Полный текст (377 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
نهي عن بيع الأشياء بعضها ببعض عاما ثم استثنى حالة المساواة فالنهي الأول يتناول القليل والكثير بعمومه والاستثناء يتناول ما يدخل تحت الكيل وهو ما يتحقق فيه المساواة ولهذا قلنا لا يجوز بيع حفنة بحفنتين ولا بطيخة ببطيختين ونظائرها وقال أبو حنيفة ﵁ الأصل فيها الإباحة لقوله تعالى ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا﴾ ولقيام الملك فيها وادعى أن المقصود من الحديث آخره وإن كان مصدرا بالنهي وهو كقوله ﵇ لا صلاة إلا بطهور إذ المقصود منه إثبات
стр. 142
الطهور شرطا للإنعقاد لا نفي الصلاة بدون طهور لكن انتفاء الصلاة عند انتفاء الطهور حاصل لضرورة فوات شرط الصحة فكذلك الفضل يحرم لضرورة فوات الشرط الذي نيطت به الإباحة وهو المساواة بالكيل والحفنة غير مكيلة فتبقى على أصل الجواز ومنها أن التقابض في بيع الطعام بالطعام شرط عند الشافعي ﵁ سواء أتحد الجنس أو اختلف بناء على أن الجواز ثبت مستثنى من قاعدة التحريم وفيها التقابض المستفاد من قوله ﷺ يدا بيد فانه صريح ثم هو منزل على العادة والتقابض في المجلس وحمل أبو حنيفة ﵁ قوله يدا بيد على الحلول المنافي للنساء وقوله عينا بعين على التأكيد والتكرير وزعم أنه مؤيد بالقياس الجلي من حيث أن الأصل في البيع الجواز والموجب للفساد الفضل والتفاوت ههنا لأن المقبوض في مجلس العقد كالمقبوض
стр. 143
في غير مجلس العقد ومنها إن بيع الرطب بالتمر باطل عند الشافعي ﵁ ولا يستثنى من قاعدة التحريم لأن التحريم الثابت بالحديث إنما يرتفع عند تحقيق شرط الإباحة فمهما علمنا انتفاء الشرط أو لم نعلم وجوده حكمنا بالبطلان ولا فرق فيه بين ما يفقد الشرط لنعذره وبين ما يفقد للإمتناع من إجرائه مع تيسيره وقال أبو حنيفة ﵁ يصح لتحق المساواة في الكيل وهو باطل ببيع الحنطة بالدقيق والسويق وبيع الحنطة النيئة بالمقلية ومنها إذا باع مد عجوة ودرهما بمدي عجوة ونظائرهما لا يصح عندنا
стр. 144
لأن تحريم ربا الفضل معلوم والمماثلة التي هي طريق الخلاص غير معلومة والجهل بالمماثلة كحقيقة المفاضلة وما يقدره الخصم من صرف الجنس إلى خلافه تحكم لا يقضي العقل به ولا تنبئ الصيغة عنه ومنها أن بيع اللحم بالحيوان باطل عندنا للجهل بالمماثلة فيما اعتبرت فيه المماثلة على ما ذكرناه ورزانه بيع السمسم بالدهن وقال أبو حنيفة ﵁ يصح لأن تحريم البيع عندنا بانتفاء الشروط المذكورة ثبت مستثنى من قاعدة الإباحة والجواز الثابت بحكم الأصل إلا عند يقين انتفاء الشرط في المعيار الشرعي حالة العقد
стр. 145
مسألة
العلة الموجبة لاشتراط القيود المذكورة في الأشياء الأربعة المنصوص عليها عندنا هي الطعم لا غير والجنسية محل التحريم ربا الفضل وقال أبو حنيفة ﵁ العلة في الكيل تبع الجنسية فالجنسية عنده أحد وصفي العلة والفرق بين العلة ومحل العلة أن محل العلة ما يؤثر في نفس العلة ويقربها ويظهر أثرها فيه كالإحصان في باب الزنى فان العلة الموجبة للرجم هي الزنا نفسه لكنه في اقتضاء الرجم يستدعي محلا وهو الإحصان وليس الإحصان أحد وصفي علة الرجم فان الإحصان مناقب وخصال محمودة ومعظمها لا يحصل باختياره كالبلوغ والحرية والعقل والكمال لا يناسب العقوبة فلا يشعر بها أصلا
стр. 146
وكذلك تعليق العتق علة ووجود الصفة محل لنفوذ التعليق فإذا قال السيد لعبده إن دخلت الدار فأنت حر فدخلها عتق وعلة العتق ومحل نفوذ الصفة إذا تحققت حتى قال أبو حنيفة ﵁ لو شهد شهود على الزنا وشهود على الإحصان وشهد شهود على العتق وآخرون على الصفة ونفذ الحاكم حكمه بالعتق والتعليق ثم رجع الشهود فان الغرم يجب على شهود الزنا دون شهود الإحصان والصفة وهو قول الشافعي ﵁ ويتفرع عن هذا الأصل مسألة وهي أن الجنس بانفراده لا يحرم النساء عند الشافعي ﵁ حتى يجوز إسلام الثوب في جنسه من حيث إنه لا تحرم إلا العلة ولا علة للأحكام الثلاثة إلا الطعم نعم كانت الجنسية معتبرة محلا للعلة في ربا الفضل والمحل بانفراده لا يؤثر وقال أبو حنيفة ﵁ الجنسية تحرم ربا النساء لأنه أحد وصفي العلة كما أن الكيل أحد وصفي العلة ثم الكيل يقتضي تحريم ربا النساء فكذلك الجنسية
стр. 147
مسألة
ذهب الجمهور من أصحاب الشافعي ﵁ إلى أن تخصيص الحكم بصفة من أوصاف الشيء يدل على نفي الحكم عما عدا محل الصفة وهو الملقب بالمفهوم مثاله قوله ﷺ في سائمة الغنم زكاة فدل على نفي الحكم عما عداها وتنزل الصفة منزلة العلة واحتجوا في ذلك بأن عدول صاحب الشرع عن اللفظ العام وهو قوله في الغنم زكاة إلى اللفظ الخاص وهو قوله في سائمة الغنم زكاة لا بد وأن يكون لفائدة ولا فائدة إلا نفي الحكم عما عدا محل
стр. 148
الصفة وذهب أصحاب أبي حنيفة ﵁ وطائفة من أصحابنا إلى منع ذلك واحتجوا بان الصفة تجري مجرى العلم إذ المقصود من الصفة الإبانة عن الموصوف والتمييز بينه وبين غيره كما أن المقصود من الاسم هو الإبانة عن المسمى وتمييزه عن غيره ثم تعليق الحكم فكذا تعليق الحكم بالصفة
стр. 149
ويتفرع من هذا الأصل مسائل:
منها إذا باع نخلة قبل أن تؤبر فثمرتها تندرج تحت البيع عندنا ولا تندرج بعد التأبير لقوله ﵇ من باع نخلة بعد إن تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع دل مفهومه على أنها
стр. 150
إذا كانت غير مؤبرة لا تكون لبائع ليكون التخصيص مفيدا وقال أبو حنيفة ﵁ لا تندرج في الحالين لأن تخصيص أحد القسمين سكوت عن القسم الآخر والسكوت لا دلالة له ومنها أن الواجد لطول الحرة لا يجوز له نكاح الأمة عندنا لمفهوم قوله تعالى ﴿ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾ ومنها أن نكاح الأمة الكتابية غير جائز عندنا لمفهوم قوله تعالى ﴿من فتياتكم المؤمنات﴾ خص الأمة المؤمنة بالذكر
стр. 151
وعنده جائز لما ذكرناه ومنها أن المبتوتة لا نفقة لها إذا كانت حائلا لأن الله تعالى خص الحامل بالذكر في قوله تعالى ﴿وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن﴾ وهذا وصف لها فانتفى الحكم عن غيرها وقال أبو حنيفة ﵁ لها النفقة والسكنى حاملا كانت أو حائلا ومنها أن أخذ الجزية من غير أهل الكتاب لا يجوز عندنا لمفهوم قوله تعالى ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب﴾
стр. 152
خص أهل الكتاب وعنده يجوز أخذها من عبدة الأوثان من غير أهل الكتاب
стр. 153
مسألة
زعم أصحاب أبي حنيفة ﵁ أن التصرفات الحسية تنقسم إلى صحيحة ومشروعة وباطلة وممنوعة وفاسدة ومشروعة بأصلها ممنوعة بوصفها وعنوا بالصحيح ما يفيد حكمه الموضوع له وبالباطل ما لا يفيد حكمه الموضوع له وبالفاسد ما يفيد حكمه من وجه دون وجه وذهب أصحاب الشافعي ﵁ إلى إنكار القسم الثالث ولم يفرقوا بين الفاسد والباطل وأعلم أن هذا أصل عظم اختلاف الفئتين وطال فيه نظر الفريقين وهو على التحقيق نزاع لفظي ومراء جدلي فان مراد القوم من هذا التقسيم أن التصرفات تنقسم إلى ما نهى الشرع عنها لمعنى يرجع إلى ذاتها بسبب اختلاف ركن من أركانها كبيع الحر
стр. 154
والميتة والدم إلى ما نهي عنه لا لذاته بل لأمر يرجع إلى شروطها وتوابعها وأوصافها وأمور تقارنها كالبيع إلى أجل مجهول والبيع بالخمر والخنزير ونظائرها فإن الأول معلوم البطلان بدلالة قاطعة والثاني مظنون البطلان بدلالة ظنية اجتهادية ولهذا أختلف الصحابة ﵃ فيه وبدل على الفرق بينهما أن الأول لا يسوغ فيه الاجتهاد لو حكم الحاكم بنفاذه لم ينفذ حكمه والثاني يسوغ فيه الاجتهاد حتى لو قضى قاض بجوازه نفذ حكمه وصح وإن لم يكن صحيحا من قبل الحاكم فخص أبو حنيفة ﵁ أسم الباطل بما ثبت إلغائه شرعا بدلالة قاطعة واسم الفاسد بما ثبت إلغاؤه بدلالة ظنية وهذا كمصيرهم إلى الفرق بين الواجب والفرض وقولهم أن الفرض ما ثبت بدلالة قاطعة والواجب ما ثبت بدلالة ظنية فإنا نساعدهم على الانقسام المعنوي وأن نازعناهم في العبارة وقد نص الشافعي ﵁ على جنس هذا التصرف فانه قال في غير موضع إن كان النهي لأمر يرجع إلى عين المنهي عنه دل على فساده وان كان لأمر يرجع إلى غيره لا يدل على فساده فالتفرقة بين القسمين متفق عليها وإنما يرجع النزاع إلى أن فساد الوصف المقارن هل يلحق
стр. 155
بفساد الأصل في سائر أحكامه وآثاره أم لا فالشافعي ﵁ ألحق فساد الوصف بفساد الأصل وأبو حنيفة ﵁ فرق بينهما وعند هذا لا بد من التنبيه لدقيقة وهي أن الوصف المقارن للتصرف قد يكون مجاورا له غير لازم لذات كالبيع في وقت النداء وحيث الحق الشافعي ﵁ فساد الوصف بفساد الأصل إنما أراد به القسم الأول دون الثاني ويفرع عن هذا الأصل مسائل منها أن البيع الفاسد لا ينعقد عندنا ولا يفيد الملك أصلا وعندهم ينعقد ويفيد الملك إذ أتصل به القبض وصورته ما إذا باع درهما بدرهمين أو شرط أجلا مجهولا أو خيارا زائدا أو الشرط أن لا يسلم أو باع بخمر أو خنزير وإن كل ذلك فاسد ليس
стр. 156
بباطل حتى يترتب الملك عليه عند جواز القبض ومنها أن الإجارة الفاسدة لا تفيد ملك المنافع عندنا وعندهم تنعقد وتملك المنافع بحكم العقد ومنها أن بيع المكره وإجارته لا ينعقدان عندنا وعندهم ينعقد ويتوقف نفوذه على الرضى ويلحق هذا الأصل قولنا إن العاصي بسفر لا يترخص ترخص المسافرين عندنا لكون السفر ممنوعا عنه وعندهم يترخص لأن الممنوع وصفه دون أصله
стр. 157
مسألة
الاستدلال بعدم الدليل على نفي الحكم أو بقاء ما هو ثابت بالدليل وهو الملقب بالاستصحاب حجة على الخصم عند أصحاب الشافعي ﵁ واحتجوا في ذلك بان جاحدي الرسل ونفاة النبوات لا يكلفون دليلا على النفي بل إقامة الدليل على صحة النبوة على الأنبياء ولو لم يكن عدم الدليل حجة للنافي لطولبوا بالدليل وكذلك قوله تعالى ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير﴾ فإنه احتجاج بعدم الدليل ولأن النافي متمسك بالعدم والعدم غير محتاج إلى الدليل فينعدم الحكم لعدم دليله
стр. 158
وذهبت الحنفية إلى أنه ليس بحجة على الخصم مطلقا واحتجوا في ذلك بأن حاصل الاستدلال بعدم الدليل آيل إلى الجهل بالدليل إذ لا سبيل لأحد من البشر على حصر الدلائل أجمع بل يجوز أن يعلم انسان دليلا يجهله غيره لتفاوت الناس في العلم فكان المتعلق بعدم الدليل متعلقا بالجهل والجهل لا يكون حجة على أحد بل يكون عذرا له في الامتناع عن الحكم ويتفرع عن هذا الأصل مسائل منها أن الصلح على الإنكار باطل عند الشافعي ﵁ لأن الله تعالى خلق الذمم برية عن الحقوق فثبت براءة ذمة المنكر بخلق الله ولم يقم الدليل على شغل ذمته فلا يجوز شغلها بالدين فلا يصح الصلح
стр. 159
وعندهم يصح لأن عدم الدليل ليس بحجة لإبقاء ما ثبت بالدليل فيجوز شغل ذمته بالدين فيصح الصلح ومنها أن الكلب المعلم إذا أكل من فريسته مرة واحدة لم تحرم تلك الفريسة على أحد القولين عندنا ولم يحرم ما مضى من فريسته قولا واحدا استصحابا للحل الثابت قبل الأكل فإنه ثابت يقينا وقال أبو حنيفة ﵁ يحرم الجميع فإن علمه أمر خفي لا يطلع عليه فيعتبر السبب الظاهر المظهر له وهو الإمتناع عن الأكل إذ به ظهر العلم فالإقدام على الأكل يظهر ضده وهو الجهل فأنه السبب الظاهر المظهر له ومنها أنه لا يقضى على الناكل بمجرد نكوله بل يعرض اليمين
стр. 160
على المدعي عندنا لأن الأصل أن لا يحكم إلا بما يعلم أو يظن ظنا يقارب العلم فإذا أعوز بقينا على النفي استصحابا للبراءة الأصلية وعندهم يقضى به تنزيلا للامتناع عن الحجة مقام نفس الحجة بناء على القرائن المطرحة شرعا في إثبات الحقوق ونفيها ومنها إذا تداعى رجلان دارا في يد ثالث وأقام كل واحد منهما بينة على أن الملك في جميع الدار له تعارضت البينتان وتساقطتا وصار كان لا بينة عندنا وتقر الدار بيد الثالث تمسكا بالاستصحاب وقال أبو حنيفة ﵁ تستعمل البينتان وتقسم بينهما ومنها أن التدبير المطلق لا يمنع البيع عندنا لأن البيع
стр. 161
كان جائزا قبل التدبير ولا معنى للتدبير إلا تعلق عتق بالموت فهو كقوله إن مت في مرضي هذا فأنت حر وعندهم يمنع لأنه استحقاق عتق بعد الموت فأشبه الاستيلاء ومنها إن أحد الشريكين إذا أعتق نصيبه من العبد المشترك وكان المعتق معسرا عتق نصيبه وبقي الباقي على ملك مالكه كما كان ولا يستسعى العبد في أداء قيمة باقية عند الشافعي ﵁ لأنه لم يتحقق منه صنيع يستدعي وجوب الضمان عليه ووجوب القيمة فما إذا كان الشريك المعتق موسرا ثبت نصا وقال أبو حنيفة ﵁ يستسعى العبد في أداء قيمة باقية لأن الإعتاق لا يتجزأ وقد احتبس حق الشريك عنده فتجب عليه السعاية وإن لم يوجد منه صنيع كالثوب إذا وقع في صبغ
стр. 162
إنسان فانصبغ به فانه يجب على رب الثوب ضمان الصبغ لاحتباس ملكه عنده وان لم يوجد منه جناية ومنها أن الدية لا تكمل في الشعور الخمس عندنا وهي شعر الرأس واللحية والحاجبين والأهداب والشاربين بل حكومة عدل لن الأصل أن لا يجب كمال الدية بإتلاف البعض غير أن الشرع علق كل الدية بإتلاف الطرف لأنه تفويت منفعة الجنس فيصير الشخص كالهالك في حق ملك المنفعة والشعور ليست من هذا القبيل فبقي على الأصل وهو امتناع كمال الدية وقال أبو حنيفة ﵁ في كل واحد منها دية كاملة
стр. 163
إذا فسد المنبت لأنه فات به الجمال على الكمال فيجب فيه دية كاملة كما في الأذن ومارن الأنف
стр. 164
مسألة
لا حجة في قول الصحابي على انفراده عند الشافعي ﵁ ولا يجب على من بعد تقليده واحتج في ذلك بقوله تعالى ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾ أمر بالاعتبار دون التقليد ولأن الصحابي لم تثبت عصمته والسهو والغلط جائزان عليه فكيف يكون قوله حجة في دين الله تعالى وقال أبو حنيفة ﵁ هو حجة تقدم على القياس إذا لم يخالفه أحد من نظرائه
стр. 165
واحتج في ذلك بقوله ﷺ أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم أهدتيتم
بين أن في الإقتداء بهم اهتداء ولأن اجتهاد الصحابي أقرب إلى الصواب من اجتهاد غيره لما خصوا به من الدرجة الزائدة لمشاهدة الوحي وقربهم من رسول الله ﷺ وكيف وأن الظاهر من حاله أن لا يقول ما قاله إلا سماعا من رسول الله ﷺ لا سيما في ما يخالف القياس ويتفرع عن هذا الأصل مسألة العينة وهي السلف وصورتها ما إذا اشترى ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن فانه صحيح عند الشافعي ﵁ طردا للقياس الجلي وقال أبو حنيفة ﵁ يفسد العقد الأخير لقول عائشة ﵂ حيث أخبرت أن زيد بن أرقم أبتاع عبدا من
стр. 166
امرأة بألف درهم إلى أجل ثم ابتاعته منه بخمسمائة حالة بئسما بعت وبئسما اشتريت أخبرني زيد أنه أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إلا أن يتوب فأخذ به أبو حنيفة ﵁ وترك
стр. 167
القياس
стр. 168
مسألة
المعدول عن القياس يجوز أن يقاس عليه ما في معناه عند الشافعي ﵁ واحتج في ذلك أن القياس يعتمد فهم المعنى وقد تحقق ذلك هنا فإنا لا نجوز التعليل والتعدية إلا عند ظهور المعنى في الأصل المستثنى عن القياس العام في الفرع الملحق به أقصى ما في الباب أن الأصل المستثنى مخالف لأصل آخر فأن خالف أصلا آخر لا يمتنع تعليله والحاق غيره به والسر فيه هو أن قواعد الشرع بأسرها تتلاقى في قضايا عامة لكن كل قاعدة انفردت بخاصية تخالف خاصية القاعدة الأخرى وتلك الخصائص مبناها على التغاير والاختلاف إذ لو قلنا إن الخصائص بأسرها شيء واحد لجعلنا المباحات مباحا واحدا وذهب الحنفية إلى منع القياس على الخارج عن القياس واحتجوا بأن ركن القياس فهم المعنى في الأصل المقيس عليه والمعدول عن القياس ليس كذلك وهذا فاسد لما ذكرنا
стр. 169
ويتفرع عن هذا الأصل مسائل منها إذا اختلف المتبايعان والسلعة هالكة في يد المشتري أو خرجت من ملكه أو صارت بحال لا يقدر على ردها بالعيب يتحالفان عند الشافعي ﵁ ويترادان القيمة لأن كل واحد منهما يدعي عقدا غير العقد الذي يدعيه صاحبه فيحلف كل واحد على نفي دعوى صاحبه كما في حال قيام السلعة وعندهم لا يتحالفان لأن التحالف على القبض على وفاق من حيث إن البائع يدعي زيادة على ألف والمشتري ينكرها والمشتري يدعي وجوب التسليم عند أداء الألف والبائع ينكره فيتحالفان أما بعد القبض فالتحالف على خلاف القياس فلا يلتحق به حال هلاك السلعة ومنها أن ما دون أرش الموضحة تتحمله العاقلة عند الشافعي
стр. 170
﵁ لبدل النفس وبدل الجناية على الأطراف لأن المقادير متساوية بالنسبة إلى الجناية والنسبة إلى العاقلة فالحكم بالتخصيص محال وعندهم لا يضرب على العاقلة لأن أصل الضرب على العاقلة خارج عن القياس إذ الأصل أن كل جان يختص بموجب جنايته وأن لا تزر وازرة وزر أخرى فتحميل أرش الموضحة على العاقلة خارج عن هذا القياس فلا يقاس عليه ما دونه
стр. 171
مسألة
ذهب أصحاب أبي حنيفة ﵁ إلى إن الإيجاب والقبول له حكمان أحدهما الانعقاد وهو مقترن بهما ومعناه الارتباط الحاصل من الخطاب والجواب والثاني زوال الملك وهو حكم منفصل عن الانعقاد واحتجوا في ذلك بان الانعقاد على تجرده معقول في نفسه محقق في مسائل كالعقد في مدة الخيار والهبة قبل القبض فإنها منعقدة ولم يتأثر المحل بها ولا معنى لانعقادهما إلا تعلق الإيجاب والقبول على نهج الخطاب والجواب وإنتهاض ذلك سببا للملك إذا وجد شرطه وهو القبض قالوا وإذا ثبت انهما حكمان منفصلان فلا يعتبر في الانعقاد إلا أهلية الخطاب والجواب فمهما صدر الإيجاب والقبول من أهلهما
стр. 172
وصادفا محلا قابلا لحكمهما ثبت الانعقاد أما زوال الملك فينبني على الولاية على المحل والشافعي ﵁ أنكر هذا الانقسام ولم يثبت للانعقاد معنى سوى كون العقد مفيد الحكم الذي وضع له واحتج في ذلك بأن قال الإيجاب والقبول وضعا سببا لزوال الملك في المحل المملوك إذا صدر من المالك الوالي على المحل فلا معنى للانعقاد بدونه لتوزيع الأسباب على الأحكام وهذا بخلاف الهبة والرهن فإنها شرعت على تلك الوجوه فتلقيت كما شرعت ووضعت ويتفرع عن هذا الأصل مسائل منها أن الفضولي إذا باع مال الغير لغا بيعه ولم ينفذ
стр. 173
بالإجازة عندنا وعندهم ينفذ وكذا إذا أجر ملك الغير أو وهبه أو زوج موليه الغير بغير إذنه لا ينعقد عندنا وينعقد عنده وينفذ بالإجازة ومنها إن تصرفات الصبي باطلة عندنا وعبارته لاغية فيها وعندهم يصح نفوذها على إجازة الولي
стр. 174
مسألة
ذهب الشافعي ﵁ إلى أن جواز بيع الأعيان يتبع الطهارة أي تكون الطهارة فيه شرطا من جملة الشروط فما كان طاهرا جاز بيعه عند وجود الشرائط وما لا فلا واحتج في ذلك بان النجس واجب الاجتناب منهي الاقتراب والبيع وسيلة إلى الاقتراب وقال أبو حنيفة جواز البيع يتبع الانتفاع فكل ما كان منتفعا به جاز بيعه واحتج في ذلك بأن الأعيان خلقت لمنافع الآدمي قال الله تعالى ﴿خلق لكم ما في الأرض جميعا﴾ فكل ما كان متعلق منفعة الآدمي كان محلا للبيع قال ولا يلزم على هذا الخمر والخنزير وعذرة الآدمي والجلد قبل
стр. 175
الدباغ والودك النجس فإن عندنا لا يجوز الانتفاع بشيء من هذه الأشياء فلأجله أمتنع بيعها ويتفرع عن هذا الأصل مسائل منها أن الكلب المعلم لا يجوز بيعه عندنا ولا يضمن بالإتلاف كسائر الأموال لأنه نجس وعندهم يجوز بيعه ويضمن بالإتلاف كسائر الأموال ومنها أن بيع لبن الآدميات جائز عندنا لطهارته وعندهم لا يجوز لأن الانتفاع به ضرورة فيتقدر بقدر الضرورة ولا يقبل نقل الاختصاص إلى غير محله ولهذا لا يضمن بالإتلاف ومنها أن بيع السرقين لا يجوز عندنا لنجاسته
стр. 176
ويجوز عندهم لأنه منتفع به في تسميد الأرض وغيره ومنها أن بيع خمور أهل الذمة فيما بينهم باطل عندنا لنجاستها ويصح عندهم لجواز الانتفاع بها فيما بينهم ولذلك يضمن بالإتلاف
стр. 177
مسألة
اختلف العلماء في مورد عقد النكاح ما هو فذهب الشافعي ﵁ إلى أن مورده المنافع أعني منافع البضع واحتج في ذلك بأمرين أحدهما أنها المستوفاة بحكم العقد والاستحقاق إنما يراد للاستيفاء والمستوفى هو المنافع فكان المستحق هو المستوفى والثاني إن الله تعالى سمى العوض أجرا في قوله تعالى ﴿فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن﴾ والأجر إنما يستحق في مقابلة المنفعة كما أن الثمن إنما يستحق في مقابلة العين وذهب أبو حنيفة ﵁ إلى أن مورده العين الموصوفة بالحل وحكمه ملك العين واحتج في ذلك بأمور أربعة أحدها إضافة الحل إلى ذات المنكوحة في قوله تعالى ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾
стр. 178
وثانيها أنه لو كان المعقود عليه المنافع لما صح نكاح الطفلة الرضيعة كما لا يصح عقد الإجارة على نهر صغير ولا جحش ولا أرض سبخة وثالثها أن عقد النكاح على التأبيد والعقد على المنافع لايتأبد ورابعها أن المهر يستقر بوطأة واحدة ولو كان المعقود عليه المنافع لكانت الوطأة الواحدة بمثابة سكنى لحظة واحدة في عقد الإجارة فإنه لايستحق به من الأجرة إلا بقدر ما يخصه ومنهم من قال مورده المنفعة لكن منفعة البضع أخذت حكم الأجزاء والأعيان فصار حكمها حكم أجزاء الآدمي ويتفرع عن هذا الأصل مسائل منها أن وطء السيد لا يمنع الرد بالعيب عندنا لأنه استيفاء منفعة ويمنع عندهم لأنه في حكم جزء حبسه عنده وامتنع عليه رد الأصل
стр. 179
ومنها أن النكاح لا ينعقد عندنا إلا بلفظ التزويج والإنكاح وهو اللفظ الموضوع شرعا لتمليك هذا الجنس من المنفعة وقال أبو حنيفة ﵁ ينعقد بلفظ البيع والهبة وكل لفظ يدل على ملك الذات وقد تقدم ذكرها في مسائل العبادات ومنها أن الخلوة الصحيحة لا تقرر المهر عندنا لأن المعقود عليه المنفعة وضمان المنافع يعتمد تلفها تحت يد من عليه البدل ومنافع البضع لا تدخل تحت اليد لأنها ليست بمال ولا تقبل ويد الغاصب لا تمنع من التزويج وما لا يدخل تحت اليد يكون ضمانه بالإتلاف كبدل الحر حتى قال أصحابنا إن البدل لا يتقرر باستئجار الحر بالتمكين وإنما يتقرر بالاستيفاء وهو الذي أختاره القفال وعندهم يتقرر لأن المعقود عليه عين المرأة وقد سلمت نفسها
стр. 180
ومنها أن النكاح ينفسخ بالعيوب الخمسة عندنا لأن المعقود عليه المنفعة فيدخلها الفسخ كما في الإجارة وعندهم لا ينفسخ لأن إثبات الملك في العين كان ضروريا إذ الحرية تنافي المملوكية فيقدر بقدر الضرورة والضرورة قد اندفعت بإثبات الطلاق والفسخ توسع في محل الضرورة فيمتنع ومنها أن الخلع فسخ عندنا على القول المنصور في الخلاف والقول الثاني أنه طلاق وهو مذهب أبي حنيفة ﵁ لأن مورد عقد النكاح في حكم أجزائها وهي حرة وملك الجزء الضروري ليس بأصل والفسخ توسع
следующие страницы →