم السّمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكُمْ تشكرون﴾ الْفَائِدَة الثَّامِنَة ولَايَة الله للْعَبد عبارَة عَن ثنائه عَلَيْهِ وإحسانه إِلَيْهِ فتدل

стр. 97

على الطَّاعَة الدَّالَّة على الْأَمر ﴿وَهُوَ يتَوَلَّى الصَّالِحين﴾ ﴿وَهُوَ وليهم بِمَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ وَولَايَة العَبْد لله قِيَامه بِطَاعَتِهِ وَكَذَلِكَ ولَايَته لرَسُوله وَأما ولَايَة الْمُؤمنِينَ فبالنصرة والمؤالفة ﴿وَمن يتول الله وَرَسُوله وَالَّذين آمنُوا﴾ ﴿أَلا إِن أَوْلِيَاء الله لَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ﴾ من آذَى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة الْفَائِدَة التَّاسِعَة قد يتَعَلَّق بالمدح وَالثَّوَاب من جِهَة اللَّفْظ مَا لَا يدْخل تَحت الْكسْب من فعل غير الممدوح فَيكون الْمَدْح وَالثَّوَاب معلقين بِسَبَبِهِ أَو بِشَيْء من لوازمه كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿أخرجُوا من دِيَارهمْ وَأَمْوَالهمْ﴾ وَقَوله ﴿وأخرجوا من دِيَارهمْ وأوذوا فِي سبيلي وقاتلوا وَقتلُوا﴾ ﴿لَا يصيبهم ظمأ وَلَا نصب وَلَا مَخْمَصَة﴾ كل ذَلِك لَيْسَ من أفعالهم لكِنهمْ تسببوا إِلَى أَن

стр. 98

أوذوا وأخرجوا من دِيَارهمْ وَقتلُوا بِمَا أظهروه من إِيمَانهم فأثيبوا عَلَيْهِ ومدحوا بِهِ لأَنهم تسببوا إِلَيْهِ فالثواب والمدح واقعان على السَّبَب دون الْمُسَبّب إِلَيْهِ وَكَذَلِكَ مدحوا بالظمأ وَالنّصب والمخمصة ورتب عَلَيْهِ الْأجر لتسببهم إِلَيْهِ بحصولهم فِي مظانه وَكَذَلِكَ قَوْله ﷺ مَا من أحد يكلم فِي سَبِيل الله وَالله أعلم بِمن يكلم فِي سَبيله إِلَّا جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة وجرحه يثعب دَمًا اللَّوْن لون الدَّم وَالرِّيح ريح الْمسك هُوَ مُرَتّب على الْكَلم من جِهَة

стр. 99

اللَّفْظ وعَلى التَّسَبُّب إِلَيْهِ من جِهَة الْمَعْنى وَقَوله ﷺ من عزى مصابا فَلهُ مثل أجره تَقْدِيره مثل أجر صبره فَإِن الْمُصِيبَة لَيست من فعله حَتَّى يُؤجر عَلَيْهَا وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿وَأَن لَيْسَ للْإنْسَان إِلَّا مَا سعى﴾ ﴿إِنَّمَا تُجْزونَ مَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ فَلَا أجر وَلَا جَزَاء إِلَّا على عمل مكتسب فِي نَفسه أَو مكتسب السَّبَب

стр. 100

الْفَائِدَة الْعَاشِرَة قد يَقع فِي سِيَاق التَّعْلِيل مَا لَا يَصح أَخذه فِي التَّعْلِيل بل يذكر تقريرا للتَّعْلِيل كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿ذَلِك بِأَنَّهُم آمنُوا ثمَّ كفرُوا﴾ ﴿ذَلِك بِأَنَّهُم كَانَت تأتيهم رسلهم بِالْبَيِّنَاتِ﴾ الْآيَة ﴿ذَلِك بِأَن الله نزل الْكتاب بِالْحَقِّ﴾ ﴿أَن تضل إِحْدَاهمَا فَتذكر إِحْدَاهمَا الْأُخْرَى﴾ الْفَائِدَة الْحَادِيَة عشرَة قد تتَعَلَّق خَصَائِص الْأَمر وَالنَّهْي بأوصاف الجبلية لَا يَصح اكتسابها فَتكون تِلْكَ الخصائص مُتَعَلقَة بآثارها الدَّاخِلَة تَحت الْكسْب تعبيرا باسم السَّبَب عَن الْمُسَبّب وبالمثمر عَن ثَمَرَته وَذَلِكَ كالرأفة وَالرَّحْمَة والحلم والأناة والجود والسخاء واللين وَالْحيَاء والجبن وَالْبخل

стр. 101

والحرص وَالشح وضيق العطن والفظاظة والغلظة وَغير ذَلِك من الْأَوْصَاف الجبلية المحمودة والمذمومة فَأمره بِالرَّحْمَةِ ومدحه للراحم أَمر بآثار الرَّحْمَة من الْإِحْسَان إِلَى المرحوم فَقَوله ﷺ ارحموا من فِي الأَرْض يَرْحَمكُمْ من فِي السَّمَاء مَعْنَاهُ عاملوهم مُعَاملَة الراحم وَقَوله الراحمون يرحمهم الرَّحْمَن وَكَذَلِكَ الْمَدْح بالحلم والأناة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِن إِبْرَاهِيم لحليم﴾ وَقَوله ﷺ لأشج عبد الْقَيْس إِن فِيك لخصلتين يحبهما الله الْحلم والأناة

стр. 102

وَكَذَلِكَ مدح الْحيَاء فِي قَوْله ﷺ الْحيَاء خير كُله هُوَ مدح لآثاره من الْكَفّ عَن القبائح وَلذَلِك قَالَ الْحيَاء لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَير وَقَالَ اسْتَحْيوا من الله حق الْحيَاء وَكَذَلِكَ مدح الْكَرم والسخاء مدح لآثارهما من الْبَذْل وَالعطَاء وَلذَلِك يجْرِي حكم الذَّم بِكُل وصف جبلي وَالنَّهْي عَنهُ فَقَوله ﷺ إيَّاكُمْ وَالشح إِنَّمَا نهى عَن آثاره

стр. 103

من الْإِمْسَاك عَن بذل مَا يجب بذله وَكَذَلِكَ الذَّم بالجبن مُتَعَلق بآثاره ترك الْإِقْدَام على مَا يَنْبَغِي الْإِقْدَام عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ الغلظة والفظاظة والجفاء وَغير ذَلِك وَكَذَلِكَ النَّهْي عَن الْهوى إِنَّمَا هُوَ نهي عَن آثاره لِأَن الْهوى ميل طبعي فالنهي عَنهُ نهي عَن مُوَافَقَته ومتابعته وَقد صرح بذلك فِي قَوْله ﴿وَلَا تتبع الْهوى﴾ بِخِلَاف قَوْله ﴿وَنهى النَّفس عَن الْهوى﴾ فَإِن مَعْنَاهُ وَنهى النَّفس عَن آثَار الْهوى فَإِن الْهوى هُوَ الْميل إِلَى المشتهيات طبعا فَلَا يتَعَلَّق بِهِ تَكْلِيف وَلَا ذمّ وَلَا ثَوَاب وَلَا عِقَاب وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿وَلَا تأخذكم بهما رأفة فِي دين الله﴾ لم ينْه عَن الرأفة فِي نَفسهَا لِأَنَّهَا جبلية لَا يتَعَلَّق بهَا تَكْلِيف وَإِنَّمَا النَّهْي عَن آثارها كَتَرْكِ الْجلد أَو تنقيصه أَو تخفيفه

стр. 104

وَكَذَلِكَ النَّهْي عَن الْحَسَد الهاجم الَّذِي لَا يُمكن دَفعه فَإِن النَّهْي عَنهُ نهي عَن آثاره من الْإِضْرَار بالمحسود وَكَذَلِكَ النَّهْي عَن الظَّن الهاجم الَّذِي يتَعَذَّر دَفعه عِنْد قيام أَسبَابه فِي قَوْله ﷺ إيَّاكُمْ وَالظَّن فَإِن الظَّن أكذب الحَدِيث

стр. 105

إِنَّمَا نهى عَن آثَار الظَّن وَهُوَ أَن يُعَامل بآثاره المذمومة شرعا وَإِن عمل بأثر لذَلِك الظَّن غير مَذْمُوم فِي الشَّرْع فَلَا بَأْس فَإِن الجرم سوء الظَّن أَي من آثَار سوء الظَّن وَالنَّهْي عَن العجلة نهي عَن آثارها وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿خلق الْإِنْسَان من عجل﴾ ﴿وَكَانَ الْإِنْسَان عجولا﴾ وَكَذَلِكَ الْجزع فِي قَوْله ... إِذا مَسّه الشَّرّ جزوعا إِنَّمَا هُوَ ذمّ لآثار الْجزع وَكَذَلِكَ حب العاجلة وَحب الشَّهَوَات من النِّسَاء والبنين لَا يتَعَلَّق الذَّم فيهمَا بِمُجَرَّد الْحبّ والميل بل بآثار الْمحبَّة الملهية عَن السَّعْي للآخرة

стр. 106

الْفَائِدَة الثَّانِيَة عشرَة قد يتَعَلَّق النَّهْي بِشَيْء وَالْمرَاد بِهِ مَا يلازمه فَيكون مُضَافا إِلَيْهِ لفظا وَإِلَى مَا يلازمه معنى كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَلَا تموتن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ﴾ مَعْنَاهُ لَا تكفرُوا عِنْد الْمَوْت وَقَوله ﴿وذروا البيع﴾ مَعْنَاهُ لَا تشتغلوا عَن الْجُمُعَة وَلَا تتركوا السَّعْي إِلَيْهَا وَلَا يبع بَعْضكُم على بيع بعض مَعْنَاهُ لَا يضر بَعْضكُم بِبَعْض

стр. 107

الْفَائِدَة الثَّالِثَة عشرَة كل فعل كسبي أَضَافَهُ الله تَعَالَى إِلَى نَفسه كَانَت إِضَافَته إِلَيْهِ مدحا لَهُ كَقَوْلِه ﴿شَهَادَة الله﴾ و ﴿عهد الله﴾ و ﴿صِرَاط الله﴾ و ﴿دين الله﴾ و ﴿صبغة الله﴾ وكل فعل كسبي برأَ الله أَنْبيَاء مِنْهُ فَهُوَ مَذْمُوم ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيم يَهُودِيّا وَلَا نَصْرَانِيّا﴾ ﴿مَا كَانَ ليَأْخُذ أَخَاهُ فِي دين الْملك﴾ ﴿مَا كَانَ لبشر أَن يؤتيه الله الْكتاب وَالْحكم والنبوة ثمَّ يَقُول للنَّاس كونُوا عبادا لي من دون الله﴾ وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿وَلَا يَأْمُركُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَة والنبيين أَرْبَابًا﴾

стр. 108

وكل فعل أخبر الله تَعَالَى عَن كتبه أَو وَزنه فالتكليف مُتَعَلق بِهِ ﴿سنكتب مَا يَقُول﴾ ﴿وَرُسُلنَا لديهم يَكْتُبُونَ﴾ ﴿وكل شَيْء فَعَلُوهُ فِي الزبر﴾ ﴿وَإِنَّا لَهُ كاتبون﴾ ﴿وَإِن عَلَيْكُم لحافظين كراما كاتبين﴾ ﴿وكل شَيْء أحصيناه كتابا﴾ ﴿وَنَضَع الموازين الْقسْط ليَوْم الْقِيَامَة﴾ ﴿وَالْوَزْن يَوْمئِذٍ الْحق﴾ وَثقل الموازين أَخذ الْكتب بالأيمان يدل على الطَّاعَات وخفة الموازين وَأخذ الْكتب بالشمائل أَو من وَرَاء الظُّهُور يدل على المخالفات وَشَهَادَة الله وأنبيائه وَشَهَادَة الْجَوَارِح تدل على التكاليف ﴿ثمَّ الله شَهِيد على مَا يَفْعَلُونَ﴾ ﴿فَكيف إِذا جِئْنَا من كل أمة بِشَهِيد وَجِئْنَا بك على هَؤُلَاءِ شَهِيدا﴾ ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاك شَاهدا﴾ ﴿نبعث من كل أمة شَهِيدا﴾ الْآيَة ﴿وَيَوْم نبعث فِي كل أمة شَهِيدا﴾ ﴿الْيَوْم نختم على أَفْوَاههم وتكلمنا أَيْديهم وَتشهد أَرجُلهم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾

стр. 109

﴿شهد عَلَيْهِم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بِمَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ ﴿بل الْإِنْسَان على نَفسه بَصِيرَة﴾ ثمَّ يُقَال لجوارحه انْطِقِي الْفَائِدَة الرَّابِعَة عشرَة وصف الْقُرْآن بِأَنَّهُ حق إِن حمل الْحق على الْحِكْمَة وَالصَّوَاب تضمن جَمِيع الْأَحْكَام وَإِن حمل على الصدْق تضمن الْوَعْد

стр. 110

والوعيد وَالْأَحْكَام الْمعبر عَنْهَا بِأَلْفَاظ الْأَخْبَار وَأما وصف السَّمَوَات وَالْأَرْض بِأَنَّهُمَا خلقتا بِالْحَقِّ فَالْمُرَاد بِالْحَقِّ التكاليف بِدَلِيل قَوْله ﴿خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام وَكَانَ عَرْشه على المَاء ليَبْلُوكُمْ أَيّكُم أحسن عملا﴾ وَقَوله ﴿وَخلق الله السَّمَاوَات وَالْأَرْض بِالْحَقِّ﴾ أَي بِسَبَب التَّكْلِيف الَّذِي هُوَ حق ﴿ولتجزى كل نفس بِمَا كسبت﴾ مَعْنَاهُ لتجزى كل نفس بِمَا كسبت خلقناهما بِالْحَقِّ الَّذِي هُوَ التَّكْلِيف الْفَائِدَة الْخَامِسَة عشرَة تمني الرُّجُوع إِلَى الدُّنْيَا وسؤال الرّجْعَة وَالتَّأْخِير يدل على الذَّم وَالْحَسْرَة على ترك الطَّاعَة إِلَّا فِي حق الشَّهِيد فَإِنَّهُ تمنى الرُّجُوع إِلَى الدُّنْيَا ليقْتل فِي سَبِيل الله لما يرى من فضل الشَّهَادَة
следующие страницы →