Полный текст (377 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
وعندهم لا يجب
стр. 282
مسائل النفقات
مسألة
مذهب الشافعي ﵁ أن نفقة الزوجات واجبة بطريق المعاوضة عن الحبس كما وجب الصداق في مقابلة ما ثبت له من ملك الطلاق واحتج في ذلك بسقوط نفقتها عند خروجها وبروزها حيث فات المعوض وذهبت الحنفية إلى أنها واجبة بطريق الصلة لنفقة القريب وزعموا أن النفقة تابعة في النكاح إذ ليس النكاح من عقود اكتساب المال وأما القيد والحبس فمشروع لمصلحتها فان الأحسن بها لزوم قعر البيت والتحرز والتستر صيانة لعرضها مع ما للناس عليه من دواعي الفساد ويتفرع عن هذا الأصل مسائل منها أن الإعسار بالنفقة يثبت للمرأة حق الفسخ عندنا
стр. 283
تحقيقا للعوضية وعندهم لا يثبت به إلا القدرة على مفارقة المنزل والخروج للاكتساب ومنها أن نفقة الزوجات معلومة مقدرة كسائر الأعواض عندنا على الموسر مدان وعلى المعسر مد وعلى المتوسط مد ونصف وعندهم لا تتقدر بل الواجب مقدار الكفاية كما في نفقة القريب ويختلف ذلك باختلاف حالها وسنها وصحتها وسقمها وتفاوت حالاتها ومنها أن نفقة الزوجة تتقرر في الذمة ولا تسقط بمضي الزمان كسائر الديون والأعواض وعندهم تسقط بمضي الزمان كنفقة القريب
стр. 284
مسألة
ذهبت الحنفية إلى أن صور الأسباب الشرعية هي المرعية المعتبرة في الأحكام دون معانيها واحتجوا في ذلك بأن المعاني لو كانت مرعية في ربط الأحكام بها لبطلت فائدة نصب الأسباب إذ لا فائدة في نصب الأسباب سوى إدارة الحكم عليها دفعا للعسر والحرج عن الناس ونفيا للتخبط والالتباس فان المعاني مما يختلف كمية في الزيادة والنقصان وكيفية في الظهور والخفاء قالوا ولهذا تعلقت رخص السفر بصورة السفر دون مضمونه حتى إن الملك الذي يتهادى في مهوره ويسري في سراياه وجنوده ثبت له من الرخص ما ثبت للساعي على قدمه نظرا منا إلى صورة السفر دون مضمونه ومعناه وكذلك النوم لما كان سببا لانتفاض الوضوء اعتبرت صورته من غير نظر إلى نفس الحدث وذهب الشافعي ﵁ إلى إن لا عبرة بصورة الأسباب الشرعية الخالية عن المعاني الشرعية التي تتضمنها
стр. 285
واحتج في ذلك بأن صور الأسباب لا تناسب الأحكام وإنما المناسب ما تتضمنه صور الأسباب وحيث اعتبرنا صور الأسباب دون مضمونها فذلك لتعذر الوقوف والإطلاع على مضمونها وإلا فمتى أمكن الإطلاع على مضمون السبب فهو المعتبر لا صورة السبب وعليه يجري ما استشهدوا به من السفر فإنا إنما أحلنا على صورة السفر لأن مقدار المشقة لا إطلاع لنا عليه وكذلك في فعل النوم لما تعذر الوقوف على مضمونه من حيث إن الخارج لطيف يمكن خروجه من غير أن يعلم أدرنا الحكم على صورة السبب دون مضمونه ويتفرع عن هذا الأصل مسائل منها أن المشرقي إذا تزوج بمغربية ثم أتت بولد لستة أشهر فصاعدا قال الشافعي ﵁ لا أحكم بأنه لحق به لأن مضمون السبب أمكن الإطلاع عليه إذ قد علمنا قطعا أن من هو بالمشرق لا يحبل من هي بالمغرب فألغينا صورة السبب وعلقنا الحكم على
стр. 286
مضمونة وقال أبو حنيفة ﵁ يلحق به لوجود صورة السبب وهو الفراش ونحن نقول صورة الفراش إنما كان سببا في غير هذه الحالة لأنه تعذر علينا الوقوف على مضمونه فانا إذا رأينا انسانا يدخل على زوجته ويروح ويغدو إليها تعذر علينا العلم هل وطئها أو لا فإذا أتت بولد أدخلنا الحكم على صورة الفراش لتعذر الإطلاع على المضمون أما المشرقي مع المغربية فقد أمكننا الوقوف على مضمون السبب وقد علمنا قطعا إن الولد ليس منه فلم نعتبر صورة السبب ومنها انه إذا تزوج امرأة حاضرة وطلقها من ساعته في مجلس العقد من غير دخول ثم جاءت بولد لا يثبت نسبه منه عندنا وعندهم يثبت إذا جاءت به لسنة فصاعدا
стр. 287
ومنها إذا نكح أمه أو أخته أو محرما من محارمه أو المطلقة ثلاثا أو المجوسية ثم وطئها في هذا العقد فإنه يحد عندنا ولا تصير صورة العقد الخالي عن مضمونه شبهة في درء الحد وعندهم لا يحد بناء على أن صورة العقد هي السبب المبيح في موضع الوفاق فيصير شبهة ههنا وإن لم يبح ومنها إذا أستأجر امرأة ليزني بها فزنى فإنه يحد عندنا وعندهم لا يحد لوجود صورة السبب والله أعلم
стр. 288
كتاب الجراح
مسألة
نفي المساواة بين شيئين يقتضي العموم عند الشافعي ﵁ حتى تنفى المساواة من كل وجه في كل حكم واحتج بأن النفي لا يقتضي الاختصاص بوجه من وجوه المساواة دون وجه فيعم ضرورة إذ ليس تخصيصه ببعض الوجوه دون البعض أولى من العكس ولهذا قلنا إن النكرة في سياق النفي تعم وقال الحنفية لا يقتضي العموم لان المساواة المطلقة تقتضي المساواة من كل الوجوه إذ لولا ذلك لوجب إطلاق لفظ المتساويين على جميع الأشياء إذ لولا ذلك لوجب إطلاق لفظ المتساويين على جميع الأشياء إذ كل شيئين لا بد أن يستويا في بعض الأمور من كونهما معلومين ومذكورين وموجودين وفي سلب ما عداهما عنهما
стр. 289
وإذا ثبت أن المعتبر في طرف الإثبات المساواة من كل الوجوه كفى في طرف النفي نفي الاستواء من بعض الوجوه لأن نقيض الكلي هو الجزئي ويتفرع عن هذا الأصل مسائل منها إن المسلم لا يقتل بالكافر عندنا لأن جريان القصاص بينهما يقتضي الاستواء والله تعالى قد نفاه بقوله ﴿لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة﴾ وعندهم يقتل لأن نفي المساواة قد حصل بحكم آخر فالتسوية بينهما في هذا الحكم لا تمنع مدلول النص ومنها أن دية الذمي والمستأمن لا تبلغ دية المسلم عندنا وعندهم تساوي دية المسلم
стр. 290
ثم يتفرع عن نفي المساواة العامة بين المسلم والكافر أن لا يقتل حر بعبد عندنا لقيام شبهة ما أوجب نفي المساواة بين المسلم والكافر وهو الكفر فإن الرق من آثار المبيح فيعمل في الشبهة عمل أصله وعندهم يقتل به لإنكارهم عموم نفي المساواة
стр. 291
مسألة
ذهب أصحابنا إلى أن مقدورا واحدا بين قادرين غير قديمين متصور وعنوا بالواحد ما لا يتجزأ ولا يتبعض تفريغا على إثبات الجوهر الفرد وذهبت القدرية والحنفية إلى أن ذلك ما لا يتصور وأعلم أن الخلاف في هذه المسألة ينبني على أصل عظيم الشأن في أصول الديانات وهو أن القدرة الحادثة لا تأثير لها في إيجاد المقدور عند علمائنا بل المقدورات الحادثة بأسرها واقعة بقدرة الله تعالى عند تعلق قدرة العبد بها وعندهم أن مقدورات العباد بأسرها واقعة بقدرتهم حتى قالوا بخلق الأعمال وانقطاع قدرة الله تعالى عن مقدورات العباد واحتج علماؤنا بأن قالوا أجمعنا على أن المرادات مشتركة بين المريدين وكذلك المكروهات مشتركة بين الكارهين والمظنونات بين الظانين والمعتقدات بين المعتقدين والمعلومات بين العالمين فكذلك المقدورات بين القادرين وجب أن تكون مشتركة
стр. 292
واحتج المخالفون بأن قالوا كون مقدورا واحد بين قادرين يفضي إلى محال وما أفضى إلى المحال كان محالا أما إفضاؤه إلى المحال فلأن كل واحد منهم لو باشر فعل مقدوره في محل آخر أو في جهة أخرى لزم أن يكون شيء واحد موجودا في محلين أو جهتين مختلفتين وهذا محال ومن شك في استحالته دل على نقصان في عقله وأما إن يفضي إلى المحال كان محالا فلأن إفضاء المفضيات وتأثير المؤثرات من الأمور اللازمة والصفات الذاتية للفعل والمؤثر ويستحيل إن يوجد المؤثر ولا يكون له تأثير وإفضاء إلى حكمه وإذا استحال وجود حكمه استحال وجوده لا محالة ويظهر ذلك بالحركة مع السكون فإنه لما استحال إن يكون المحل الواحد ساكنا متحركا وأسود أبيض في حالة واحدة استحال وجود الحركة مع السكون والسواد مع البياض في محل واحد في وقت واحد لأن الحركة علة للتحركية والسكون علة للساكنية كذلك فيما نحن فيه إذا استحال وجود مقدور واحد في جهتين مختلفين استحال كونه مقدورا لقادرين لأنه هو المفضي إلى ذلك
стр. 293
ويتفرع عن هذا الأصل أن الأيدي تقطع بيد واحدة عندنا لأن قطعات الأجزاء من اليد المشتركة بين الكل فيكون كل واحد منهم قاطعا على سبيل الكلام لأنه ما من جزء من الفعل إلا وكل واحد منهم فاعله وعندهم لا تقطع لأن كل واحد من الفاعلين فاعل مقدور نفسه فيختص كل منهم بالقطع الذي مقدور نفسه دون مقدور صاحبه وكان قطع كل جزء قطعا على سبيل الانفراد
стр. 294
مسألة
لا مانع من إجراء القياس في أسباب الحكم عند الشافعي ﵁ وذهب الحنفية وطائفة من أصحاب الشافعي إلى منع ذلك ودليل الجواز وشبهة الخصوم ما أسلفناه في مسائل الصيام والذي يخص هذه المسألة القياس في الأسباب ما يؤدي إثباته إلى نفيه كان ساقطا وإنما قلنا ذلك لأنا إذا قسنا اللواط على الزنا في إيجاب الحد مثلا فإما أن نقول الزنا كان سببا لأجل وصف مشترك فيه بينه وبين اللواط أو لا نقول ذلك فإن كان الموجب هو المشترك خرج الزنا واللواط عن كونهما سببين موجبين للحد لأن التعليل بالقدر المشترك يمنع التعليل بخصوص كل واحد منهما وإن قلنا ليس الموجب هو القدر المشترك بينه وبين اللواط أمتنع القياس عليه إذ لا بد من القياس من جامع
стр. 295
وهذا بخلاف القياس في الأحكام فإن ثبوت الحكم في الأصل لا ينافي كونه معللا بالقدر المشترك بينه وبين الفرع والجواب من وجهين أحدهما أن هذا يبطل عليهم قياسهم الأكل على الجماع في كفارة الفطر مع أن الأكل لا يسمى وقاعا فان قالوا ليس ذلك قياسا بل عرفنا بالبحث والتنقيح أن الكفارة ليست كفارة الجماع بل كفارة الإفطار قلنا ونحن أيضا عرفنا بالبحث والتنقيح أن الحد ليس هو حد الزنا بل حد القدر المشترك بينه وبين اللواط والثاني أنا نستدل على جواز ذلك بإجماع الصحابة رضوان الله
стр. 296
عليهم حيث ألحقوا الشرب بالقذف في أيجاب الثمانين وهما سببان مختلفان ويتفرع عن هذا الأصل مسألتان إحداهما أن السيد يملك إقامة الحد على مملوكه إلحاقا لولاية السيادة الخاصة بولاية الإمامة العامة نظرا إلى إيجاد المقصود وان اختلف السببان صورة
стр. 297
الثانية أن شهود القصاص إذا رجعوا وقالوا تعمدنا وقتل المشهود عليه يجب القصاص عندنا قياسا للشهادة الباطلة على الإكراه بجامع السبب وعندهم لا يجب لأنهما سببان مختلفان وفي إلحاق أحدهما بالآخر إبطال خصوص كل واحد منهما على ما سبق
стр. 298
مسألة
ذهب الشافعي ﵁ ومن تابعه من علماء الأصول إلى أن اللفظ المشترك يحمل على جميع معانيه وأحتج في ذلك بأمرين أحدهما أن اللفظ استوت نسبته إلى كل واحد من المسميات فليس تعين البعض منها بأولى من البعض فيحمل على الجميع احتياطا الثاني أنه دل على جوازه وقوعه قال الله تعالى ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ والصلاة من الله رحمة ومن الملائكة استغفار وأراد الله تعالى باللفظ الواحد المعنيين جميعا وكذلك قوله تعالى ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾
стр. 299
فإنه أراد به الحيض والطهر فمن أدى اجتهاده إلى الحيض أخذ به ومن أدي اجتهاده إلى الطهر أخذ به وذهب القدرية والحنفية إلى منع ذلك واحتجوا في ذلك بأن أرباب الوضع إنما وضعوا هذا الاسم لكل واحد من المسميات على سبيل البدل لا على سبيل الجمع فإذا حمل على الجميع كان استعمالا له في ضد ما وضع له وعكس ما قصد به ويتفرع عن هذا الأصل أن موجب العمد التخيير بين القصاص والدية عند الشافعي ﵁ مستفادا من قوله تعالى ﴿ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا﴾
стр. 300
فإن السلطان يحتمل الدية والقصاص فلا جرم خير الشافعي ﵁ بينهما وأثبت وصف الوجوب لكل واحد منهما وعندهم لا يخير بل يحمل على القصاص عينا
стр. 301
مسألة
معتقد الشافعي ﵁ أن معنى القصاص مقابلة محل الجناية بالمحل الفائت بالجناية جبرا أي من الجاني بالمحل الفائت من المجني عليه بالجناية واحتج في ذلك بقوله تعالى ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ أي أن النفس في مقابلة النفس ولأنه ثبت حقا لولي القتيل وأن يكون لفائدة يختص بها حتى يظهر معنى الاستحقاق في حقه وذهبت الحنفية إلى أن معنى القصاص مقابلة الفعل بالفعل جزءا وزجرا واحتجوا في ذلك بقوله تعالى ﴿ولكم في القصاص حياة﴾ قالوا معناه أن الزجر يحصل به فيبقى الجاني والمجني عليه في الأحياء
стр. 302
ويتفرع عن هذا الأصل مسائل منها أن الواحد إذا قتل جماعة يقتل بواحد عندنا وللباقين الدية لتعذر الاستحقاق باعتبار تعذر المحال عندهم يقتل بهم اكتفاء بمقابلة الفعل بالفعل ومنها أنه إذا قطع يميني رجلين قطع بالأول وللآخر الدية بدلا عن المحل الفائت وعندهم يقطع بهما اكتفاء ومنها أن شريك الأب يلزمه القصاص عندنا تحقيقا لمقابلة
стр. 303
المحل بالمحل كما في شريك الأجنبي وعندهم لا قصاص عليه لأن القصاص مقابلة الفعل بالفعل وفعل الشريك منها قاصر من حيث إنه شارك من لا قود عليه كشريك الخاطيء ومنها أنه إذا مات من وجب عليه القصاص أخذت الدية من ماله عندنا بدلا عن المحل وعندهم لا تؤخذ لأن المستحق له فعل القتل وقد فات ومنها أنه إذا قتل إنسان فوارثه الكبير لا ينفرد ياستيفاء القصاص عندنا بل ينتظر بلوغ الصبي لأن الثابت للورثة استحقاق المحل والورثة يستحقونه إرثا والصبي لا يتأتى استحقاقه بدليل ما لو كان منفردا
стр. 304
وعندهم يستبد الكبير باستيفائه في المحل لأن القصاص استحقاق فعل القتل جزاء والصغير ليس أهلا لاستحقاقه ومنها أن مستحق القصاص في النفس إذا قطع اليد وعفا عن النفس لم يلزمه أرش اليد عندنا سواء وقف القطع أو سرى لأن استحقاق المحل أعني جملة نفس القاتل يوجب إهدار الأطراف في حق المستحق من حيث أنه وسيلة إلى استيفاء حقه إذ لا يمكنه الاستيفاء إلا بقطع جزء من أجزاء البنية وتضمينه مما يمنع الاستيفاء فوجب إهداره كما قلنا في سراية القيود وقال أبو حنيفة ﵁ إن وقف ضمن وإن سرى لم يضمن لأن الثابت له استحقاق فعل القتل وهو تفويت الروح دون الأطراف
стр. 305
مسألة
ذهب الشافعي ﵁ إلى أن التمسك بالمصالح المستندة إلى كلي الشرع وان لم تكن مستندة إلى الجزئيات الخاصة المعينة جائز مثال ذلك ما ثبت وتقرر من إجماع الأمة إن العمل القليل لا يبطل الصلاة والعمل الكثير يبطلها قال الشافعي ﵁ حد العمل الكثير ما إذا فعله المصلي اعتقده الناظر إليه متحللا عن الصلاة وخارجا عنها كما لو اشتغل بالخياطة والكتابة وغير ذلك والعمل القليل ما لا يعتقد الناظر مرتكبه خارجا عن الصلاة كتسوية ردائه ومسح شعره وليس لهذا التقدير أصل خاص يستند إليه وإنما استند إلى أصل كلي وهو أنه قد تقرر في كليات الشرع أن الصلاة مشروعة للخشوع
стр. 306
والخضوع فما دام الإنسان على هيئة الخشوع يعد مصليا وإذا انخرم ذلك لا يعد مصليا وقتل الجماعة بالواحد من هذا القبيل عند الشافعي ﵁ فإنه عدوان وحيف في صورته من حيث إن الله تعالى قيد الجزاء بالمثل فقال ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ ثم عدل أهل الإجماع عن الأصل المتفق عليه لحكمة كلية ومصلحة معقولة وذاك أن المماثلة لو روعيت ههنا لأفضى الأمر إلى سفك الدماء المفضي إلى الفناء إذ الغالب وقوع القتل بصفة الشركة فإن الواحد يقاوم الواحد غالبا
стр. 307
فعند ذلك يصير الحيف في هذا القتل عدلا عند ملاحظة العدل المتوقع منه والعدل فيه جور عند النظر إلى الجور المتوقع منه فقلنا بوجوب القتل دفعا لأعظم الظلمين بأيسرهما وهذه مصلحة لم يشهد لها أصل معين في الشرع ولا دل عليها نص كتاب ولا سنة بل هي مستندة إلى كلي الشرع وهو حفظ قانونه في حقن الدماء مبالغة في حسم مواد القتل واستبقاء جنس الإنس واحتج في ذلك بأن الوقائع الجزئية لا نهاية لها وكذلك أحكام الوقائع لا حصر لها والأصول الجزئية التي تقتبس منها المعاني والعلل محصورة متناهية المتناهي لا يفي بغير المتناهي فلا بد إذا من طريق آخر يتوصل بها إلى إثبات الأحكام الجزئية وهي التمسك بالمصالح المستندة إلى أوضاع الشرع ومقاصده على نحو كلي وإن لم يستند إلى أصل جزئي
стр. 308
وذهبت الحنفية والقاضي من أصحابنا إلى منع الاستدلال بجنس هذه المصلحة
стр. 309
واحتجوا في ذلك بأن الأصل أن لا يعمل بالظن لما فيه من خطر فوات الحق إذ الإنسان قد يظن الشيء مفسدة وهو مصلحة وقد يظنه مصلحة وهو مفسدة غير أنا صرنا إلى العمل به عند الاستناد إلى أصل خاص وهو الإجماع وبقينا فيما عدا ذلك على مقتضى الأصل فتفرع عن هذا الأصل أن القتل بالمثقل يوجب القصاص عند الشافعي ﵁ فإنه باب لو فتح لأتخذ طريقا إلى سفك الدماء وقد رأينا الشرع قتل الألف بواحد حسما لمواد القتل فوجب أن يقتل بالمثقل
стр. 310
حسما لمواد القتل ولهذه الحكمة وجب القصاص على المكره المتسبب في القتل فجعل الشافعي ﵁ قتل الجماعة بالواحد أصلا ثم ألحق به المثقل ثم ألحق به المكره على القتل ثم تدرج من الإكراه إلى شهود القصاص كل ذلك مبالغة في حقن الدماء
стр. 311
مسألة
ذهب الشافعي ﵀ إلى أن للعموم صيغة ولفظا يدل عليه لكن مع الاحتمال لا قطعا ويقينا فيوجب العمل دون العلم واحتج في ذلك بأن من قال ما من صيغة من صيغ العموم إلا ويحتمل أن يكون مراده المتكلم منها الخصوص فيمكن فيه شبهة عدم العموم مقارنا لوروده وإذا تطرق الاحتمال ذهب اليقين ودليل الاحتمال أمران أحدهما أن اللفظ العام قابل للتأكيد كقوله جاءني الرجال كلهم أجمعون ولولا أن فيه احتمالا لكان التأكيد زيادة عريه عن الفائدة الثاني أن قول القائل جاءنا الرجال كلهم يقين في الثلاثة
стр. 312
مشكوك في الزيادة فلا يحمل على المشكوك فيه قطعا ويقينا وإنما يحمل عليه مع الاحتمال ثم دليل الجواز من كتاب الله تعالى قال الله تعالى ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم﴾ وأراد به البعض وذهبت الحنفية إلى أن العموم ألفاظا شرعية وأوضاعا معلومة لا يدخلها التخصيص قطعا ويقينا احتجوا في ذلك بإجماع الصحابة رضوان الله عليهم وهو ما روي عن عمر ﵁ أنه قال لأبي بكر ﵁ لما هم بقتال مانعي الزكاة أليس قال ر سول الله ﷺ أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فاحتج بعموم لفظ الناس على أبي بكر ولم ينكر عليه أبو بكر ولا غيره هذا الاحتجاج بل عدل أبو بكر إلى الاستثناء وقال
стр. 313
ألم يقل إلا بحقها وكذلك عثمان ﵁ لما سمع قول الشاعر
وكل نعيم لا محالة زائل
قال كذب الشاعر فإن نعيم أهل الجنة لا يزول فلولا أن كلمة كل للعموم لما أنكر عثمان ذلك وأعلم أن الاستدلال بالإجماع من إثبات هذا المقصود مما لا سبيل لها فان إنما عرفنا كون الإجماع حجة الألفاظ عامة كقوله تعالى ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى﴾ الآية وكذلك قوله ﷺ لا تجتمع أمتي على الضلالة وكذلك قوله ﷺ ما استحسنه المسلمون فهو
стр. 314
عند الله حسن ومن منع الأصل منع الفرع وإذا عرفت هذا الأصل فأعلم أنه مبني على هذا الخلاف
стр. 315
مسألة
تخصيص عموم الكتاب بالقياس جائز عند الشافعي ﵁ واحتج في ذلك بأن القياس دليل شرعي معمول به فوجب أن يجوز التخصيص قياسا على خبر الواحد والكتاب ولأنا إذا خصصنا العموم بالقياس فقد عملنا بالدليلين جميعا أما إذا عرضنا عن القياس وجرينا على مقتضى عموم الكتاب والسنة أدى ذلك إلى العمل بأحد الدليلين وتعطيل الآخر وذهبت الحنفية إلى إنكار ذلك واحتجوا فيه بأن التخصيص نازل منزلة النسخ من حيث إن كل واحد منهما إسقاط لموجب
стр. 316
اللفظ غير إن النسخ إسقاط موجب اللفظ العام في بعض الأزمان والتخصيص إسقاط لموجب اللفظ في بعض الأعيان وهذا ضعيف فإن النسخ إسقاط والتخصيص بيان وإيضاح ولهذا لا يجوز اقتران الناسخ بالمنسوخ ويجوز اقتران الدليل المخصص باللفظ العام ويتفرع عن هذا الأصل أن مباح الدم إذا التجأ إلى الحرم لا يعصمه الالتجاء عند الشافعي ﵁ طردا للقياس الجلي وعندهم يعصمه ذلك لعموم قول الله تعالى ﴿ومن دخله كان آمنا﴾ فالشافعي ﵁ خصص عموم هذا النص بالقياس لقيام موجب الاستيفاء وبعد احتمال المانع
стр. 317
إذ لا مناسبة بين اللياذ إلى الحرم وإسقاط حقوق الآدميين المبنية على الشح والضنة والمضايقة كيف وقد ظهر إلغاؤه فيما إذا أنشأ القتل في الحرم وفي قطع الطرق وأبو حنيفة ﵁ لم يجوز تخصيص هذا العموم بالقياس وان كان جليا
стр. 318
مسألة
معتقد الشافعي ﵁ أن الحاصل مفعولا بإذن الشرع كالحاصل بإذن من له الحق من العباد واحتج في ذلك بأن الله تعالى خالق الخلق ومالكهم على الحقيقة وإنما تثبت الحقوق المضافة إلى العباد بإثبات الله تعالى إياها لهم ﴿ألا له الخلق والأمر﴾ فكان المأذون في فعله من قبل الله تعالى كالمأذون في فعله بإذن المستحق وقال أبو حنيفة ﵁ المفعول بإذن الشرع ينقسم إلى قسمين إلى ما يكلف المستوفى فعله ويؤمر به والى ما يخير فيه بين فعله وتركه فما كلف المستوفي فعله ينزل منزلة المستوفي بإذن حق المستحق حتى لا يشترط فيه سلامة العاقبة كالإمام إذا قطع يد السارق
стр. 319
وما خير فيه المستوفي بين فعله وتركه لا ينزل منزلة المأذون من قبل المستحق والفرق بينهما إن تكليف الفعل ينفي اشتراط السلامة فيما يتولد منه لأن الاحتراز عنه غير ممكن وأما التخيير بين فعل الشيء وتركه لا ينفي اشتراط السلامة لأن الاحتراز عنه ممكن ويتفرع عن هذا الأصل أن سراية القصاص غير مضمونة عند الشافعي ﵁ وصورتها ما إذا وجب القصاص على رجل في يده أو رجله فقطعت قصاصا فمات المقتص منه فإنه لا يضمن عندنا لأن الشرع أذن له في قطع يده من غير قضاء القاضي فصار كأن الجاني أذن له بنفسه ولو أذن له في القطع ثم سرى إلى النفس فإنه لا يضمن وفاقا
стр. 320
وعند أبي حنيفة ﵁ يضمن لأن الشرع أذن له في القطع بشرط سلامة العاقبة وهو مخير فيه بخلاف الإمام إذا قطع يد السارق فسرى إلى نفسه فإنه لا يضمن لكونه مكلفا فعله
следующие страницы →