← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6301

أصول السرخسي = تمهيد الفصول في الأصول - ت الأفغاني

شمس الأئمة السرخسي

Полный текст (724 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

قَائِما حكما فَأَما فِي الْمُكْره والنائم سَبَب الْعذر جَاءَ من جِهَة الْعباد وَالْحق فِي أَدَاء الصَّوْم لله فَلم يكن هَذَا فِي (معنى) سَبَب كَانَ مِمَّن لَهُ الْحق أَلا ترى أَن الْمَرِيض يُصَلِّي قَاعِدا ثمَّ لَا تلْزمهُ الْإِعَادَة إِذا برأَ والمقيد يُصَلِّي قَاعِدا ثمَّ تلْزمهُ الْإِعَادَة إِذا رفع الْقَيْد عَنهُ وعَلى هَذَا قَالَ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله الَّذِي شج فِي صلَاته لَا يَبْنِي بعد الْوضُوء وَالَّذِي ابْتُلِيَ بقيء أَو رُعَاف يَبْنِي على صلَاته بعد الْوضُوء لما أَن ذَلِك حكم معدول بِهِ عَن الْقيَاس بِالنَّصِّ فَلم يجز التَّعْلِيل فِيهِ وَمَا يبتنى على صنع الْعباد لَيْسَ نَظِير مَا لَا صنع للعباد من كل وَجه وَمن هَذِه الْجُمْلَة قُلْنَا حل الذَّبِيحَة مَعَ ترك التَّسْمِيَة نَاسِيا حكم معدول بِهِ عَن الْقيَاس بِالنَّصِّ فَلم يجز تَعْلِيله لتعدية الحكم إِلَى الْعَامِد وَلَا مُسَاوَاة بَينهمَا فالناسي مَعْذُور غير معرض عَن ذكر اسْم الله تَعَالَى والعامد جَان معرض عَن ذكر اسْم الله تَعَالَى على الذَّبِيحَة وَمن أَصْحَابنَا من ظن أَن المستحسنات كلهَا بِهَذِهِ الصّفة وَلَيْسَ كَمَا ظن فالمستحسن قد يكون معدولا بِهِ عَن الْقيَاس وَقد يكون ثَابتا بِنَوْع من الْقيَاس إِلَّا أَنه قِيَاس خَفِي على مَا نبينه فِي بَابه إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَمن أَصْحَابنَا من ظن أَن فِي الحكم الَّذِي يكون ثَابتا بِالنَّصِّ فِيهِ معنى مَعْقُول إِلَّا أَنه يُعَارض ذَلِك الْمَعْنى معَان أخر تخَالفه فَالْجَوَاب فِيهِ كَذَلِك إِلَّا أَنه لَا يجوز التَّعْلِيل فِيهِ وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِن الأَصْل بِمَنْزِلَة الرَّاوِي وَالْوَصْف الَّذِي بِهِ تعلل بِمَنْزِلَة الحَدِيث وَفِي رِوَايَة الْأَخْبَار قد يَقع التَّرْجِيح بِاعْتِبَار كَثْرَة الروَاة على مَا بَينا وَلَكِن بِهِ لَا يخرج من أَن تكون رِوَايَة الْوَاحِد مُعْتَبرا فَعرفنَا أَنه مَتى كَانَ النَّص مَعْقُول الْمَعْنى فَإِنَّهُ يجوز تَعْلِيله بذلك الْمَعْنى ليتعدى الحكم بِهِ إِلَى فرع وَإِن عَارض ذَلِك الْمَعْنى معَان أخر فِي الأَصْل فَإِنَّهُ لَيْسَ من شَرط التَّعْلِيل للتعدية اعْتِبَار جَمِيع مَعَاني الأَصْل وَأما الْفَصْل الثَّالِث فَهُوَ أعظم هَذِه الْوُجُوه فقها وأعمها نفعا وَهُوَ شَرط وَاحِد اسْما وَلَكِن يدْخل تَحْتَهُ أصُول

стр. 527

فَمِنْهَا أَن الْكَلَام مَتى كَانَ من معنى اللُّغَة فَإِنَّهُ لَا يجوز الْمصير فِيهِ إِلَى الْإِثْبَات بِالْقِيَاسِ الشَّرْعِيّ وَبَيَان هَذَا فِي الْيَمين الْغمُوس فَإِن علماءنا قَالُوا إِنَّهَا لَا تَنْعَقِد مُوجبَة لِلْكَفَّارَةِ لِأَنَّهَا لَيست بِيَمِين معقودة وَوُجُوب الْكَفَّارَة بِالنَّصِّ فِي الْيَمين المعقودة وَكَانَ الِاشْتِغَال فِي الحكم بِالتَّعْلِيلِ بقوله يَمِين بِاللَّه مَقْصُودَة بَاطِلا من الْكَلَام لِأَن الْكَلَام فِي إِثْبَات الِاسْم حَقِيقَة فعندنا هَذِه لَيست بِيَمِين حَقِيقَة وَإِنَّمَا سميت يَمِينا مجَازًا لِأَن ارْتِكَاب هَذِه الْكَبِيرَة كَانَ بِاسْتِعْمَال صُورَة الْيَمين كَبيع الْحر يُسمى بيعا مجَازًا وَإِن لم يكن بيعا على الْحَقِيقَة وَإِذا كَانَ الْكَلَام فِي إِثْبَات اسْم الْيَمين حَقِيقَة وَذَلِكَ لَا يُمكن مَعْرفَته بِالْقِيَاسِ الشَّرْعِيّ كَانَ الِاشْتِغَال بِهِ فضلا من الْكَلَام وَلَكِن طَرِيق مَعْرفَته التَّأَمُّل فِي أصُول أهل اللُّغَة وهم إِنَّمَا وضعُوا الْيَمين لتحقيق معنى الصدْق من الْخَبَر فَعرفنَا أَن مَا لَيْسَ فِيهِ توهم الصدْق بِوَجْه لَا يكون محلا للْيَمِين لخلوه عَن فَائِدَة وَبِدُون الْمحل لَا يتَصَوَّر انْعِقَاد الْيَمين وَلذَلِك قَالَ أَبُو حنيفَة فِي اللواطة إِنَّهَا لَا توجب الْحَد لِأَنَّهَا لَيست بزنا واشتغال الْخُصُوم بتعليل نَص الزِّنَا لتعدية الحكم أَو إِثْبَات الْمُسَاوَاة بَينه وَبَين اللواطة يكون فَاسِدا لِأَن طَرِيق معرفَة الِاسْم النّظر فِي مَوْضُوعَات أهل اللُّغَة لَا الأقيسة الشَّرْعِيَّة وَكَذَلِكَ سَائِر الْأَشْرِبَة سوى الْخمر لَا يجب الْحَد بِشرب الْقَلِيل مَا لم يسكر واشتغال الْخصم بتعليل نَص الْخمر لتعدية الحكم أَو لإِثْبَات الْمُسَاوَاة فَاسد لِأَن الْكَلَام فِي إِثْبَات هَذَا الِاسْم كَسَائِر الْأَشْرِبَة فَإِن قيل اعْتِبَار الْمَعْنى لإِثْبَات الْمُسَاوَاة فِي الِاسْم لُغَة لَا شرعا فالزنا عِنْد أهل اللُّغَة اسْم لفعل فِيهِ اقْتِضَاء الشَّهْوَة على قصد سفح المَاء دون النَّسْل وَلِهَذَا سموهُ سِفَاحًا وَسموا النِّكَاح إحصانا واللواطة مثل الزِّنَا فِي هَذَا الْمَعْنى من كل وَجه وَكَذَلِكَ الْخمر اسْم لعين تحصل مخامرة الْعقل

стр. 528

بشربه وَلِهَذَا لَا يُسمى الْعصير بِهِ قبل التخمر وَلَا بعد التخلل وَهَذِه الْأَشْرِبَة مُسَاوِيَة للخمر فِي هَذَا الْمَعْنى قُلْنَا هَذَا فَاسد لِأَن الْأَسْمَاء الْمَوْضُوعَة للأعيان أَو للأشخاص عِنْد أهل اللُّغَة الْمَقْصُود بهَا تَعْرِيف الْمُسَمّى وإحضاره بذلك الِاسْم لَا تحقق ذَلِك الْوَصْف فِي الْمُسَمّى بِمَنْزِلَة الْأَسْمَاء الْمَوْضُوعَة للرِّجَال وَالنِّسَاء كزيد وَعمر وَبكر وَمَا أشبهه فَكَذَلِك أَسمَاء الْأَفْعَال كَالزِّنَا واللواطة وَأَسْمَاء الْأَعْيَان كَالْخمرِ وَمَا هَذِه الدَّعْوَى إِلَّا نَظِير مَا يحْكى عَن بعض الموسوسين أَنه كَانَ يَقُول أَنا أبين الْمَعْنى فِي كل اسْم لُغَة أَنه لماذا وضع ذَلِك الِاسْم لُغَة لما يُسمى بِهِ فَقيل لَهُ لماذا يُسمى الجرجير جرجيرا فَقَالَ لِأَنَّهُ يتجرجر إِذا ظهر على وَجه الأَرْض أَي يَتَحَرَّك فَقيل لَهُ فلحيتك تتحرك أَيْضا وَلَا تسمى جرجيرا فَقيل لَهُ لماذا سميت القارورة قَارُورَة قَالَ لِأَنَّهُ يسْتَقرّ فِيهَا الْمَائِع فَقيل لَهُ فجوفك أَيْضا يسْتَقرّ فِيهِ الْمَائِع وَلَا يُسمى قَارُورَة وَلَا شكّ أَن الِاشْتِغَال بِمثل هَذَا فِي الْأَسْمَاء الْمَوْضُوعَة يكون من نوع الْجُنُون فَإِن قيل الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة إِنَّمَا تبتنى على الْأَسَامِي الثَّابِتَة شرعا وَذَلِكَ نوع من الْأَسَامِي لَا يعرفهُ أهل اللُّغَة كاسم الصَّلَاة للأركان الْمَعْلُومَة وَاسم الْمُنَافِق لبَعض الْأَشْخَاص وَمَا أشبه ذَلِك قُلْنَا الْأَسْمَاء الثَّابِتَة شرعا تكون ثَابِتَة بطرِيق مَعْلُوم شرعا كالأسماء الْمَوْضُوعَة لُغَة تكون ثَابِتَة بطرِيق يعرفهُ أهل اللُّغَة ثمَّ ذَلِك الِاسْم لَا يخْتَص بِعِلْمِهِ وَاحِد من أهل اللُّغَة بل يشْتَرك فِيهِ جَمِيع أهل اللُّغَة لاشتراكهم فِي طَرِيق مَعْرفَته فَكَذَلِك هَذَا الِاسْم يشْتَرك فِي مَعْرفَته جَمِيع من يعرف أَحْكَام الشَّرْع وَمَا يكون بطرِيق الاستنباط والرأي فَإِنَّمَا يعرفهُ القايس فَبِهَذَا يتَبَيَّن أَنه لَا يجوز إِثْبَات الِاسْم بِالْقِيَاسِ على أَي وَجه كَانَ وعَلى هَذَا لَا يجوز اسْتِعْمَال الْقيَاس فِي إِلْحَاق النباش بالسارق فِي حكم الْقطع لِأَن الْقطع بِالنَّصِّ وَاجِب على السَّارِق فَالْكَلَام فِي إِثْبَات اسْم السّرقَة حَقِيقَة وَقد قدمنَا الْبَيَان فِي نفي التَّسْوِيَة

стр. 529

بَين النباش وَالسَّارِق فِي فعل السّرقَة وَهَذَا لِأَن الْأَسْمَاء نَوْعَانِ حَقِيقَة ومجاز فطريق معرفَة الْحَقِيقَة هُوَ السماع من أهل اللُّغَة وَطَرِيق معرفَة الْمجَاز مِنْهُ الْوُقُوف على اسْتِعَارَة أهل اللُّغَة وَنحن نعلم أَن طَرِيق الِاسْتِعَارَة فِيمَا بَين أهل اللُّغَة غير طَرِيق التَّعْدِيَة فِي أَحْكَام الشَّرْع فَلَا يُمكن معرفَة هَذَا النَّوْع بِالتَّعْلِيلِ الَّذِي هُوَ لتعدية حكم الشَّرْع وعَلى هَذَا قُلْنَا الِاشْتِغَال بِالْقِيَاسِ لتصحيح اسْتِعَارَة أَلْفَاظ الطَّلَاق لِلْعِتْقِ يكون بَاطِلا وَإِنَّمَا نشتغل فِيهِ بِالتَّأَمُّلِ فِيمَا هُوَ طَرِيق الِاسْتِعَارَة عِنْد أهل اللُّغَة وَكَذَلِكَ الِاشْتِغَال بِالْقِيَاسِ لإِثْبَات الِاسْتِعَارَة فِي أَلْفَاظ التَّمْلِيك للنِّكَاح يكون اشتغالا بِمَا لَا معنى لَهُ وَكَذَلِكَ فِي إِثْبَات اسْتِعَارَة لفظ النّسَب لِلْعِتْقِ وَكَذَلِكَ الِاشْتِغَال بِالْقِيَاسِ فِي تَصْحِيح إِرَادَة الْعدَد من لفظ الطَّلَاق والاشتغال بِالْقِيَاسِ لإِثْبَات الْمُوَافقَة بَين الشَّاهِدين إِذا شهد أَحدهمَا بِمِائَة وَالْآخر بمائتين أَو شهد أَحدهمَا بتطليقة وَالْآخر بِنصْف تَطْلِيقَة فَإِنَّمَا يكون من نوع هَذَا (فالحاجة فِيهِ إِلَى إِثْبَات الِاسْم وَطَرِيق الْوُقُوف عَلَيْهِ التَّأَمُّل فِي طَرِيقه عِنْد أهل اللُّغَة) فَكَانَ الِاشْتِغَال بِالْقِيَاسِ الشَّرْعِيّ فِيهِ اشتغالا بِمَا لَا يُفِيد وَكَذَلِكَ الْإِطْعَام فِي الْكَفَّارَات فَإِن اشْتِرَاط التَّمْلِيك فِيهِ بِالْقِيَاسِ على الْكسْوَة بَاطِل لِأَن الْكَلَام فِي معنى الْإِطْعَام الْمَنْصُوص عَلَيْهِ وَلَا مدْخل للْقِيَاس الشَّرْعِيّ فِي معرفَة معنى الِاسْم لُغَة وَإِنَّمَا الطَّرِيق فِيهِ التَّأَمُّل فِي معنى اللَّفْظ لُغَة وَهُوَ فعل مُتَعَدٍّ فلازمه طعم وَحَقِيقَته فِيمَا يصير الْمِسْكِين بِهِ طاعما وَذَلِكَ بالتمكين من الْإِطْعَام بِمَنْزِلَة الإيكال ثمَّ يجوز التَّمْلِيك فِيهِ بِدلَالَة النَّص فَأَما الْكسْوَة فَهُوَ عبارَة عَن الملبوس دون فعل اللّبْس وَدون مَنْفَعَة الثَّوْب وَعين الملبوس لَا يصير كَفَّارَة إِلَّا بالتمليك من الْمِسْكِين فَأَما الإلباس فَهُوَ تَمْكِين من الِانْتِفَاع بالملبوس وَمن هَذِه الْجُمْلَة الِاخْتِلَاف فِي شَرط التَّعْدِيَة وَالْمذهب عندنَا أَن تَعْلِيل النَّص بِمَا لَا يتَعَدَّى لَا يجوز أصلا وَعند الشَّافِعِي هَذَا التَّعْلِيل جَائِز وَلكنه لَا يكون مقايسة وعَلى هَذَا جوز هُوَ تَعْلِيل نَص الرِّبَا فِي الذَّهَب وَالْفِضَّة

стр. 530

بالثمينة وَإِن كَانَت لَا تتعدى فَنحْن لَا نجوز ذَلِك وَالْمذهب عندنَا أَن حكم التَّعْلِيل هُوَ تَعديَة حكم الأَصْل إِلَى الْفُرُوع وكل تَعْلِيل لَا يُفِيد ذَلِك فَهُوَ خَال عَن حكمه وعَلى قَوْله حكم التَّعْلِيل ثُبُوت الحكم فِي الْمَنْصُوص بِالْعِلَّةِ ثمَّ تتعدى تِلْكَ الْعلَّة إِلَى الْفُرُوع تَارَة فَيثبت بهَا الحكم فِي الْفُرُوع كَمَا فِي الأَصْل وَتارَة لَا تتعدى فَيبقى الحكم فِي الأَصْل ثَابتا وَبِه يكون ذَلِك تعليلا مُسْتَقِيمًا بِمَنْزِلَة النَّص الَّذِي هُوَ عَام مَعَ النَّص الَّذِي هُوَ خَاص احْتج وَقَالَ لِأَن التَّعْلِيل بِالرَّأْيِ حجَّة لإِثْبَات حكم الشَّرْع فَيكون بِمَنْزِلَة سَائِر أَنْوَاع الْحجَج وَسَائِر الْحجَج من الْكتاب وَالسّنة أَيْنَمَا وجدت يثبت الحكم بهَا فَكَذَلِك التَّعْلِيل بِالرَّأْيِ إِلَّا أَن سَائِر الْحجَج تكون ثَابت بِغَيْر صنع منا وَالتَّعْلِيل بِالرَّأْيِ إِنَّمَا يحصل بصنعنا وَمَتى وجد ذَلِك كَانَ ثُبُوت الحكم مُضَافا إِلَيْهِ سَوَاء تعدى إِلَى الْفُرُوع أَو لم يَتَعَدَّ وَهَذَا لِأَن الشَّرْط فِي الْوَصْف الَّذِي يتعلل الأَصْل بِهِ قيام دلَالَة التَّمْيِيز بَينه وَبَين سَائِر الْأَوْصَاف وَهَذَا الْمَعْنى يتَحَقَّق فِي الْوَصْف الَّذِي يقْتَصر على مَوضِع النَّص وَفِي الْوَصْف الَّذِي يتَعَدَّى إِلَى مَحل آخر وَبعد مَا وجد فِيهِ شَرط صِحَة التَّعْلِيل بِهِ لَا يثبت الْحجر عَن التَّعْلِيل بِهِ إِلَّا بمانع فكونه غير مُتَعَدٍّ لَا يصلح أَن يكون مَانِعا إِنَّمَا الْمَانِع مَا يُخرجهُ من أَن يكون حجَّة وانعدام وصف التَّعَدِّي فِيهِ لَا يُخرجهُ من أَن يكون حجَّة كالنص وَالْجَوَاب عَن هَذَا الْكَلَام بِمَا هُوَ الْحجَّة لنا وَهُوَ أَن الْحجَج الشَّرْعِيَّة لَا بُد أَن تكون مُوجبَة علما أَو عملا وَالتَّعْلِيل بِالرَّأْيِ لَا يُوجب الْعلم بالِاتِّفَاقِ فَعرفنَا أَنه مُوجب للْعَمَل وَأَنه بِاعْتِبَارِهِ يصير حجَّة والموجب للْعَمَل مَا يكون مُتَعَدِّيا إِلَى الْفُرُوع لِأَن وجوب الْعَمَل بِالْعِلَّةِ إِنَّمَا يظْهر فِي الْفَرْع فَأَما الأَصْل فقد كَانَ مُوجبا للْعَمَل فِي الْمحل الَّذِي تنَاوله قبل التَّعْلِيل فَإِذا خلا عَن التَّعْلِيل لم يكن مُوجبا شَيْئا فَلَا يكون حجَّة شرعا

стр. 531

فَإِن قيل وجوب الْعَمَل فِي الأَصْل بعد أَن التَّعْلِيل يصير مُضَافا إِلَى الْعلَّة كَمَا أَن فِي الْفَرْع بعد التَّعْدِيَة يصير وجوب الْعَمَل مُضَافا إِلَى الْعلَّة قُلْنَا هَذَا فَاسد لِأَن قبل التَّعْلِيل كَانَ وجوب الْعَمَل بِالنَّصِّ وَالتَّعْلِيل لَا يجوز على وَجه يكون مغيرا حكم الأَصْل فَكيف يجوز على وَجه يكون مُبْطلًا حكم الأَصْل وَهُوَ إِضَافَة وجوب الْعَمَل إِلَيْهِ أَلا ترى أَن وجوب الْعَمَل بِهِ لما كَانَ مُضَافا إِلَى النَّص قبل التَّعْلِيل بَقِي مُضَافا إِلَيْهِ بعد التَّعْلِيل وَبِه يتَبَيَّن أَن النَّص أقوى والضعيف لَا يظْهر فِي مُقَابلَة الْقوي فَيكون الحكم وَهُوَ وجوب الْعَمَل فِي الأَصْل مُضَافا إِلَى أقوى الحجتين وَهُوَ النَّص بعد التَّعْلِيل كَمَا كَانَ قبله واعتباره الأَصْل بالفرع فِي أَن الحكم فِيهِ يكون مُضَافا إِلَى الْعلَّة فِي نِهَايَة الْفساد لِأَن الْفَرْع يعْتَبر الأَصْل فَأَما الأَصْل لَا يعْتَبر بالفرع فِي معرفَة حكمه بِحَال فَإِن قيل مَعَ هَذَا التَّعْلِيل صَحِيح ليثبت بِهِ تَخْصِيص الأَصْل بذلك الحكم قُلْنَا وَهَذَا ثَابت قبل التَّعْلِيل بِالنَّصِّ ثمَّ تَعْلِيل الأَصْل بِوَصْف لَا يتَعَدَّى لَا يمْنَع تَعْلِيله بِوَصْف آخر يتَعَدَّى إِذا وجد فِيهِ مَا هُوَ شَرط الْعلَّة لِأَنَّهُ كَمَا يجوز أَن يجْتَمع فِي الأَصْل وصفان كل وَاحِد مِنْهُمَا يتَعَدَّى إِلَى فروع وَأَحَدهمَا أَكثر تَعديَة من الآخر يجوز أَن يجْتَمع وصفان يتَعَدَّى أَحدهمَا وَلَا يتَعَدَّى الآخر فَبِهَذَا تبين أَن هَذَا التَّعْلِيل لَا يُوجب تَخْصِيص الأَصْل أَيْضا وَكَيف يُقَال هَذَا وبالإجماع بَيْننَا وَبَينه انعدام الْعلَّة لَا يُوجب انعدام الحكم على مَا نبينه فِي بَابه إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَإِنَّمَا يكون التَّعْلِيل بِمَا لَا يتَعَدَّى مُوجبا تَخْصِيص الأَصْل إِذا كَانَ الحكم يَنْعَدِم بانعدام الْعلَّة كَمَا يُوجد بوجودها وَمن هَذِه الْجُمْلَة تَعْلِيل الأَصْل لتعدية الحكم إِلَى مَوضِع مَنْصُوص فَإِن ذَلِك لَا يجوز عندنَا نَص عَلَيْهِ مُحَمَّد السّير الْكَبِير وَقَالَ النَّص الْوَارِد فِي هدي الْمُتْعَة لَا يجوز تَعْلِيله لتعدية حكم الصَّوْم فِيهِ إِلَى هدي الْإِحْصَار لِأَن ذَلِك مَنْصُوص عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يُقَاس بِالرَّأْيِ على الْمَنْصُوص وَلَا يُقَاس الْمَنْصُوص

стр. 532

على الْمَنْصُوص وَالشَّافِعِيّ يجوز هَذَا التَّعْلِيل لإِثْبَات زِيَادَة فِي حكم النَّص الآخر بِالتَّعْلِيلِ وَلِهَذَا قَالَ يجوز تَعْلِيله على وَجه يُوجب زِيَادَة فِي حكم النَّص الآخر لَا على وَجه يُوجب مَا هُوَ خلاف حكم النَّص الآخر لِأَن وجوب الزِّيَادَة بِهِ إِذا كَانَ النَّص الآخر ساكتا عَنهُ يكون بَيَانا وَالْكَلَام وَإِن كَانَ ظَاهرا فَهُوَ يحْتَمل زِيَادَة الْبَيَان وَلكنه لَا يحْتَمل من الحكم مَا هُوَ خلاف مُوجبه وَالتَّعْلِيل ليحصل بِهِ زِيَادَة الْبَيَان فَلهَذَا جَوَّزنَا تَعْلِيل النَّص بِوَصْف يتَعَدَّى إِلَى مَا فِيهِ نَص آخر لإِثْبَات الزِّيَادَة فِيهِ وَلَكنَّا نقُول الحكم الثَّابِت بِالتَّعْلِيلِ فِي الْمحل الَّذِي فِيهِ نَص إِمَّا أَن يكون مُوَافقا للْحكم الثَّابِت فِيهِ بذلك النَّص أَو مُخَالفا لَهُ وَعند الْمُوَافقَة لَا يُفِيد هَذَا التَّعْلِيل شَيْئا لِأَن الحكم فِي ذَلِك الْموضع مُضَاف إِلَى النَّص الْوَارِد فِيهِ فَلَا يصير بتعليل نَص آخر مُضَافا إِلَى الْعلَّة كَمَا لَا يصير الحكم فِي النَّص الْمَعْلُول مُضَافا إِلَى الْعلَّة بعد التَّعْلِيل كَمَا قَررنَا وَإِن كَانَ مُخَالفا لَهُ فَهُوَ بَاطِل لِأَن التَّعْلِيل فِي مُعَارضَة النَّص أَو فِيمَا يبطل حكم النَّص بَاطِل بالِاتِّفَاقِ وَإِن كَانَ زَائِدا فِيهِ فَهُوَ مغير أَيْضا بِحكم ذَلِك النَّص لِأَن جَمِيع الحكم قبل التَّعْلِيل فِي ذَلِك الْموضع مَا أوجبه النَّص الْوَارِد فِيهِ وَبعد التَّعْلِيل يصير بعضه وَالْبَعْض غير الْكل فَعرفنَا أَنه لَا يَخْلُو هَذَا التَّعْلِيل من أَن يكون مغيرا حكم النَّص وَتبين بِهَذَا أَن الْكَلَام فِي هَذَا الْفَصْل بِنَاء على مَا قدمنَا أَن الزِّيَادَة على النَّص عندنَا بِمَنْزِلَة النّسخ فَكَمَا لَا يجوز إِثْبَات نسخ الْمَنْصُوص بِالتَّعْلِيلِ بِالرَّأْيِ فَكَذَلِك لَا يجوز إِثْبَات الزِّيَادَة فِيهِ ثمَّ بَيَان قَوْلنَا إِن شَرط التَّعْلِيل تَعديَة حكم النَّص بِعَيْنِه فِي مواضيع مِنْهَا أَنا لَا نجوز تَعْلِيل نَص الرِّبَا فِي الْأَشْيَاء الْأَرْبَعَة بالطعم لِأَن الحكم فِي النُّصُوص كلهَا إِثْبَات حُرْمَة متناهية بالتساوي وَصفَة الطّعْم توجب تَعديَة الحكم إِلَى محَال تكون الْحُرْمَة فِيهَا مُطلقَة غير متناهية وَهِي المطعومات الَّتِي لَا تدخل تَحت المعيار فَعرفنَا أَن هَذَا الْوَصْف لَا يُوجب تَعديَة حكم النَّص بِعَيْنِه إِذْ الْحُرْمَة المتناهية غير الْحُرْمَة المؤبدة أَلا ترى أَن الْحُرْمَة الثَّابِتَة بِالرّضَاعِ والمصاهرة غير الْحُرْمَة الثَّابِتَة بالتطليقات الثَّلَاث وَلِهَذَا قُلْنَا

стр. 533

إِن النُّقُود لَا تتَعَيَّن فِي الْعُقُود بِالتَّعْيِينِ بِخِلَاف مَا يَقُوله الشَّافِعِي إِنَّهَا متعينة فِي الْملك وتعيينها فِي العقد مُفِيد فتتعين بِالتَّعْيِينِ كالسلع وَهَذَا لِأَن هَذَا التَّعْلِيل لَا يُوجب تَعديَة حكم الأَصْل بِعَيْنِه فَحكم البيع فِي السّلع وجوب الْملك بِهِ فِيهَا لَا وجودهَا فِي نَفسهَا وَلِهَذَا لَا بُد من قِيَامهَا فِي ملك البَائِع عِنْد العقد ليَصِح العقد وَحكم العقد فِي الثّمن وُجُوبهَا ووجودها بِالْعقدِ وَلِهَذَا لَا يشْتَرط قيام الثّمن فِي ملك المُشْتَرِي عِنْد العقد لصِحَّة العقد وَيجوز العقد بِدُونِ تَعْيِينه لَا على اعْتِبَار أَنه بِمَنْزِلَة السّلع وَلَكِن يسْقط اعْتِبَار وجوده بطرِيق الرُّخْصَة فَإِن هَذَا الحكم فِيمَا وَرَاء مَوضِع الرُّخْصَة ثَابت حَتَّى يجوز الِاسْتِبْدَال بِهِ قبل الْقَبْض وَلَا يجب جبر النَّقْص المتمكن فِيهِ عِنْد عدم التَّعْيِين بِذكر الْأَجَل وَلَا بِقَبض مَا يُقَابله فِي الْمجْلس بِخِلَاف السّلم فَعرفنَا أَن الحكم الْأَصْلِيّ فِي الثّمن مَا بَينا وَفِي التَّعْيِين تَغْيِير لذَلِك الحكم وَجعل مَا هُوَ الرُّكْن شرطا وَأي التَّغْيِير أبلغ من هَذَا فَتبين بِهَذَا أَنه لَيْسَ فِي هَذَا التَّعْلِيل تَعديَة حكم النَّص بِعَيْنِه بل إِثْبَات حكم آخر فِي الْفَرْع وَلِهَذَا قُلْنَا إِن إِظْهَار الذِّمِّيّ بَاطِل لِأَن حكم الظِّهَار فِي حق الْمُسلم أَنه يثبت بِهِ حُرْمَة متناهية بِالْكَفَّارَةِ فتعليل هَذَا الأَصْل بِمَا يُوجب تَعديَة الحكم إِلَى الذِّمِّيّ يكون بَاطِلا لِأَنَّهُ لَا يثبت بِهِ حكم الأَصْل بِعَيْنِه وَهُوَ الْحُرْمَة المتناهية فَإِن الذِّمِّيّ لَيْسَ من أهل الْكَفَّارَة مُطلقًا وَبَيَان قَوْلنَا إِلَى فرع هُوَ نَظِيره فِي فُصُول مِنْهَا مَا بَينا أَنه لَا يجوز تَعْلِيل النَّص الْوَارِد فِي النَّاسِي بالعذر ليتعدى الحكم بِهِ إِلَى الخاطىء وَالْمكْره لِأَن الْفَرْع لَيْسَ بنظير للْأَصْل فعذرهما دون عذر النَّاسِي فِيمَا هُوَ الْمَقْصُود بالحكم لِأَن عذر الخاطىء لَا يَنْفَكّ عَن تَقْصِير من جِهَته بترك الْمُبَالغَة فِي التَّحَرُّز وَعذر الْمُكْره بِاعْتِبَار صنع هُوَ مُضَاف إِلَى الْعباد فَلَا تجوز تَعديَة الحكم للتَّعْلِيل إِلَى مَا لَيْسَ بنظير بِهِ وَكَذَلِكَ قُلْنَا شَرط النِّيَّة فِي التَّيَمُّم لَا يجوز تَعْلِيله بِأَنَّهُ طَهَارَة حكمِيَّة ليتعدى الحكم بِهِ إِلَى الْوضُوء فَإِن الْفَرْع لَيْسَ بنظير الأَصْل فِي كَونه طَهَارَة لِأَن التَّيَمُّم بِاعْتِبَار الأَصْل تلويث وَهُوَ لَا يكون رَافعا للْحَدَث بِيَقِين بِخِلَاف الطَّهَارَة بِالْمَاءِ وَلِهَذَا أَمْثِلَة كَثِيرَة

стр. 534

فَإِن قيل فقد أوجبتم الْكَفَّارَة بِالْأَكْلِ وَالشرب فِي رَمَضَان على طَرِيق تَعديَة حكم النَّص الْوَارِد فِي الْجِمَاع إِلَيْهِ مَعَ أَن الْأكل وَالشرب لَيْسَ بنظير للجماع لما فِي الْجِمَاع من الْجِنَايَة على مَحل الْفِعْل وَلِهَذَا يتَعَلَّق بِهِ الْحَد رجما فِي غير الْملك وَذَلِكَ لَا يُوجد فِي الْأكل وَالشرب وأثبتم حُرْمَة الْمُصَاهَرَة بِالزِّنَا بطرِيق تَعديَة الحكم من الْوَطْء الْحَلَال إِلَيْهِ وَهُوَ لَيْسَ بنظير لَهُ فَلِأَن الأَصْل حَلَال يثبت بِهِ النّسَب وَالزِّنَا حرَام لَا يثبت بِهِ النّسَب وَكَذَلِكَ أثبتم الْملك الَّذِي هُوَ حكم البيع بِالْغَصْبِ وَهُوَ لَيْسَ بنظير لَهُ فَالْبيع مَشْرُوع وَالْغَصْب عدوان مَحْض وَهُوَ ضد الْمَشْرُوع قُلْنَا أما فِي مَسْأَلَة الْكَفَّارَة فَنحْن مَا أَوجَبْنَا الْكَفَّارَة بطرِيق التَّعْلِيل بِالرَّأْيِ فَكيف يُقَال هَذَا وَمن أصلنَا أَن إِثْبَات الْكَفَّارَات بِالْقِيَاسِ لَا يجوز خُصُوصا فِي كَفَّارَة الْفطر فَإِنَّهَا تنْزع إِلَى الْعُقُوبَات كالحد وَلَكِن إِنَّمَا أَوجَبْنَا الْكَفَّارَة بِالنَّصِّ الْوَارِد بِلَفْظ الْفطر وَهُوَ قَوْله ﵇ من أفطر فِي رَمَضَان فَعَلَيهِ مَا على الْمظَاهر ثمَّ قد بَينا أَنَّهُمَا نظيران فِي حكم الصَّوْم فَإِن ركن الصَّوْم هُوَ الْكَفّ عَن اقْتِضَاء الشهوتين وَوُجُوب الْكَفَّارَة بِاعْتِبَار الْجِنَايَة على الصَّوْم بتفويت رُكْنه على أبلغ الْوُجُوه لَا بِاعْتِبَار الْجِنَايَة على الْمحل وَفِي الْجِنَايَة على الصَّوْم هما سَوَاء وَوُجُوب الْكَفَّارَة بِاعْتِبَار الْفطر (المفوت) لركن الصَّوْم صُورَة وَمعنى وَالْجِمَاع آلَة لذَلِك كَالْأَكْلِ وَالشرب وَمَا هَذَا إِلَّا نَظِير إِيجَاب الْقصاص فِي الْقَتْل بِالسَّهْمِ وَالسيف فَإِن الْقصاص يجب بِالْقَتْلِ الْعمد وَالسيف آلَة لذَلِك الْفِعْل كالسهم فَلَا يكون ذَلِك بطرِيق تَعديَة الحكم من مَحل إِلَى مَحل إِنَّمَا التَّعْدِيَة فِيمَا قَالَه الْخصم إِن الْكَفَّارَة تجب بجماع الْميتَة والبهيمة وَعِنْدنَا هَذَا التَّعْلِيل بَاطِل لِأَن جماع الْميتَة والبهيمة لَيْسَ نَظِير جماع الْأَهْل فِي تَفْوِيت ركن الصَّوْم فَإِن فَوَات الرُّكْن معنى بِمَا تميل إِلَيْهِ الطباع السليمة لقصد قَضَاء الشَّهْوَة وَذَلِكَ يخْتَص بِمحل مشتهى وَفرج الْميتَة والبهيمة لَيْسَ بِهَذِهِ الصّفة فَكَانَ هَذَا تعليلا لتعدية الحكم إِلَى مَا لَيْسَ

стр. 535

بنظير للْأَصْل فَكَانَ بَاطِلا فَأَما مَسْأَلَة الزِّنَا فَالْأَصْل فِي ثُبُوت الْحُرْمَة لَيْسَ هُوَ الْوَطْء بِالْوَلَدِ الَّذِي يتخلق من الماءين إِذا اجْتمعَا فِي الرَّحِم لِأَنَّهُ من جملَة الْبشر لَهُ من الحرمات مَا لغيره من بني آدم ثمَّ تتعدى تِلْكَ الْحُرْمَة إِلَى الزَّوْجَيْنِ بِاعْتِبَار أَن انخلاق الْوَلَد كَانَ من مائهما فَيثبت معنى الِاتِّحَاد بَينهمَا بِوَاسِطَة الْوَلَد فَيصير أمهاتها وبناتها فِي الْحُرْمَة عَلَيْهِ كأمهاته وَبنَاته وَيصير آباؤه وأبناؤه فِي كَونهَا مُحرمَة عَلَيْهِم كآبائها وأبنائها ثمَّ يُقَام مَا هُوَ السَّبَب لِاجْتِمَاع الماءين فِي الرَّحِم وَهُوَ الْوَطْء مقَام حَقِيقَة الِاجْتِمَاع لإِثْبَات هَذِه الْحُرْمَة وَذَلِكَ بِوَطْء يخْتَص بِمحل الْحَرْث وَلَا مُعْتَبر بِصفة الْحل فِي هَذَا الْمَعْنى وَلَا أثر لحُرْمَة الْوَطْء فِي منع هَذَا الْمَعْنى الَّذِي لأَجله أقيم هَذَا السَّبَب مقَام مَا هُوَ الأَصْل فِي إِثْبَات الْحُرْمَة إِلَّا أَن إِقَامَة السَّبَب مقَام مَا هُوَ الأَصْل فِيمَا يكون مَبْنِيا على الِاحْتِيَاط وَهُوَ الْحُرْمَة وَالنّسب لَيْسَ بنظيره فِي معنى الِاحْتِيَاط فَلهَذَا لَا يُقَام الْوَطْء مُطلقًا مقَام مَا هُوَ الأَصْل حَقِيقَة فِي إِثْبَات النّسَب وَلَا يدْخل على هَذَا أَن هَذِه الْحُرْمَة لَا تتعدى إِلَى الْأَخَوَات والعمات على أَن يَجْعَل أخواتها كأخواته فِي حَقه لِأَن أصل الْحُرْمَة لَا يُمكن إثْبَاته بِالتَّعْلِيلِ بِالرَّأْيِ وَإِنَّمَا يثبت بِالنَّصِّ وَالنَّص مَا ورد بامتداد هَذِه الْحُرْمَة إِلَى الْأَخَوَات والعمات فتعدية الْحُرْمَة إِلَيْهِمَا تكون تغييرا لحكم النَّص وَقد بَينا أَن ذَلِك لَا يجوز بِالتَّعْلِيلِ وعَلى هَذَا فصل الْغَصْب فَإنَّا لَا نوجب الْملك بِهِ حكما للغصب كَمَا نوجبه بِالْبيعِ وَإِنَّمَا نثبت الْملك بِهِ شرطا للضَّمَان الَّذِي هُوَ حكم الْغَصْب وَذَلِكَ الضَّمَان حكم مَشْرُوع كَالْبيع وَكَون الأَصْل مَشْرُوعا يَقْتَضِي أَن يكون شَرطه مَشْرُوعا وَبَيَان قَوْلنَا وَلَا نَص فِيهِ فِي فُصُول مِنْهَا أَنا لَا نجوز القَوْل بِوُجُوب الْكَفَّارَة فِي الْقَتْل الْعمد بِالْقِيَاسِ على الْقَتْل الْخَطَأ لِأَنَّهُ تَعْلِيل الأَصْل لتعدية الحكم إِلَى فرع فِيهِ نَص على حِدة وَلَا نجوز القَوْل بِوُجُوب الدِّيَة فِي الْعمد الْمَحْض بِالْقِيَاسِ على الْخَطَأ لهَذَا الْمَعْنى وَلَا نوجب الْكَفَّارَة فِي الْيَمين الْغمُوس بِالْقِيَاسِ على الْيَمين المعقودة على أَمر فِي الْمُسْتَقْبل لهَذَا الْمَعْنى أَيْضا وَلَا نشترط صفة الْإِيمَان فِيمَن تصرف إِلَيْهِ الصَّدقَات سوى الزَّكَاة بِالْقِيَاسِ على الزَّكَاة

стр. 536

لما فِيهِ من تَعْلِيل الأَصْل لتعدية الحكم إِلَى مَا فِيهِ نَص آخر وَلَا نشترط الْإِيمَان فِي الرَّقَبَة فِي كَفَّارَة الظِّهَار وَالْيَمِين بِالْقِيَاسِ على كَفَّارَة الْقَتْل لِأَن فِيهِ تَعْلِيل الأَصْل لتعدية الحكم بِهِ إِلَى مَحل فِيهِ نَص آخر وَفِيه تعرض لحكم النَّص الآخر بالتغيير فَإِن الْإِطْلَاق غير التَّقْيِيد وَبعد مَا ثبتَتْ الرَّقَبَة مُطلقًا فِي كَفَّارَة الْيَمين وَالظِّهَار فإثبات التَّقْيِيد فِيهِ بِالْإِيمَان يكون تغييرا كَمَا أَن إِثْبَات صفة الْإِطْلَاق فِي الْمُقَيد يكون تغييرا فَإِن الْحُرْمَة فِي الربائب لما تقيدت بِالدُّخُولِ كَانَ تَعْلِيل أُمَّهَات النِّسَاء لإِثْبَات صفة الْإِطْلَاق فِي حُرْمَة الربائب يكون تغييرا لَا يجوز الْمصير إِلَيْهِ بِالرَّأْيِ فَكَذَلِك إِثْبَات التَّقْيِيد فِيمَا كَانَ مُطلقًا بِالنَّصِّ وَبَيَان الْفَصْل الرَّابِع وَهُوَ مَا قُلْنَا إِن الشَّرْط أَن يبْقى حكم النَّص بعد التَّعْلِيل فِي الأَصْل على مَا كَانَ قبله فَلِأَنَّهُ لما ثَبت أَن التَّعْلِيل لَا يجوز أَن يكون مغيرا حكم النَّص فِي الْفُرُوع ثَبت بِالطَّرِيقِ الأولى أَنه لَا يجوز أَن يكون مغيرا حكم الأَصْل فِي نَفسه فَفِي كل مَوضِع لَا يبْقى الحكم فِي الْمَنْصُوص بعد التَّعْلِيل على مَا كَانَ قبله فَذَلِك التَّعْلِيل يكون بَاطِلا لكَونه مغيرا لحكم الأَصْل وَلِهَذَا لم نجوز التَّعْلِيل فِي قبُول شَهَادَة الْمَحْدُود فِي الْقَذْف بعد التَّوْبَة بِالْقِيَاسِ على الْمَحْدُود فِي سَائِر الجرائم بعلة أَنه مَحْدُود فِي كَبِيرَة لِأَن بعد هَذَا التَّعْلِيل لَا يبْقى حكم النَّص الْوَارِد فِيهِ على مَا كَانَ قبله فَإِن قيل هَذَا التَّعْلِيل يكون هُوَ سَاقِط الشَّهَادَة بِالنَّصِّ أبدا وَيكون ذَلِك متمما لحده وَبعد التَّعْلِيل يتَغَيَّر هَذَا الحكم فَإِن الْجلد قبل هَذَا التَّعْلِيل يكون بعض الْحَد فِي حَقه وَبعده يكون تَمام الْحَد فَيكون تغييرا على نَحْو مَا قُلْنَا فِي التَّغْرِيب إِن الْجلد إِذا لم يضم إِلَيْهِ التَّغْرِيب فِي زنا الْبكر يكون حدا كَامِلا وَإِذا ضم إِلَيْهِ التَّغْرِيب يكون بعض الْحَد وَكَذَلِكَ تَعْلِيل الشَّافِعِي فِي إبِْطَال شَهَادَته بِنَفس الْقَذْف بِالْقِيَاسِ على سَائِر الجرائم بَاطِل لِأَنَّهُ تَغْيِير للْحكم بِالنَّصِّ فَإِن مُدَّة الْعَجز عَن إِقَامَة أَرْبَعَة من الشُّهَدَاء بعد الْقَذْف ثَابت بِالنَّصِّ لإِقَامَة

стр. 537

الْجلد وَإِسْقَاط الشَّهَادَة فَكَانَ إثْبَاته بِنَفس الْقَذْف بِدُونِ اعْتِبَار تِلْكَ الْمدَّة بطرِيق التَّعْلِيل بَاطِلا لِأَن حكم النَّص لَا يبْقى بعد التَّعْلِيل على مَا كَانَ قبله وَكَذَلِكَ القَوْل بِسُقُوط شَهَادَة الْفَاسِق أصلا بِالْقِيَاسِ على الْمَحْدُود فِي الْقَذْف أَو على العَبْد وَالصَّبِيّ بَاطِل لِأَن الحكم الثَّابِت بِالنَّصِّ فِي حق الْفَاسِق التَّوَقُّف فِي شَهَادَته وَبعد تعْيين جِهَة الْبطلَان فِيهِ لَا يبْقى التَّوَقُّف فَحكم النَّص بعد هَذَا التَّعْلِيل لَا يبْقى على مَا كَانَ قبله وَكَذَلِكَ قُلْنَا الْفرْقَة بَين الزَّوْجَيْنِ لَا تقع بِلعان الزَّوْج لِأَن الحكم الثَّابِت بِالنَّصِّ اللّعان من الْجَانِبَيْنِ وَهِي شَهَادَات مُؤَكدَة بالأيمان وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُوجب الْفرْقَة بَينهمَا وَقد ثَبت بِالنَّصِّ أَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ أبدا وَذَلِكَ أَيْضا لَا يَقْتَضِي زَوَال الْملك بِهِ كَمَا بعد إِسْلَام الْمَرْأَة قبل إِسْلَام الزَّوْج فإثبات حكم الْفرْقَة بِقَذْف الزَّوْج عِنْد لِعَانه لَا يجوز بطرِيق التَّعْلِيل لِأَنَّهُ لَا يبْقى حكم النَّص بعد هَذَا التَّعْلِيل على مَا كَانَ قبله فَقبله الْمَذْكُور جَمِيع الحكم وَبعده يكون بعض الحكم إِلَّا أَن بعد مَا فرغا من اللّعان يتَحَقَّق فَوَات الْإِمْسَاك بِالْمَعْرُوفِ مَا داما مصرين على ذَلِك وَاسْتِحْقَاق الْفرْقَة عِنْد فَوَات الْإِمْسَاك بِالْمَعْرُوفِ يثبت مَوْقُوفا على قَضَاء القَاضِي بِهِ كَمَا بعد إِسْلَام أحد الزَّوْجَيْنِ إِذا أَبى الآخر الْإِسْلَام وَكَذَلِكَ قُلْنَا إِذا كذب الْملَاعن نَفسه وَضرب الْحَد جَازَ لَهُ أَن يَتَزَوَّجهَا لِأَن الثَّابِت بِالنَّصِّ أَن المتلاعنين لَا يَجْتَمِعَانِ أبدا وَبعد الإكذاب لَا يكون متلاعنا بِدَلِيل أَنه يُقَام عَلَيْهِ حد الْقَذْف فَلَا يجْتَمع اللّعان وَالْحَد بِقَذْف وَاحِد فَمن ضَرُورَة القَوْل بِإِقَامَة الْحَد عَلَيْهِ أَن لَا يبْقى ملاعنا وَلِهَذَا لَو أكذب نَفسه قبل اللّعان فَإِنَّهُ يُقَام الْحَد عَلَيْهِ وَلَا يلاعنها فَإِذا خرج من أَن يكون ملاعنا بإكذابه نَفسه قُلْنَا إِن كَانَ قبل قَضَاء قَاضِي بالفرقة لم يفرق بَينهمَا وَإِن كَانَ بعد الْقَضَاء جَازَ لَهُ أَن يَتَزَوَّجهَا لأَنا لَو بَقينَا الْحُرْمَة بِالْقِيَاسِ على الْحُرْمَة الثَّابِتَة بِالرّضَاعِ والمصاهرة لم يبْق حكم النَّص بعد التَّعْلِيل على مَا كَانَ قبله فَإِن قبل التَّعْلِيل كَانَ الثَّابِت بِالنَّصِّ

стр. 538

حُرْمَة الِاجْتِمَاع بَين المتلاعنين وَبعد التَّعْلِيل تكون حُرْمَة الِاجْتِمَاع بَين غير المتلاعنين فَإِن قيل فقد فَعلْتُمْ مَا أنكرتموه فِي فُصُول مِنْهَا أَن حكم نَص الرِّبَا الْمُسَاوَاة بَين الْقَلِيل وَالْكثير قبل التَّعْلِيل ثمَّ بعد التَّعْلِيل خصصتم الْقَلِيل من الْحِنْطَة فَلم يبْق حكم النَّص بعد التَّعْلِيل بِالْكَيْلِ فِي الْمَنْصُوص على مَا كَانَ قبله وَكَذَلِكَ الشَّاة بصورتها وَمَعْنَاهَا صَار مُسْتَحقّا للْفَقِير بِالنَّصِّ ثمَّ بِالتَّعْلِيلِ بالمالية أبطلتم حَقه عَن الصُّورَة فَلم يبْق حكم النَّص بعد التَّعْلِيل فِي الْمَنْصُوص على مَا كَانَ قبله وجوزتم هَذَا التَّعْلِيل لإبطال حق الْمُسْتَحق مَعَ أَنه لَا يجوز اسْتِعْمَال الْقيَاس فِي إبِْطَال حق الْمُسْتَحق عَن الصُّورَة أَو الْمَعْنى كَمَا فِي سَائِر حُقُوق الْعباد وَقد ثَبت بِالنَّصِّ حق الْأَصْنَاف فِي الصَّدقَات لوُجُود الْإِضَافَة إِلَيْهِم بلام التَّمْلِيك ثمَّ بِالتَّعْلِيلِ بِالْحَاجةِ غيرتم هَذَا الحكم فِي الْمَنْصُوص وجوزتم الصّرْف إِلَى صنف وَاحِد وَثَبت بِالنَّصِّ وجوب التَّكْفِير بإطعام عشرَة مَسَاكِين ثمَّ بِالتَّعْلِيلِ غيرتم هَذَا الحكم فِي الْمَنْصُوص فجوزتم الصّرْف إِلَى مِسْكين وَاحِد فِي عشرَة أَيَّام وبالنص ثَبت لُزُوم التَّكْبِير عِنْد الشُّرُوع فِي الصَّلَاة ثمَّ بِالتَّعْلِيلِ بالثناء وَذكر الله على سَبِيل التَّعْظِيم غيرتم هَذَا الحكم فِي الْمَنْصُوص حَتَّى جوزتم افْتِتَاح الصَّلَاة بِغَيْر لفظ التَّكْبِير وبالنص ثَبت وجوب اسْتِعْمَال المَاء لتطهير الثَّوْب عَن النَّجَاسَة ثمَّ غيرتم بِالتَّعْلِيلِ بِكَوْنِهِ مزيلا للعين والأثر هَذَا الحكم فِي الْمَنْصُوص حَتَّى جوزتم تَطْهِير الثَّوْب النَّجس بِاسْتِعْمَال سَائِر الْمَائِعَات سوى المَاء قُلْنَا أما الأول فَهُوَ دَعْوَى من غير تَأمل وَإِنَّا مَا خصصنا الْقَلِيل من الْبر إِلَّا بِالنَّصِّ فَإِن النَّص قَوْله ﵇ لَا تَبِيعُوا الْبر بِالْبرِّ إِلَّا سَوَاء بِسَوَاء وَالْأَصْل فِي الِاسْتِثْنَاء من النَّفْي أَن الْمُسْتَثْنى مِنْهُ فِي معنى المستثني وعَلى هَذَا بنى عُلَمَاؤُنَا مسَائِل فِي الْجَامِع إِذا قَالَ إِن كَانَ فِي هَذِه الدَّار إِلَّا رجل فعبده حر فَإِذا فِي الدَّار سوى الرجل دَابَّة أَو ثوب لم يَحْنَث وَإِن كَانَ فِيهَا سوى الرجل امْرَأَة أَو صبي حنث وَلَو كَانَ قَالَ إِلَّا حمارا فَإِذا فِيهَا حَيَوَان آخر سوى الْحمار يَحْنَث وَإِن كَانَ فِيهَا ثوب سوى الْحمار لم

стр. 539

يَحْنَث وَإِن كَانَ قَالَ إِلَّا ثوب فَأَي شَيْء يكون فِي الدَّار سوى الثَّوْب مِمَّا هُوَ مَقْصُود بالإمساك فِي الدّور يَحْنَث فَعرفنَا أَن الْمُسْتَثْنى مِنْهُ فِي معنى الْمُسْتَثْنى والمستثنى هُنَا حَال التَّسَاوِي فِي الْكَيْل واستثناء الْحَال من الْعين لَا يكون فَعرفنَا بِدلَالَة النَّص أَن الْمُسْتَثْنى من عُمُوم الْأَحْوَال حَال التَّسَاوِي وَحَال المجازفة وَحَالَة التَّفَاضُل وَهَذَا لَا يتَحَقَّق إِلَّا فِي الْكثير وَإِلَّا فِيمَا يكون مُقَدرا شرعا فَعرفنَا أَن اخْتِصَاص الْقَلِيل كَانَ بِدلَالَة النَّص وَأَنه كَانَ مصاحبا للتَّعْلِيل لَا أَن يكون ثَابتا بِالتَّعْلِيلِ وَأما الزَّكَاة فَنحْن لَا نبطل بِالتَّعْلِيلِ شَيْئا من الْحق الْمُسْتَحق لِأَنَّهُ تبين خطأ من يَقُول بِأَن الزَّكَاة حق الْفُقَرَاء مُسْتَحقَّة لَهُم شرعا بل الزَّكَاة مَحْض حق الله تَعَالَى فَإِنَّهَا عبَادَة مَحْضَة وَهِي من أَرْكَان الدّين وَهَذَا الْوَصْف لَا يَلِيق بِمَا هُوَ حق العَبْد وَمعنى الْعِبَادَة فِيهَا أَن الْمُؤَدِّي يَجْعَل ذَلِك الْقدر من مَاله خَالِصا لله تَعَالَى حَتَّى يكون مطهرا لنَفسِهِ وَمَاله ثمَّ يصرفهُ إِلَى الْفَقِير ليَكُون كِفَايَة لَهُ من الله تَعَالَى فَإِنَّهُ وعد الرزق لِعِبَادِهِ وَهُوَ لَا يخلف الميعاد وَمَعْلُوم أَن حاجات الْعباد تخْتَلف فَالْأَمْر بإنجاز المواعيد لَهُم من مَال مُسَمّى يتَضَمَّن الْإِذْن فِي الِاسْتِبْدَال ضَرُورَة ليَكُون المصروف إِلَى كل وَاحِد مِنْهُم عين الْمَوْعُود لَهُ بِمَنْزِلَة السُّلْطَان يُجِيز أولياءه بجوائز مُخْتَلفَة يَكْتُبهَا لَهُم ثمَّ يَأْمر وَاحِدًا بإيفاء ذَلِك كُله من مَال يُسَمِّيه بِعَيْنِه فَإِنَّهُ يكون ذَلِك إِذْنا لَهُ فِي الِاسْتِبْدَال ضَرُورَة وَالثَّابِت بضرورة النَّص كَالثَّابِتِ بِالنَّصِّ فَعرفنَا أَن ذَلِك كَانَ ثَابتا بِالنَّصِّ وَلكنه كَانَ مجامعا للتَّعْلِيل ثمَّ التَّعْلِيل بِحكم شَرْعِي لَا بِحَق مُسْتَحقّ لأحد فَإِن الْمُؤَدى بعد مَا صَار لله تَعَالَى بابتداء يَد الْفَقِير يكون كِفَايَة لَهُ من الله باستدامة الْيَد فِيهِ وَثَبت بِهَذَا النَّص كَونه محلا صَالحا لكفاية الْفَقِير وصلاحية الْمحل وَعدم صلاحيته حكم شَرْعِي كَالْخمرِ لَا يكون محلا صَالحا للْبيع والخل يكون محلا صَالحا لَهُ وَهَذِه الصلاحية تثبت بِالْأَمر بِالصرْفِ إِلَى الْفَقِير لِأَن بِاعْتِبَار كَونه مطهرا يصير من جملَة الأوساخ وَإِلَيْهِ أَشَارَ ﵇ فِي قَوْله يَا معشر

стр. 540

بني هَاشم إِن الله كره لكم غسالة أَيدي النَّاس وعوضكم مِنْهَا خمس الْخمس فَتبين أَنه بِمَنْزِلَة المَاء الْمُسْتَعْمل وَلِهَذَا كَانَ الحكم فِي شَرِيعَة من قبلنَا أَن الصَّدقَات المقبولة والقرابين كَانَت تأكلها النَّار وَلَا يجوز الِانْتِفَاع بهَا وَفِي شريعتنا لَا يحل شَيْء مِنْهَا للغني وَيحل للْفَقِير لِحَاجَتِهِ بِمَنْزِلَة حل الْميتَة عِنْد الضَّرُورَة فَعرفنَا أَن حكم النَّص صَلَاحِية الْمحل للصرف إِلَى كِفَايَة الْفَقِير وَبعد التَّعْلِيل تبقى هَذِه الصلاحية كَمَا كَانَت قبلهَا وَيَتَعَدَّى حكم الصلاحية إِلَى سَائِر الْمحَال كَمَا هُوَ حكم التَّعْلِيل فِي الْقيَاس الشَّرْعِيّ وَبِهَذَا يتَبَيَّن أَن اللَّام فِي قَوْله للْفُقَرَاء لَام الْعَاقِبَة أَي تصير لَهُم بِاعْتِبَار الْعَاقِبَة وَلَكِن بعد تَمام أَدَاء الصَّدقَات يَجْعَل المَال لله بابتداء التَّسْلِيم إِلَى الْفُقَرَاء أَو يكون المُرَاد بَيَان الْمصرف الَّذِي يكون المَال بقبضهم لله تَعَالَى خَالِصا هُوَ لَا بِمَنْزِلَة الْكَعْبَة فَإِن الْأَركان بِاعْتِبَار التَّوَجُّه إِلَيْهَا تصير صَلَاة لَا أَن تكون الصَّلَاة حَقًا للكعبة ثمَّ كل صنف من هَذِه الْأَصْنَاف جُزْء من المصارف بِمَنْزِلَة جُزْء من الْكَعْبَة واستقبال جُزْء مِنْهَا كاستقبال جَمِيعهَا فِي حكم الصَّلَاة وَهُوَ ثَابت بِالنَّصِّ لَا بِالتَّعْلِيلِ فَكَذَلِك الصّرْف إِلَى صنف لما فِيهِ من سد خلة الْمُحْتَاج بِمَنْزِلَة الصّرْف إِلَى الْأَصْنَاف لَا بطرِيق التَّعْلِيل وَحكم الْإِطْعَام كَذَلِك فَإِن حكم النَّص أَن الْمَسَاكِين الْعشْرَة مَحل لصرف طَعَام الْكَفَّارَة إِلَيْهِم وَهَذَا الحكم بَاقٍ فِي الْمَنْصُوص بعد التَّعْلِيل كَمَا قبله وَلَكِن ثَبت بِدلَالَة النَّص للتنصيص على صفة المسكنة فِي المصروف إِلَيْهِ أَن الْمَطْلُوب سد الْخلَّة وَعلم يَقِينا تجدّد الْحَاجة للمسكين بتجدد الْأَيَّام فَصَارَ بِدلَالَة النَّص مَا يَقع بِهِ التَّكْفِير سد عشر خلات وَهُوَ ثَابت بِالصرْفِ إِلَى مِسْكين وَاحِد فِي عشرَة أَيَّام كَمَا يثبت بِالصرْفِ إِلَى عشرَة مَسَاكِين وَأما التَّكْبِير فَلَا نقُول حكم النَّص وجوب التَّكْبِير بِعَيْنِه عِنْد الشُّرُوع فِي الصَّلَاة وَلَكِن الْوَاجِب التَّعْظِيم بِاللِّسَانِ لِأَن اللِّسَان من الْأَعْضَاء الظَّاهِرَة من وَجه وَالصَّلَاة تَعْظِيم الله تَعَالَى بِجَمِيعِ الْأَعْضَاء فَتعلق بِكُل عُضْو مَا يَلِيق بِهِ من التَّعْظِيم ثمَّ التَّعْظِيم

стр. 541

بِاللِّسَانِ يكون بالثناء وَالذكر فَكَانَ ذكر الله على سَبِيل التَّعْظِيم لتحقيق أَدَاء الْفِعْل الْمُتَعَلّق بِاللِّسَانِ وَلَا عمل لذَلِك الْفِعْل فِي تعْيين التَّكْبِير بل التَّكْبِير آلَة صَالِحَة لذَلِك وَقد بقيت بعد هَذَا التَّعْلِيل آلَة صَالِحَة لإِقَامَة هَذَا الْفِعْل بهَا كَمَا قبل التَّعْلِيل وَكَذَلِكَ غسل النَّجَاسَة بالمائعات فالمستحق لَيْسَ هُوَ الْغسْل بِعَيْنِه بل إِزَالَة النَّجَاسَة عَن الثَّوْب حَتَّى لَا يكون مُسْتَعْملا لَهَا عِنْد لبسه أَلا ترى أَنه لَو قطع مَوضِع النَّجَاسَة بالمقراض أَو ألْقى ذَلِك الثَّوْب أصلا لم يلْزمه الْغسْل ثمَّ المَاء آلَة صَالِحَة لإِزَالَة النَّجَاسَة بِاسْتِعْمَالِهِ وَبعد التَّعْلِيل يبْقى كَذَلِك آلَة صَالِحَة لإِزَالَة النَّجَاسَة لاستعماله وَحكم الْغسْل طَهَارَة الْمحل بِاعْتِبَار أَنه لم يبْق فِيهِ عين النَّجَاسَة وَلَا أَثَرهَا فَكل مَائِع ينعصر بالعصر فَهُوَ يعْمل عمل المَاء فِي الْمحل ثمَّ طَهَارَة الْمحل فِي الأَصْل وانعدام ثُبُوت صفة النَّجَاسَة فِي المزيل بابتداء ملاقاة النَّجَاسَة إِلَى أَن يزايل الثَّوْب بالعصر حكم شَرْعِي ثَبت بِالنَّصِّ وبالتعليل تعدى هَذَا الحكم إِلَى الْفُرُوع وَبَقِي فِي الأَصْل على مَا كَانَ قبل التَّعْلِيل وَلَا يدْخل على هَذَا التَّطْهِير من الْحَدث بِسَائِر الْمَائِعَات سوى المَاء لِأَن عمل المَاء فِي إِزَالَة عين عَن الْمحل الَّذِي يلاقيه أَو فِي إِثْبَات صفة الطَّهَارَة للمحل بِوَاسِطَة الْإِزَالَة وَلَيْسَ فِي أَعْضَاء الْمُحدث عين تَزُول بِاسْتِعْمَال المَاء فَإِن أعضاءه طَاهِرَة وَإِنَّمَا فِيهَا مَانع حكمي من أَدَاء الصَّلَاة غير مَعْقُول الْمَعْنى وَقد ثَبت بِالنَّصِّ رفع ذَلِك الْمَانِع بِالْمَاءِ وَهُوَ غير مَعْقُول الْمَعْنى وَقد بَينا أَن مثل هَذَا الحكم لَا يُمكن تَعْلِيله للتعدية إِلَى مَحل آخر وَلَا يدْخل على هَذَا الْجَواب تَصْحِيح الْوضُوء بِغَيْر النِّيَّة كَغسْل النَّجَاسَة لِأَن الَّذِي لَا يعقل الْمَعْنى فِيهِ مَا هُوَ مزال عَن الْمحل عِنْد اسْتِعْمَال المَاء فَأَما المَاء فِي كَونه مزيلا إِذا اسْتعْمل فِي الْمحل مَعْقُول الْمَعْنى فَلَا حَاجَة إِلَى اشْتِرَاط النِّيَّة لحُصُول الْإِزَالَة بِهِ كَمَا فِي غسل النَّجَاسَات فَعلم أَن هَذِه الْحُدُود إِنَّمَا يقف الْمَرْء عَلَيْهَا عِنْد التَّأَمُّل عَن إنصاف وَأما بَيَان الْقسم الْخَامِس فَفِيمَا قَالَه عُلَمَاؤُنَا إِنَّه لَا يجوز قِيَاس السبَاع سوى

стр. 542

الْخمس المؤذيات على الْخمس بطرِيق التَّعْلِيل فِي إِبَاحَة قَتلهَا للْمحرمِ وَفِي الْحرم لِأَن فِي النَّص قَالَ ﵊ خمس يقتلن فِي الْحل وَالْحرم وَإِذا تعدى الحكم إِلَى مَحل آخر يكون أَكثر من خمس فَكَانَ فِي هَذَا التَّعْلِيل إبِْطَال لفظ من أَلْفَاظ النَّص بِخِلَاف حكم الرِّبَا فَإِن النَّبِي ﵇ لم يقل الرِّبَا فِي سِتَّة أَشْيَاء وَلَكِن ذكر حكم الرِّبَا فِي أَشْيَاء فَلَا يكون فِي تَعْلِيل ذَلِك النَّص إبِْطَال شَيْء من أَلْفَاظ النَّص وَمن هَذَا النَّوْع تَعْلِيل الشَّافِعِي حكم الرِّبَا فِي الْأَشْيَاء الْأَرْبَعَة بالطعم فَإِن فِي النَّص قَالَ ﵊ وَالْفضل رَبًّا أَي الْفضل حرَام يفْسد بِهِ العقد لِأَنَّهُ رَبًّا وَالتَّعْلِيل بالطعم يبطل كَون الْفضل رَبًّا لِأَنَّهُ يَقُول بعلة الطّعْم فَسَاد البيع فِي هَذِه الْأَمْوَال أصل إِلَى أَن يُوجد المخلص وَهُوَ الْمُسَاوَاة فِي المعيار الشَّرْعِيّ فَيكون هَذَا إبطالا لبَعض أَلْفَاظ النَّص وَمن ذَلِك تَعْلِيله لرد شَهَادَة الْقَاذِف للفسق الثَّابِت بِالْقَذْفِ فَإِنَّهُ إبِْطَال لبَعض أَلْفَاظ النَّص وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿أبدا﴾ فَإِن رد الشَّهَادَة بِاعْتِبَار الْفسق لَا يتأبد فَكيف يتأبد وَسَببه وَهُوَ الْفسق بِعرْض أَن يَنْعَدِم بِالتَّوْبَةِ فَكَانَ هَذَا تعليلا بَاطِلا لتَضَمّنه إبِْطَال لفظ من أَلْفَاظ النَّص وَمن جملَة مَا لَا يكون اسْتِعْمَال الْقيَاس فِيهِ طَرِيقا لمعْرِفَة الحكم النّذر بِصَوْم يَوْم النَّحْر وَأَدَاء الظّهْر يَوْم الْجُمُعَة فِي الْمصر بِغَيْر عذر قبل أَدَاء النَّاس الْجُمُعَة وَفَسَاد العقد لسَبَب الرِّبَا فَإِن الْكَلَام فِي هَذِه الْفُصُول فِي مُوجب النَّهْي وَأَن عمله بِأَيّ قدر يكون وَالنَّهْي أحد أَقسَام الْكَلَام كالأمر فَيكون طَرِيق مَعْرفَته مُوجبَة عِنْد الْإِطْلَاق التَّأَمُّل فِي مَعَاني كَلَام أهل اللِّسَان دون الْقيَاس الشَّرْعِيّ وَمن ذَلِك الْكَلَام فِي الْملك الثَّابِت للزَّوْج على الْمَرْأَة بِالنِّكَاحِ أَنه فِي حكم ملك الْعين أَو فِي حكم ملك الْمَنْفَعَة فَإِنَّهُ لَا مدْخل للْقِيَاس الشَّرْعِيّ فِيهِ لِأَن بعد النِّكَاح نَفسهَا وأعضاؤها ومنافعها مَمْلُوكَة لَهَا فِيمَا سوى الْمُسْتَوْفى مِنْهَا بِالْوَطْءِ على مَا كَانَ قبل النِّكَاح فإثبات ملك عَلَيْهَا بِدُونِ تمكن الْإِشَارَة

стр. 543

إِلَى شَيْء من عينهَا أَنه مَمْلُوك عَلَيْهَا يكون حكما ثَابتا بِخِلَاف الْقيَاس وَقد بَينا أَن مثل هَذَا لَا يقبل التَّعْلِيل وَأَنه ملك ضَرُورِيّ ظهر شرعا لتحَقّق الْحَاجة إِلَى تَحْصِيل السكن والنسل بِمَنْزِلَة حل الْميتَة عِنْد الضَّرُورَة فَلَا يقبل التَّعْلِيل وَلِأَن التَّعْلِيل إِنَّمَا يجوز بِشَرْط أَن يكون الْفَرْع نَظِير الأَصْل فِي الحكم الَّذِي يَقع التَّعْلِيل لَهُ وَلَا نَظِير لملك النِّكَاح من سَائِر أَنْوَاع الْملك لِأَن سَائِر أَنْوَاع الْملك يثبت فِي مَحل مَخْلُوق ليَكُون مَمْلُوكا للآدمي وَهَذَا الْملك فِي الأَصْل يثبت على حرَّة هِيَ مخلوقة لتَكون مالكة وَأي مباينة فَوق الْمَالِكِيَّة والمملوكية فَإِذا ثَبت أَنه لَا نَظِير لهَذَا الْملك من سَائِر الْأَمْلَاك ثَبت أَنه لَا يُمكن الْمصير إِلَى التَّعْلِيل فِيهِ لمعْرِفَة صفته وَمن ذَلِك الْكَلَام فِي مُوجب الْأَلْفَاظ حَتَّى يصير فِي الرَّهْن أَنه يَد الِاسْتِيفَاء حَقًا للْمُرْتَهن بِمَنْزِلَة الْيَد الَّتِي تثبت فِي الْمحل بِحَقِيقَة الِاسْتِيفَاء أم حق البيع فِي الدّين ثمَّ الْيَد شَرط لتتميم السَّبَب كَمَا فِي الْهِبَة الْيَد شَرط لتتميم السَّبَب وَالْحكم ثُبُوت الْملك فِي الْمحل بطرِيق الْعلَّة فَهَذَا مِمَّا لَا يُمكن إثْبَاته (فِي الْقيَاس) بِالْقِيَاسِ الشَّرْعِيّ لِأَن أَحْكَام الْعُقُود مُخْتَلفَة شرعا ووضعا وَبِاعْتِبَار الِاخْتِلَاف يعلم أَنه لَيْسَ بَعْضهَا نظيرا للْبَعْض وَمن شَرط صِحَة التَّعْلِيل أَن يكون الْفَرْع نظيرا للْأَصْل بل طَرِيق معرفَة حكم الرَّهْن التَّأَمُّل فِيمَا لأَجله وضع هَذَا العقد وَشرع فَنَقُول إِنَّه مَشْرُوع ليَكُون وَثِيقَة لجَانب الِاسْتِيفَاء لَا مؤكدا للْوُجُوب أَلا ترى أَنه يخْتَص بِالْمَالِ الَّذِي هُوَ مَحل للاستيفاء فَأَما مَحل الْوُجُوب فالذمة وَإِذا كَانَ وَثِيقَة لجَانب الِاسْتِيفَاء علم أَن مُوجبه من جنس مَا يثبت بِحَقِيقَة الِاسْتِيفَاء وَالثَّابِت بِحَقِيقَة الِاسْتِيفَاء ملك الْعين وَملك الْيَد ثمَّ بِالرَّهْنِ لَا يثبت ملك الْعين فَعرفنَا أَن مُوجبه ملك يَد الِاسْتِيفَاء بِمَنْزِلَة الْكفَالَة فَإِنَّهَا وَثِيقَة لجَانب الْوُجُوب وَلِهَذَا اخْتصّت بِالذِّمةِ ثمَّ كَانَ مُوجبهَا من جنس مَا يثبت بِحَقِيقَة الْوُجُوب وَهُوَ ملك الْمُطَالبَة لِأَن الثَّابِت بِالْحَقِيقَةِ ملك أصل الدّين فِي ذمَّة من يجب عَلَيْهِ وَثُبُوت حق الْمُطَالبَة بِالْأَدَاءِ فالثابت بالوثيقة الَّتِي هِيَ لجَانب الْوُجُوب من جنسه وَهُوَ حق الْمُطَالبَة

стр. 544

حَتَّى يملك مُطَالبَة الْكَفِيل بِالدّينِ مَعَ بَقَاء أَصله فِي ذمَّة الْمَدْيُون وَمن ذَلِك الْكَلَام فِي الْمُعْتَدَّة بعد الْبَيْنُونَة أَنه هَل يَقع عَلَيْهَا الطَّلَاق فَإِن تَعْلِيل الْخصم بِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عَلَيْهَا ملك مُتْعَة وَلَا رَجْعَة لَا يلْحقهَا طَلَاقه كمنقضية الْعدة تَعْلِيل بَاطِل لِأَن الْخلاف فِي أَن الْعدة الَّتِي هِيَ حق من حُقُوق النِّكَاح هَل تكون بِمَنْزِلَة أصل النِّكَاح فِي بَقَائِهَا محلا لوُقُوع الطَّلَاق عَلَيْهَا بِاعْتِبَارِهِ أم لَا وَفِي منقضية (الْعدة) لَا عدَّة فَفِي أَي وَجه يَسْتَقِيم هَذَا التَّعْلِيل ليثبت بِهِ هَذَا الحكم للخصم وَكَذَلِكَ هَذَا التَّعْلِيل فِي نِكَاح الْأُخْت فِي عدَّة الْأُخْت بعد الْبَيْنُونَة من الْخصم بَاطِل لِأَن الْكَلَام فِي أَن الْعدة الَّتِي هِيَ حق النِّكَاح هَل تقوم مقَام النِّكَاح فِي بَقَاء الْمَنْع الثَّابِت بِسَبَب النِّكَاح أم لَا وَفِي منقضية الْعدة لَا عدَّة وَهَذَا لِأَن النَّافِي يُنكر أَن يكون الحكم مَشْرُوعا وَمَا لَيْسَ بمشروع كَيفَ يُمكن إثْبَاته بِالْقِيَاسِ الشَّرْعِيّ وَمن هَذَا النَّوْع تَعْلِيله فِي إِسْلَام الْمَرْوِيّ فِي الْمَرْوِيّ لِأَن العقد جمع بدلين لَا يجْرِي فيهمَا رَبًّا الْفضل فَكَانَ بِمَنْزِلَة الْهَرَوِيّ مَعَ الْمَرْوِيّ لِأَن الْكَلَام فِي أَن الْجِنْس هَل هُوَ عِلّة لتَحْرِيم النِّسَاء وَفِي الْهَرَوِيّ مَعَ الْمَرْوِيّ لَا جنس وَبِهَذَا تبين أَن حجَّة الْمُدَّعِي الْمُثبت غير حجَّة الْمُنكر النَّافِي وَمن هَذَا النَّوْع الْكَلَام فِيمَا إِذا قَالَ لامْرَأَته أَنْت طَالِق تَطْلِيقَة بَائِنَة أَن الرّجْعَة تَنْقَطِع بِهَذَا اللَّفْظ أم لَا فَإِن تَعْلِيل الْخصم بِأَنَّهُ مَا اعتاض عَن طَلاقهَا يكون تعليلا بَاطِلا لِأَن الْكَلَام فِي أَن صفة الْبَيْنُونَة هَل هِيَ مَمْلُوكَة للزَّوْج بِالنِّكَاحِ كأصل الطَّلَاق أم لَا فالخصم يُنكر كَون ذَلِك مَمْلُوكا لَهُ وَنحن نقُول إِن ذَلِك مَمْلُوك لَهُ وَإِنَّمَا لم يثبت بِصَرِيح لفظ الطَّلَاق لَا لِأَنَّهُ غير مَمْلُوك لَهُ بل لِأَنَّهُ سَاكِت عَن هَذِه الصّفة فَإِن وصفهَا بِالطَّلَاق يُجَامع النِّكَاح ابْتِدَاء وَبَقَاء فَإِنَّمَا طَرِيق معرفَة هَذَا الحكم التَّأَمُّل فِي مَوْضُوع هَذَا الْملك وَفِيمَا صَار لَهُ أصل الطَّلَاق مَمْلُوكا لَهُ فَإِذا ثَبت بِاعْتِبَارِهِ أَن الْوَصْف مَمْلُوك لَهُ كَانَ التَّصْرِيح بِهِ بذلك الْوَصْف عملا وَعند عدم التَّصْرِيح بِهِ لَا يثبت لِأَن سَببه لم يُوجد كَمَا لَا يثبت أصل الطَّلَاق إِذا لم يُوجد مِنْهُ التَّكَلُّم بِلَفْظ الطَّلَاق أَو بِلَفْظ آخر قَائِما مقَامه

стр. 545

وَمن هَذَا النَّوْع تَعْلِيل الْخصم فِي عقد الْإِجَارَة أَنَّهَا توجب ملك الْبَدَل فِي الْحَال بِالْقِيَاسِ على عقد البيع فَإِن شَرط صِحَة الْقيَاس أَن يكون الأَصْل وَالْفرع نظيرين وَفِي بَاب البيع مَا هُوَ الْمَعْقُود عَلَيْهِ قَائِم مَمْلُوك فِي الْحَال وَفِي الْإِجَارَة مَا هُوَ الْمَعْقُود عَلَيْهِ مَعْدُوم غير مَمْلُوك عِنْد العقد فَعلم أَنَّهُمَا متغايران وَإِذا لم يكن أَحدهمَا نظيرا للْآخر فِي الحكم الَّذِي وَقع التَّعْلِيل لأَجله لَا يَسْتَقِيم تَعديَة الحكم من أَحدهمَا إِلَى الآخر بِالْقِيَاسِ الشَّرْعِيّ وَمن نوع مَا بدأنا بِهِ هَذَا الْفَصْل قَول رَسُول الله ﷺ للأعرابي فِي حَدِيث كَفَّارَة الْفطر كلهَا أَنْت وَعِيَالك فَإِن من النَّاس من اشْتغل بتعليل ذَلِك لتعدية الحكم إِلَى غير الْأَعرَابِي فيتطرق بِهِ (إِلَى) القَوْل بانتساخ حكم الْكَفَّارَة وَذَلِكَ لَا يجوز عندنَا لِأَن النَّبِي ﵇ خص الْأَعرَابِي بِصِحَّة التَّكْفِير مِنْهُ بِالصرْفِ إِلَى نَفسه وَعِيَاله وَكَانَ ذَلِك بطرِيق الْإِكْرَام لَهُ وَقد بَينا أَن مثل هَذَا لَا يقبل التَّعْلِيل وَالله تعال أعلم فصل فِي الرُّكْن ركن الْقيَاس هُوَ الْوَصْف الَّذِي جعل علما على حكم الْعين مَعَ النَّص من بَين الْأَوْصَاف الَّتِي يشْتَمل عَلَيْهَا اسْم النَّص وَيكون الْفَرْع بِهِ نظيرا للْأَصْل فِي الحكم الثَّابِت بِاعْتِبَارِهِ فِي الْفَرْع لِأَن ركن الشَّيْء مَا يقوم بِهِ ذَلِك الشَّيْء وَإِنَّمَا يقوم الْقيَاس بِهَذَا الْوَصْف ثمَّ هَذَا الْوَصْف قد يكون لَازِما للْأَصْل وَذَلِكَ نَحْو إِيجَاب الزَّكَاة عندنَا فِي الْحلِيّ بِاعْتِبَار صفة الثمنية فِي الأَصْل وَعند الْخصم إِثْبَات حكم الرِّبَا فِي الذَّهَب وَالْفِضَّة بعلة الثمنية والثمنية صفة لَازِمَة لهذين الجوهرين فَإِنَّهُمَا خلقا جوهري الْأَثْمَان لَا يفارقهما هَذَا الْوَصْف بِحَال وَقد يكون عارضا أَو اسْما نَحْو قَوْله ﵇ للمستحاضة فِي بَيَان عِلّة نقض الطَّهَارَة إِنَّه دم عرق انفجر وَالدَّم اسْم علم والانفجار صفة عارضة مِثَاله تَعْلِيل عُلَمَائِنَا نَص

стр. 546

الرِّبَا بِالْكَيْلِ وَالْوَزْن فَإِن ذَلِك وصف عَارض يخْتَلف باخْتلَاف عادات النَّاس فِي الْأَمَاكِن والأوقات وَقد يكون حكما نَحْو قَول رَسُول الله ﵇ للخثعمية أَرَأَيْت لَو كَانَ على أَبِيك دين فقضيته الحَدِيث فَإِن الدّين عبارَة عَن الْوُجُوب فِي الذِّمَّة وَذَلِكَ حكم قد بَين لَهَا حكما بالاستدلال بِحكم آخر وَذَلِكَ دَلِيل جَوَاز التَّعْلِيل بالحكم وَقد يكون هَذَا الْوَصْف فَردا وَقد يكون مثنى وَقد يكون عددا فالفرد نَحْو تَعْلِيل رَبًّا النِّسَاء بِوَصْف وَاحِد وَهُوَ الْجِنْس أَو الْكَيْل أَو الْوَزْن عِنْد اتِّحَاد الْمَعْنى والمثنى نَحْو عِلّة (حُرْمَة) التَّفَاضُل فَإِنَّهُ الْقدر مَعَ الْجِنْس وَالْعدَد نَحْو تعليلنا فِي نَجَاسَة سُؤْر السبَاع بِأَنَّهُ حَيَوَان محرم الْأكل لَا للكرامة وَلَا بلوى فِي سؤره وَإِنَّمَا يكون الْعدَد من الْأَوْصَاف عِلّة إِذا كَانَت لَا تعْمل حَتَّى يَنْضَم بَعْضهَا إِلَى بعض فَإِن كل وصف يعْمل فِي الحكم بِانْفِرَادِهِ فَإِنَّهُ لَا يكون التَّعْلِيل بالأوصاف كلهَا وَقد يكون ذَلِك الْوَصْف فِي النَّص وَقد يكون فِي غَيره أما مَا يكون فِي النَّص فَغير مُشكل فَإِنَّهُ إِنَّمَا يُعلل النَّص وَالتَّعْلِيل بِوَصْف فِيهِ يكون صَحِيحا لَا محَالة وَأما مَا يكون فِي غَيره فنحو مَا رُوِيَ أَن النَّبِي ﵇ نهى عَن بيع مَا لَيْسَ عِنْد الْإِنْسَان وَرخّص فِي السّلم فَإِن هَذِه الرُّخْصَة معلولة بإعدام الْعَاقِد وَذَلِكَ لَيْسَ فِي النَّص وَنهى رَسُول الله ﷺ عَن بيع الْآبِق وَعَن بيع الْغرَر وَهُوَ مَعْلُول يعجز البَائِع عَن تَسْلِيم الْمَبِيع أَو جَهَالَة فِي الْمَبِيع فِي نَفسه على وَجه يُفْضِي إِلَى الْمُنَازعَة وَهَذَا لَيْسَ فِي النَّص قَالَ ﵇ لَا تنْكح الْأمة على الْحرَّة ثمَّ علل الشَّافِعِي هَذِه الْحُرْمَة بإرقاق الْحر جُزْءا مِنْهُ وَهُوَ الْوَلَد مَعَ غنيته عَنهُ وَهَذَا لَيْسَ فِي النَّص وَلَكِن ذكر البيع يَقْتَضِي بَائِعا وَذكر السّلم يَقْتَضِي عاقدا وَذكر النِّكَاح يَقْتَضِي ناكحا وَمَا يثبت بِمُقْتَضى النَّص فَهُوَ كالمنصوص وَكَذَلِكَ عللنا نَحن نهي رَسُول الله ﵇ عَن صَوْم يَوْم النَّحْر بعلة رد الضِّيَافَة الَّتِي للنَّاس فِي هَذَا الْيَوْم من الله تَعَالَى بالقرابين وَذَلِكَ لَيْسَ فِي النَّص وكل نهي جَاءَ لَا لِمَعْنى فِي عين الْمنْهِي عَنهُ فَهُوَ من هَذَا النَّوْع

стр. 547

وَمن التَّعْلِيل بالحكم مَا يَقُوله عُلَمَاؤُنَا فِي بيع الْمُدبر (إِنَّه تعلق عتقه بِمُطلق الْمَوْت فَإِن التَّعَلُّق حكم ثَابت بِالتَّعْلِيقِ فَيكون ذَلِك اسْتِدْلَالا) بِحكم على حكم وَإِنَّمَا جَازَ هَذَا كُله لِأَن الدَّلِيل الَّذِي يثبت بِهِ كَون الْوَصْف حجَّة فِي الحكم قد ثَبت بِالدَّلِيلِ أَنه عِلّة الحكم شرعا ثمَّ لَا خلاف أَن جَمِيع الْأَوْصَاف الَّتِي يشْتَمل عَلَيْهَا اسْم النَّص لَا تكون عِلّة لِأَن جَمِيع الْأَوْصَاف لَا تُوجد إِلَّا فِي الْمَنْصُوص وَالْحكم فِي الْمَنْصُوص ثَابت بِالنَّصِّ لَا بِالْعِلَّةِ وَلَا خلاف أَن كل وصف من أَوْصَاف الْمَنْصُوص لَا يكون عِلّة للْحكم بل الْعلَّة للْحكم بَعْضهَا فَإِن الْحِنْطَة تشْتَمل على أَوْصَاف فَإِنَّهَا مكيلة موزونة مطعومة مقتات مدخر حب شَيْء جسم وَلَا يَقُول أحد إِن كل وصف من هَذِه الْأَوْصَاف عِلّة لحكم الرِّبَا فِيهَا بل الْعلَّة أحد هَذِه الْأَوْصَاف وَاتَّفَقُوا أَنه لَا يتَخَيَّر الْمُعَلل حَتَّى يَجْعَل أَي هَذِه الْأَوْصَاف شاغلة من غير دَلِيل لِأَن دَعْوَاهُ لوصف من بَين الْأَوْصَاف أَنه عِلّة بِمَنْزِلَة دَعْوَاهُ الحكم أَنه كَذَا فَكَمَا لَا يسمع مِنْهُ دَعْوَى الحكم إِلَّا بِدَلِيل فَكَذَلِك لَا تسمع مِنْهُ الدَّعْوَى فِي وصف أَنه هُوَ الْعلَّة إِلَّا بِدَلِيل ثمَّ اخْتلف الْعلمَاء فِي الدَّلِيل الَّذِي بِهِ يكون الْوَصْف عِلّة للْحكم قَالَ أهل الطَّرْد هُوَ الاطراد فَقَط من غير أَن يعْتَبر فِيهِ معنى مَعْقُول وَتَفْسِير الاطراد عِنْد بَعضهم وجود الحكم عِنْد وجود ذَلِك الْوَصْف وَعند بَعضهم يشْتَرط أَن يُوجد الحكم عِنْد وجوده وينعدم عِنْد عَدمه وَأَن يكون الْمَنْصُوص عَلَيْهِ قَائِما فِي الْحَالين وَلَا حكم لَهُ وَعند بَعضهم يعْتَبر الدوران وجودا وعدما فَأَما قيام الحكم فِي الْمَنْصُوص (عَلَيْهِ فِي الْحَالين) وَلَا حكم لَهُ فَهُوَ مُفسد للْقِيَاس لَا أَن يكون مصححا لَهُ وَقَالَ جُمْهُور الْفُقَهَاء انعدام الحكم عِنْد عدم الْعلَّة لَا يكون دَلِيل صِحَة الْعلَّة وَوُجُود الحكم عِنْد عدم الْعلَّة لَا يكون دَلِيل

стр. 548

فَسَاد الْعلَّة وَلَكِن دَلِيل صِحَة الْعلَّة أَن يكون الْوَصْف صَالحا للْحكم ثمَّ يكون معدلا بِمَنْزِلَة الشَّاهِد فَإِنَّهُ لَا بُد من أَن يكون صَالحا للشَّهَادَة لوُجُود مَا بِهِ يعْتَبر أَهلا للشَّهَادَة فِيهِ ثمَّ يكون معدلا بِظُهُور عَدَالَته عِنْد التَّعْدِيل ثمَّ يَأْتِي بِلَفْظ الشَّهَادَة من بَين سَائِر الْأَلْفَاظ حَتَّى تصير شَهَادَته مُوجبَة الْعَمَل بهَا ثمَّ لَا خلاف بَيْننَا وَبَين الشَّافِعِي ﵀ أَن صفة الصلاحية لِلْعِلَّةِ بالملاءمة وَمَعْنَاهَا أَن تكون مُوَافقَة الْعِلَل المنقولة عَن رَسُول الله ﷺ وَعَن الصَّحَابَة غير نائية عَن طريقهم فِي التَّعْلِيل لِأَن الْكَلَام فِي الْعلَّة الشَّرْعِيَّة وَالْمَقْصُود إِثْبَات حكم الشَّرْع بهَا فَلَا تكون صَالِحَة إِلَّا أَن تكون مُوَافقَة لما نقل عَن الَّذين بنيانهم عرف أَحْكَام الشَّرْع ثمَّ الْخلاف وَرَاء ذَلِك فِي الْعَدَالَة فَقَالَ عُلَمَاؤُنَا عَدَالَة الْعلَّة تعرف بأثرها وَمَتى كَانَت مُؤثرَة فِي الحكم الْمُعَلل فَهِيَ عِلّة عادلة وَإِن كَانَ يجوز الْعَمَل بهَا قبل ظُهُور التَّأْثِير وَلَكِن إِنَّمَا يجب الْعَمَل بهَا إِذا علم تأثيرها وَلَا يجوز الْعَمَل بهَا عِنْد عدم الصلاحية بالملاءمة بِمَنْزِلَة الشَّهَادَة فَإِن الشَّاهِد قبل أَن تثبت الصلاحية للشَّهَادَة فِيهِ لَا يجوز الْعَمَل بِشَهَادَتِهِ وَبعد ظُهُور الصلاحية قبل الْعلم بِالْعَدَالَةِ كالمستور لَا يجب الْعَمَل بِشَهَادَتِهِ وَلَكِن يجوز الْعَمَل حَتَّى إِن قضى القَاضِي بِشَهَادَة المستور قبل أَن تظهر عَدَالَته يكون نَافِذا وَقَالَ بعض أَصْحَاب الشَّافِعِي عَدَالَة الْوَصْف بِكَوْنِهِ مخيلا أَي موقعا فِي الْقلب خيال الصِّحَّة لِلْعِلَّةِ ثمَّ الْعرض على الْأُصُول بعد ذَلِك احْتِيَاط وَقَالَ بَعضهم بل الْعَدَالَة بِالْعرضِ على الْأُصُول فَإِذا لم يُعَارضهُ أصل من الْأُصُول لَا ناقضا وَلَا مُعَارضا فَحِينَئِذٍ يصير معدلا وَأدنى مَا يَكْفِي لذَلِك أصلان بِمَنْزِلَة عَدَالَة الشَّاهِد فَإِن معرفَة ذَلِك بِعرْض حَالهم على المزكين وَأدنى مَا يَكْفِي لذَلِك عِنْده اثْنَان فعلى قَول هَذَا الْفَرِيق من أَصْحَابه لَا يجوز الْعَمَل بِهِ وَإِن كَانَ مخيلا قبل الْعرض على الْأُصُول وعَلى قَول الْفَرِيق الأول يجوز الْعَمَل بِهِ لِأَنَّهُ صَار معدلا بِكَوْنِهِ مخيلا ثمَّ الْعرض على الْأُصُول احْتِيَاط والنقض جرح والمعارضة دفع

стр. 549

أما أهل الطَّرْد احْتَجُّوا بالظواهر الْمُوجبَة للْعَمَل بِالْقِيَاسِ فَإِنَّهَا لَا تخص عِلّة دون عِلّة فَيَقْتَضِي الظَّاهِر جَوَاز الْعَمَل بِكُل وصف وَالتَّعْلِيل بِهِ إِلَّا مَا قَامَ عَلَيْهِ دَلِيل وَأَن كل وصف يُوجد الحكم عِنْد وجوده فَإِنَّهُ وصف صَالح لِأَن يكون عِلّة وَهَذَا لِأَن علل الشَّرْع أَمَارَات للْأَحْكَام وَلَيْسَت على نهج الْعِلَل الْعَقْلِيَّة وأمارة الشَّيْء مَا يكون مَوْجُودا عِنْد وجوده وكما يجوز إِثْبَات أَحْكَام الشَّرْع بِعَين النَّص من غير أَن يعقل فِيهِ الْمَعْنى على أَن يَجْعَل اسْم النَّص أَمارَة ذَلِك الحكم يجوز إِثْبَات الحكم بِوَصْف ثَابت باسم النَّص من غير أَن يعقل فِيهِ الْمَعْنى على أَن يكون ذَلِك الْوَصْف عِلّة للْحكم فَإِن للشَّرْع ولَايَة شرع الْأَحْكَام كَيفَ يَشَاء فَفِي اشْتِرَاط كَون الْمَعْنى معقولا فِيمَا هُوَ أَمارَة حكم الشَّرْع إِثْبَات نوع حجر لَا يجوز القَوْل بِهِ أصلا والفريق الثَّانِي مِنْهُم استدلوا بِمثل هَذَا الْكَلَام وَلَكنهُمْ قَالُوا الْعلَّة مَا يتَغَيَّر بِهِ حكم الْحَال على مَا نبينه فِي مَوْضِعه وَوُجُود الحكم مَعَ وجود الْوَصْف قد يكون اتِّفَاقًا وَقد يكون لكَونه عِلّة لَا تتَعَيَّن جِهَة كَونه مغيرا إِلَّا بانعدام الحكم عِنْد عَدمه فبه يتَبَيَّن أَنه لم يكن اتِّفَاقًا ثمَّ الحكم الثَّابِت بِالْعِلَّةِ إِذا كَانَ بِحَيْثُ يحْتَمل الرّفْع لَا يبْقى بعد انعدام الْعلَّة كَالْحكمِ الثَّابِت بِالْبيعِ وَهُوَ الْملك لَا يبْقى بعد فسخ البيع وَرَفعه وَاشْتِرَاط قيام الْمَنْصُوص عَلَيْهِ فِي الْحَالين وَلَا حكم لَهُ ليعلم بِهِ أَن ثُبُوت الحكم بِوُجُود علته لَا بِصُورَة النَّص وَذَلِكَ نَحْو آيَة الْوضُوء فَفِي النَّص ذكر الْقيام إِلَى الصَّلَاة وَالْعلَّة الْمُوجبَة للطَّهَارَة الْحَدث فَإِن الحكم يَدُور مَعَ الْحَدث وجودا وعدما وَالْمَنْصُوص عَلَيْهِ وَهُوَ الْقيام إِلَى الصَّلَاة قَائِم فِي الْحَالين وَلَا حكم لَهُ وَقَوله ﵇ لَا يقْضِي القَاضِي حِين يقْضِي وَهُوَ غَضْبَان فِيهِ تنصيص على الْغَضَب وَالْعلَّة فِيهِ شغل الْقلب حَتَّى دَار الحكم مَعَه وجودا وعدما وَالْمَنْصُوص عَلَيْهِ قَائِم فِي الْحَالين وَلَا حكم لَهُ وَقَالَ ﵇ الْحِنْطَة بِالْحِنْطَةِ مثلا بِمثل ثمَّ الْعلَّة الْمُوجبَة للْحُرْمَة وَالْفساد الْفضل على الْكَيْل

стр. 550

لِأَن الحكم يَدُور مَعَه وجودا وعدما وَالْمَنْصُوص عَلَيْهِ وَهُوَ (الْحِنْطَة بِالْحِنْطَةِ) قَائِم فِي الْحَالين وَلَا حكم لَهُ وَجَوَاب أهل الْفِقْه عَن هَذِه الْكَلِمَات ظَاهر فَإِن الظَّوَاهِر الدَّالَّة على جَوَاز الْعَمَل بِالْقِيَاسِ بالِاتِّفَاقِ لَا تدل على أَن كل وصف من أَوْصَاف الأَصْل صَالح لِأَن يكون عِلّة فَإِنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك لتحير الْمُعَلل وارتفع معنى الِابْتِلَاء بِطَلَب الحكم فِي الْحَوَادِث أصلا وَإِذا اتفقنا على أَن دلَالَة هَذِه النُّصُوص لوصف من بَين أَوْصَاف الأَصْل قد ابتلينا بِطَلَبِهِ حِين أمرنَا بِالِاعْتِبَارِ فَلَا بُد من أَن يكون فِي ذَلِك الْوَصْف معنى مَعْقُول يُمكن التَّمْيِيز بِهِ بَينه وَبَين سَائِر الْأَوْصَاف ليوقف عَلَيْهِ وَمَا هَذَا إِلَّا نَظِير النُّصُوص المثبتة لصفة الشَّهَادَة لهَذِهِ الْأمة فَإِن ذَلِك لَا يمْنَع القَوْل باختصاص الصلاحية بِبَعْض الْأَوْصَاف واختصاص الْأَدَاء بِلَفْظ الشَّهَادَة من بَين سَائِر الْأَلْفَاظ وَهَذَا لِأَن أَوْصَاف النَّص تعلم بالحس أَو السماع وَذَلِكَ يشْتَرك فِيهِ أهل اللُّغَة وَغَيرهم مِمَّن لَهُ حاسة صَحِيحَة مَعَ الْفُقَهَاء ثمَّ التَّعْلِيل بِالْقِيَاسِ لإِثْبَات الحكم قد اخْتصَّ بِهِ الْفُقَهَاء فَعرفنَا أَن اختصاصهم بذلك لم يكن إِلَّا لِمَعْنى مَعْقُول فِي الْوَصْف الَّذِي هُوَ عِلّة لَا يُمكن الْوُقُوف عَلَيْهِ إِلَّا بِالتَّأَمُّلِ من طَرِيق الْفِقْه وَقَوله علل الشَّرْع أَمَارَات قُلْنَا هِيَ أَمَارَات من حَيْثُ إِنَّهَا غير مُوجبَة بذواتها وَلكنهَا مُوجبَة للْحكم بِجعْل الشَّرْع إِيَّاهَا مُوجبَة الْعَمَل بهَا وَمَعْلُوم أَنه لَا يُمكن الْعَمَل بهَا إِلَّا بعد معرفَة عينهَا وَطَرِيق ذَلِك التَّعْيِين بِالنَّصِّ أَو الاستنباط بِالرَّأْيِ وَقد انْعَدم التَّعْيِين بِالنَّصِّ وَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ الاستنباط بِالرَّأْيِ إِذا لم يكن الحكم مَعْقُول الْمَعْنى لِأَن الْعقل طَرِيق يدْرك بِهِ مَا يعقل كَمَا أَن الْحس طَرِيق يدْرك بِهِ مَا يحس دون مَا لَا يحس وَلَيْسَ هَذَا نَظِير الْأَحْكَام الثَّابِتَة بِالنَّصِّ غير مَعْقُول الْمَعْنى لِأَن النَّص مُوجب بِنَفسِهِ فَإِنَّهُ كَلَام من يثبت علم الْيَقِين بقوله وَقد حصل التَّعْيِين بِالنَّصِّ هُنَاكَ فكونه غير مَعْقُول الْمَعْنى لَا يعجزنا عَن الْعَمَل بِهِ فَأَما التَّعْلِيل بِبَعْض الْأَوْصَاف فَهُوَ غير مُوجب بِنَفسِهِ وَإِنَّمَا يجب الْعَمَل بِهِ بطرِيق أَنه إِعْمَال الرَّأْي ليتوصل بِهِ إِلَى الْحجَّة فِي حكم شَرْعِي وَمَا لم يكن مَعْقُول الْمَعْنى لَا يَتَأَتَّى إِعْمَال الرَّأْي فِيهِ

стр. 551

ثمَّ الدَّلِيل على أَن الدوران لَا يصلح أَن يكون عِلّة أَن الحكم كَمَا يَدُور مَعَ الْعلَّة وجودا وعدما يَدُور مَعَ الشَّرْط وجودا وعدما فَإِن من قَالَ لعَبْدِهِ إِن دخلت الدَّار فَأَنت حر فالعتق بِهَذَا الْكَلَام يَدُور مَعَ الدُّخُول وجودا وعدما وَأحد لَا يَقُول دُخُول الدَّار عِلّة الْعتْق بل هُوَ شَرط الْعتْق فَإِن قيل الأَصْل دوران الحكم مَعَ الْعلَّة وجودا وعدما فَأَما الشَّرْط عَارض لَا يكون إِلَّا بعد تَعْلِيق الحكم بِهِ نصا قُلْنَا فَأَيْنَ ذهب قَوْلك إِن علل الشَّرْع أَمَارَات فَإِنَّهُ لَا يفهم من ذَلِك اللَّفْظ إِلَّا أَن الشَّرْع جعلهَا أَمارَة للْحكم بِأَن علق الحكم بهَا وَأي فرق بَين تَعْلِيق حكم الْعتْق من الْمولى بِدُخُول الدَّار شرطا وَبَين التَّعْلِيق الثَّابِت شرعا ثمَّ هُنَاكَ دوران الحكم بِمُجَرَّدِهِ لَا يدل على كَونه عِلّة فَهُنَا كَذَلِك ثمَّ هَب كَانَ الأَصْل هُوَ دوران الحكم مَعَ الْعلَّة وَلَكِن مَعَ هَذَا احْتِمَال الدوران مَعَ الشَّرْط قَائِم وبالاحتمال لَا تثبت الْعلَّة فَأَما اشْتِرَاط قيام الْمَنْصُوص عَلَيْهِ فِي الْحَالين وَلَا حكم لَهُ فقد جعل ذَلِك بَعضهم مُفْسِدا للْقِيَاس بِاعْتِبَار مَا ذكرنَا أَن شَرط صِحَة التَّعْلِيل هُوَ أَن يبْقى الحكم فِي الْمَنْصُوص عَلَيْهِ بعد التَّعْلِيل على مَا كَانَ قبله فَإِذا جعل التَّعْلِيل على وَجه لَا يبْقى للنَّص حكم بعده يكون ذَلِك آيَة فَسَاد الْقيَاس لَا دَلِيل صِحَّته فَأَما من شَرط ذَلِك مستدلا بِمَا ذكرنَا فَالْجَوَاب عَن كَلَامه أَن هَذَا وهم ابْتُلِيَ بِهِ لقلَّة تَأمله لِأَن الْمَقْصُود بِالتَّعْلِيلِ تَعديَة حكم النَّص إِلَى مَحل لَا نَص فِيهِ فَكيف يجوز أَن لَا يبْقى للنَّص حكم بعد التَّعْلِيل وَإِذا لم يبْق لَهُ حكم فالتعدية بعد التَّعْلِيل فِي أَي شَيْء يكون فَأَما آيَة الْوضُوء فَنحْن لَا نقُول إِن الْحَدث عِلّة لوُجُوب الْوضُوء وَلَكِن من شَرط الْقيام لأَدَاء الصَّلَاة الطَّهَارَة عَن الْحَدث فَكَانَ تَقْدِير الْآيَة إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة وَأَنْتُم محدثون وَلَكِن سقط ذكر الْحَدث للإيجاز والاختصار على مَا هُوَ عَادَة أهل اللِّسَان فِي إِسْقَاط بعض الْأَلْفَاظ إيجازا إِذا كَانَ فِي الْبَاقِي

стр. 552

دَلِيل عَلَيْهِ فَفِي الْمَذْكُور هُنَا دَلِيل على الْمَحْذُوف وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكِن يُرِيد ليطهركم﴾ ﴿وَإِن كُنْتُم جنبا فاطهروا﴾ وَقَوله تَعَالَى عِنْد ذكر الْبَدَل ﴿أَو جَاءَ أحد مِنْكُم من الْغَائِط﴾ وَقد علم أَن الْبَدَل إِنَّمَا يجب عِنْد عدم الأَصْل بِمَا يجب بِهِ الأَصْل فَظهر أَنا إِنَّمَا جعلنَا الْحَدث شرطا لوُجُوب الْوضُوء عِنْد الْقيام إِلَى الصَّلَاة بِدلَالَة النَّص لَا بطرِيق التَّعْلِيل والاستنباط بِالرَّأْيِ وَكَذَلِكَ قَوْله ﵇ لَا يقْضِي القَاضِي حِين يقْضِي وَهُوَ غَضْبَان إِنَّمَا عرفنَا أَن المُرَاد النَّهْي عَن الْقَضَاء عِنْد شغل الْقلب لمخافة الْغَلَط بِدَلِيل الْإِجْمَاع لَا بطرِيق الاستنباط بِالرَّأْيِ وَالْإِجْمَاع حجَّة سوى الرَّأْي فَإِن التَّعْلِيل بِالرَّأْيِ يكون بعد الْإِجْمَاع بالِاتِّفَاقِ وَكَيف يَسْتَقِيم أَن لَا يكون للنَّص حكم بعد التَّعْلِيل وَالشَّرْع مَا جعل التَّعْلِيل بِالرَّأْيِ إِلَّا بعد النَّص وَإِلَّا لإِثْبَات الحكم فِيمَا لَا نَص فِيهِ وَبَيَان هَذَا فِي حَدِيث معَاذ حِين قَالَ لَهُ (كَيفَ تقضي) وَحَدِيث نَص الرِّبَا هَكَذَا فَإِن الْمُسَاوَاة فِي الْكَيْل إِنَّمَا عَرفْنَاهُ بِالنَّصِّ لَا بِالرَّأْيِ وَهُوَ قَوْله ﵇ فِي بعض الرِّوَايَات مَكَان قَوْله (مثل بِمثل) (كيل بكيل) أَو بِالْإِجْمَاع فقد اتَّفقُوا أَنه لَيْسَ المُرَاد من قَوْله (مثل بِمثل) إِلَّا الْمُمَاثلَة فِي الْكَيْل وَكَذَلِكَ (فِي) قَوْله (إِلَّا سَوَاء بِسَوَاء) اتِّفَاق أَن المُرَاد الْمُسَاوَاة فِي الْكَيْل فَعرفنَا أَن من قَالَ فِي هَذِه الْمَوَاضِع بِأَن الحكم دَار مَعَ الْعلَّة وجودا وعدما وَالْمَنْصُوص عَلَيْهِ قَائِم فِي الْحَالين وَلَا حكم لَهُ فَهُوَ مخطىء غير متأمل فِي مورد النَّص وَلَا فِيمَا هُوَ طَرِيق التَّعْلِيل فِي الْفِقْه ثمَّ الدَّلِيل على أَن انعدام الحكم عِنْد عدم الْوَصْف لَا يكون دَلِيل صِحَة الْعلَّة مَا ذكرنَا من الشَّرْط وَلِأَن ثُبُوت الحكم لما كَانَ بورود الشَّرْع بِهِ فانعدام الحكم عِنْد انعدام الْعلَّة الْمُوجبَة شرعا يكون بِالْعدمِ الَّذِي هُوَ أصل فِيهِ لَا أَن يكون مُضَافا إِلَى الْعلَّة حَتَّى

стр. 553

يكون دَلِيل صِحَة الْعلَّة وَالدَّلِيل على أَن وجود الحكم عِنْد عدم الْعلَّة لَا يكون دَلِيل فَسَاد الْعلَّة اتِّفَاق الْكل على أَن الحكم يجوز أَن يكون ثَابتا فِي مَحل بعلل ثمَّ بانعدام بَعْضهَا لَا يمْتَنع بَقَاء الحكم بِالْبَعْضِ الَّذِي هُوَ بَاقٍ كَمَا لَا يمْتَنع ثُبُوت الحكم ابتدا بِتِلْكَ الْعلَّة وَبِهَذَا يتَبَيَّن أَنه لَا بُد من القَوْل بِأَنَّهُ لَا يَنْعَدِم الحكم إِلَّا بانعدام جَمِيع الْعِلَل الَّتِي كَانَ الحكم ثَابتا بِكُل وَاحِد مِنْهَا فَعرفنَا أَن وجود الحكم عِنْد عدم الْعلَّة لَا يكون دَلِيل فَسَادهَا وَفَسَاد القَوْل بِأَن دَلِيل صِحَة الْعلَّة دوران الحكم مَعَه وجودا وعدما كالمتفق عَلَيْهِ فَإِن القائسين اتَّفقُوا أَن عِلّة الرِّبَا أحد أَوْصَاف الأَصْل وَادّعى كل وَاحِد مِنْهُم أَن الصَّحِيح مَا ذهب إِلَيْهِ وَمَعْلُوم أَن كل قَائِل يُمكنهُ أَن يسْتَدلّ على صِحَة علته بدوران الحكم مَعَه وجودا وعدما وَكَذَلِكَ لَو قَالَ إِن الْعلَّة فِي تَكْفِير المستحل للخمر معنى الشدَّة والمرارة كَانَ ذَلِك فَاسِدا بالِاتِّفَاقِ فَإِن أحدا لَا يَقُول بتكفير مستحل سَائِر الْأَشْرِبَة مَعَ وجود الشدَّة والمرارة ثمَّ هَذَا الْقَائِل يتَمَكَّن من تَصْحِيح قَوْله بدوران الحكم مَعَه وجودا وعدما فَإِن الْعصير قبل أَن يتخمر لَا يكفر مستحله وَبعد التخمر يكفر مستحله لوُجُود الشدَّة والمرارة ثمَّ بعد التَّحَلُّل لَا يكفر مستحله لِانْعِدَامِ الشدَّة والمرارة إِلَّا أَن يَقُول بتخصيصه وَقد قَامَت الدّلَالَة على فَسَاد القَوْل بتخصيص الْعِلَل الشَّرْعِيَّة على مَا نبينه إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَيفْسد بِهِ أَيْضا القَوْل بتخصيص مَا هُوَ دَلِيل صِحَة الْعلَّة لِأَن ذَلِك حجَّة شَرْعِيَّة ثَابِتَة بطرِيق الرَّأْي فَإِن قيل مثل هَذَا يلْزم الْقَائِلين بِأَن دَلِيل صِحَة الْعلَّة الْأَثر فَإِن الحكم يَدُور مَعَ الْعلَّة المأثورة وجودا وعدما عِنْد من لَا يجوز تَخْصِيص الْعلَّة وَهُوَ الصَّحِيح قُلْنَا نعم وَلَكِن لَا نجْعَل الدوران دَلِيل صِحَة الْعلَّة وَإِنَّمَا نجْعَل كَونه مؤثرا فِي الْأُصُول دَلِيل صِحَة الْعلَّة وَلَا يتَحَقَّق معنى دوران الحكم مَعَ هَذَا الْأَثر فِي جَمِيع الْأُصُول فَأَما دوران الحكم مَعَ الْعلَّة وجودا وعدما يكون اتِّفَاقًا فَأَما الَّذين قَالُوا من أَصْحَاب الشَّافِعِي بِأَن الْأَثر الَّذِي هُوَ دَلِيل صِحَة

стр. 554

الْعلَّة أَن يكون مخيلا حجتهم أَن هَذَا الْأَثر مِمَّا لَا يحس بطرِيق الْحس وَلكنه يعقل فَيكون طَرِيق الْوُقُوف عَلَيْهِ تحكيم الْقلب حَتَّى إِذا تخايل فِي الْقلب بِهِ أثر الْقبُول وَالصِّحَّة كَانَ ذَلِك حجَّة للْعَمَل بِهِ بِمَنْزِلَة التَّحَرِّي فِي بَاب الْقبْلَة عِنْد انْقِطَاع سَائِر الْأَدِلَّة فَإِن تحكيم الْقلب فِيهِ جَائِز وَيجب الْعَمَل بِمَا يَقع فِي قلب من ابْتُلِيَ بِهِ من أَنه جِهَة الْكَعْبَة وَعَلِيهِ دلّ قَول رَسُول الله ﷺ لوابصة بن معبد ﵁ ضع يدك على صدرك واستفت قَلْبك فَمَا حك فِي صدرك فَدَعْهُ وَإِن أَفْتَاك النَّاس بِهِ فَعرفنَا أَن الْعَدَالَة تحصل بِصفة الإخالة ثمَّ الْعرض على الْأُصُول بعد ذَلِك احْتِيَاط وَالْعَمَل بِهِ قبله جَائِز بِمَنْزِلَة مَا لَو كَانَ الشَّاهِد مَعْلُوم الْعَدَالَة عِنْد القَاضِي فَإِن الْعَمَل بِشَهَادَتِهِ جَائِز لَهُ وَالْعرض على المزكين بعد ذَلِك نوع احْتِيَاط فَإِن لم يعجل وَرجع إِلَى المزكين فَهُوَ احْتِيَاط أَخذ بِهِ لجَوَاز أَن يظْهر لَهُ بِالرُّجُوعِ إِلَيْهِم مَا لم يكن مَعْلُوما لَهُ قَالَ وَهَذَا بِخِلَاف شَهَادَة الشَّاهِد فَإِن بِصفة الصلاحية هُنَاكَ لَا تثبت الْعَدَالَة لِأَن الشَّاهِد مبتلى بِالْأَمر وَالنَّهْي وَهُوَ أَمِين فِيمَا اؤتمن من حُقُوق الشَّرْع ويتوهم مِنْهُ أَدَاء الْأَمَانَة فَيكون عدلا بِهِ والخيانة فَلَا يكون عدلا مَعَه وَإِذا لم يكن أَدَاء الْأَمَانَة مِنْهُ مَعْلُوم القَاضِي لَا يصير عدلا عِنْده مَا لم يعرض حَاله على المزكين فَأَما الْوَصْف الَّذِي هُوَ عِلّة بَعْدَمَا علم صفة الصلاحية فِيهِ تصير عَدَالَته مَعْلُومَة إِذْ لَيْسَ فِيهِ توهم الْخِيَانَة فَلهَذَا كَانَ الْعرض على الْأُصُول هُنَا احْتِيَاطًا فَإِن سلم عَمَّا يناقضه ويعارضه بِكَوْنِهِ مطردا فِي الْأُصُول فَحكم وجوب الْعَمَل بِهِ يزْدَاد وكادة وَإِن ورد عَلَيْهِ نقض فَذَلِك النَّقْض جرح بِمَنْزِلَة الشَّاهِد الَّذِي هُوَ مَعْلُوم الْعَدَالَة إِذا ظهر فِيهِ طعن من بعض المزكين فَإِن ذَلِك يكون جرحا فِي عَدَالَته إِلَّا أَن يتَبَيَّن لَهُ أَنه لم يكن عدلا والمعارضة دفع بِمَنْزِلَة شَاهد آخر يشْهد بِخِلَاف مَا شهد بِهِ الْعدْل وَأما الْفَرِيق الثَّانِي فَإِنَّهُم قَالُوا كَونه مخيلا أَمر بَاطِن لَا يُمكن إثْبَاته

стр. 555

على الْخصم وَمَا لم تثبت صفة الْعَدَالَة بِمَا يكون حجَّة على الْخصم لَا يُمكن إِلْزَام الْخصم بِهِ وأثبتنا صفة الْعَدَالَة فِيهِ بِمَا أثبتنا صفة الصلاحية وَهُوَ الملاءمة فَإِن ذَلِك يكون بِالْعرضِ على الْعِلَل المنقولة عَن السّلف حَتَّى إِذا علم الْمُوَافقَة كَانَ صَالحا وَبعد صفة الصلاحية يحْتَمل أَن لَا يكون حجَّة لِأَن الْعِلَل الشَّرْعِيَّة لَا توجب الحكم بذواتها فَلَا بُد من إِثْبَات صفة الْعَدَالَة فِيهِ بِالْعرضِ على الْأُصُول حَتَّى إِذا كَانَ مطردا سالما عَن النقوض والمعارضات فَحِينَئِذٍ تثبت عَدَالَته من قبل أَن الْأُصُول شَهَادَة لله على أَحْكَامه كَمَا كَانَ الرَّسُول فِي حَال حَيَاته فَيكون الْعرض على الْأُصُول وَامْتِنَاع الْأُصُول من رده بِمَنْزِلَة الْعرض على رَسُول الله ﷺ فِي حَيَاته وسكوته عَن الرَّد وَذَلِكَ دَلِيل عَدَالَته بِاعْتِبَار أَن السُّكُوت بعد تحقق الْحَاجة إِلَى الْبَيَان لَا يحل فَعرفنَا أَن بِالْعرضِ على الْأُصُول تثبت الْعَدَالَة كَمَا أَن عَدَالَة الشَّاهِد تثبت بِعرْض حَاله على المزكين وَالْفرق الثَّانِي الَّذِي قَالُوا لَيْسَ بِقَوي فَإِن بعد ثُبُوت صفة الصلاحية للشَّاهِد إِنَّمَا بَقِي احْتِمَال الْكَذِب فِي أَدَائِهِ وَهنا بعد ثُبُوت صفة الصلاحية بَقِي الِاحْتِمَال فِي أَصله أَن الشَّرْع جعله عِلّة للْحكم أم لَا فَإِنَّهُ إِن ورد عَلَيْهِ نقض أَو مُعَارضَة يتَبَيَّن بِهِ أَن الشَّرْع مَا جعله عِلّة للْحكم لِأَن المناقضة اللَّازِمَة لَا تكون فِي الْحجَج الشَّرْعِيَّة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا﴾ وَكَذَلِكَ الْمُعَارضَة اللَّازِمَة لَا تكون فِي الْحجَج الشَّرْعِيَّة فَإِذا كَانَ هُنَاكَ مَعَ بَقَاء الِاحْتِمَال فِي الْوَصْف لَا يكون حجَّة للْعَمَل بِهِ فَهُنَا مَعَ بَقَاء الِاحْتِمَال فِي الأَصْل لِأَن لَا يكون حجَّة كَانَ أولى وكما أَن طَرِيق رفع ذَلِك الِاحْتِمَال هُنَاكَ الْعرض على المزكين والأدنى فِيهِ اثْنَان فالطريق هُنَا الْعرض على الْأُصُول وَأدنى ذَلِك أصلان إِذْ لَا نِهَايَة للأعلى وَفِي الْوُقُوف على ذَلِك حرج بَين وَبِهَذَا التَّقْرِير يتَبَيَّن أَن الْعرض على جَمِيع الْأُصُول لَيْسَ بِشَرْط عِنْده كَمَا ذهب إِلَيْهِ بعض شُيُوخنَا استقصى فِي الْعرض فالخصم يَقُول وَرَاء هَذَا أصل آخر (هُوَ) معَارض أَو نَاقض لما يَدعِيهِ فَلَا يجد بدا من أَن يَقُول لم يقم عِنْدِي دَلِيل النَّقْض والمعارضة وَمثل هَذَا لَا يصلح حجَّة لإلزام الْخصم على مَا نبينه فِي بَابه قَالُوا وَالَّذِي يُحَقّق مَا ذكرنَا أَن المعجزة الَّتِي أوجبت علم الْيَقِين كَانَ طَرِيق ثُبُوتهَا السَّلامَة عَن النقوض والمعارضات كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿قل لَئِن اجْتمعت﴾ وشيوخه فَإِن من شَرط ذَلِك لم يجد بدا من الْعَمَل بِلَا دَلِيل

стр. 556

لِأَنَّهُ وَإِن ﴿الْإِنْس وَالْجِنّ على أَن يَأْتُوا بِمثل هَذَا الْقُرْآن لَا يأْتونَ بِمثلِهِ﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا﴾ فَبِهَذَا يتَبَيَّن أَن طَرِيق إِثْبَات الْحجَّة لما لَا نحس هَذَا وَأما عُلَمَاؤُنَا إِنَّهُم يَقُولُونَ حاجتنا إِلَى إِثْبَات دَلِيل الْحجَّة فِيمَا لَا يحس وَلَا يعاين وَطَرِيق ذَلِك أَثَره الَّذِي ظهر فِي مَوضِع من الْمَوَاضِع أَلا ترى أَن الطَّرِيق فِي معرفَة عَدَالَة الشَّاهِد هَذَا وَهُوَ أَن ينظر إِلَى أثر دينه فِي مَنعه عَن ارْتِكَاب مَا يعْتَقد فِيهِ الْحُرْمَة فَإِذا ظهر أثر ذَلِك فِي سَائِر الْمَوَاضِع يتَرَجَّح جَانب الصدْق فِي شَهَادَته بطرِيق الِاسْتِدْلَال بالأثر وَهُوَ أَن الظَّاهِر أَنه ينزجر عَن شَهَادَة الزُّور لاعْتِقَاده الْحُرْمَة فِيهِ وَكَذَلِكَ الدّلَالَة على إِثْبَات الصَّانِع تكون بآثار صَنعته بطرِيق الْوَصْف وَالْبَيَان على وَجه مجمع عَلَيْهِ كَمَا نبينه فِي مَوْضِعه وَكَذَلِكَ فِي المحسوسات كالجرح وَنَحْو ذَلِك فَإِنَّهُ يسْتَدلّ عَلَيْهِ بأثره حسا وَالِاسْتِدْلَال بالمحسوس لغير المحسوس يكون بالأثر أَيْضا فَتبين أَن مَا بِهِ يصير الْوَصْف حجَّة بعد الصلاحية بالملاءمة على مَا قَرَّرَهُ الْخصم وَهُوَ ظُهُور أَثَره فِي الْأُصُول فَأَما الإخالة فَهُوَ عبارَة عَن مُجَرّد الظَّن إِذْ الخيال وَالظَّن وَاحِد وَالظَّن لَا يُغني من الْحق شَيْئا وَأحسن الْعبارَات فِيهِ أَن يَجْعَل بِمَنْزِلَة الإلهام وَهُوَ لَا يصلح للإلزام على الْغَيْر على مَا نبينه ثمَّ هَذَا شَيْء فِي الْبَاطِن لَا يطلع عَلَيْهِ غير صَاحبه وَمثله لَا يكون حجَّة على الْغَيْر كالتحري الَّذِي اسْتشْهد بِهِ فَإِن مَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ تحري الْوَاحِد لَا يكون حجَّة على أَصْحَابه حَتَّى لَا يلْزمهُم اتِّبَاعه فِي تِلْكَ الْجِهَة وكلامنا فِيمَا يكون حجَّة

стр. 557

لإلزام الْغَيْر الْعَمَل بِهِ ثمَّ كل خصم يتَمَكَّن من أَن يَقُول يخايل فِي قلبِي أثر الْقبُول وَالصِّحَّة للوصف الَّذِي دَعَاهُ بل للْحكم الَّذِي هُوَ الْمَقْصُود وَصفَة التَّعَارُض لَا يجوز أَن يكون لَازِما فِي الْحجَج الشَّرْعِيَّة كصفة المناقضة وَكَذَلِكَ الاطراد لَا يَسْتَقِيم أَن يَجْعَل دَلِيل كَونه حجَّة لِأَنَّهُ عبارَة عَن عُمُوم شَهَادَة هَذَا الْوَصْف فِي الْأُصُول فَيكون نَظِير كَثْرَة أَدَاء الشَّهَادَة من الشَّاهِدين فِي الْحَوَادِث عِنْد القَاضِي أَو تكْرَار الْأَدَاء مِنْهُ فِي حَادِثَة وَاحِدَة وَذَلِكَ لَا يكون مُوجبا عَدَالَته قَوْله بِأَن الْأُصُول مزكون كالرسول قُلْنَا لَا كَذَلِك بل كل أصل شَاهد فالأصول كجماعة الشُّهُود أَو عدد الروَاة للْخَبَر وَدَلِيل صِحَة الْخَبَر وَكَونه حجَّة إِنَّمَا يطْلب من متن الحَدِيث فالأثر للوصف بِمَنْزِلَة دَلِيل الصِّحَّة من متن الْخَبَر والاطراد فِي الْأُصُول بِمَنْزِلَة كَثْرَة الروَاة فَكيف يَسْتَقِيم أَن يَجْعَل الْأُصُول مزكين وَلَا معرفَة لَهُم بِهَذَا الْوَصْف وحاله وأنى تكون التَّزْكِيَة مِمَّن لَا خبْرَة لَهُ وَلَا معرفَة بِحَال الشَّاهِد وَمَا قَالُوا إِن المعجزة بِمثل هَذَا صَارَت حجَّة فَهُوَ غلط وَإِنَّمَا صَارَت حجَّة بِكَوْنِهَا خَارِجَة عَن حد مَقْدُور الْبشر فَإِن الْقُرْآن بِهَذِهِ الصّفة وَلَكِن الْكفَّار كَانُوا يتعنتون فَيَقُولُونَ إِنَّه من جنس كَلَام الْبشر كَمَا أخبر الله تَعَالَى عَنْهُم ﴿قَالُوا قد سمعنَا لَو نشَاء لقلنا مثل هَذَا﴾ فطولبوا بالإتيان بِمثلِهِ ليظْهر بِهِ تعنتهم فَإِنَّهُم لَو قدرُوا على ذَلِك مَا صَبَرُوا على الِامْتِنَاع عَنهُ إِلَى الْقِتَال وَفِيه ذهَاب نُفُوسهم وَأَمْوَالهمْ فَإِن قيل فِي اعْتِبَار الْأَثر اعْتِبَار مَا لَا يُمكن الْوُقُوف فِيهِ على حد مَعْلُوم يعقل أَو يظْهر للخصوم قُلْنَا لَا كَذَلِك فَإِن الْأَثر فِيمَا يحس مَعْلُوم حسا كأثر الْمَشْي على الأَرْض وَأثر الْجراحَة على الْبدن وَأثر الإسهال فِي الدَّوَاء المسهل وَفِيمَا يعقل مَعْلُوم بطرِيق اللُّغَة نَحْو عَدَالَة الشَّاهِد فَإِنَّهُ يعلم بأثر دينه فِي الْمَنْع كَمَا بَينا وَهَذَا الْأَثر الَّذِي ادعيناه يظْهر للخصم بِالتَّأَمُّلِ فَإِنَّهُ عبارَة عَن رَسُول الله ﷺ وَعَن الصَّحَابَة وَالسَّلَف من الْفُقَهَاء رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ فَمن ذَلِك قَول رَسُول الله ﷺ فِي الْهِرَّة إِنَّهَا من الطوافين عَلَيْكُم والطوافات لِأَنَّهَا عِلّة مُؤثرَة فِيمَا يرجع إِلَى التَّخْفِيف لِأَنَّهُ عبارَة عَن عُمُوم الْبلوى والضرورة فِي سؤره وَقد ظهر تَأْثِير الضَّرُورَة فِي إِسْقَاط حكم الْحُرْمَة أصلا بِالنَّصِّ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَمن اضْطر غير بَاغ وَلَا عَاد﴾ عَن أثر ظَاهر فِي بعض الْمَوَاضِع سوى الْمُتَنَازع فِيهِ وَهُوَ مُوَافق

стр. 558

للعلل المنقولة ﴿فَلَا إِثْم عَلَيْهِ﴾ وَالْإِشَارَة إِلَيْهِ لدفع نَجَاسَة سؤره أَو لإِثْبَات حكم التَّخْفِيف فِي سؤره يكون اسْتِدْلَالا لَهُ بعلة مُؤثرَة وَكَذَلِكَ قَوْله ﵇ إِنَّهَا دم عرق انفجر فَإِنَّهُ اسْتِدْلَال بعلة مُؤثرَة فِي نقض الطَّهَارَة وَهُوَ أَن الدَّم فِي نَفسه نجس وبالانفجار يصل إِلَى مَوضِع يجب تَطْهِير ذَلِك الْموضع مِنْهُ وَوُجُوب التَّطْهِير لَا يكون إِلَّا بعد وجود مَا يعْدم الطَّهَارَة فَإِن قيل هَذَا لَيْسَ بتعليل مِنْهُ لانتقاض الطَّهَارَة بِدَم الِاسْتِحَاضَة بل لبَيَان أَنه لَيْسَ بِدَم الْحيض قُلْنَا قد قَالَ أَولا لَيست بالحيضة وَهَذَا اللَّفْظ كَاف لهَذَا الْمَقْصُود فَلَا بُد من أَن يحمل قَوْله (وَلكنهَا دم عرق انفجر) على فَائِدَة جَدِيدَة وَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا بَيَان عِلّة للْحَدَث الْمُوجب للطَّهَارَة وَقَالَ ﵇ لعمر ﵁ فِي الْقبْلَة أَرَأَيْت لَو تمضمضت بِمَاء ثمَّ مججته أَكَانَ يَضرك فَهَذَا إِشَارَة إِلَى عِلّة مُؤثرَة أَي الْفطر ضد الصَّوْم وَإِنَّمَا يتَأَدَّى الصَّوْم بالكف عَن اقْتِضَاء الشهوتين فَكَمَا أَن اقْتِضَاء شَهْوَة الْبَطن بِمَا يصل إِلَى الْحلق لَا بِمَا يصل إِلَى الْفَم حَتَّى لَا تكون الْمَضْمَضَة مُوجبَة للفطر فَكَذَلِك اقْتِضَاء شَهْوَة الْفرج يكون بالإيلاج أَو الْإِنْزَال لَا بِمُجَرَّد الْقبْلَة الَّتِي هِيَ الْمُقدمَة وَكَذَلِكَ قَوْله للخثعمية أَرَأَيْت لَو كَانَ على أَبِيك دين الحَدِيث هُوَ إِشَارَة إِلَى الْعلَّة المؤثرة وَهُوَ أَن صَاحب الْحق يقبل من غير من عَلَيْهِ الْحق إِذا جَاءَ بِحقِّهِ فأداه على سَبِيل الْإِحْسَان والمساهلة مَعَ من عَلَيْهِ الْحق وَالله هُوَ المحسن المتفضل على عباده فَهُوَ أَحَق من أَن يقبل مِنْك وَقَالَ فِي حُرْمَة الصَّدَقَة على بني هَاشم أَرَأَيْت لَو تضمضت بِمَاء أَكنت شَاربه فَفِيهِ إِشَارَة إِلَى عِلّة مُؤثرَة وَهُوَ

стр. 559

أَن الصَّدَقَة من أوساخ النَّاس لكَونهَا مطهرة من الذُّنُوب فَهِيَ كالغسالة المستعملة والامتناع من شرب ذَلِك يكون بطرِيق الْأَخْذ بمعالي الْأُمُور فَكَذَلِك حُرْمَة الصَّدَقَة على بني هَاشم يكون على وَجه التَّعْظِيم وَالْإِكْرَام لَهُم ليَكُون لَهُم خُصُوصِيَّة بِمَا هُوَ من معالي الْأُمُور وَكَذَلِكَ الصَّحَابَة حِين اخْتلفُوا فِي الْجد مَعَ الْإِخْوَة اشتغلوا بِالتَّعْلِيلِ لإِظْهَار صفة الْقرب بالوادي الَّذِي تتشعب مِنْهُ الْأَنْهَار والشجرة الَّتِي ينْبت مِنْهَا الأغصان وَمَا ذَلِك إِلَّا بِاعْتِبَار الْمُؤثر فِي الْعلم بتفاوت الْقرب بطرِيق محسوس وَابْن عَبَّاس علل فِي ذَلِك بقوله أَلا يَتَّقِي الله زيد بن ثَابت يَجْعَل ابْن الابْن ابْنا وَلَا يَجْعَل أَب الْأَب أَبَا فَهُوَ اسْتِدْلَال الْمُؤثر من حَيْثُ اعْتِبَار أحد الطَّرفَيْنِ بالطرف الآخر فِي الْقرب وَقَالَ عمر لعبادة بن الصَّامِت حِين قَالَ مَا أرى النَّار تحل شَيْئا فِي الطلاء أَلَيْسَ يكون خمرًا ثمَّ يكون خلا فتشربه فَهَذَا اسْتِدْلَال بمؤثر وَهُوَ التَّغْيِير بالطباع وَعلل مُحَمَّد فِي كتاب الطَّلَاق فِيمَن قَالَ لامْرَأَته إِن دخلت الدَّار فَأَنت طَالِق ثَلَاثًا ثمَّ طَلقهَا ثَلَاثًا أَن الْيَمين لَا يبْقى لِأَنَّهُ ذهب تَطْلِيقَات ذَلِك الْملك كُله وَهَذَا تَعْلِيل بِوَصْف مُؤثر فَإِن الْيَمين لَا تَنْعَقِد إِلَّا فِي الْملك بِاعْتِبَار تَطْلِيقَات مَمْلُوكَة أَو مُضَافَة إِلَى الْملك وَالْإِضَافَة إِلَى الْملك لم تُوجد هُنَا فَعرفنَا أَنَّهَا انْعَقَدت على التطليقات الْمَمْلُوكَة وَقد أوقع كلهَا وَالْكل من كل شَيْء لَا يتَصَوَّر فِيهِ تعدد فَعرفنَا أَنه لم يبْق شَيْء من الْجَزَاء وَالْيَمِين شَرط وَجَزَاء فَكَمَا لَا يتَصَوَّر انْعِقَادهَا بِدُونِ الْجَزَاء لَا يتَصَوَّر بَقَاؤُهَا إِذا لم يبْق شَيْء من الْجَزَاء وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ فِيمَن اشْترى قَرِيبه مَعَ غَيره حَتَّى عتق نصِيبه مِنْهُ لَا يضمن لشَرِيكه شَيْئا لِأَن شَرِيكه رَضِي بِالَّذِي وَقع بِهِ الْعتْق بِعَيْنِه يَعْنِي ملك الْقَرِيب الَّذِي هُوَ متمم لعِلَّة الْعتْق وَهَذَا تَعْلِيل بِوَصْف مُؤثر فَإِن ضَمَان الْعتْق إِنَّمَا يجب بالإفساد أَو الْإِتْلَاف لملك الشَّرِيك فَيكون وَاجِبا بطرِيق الْجبرَان لَهُ وَرضَاهُ بِالسَّبَبِ يُغني عَن الْحَاجة إِلَى الْجبرَان لِأَن الْحَاجة إِلَى ذَلِك لدفع الضَّرَر عَنهُ وَقد انْدفع ذَلِك حكما حِين رَضِي بِهِ كَمَا لَو أذن لَهُ نصا أَن يعتقهُ وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله فِيمَن أودع صَبيا مَالا فاستهلكه

стр. 560

لَا ضَمَان عَلَيْهِ لِأَنَّهُ سلطه على مَا فعل أَي حِين مكنه من المَال فقد سلطه على إِتْلَافه حسا والتسليط يخرج فعل الْمُسَلط من أَن يكون جِنَايَة فِي حق الْمُسَلط ثمَّ بقوله احفظ جعل التسليط مَقْصُورا على الْحِفْظ بطرِيق العقد وَهَذَا فِي حق الْبَالِغ صَحِيح وَفِي حق الصَّبِي لَا يَصح أصلا وَفِي حق العَبْد الْمَحْجُور لَا يَصح فِي حَالَة الرّقّ وَعلل الشَّافِعِي فِي الزِّنَا أَنه لَا يُوجب حُرْمَة الْمُصَاهَرَة وَقَالَ الزِّنَا فعل رجمت عَلَيْهِ وَالنِّكَاح أَمر حمدت عَلَيْهِ فَهَذَا اسْتِدْلَال فِي الْفرق بِوَصْف مُؤثر أَي ثُبُوت حُرْمَة الْمُصَاهَرَة بطرِيق النِّعْمَة والكرامة فَيجوز أَن يكون سَبَب الْكَرَامَة مَا يحمد الْمَرْء عَلَيْهِ وَلَا يجوز أَن يكون سَببه مَا يُعَاقب الْمَرْء عَلَيْهِ وَهُوَ الزِّنَا الْمُوجب للرجم وَقَالَ النِّكَاح لَا يثبت بِشَهَادَة النِّسَاء مَعَ الرِّجَال لِأَن النِّكَاح لَيْسَ بِمَال وَهَذَا تَعْلِيل بِوَصْف مُؤثر يَعْنِي أَن المَال مبتذل وَملك النِّكَاح مصون عَن الابتذال وَفِي شَهَادَة النِّسَاء مَعَ الرِّجَال ضرب شُبْهَة أَو هِيَ حجَّة ضَرُورَة فَمَا يكون مبتذلا تجْرِي المساهلة فِيهِ وتكثر الْبلوى وَالْحَاجة إِلَيْهِ فَيمكن إثْبَاته بِحجَّة فِيهَا شُبْهَة أَو بِمَا هُوَ حجَّة ضَرُورَة فَأَما مَا يكون مصونا عَن الابتذال فَإِن الْبلوى لَا تكْثر فِيهِ وَهُوَ عَظِيم الْخطر أَيْضا فَلَا يثبت إِلَّا بِحجَّة أَصْلِيَّة خَالِيَة عَن الشُّبْهَة فَعرفنَا أَن طَرِيق تَعْلِيل السّلف هُوَ الْإِشَارَة إِلَى الْوَصْف الْمُؤثر فعلى هَذَا النمط يكون أَكثر مَا عللنا بِهِ فِي الخلافيات مِنْهَا أَن علماءنا قَالُوا فِي أَنه لَا يشْتَرط التّكْرَار فِي الْمسْح بِالرَّأْسِ لإكمال السّنة إِنَّه مسح فَلَا يسن تكراره (كالمسح بالخف وَالتَّيَمُّم وَقَالَ الشَّافِعِي هُوَ ركن أُصَلِّي فِي الطَّهَارَة فَيسنّ فِيهِ التّكْرَار) كالغسل فِي المغسولات فَكَانَ الْمُؤثر مَا قُلْنَا لِأَن فِي لفظ الْمسْح مَا يدل على التَّخْفِيف فَإِن الْمسْح يكون أيسر من الْغسْل لَا محَالة وتأدى الْفَرْض فِي هَذَا الْمحل بِفعل الْمسْح دَلِيل التَّخْفِيف أَيْضا وَكَون الِاسْتِيعَاب فِيهِ لَيْسَ بِشَرْط بِخِلَاف المغسولات تَخْفيف آخر والاكتفاء بالمرة الْوَاحِدَة لإِقَامَة الْفَرْض وَالسّنة من بَاب التَّخْفِيف فَفِي قَوْلنَا مسح إِشَارَة إِلَى مَا هُوَ مُؤثر فِيهِ وَلَيْسَ فِي قَوْله ركن إِشَارَة إِلَى مَا يَنْفِيه ثمَّ الْمَقْصُود بِالسنةِ

стр. 561

الْإِكْمَال وَفِي الْمَمْسُوح لما لم يكن الِاسْتِيعَاب شرطا فبالمرة الْوَاحِدَة مَعَ الِاسْتِيعَاب يحصل الْإِكْمَال فَعرفنَا أَنه يصير بِهِ مُؤديا الْفَرِيضَة وَالسّنة وَفِي المغسولات لما كَانَ الِاسْتِيعَاب شرطا لَا يحصل بالمرة إِلَّا إِقَامَة الْفَرْض فَلَا بُد من التّكْرَار لإِقَامَة السّنة وَلَيْسَ فِي قَوْله ركن إِشَارَة إِلَى هَذَا الْفرق وَفِي قَوْلنَا مسح إِشَارَة إِلَيْهِ فَكَانَ الْمُؤثر مَا قُلْنَا وَقُلْنَا فِي صَوْم الشَّهْر بِمُطلق النِّيَّة إِنَّه يتَأَدَّى لِأَنَّهُ صَوْم عين وَهُوَ يَقُول لَا بُد من نِيَّة الْفَرْض لِأَنَّهُ صَوْم فرض فَكَانَ الْمُؤثر مَا قُلْنَا لِأَن الْمَقْصُود بِالنِّيَّةِ فِي الأَصْل التَّمْيِيز وَلَا يُرَاد بنية الْجِهَة إِلَّا التَّمْيِيز بَين تِلْكَ الْجِهَة وَغَيرهَا وَإِذا كَانَ الْمَشْرُوع فِي هَذَا الزَّمَان عينا لَيْسَ مَعَه غَيره يصاب بِمُطلق الِاسْم فارتفعت الْحَاجة إِلَى الْجِهَة للتمييز وَلَيْسَ فِي صفة الْفَرْضِيَّة مَا يَنْفِي هَذَا التَّعْيِين حَتَّى يثبت بِهِ مساس الْحَاجة إِلَى نِيَّة الْجِهَة للتمييز وَقُلْنَا فِي الضَّرُورَة إِذا حج بنية النَّفْل لَا يَقع حجَّة عَن الْفَرْض لِأَنَّهَا عبَادَة تتأدى بأركان مَعْلُومَة بأسبابها كَالصَّلَاةِ وَهَذَا إِشَارَة إِلَى وصف مُؤثر وَهُوَ أَن تتأدى هَذِه الْعِبَادَة بِمُبَاشَرَة أَرْكَانهَا لَا بوقتها فصحة أَدَاء هَذِه الْأَركان فِي الْوَقْت فرضا لَا يَنْفِي صِحَة أَدَائِهَا نفلا وَإِذا بَقِي الْأَدَاء بِصفة النفلية مَشْرُوعا من هَذَا الْوَجْه فتعيينه جِهَة النَّفْل بِالنِّيَّةِ صَادِق مَحَله فَيجب اعْتِبَاره لَا محَالة بِخِلَاف الصَّوْم فِي الشَّهْر وعللنا فِي الثّيّب الصَّغِيرَة أَن الْأَب يُزَوّجهَا لِأَنَّهَا صَغِيرَة وَلَا يُزَوّج الْبكر الْبَالِغَة إِلَّا بِرِضَاهَا لِأَنَّهَا بَالِغَة والخصم قَالَ فِي الثّيّب الصَّغِيرَة لَا يُزَوّجهَا أَبوهَا من غير رِضَاهَا لِأَنَّهَا ثيب وَفِي الْبكر الْبَالِغَة يُزَوّجهَا من غير رِضَاهَا لِأَنَّهَا بكر فَكَانَ الْمُؤثر مَا قُلْنَا لِأَن ثُبُوت ولَايَة الاستبداد بِالْعقدِ يكون على وَجه النّظر للْمولى عَلَيْهِ بِاعْتِبَار عَجزه عَن مُبَاشرَة ذَلِك بِنَفسِهِ مَعَ حَاجته إِلَى مَقْصُوده كَالنَّفَقَةِ والمؤثر فِي ذَلِك الصغر وَالْبُلُوغ دون الثيابة والبكارة وَكَذَلِكَ فِي سَائِر الْمَوَاضِع إِنَّمَا ظهر الْأَثر للصغر وَالْبُلُوغ فِي الْولَايَة لَا للثيابة والبكارة

стр. 562

يَعْنِي الْولَايَة فِي المَال وَالْولَايَة على الذّكر فَعرفنَا أَنا سلكنا طَرِيق السّلف فِي الِاسْتِدْلَال بِالْوَصْفِ (الْمُؤثر) فَإِن قيل كَيفَ يَسْتَقِيم هَذَا وَالْقِيَاس لَا يكون إِلَّا بفرع وأصل فَإِن المقايسة تَقْدِير الشَّيْء بالشَّيْء وبمجرد ذكر الْوَصْف بِدُونِ الرَّد إِلَى الأَصْل لَا يكون قِيَاسا قُلْنَا قد قَالَ بعض مَشَايِخنَا هَذَا النَّوْع من التَّعْلِيل عِنْد ذكر الأَصْل يكون مقايسة وَبِدُون ذكر الأَصْل يكون اسْتِدْلَالا بعلة مستنبطة بِالرَّأْيِ بِمَنْزِلَة مَا قَالَه الْخصم إِن تَعْلِيل النَّص بعلة تتعدى إِلَى الْفَرْع يكون مقايسة وبعلة لَا تتعدى لَا يكون مقايسة لَكِن يكون بَيَان عِلّة شَرْعِيَّة للْحكم قَالَ ﵁ وَالأَصَح عِنْدِي أَن نقُول هُوَ قِيَاس على كل حَال فَإِن مثل هَذَا الْوَصْف يكون لَهُ أصل فِي الشَّرْع لَا محَالة وَلَكِن يسْتَغْنى عَن ذكره لوضوحه وَرُبمَا لَا يَقع الِاسْتِغْنَاء عَنهُ فنذكره فمما يَقع الِاسْتِغْنَاء عَن ذكره مَا قُلْنَا فِي إِيدَاع الصَّبِي لِأَنَّهُ سلطه على ذَلِك فَإِنَّهُ بِهَذَا الْوَصْف يكون مقيسا على أصل وَاضح وَهُوَ أَن من أَبَاحَ لصبي طَعَاما فتناوله لم يضمن لِأَنَّهُ بِالْإِبَاحَةِ سلطه على تنَاوله وَتَركنَا ذكر هَذَا الأَصْل لوضوحه وَمِمَّا يذكر فِيهِ الأَصْل مَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا فِي طول الْحرَّة إِنَّه لَا يمْنَع نِكَاح الْأمة لِأَن كل نِكَاح يَصح من العَبْد بِإِذن الْمولى فَهُوَ صَحِيح من الْحر كَنِكَاح حرَّة وَهَذَا إِشَارَة إِلَى معنى مُؤثر وَهُوَ أَن الرّقّ ينصف الْحل الَّذِي يبتنى عَلَيْهِ عقد النِّكَاح شرعا وَلَا يُبدلهُ بِحل آخر فَيكون الرَّقِيق فِي النّصْف الْبَاقِي بِمَنْزِلَة الْحر فِي الْكل لِأَنَّهُ ذَلِك الْحل بِعَيْنِه وَلَكِن فِي هَذَا الْمَعْنى بعض الغموض فَتَقَع الْحَاجة إِلَى ذكر الأَصْل وَكَذَلِكَ عللنا فِي جَوَاز نِكَاح الْأمة الْكِتَابِيَّة للْمُسلمِ قُلْنَا كل امْرَأَة يجوز لمُسلم نِكَاحهَا إِذا كَانَت مسلمة يجوز لَهُ نِكَاحهَا إِذا كَانَت كِتَابِيَّة كَالْحرَّةِ وَهَذَا إِشَارَة إِلَى معنى مُؤثر وَهُوَ أَن تَأْثِير الرّقّ فِي تنصيف الْحل وَمَا يبتنى على الْحل الَّذِي فِي جَانب الْمَرْأَة غير مُتَعَدد ليتَحَقَّق معنى التنصيف فِي عدد فَإِن الْمَرْأَة لَا تحل إِلَّا لرجل وَاحِد فَيظْهر حكم التنصيف فِي الْأَحْوَال وَهُوَ

стр. 563

أَن الْأمة من المحللات مُنْفَرِدَة عَن الْحرَّة وَمن الْمُحرمَات مَضْمُومَة إِلَى الْحرَّة فَلَا يَتَزَوَّجهَا على حرَّة ويتزوجها إِذا لم يكن تَحْتَهُ حرَّة ثمَّ النّصْف الْبَاقِي فِي جَانب الْأمة هُوَ الثَّابِت فِي حق الْحرَّة فَإِذا كَانَ بِهَذَا الْحل يتَزَوَّج الْحرَّة مسلمة كَانَت أَو كِتَابِيَّة عرفنَا أَنه يتَزَوَّج الْأمة مسلمة كَانَت أَو كِتَابِيَّة وَلَكِن فِي هَذَا الْكَلَام بعض الغموض فيذكر الأَصْل عِنْد التَّعْلِيل فَعرفنَا أَن جَمِيع مَا ذكرنَا اسْتِدْلَال بِالْقِيَاسِ فِي الْحَقِيقَة وَأَنه مُوَافق لطريق السّلف فِي تَعْلِيل الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة فصل الحكم حكم الْعلَّة الَّتِي نسميها قِيَاسا أَو عِلّة ثَابِتَة بِالرَّأْيِ تَعديَة حكم النَّص بهَا إِلَى فرع لَا نَص فِيهِ عندنَا وعَلى قَول الشَّافِعِي حكمهَا تعلق الحكم فِي الْمَنْصُوص بهَا فَأَما التَّعْدِيَة بهَا جَائِز وَلَيْسَ بِوَاجِب حَتَّى يكون التَّعْلِيل بِدُونِهَا صَحِيحا وَإِنَّمَا يتَبَيَّن هَذَا بفصلين سبق بيانهما أَحدهمَا تَعْلِيل الأَصْل بِمَا لَا يتَعَدَّى لمنع قِيَاس غَيره عَلَيْهِ عندنَا لَا يكون صَحِيحا وَعِنْده يَصح وَالثَّانِي التَّعْدِيَة بِالتَّعْلِيلِ إِلَى مَحل مَنْصُوص عَلَيْهِ لَا يَصح عندنَا خلافًا لَهُ ثمَّ حجَّته فِي هَذِه الْمَسْأَلَة اعْتِبَار الْعِلَل الشَّرْعِيَّة بالعلل الْعَقْلِيَّة كَمَا أَن الْوُجُود هُنَاكَ يتَعَلَّق بِمَا هُوَ عِلّة لَهُ فالوجوب فِي الْعِلَل الشَّرْعِيَّة يتَعَلَّق بِالْعِلَّةِ وَيكون هُوَ الحكم الْمَطْلُوب بهَا دون التَّعْدِيَة وَإِنَّمَا نعني بِالْوُجُوب وجوب الْعَمَل على وَجه يبْقى فِيهِ احْتِمَال الْخَطَأ وَاعْتبر الْعلَّة المستنبطة من النَّص بِالْعِلَّةِ الْمَنْصُوص عَلَيْهَا فِي الشَّرْع فَكَمَا أَن الحكم هُنَاكَ يتَعَلَّق بِالْعِلَّةِ وَتَكون عِلّة صَحِيحَة بِدُونِ التَّعْدِيَة فَكَذَلِك هُنَا أَلا ترى أَن الْأَسْبَاب الْمُوجبَة للحدود وَالْكَفَّارَات جعلت سَببا شرعا ليتعلق الحكم بهَا بِالنَّصِّ من غير تَعديَة إِلَى مَحل آخر فَكَذَلِك الْعِلَل الشَّرْعِيَّة يتَعَلَّق الحكم بهَا فِي الْمَنْصُوص تعدى بهَا إِلَى مَحل آخر أَو لم يَتَعَدَّ وَالْجَوَاب مَا هُوَ حجتنا أَن نقُول مَا ينازعنا فِيهِ من الْعلَّة لَا يكون حجَّة للْحكم إِلَّا بعد النَّص كَمَا قَالَ ﵊ فِي حَدِيث معَاذ فَإِن لم تَجدهُ فِي الْكتاب وَالسّنة

стр. 564

قَالَ اجْتهد رَأْيِي وَمَا يكون عَاملا بعد النَّص كَانَ شَرط عمله انعدام النَّص فِي الْمحل الَّذِي يعْمل فِيهِ فَعرفنَا أَنه لَا عمل لَهُ فِي مَحل مَنْصُوص وَإِذا لم يجز أَن يكون عَاملا على وَجه الْمُعَارضَة بِحكم النَّص بِخِلَافِهِ عرفنَا أَنه لَا عمل لَهُ فِي مَوضِع النَّص فَلَا يُمكن أَن يَجْعَل حكمه تعلق حكم الشَّرْع بِهِ فِي الْمَنْصُوص يُوضحهُ أَن بِالْإِجْمَاع هَذِه الْعلَّة لَا يجوز أَن يتَغَيَّر بهَا حكم النَّص وَمَعْلُوم أَن التَّغْيِير دون الْإِبْطَال فَإِذا كَانَ الحكم فِي الْمَنْصُوص مُضَافا إِلَى النَّص قبل التَّعْلِيل فَلَو قُلْنَا بِالتَّعْلِيلِ يصير مُضَافا إِلَى الْعلَّة كَانَ إبطالا وَلَا شكّ أَنه يكون تغييرا على معنى أَن فِيهِ إِخْرَاج سَائِر أَوْصَاف النَّص من أَن يكون الحكم مُضَافا إِلَيْهَا وكما لَا يجوز إِخْرَاج بعض الْمحَال الَّذِي تنَاوله النَّص من حكم النَّص بِالتَّعْلِيلِ لَا يجوز إِخْرَاج بعض الْأَوْصَاف عَن ذَلِك بِالتَّعْلِيلِ يُوضحهُ أَن الْعلَّة مَا يتَغَيَّر بهَا حكم الْحَال وَمَعْلُوم أَن حكم النَّص لَا يتَغَيَّر بِالْعِلَّةِ فِي نَفسه فَعرفنَا أَنه يتَغَيَّر بهَا الْحَال فِي مَحل آخر وَهُوَ الْمحل الَّذِي تعدى إِلَيْهِ الحكم فَيثبت فِيهِ بهَا بعد أَن لم يكن ثَابتا وَهَذَا لَا يتَحَقَّق فِي عِلّة لَا توجب تَعديَة الحكم فَهَذَا تبين أَن حكم الْعلَّة على الْخُصُوص تَعديَة الحكم لَا إِيجَاب الحكم بهَا ابْتِدَاء بِمَنْزِلَة الْحِوَالَة فَإِنَّهَا لما كَانَت مُشْتَقَّة من التَّحْوِيل كَانَ حكمهَا الْخَاص تحول الدّين الْوَاجِب بهَا من ذمَّة إِلَى ذمَّة من غير أَن تكون مُؤثرَة فِي إِيجَاب الدّين بهَا ابْتِدَاء وَمن فهم هَذَا سقط عَنهُ مُؤنَة الْحِفْظ فِي ثَلَاثَة أَربَاع مَا يسْتَعْمل النَّاس الْقيَاس فِيهِ لِأَن جَمِيع مَا يتَكَلَّم النَّاس فِيهِ على سَبِيل المقايسة أَرْبَعَة أَقسَام الْمُوجب للْحكم وَصفته وَمَا هُوَ شَرط فِي الْعلَّة وَصفته وَالْحكم الثَّابِت فِي الشَّرْع وَصفته وَالْحكم الْمُتَّفق على كَونه مَشْرُوعا مَعْلُوما بِصفتِهِ أهوَ مَقْصُور على الْمحل الَّذِي ورد فِيهِ النَّص أم تعدى إِلَى غَيره من الْمحَال الَّذِي يماثله بِالتَّعْلِيلِ وَإِنَّمَا يجوز اسْتِعْمَال الْقيَاس فِي الْقسم الرَّابِع فَأَما الْأَقْسَام الثَّلَاثَة فَلَا مدْخل للْقِيَاس فِيهَا فِي الْإِثْبَات وَلَا فِي النَّفْي لِأَن الْمُوجب مَا جعله الشَّرْع مُوجبا على مَا بَينا أَن الْعِلَل الشَّرْعِيَّة لَا تكون مُوجبَة بذواتها بل بِجعْل الشَّرْع إِيَّاهَا مُوجبَة فَلَا مجَال للرأي فِي معرفَة ذَلِك وَإِنَّمَا طَرِيق مَعْرفَته السماع مِمَّن

стр. 565

ينزل عَلَيْهِ الْوَحْي وَصفَة الشَّيْء مُعْتَبر بِأَصْلِهِ وكما لَا يكون مُوجبا بِدُونِ رُكْنه لَا يكون مُوجبا بِدُونِ شَرطه وَلَا مدْخل للرأي فِي معرفَة شَرطه وَلَا صفة شَرطه كَمَا لَا مدْخل للرأي فِي أَصله وَكَذَلِكَ نصب الحكم ابْتِدَاء إِلَى الشَّرْع وكما لَيْسَ إِلَى الْعباد ولَايَة نصب الْأَسْبَاب فَلَيْسَ إِلَيْهِم ولَايَة نصب الْأَحْكَام لِأَنَّهَا مَشْرُوعَة بطرِيق الِابْتِلَاء فَأنى يهتدى بِالرَّأْيِ إِلَيْهِ كَيفَ يتَحَقَّق معنى الِابْتِلَاء فِيمَا يستنبط بِالرَّأْيِ ابْتِدَاء فَعرفنَا أَن التَّعْلِيل فِي هَذِه الْأَقْسَام لَا يُصَادف محلهَا والأسباب الشَّرْعِيَّة لَا تصح بِدُونِ الْمحل كَالْبيع الْمُضَاف إِلَى الْحر وَالنِّكَاح الْمُضَاف إِلَى مُحرمَة وَلِأَن حكم التَّعْلِيل التَّعْدِيَة فَفِي هَذِه الْمَوَاضِع الثَّلَاثَة لَا تتَحَقَّق التَّعْدِيَة فَكَانَ اسْتِعْمَال الْقيَاس فِي هَذِه الْمَوَاضِع الثَّلَاثَة بِمَنْزِلَة الْحِوَالَة قبل وجوب الدّين وَذَلِكَ بَاطِل لخلوه عَن حكمه وَهُوَ التَّحْوِيل وكما لَا يجوز اسْتِعْمَال الْقيَاس لإِثْبَات الحكم فِي هَذِه الْمَوَاضِع لَا يجوز للنَّفْي لِأَن الْمُنكر لذَلِك يَدعِي أَنه غير مَشْرُوع وَمَا لَيْسَ بمشروع كَيفَ يُمكن إثْبَاته بِدَلِيل شَرْعِي وَإِن كَانَ يَدعِي رَفعه بعد الثُّبُوت وَهُوَ نسخ وَإِثْبَات النّسخ بِالتَّعْلِيلِ بِالرَّأْيِ لَا يجوز فَعرفنَا أَن مَا يصنعه بعض النَّاس من اسْتِعْمَال الْقيَاس فِي مثل هَذِه الْمَوَاضِع لَيْسَ بِفقه وَأَنه يكون من قلَّة التَّأَمُّل يتَبَيَّن ذَلِك عِنْد النّظر وَأما بَيَان الْمُوجب فِي مسَائِل مِنْهَا (أَن) الْجِنْس بِانْفِرَادِهِ هَل يحرم النسأ فَإِن الْكَلَام فِيهِ بطرِيق الْقيَاس للإثبات أَو للنَّفْي بَاطِل وَإِنَّمَا طَرِيق إثْبَاته الرُّجُوع إِلَى النَّص أَو دلَالَته أَو إِشَارَته أَو مُقْتَضَاهُ لِأَن الثَّابِت بِهَذِهِ الْوُجُوه كَالثَّابِتِ بِالنَّصِّ والموجب للْحكم لَا يعرف إِلَّا بِالنَّصِّ كَالْحكمِ الْوَاجِب فَإِنَّهُ إِذا وَقع الِاخْتِلَاف فِي الْوتر هَل هِيَ بِمَنْزِلَة الْفَرِيضَة زِيَادَة على الْخمس كَانَ الِاشْتِغَال بإثباته بطرِيق الْقيَاس خطأ وَإِنَّمَا أثبت ذَلِك أَبُو حنيفَة ﵀ بِالنَّصِّ الْمَرْوِيّ فِيهِ وَهُوَ قَوْله ﵇ إِن الله تَعَالَى زادكم صَلَاة أَلا وَهِي الْوتر فصلوها مَا بَين الْعشَاء إِلَى طُلُوع الْفجْر فَكَذَلِك طَرِيق
следующие страницы →