Полный текст (483 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
فِي النِّهَايَة وَالْغَزالِيّ فِي الْوَسِيط فَقَالَ الرُّكْن الرَّابِع الدُّعَاء للْمُؤْمِنين وَالْمُؤْمِنَات وَأقله أَن يَقُول للحاضرين رحمكم الله هَذِه عبارَة الْغَزالِيّ فَإِذا تقرر أَن الدُّعَاء يجب لِلْفَرِيقَيْنِ فمقتضاه أَنه لَو صرح بتخصيص الرِّجَال أَو النِّسَاء لم يجز وَلَو اقْتصر على لفظ الْمُؤمنِينَ فقياسه أَن يتَخَرَّج على الْخلاف وَجزم الرَّافِعِيّ بالاكتفاء وَزَاد فَقَالَ يَكْفِي أَن يَقُول للحاضرين رحمكم الله وَهَذَا الْمِثَال أَيْضا من هَذِه الْقَاعِدَة لِأَنَّهُ خطاب للذكور والحاضرون ينقسمون إِلَى ذُكُور وإناث
السَّادِس مَسْأَلَة الْوَاعِظ الْمَشْهُورَة وَهِي أَن واعظا طلب من الْحَاضِرين شَيْئا فَلم يعطوه فَقَالَ متضجرا مِنْهُم طلقتكم ثَلَاثًا ثمَّ تبين أَن زَوجته كَانَت فيهم قَالَ الْغَزالِيّ فِي الْبَسِيط أفتى إِمَام الْحَرَمَيْنِ بِوُقُوع الطَّلَاق قَالَ وَفِي الْقلب مِنْهُ شَيْء قَالَ الرَّافِعِيّ وَلَك أَن تَقول يَنْبَغِي أَن لَا تطلق لِأَن قَوْله طلقتكم لفظ عَام وَهُوَ يقبل الِاسْتِثْنَاء بِالنِّيَّةِ كَمَا لَو حلف لَا يسلم على زيد فَسلم على قوم هُوَ فيهم واستثناه بِقَلْبِه لَا يَحْنَث وَإِذا لم يعلم أَن زَوجته فِي الْقَوْم كَانَ مَقْصُوده غَيرهَا وَاعْترض فِي الرَّوْضَة فَقَالَ الَّذِي قَالَه إِمَام الْحَرَمَيْنِ والرافعي كِلَاهُمَا عجب أما الْعجب من الرَّافِعِيّ فَلِأَن هَذِه الْمَسْأَلَة لَيست كَمَسْأَلَة السَّلَام على زيد لِأَنَّهُ هُنَاكَ علم بِهِ واستثناه وَهنا لم يعلم بهَا وَلم يستثنها وَاللَّفْظ إِذا كَانَ عَاما يَقْتَضِي الْجَمِيع إِلَّا مَا أخرجه وَلم يُخرجهَا وَأما
стр. 317
الْعجب من الإِمَام فَلِأَنَّهُ يشْتَرط قصد لفظ الطَّلَاق لمعناه وَلَا يَكْفِي قصد لَفظه من غير قصد مَعْنَاهُ وَمَعْلُوم أَن هَذَا الْوَاعِظ لم يقْصد معنى الطَّلَاق وَأَيْضًا فقد علم أَن جُمْهُور أَصْحَابنَا على أَن النِّسَاء لَا يدخلن فِي خطاب الرِّجَال إِلَّا بِدَلِيل وَقَوله طلقتكم خطاب رجال فَلَا تدخل امْرَأَته فِيهِ فَيَنْبَغِي لأجل ذَلِك أَن لَا تطلق انْتهى كَلَام النَّوَوِيّ
وَالَّذِي اعْترض بِهِ ﵀ فَاسد وَذَلِكَ لِأَن الرَّافِعِيّ ذكر مقدمتين ليستبيح بهما عدم الْوُقُوع
الأولى أَن طلقتكم عَام قَابل للاستثناء قِيَاسا على مَا ذكره الْأَصْحَاب فِيمَا إِذا قَالَ السَّلَام عَلَيْكُم
والمقدمة الثَّانِيَة أَنه إِذا لم يعلم أَن زَوجته فِي الْقَوْم يكون مَقْصُوده بِالطَّلَاق غَيرهَا لِأَن قَصدهَا يَسْتَدْعِي الْعلم بهَا وَقصد غَيرهَا تَخْصِيص للفظ
إِذا علمت ذَلِك فَفِيمَا ذكره الرَّافِعِيّ أَمْرَانِ
أَحدهمَا أَن الْمُقدمَة الأولى وَاضِحَة الصِّحَّة وَقد توهم النَّوَوِيّ أَن مُرَاد الرَّافِعِيّ بهَا إِثْبَات عدم الطَّلَاق بِالْقِيَاسِ على السَّلَام فشرع يفرق بَينهمَا بِمَا سبق
الْأَمر الثَّانِي أَن الْمُقدمَة الثَّانِيَة لَيست صَحِيحَة وَذَلِكَ أَن الْوَاعِظ الْمَذْكُور قصد خطاب الْحَاضِرين جَمِيعهم بِالطَّلَاق غير أَنه لم
стр. 318
يعلم أَن زَوجته فيهم وَعدم الْعلم عِنْد قصد الْخطاب بِاللَّفْظِ الصَّالح للإيقاع لَا يمْنَع الْإِيقَاع وَلِهَذَا إِذا خَاطب زَوجته بِالطَّلَاق مُعْتَقدًا أَنَّهَا أَجْنَبِيَّة وَقع عَلَيْهِ فههنا كَذَلِك بل أولى لِأَنَّهُ لم تخطر لَهُ زَوجته لَا نفيا وَلَا إِثْبَاتًا وَحِينَئِذٍ فَلَا يلْزم من عدم علمه بِكَوْنِهَا فيهم أَن يكون مَقْصُوده غَيرهَا فَقَط لَا هِيَ فَإِنَّهُ قد لَا يستحضرها بِالْكُلِّيَّةِ بل يقْصد المخاطبين ذاهلا عَن حكم الزَّوْجَة
وَأما دَعوَاهُم أَن قصد بعض الْأَفْرَاد يخصص فَاعْلَم أَن هَذِه الْمَسْأَلَة كَثِيرَة الْوُقُوع فِي الْفَتَاوَى وتلتبس على من لَا اطلَاع لَدَيْهِ وَلَا تَحْقِيق وإيضاح الصَّوَاب فِيهَا أَن نقُول إِذا قَالَ الشَّخْص مثلا وَالله لَا كلمت أَوْلَاد زيد فَلهُ أَحْوَال
أَحدهَا أَن لَا يقْصد شَيْئا معينا فَلَا إِشْكَال فِي حنثه بِالْجَمِيعِ لِأَن اللَّفْظ يدل على الْجَمِيع بِالْوَضْعِ فَلم يحْتَج إِلَى قَصده
الثَّانِي أَن يقْصد إِخْرَاج بَعضهم ويقصد مَعَ ذَلِك إِثْبَات الْبَاقِي أَو لَا يقْصد شَيْئا فَلَا إِشْكَال فِي عدم الْحِنْث بالمخرج لِأَنَّهُ خصص يَمِينه بِالْبَعْضِ
الثَّالِث أَن يقْصد بعض الْأَفْرَاد ويسكت عَمَّا عداهُ فَهَذَا هُوَ مَحل الالتباس وَالْحق فِيهِ الْحِنْث بِالْجَمِيعِ أَيْضا لِأَن دلَالَة اللَّفْظ عَلَيْهِ مَوْجُودَة غير أَنه اكد بعض الْأَفْرَاد بِقَصْدِهِ فَاجْتمع على الْبَعْض الْمَنوِي قَصده وَدلَالَة اللَّفْظ وَوجد فِي غير الْمَنوِي دلَالَة اللَّفْظ فَقَط وَهِي كَافِيَة لما ذكرنَا
стр. 319
وَهَذَا الَّذِي ذكرته قد أجَاب بِهِ الْقَرَافِيّ بِعَيْنِه وخلاصة الْفرق بَين الْقَصْد إِلَى الْبَعْض وَبَين تَخْصِيص الْبَعْض فَإِن الثَّانِي يَسْتَدْعِي إِخْرَاج غَيره إِذْ التَّخْصِيص هُوَ الْإِخْرَاج نعم إِن قصد إِخْرَاج اللَّفْظ عَمَّا وضع لَهُ واستعماله فِي بعضه مجَازًا فَمَعْنَاه التَّخْصِيص وَلَا يَحْنَث بِغَيْر الْمَقْصُود
السَّابِع أَن الله تَعَالَى جعل أَزوَاج النَّبِي ﷺ أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ فَقَالَ تَعَالَى ﴿النَّبِي أولى بِالْمُؤْمِنِينَ من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم﴾ قَالَ الْأَصْحَاب وَذَلِكَ فِي تَحْرِيم نِكَاحهنَّ وَوُجُوب احترامهن وطاعتهن لَا فِي النّظر وَالْخلْوَة وَقيل يُطلق اسْم الاخوة على بناتهن والخؤولة على إخوتهن وأخواتهن لثُبُوت حُرْمَة الأمومة لَهُنَّ
إِذا علمت ذَلِك فَهَل تدخل الْإِنَاث فِيمَا ذَكرْنَاهُ فِيهِ خلاف تعرض لَهُ فِي الرَّوْضَة فَقَالَ قَالَ الْبَغَوِيّ كن أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ من الرِّجَال دون النِّسَاء رُوِيَ ذَلِك عَن عَائِشَة وَهَذَا جَار على الصَّحِيح فِي الْأُصُول أَن النِّسَاء لَا يدخلن قَالَ وَحكى الْمَاوَرْدِيّ فِي تَفْسِيره خلافًا فِي كونهن أُمَّهَات الْمُؤْمِنَات قَالَ بعض أَصْحَابنَا وَلَا يجوز أَن يُقَال إِنَّه أَبُو الْمُؤمنِينَ لقَوْله تَعَالَى ﴿مَا كَانَ مُحَمَّد أَبَا أحد من رجالكم﴾ وَنَصّ الشَّافِعِي على
стр. 320
جَوَاز إِطْلَاق الْأُبُوَّة أَي فِي الاحترام وَمعنى الْآيَة انْتِفَاء أبوة النّسَب
مَسْأَلَة ٢٣
خطاب المشافهة نَحْو يَا أَيهَا النَّاس لَيْسَ خطابا لمن بعدهمْ وَإِنَّمَا يثبت الحكم بِدَلِيل آخر كالإجماع أَو الْقيَاس كَذَا قَالَه فِي الْمَحْصُول وَصَححهُ أَيْضا الْآمِدِيّ وَابْن الْحَاجِب ونقلوا عَن الْحَنَابِلَة أَنه يعمهم
لنا أَنه إِذا لم يتَنَاوَل الصَّبِي وَالْمَجْنُون فالمعدوم أولى
إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة
١ - مَا إِذا خَاطب عُبَيْدَة فَقَالَ مثلا يَا عَبِيدِي ليحمل كل وَاحِد مِنْكُم حجرا من هَذِه الْأَحْجَار ثمَّ اشْترى عبدا فَهَل يدْخل فِي ذَلِك أم لَا
وَاعْلَم أَن اسْتِدْلَال بَعضهم يشْعر بِأَن الْخلاف فِي يَا أَيهَا النَّاس وَنَحْوه يجْرِي فِي جَمِيع الْمُكَلّفين بشريعتنا حَتَّى يدْخل الْإِنْس وَالْجِنّ وَحِينَئِذٍ فَيكون قَوْله تَعَالَى ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ وَقَوله
стр. 321
﴿ذَوي عدل مِنْكُم﴾ دَلِيل على الِاكْتِفَاء بِاثْنَيْنِ من الْجِنّ وَفِيه نظر
مَسْأَلَة ٢٤
ذكر الْغَزالِيّ والآمدي وَابْن الْحَاجِب وَغَيرهم أَنه لَا يجوز التَّمَسُّك بِالْعَام قبل الْبَحْث عَن الْمُخَصّص بِالْإِجْمَاع ثمَّ اخْتلفُوا فَقيل يجب الْبَحْث إِلَى أَن يغلب على الظَّن عدم الْمُخَصّص وَنَقله الْآمِدِيّ عَن الْأَكْثَرين وَابْن سُرَيج قَالَ وَذهب القَاضِي
стр. 322
وَجَمَاعَة إِلَى أَنه لَا بُد من الْقطع بِعَدَمِهِ وَيحصل ذَلِك بِتَكَرُّر النّظر والبحث واشتهار كَلَام الْعلمَاء فِيهَا من غير أَن يذكر أحد مِنْهُم مُخَصّصا
وَحكى الْغَزالِيّ قولا ثَالِثا أَنه لَا يَكْفِي الظَّن وَلَا يشْتَرط الْقطع بل لَا بُد من اعْتِقَاد جازم وَسُكُون نفس بانتفائه
قَالَ ابْن الْحَاجِب وَهَكَذَا القَوْل فِي كل دَلِيل مَعَ مُعَارضَة نعم هَل يجب قبل ذَلِك اعْتِقَاد عُمُومه أم لَا قَالَ الصَّيْرَفِي يجب ذَلِك فَإِن ظهر مُخَصص فيتغير ذَلِك الِاعْتِقَاد
وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ والآمدي وَغَيرهمَا إِن مَا قَالَه الصَّيْرَفِي خطأ
وَاعْلَم أَن الإِمَام فَخر الدّين قد حكى الْخلاف فِي الْمَحْصُول والمنتخب على كَيْفيَّة أُخْرَى مُخَالفَة للطريقة الْمَشْهُورَة الَّتِي قدمناها فَقَالَ جوز الصَّيْرَفِي التَّمَسُّك بِالْعَام قبل الْبَحْث عَن الْمُخَصّص وَمنعه ابْن سُرَيج وَلم يرجح مِنْهُمَا شَيْئا هُنَا لكنه أجَاب عَن دَلِيل ابْن سُرَيج وَسكت عَن دَلِيل الصَّيْرَفِي فأشعر كَلَامه بِالْجَوَازِ وَلِهَذَا صرح بِهِ صَاحب الْحَاصِل فَقَالَ إِنَّه الْمُخْتَار وَتَابعه عَلَيْهِ الْبَيْضَاوِيّ لكنه جزم بِالْمَنْعِ فِيهِ أَعنِي فِي الْمَحْصُول فِي أَوَاخِر الْكَلَام على تَأْخِير الْبَيَان عَن وَقت الْخطاب
إِذا علمت ذَلِك فللمسألة فروع
١ - جَوَاز الحكم عِنْد إِقَامَة الْبَيِّنَة بِدُونِ الاعذار إِلَى الْغَرِيم جوزه
стр. 323
الشَّافِعِي وَمنعه أَبُو حنيفَة وَلَا شكّ أَن حكم الْحَاكِم بِالْبَيِّنَةِ اَوْ بِالْإِقْرَارِ قبل الفحص عَن الْمعَارض كالعمل بِالدَّلِيلِ قبل الفحص عَن معارضه
٢ - وَمِنْهَا مَا ذكره الرَّافِعِيّ فِي الْبَاب الثَّالِث من أَبْوَاب الْخلْع وَهُوَ مَبْنِيّ على مُقَدّمَة وَهِي أَنه إِذا علق الطَّلَاق فَقَالَ إِن اعطيتني ألفا فَأَنت طَالِق فَإِنَّهَا تطلق بِأَيّ نقد أَعْطيته إِلَّا انها إِذا أَعطَتْهُ غير الْغَالِب كَانَ للزَّوْج رده والمطالبة بالغالب بِخِلَاف مالو قَالَ مثلا طَلقتك على الف فَإِنَّهُ ينزل على الْغَالِب على قَاعِدَة الْمُعَامَلَات لكَونه لَيْسَ بتعليق وَإِن كَانَ هُنَاكَ دَرَاهِم عددية نَاقِصَة أَو وازنة نزلت الْمُعَامَلَة عَلَيْهَا على الصَّحِيح بِخِلَاف التَّعْلِيق فَإِنَّهُ لَا ينزل عَلَيْهَا بل على الدِّرْهَم الشَّرْعِيّ وَهُوَ الوازن فَلَو فسره الْمُعَلق بِالدَّرَاهِمِ الْمُعْتَادَة وَكَانَت زَائِدَة قبلنَا تَفْسِيره على الْمَذْهَب وَلَو كَانَ الْغَالِب فِي الْبَلَد هِيَ المغشوشة فَقَالَ الْبَغَوِيّ وَالْمُتوَلِّيّ ينزل اللَّفْظ عَلَيْهَا وَقَالَ الْغَزالِيّ لَا ينزل وَجعل التَّفْسِير بالمغشوشة كالتفسير بالناقصة قَالَ الرَّافِعِيّ وَيُشبه أَن يكون مَا قَالَه الْغَزالِيّ هُوَ الْأَصَح
إِذا علمت هَذِه الْمُقدمَة فَإِذا قبلنَا التَّفْسِير بالناقصة والمغشوشة فَهَل نراجعه ليعبر عَن مَقْصُوده أم ناخذ بِالظَّاهِرِ إِلَّا أَن يعبر فِيهِ احْتِمَالَانِ حَكَاهُمَا الرَّافِعِيّ عَن الْبَسِيط وَرجح فِي الرَّوْضَة من زوائده الثَّانِي فَقَالَ إِنَّه الأفقه وَهَذَا الْفَرْع فِي الْحَقِيقَة من الْقَوَاعِد المهمة
стр. 324
٣ - وَمِنْهَا إِذا لَاعن زَوجته وانتفى عَن وَلَدهَا ثمَّ اسْتَلْحقهُ فَقَالَ شخص للْوَلَد لست ابْن فلَان فَهُوَ كَمَا قَالَه لغير الْمَنْفِيّ وَالصَّحِيح فِيهِ أَنه قذف صَرِيح وَبحث الرَّافِعِيّ فِيهِ وَزَاد النَّوَوِيّ عَلَيْهِ فَقَالَ الرَّاجِح فِيهِ مَا قَالَه الْمَاوَرْدِيّ فَإِنَّهُ قَالَ هُوَ قذف عِنْد الْإِطْلَاق فنحده من غير أَن نَسْأَلهُ مَا أَرَادَ فَإِن ادّعى احْتِمَالا مُمكنا كَقَوْلِه لم يكن ابْنه حِين نَفَاهُ قبل قَوْله بِيَمِينِهِ وَلَا حد عَلَيْهِ قَالَ وَالْفرق بَين هَذَا وَبَين مَا قبل الِاسْتِلْحَاق حَيْثُ لَا نحده هُنَاكَ حَتَّى نَسْأَلهُ لِأَن اللَّفْظ كِنَايَة فَلَا يتَعَلَّق بِهِ حد إِلَّا بِالنِّيَّةِ وَهنا ظَاهر لَفْظَة الْقَذْف فحد بِالظَّاهِرِ إِلَّا أَنه يذكر مُحْتملا هَذَا كَلَامه وَهُوَ مُوَافق لما رَجحه من زوائده فِي الْمَسْأَلَة السَّابِقَة فتفطن لهَذِهِ الْقَاعِدَة المهمة
٤ - وَمِنْهَا وَهُوَ مَبْنِيّ على فرع ذكره الْمَاوَرْدِيّ فِي كتاب الْقَضَاء من الْحَاوِي فَقَالَ إِذا ورد حَدِيث مُخَالف لما فِي كتاب الله تَعَالَى وَلم يعلم الْمُتَقَدّم فَفِيهِ اوجه أَحدهَا يُؤْخَذ بِالْكتاب وَالثَّانِي بِالسنةِ وَالثَّالِث يتَوَقَّف إِلَى ظُهُور الْمُتَقَدّم قَالَ وَالصَّحِيح عِنْدِي أَن السّنة إِن كَانَت مخصصة عمل بهَا وَإِن كَانَت رَافِعَة بِالْكُلِّيَّةِ فَلَا لِامْتِنَاع نسخهَا للْكتاب
إِذا تقرر هَذَا فنعود إِلَى مَسْأَلَتنَا وَهِي أَن خبر الْوَاحِد هَل يجب عرضه على كتاب الله تَعَالَى قبل الْعَمَل بِهِ نقل فِي الْمَحْصُول فِي بَاب الْأَخْبَار أَنه لَا يجب عِنْد الشَّافِعِي وَيجب عِنْد عِيسَى بن أبان
стр. 325
الْفَصْل الثَّانِي فِي الْخُصُوص
مَسْأَلَة ١
الْقَابِل للتخصيص هُوَ الحكم الثَّابِت لمتعدد من جِهَة اللَّفْظ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْركين﴾ أَو من جِهَة الْمَعْنى كتخصيص الْعلَّة وَمَفْهُوم الْمُوَافقَة وَمَفْهُوم الْمُخَالفَة
الْمَسْأَلَة الأولى
تَخْصِيص الْعلَّة جوزه بَعضهم وَمنعه الشَّافِعِي وَجُمْهُور الْمُحَقِّقين كَمَا قَالَه فِي الْمَحْصُول فِي الْكَلَام على الِاسْتِحْسَان قَالَ وَهَذَا الْخلاف هُوَ الْخلاف الْآتِي فِي الْقيَاس فِي أَن النَّقْض هَل يقْدَح فِي الْعلَّة أم لَا وَالْمُخْتَار أَنه إِن كَانَ النَّقْض لمَانع لم يقْدَح وَإِلَّا قدح
стр. 326
إِذا تقرر ذَلِك كُله فَمن فروع الْمَسْأَلَة
١ - جَوَاز الْعَرَايَا وَهُوَ بيع الرطب على رُؤُوس النّخل بِالتَّمْرِ على وَجه الأَرْض فَإِن الشَّارِع نهى عَن بيع الرطب بِالتَّمْرِ وَعلله بِالنُّقْصَانِ عِنْد الْجَفَاف وَذَلِكَ بِعَيْنِه مَوْجُود فِي الْعَرَايَا مَعَ الِاتِّفَاق على جَوَازه إِلَّا ان ذَلِك كالمستثنى من الْقَاعِدَة فَلذَلِك اتَّفقُوا على جَوَازهَا مَعَ بَقَاء التَّعْلِيل
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة
مَفْهُوم الْمُوَافقَة كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَلَا تقل لَهما أُفٍّ﴾ يدل بمنطوقه على تَحْرِيم التأفيف وبمفهومه على تَحْرِيم الضَّرْب وَسَائِر أَنْوَاع الْأَذَى فَيجوز تَخْصِيصه لِأَنَّهُ دَلِيل عَام
إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة
١ - جَوَاز حبس الْوَالِد لحق الْوَلَد وَفِيه ثَلَاثَة أوجه حَكَاهَا الرَّافِعِيّ فِي كتاب الشَّهَادَات وَقَالَ إِن أَصَحهَا عدم الْحَبْس وَالثَّانِي يحبس وَالثَّالِث إِن كَانَ دين نَفَقَة عَلَيْهِ حبس فِيهِ وَإِن كَانَ غَيره فَلَا وَحكى فِي الْفلس وَجْهَيْن من غير تَصْرِيح بترجيح وَاخْتَارَ صَاحب الْحَاوِي الصَّغِير حَبسه مُطلقًا
وَلَو ورد دَلِيل يدل على إِخْرَاج الملفوظ بِهِ وَهُوَ التأفيف فِي مثالنا فَإِنَّهُ لَا يكون تَخْصِيصًا بل نسخا لَهُ وللمفهوم أَيْضا لِأَن رفع الأَصْل يسْتَلْزم رفع الْفَرْع
стр. 327
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة
مَفْهُوم الْمُخَالفَة كَقَوْلِه إِذا بلغ المَاء قُلَّتَيْنِ لم يحمل خبثا أَي لم يَتَنَجَّس فَإِنَّهُ يدل مَفْهُومه على ان مَا دون الْقلَّتَيْنِ يَتَنَجَّس بِمُجَرَّد ملاقاة النَّجَاسَة فَيجوز تَخْصِيصه لما سبق من كَونه دَلِيلا عَاما
إِذا تقرر ذَلِك فللمسألة وَهِي تَخْصِيص الْمَفْهُوم الْمَذْكُور فروع مُتَعَلقَة بِهَذَا الْمِثَال الْمَذْكُور فِي المَاء وجميعها يَقْتَضِي عدم التَّنْجِيس
احدها مَا لَا نفس لَهُ سائله على الصَّحِيح كالزنبور والذباب للْحَدِيث الصَّحِيح فِي الْأَمر بغمس الذُّبَاب
الثَّانِي مَا لَا يُدْرِكهُ الطّرف على مَا صَححهُ النَّوَوِيّ لمَشَقَّة الِاحْتِرَاز
وَالثَّالِث الْهِرَّة إِذا أكلت فَأْرَة اَوْ غَيرهَا من النَّجَاسَات ثمَّ غَابَتْ وَاحْتمل ولوغها فِي مَاء كثير فِي أصح الْأَوْجه
وَهَذِه الثَّلَاثَة قد استثناها فِي الرَّوْضَة عِنْد ذكر الْمَسْأَلَة وَلم يذكر هُنَاكَ غَيرهَا واستثناء الْهِرَّة يدل على أَن فمها بَاقٍ على
стр. 328
الحكم بتنجيسه وَإِلَّا لم يَصح اسْتِثْنَاؤُهُ وتخصيصه لما سبق وَحِينَئِذٍ فَيكون الْأَصْحَاب قد أخذُوا بِالْأَصْلِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ أَي بَقَاء طَهَارَة المَاء وَبَقَاء نَجَاسَة الْفَم وَلَيْسَ فِي الرَّافِعِيّ وَالرَّوْضَة مَا يُخَالف هَذَا فاعتمده فَإِنَّهُ أَمر مُهِمّ منقاس قد غفل عَنهُ من غفل
الرَّابِع الْيَسِير من الشّعْر الْمَحْكُوم بِنَجَاسَتِهِ لَا ينجس المَاء الْقَلِيل كَمَا صرح بِهِ فِي الرَّوْضَة من زوائده فِي بَاب الْأَوَانِي وَنَقله عَن الْأَصْحَاب قَالَ وَلَا يخْتَص الِاسْتِثْنَاء بِشعر الْآدَمِيّ فِي الْأَصَح ثمَّ قَالَ إِن الْيَسِير يعرف بِالْعرْفِ وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ لَعَلَّه الَّذِي يغلب انتتافه وَقَالَ فِي الْمُهَذّب يُعْفَى عَن الشعرة والشعرتين وَفِي تَحْرِير الْجِرْجَانِيّ يُعْفَى عَن الثَّلَاث
الْخَامِس الْقَلِيل من دُخان النَّجَاسَة إِذا حكمنَا بتنجيسه فَإِنَّهُ يُعْفَى عَنهُ كَمَا جزم بِهِ الرَّافِعِيّ فِي آخر صَلَاة الْخَوْف لكنه لم ينص على المَاء بِخُصُوصِهِ وَإِنَّمَا أطلق الْعَفو وَمُقْتَضَاهُ أَنه لَا فرق وَهُوَ أَيْضا مُتَّجه ووراء ذَلِك وَجْهَان آخرَانِ حَكَاهُمَا ابْن الرّفْعَة فِي الْكِفَايَة أَحدهمَا الْعَفو قَلِيلا كَانَ أَو كثيرا وَالثَّانِي التَّنْجِيس مُطلقًا
السَّادِس الْحَيَوَان إِذا كَانَ على منفذه نَجَاسَة ثمَّ وَقع فِي المَاء فَإِنَّهُ لَا يُنجسهُ على أصح الْوَجْهَيْنِ كَمَا ذكره الرَّافِعِيّ أَيْضا فِي شُرُوط الصَّلَاة وَعلله بالمشقة فِي صونه عَنهُ وَلِهَذَا لَو كَانَ مستجمرا فَإِنَّهُ يُنجسهُ كَمَا جزم بِهِ الرَّافِعِيّ وَادّعى النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب أَنه
стр. 329
لَا خلاف فِيهِ لكنه حكى فِي التَّحْقِيق وَجها بِخِلَافِهِ
السَّابِع الصَّبِي إِذا أكل شَيْئا نجسا ثمَّ غَابَ وَاحْتمل طَهَارَة فَمه فَإِنَّهُ كالهرة فِي عدم التَّنْجِيس كَذَا ذكره ابْن الصّلاح فِي فَتَاوِيهِ وَهِي مهمة نفيسة وَلِهَذَا قَالَ الْغَزالِيّ إِن هَذَا الْخلاف لَا يجْرِي فِي حَيَوَان لَا يعم اخْتِلَاطه بِالنَّاسِ وَخَالف الْمُتَوَلِي فحكاه فِيمَا إِذا اكل السَّبع جيفة ثمَّ غَابَ
وَاعْلَم أَن صَاحب الْحَاصِل شَرط فِي الدَّلِيل الْمُخَصّص لمَفْهُوم الْمُخَالفَة أَن يكون راجحا على الْمَفْهُوم وَتَبعهُ عَلَيْهِ الْبَيْضَاوِيّ فِي الْمِنْهَاج لِأَنَّهُ إِن كَانَ مُسَاوِيا كَانَ تَرْجِيحا بِلَا مُرَجّح وَإِن كَانَ مرجوحا كَانَ الْعَمَل بِهِ مُمْتَنعا وَلم يذكر الإِمَام فِي الْمَحْصُول هَذَا الْقَيْد وَهُوَ الصَّوَاب لِأَن الْمُخَصّص لَا يشْتَرط فِيهِ الرجحان وَلِهَذَا جوزوا تَخْصِيص عُمُوم الْكتاب بأخبار الْآحَاد وَالْقِيَاس
مَسْأَلَة ٢
إِطْلَاق الْأُصُولِيِّينَ يَقْتَضِي أَنه لَا فرق فِي جَوَاز تَخْصِيص الْعَام بَين أَن يكون الحكم مؤكدا بِكُل وَنَحْوهَا ام لَا وَبِه صرح الْمَاوَرْدِيّ وَالرُّويَانِيّ فِي الْبَحْر كِلَاهُمَا فِي كتاب الْقَضَاء وَهُوَ قريب من قَوْلهم يجوز نسخ الحكم سَوَاء اقْترن الْمَنْسُوخ بقوله أبدا أم لَا وَحكى الرَّوْيَانِيّ وَجْهَيْن لِأَصْحَابِنَا فِي جَوَاز نسخ المقترن بالأبدية وَمَا فِي مَعْنَاهُ كنسخ الْمُقَيد بِوَقْت قبل انْقِضَاء وقته
стр. 330
وَقِيَاس ذَلِك اجراؤهما فِي تَخْصِيص الْمُؤَكّد بِكُل وأجمعين وَنَحْوهمَا وَقد نَص الْقَرَافِيّ فِي شرح الْمَحْصُول فِي الْكَلَام على التلأويلات الْبَعِيدَة عَن الْمَازرِيّ فِي شرح الْبُرْهَان أَنه يمْتَنع التَّخْصِيص وَعَن غَيره أَنه رد ذَلِك وَفِي الْ مَسْأَلَة زيادات ذكرتها فِي الْكَوْكَب الدُّرِّي فَرَاجعهَا
إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة
١ - إِذا قَالَ طلقتكن كلكن أَو اعتقتكم جميعكم وَنوى إِخْرَاج بَعضهم فَإِنَّهُ لَا يَقع على الْمخْرج طَلَاق وَلَا عتاق كَمَا سبق نَقله عَن الْمَاوَرْدِيّ وَالرُّويَانِيّ
مَسْأَلَة ٣
يجوز أَن يستنبط من النَّص معنى يزِيد على مَا دلّ عَلَيْهِ وَهَذَا هُوَ الْقيَاس الْمَعْرُوف
وَيجوز ان يستنبط مِنْهُ معنى يُسَاوِيه وَهُوَ الْعلَّة القاصرة وَمعنى يخصصه كَمَا سَيَأْتِي بعد هَذَا إِن شَاءَ الله وَلَا يجوز أَن يستنبط مِنْهُ معنى يكر على أَصله بِالْبُطْلَانِ خلافًا للحنفية
стр. 331
إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة الْأَخِيرَة ان قَوْله ﵊ فِي اربعين شَاة وشَاة وَنَحْو ذَلِك لَا يجوز أَن يُقَال فِيهِ إِن الْمَعْنى فِي إِيجَاب الشَّاة هُوَ إغناء الْفَقِير وإغناؤه بِالنَّقْدِ أتم وَحِينَئِذٍ فَيجوز إِخْرَاج الْقيمَة لِأَن استنباط ذَلِك من وجوب الشَّاة يودي إِلَى عدم وُجُوبهَا لجَوَاز الِانْتِقَال إِلَى الْقيمَة على هَذَا التَّقْدِير وللقاعدة فروع مشكلة عَلَيْهَا مِنْهَا
١ - التَّحْرِيم بِالرّضَاعِ استنبطوا مِنْهُ معنى وَهُوَ وُصُول اللَّبن إِلَى الْجوف وعدوه إِلَى مَا لَا يصدق عَلَيْهِ اسْم الرضَاعَة كالإسعاط وَأكل الْجُبْن الْمَعْمُول من لبن الْمَرْأَة
٢ - وَمِنْهَا جَوَاز الِاسْتِنْجَاء بِكُل جامد طَاهِر قالع غير مُحْتَرم استنبطوه من قَوْله ﵇ وليستنج بِثَلَاثَة احجار
٣ - وَمِنْهَا جَوَاز الْحَط عَن الْمكَاتب بَدَلا عَن الإيتاء الْمَأْمُور بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَآتُوهُمْ من مَال الله﴾ قَالُوا لِأَن الْمَعْنى فِي الإيتاء إِنَّمَا هُوَ الرِّفْق والرفق فِي الْحَط أَكثر من تَكْلِيف إِعْطَائِهِ ثمَّ رده عَلَيْهِ حَتَّى اخْتلفُوا أهل الأَصْل الْحَط أَو الْبَدَل
стр. 332
مَسْأَلَة ٤
الْمَشْهُور من قَول الْأُصُولِيِّينَ وَمن قَول الشَّافِعِي أَيْضا أَنه يجوز أَن يستنبط من النَّص معنى يخصصه فَمن فروع ذَلِك
١ - عدم النَّقْض بلمس الْمَحَارِم فِي أصح الْقَوْلَيْنِ وَإِن كَانَت دَاخِلَة فِي عُمُوم قَوْله تَعَالَى ﴿أَو لامستم النِّسَاء﴾ لِأَن الْعلَّة فِي النَّقْض إِنَّمَا هُوَ ثوران الشَّهْوَة المفضية إِلَى خُرُوج الْمَذْي مِنْهُ وَهُوَ لَا يعلم وَذَلِكَ مَفْقُود فِي الْمَحَارِم فَلذَلِك قُلْنَا إِن الْمحرم لَا ينْقض وَفِي قَول ينْقض مُطلقًا وَقيل ينْقض محرم الرَّضَاع والمصاهرة دون النّسَب
٢ - وَمِنْهَا أَن الْوَلِيّ الْمُجبر هَل يجب عَلَيْهِ اسْتِئْذَان من زَالَت بَكَارَتهَا بِغَيْر وَطْء كالوثبة وَنَحْوهَا فِيهِ وَجْهَان اصحهما لَا بل حكمهَا حكم الْأَبْكَار وَإِن كَانَت دَاخِلَة فِي عُمُوم قَوْله ﷺ الثّيّب أَحَق بِنَفسِهَا وَالْبكْر تستأذن وإذنها صماتها فَإِن الْمُقْتَضِي للتفرقة بَين الْبكر وَالثَّيِّب إِنَّمَا هُوَ الِاخْتِلَاط بِالرِّجَالِ ومعرفتها بالأمور وَزَوَال مَا عِنْد الْبكر من الْحيَاء وَذَلِكَ مَفْقُود فِيمَن زَالَت بَكَارَتهَا بِغَيْر الْوَطْء لَكِن إِذا وطِئت الْمَذْكُورَة فِي دبرهَا فَإِن حكمهَا حكم الْأَبْكَار على الصَّحِيح وَإِن وجد الِاخْتِلَاط على وَجه هُوَ أفحش من
стр. 333
مُخَالطَة الْمَوْطُوءَة فِي الْقبل إِلَّا ان النّظر إِلَى ذَلِك يُؤَدِّي إِلَى إبِْطَال مَا علق عَلَيْهِ الشَّارِع من الْبكارَة والثيابة
٣ - وَمِنْهَا تَخْصِيص الحَدِيث الصَّحِيح وَهُوَ من صَامَ الْيَوْم الَّذِي يشك فِيهِ فقد عصى أَبَا الْقَاسِم بِحَالَة إِفْرَاده وَعدم اعتياده فَإِن ضم إِلَيْهِ يَوْمًا قبله أَو اعْتَادَ صَوْم يَوْم الِاثْنَيْنِ مثلا فَوَافَقَ يَوْم الشَّك يَوْمًا قبله لم يحرم لِأَن الْحِكْمَة فِيهِ إِيهَام أَنه من رَمَضَان وَذَلِكَ يَزُول بِمَا ذَكرْنَاهُ وَهَذَا إِذا لم نقل بِالْوَجْهِ الَّذِي صَححهُ النَّوَوِيّ وَهُوَ تَحْرِيم الصَّوْم بعد انتصاف شعْبَان فَإِن قُلْنَا بِهِ لم يفد الانضمام شَيْئا
وَمَا ذَكرْنَاهُ أَيْضا من تَحْرِيم الْيَوْم الْمَذْكُور هُوَ مَا صَححهُ الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ وَلَكِن نَص الشَّافِعِي وحمهور الْأَصْحَاب على الْجَوَاز كَمَا أوضحته فِي الْمُهِمَّات
مَسْأَلَة ٥
اخْتلفُوا فِي الْمِقْدَار الَّذِي يشْتَرط بَقَاؤُهُ بعد تَخْصِيص الْعَام على اقوال
أَحدهمَا وَإِلَيْهِ ذهب الْأَكْثَرُونَ كَمَا قَالَه الْآمِدِيّ وَابْن
стр. 334
الْحَاجِب وَاخْتَارَهُ الإِمَام فَخر الدّين وَأَتْبَاعه أَنه لَا بُد من بَقَاء جمع كثير سَوَاء كَانَ الْعَام جمعا كالرجال أَو غير جمع ك من وَمَا وَأَيْنَ إِلَّا أَن يسْتَعْمل ذَلِك الْعَام فِي الْوَاحِد تَعْظِيمًا لَهُ وإعلاما بِأَنَّهُ يجْرِي مجْرى الْكثير كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فقدرنا فَنعم القادرون﴾
وَاخْتلفُوا فِي تَفْسِير ذَلِك الْكثير
ففسره ابْن الْحَاجِب بِأَنَّهُ الَّذِي يقرب من مَدْلُوله قبل التَّخْصِيص وَمُقْتَضى هَذَا أَن يكون أَكثر من النّصْف
وَفَسرهُ الْبَيْضَاوِيّ بِأَن يكون غير مَحْصُور
وَالثَّانِي قَالَه الْقفال الشَّاشِي يجوز التَّخْصِيص إِلَى أَن ينتهى إِلَى أقل الْمَرَاتِب الَّتِي ينْطَلق عَلَيْهَا ذَلِك اللَّفْظ الْمَخْصُوص مُرَاعَاة لمدلول الصِّيغَة فعلى هَذَا يجوز التَّخْصِيص فِي الْجمع كالرجال وَنَحْوه إِلَى ثَلَاثَة لِأَنَّهَا أقل مَرَاتِب الْجمع على الصَّحِيح وَفِي غير الْجمع ك من وَمَا إِلَى الْوَاحِد فَيَقُول من يكرمني اكرمه وَيُرِيد بِهِ شخصا وَاحِدًا
وَالثَّالِث يجوز إِلَى الْوَاحِد مُطلقًا جمعا كَانَ أَو غَيره كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿الَّذين قَالَ لَهُم النَّاس﴾ وَالْمرَاد بِهِ نعيم ابْن مَسْعُود الْأَشْجَعِيّ
стр. 335
وَاخْتَارَ ابْن الْحَاجِب تَفْصِيلًا لَا يعرف لغيره
إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة
١ - مَا ذكره الرَّافِعِيّ فِي الْبَاب الثَّانِي الْمَعْقُود لأركان الطَّلَاق أَنه إِذا قَالَ نسَائِي طَوَالِق ثمَّ قَالَ كنت أخرجت ثَلَاثًا لم يقبل لِأَن اسْم النِّسَاء لَا يَقع على الْوَاحِدَة وَلَو قَالَ عزلت وَاحِدَة بنيتي قبل وَذكر تَفْرِيعا على هَذَا فِيمَا لَو عزل اثْنَيْنِ
وَاعْلَم أَن مَا نَقله الرَّافِعِيّ من عدم الْقبُول فِي الثَّلَاث قد أسْقطه من الرَّوْضَة
٢ - وَمِنْهَا مَا ذكره الرَّافِعِيّ فِي آخر الْأَيْمَان فَإِنَّهُ قَالَ واما تَخْصِيص الْعَام فقد يكون بِالنِّيَّةِ كَمَا إِذا قَالَ وَالله لَا أكلم أحدا أَو لَا آكل طَعَاما وَنوى طَعَاما معينا هَذَا كَلَامه وَهُوَ
стр. 336
جازم بِجَوَاز التَّخْصِيص إِلَى الْوَاحِد وَمَا ذكره الرَّافِعِيّ من الِاخْتِصَاص مَحَله فِي الْبَاطِن وَأما الْقبُول ظَاهرا فَفِيهِ تَفْصِيل فَإِنَّهُ ذكر عِنْد هَذَا الْموضع الْمَذْكُور أَنه إِذا حلف لَا يدْخل الدَّار ثمَّ قَالَ أردْت شهرا أَو يَوْمًا أَنه إِن كَانَت الْيَمين بِطَلَاق أَو عتاق أَو بِاللَّه تَعَالَى وَلَكِن تعلق بهَا حق آدَمِيّ لم يقبل فِي الحكم ويدين وَإِن كَانَت بِاللَّه تَعَالَى وَلم يتَعَلَّق بهَا حق آدَمِيّ قبل ظَاهرا وَبَاطنا انْتهى كَلَامه وَتَقْيِيد الْمُطلق كتخصيص الْعَام
стр. 337
الْفَصْل الثَّالِث فِي الْمُخَصّص
اعْلَم أَن تَخْصِيص الْعَام وَنَحْوه كتقييد الْمُطلق قد يكون بِاللَّفْظِ وَقد يكون بِغَيْرِهِ فَغير اللَّفْظ ثَلَاثَة أَشْيَاء وَهِي
١ - النِّيَّة
٢ - وَالْعرْف الشَّرْعِيّ
٣ - وَالْعرْف الاستعمالي ويعبر عَنهُ بِالْقَرِينَةِ
وَهَذِه الثَّلَاثَة قد ذكرهَا ايضا الرَّافِعِيّ فِي آخر كتاب الْأَيْمَان وَمثل التَّخْصِيص بِالنِّيَّةِ بقوله وَالله لَا أكلم أحدا وَنوى زيدا وَالْعرْف الاستعمالي بقوله لَا آكل الرؤوس فَإِن الْعرف يخرج رُؤُوس العصافير وَنَحْوهَا وَمثل الْعرف الشَّرْعِيّ بقوله لَا أُصَلِّي فَإِنَّهُ مَحْمُول على الصَّلَاة الشَّرْعِيَّة خَاصَّة
وَهَذَا الَّذِي ذكره الرَّافِعِيّ صَرِيح فِي تَخْصِيص الرؤوس وَإِن لم ينْو التَّخْصِيص وَهل الْمُعْتَبر نفس الْبَلَد الَّذِي يثبت فِيهِ الْعرف أم كَون الْحَالِف من أَهله فِيهِ وَجْهَان حَكَاهُمَا الرَّافِعِيّ من غير تَرْجِيح فِي الْكَلَام على الْمَسْأَلَة الْمَذْكُورَة وَهِي الْحلف على الرؤوس وَهِي قَاعِدَة نافعة وَحكى الدَّارمِيّ فِي الِاسْتِنْجَاء من الاستذكار نَحْو ذَلِك فَقَالَ يستنجي بِالْحجرِ مَا لم يُجَاوز الْخَارِج الْعَادة قَالَ
стр. 338
وَلَكِن هَل تعْتَبر عَادَة نَفسه أَو عَادَة النَّاس على وَجْهَيْن وَيتَفَرَّع على مَسْأَلَتنَا فروع
الأول إِذا قَالَ نسَائِي طَوَالِق وَاسْتثنى بَعضهنَّ بِالنِّيَّةِ فَإِنَّهُ يقبل كَمَا ذكره الْأَصْحَاب
الثَّانِي لَو حلف لَا يسلم على زيد فَسلم على قوم هُوَ فيهم واستثناه بِقَلْبِه لم يَحْنَث على الصَّحِيح كَمَا لَو اسْتَثْنَاهُ لفظا
الثَّالِث لَو قَالَت لَا طَاقَة لي بِالْجُوعِ مَعَك فَقَالَ إِن رجعت يَوْمًا فِي بَيْتِي فَأَنت طَالِق لم تطلق بِالْجُوعِ فِي أَيَّام الصَّوْم كَذَا نَقله الرَّافِعِيّ فِي آخر تَعْلِيق الطَّلَاق عَن زيادات الْعَبَّادِيّ وَأقرهُ وَعلله بِالْعرْفِ
الرَّابِع إِذا قَالَ لَهُ فِي الصَّيف اشْتَرِ لي ثلجا فَلَيْسَ لَهُ شِرَاؤُهُ فِي الشتَاء كَذَا قَالَه الرَّافِعِيّ فِي كتاب الْوكَالَة
الْخَامِس لَو قَالَ لزوجته إِن علمت من أُخْتِي شَيْئا فَلم تقوليه لي فَأَنت طَالِق انْصَرف ذَلِك إِلَى مَا يُوجب رِيبَة ويوهم فَاحِشَة دون مَا لَا يقْصد الْعلم بِهِ كَالْأَكْلِ وَالشرب وَلَا يخفى أَنه لَا يشْتَرط فِيهِ الْفَوْر كَذَا ذكره الرَّافِعِيّ فِي تَعْلِيق الطَّلَاق
السَّادِس لَو حلف لَا يشرب المَاء حنث بالبحر المالح وَفِيه احْتِمَال للشَّيْخ أبي حَامِد قَالَه الرَّافِعِيّ فِي الْأَيْمَان وَهُوَ مُشكل على مَا سبق
السَّابِع مَا ذكره الْمَاوَرْدِيّ فِي الْحَاوِي وَالرُّويَانِيّ فِي الْبَحْر
стр. 339
فِي كتاب الْأَيْمَان لَو حلف ليخمنه اللَّيْل وَالنَّهَار فَلَا يدْخل فِي الْيَمين مَا أخرجه الْعرف كزمان الْأكل وَالشرب وَنَحْوهمَا وزمان الاسْتِرَاحَة وَالنَّوْم المألوف وَلَو حلف ليضربنه اللَّيْل وَالنَّهَار خرج مَا ذَكرْنَاهُ وَكَذَلِكَ الزَّمَان الَّذِي يكون ألم الضَّرْب بَاقِيا فِيهِ لِأَن الْعرف يَقْتَضِي تخَلّل فترات بَين الْأَفْعَال فَاعْتبر بدوام ألمه الْحَادِث عَنهُ وَلَو قَالَ وَالله لَا وضعت رِدَائي عَن عَاتِقي انْعَقَدت يَمِينه على اللّبْس الْعرفِيّ حَتَّى لَو نَزعه وَقت تبذله فِي منزله وَنَحْو ذَلِك لم يَحْنَث بِخِلَاف مَا لوقال لغريمه وَالله لَا نزعت رِدَائي عَن عَاتِقي حَتَّى أقضيك حَقك حنث بالنزع قبل الْقَضَاء فِي زمَان الْعرف وَغَيره وَالْفرق أَنه جعله فِي الْإِطْلَاق مَقْصُودا وَفِي قَضَاء الدّين شرطا وَالْعرْف مُعْتَبر فِي الْأَيْمَان والشروط وعَلى هَذَا فَلَو قَالَ وَالله لأخدمنك حَتَّى أقضيك حَقك راعينا الْخدمَة فِي الْعرف لِأَنَّهُ جعلهَا جزاءا لَا شرطا وَلَو قَالَ وَالله لَا طفت وَلَا سعيت فَيحنث أهل مَكَّة بِالطّوافِ وَالسَّعْي الشرعيين والوشاة بالسعي إِلَى الْوُلَاة والظلمة وَغَيرهم بالسعي على الْقدَم وَالطّواف فِي الْأَسْوَاق وَالْقِرَاءَة فِي عرف القارىء مَحْمُولَة على قِرَاءَة الْقُرْآن وَكَذَا الْخَتْم فِي عرفه وَفِي عرف التَّاجِر على ختم الْكيس انْتهى كَلَامهمَا
الثَّامِن إِذا قَالَ أَنْت طَالِق وَنوى بِقَلْبِه تَعْلِيق ذَلِك على دُخُولهَا الدَّار أَو على مَشِيئَة الله تَعَالَى فَإِنَّهُ لَا يقبل ظَاهرا وَلَكِن يدين أَي يقبل بَاطِنا فِيمَا لَا يرفع حكم الطَّلَاق بِالْكُلِّيَّةِ كالتعليق على الدُّخُول ومشيئة شخص دون مَا يرفعهُ كالتعليق
стр. 340
بِمَشِيئَة الله تَعَالَى كَذَا ذكره الرَّافِعِيّ فِي آخر الْبَاب الأول من ابواب الطَّلَاق
التَّاسِع إِذا أحرم بِالْحَجِّ أَو نذر الِاعْتِكَاف وَشرط الْخُرُوج مِنْهُمَا لمَرض وَنَحْوه فَإِنَّهُ يَصح فَلَو نوى ذَلِك بِقَلْبِه وَلم يُصَرح بِهِ فَيتَّجه إِلْحَاقه بِمَا سبق فِي تَعْلِيق الطَّلَاق بِغَيْر الْمَشِيئَة
الْعَاشِر وَهُوَ مُشكل على مَا سبق إِذا نذر اعْتِكَاف شهر فَإِنَّهُ يلْزمه الْأَيَّام والليالي إِلَّا أَن يَقُول أَيَّامه أَو نَهَاره فَلَا يلْزمه الآخر وَكَذَا لَو عبر بقوله اعْتِكَاف شهر نَهَارا كَمَا نَص عَلَيْهِ فِي الْأُم وَنَقله عَنهُ فِي زَوَائِد الرَّوْضَة فَلَو لم يتَلَفَّظ بالتخصيص لَكِن نَوَاه بِقَلْبِه فَالْأَصَحّ كَمَا قَالَه الرَّافِعِيّ فِي بَاب الِاعْتِكَاف أَنه لَا أثر لنيته بل يلْزمه الشَّهْر جَمِيعه
الْحَادِي عشر إِذا نذر مثلا اعْتِكَاف شهر أَو عشرَة ايام أَو نذر صَوْم ذَلِك فَلَا يجب فِيهِ التَّتَابُع فِي أصح الْقَوْلَيْنِ فَإِن صرح بِهِ لزمَه وَإِن لم يُصَرح بِهِ بل نَوَاه فأصح الْوَجْهَيْنِ أَنه لَا يلْزمه وَلَا أثر للنِّيَّة الْمَذْكُورَة كَذَا ذكره ايضا الرَّافِعِيّ فِي بَاب الِاعْتِكَاف وَهُوَ كالمسألة السَّابِقَة فِي الْإِشْكَال
الثَّانِي عشر إِذا قَالَ لله عَليّ أَن أَمْشِي أَو أذهب وَنوى بِقَلْبِه حَاجا أَو مُعْتَمِرًا انْعَقَد النّذر على مَا نوى وَإِن نوى إِلَى بَيت الله الْحَرَام الْتحق بالملفوظ كَذَا قَالَه فِي التَّتِمَّة وَنَقله عَنهُ الرَّافِعِيّ وَأقرهُ
стр. 341
الثَّالِث عشر وَهُوَ من التَّخْصِيص بِالْعرْفِ الشَّرْعِيّ إِذا حلف لَا يَأْكُل لَحْمًا فَفِي الْحِنْث بِأَكْل مَا لَا يحل من اللحوم كالخنزير وَالْميتَة وَجْهَان أقواهما فِي زَوَائِد الرَّوْضَة عدم الْحِنْث وَأما التَّخْصِيص بِاللَّفْظِ فقد سبق غالبه فِي الْكَلَام على المفاهيم وَهُوَ فِي الْفَصْل التَّاسِع ولنتكلم على مَا بَقِي مِنْهَا فَنَقُول
стр. 342
فصل فِي الِاسْتِثْنَاء
قَالَ الْبَيْضَاوِيّ الِاسْتِثْنَاء هُوَ الْإِخْرَاج بإلا الَّتِي لَيست للصفة أَو بِمَا كَانَ نَحْو إِلَّا فِي الْإِخْرَاج انْتهى وَذكر غَيره أَيْضا نَحْو هَذَا الْحَد
وَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ من كَون إِلَّا تكون للصفة قد ضَبطه ابْن الْحَاجِب فِي مقدمته بِأَن تكون تَابِعَة لجمع منكور غير مَحْصُور كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا﴾ وَقَالَ جمَاعَة لَا يشْتَرط فِيهَا ذَلِك فعلى هَذَا إِذا قلت عَليّ ألف إِلَّا مائَة بِرَفْع الْمِائَة فَإِنَّهُ يكون إِقْرَارا بِالْألف على قَاعِدَة الْأُصُولِيِّينَ وَبِه أجَاب النُّحَاة أَيْضا لَكِن الْأَكْثَرُونَ من اصحابنا قد صَرَّحُوا فِي الْكَلَام على لفظ غير بِأَن الملحن لَا أثر لَهُ فِي الْإِقْرَار وَقِيَاس ذَلِك لُزُوم تِسْعمائَة وَإِنَّمَا حملنَا غيرا فِي الْإِقْرَار على الْإِخْرَاج مُطلقًا لَا على الصّفة لِأَن الأَصْل عدم اللُّزُوم وَلِهَذَا
стр. 343
الْمَعْنى بِعَيْنِه قُلْنَا إِذا عاتبته الْمَرْأَة بجديدة فَقَالَ كل امْرَأَة لي غَيْرك طَالِق لَا يَقع عَلَيْهِ شَيْء مُطلقًا لكَون الأَصْل عدم الْوُقُوع وَقد أوضحنا ذَلِك فِي الْكَلَام على المفاهيم وَهُوَ فِي أثْنَاء الْفَصْل التَّاسِع
إِذا علمت ذَلِك فيتفرع على الضَّابِط فروع مِنْهَا
١ - إِذا قَالَ هَذِه الدَّار لزيد وَهَذَا الْبَيْت مِنْهَا لي أَو هَذَا الْخَاتم لَهُ وفصه لي فَإِنَّهُ يقبل مِنْهُ كَمَا جزم بِهِ الرَّافِعِيّ وَعلله بقوله لِأَنَّهُ إِخْرَاج بعض مَا تنَاوله اللَّفْظ فَكَانَ الِاسْتِثْنَاء
٢ - وَمِنْهَا إِذا قَالَ عَليّ ألف أحط مِنْهَا مائَة أَو أستثنيه وَنَحْو ذَلِك فَمُقْتَضى مَا سبق قبُوله ايضا وَفِي ذَلِك وَجْهَان لِأَصْحَابِنَا حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيّ فِي الْحَاوِي
مَسْأَلَة ١
الِاسْتِثْنَاء من الْعدَد جَائِز كَمَا جزم بِهِ الإِمَام والآمدي وَغَيرهمَا وَلَا فرق بَين أَن يكون من معِين أم لَا
إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة
١ - مَا إِذا قَالَ مثلا لَهُ عَليّ عشرَة إِلَّا وَاحِدًا لزمَه تِسْعَة كَمَا جزم بِهِ الرَّافِعِيّ
٢ - وَمِنْهَا إِذا قَالَ لنسوته الْأَرْبَع أربعتكن طَوَالِق إِلَّا فُلَانَة قَالَ القَاضِي الْحُسَيْن وَالْمُتوَلِّيّ لَا يَصح هَذَا الِاسْتِثْنَاء لِأَن الْأَرْبَع
стр. 344
لَيست صِيغَة عُمُوم وَإِنَّمَا هِيَ اسْم لعدد مَعْلُوم خَاص فَقَوله إِلَّا فُلَانَة رفع عَنْهُمَا بعد التَّنْصِيص عَلَيْهَا فَهُوَ كَقَوْلِه طَلَاقا لَا يَقع عَلَيْك كَذَا نَقله عَنْهُمَا الرَّافِعِيّ فِي أثْنَاء تَعْلِيق الطَّلَاق ثمَّ رد عَلَيْهِمَا بِأَن مُقْتَضى هَذَا التَّعْلِيل بطلَان الِاسْتِثْنَاء من الْأَعْدَاد فِي الْإِقْرَار وَمَعْلُوم أَنه لَيْسَ كَذَلِك ثمَّ حكى عَن القَاضِي أَنه قَالَ لَو قدم الْمُسْتَثْنى على الْمُسْتَثْنى مِنْهُ فَقَالَ أربعتكن إِلَّا فُلَانَة طَوَالِق صَحَّ ثمَّ اسْتشْكل الرَّافِعِيّ الْفرق بَينهمَا وَلَيْسَ مُشكلا بل مدركه أَن الحكم فِي هَذِه الصُّورَة وَقع بعد الْإِخْرَاج فَلَا يلْزم التَّنَاقُض بِخِلَاف الصُّورَة السَّابِقَة إِلَّا أَن الرَّافِعِيّ فِي كتاب الْإِقْرَار قد سوى بَينهمَا فِي الصِّحَّة وَهَذَا كُله فِي الِاسْتِثْنَاء بِاللَّفْظِ فَإِن قَالَ أَنْت طَالِق ثَلَاثًا ثمَّ قَالَ أردْت إِلَّا وَاحِدَة أَو قَالَ أربعتكن طَوَالِق وَقَالَ نَوَيْت بقلبي إِلَّا فُلَانَة لم يقبل ظَاهرا وَالأَصَح أَيْضا أَنه لَا يدين لِأَنَّهُ نَص فِي الْعدَد بِخِلَاف مَا إِذا قَالَ كل امْرَأَة لي طَالِق وعزل بَعضهنَّ بِالنِّيَّةِ فَإِنَّهُ يقبل بَاطِنا وَلَا يقبل ظَاهرا عِنْد الْأَكْثَرين كَمَا قَالَه الرَّافِعِيّ
مَسْأَلَة ٢
اخْتلفُوا فِي الِاسْتِثْنَاء هَل هُوَ إِخْرَاج قبل الحكم أَو بعده
فَإِذا قَالَ مثلا لَهُ عَليّ عشرَة إِلَّا ثَلَاثَة فالأكثرون عل أَن المُرَاد بِالْعشرَةِ سَبْعَة وَإِلَّا قرينَة مبينَة لذَلِك كالتخصيص
стр. 345
وَقَالَ القَاضِي عشرَة إِلَّا ثَلَاثَة بِإِزَاءِ سَبْعَة كاسمين مركب ومفرد
وَقيل المُرَاد بِالْعشرَةِ مدلولها ثمَّ أخرجت مِنْهَا ثَلَاثَة وأسندنا إِلَيْهِ بعد الْإِخْرَاج فَلم يسند إِلَّا إِلَى سَبْعَة وَصَححهُ ابْن الْحَاجِب
وَقد تبين بِمَا ذَكرْنَاهُ أَن الِاسْتِثْنَاء على قَول القَاضِي لَيْسَ بتخصيص وَهُوَ وَاضح وعَلى رَأْي الْأَكْثَرين تَخْصِيص لِأَن اللَّفْظ قد أطلق لبعضه إِرَادَة وإسنادا وعَلى الْأَخير مُحْتَمل لكَونه أُرِيد الْكل وَاسْنِدِ إِلَى الْبَعْض هَكَذَا أطْلقُوا الْمَسْأَلَة وَيتَّجه أَن يكون ذَلِك عِنْد تَأَخّر الْمُسْتَثْنى عَن الحكم فَإِن تقدم كَقَوْلِنَا الْقَوْم إِلَّا زيدا قَامُوا كَانَ الْإِخْرَاج قبله
إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة
١ - مَا نَقله الرَّافِعِيّ فِي أثْنَاء الطّرف السَّابِع من تَعْلِيق الطَّلَاق عَن القَاضِي الْحُسَيْن وَالْمُتوَلِّيّ أَن الِاسْتِثْنَاء من الْعدَد يجوز مَعَ تَقْدِيم الِاسْتِثْنَاء عَن الْمُسْتَثْنى مِنْهُ وَلَا يجوز مَعَ تَأَخره كَقَوْلِك لَهُ عَليّ عشرَة إِلَّا درهما وعللاه بِأَن صِيغ الْأَعْدَاد لَيست صِيغ الْعُمُوم وَإِنَّمَا هِيَ أَسمَاء لأعداد خَاصَّة فَقَوله إِلَّا كَذَا رفع للْحكم عَنهُ بعد التَّنْصِيص عَلَيْهِ
стр. 346
٢ - وَمن فَوَائِد الْخلاف أَيْضا التَّقْدِيم بِهِ عِنْد التَّعَارُض فَإنَّا إِذا قُلْنَا إِن الِاسْتِثْنَاء بعد الحكم فقد صَار الْمُسْتَثْنى مِنْهُ يدل على إِدْخَال ذَلِك الْفَرد وَلَكِن الِاسْتِثْنَاء عَارضه فَإِذا عَارض الِاسْتِثْنَاء دَلِيل آخر يَقْتَضِي إِدْخَاله فِي الْمُسْتَثْنى مِنْهُ قدمناهما عَلَيْهِ لِأَن كَثْرَة الْأَدِلَّة من جملَة المرجحات
مَسْأَلَة ٣
يشْتَرط اتِّصَال الْمُسْتَثْنى مِنْهُ بالمستثنى الِاتِّصَال العادي
إِذا تقرر ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة
١ - مَا إِذا قَالَ عَليّ ألف اسْتغْفر الله إِلَّا مائَة فَإِنَّهُ يَصح الِاسْتِثْنَاء عندنَا خلافًا لأبي حنيفَة دليلنا أَنه فصل يسير فَلم يُؤثر كَقَوْلِه عَليّ ألف يَا فلَان إِلَّا مائَة كَذَا رَأَيْته حكما وتعليلا فِي الْعدة لأبي عبد الله الْحُسَيْن الطَّبَرِيّ وَالْبَيَان للعمراني وَنَقله عَنْهُمَا فِي زَوَائِد الرَّوْضَة وَقَالَ إِن فِيهِ نظرا وَلَو وَقع مثل هَذَا الْفَصْل بَين الشَّرْط والمشروط كَقَوْلِه أَنْت طَالِق اسْتغْفر الله إِن دخلت الدَّار فَالْمُتَّجه الْجَزْم بِالْوُقُوفِ لانْتِفَاء الْمَعْنى السَّابِق
стр. 347
مَسْأَلَة ٤
لَا يجوز تَقْدِيم الْمُسْتَثْنى فِي أول الْكَلَام كَقَوْلِك إِلَّا زيدا قَامَ الْقَوْم كحرف الْعَطف إِذْ معنى إِلَّا زيدا لَا زيد وَاخْتَارَهُ الْكُوفِيُّونَ والزجاج وَلَو تقدمه حرف نفي فالمنع أَيْضا بَاقٍ كَقَوْلِك مَا إِلَّا زيدا فِي الدَّار أحد وَأما قَول الشَّاعِر
... وبلدة لَيْسَ بهَا طوري ... وَلَا خلا الْجِنّ بهَا إنسي ...
فشاذ بِخِلَاف مَا لَو كَانَ النَّافِي فعلا فَإِنَّهُ يجوز كَقَوْلِك لَيْسَ إِلَّا زيدا فِيهَا أحد وَكَذَلِكَ لم يكن
إِذا علمت ذَلِك فَيجوز توَسط الْمُسْتَثْنى بَين الْمُسْتَثْنى مِنْهُ والمنسوب إِلَيْهِ الحكم كَقَوْلِك قَامَ إِلَّا زيدا الْقَوْم وَالْقَوْم إِلَّا زيدا ذاهبون وَفِي الدَّار إِلَّا عمرا اصحابك واين إِلَّا زيدا قَوْمك وَضربت إِلَّا زيدا الْقَوْم
стр. 348
نعم إِذا تقدم على الْمُسْتَثْنى مِنْهُ وعَلى الْعَامِل فَفِيهِ مَذَاهِب ثَالِثهَا وَهُوَ مُخْتَار أبي حَيَّان إِن كَانَ الْعَامِل متصرفا كَقَوْلِك الْقَوْم إِلَّا زيدا جاؤوا فَيجوز وَغير متصرف نَحْو الرِّجَال إِلَّا عمرا فِي الدَّار فَلَا يجوز
إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْ مَسْأَلَة
١ - مَا إِذا قَالَ لَهُ عَليّ عشرَة إِلَّا دَنَانِير مائَة دِينَار فَإِن الِاسْتِثْنَاء صَحِيح على الصَّحِيح كَمَا قَالَه الرَّافِعِيّ فِي أول كتاب الْأَيْمَان وَقيل لَا يَصح قَالَ وَهُوَ ضَعِيف
مَسْأَلَة ٥
الِاسْتِثْنَاء الْمُنْقَطع وَهُوَ الَّذِي لم يدْخل فِي الأول صَحِيح وَهل إِطْلَاق الِاسْتِثْنَاء عَلَيْهِ إِطْلَاق حَقِيقِيّ أَو مجازي فِيهِ مذهبان أصَحهمَا الثَّانِي فَإِن قُلْنَا إِنَّه حَقِيقَة فَقيل مُشْتَرك وَقيل متواطىء حَكَاهُ ابْن الْحَاجِب وَغَيره
إِذا تقرر ذَلِك فَقَالَ الْمقر عَليّ ألف دِرْهَم إِلَّا ثوبا أَو عبدا أَو غير ذَلِك صَحَّ وَحمل اللَّفْظ على الْمجَاز ثمَّ عَلَيْهِ أَن يبين ثوبا لَا تستغرق قِيمَته الْألف فَإِن استغرق فَفِيهِ كَلَام يَأْتِي فِي الْمُجْمل والمبين
стр. 349
وَاعْلَم أَن بَعضهم يُفَسر الْمُنْقَطع بِكَوْنِهِ من غير جنس الْمُسْتَثْنى مِنْهُ وَهُوَ فَاسد كَمَا نبه عَلَيْهِ ابْن مَالك وَغَيره لِأَن قَول الْقَائِل جَاءَ بنوك إِلَّا بني زيد مُنْقَطع مَعَ أَنه من جنس الأول
مَسْأَلَة ٦
إِذا احْتمل الِاسْتِثْنَاء أَن يكون مُتَّصِلا وَأَن يكون مُنْقَطِعًا فَحَمله على الِاتِّصَال أولى لِأَنَّهُ حَقِيقَة وَأما الْمُنْقَطع فمجاز
إِذا علمت ذَلِك فَمن الْفُرُوع الْمُخَالفَة
١ - إِذا قَالَ لَهُ عَليّ ألف إِلَّا ثَلَاثَة دَرَاهِم فَإِن لَهُ تَفْسِير الْألف بِمَا أَرَادَ بِلَا خلاف وَلَا يكون تَفْسِير الْمُسْتَثْنى تَفْسِيرا للمستثنى مِنْهُ كَذَا ذكره الْمَاوَرْدِيّ وَسَببه أَن الأَصْل بَرَاءَة الذِّمَّة مِمَّا زَاد على ذَلِك
مَسْأَلَة ٧
الِاسْتِثْنَاء من الْإِثْبَات كَقَوْلِنَا قَامَ الْقَوْم إِلَّا زيدا يكون نفيا للْقِيَام عَن زيد بالِاتِّفَاقِ كَمَا قَالَه الإِمَام فِي المعالم وَصَاحب الْحَاصِل وَغَيرهمَا وَإِن اخْتلف النَّاس فِي مدرك ذَلِك كَمَا سَيَأْتِي
وَأما الِاسْتِثْنَاء من النَّفْي نَحْو مَا قَامَ أحد إِلَّا زيد فَقَالَ الشَّافِعِي يكون إِثْبَاتًا لقِيَام زيد وَقَالَ أَبُو حنيفَة لَا يكون
стр. 350
إِثْبَاتًا لَهُ بل دَلِيلا على إِخْرَاجه عَن الْمَحْكُوم عَلَيْهِم وَحِينَئِذٍ فَلَا يلْزم مِنْهُ الحكم بِالْقيامِ أما من جِهَة اللَّفْظ فَلِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ على هَذَا التَّقْدِير مَا يدل على إثْبَاته كَمَا قُلْنَاهُ وَأما من جِهَة الْمَعْنى فَلِأَن الأَصْل عَدمه قَالُوا بِخِلَاف الِاسْتِثْنَاء من الْإِثْبَات فَإِنَّهُ يكون نفيا لِأَنَّهُ لما كَانَ مسكوتا عَنهُ وَكَانَ الأَصْل هُوَ النَّفْي حكمنَا بِهِ فعلى هَذَا لَا فرق عِنْدهم فِي دلَالَة اللَّفْظ بَين الِاسْتِثْنَاء من النَّفْي وَالِاسْتِثْنَاء من الْإِثْبَات وَاخْتَارَ الإِمَام فِي المعالم مَذْهَب أبي حنيفَة وَفِي الْمَحْصُول مَذْهَب الشَّافِعِي
إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة
١ - مَا إِذا قَالَ لَهُ عَليّ عشرَة إِلَّا خَمْسَة أَو مَا لَهُ عَليّ شَيْء إِلَّا خَمْسَة فَإِنَّهُ يلْزمه خَمْسَة
٢ - وَمِنْهَا لَو قَالَ لَهُ عَليّ عشرَة إِلَّا خَمْسَة يلْزمه أَيْضا خَمْسَة لما ذَكرْنَاهُ وَالصَّحِيح كَمَا قَالَه الرَّافِعِيّ أَنه لَا يلْزمه شَيْء لِأَن الْعشْرَة إلاخمسة مدلولها خَمْسَة فَكَأَنَّهُ قَالَ لَيْسَ عَليّ خَمْسَة وللمسألة مدرك آخر لم يذكرهُ الأصوليون وَقد ذكرته مَبْسُوطا فِي الْكَوْكَب الدُّرِّي مَعَ إِشْكَال يتَعَلَّق بِهِ فَرَاجعه
٣ - وَمِنْهَا إِذا قَالَ وَالله لَا أعطينك إِلَّا درهما أَو لَا آكل إِلَّا هَذَا الرَّغِيف أَو لَا أَطَأ فِي السّنة إِلَّا مرّة وَنَحْو ذَلِك كَقَوْلِه لَا اضْرِب أَو لَا أسافر فَلم يفعل بِالْكُلِّيَّةِ فَفِي حنثه وَجْهَان حَكَاهُمَا الرَّافِعِيّ فِي كتاب الْإِيلَاء من غير تَرْجِيح أَحدهمَا نعم لاقْتِضَاء اللَّفْظ ذَلِك وَهُوَ كَون الِاسْتِثْنَاء من النَّفْي إِثْبَاتًا وَالثَّانِي لَا لِأَن الْمَقْصُود منع الزِّيَادَة وَقِيَاس مَذْهَبنَا هُوَ الأول لَكِن صحّح النَّوَوِيّ من زوائده الثَّانِي
стр. 351
٤ - وَمِنْهَا لَو قَالَ وَالله مَالِي إِلَّا مائَة دِرْهَم وَهُوَ لَا يملك إِلَّا خمسين درهما فَإِن نوى أَنه لَا يملك زِيَادَة على مائَة لم يَحْنَث وَإِن أطلق فَفِيهِ وَجْهَان ذكرهمَا الرَّوْيَانِيّ فِي كتاب الْأَيْمَان من الْبَحْر
٥ - وَمِنْهَا إِذا قَالَ مَا إِحْدَى نسَائِي طَالِق إِلَّا زَيْنَب فَيتَّجه الْوُقُوع على الْمَذْكُورَة لما ذَكرْنَاهُ وَيحْتَمل خِلَافه لبعد هَذَا اللَّفْظ عَن الْإِنْشَاء وَيَأْتِي هَذَا النّظر أَيْضا فِيمَا إِذا وَقع الِاسْتِثْنَاء مفرغا كَقَوْلِه مَا أَنْت إِلَّا طَالِق وَكَذَا غير االطلاق من البيع وَالْإِجَارَة وَنَحْوهمَا كَقَوْلِه فِي غير المفرغ مَا بَاعَ أحد مِنْك عَبده الَّذِي عرضه الْآن على البيع بِمِائَة إِلَّا أَنا وَفِي المفرغ مَا بَاعَ الْمَذْكُور إِلَّا أَنا
٦ - وَمِنْهَا إِذا قُلْنَا بالأصح وَهُوَ أَن التَّحَالُف يَكْفِي فِيهِ يَمِين وَاحِدَة يجمع بَين النَّفْي وَالْإِثْبَات فَأتى بِهَذِهِ الصِّيغَة فَقَالَ وَالله مَا بِعته إِلَّا بِكَذَا فَهَل يَكْفِي ذَلِك عَنْهُمَا فِيهِ وَجْهَان نقلهما الْمَاوَرْدِيّ وَاقْتضى كَلَامه تَصْحِيح عدم الِاكْتِفَاء لَكِن مُقْتَضى الْقَاعِدَة أَنه يَكْفِي وَقد سبق كَلَام آخر مُتَعَلق بِالْمَسْأَلَة فِي الْكَلَام على أَن إِنَّمَا للحصر فَرَاجعه
стр. 352
مَسْأَلَة ٨
الِاسْتِثْنَاء الْمُسْتَغْرق بَاطِل بِاتِّفَاق كَمَا نَقله الإِمَام والآمدي وأتباعهما لإفضائه إِلَى اللَّغْو وَنقل الْقَرَافِيّ عَن الْمدْخل لِابْنِ طَلْحَة أَن فِي صِحَّته قَوْلَيْنِ وَنقل شَيخنَا أَبُو حَيَّان عَن الْفراء أَنه يجوز أَن يكون اكثر وَمثل بقوله عَليّ ألف إِلَّا أَلفَيْنِ قَالَ إِلَّا أَنه يكون مُنْقَطِعًا
إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة
١ - مَا إِذا قَالَ لزوجته مثلا أَنْت طَالِق طَلْقَة إِلَّا طَلْقَة فَيَقَع عَلَيْهَا طَلْقَة وَلَو قَالَ ثَلَاثًا إِلَّا ثَلَاثًا وَقع الثَّلَاث وَلَو قيل بِوُقُوع وَاحِدَة لَكَانَ متجها لِأَن اسْتثِْنَاء الطلقتين جَائِز فالمستثني للثلاث جَامع بَين مَا يجوز وَمَا لَا يجوز فنخرجه على قَاعِدَة تَفْرِيق الصَّفْقَة
٢ - وَمِنْهَا مَا إِذا قَالَ كل امْرَأَة لي طَالِق إِلَّا عمْرَة أَو إِلَّا أَنْت وَلم يكن لَهُ غَيرهَا فَإِن الطَّلَاق يَقع عَلَيْهَا كَمَا جزم بِهِ الرَّافِعِيّ فِي الْكَلَام على الْكِنَايَات وَفِيه بحث تعلمه قَرِيبا فَلَو أَتَى بِغَيْر فَقَالَ كل امْرَأَة لي غَيْرك طَالِق أَو طَالِق
стр. 353
غَيْرك فالمقول فِيهِ عندنَا أَن الطَّلَاق لَا يَقع كَذَا ذكره الْخَوَارِزْمِيّ فِي كتاب الْأَيْمَان من الْكَافِي وَلم ينص أحد من أَصْحَابنَا على مَا يُخَالِفهُ وَسَببه أَن اصل غير للصفة وَقد أوضحت الْ مَسْأَلَة فِي كتَابنَا الْمُسَمّى بالكوكب الدُّرِّي وَتقدم أَيْضا فِي هَذَا الْكتاب وَيحْتَمل أَيْضا إِلْحَاق إِلَّا بِغَيْر لِأَنَّهَا قد تقع صفة وَضمير الرّفْع قد يستعار لضمير النصب والجر كَقَوْلِهِم مَا أَنا كَاتب وَلَا أَنْت كَاتبا وَلِأَن قاعدتنا أَن الْإِعْرَاب لَا أثر لَهُ
وَذكر الرَّافِعِيّ ايضا أَنه لَو قَالَ النِّسَاء طَوَالِق إِلَّا عمْرَة وَلَيْسَ لَهُ غَيرهَا لم تطلق قَالَ وَكَذَلِكَ لَو كَانَت امْرَأَته فِي نسْوَة فَقَالَ طلقت هَؤُلَاءِ إِلَّا هَذِه وَأَشَارَ إِلَى زَوجته
مَسْأَلَة ٩
إِذا لم يكن الِاسْتِثْنَاء مُسْتَغْرقا جَازَ على الصَّحِيح عِنْد الإِمَام والآمدي وَغَيرهمَا مُسَاوِيا كَانَ الْمخْرج أَو أَكثر قِيَاسا على التَّخْصِيص بِالشّرطِ فَإِن ذَلِك جَائِز فِيهِ بالِاتِّفَاقِ كَمَا قَالَه فِي الْمَحْصُول وَقيل لَا يجوز اسْتثِْنَاء الْأَكْثَر وَلَا الْمسَاوِي أَيْضا
стр. 354
إِذا علمت ذَلِك فتفاريع الْأَصْحَاب مُوَافقَة للصحيح عِنْد الْأُصُولِيِّينَ فَمِنْهَا
١ - أَنهم صححوا الِاسْتِثْنَاء إِذا قَالَ عَليّ عشرَة إِلَّا تِسْعَة أَو لَهُ هَذِه الدَّار إِلَّا الثُّلثَيْنِ مِنْهَا أَو أَنْت طَالِق ثَلَاثًا إِلَّا طَلْقَتَيْنِ وَنَحْو ذَلِك
٢ - وَمِنْهَا إِذا قَالَ الْمَرِيض أَعْطوهُ ثلث مَالِي إِلَّا كثيرا مِنْهُ جَازَ إِعْطَاؤُهُ أقل مُتَمَوّل وَلَو قَالَ إِلَّا قَلِيلا أَو إِلَّا شَيْئا فَكَذَلِك وَقَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو مَنْصُور يعْطى زِيَادَة على السُّدس وَالْمَعْرُوف كَمَا قَالَ الرَّافِعِيّ هُوَ الأول
مَسْأَلَة ١٠
الاستثناءات المتعددة إِذا لم تتعاطف وَكَانَ الثَّانِي مُسْتَغْرقا لما قبله إِمَّا بالتساوي كَقَوْلِه لَهُ عشرَة إِلَّا ثَلَاثَة وَكرر اللَّفْظ الْأَخير وَهُوَ اسْتثِْنَاء الثَّلَاثَة وَإِمَّا بِالزِّيَادَةِ كَقَوْلِه عشرَة إِلَّا ثَلَاثَة إِلَّا أَرْبَعَة فَإِنَّهَا لَا تبطل بل تعود جَمِيعهَا إِلَى الْمُسْتَثْنى مِنْهُ حملا للْكَلَام على الصِّحَّة كَذَا جزم بِهِ فِي الْمَحْصُول وَتَبعهُ الْبَيْضَاوِيّ فِي الْمِنْهَاج
فَأَما مَا ذكره فِي الزَّائِد فَمُسلم
وَأما الْمسَاوِي فقد جزم فِيهِ الرَّافِعِيّ فِي كتاب الْإِقْرَار بِأَن الثَّانِي يكون توكيدا وَحكى فِي كتاب الطَّلَاق وَجْهَيْن من غير تَرْجِيح
стр. 355
أَحدهمَا هَذَا وَالثَّانِي يلْزمه عشرَة فِي مثالنا لِأَن الِاسْتِثْنَاء من النَّفْي إِثْبَات وَلم يحكوا وَجها بِوُقُوع طَلْقَة وَاحِدَة لما سبق من حمل الْكَلَام على التأسيس وَالصِّحَّة وَالْكَلَام فِي الْمسَاوِي بِلَفْظ الأول يشبه الْكَلَام فِي تكْرَار الْأَمر كَقَوْلِه صل رَكْعَتَيْنِ صل رَكْعَتَيْنِ أَي بالتكرار وَقد مر فِي بَاب الْأَوَامِر فَرَاجعه
مَسْأَلَة ١١
الِاسْتِثْنَاء عقب الْجمل الْمَعْطُوف بَعْضهَا على بعض يعود إِلَى الْجَمِيع عِنْد الشَّافِعِي مَا لم يقم دَلِيل على إِخْرَاج الْبَعْض
وَقَالَ أَبُو حنيفَة يعود إِلَى الْأَخِيرَة خَاصَّة قَالَ فِي المعالم وَهُوَ الْمُخْتَار
وَقد وَافَقنَا الْحَنَفِيَّة كَمَا قَالَه فِي الْمَحْصُول على عود الشَّرْط وَالِاسْتِثْنَاء بِالْمَشِيئَةِ إِلَى الْجَمِيع وَكَذَلِكَ الْحَال كَمَا صرح بِهِ الْبَيْضَاوِيّ وَالتَّقْيِيد بالطرفين فِيهِ كَلَام يَأْتِي عقب هَذَا الْمَسْأَلَة وَالصّفة كالحال بِلَا شكّ
وَالتَّقْيِيد بالغاية كالتقييد بِالصّفةِ صرح بِهِ فِي الْمَحْصُول وَسَيَأْتِي الْكَلَام على جَمِيع هَذِه الْمسَائِل مفصلا
وَإِذا قُلْنَا يعود الِاسْتِثْنَاء إِلَى الْجَمِيع فقد أطلقهُ الْأَصْحَاب كَمَا قَالَه الرَّافِعِيّ قَالَ ورأي إِمَام الْحَرَمَيْنِ تَخْصِيص ذَلِك بِشَرْطَيْنِ أَحدهمَا أَن يكون الْعَطف بِالْوَاو فَإِن كَانَ بثم اخْتصّت الصّفة وَالِاسْتِثْنَاء بِالْجُمْلَةِ الْأَخِيرَة الثَّانِي أَن لَا يَتَخَلَّل بَين الجملتين كَلَام طَوِيل
следующие страницы →