Полный текст (724 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
الْإِكْمَال وَفِي الْمَمْسُوح لما لم يكن الِاسْتِيعَاب شرطا فبالمرة الْوَاحِدَة مَعَ الِاسْتِيعَاب يحصل الْإِكْمَال فَعرفنَا أَنه يصير بِهِ مُؤديا الْفَرِيضَة وَالسّنة وَفِي المغسولات لما كَانَ الِاسْتِيعَاب شرطا لَا يحصل بالمرة إِلَّا إِقَامَة الْفَرْض فَلَا بُد من التّكْرَار لإِقَامَة السّنة وَلَيْسَ فِي قَوْله ركن إِشَارَة إِلَى هَذَا الْفرق وَفِي قَوْلنَا مسح إِشَارَة إِلَيْهِ فَكَانَ الْمُؤثر مَا قُلْنَا
وَقُلْنَا فِي صَوْم الشَّهْر بِمُطلق النِّيَّة إِنَّه يتَأَدَّى لِأَنَّهُ صَوْم عين وَهُوَ يَقُول لَا بُد من نِيَّة الْفَرْض لِأَنَّهُ صَوْم فرض فَكَانَ الْمُؤثر مَا قُلْنَا لِأَن الْمَقْصُود بِالنِّيَّةِ فِي الأَصْل التَّمْيِيز وَلَا يُرَاد بنية الْجِهَة إِلَّا التَّمْيِيز بَين تِلْكَ الْجِهَة وَغَيرهَا وَإِذا كَانَ الْمَشْرُوع فِي هَذَا الزَّمَان عينا لَيْسَ مَعَه غَيره يصاب بِمُطلق الِاسْم فارتفعت الْحَاجة إِلَى الْجِهَة للتمييز وَلَيْسَ فِي صفة الْفَرْضِيَّة مَا يَنْفِي هَذَا التَّعْيِين حَتَّى يثبت بِهِ مساس الْحَاجة إِلَى نِيَّة الْجِهَة للتمييز
وَقُلْنَا فِي الضَّرُورَة إِذا حج بنية النَّفْل لَا يَقع حجَّة عَن الْفَرْض لِأَنَّهَا عبَادَة تتأدى بأركان مَعْلُومَة بأسبابها كَالصَّلَاةِ وَهَذَا إِشَارَة إِلَى وصف مُؤثر وَهُوَ أَن تتأدى هَذِه الْعِبَادَة بِمُبَاشَرَة أَرْكَانهَا لَا بوقتها فصحة أَدَاء هَذِه الْأَركان فِي الْوَقْت فرضا لَا يَنْفِي صِحَة أَدَائِهَا نفلا وَإِذا بَقِي الْأَدَاء بِصفة النفلية مَشْرُوعا من هَذَا الْوَجْه فتعيينه جِهَة النَّفْل بِالنِّيَّةِ صَادِق مَحَله فَيجب اعْتِبَاره لَا محَالة بِخِلَاف الصَّوْم فِي الشَّهْر
وعللنا فِي الثّيّب الصَّغِيرَة أَن الْأَب يُزَوّجهَا لِأَنَّهَا صَغِيرَة وَلَا يُزَوّج الْبكر الْبَالِغَة إِلَّا بِرِضَاهَا لِأَنَّهَا بَالِغَة والخصم قَالَ فِي الثّيّب الصَّغِيرَة لَا يُزَوّجهَا أَبوهَا من غير رِضَاهَا لِأَنَّهَا ثيب وَفِي الْبكر الْبَالِغَة يُزَوّجهَا من غير رِضَاهَا لِأَنَّهَا بكر فَكَانَ الْمُؤثر مَا قُلْنَا لِأَن ثُبُوت ولَايَة الاستبداد بِالْعقدِ يكون على وَجه النّظر للْمولى عَلَيْهِ بِاعْتِبَار عَجزه عَن مُبَاشرَة ذَلِك بِنَفسِهِ مَعَ حَاجته إِلَى مَقْصُوده كَالنَّفَقَةِ والمؤثر فِي ذَلِك الصغر وَالْبُلُوغ دون الثيابة والبكارة
وَكَذَلِكَ فِي سَائِر الْمَوَاضِع إِنَّمَا ظهر الْأَثر للصغر وَالْبُلُوغ فِي الْولَايَة لَا للثيابة والبكارة
стр. 562
يَعْنِي الْولَايَة فِي المَال وَالْولَايَة على الذّكر فَعرفنَا أَنا سلكنا طَرِيق السّلف فِي الِاسْتِدْلَال بِالْوَصْفِ (الْمُؤثر)
فَإِن قيل كَيفَ يَسْتَقِيم هَذَا وَالْقِيَاس لَا يكون إِلَّا بفرع وأصل فَإِن المقايسة تَقْدِير الشَّيْء بالشَّيْء وبمجرد ذكر الْوَصْف بِدُونِ الرَّد إِلَى الأَصْل لَا يكون قِيَاسا
قُلْنَا قد قَالَ بعض مَشَايِخنَا هَذَا النَّوْع من التَّعْلِيل عِنْد ذكر الأَصْل يكون مقايسة وَبِدُون ذكر الأَصْل يكون اسْتِدْلَالا بعلة مستنبطة بِالرَّأْيِ بِمَنْزِلَة مَا قَالَه الْخصم إِن تَعْلِيل النَّص بعلة تتعدى إِلَى الْفَرْع يكون مقايسة وبعلة لَا تتعدى لَا يكون مقايسة لَكِن يكون بَيَان عِلّة شَرْعِيَّة للْحكم قَالَ ﵁ وَالأَصَح عِنْدِي أَن نقُول هُوَ قِيَاس على كل حَال فَإِن مثل هَذَا الْوَصْف يكون لَهُ أصل فِي الشَّرْع لَا محَالة وَلَكِن يسْتَغْنى عَن ذكره لوضوحه وَرُبمَا لَا يَقع الِاسْتِغْنَاء عَنهُ فنذكره
فمما يَقع الِاسْتِغْنَاء عَن ذكره مَا قُلْنَا فِي إِيدَاع الصَّبِي لِأَنَّهُ سلطه على ذَلِك فَإِنَّهُ بِهَذَا الْوَصْف يكون مقيسا على أصل وَاضح وَهُوَ أَن من أَبَاحَ لصبي طَعَاما فتناوله لم يضمن لِأَنَّهُ بِالْإِبَاحَةِ سلطه على تنَاوله وَتَركنَا ذكر هَذَا الأَصْل لوضوحه
وَمِمَّا يذكر فِيهِ الأَصْل مَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا فِي طول الْحرَّة إِنَّه لَا يمْنَع نِكَاح الْأمة لِأَن كل نِكَاح يَصح من العَبْد بِإِذن الْمولى فَهُوَ صَحِيح من الْحر كَنِكَاح حرَّة وَهَذَا إِشَارَة إِلَى معنى مُؤثر وَهُوَ أَن الرّقّ ينصف الْحل الَّذِي يبتنى عَلَيْهِ عقد النِّكَاح شرعا وَلَا يُبدلهُ بِحل آخر فَيكون الرَّقِيق فِي النّصْف الْبَاقِي بِمَنْزِلَة الْحر فِي الْكل لِأَنَّهُ ذَلِك الْحل بِعَيْنِه وَلَكِن فِي هَذَا الْمَعْنى بعض الغموض فَتَقَع الْحَاجة إِلَى ذكر الأَصْل
وَكَذَلِكَ عللنا فِي جَوَاز نِكَاح الْأمة الْكِتَابِيَّة للْمُسلمِ قُلْنَا كل امْرَأَة يجوز لمُسلم نِكَاحهَا إِذا كَانَت مسلمة يجوز لَهُ نِكَاحهَا إِذا كَانَت كِتَابِيَّة كَالْحرَّةِ وَهَذَا إِشَارَة إِلَى معنى مُؤثر وَهُوَ أَن تَأْثِير الرّقّ فِي تنصيف الْحل وَمَا يبتنى على الْحل الَّذِي فِي جَانب الْمَرْأَة غير مُتَعَدد ليتَحَقَّق معنى التنصيف فِي عدد فَإِن الْمَرْأَة لَا تحل إِلَّا لرجل وَاحِد فَيظْهر حكم التنصيف فِي الْأَحْوَال وَهُوَ
стр. 563
أَن الْأمة من المحللات مُنْفَرِدَة عَن الْحرَّة وَمن الْمُحرمَات مَضْمُومَة إِلَى الْحرَّة فَلَا يَتَزَوَّجهَا على حرَّة ويتزوجها إِذا لم يكن تَحْتَهُ حرَّة ثمَّ النّصْف الْبَاقِي فِي جَانب الْأمة هُوَ الثَّابِت فِي حق الْحرَّة فَإِذا كَانَ بِهَذَا الْحل يتَزَوَّج الْحرَّة مسلمة كَانَت أَو كِتَابِيَّة عرفنَا أَنه يتَزَوَّج الْأمة مسلمة كَانَت أَو كِتَابِيَّة وَلَكِن فِي هَذَا الْكَلَام بعض الغموض فيذكر الأَصْل عِنْد التَّعْلِيل فَعرفنَا أَن جَمِيع مَا ذكرنَا اسْتِدْلَال بِالْقِيَاسِ فِي الْحَقِيقَة وَأَنه مُوَافق لطريق السّلف فِي تَعْلِيل الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة
فصل الحكم
حكم الْعلَّة الَّتِي نسميها قِيَاسا أَو عِلّة ثَابِتَة بِالرَّأْيِ تَعديَة حكم النَّص بهَا إِلَى فرع لَا نَص فِيهِ عندنَا
وعَلى قَول الشَّافِعِي حكمهَا تعلق الحكم فِي الْمَنْصُوص بهَا فَأَما التَّعْدِيَة بهَا جَائِز وَلَيْسَ بِوَاجِب حَتَّى يكون التَّعْلِيل بِدُونِهَا صَحِيحا
وَإِنَّمَا يتَبَيَّن هَذَا بفصلين سبق بيانهما أَحدهمَا تَعْلِيل الأَصْل بِمَا لَا يتَعَدَّى لمنع قِيَاس غَيره عَلَيْهِ عندنَا لَا يكون صَحِيحا وَعِنْده يَصح
وَالثَّانِي التَّعْدِيَة بِالتَّعْلِيلِ إِلَى مَحل مَنْصُوص عَلَيْهِ لَا يَصح عندنَا خلافًا لَهُ
ثمَّ حجَّته فِي هَذِه الْمَسْأَلَة اعْتِبَار الْعِلَل الشَّرْعِيَّة بالعلل الْعَقْلِيَّة كَمَا أَن الْوُجُود هُنَاكَ يتَعَلَّق بِمَا هُوَ عِلّة لَهُ فالوجوب فِي الْعِلَل الشَّرْعِيَّة يتَعَلَّق بِالْعِلَّةِ وَيكون هُوَ الحكم الْمَطْلُوب بهَا دون التَّعْدِيَة وَإِنَّمَا نعني بِالْوُجُوب وجوب الْعَمَل على وَجه يبْقى فِيهِ احْتِمَال الْخَطَأ
وَاعْتبر الْعلَّة المستنبطة من النَّص بِالْعِلَّةِ الْمَنْصُوص عَلَيْهَا فِي الشَّرْع فَكَمَا أَن الحكم هُنَاكَ يتَعَلَّق بِالْعِلَّةِ وَتَكون عِلّة صَحِيحَة بِدُونِ التَّعْدِيَة فَكَذَلِك هُنَا أَلا ترى أَن الْأَسْبَاب الْمُوجبَة للحدود وَالْكَفَّارَات جعلت سَببا شرعا ليتعلق الحكم بهَا بِالنَّصِّ من غير تَعديَة إِلَى مَحل آخر فَكَذَلِك الْعِلَل الشَّرْعِيَّة يتَعَلَّق الحكم بهَا فِي الْمَنْصُوص تعدى بهَا إِلَى مَحل آخر أَو لم يَتَعَدَّ
وَالْجَوَاب مَا هُوَ حجتنا
أَن نقُول مَا ينازعنا فِيهِ من الْعلَّة لَا يكون حجَّة للْحكم إِلَّا بعد النَّص كَمَا قَالَ ﵊ فِي حَدِيث معَاذ فَإِن لم تَجدهُ فِي الْكتاب وَالسّنة
стр. 564
قَالَ اجْتهد رَأْيِي
وَمَا يكون عَاملا بعد النَّص كَانَ شَرط عمله انعدام النَّص فِي الْمحل الَّذِي يعْمل فِيهِ فَعرفنَا أَنه لَا عمل لَهُ فِي مَحل مَنْصُوص وَإِذا لم يجز أَن يكون عَاملا على وَجه الْمُعَارضَة بِحكم النَّص بِخِلَافِهِ عرفنَا أَنه لَا عمل لَهُ فِي مَوضِع النَّص فَلَا يُمكن أَن يَجْعَل حكمه تعلق حكم الشَّرْع بِهِ فِي الْمَنْصُوص يُوضحهُ أَن بِالْإِجْمَاع هَذِه الْعلَّة لَا يجوز أَن يتَغَيَّر بهَا حكم النَّص وَمَعْلُوم أَن التَّغْيِير دون الْإِبْطَال فَإِذا كَانَ الحكم فِي الْمَنْصُوص مُضَافا إِلَى النَّص قبل التَّعْلِيل فَلَو قُلْنَا بِالتَّعْلِيلِ يصير مُضَافا إِلَى الْعلَّة كَانَ إبطالا وَلَا شكّ أَنه يكون تغييرا على معنى أَن فِيهِ إِخْرَاج سَائِر أَوْصَاف النَّص من أَن يكون الحكم مُضَافا إِلَيْهَا وكما لَا يجوز إِخْرَاج بعض الْمحَال الَّذِي تنَاوله النَّص من حكم النَّص بِالتَّعْلِيلِ لَا يجوز إِخْرَاج بعض الْأَوْصَاف عَن ذَلِك بِالتَّعْلِيلِ يُوضحهُ أَن الْعلَّة مَا يتَغَيَّر بهَا حكم الْحَال وَمَعْلُوم أَن حكم النَّص لَا يتَغَيَّر بِالْعِلَّةِ فِي نَفسه فَعرفنَا أَنه يتَغَيَّر بهَا الْحَال فِي مَحل آخر وَهُوَ الْمحل الَّذِي تعدى إِلَيْهِ الحكم فَيثبت فِيهِ بهَا بعد أَن لم يكن ثَابتا وَهَذَا لَا يتَحَقَّق فِي عِلّة لَا توجب تَعديَة الحكم فَهَذَا تبين أَن حكم الْعلَّة على الْخُصُوص تَعديَة الحكم لَا إِيجَاب الحكم بهَا ابْتِدَاء بِمَنْزِلَة الْحِوَالَة فَإِنَّهَا لما كَانَت مُشْتَقَّة من التَّحْوِيل كَانَ حكمهَا الْخَاص تحول الدّين الْوَاجِب بهَا من ذمَّة إِلَى ذمَّة من غير أَن تكون مُؤثرَة فِي إِيجَاب الدّين بهَا ابْتِدَاء
وَمن فهم هَذَا سقط عَنهُ مُؤنَة الْحِفْظ فِي ثَلَاثَة أَربَاع مَا يسْتَعْمل النَّاس الْقيَاس فِيهِ لِأَن جَمِيع مَا يتَكَلَّم النَّاس فِيهِ على سَبِيل المقايسة أَرْبَعَة أَقسَام الْمُوجب للْحكم وَصفته وَمَا هُوَ شَرط فِي الْعلَّة وَصفته وَالْحكم الثَّابِت فِي الشَّرْع وَصفته وَالْحكم الْمُتَّفق على كَونه مَشْرُوعا مَعْلُوما بِصفتِهِ أهوَ مَقْصُور على الْمحل الَّذِي ورد فِيهِ النَّص أم تعدى إِلَى غَيره من الْمحَال الَّذِي يماثله بِالتَّعْلِيلِ
وَإِنَّمَا يجوز اسْتِعْمَال الْقيَاس فِي الْقسم الرَّابِع فَأَما الْأَقْسَام الثَّلَاثَة فَلَا مدْخل للْقِيَاس فِيهَا فِي الْإِثْبَات وَلَا فِي النَّفْي لِأَن الْمُوجب مَا جعله الشَّرْع مُوجبا على مَا بَينا أَن الْعِلَل الشَّرْعِيَّة لَا تكون مُوجبَة بذواتها بل بِجعْل الشَّرْع إِيَّاهَا مُوجبَة فَلَا مجَال للرأي فِي معرفَة ذَلِك وَإِنَّمَا طَرِيق مَعْرفَته السماع مِمَّن
стр. 565
ينزل عَلَيْهِ الْوَحْي
وَصفَة الشَّيْء مُعْتَبر بِأَصْلِهِ وكما لَا يكون مُوجبا بِدُونِ رُكْنه لَا يكون مُوجبا بِدُونِ شَرطه وَلَا مدْخل للرأي فِي معرفَة شَرطه وَلَا صفة شَرطه كَمَا لَا مدْخل للرأي فِي أَصله وَكَذَلِكَ نصب الحكم ابْتِدَاء إِلَى الشَّرْع وكما لَيْسَ إِلَى الْعباد ولَايَة نصب الْأَسْبَاب فَلَيْسَ إِلَيْهِم ولَايَة نصب الْأَحْكَام لِأَنَّهَا مَشْرُوعَة بطرِيق الِابْتِلَاء فَأنى يهتدى بِالرَّأْيِ إِلَيْهِ كَيفَ يتَحَقَّق معنى الِابْتِلَاء فِيمَا يستنبط بِالرَّأْيِ ابْتِدَاء فَعرفنَا أَن التَّعْلِيل فِي هَذِه الْأَقْسَام لَا يُصَادف محلهَا والأسباب الشَّرْعِيَّة لَا تصح بِدُونِ الْمحل كَالْبيع الْمُضَاف إِلَى الْحر وَالنِّكَاح الْمُضَاف إِلَى مُحرمَة وَلِأَن حكم التَّعْلِيل التَّعْدِيَة فَفِي هَذِه الْمَوَاضِع الثَّلَاثَة لَا تتَحَقَّق التَّعْدِيَة فَكَانَ اسْتِعْمَال الْقيَاس فِي هَذِه الْمَوَاضِع الثَّلَاثَة بِمَنْزِلَة الْحِوَالَة قبل وجوب الدّين وَذَلِكَ بَاطِل لخلوه عَن حكمه وَهُوَ التَّحْوِيل
وكما لَا يجوز اسْتِعْمَال الْقيَاس لإِثْبَات الحكم فِي هَذِه الْمَوَاضِع لَا يجوز للنَّفْي لِأَن الْمُنكر لذَلِك يَدعِي أَنه غير مَشْرُوع وَمَا لَيْسَ بمشروع كَيفَ يُمكن إثْبَاته بِدَلِيل شَرْعِي وَإِن كَانَ يَدعِي رَفعه بعد الثُّبُوت وَهُوَ نسخ وَإِثْبَات النّسخ بِالتَّعْلِيلِ بِالرَّأْيِ لَا يجوز فَعرفنَا أَن مَا يصنعه بعض النَّاس من اسْتِعْمَال الْقيَاس فِي مثل هَذِه الْمَوَاضِع لَيْسَ بِفقه وَأَنه يكون من قلَّة التَّأَمُّل يتَبَيَّن ذَلِك عِنْد النّظر
وَأما بَيَان الْمُوجب فِي مسَائِل
مِنْهَا (أَن) الْجِنْس بِانْفِرَادِهِ هَل يحرم النسأ فَإِن الْكَلَام فِيهِ بطرِيق الْقيَاس للإثبات أَو للنَّفْي بَاطِل وَإِنَّمَا طَرِيق إثْبَاته الرُّجُوع إِلَى النَّص أَو دلَالَته أَو إِشَارَته أَو مُقْتَضَاهُ لِأَن الثَّابِت بِهَذِهِ الْوُجُوه كَالثَّابِتِ بِالنَّصِّ والموجب للْحكم لَا يعرف إِلَّا بِالنَّصِّ كَالْحكمِ الْوَاجِب فَإِنَّهُ إِذا وَقع الِاخْتِلَاف فِي الْوتر هَل هِيَ بِمَنْزِلَة الْفَرِيضَة زِيَادَة على الْخمس كَانَ الِاشْتِغَال بإثباته بطرِيق الْقيَاس خطأ وَإِنَّمَا أثبت ذَلِك أَبُو حنيفَة ﵀ بِالنَّصِّ الْمَرْوِيّ فِيهِ وَهُوَ قَوْله ﵇ إِن الله تَعَالَى زادكم صَلَاة أَلا وَهِي الْوتر فصلوها مَا بَين الْعشَاء إِلَى طُلُوع الْفجْر فَكَذَلِك طَرِيق
стр. 566
إِثْبَات كَون الْجِنْس عِلّة الرُّجُوع إِلَى النَّص ودلالته وَهُوَ أَنه قد ثَبت بِالنَّصِّ حُرْمَة الْفضل الْخَالِي عَن الْعِوَض إِذا كَانَ مَشْرُوطًا فِي العقد وباشتراط الْأَجَل يتَوَهَّم فضل مَال خَال عَن الْمُقَابلَة بِاعْتِبَار صفة الْحُلُول فِي أحد الْجَانِبَيْنِ وَلم يسْقط اعْتِبَاره بِالنَّصِّ لكَونه حَاصِلا بصنع الْعباد والشبهة تعْمل عمل الْحَقِيقَة فِيمَا بني أمره على الِاحْتِيَاط فَكَمَا أَن حَقِيقَة الْفضل تكون رَبًّا فَكَذَلِك شُبْهَة الْفضل وللجنسية أثر فِي إِظْهَار ذَلِك وكما أَن الْقيَاس لَا يكون طَرِيقا للإثبات هُنَا لَا يكون طَرِيقا للنَّفْي لِأَن من يَنْفِي إِنَّمَا يتَمَسَّك بِالْعدمِ الَّذِي هُوَ أصل فَعَلَيهِ الِاشْتِغَال بإفساد دَلِيل خَصمه لِأَنَّهُ مَتى ثَبت أَن مَا ادَّعَاهُ الْخصم دَلِيل صَحِيح لَا يبْقى لَهُ حق التَّمَسُّك بِعَدَمِ الدَّلِيل فَأَما الِاشْتِغَال بِالْقِيَاسِ ليثبت الْعَدَم بِهِ يكون ظَاهر الْفساد
وَنَظِيره الِاخْتِلَاف فِي أَن السّفر هَل يكون مسْقطًا شطر الصَّلَاة فَإِنَّهُ لَا مدْخل للْقِيَاس هُنَا فِي الْإِثْبَات وَلَا فِي النَّفْي وَإِنَّمَا يعرف ذَلِك بِالنَّصِّ ودلالته وَهُوَ قَول رَسُول الله ﷺ هَذِه صَدَقَة تصدق الله بهَا عَلَيْكُم فاقبلوا صدقته وَلَا معنى للتصدق هُنَا سوى الْإِسْقَاط وَلَا مرد لما أسْقطه الله عَن عباده بِوَجْه
وَكَذَلِكَ الْخلاف فِي أَن استتار الْقدَم بالخف هَل يكون مَانِعا من سرَايَة الْحَدث إِلَى الْقدَم لَا مدْخل للْقِيَاس فِيهِ فِي النَّفْي وَلَا فِي الْإِثْبَات وَإِنَّمَا يثبت ذَلِك بِالنَّصِّ ودلالته وَهُوَ قَوْله ﵇ إِنِّي أدخلتهما وهما طاهرتان فَفِي هَذَا إِشَارَة إِلَى أَن الْحَدث مَا سرى إِلَى الْقَدَمَيْنِ لاستتارهما بالخف
وَكَذَلِكَ الْخلاف فِي أَن مُجَرّد الْإِسْلَام بِدُونِ الْإِحْرَاز بِالدَّار هَل يُوجب تقوم النَّفس وَالْمَال أم لَا وَأَن خبر الْوَاحِد هَل يكون مُوجبا للْعلم وَأَن الْقيَاس هَل يكون مُوجبا للْعَمَل بِهِ هَذَا كُله لَا مدْخل للتَّعْلِيل بِالرَّأْيِ فِي إثْبَاته وَلَا فِي نَفْيه
وَأما بَيَان صفته فنحو الِاخْتِلَاف الْوَاقِع فِي النّصاب أَنه مُوجب لِلزَّكَاةِ بِصفة النَّمَاء أم بِدُونِ هَذَا الْوَصْف مُوجب وَفِي الْيَمين أَنَّهَا مُوجبَة لِلْكَفَّارَةِ بِصفة أَنَّهَا مَقْصُودَة أم بِصفة أَنَّهَا معقودة وَفِي الْقَتْل بِغَيْر حق أَنه مُوجب
стр. 567
لِلْكَفَّارَةِ بِصفة أَنه حرَام أم اشتماله على الوصفين الْحَظْر وَالْإِبَاحَة من وَجْهَيْن وَكَفَّارَة الْفطر أَنَّهَا وَاجِبَة بِفعل مَوْصُوف بِأَنَّهُ جماع أَو هُوَ فطر بِجِنَايَة متكاملة فَإِن هَذَا كُله مِمَّا لَا مدْخل للرأي فِي إِثْبَات الْوَصْف الْمَطْلُوب بِهِ وَلَا فِي نَفْيه
وَبَيَان الشَّرْط فنحو اخْتِلَاف الْعلمَاء فِي اشْتِرَاط الشُّهُود فِي النِّكَاح للْحلّ وَاخْتِلَافهمْ فِي اشْتِرَاط التَّسْمِيَة فِي الذَّكَاة للْحلّ فَإِنَّهُ لَا مدْخل للرأي فِي معرفَة مَا هُوَ شَرط فِي السَّبَب شرعا لَا فِي الْإِثْبَات وَلَا فِي النَّفْي كَمَا لَا مدْخل لَهُ فِي أصل السَّبَب بِأَن بِالشّرطِ يرْتَفع الحكم قبل وجوده فَإِذا لم يكن للرأي مدْخل فِيمَا يُثبتهُ عرفنَا أَنه لَا مدْخل للرأي فِيمَا يرفعهُ أَو يعدمه
وَكَذَلِكَ الْخلاف فِي أَن الْبلُوغ عَن عقل هَل يكون شرطا لوُجُوب حُقُوق الله تَعَالَى الْمَالِيَّة نَحْو الزكوات وَالْكَفَّارَات ولإيجاب مَا هُوَ عُقُوبَة مَالِيَّة نَحْو حرمَان الْمِيرَاث بِالْقَتْلِ أَو دفع الِاخْتِلَاف فِي أَن الْبلُوغ عَن عقل هَل يكون شرطا لصِحَّة الْأَدَاء فِيمَا لَا يحْتَمل النّسخ والتبديل فَإِن هَذَا لَا مدْخل للْقِيَاس فِيهِ فِي الْإِثْبَات وَالنَّفْي
وَكَذَلِكَ فِي أَن بُلُوغ الدعْوَة هَل تكون شرطا لإهدار النُّفُوس وَالْأَمْوَال بِسَبَب الْكفْر فَإِن هَذَا مِمَّا لَا يُمكن مَعْرفَته بِالْقِيَاسِ وَالتَّعْلِيل بِالرَّأْيِ فِيهِ للإثبات أَو النَّفْي يكون سَاقِطا
وَكَذَلِكَ الِاخْتِلَاف فِي اشْتِرَاط الْوَلِيّ فِي النِّكَاح فَأَما فِي ثُبُوت الْولَايَة للْمَرْأَة على نَفسهَا يجوز اسْتِعْمَال الْقيَاس لِأَن الْمَعْنى الَّذِي بِهِ تثبت الْولَايَة للمرء على نَفسه مَعْقُول وَهُوَ مُتَّفق عَلَيْهِ فِي الأَصْل وَهُوَ الرجل فيستقيم تَعديَة الحكم بِهِ إِلَى الْمَرْأَة
فَإِن قيل فقد اخْتَلَفْنَا فِي التَّقَابُض فِي الْمجْلس أَنه هَل يشْتَرط فِي بيع الطَّعَام بِالطَّعَامِ وَقد تكلمتم بِالْقِيَاسِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ مُحَمَّد فَقَالَ من قبل أَنه حَاضر لَيْسَ لَهُ أجل
قُلْنَا لِأَن هُنَاكَ قد وجد أصل كَانَ هَذَا الحكم وَهُوَ بَقَاء العقد بعد الِافْتِرَاق عَن الْمجْلس من غير قبض فِيهِ ثَابت بالِاتِّفَاقِ وَهُوَ بيع الطَّعَام وَسَائِر الْأَمْتِعَة بِالدَّرَاهِمِ فَأمكن تَعْلِيل ذَلِك الأَصْل لتعدية الحكم بِهِ إِلَى الْفَرْع والخصم وجد أصلا للْحكم الَّذِي ادَّعَاهُ وَهُوَ فَسَاد
стр. 568
العقد بعد الِافْتِرَاق من غير قبض كَمَا فِي الصّرْف استقام تَعْلِيله أَيْضا لتعدية الحكم بِهِ إِلَى الْفَرْع وَمثله لَا يُوجد فِي اشْتِرَاط التَّسْمِيَة فِي الذَّكَاة فَإِن الْخصم لَا يجد فِيهِ أصلا يسْقط فِيهِ اشْتِرَاط التَّسْمِيَة لحل الذَّبِيحَة فَإِن أَصله النَّاسِي وَنحن لَا نقُول هُنَاكَ سقط شَرط التَّسْمِيَة وَلَكِن نجْعَل النَّاسِي كالمسمى حكما بِدلَالَة النَّص كَمَا يَجْعَل النَّاسِي كالمباشر لركن الصَّوْم وَهُوَ الْإِمْسَاك حكما بِالنَّصِّ وَهَذَا مَعْلُول عَن الْقيَاس وتعليل مثله لتعدية الحكم لَا يجوز
وَكَذَلِكَ فِي النِّكَاح فَإِنَّهُ لَا يجد أصلا يكون فِيهِ اتِّفَاق على صِحَة النِّكَاح وَثُبُوت الْحل بِهِ بِغَيْر شُهُود حَتَّى لعلل ذَلِك الأَصْل فيتعدى الحكم فِيهِ إِلَى هَذَا الْفَرْع
فَإِن قيل لَا كَذَلِك فَإِن النِّكَاح عقد مُعَاملَة حَتَّى يَصح من الْكَافِر وَالْمُسلم وَقد وجدنَا أصلا فِي عُقُود الْمُعَامَلَات يسْقط اشْتِرَاط الشُّهُود لصِحَّته شرعا وَهُوَ البيع وَإِن كَانَ يَتَرَتَّب عَلَيْهِ حل الِاسْتِمْتَاع فنعلل ذَلِك الأَصْل لتعدية الحكم بِهِ إِلَى الْفَرْع
قُلْنَا من حَيْثُ إِن النِّكَاح مُعَاملَة أمد لَا يشْتَرط فِيهِ الشُّهُود فخصم هَذَا الْمُعَلل يَقُول بِمُوجب علته وَإِنَّمَا يَدعِي شَرط الشُّهُود فِيهِ اعْتِبَار أَنه عقد مَشْرُوع للتناسل وَأَنه يرد على مَحل لَهُ خطر وَهُوَ مصون عَن الابتذال فلإظهار خطره يخْتَص شَرط الشُّهُود وَلَا نجد أصلا فِي المشروعات بِهَذِهِ الصّفة لتعليل ذَلِك الأَصْل فيعدى الحكم بِهِ إِلَى الْفَرْع
وَأما بَيَان صفته فنحو الِاخْتِلَاف فِي صفة الْعَدَالَة فِي شُهُود النِّكَاح وَفِي صفة الذُّكُورَة وَفِي صفة الْمُوَالَاة وَالتَّرْتِيب وَالنِّيَّة فِي الْوضُوء فَإِن الْوضُوء شَرط الصَّلَاة فَكَمَا لَا مدْخل للرأي فِي إِثْبَات أصل الشَّرْط بِهِ فَكَذَلِك فِي إِثْبَات الصّفة فِيمَا هُوَ شَرط
وَأما بَيَان الحكم فنحو الِاخْتِلَاف فِي الرَّكْعَة الْوَاحِدَة أَهِي صَلَاة مَشْرُوعَة أم لَا وَفِي الْقِرَاءَة الْمَشْرُوعَة فِي الْأُخْرَيَيْنِ بالِاتِّفَاقِ أَهِي فَرِيضَة
стр. 569
أم لَا وَفِي الْقِرَاءَة الْمَفْرُوضَة فِي الْأَوليين أتتعين الْفَاتِحَة ركنا أم لَا فَإِنَّهُ لَا مدْخل للرأي فِي إِثْبَات هَذَا الحكم وَفِي الْمسْح بالخف وَالْمسح على الجرموق وعَلى الْعِمَامَة أهوَ جَائِز أم لَا وأمثلة هَذَا فِي الْكتب تكْثر فَإِن كل مَوضِع يكون الْكَلَام فِيهِ فِي الحكم ابْتِدَاء أهوَ ثَابت شرعا أم لَا لَا مدْخل للرأي فِي ذَلِك حَتَّى يشْتَغل فِيهِ بِالتَّعْلِيلِ للإثبات أَو للنَّفْي
وَأما بَيَان صفته فنحو الِاخْتِلَاف فِي صفة صَدَقَة الْفطر وَالْأُضْحِيَّة وَالْوتر وَالِاخْتِلَاف فِي صفة الْإِبَانَة بِالطَّلَاق عِنْد الْقَصْد إِلَيْهِ من غير جعل وَفِي صفة الْملك الثَّابِت بِالنِّكَاحِ وَهُوَ الَّذِي يُقَابله الْبَدَل أهوَ مُشْتَرك بَين الزَّوْجَيْنِ أم يخْتَص الرجل بِهِ وَفِي صفة ملك النِّكَاح أَنه فِي حكم ملك الْمَنْفَعَة أَو فِي حكم ملك الْعين وَفِي صفة الطَّلَاق الْمَشْرُوع أَنه مُبَاح بِأَصْل الْوَضع أَو مَكْرُوه وَالْإِبَاحَة صفة عارضة فِيهِ للْحَاجة وَفِي صفة البيع الْمَشْرُوع حَال بَقَاء الْمُتَعَاقدين فِي الْمجْلس (أَنه لَازم بِنَفس العقد أَو متراخ إِلَى قطع الْمجْلس) وَفِي صفة الْملك الثَّابِت بِعقد الرَّهْن أَنه ملك الْيَد من جنس مَا يثبت بِهِ حَقِيقَة الِاسْتِيفَاء أَو ملك الْمُطَالبَة بِالْبيعِ فِي الدّين من جنس مَا يثبت بِالْكَفَالَةِ وأمثلة هَذِه الْفُصُول فِي الْكتب أَكثر من أَن تحصى ذكرنَا من كل قسم طرفا لبَيَان الطَّرِيق للمتأمل فِيهِ
وَأما بَيَان الْقسم الرَّابِع فنحو الِاخْتِلَاف فِي الْمسْح بِالرَّأْسِ أَنه هَل يسن تثليثه فَإِنَّهُ يُوجد فِي الطَّهَارَة مَا هُوَ مسح وَلَا يكون التّكْرَار فِيهِ مسنونا فَيمكن تَعْلِيل ذَلِك الْمُتَّفق عَلَيْهِ لتعدية الحكم بِهِ إِلَى الْفَرْع الْمُخْتَلف فِيهِ وَيُوجد فِي أَعْضَاء الطَّهَارَة مَا يكون التّكْرَار فِيهِ مسنونا بالِاتِّفَاقِ فَيمكن تَعْلِيل ذَلِك لتعدية الحكم بِهِ إِلَى الْفَرْع فَيكون الْقيَاس فِي مَوْضِعه من الْجَانِبَيْنِ ثمَّ الْكَلَام بعد ذَلِك يَقع فِي التَّرْجِيح
وَكَذَلِكَ إِذا وَقع الِاخْتِلَاف فِي اشْتِرَاط تعْيين النِّيَّة فِي
стр. 570
الصَّوْم فَإِن هُنَاكَ أصلا مُتَّفقا عَلَيْهِ يتَأَدَّى فِيهِ الصَّوْم بِمُطلق النِّيَّة وَهُوَ النَّفْل الَّذِي هُوَ عين مَشْرُوعا فِي وقته فَيمكن تَعْلِيل ذَلِك لتعدية الحكم بِهِ إِلَى الْفَرْع وَهُنَاكَ أصل فِي الصَّوْم الَّذِي هُوَ فرض لَا يتَأَدَّى إِلَّا بِتَعْيِين النِّيَّة وَهُوَ صَوْم الْقَضَاء فَيمكن تَعْلِيل ذَلِك لتعدية الحكم بِهِ إِلَى الْفَرْع فَيكون الْقيَاس فِي مَوْضِعه من الْجَانِبَيْنِ ثمَّ الْكَلَام فِي التَّرْجِيح بعد ذَلِك
فَإِن قيل فقد تكلمتم بِالْقِيَاسِ فِي الْعذر بِصَوْم يَوْم النَّحْر وَكَون الصَّوْم فِيهِ مَشْرُوعا أم لَا حكم لَا مدْخل للرأي فِيهِ ثمَّ اشتغلتم بالمقايسة فِيهِ
قُلْنَا لأَنا وجدنَا أصلا مُتَّفقا عَلَيْهِ فِي كَون الصَّوْم مَشْرُوعا فِيهِ وَهُوَ سَائِر الْأَيَّام فَأمكن تَعديَة الحكم بتعليله إِلَى الْفَرْع ثمَّ يبْقى وَرَاء ذَلِك الْكَلَام فِي أَن النَّهْي الَّذِي جَاءَ لِمَعْنى فِي صفة هَذَا الْيَوْم وَهُوَ أَنه يَوْم عيد عمله يكون فِي إِفْسَاد الْمَشْرُوع مَعَ بَقَائِهِ فِي الأَصْل مَشْرُوعا أَو فِي رفع الْمَشْرُوع وانتساخه وَهَذَا لَا نثبته بِالرَّأْيِ وَإِنَّمَا نثبته بِدَلِيل النَّص وَهُوَ الرُّجُوع إِلَى مُوجب النَّهْي أَنه الِانْتِهَاء على وَجه يبْقى للمنتهي اخْتِيَار فِيهِ كَمَا قَررنَا
وَقد تبين بِمَا ذكرنَا أَن الْمُجيب مَتى اشْتغل بِالتَّعْلِيلِ بِالرَّأْيِ فَالَّذِي يحِق على السَّائِل أَن ينظر أَولا أَن الْمُتَنَازع فِيهِ هَل هُوَ مَحل لَهُ وَأَن مَا نذكرهُ من الْعلَّة هَل يتَعَدَّى الحكم بِهِ إِلَى الْفَرْع فَإِن لم يكن بِهَذِهِ الصّفة لَا يشْتَغل بالاعتراض على علته وَلَكِن يتَبَيَّن لَهُ بطرِيق الْفِقْه أَن هَذَا التَّعْلِيل فِي غير مَوْضِعه وَأَنه مِمَّا لَا يصلح أَن يكون حجَّة حَتَّى يتَحَوَّل الْمُجيب إِلَى شَيْء آخر أَو يبين بطرِيق الْفِقْه أَنه تَعْلِيل صَحِيح فِي مَحَله مُوَافق لطريق السّلف فِي تعليلاتهم ليَكُون مَا يجْرِي بعد ذَلِك بَينهمَا على طَرِيق الْفِقْه
فصل فِي بَيَان الْقيَاس وَالِاسْتِحْسَان
قَالَ ﵁ اعْلَم بِأَن الْقسم الرَّابِع الَّذِي بَيناهُ فِي الْفَصْل الْمُتَقَدّم يشْتَمل على هذَيْن الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ الْقيَاس وَالِاسْتِحْسَان عندنَا وَقد طعن بعض الْفُقَهَاء فِي تصنيف لَهُ على عبارَة عُلَمَائِنَا فِي الْكتب إِلَّا أَنا تركنَا الْقيَاس واستحسنا وَقَالَ الْقَائِلُونَ بالاستحسان يتركون الْعَمَل بِالْقِيَاسِ الَّذِي هُوَ حجَّة شَرْعِيَّة
стр. 571
ويزعمون أَنهم يستحسنون ذَلِك وَكَيف يستحسن ترك الْحجَّة وَالْعَمَل بِمَا لَيْسَ بِحجَّة لاتباع هوى أَو شَهْوَة نفس فَإِن كَانُوا يُرِيدُونَ ترك الْقيَاس الَّذِي هُوَ حجَّة فالحجة الشَّرْعِيَّة هُوَ حق وماذا بعد الْحق إِلَّا الضلال وَإِن كَانُوا يُرِيدُونَ ترك الْقيَاس الْبَاطِل شرعا فالباطل مِمَّا لَا يشْتَغل بِذكرِهِ
وَقد ذكرُوا فِي كتبهمْ فِي بعض الْمَوَاضِع أَنا نَأْخُذ بِالْقِيَاسِ فَإِن كَانَ المُرَاد هَذَا فَكيف يجوزون الْأَخْذ بِالْبَاطِلِ
وَذكر من هَذَا الْجِنْس مَا يكون دَلِيل قلَّة الْحيَاء وَقلة الْوَرع وَكَثْرَة التهور لقائله
فَنَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق الِاسْتِحْسَان لُغَة وجود الشَّيْء حسنا يَقُول الرجل استحسنت كَذَا أَي اعتقدته حسنا على ضد الاستقباح أَو مَعْنَاهُ طلب الْأَحْسَن لِلِاتِّبَاعِ الَّذِي هُوَ مَأْمُور بِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فبشر عباد الَّذين يَسْتَمِعُون القَوْل فيتبعون أحْسنه﴾ وَهُوَ فِي لِسَان الْفُقَهَاء نَوْعَانِ الْعَمَل بِالِاجْتِهَادِ وغالب الرَّأْي فِي تَقْدِير مَا جعله الشَّرْع موكولا إِلَى آرائنا نَحْو الْمُتْعَة الْمَذْكُورَة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿مَتَاعا بِالْمَعْرُوفِ حَقًا على الْمُحْسِنِينَ﴾ أوجب ذَلِك بِحَسب الْيَسَار والعسرة وَشرط أَن يكون بِالْمَعْرُوفِ فَعرفنَا أَن المُرَاد مَا يعرف استحسانه بغالب الرَّأْي
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وعَلى الْمَوْلُود لَهُ رزقهن وكسوتهن بِالْمَعْرُوفِ﴾ وَلَا يظنّ بِأحد من الْفُقَهَاء أَنه يُخَالف هَذَا النَّوْع من الِاسْتِحْسَان
وَالنَّوْع الآخر هُوَ الدَّلِيل الَّذِي يكون مُعَارضا للْقِيَاس الظَّاهِر الَّذِي تسبق إِلَيْهِ الأوهام قبل إنعام التَّأَمُّل فِيهِ وَبعد إنعام التَّأَمُّل فِي حكم الْحَادِثَة وأشباهها من الْأُصُول يظْهر أَن الدَّلِيل الَّذِي عَارضه فَوْقه فِي الْقُوَّة فَإِن الْعَمَل بِهِ هُوَ الْوَاجِب فسموا ذَلِك اسْتِحْسَانًا للتمييز بَين هَذَا النَّوْع من الدَّلِيل وَبَين الظَّاهِر الَّذِي تسبق إِلَيْهِ الأوهام قبل التَّأَمُّل على معنى أَنه يمال بالحكم عَن ذَلِك الظَّاهِر لكَونه مستحسنا لقُوَّة دَلِيله وَهُوَ نَظِير عِبَارَات أهل الصناعات فِي التَّمْيِيز بَين الطّرق لمعْرِفَة المُرَاد فَإِن أهل النَّحْو يَقُولُونَ هَذَا نصب على التَّفْسِير وَهَذَا نصب على الْمصدر وَهَذَا نصب على الظّرْف وَهَذَا نصب على التَّعَجُّب
стр. 572
وَمَا وضعُوا هَذِه الْعبارَات إِلَّا للتمييز بَين الأدوات الناصبة
وَأهل الْعرُوض يَقُولُونَ هَذَا من الْبَحْر الطَّوِيل وَهَذَا من الْبَحْر المتقارب وَهَذَا من الْبَحْر المديد فَكَذَلِك اسْتِعْمَال عُلَمَائِنَا عبارَة الْقيَاس وَالِاسْتِحْسَان للتمييز بَين الدَّلِيلَيْنِ المتعارضين وَتَخْصِيص أَحدهمَا بالاستحسان لكَون الْعَمَل بِهِ مستحسنا ولكونه مائلا عَن سنَن الْقيَاس الظَّاهِر فَكَانَ هَذَا الِاسْم مستعارا لوُجُود معنى الِاسْم فِيهِ بِمَنْزِلَة الصَّلَاة فَإِنَّهَا اسْم للدُّعَاء ثمَّ أطلقت على الْعِبَادَة الْمُشْتَملَة على الْأَركان من الْأَفْعَال والأقوال لما فِيهَا من الدُّعَاء عَادَة
ثمَّ اسْتِحْسَان الْعَمَل بأقوى الدَّلِيلَيْنِ لَا يكون من اتِّبَاع الْهوى وشهوة النَّفس فِي شَيْء
وَقد قَالَ الشَّافِعِي فِي نَظَائِر هَذَا أستحب ذَلِك
وَأي فرق بَين من يَقُول أستحسن كَذَا وَبَين من يَقُول أستحبه بل الِاسْتِحْسَان أفْصح اللغتين وَأقرب إِلَى مُوَافقَة عبارَة الشَّرْع فِي هَذَا المُرَاد
وَظن بعض الْمُتَأَخِّرين من أَصْحَابنَا أَن الْعَمَل بالاستحسان أولى مَعَ جَوَاز الْعَمَل بِالْقِيَاسِ فِي مَوضِع الِاسْتِحْسَان وَشبه ذَلِك بالطرد مَعَ الْمُؤثر فَإِن الْعَمَل بالمؤثر أولى وَإِن كَانَ الْعَمَل بالطرد جَائِزا
قَالَ ﵁ وَهَذَا وهم عِنْدِي فَإِن اللَّفْظ الْمَذْكُور فِي الْكتب فِي أَكثر الْمسَائِل إِلَّا أَنا تركنَا هَذَا الْقيَاس والمتروك لَا يجوز الْعَمَل بِهِ وَتارَة يَقُول إِلَّا أَنِّي أستقبح ذَلِك وَمَا يجوز الْعَمَل بِهِ من الدَّلِيل شرعا فاستقباحه يكون كفرا فَعرفنَا أَن الصَّحِيح ترك الْقيَاس أصلا فِي الْموضع الَّذِي نَأْخُذ بالاستحسان وَبِه يتَبَيَّن أَن الْعَمَل بالاستحسان لَا يكون مَعَ قيام الْمُعَارضَة وَلَكِن بِاعْتِبَار سُقُوط الأضعف بالأقوى أصلا
وَقد قَالَ فِي كتاب السّرقَة إِذا دخل جمَاعَة الْبَيْت وجمعوا الْمَتَاع فَحَمَلُوهُ على ظهر أحدهم فَأخْرجهُ وَخَرجُوا مَعَه فِي الْقيَاس الْقطع على الْحمال خَاصَّة وَفِي الِاسْتِحْسَان يقطعون جَمِيعًا
وَقَالَ فِي كتاب الْحُدُود إِذا اخْتلف شُهُود الزِّنَا فِي والزاويتين فِي بَيت وَاحِد فِي الْقيَاس لَا يحد الْمَشْهُود عَلَيْهِ وَفِي الِاسْتِحْسَان يُقَام الْحَد
وَمَعْلُوم أَن الْحَد يسْقط بِالشُّبْهَةِ وَأدنى دَرَجَات الْمعَارض ايراث الشُّبْهَة فَكيف يستحسن إِقَامَة الْحَد فِي مَوضِع الشُّبْهَة
وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله
стр. 573
تصحح ردة الصَّبِي اسْتِحْسَانًا
وَمَعْلُوم أَن عِنْد قيام دَلِيل الْمُعَارضَة يرجح الْمُوجب لِلْإِسْلَامِ وَإِن كَانَ هُوَ أَضْعَف كالمولود بَين كَافِر ومسلمة وَكَيف يستحسن الحكم بِالرّدَّةِ مَعَ بَقَاء دَلِيل مُوجب الْإِسْلَام فَعرفنَا أَن الْقيَاس مَتْرُوك أصلا فِي الْموضع الَّذِي يعْمل فِيهِ بالاستحسان وَإِنَّمَا سميناهما تعَارض الدَّلِيلَيْنِ بِاعْتِبَار أصل الْوَضع فِي كل وَاحِد من النَّوْعَيْنِ لَا أَن بَينهمَا مُعَارضَة فِي مَوضِع وَاحِد
وَالدَّلِيل على أَن المُرَاد هَذَا مَا قَالَ فِي كتاب الطَّلَاق إِذا قَالَ لامْرَأَته إِذا حِضْت فَأَنت طَالِق فَقَالَت قد حِضْت فكذبها الزَّوْج فَإِنَّهَا لَا تصدق فِي الْقيَاس بِاعْتِبَار الظَّاهِر وَهُوَ أَن الْحيض شَرط الطَّلَاق كدخولها الدَّار وكلامها زيدا وَفِي الِاسْتِحْسَان تطلق لِأَن الْحيض شَيْء فِي بَاطِنهَا لَا يقف عَلَيْهِ غَيرهَا فَلَا بُد من قبُول قَوْلهَا فِيهِ بِمَنْزِلَة الْمحبَّة والبغض
قَالَ وَقد يدْخل فِي هَذَا الِاسْتِحْسَان بعض الْقيَاس يَعْنِي بِهِ أَن فِي سَائِر الْأَحْكَام الْمُتَعَلّقَة بِالْحيضِ قبلنَا قَوْلهَا نَحْو حُرْمَة الْوَطْء وانقضاء الْعدة فاعتبار هَذَا الحكم بِسَائِر الْأَحْكَام نوع قِيَاس ثمَّ ترك الْقيَاس الأول أصلا لقُوَّة دَلِيل الِاسْتِحْسَان وَهُوَ أَنَّهَا مأمورة بالإخبار عَمَّا فِي رَحمهَا منهية عَن الكتمان قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا يحل لَهُنَّ أَن يكتمن مَا خلق الله فِي أرحامهن﴾ وَمن ضَرُورَة النَّهْي عَن الكتمان كَونهَا أمينة فِي الْإِظْهَار وَإِلَيْهِ أَشَارَ أبي بن كَعْب ﵁ فَقَالَ من الْأَمَانَة أَن تؤتمن الْمَرْأَة على مَا فِي رَحمهَا
فَصَارَ ذَلِك الْقيَاس متروكا باعتراض هَذَا الدَّلِيل الْقوي الْمُوجب للْعَمَل بِهِ
فَالْحَاصِل أَن ترك الْقيَاس يكون بِالنَّصِّ تَارَة وبالإجماع أُخْرَى وبالضرورة أُخْرَى
فَأَما تَركه بِالنَّصِّ فَهُوَ فِيمَا أَشَارَ إِلَيْهِ أَبُو حنيفَة ﵀ فِي أكل النَّاسِي للصَّوْم لَوْلَا قَول النَّاس لَقلت يقْضِي
يَعْنِي بِهِ رِوَايَة الْأَثر عَن رَسُول الله ﷺ وَهُوَ نَص يجب الْعَمَل بِهِ بعد ثُبُوته واعتقاد الْبطلَان فِي كل قِيَاس يُخَالِفهُ
وَهَذَا اللَّفْظ نَظِير مَا قَالَ عمر ﵁ فِي قصَّة الْجَنِين لقد كدنا أَن نعمل برأينا فِيمَا فِيهِ أثر
стр. 574
وَكَذَلِكَ الْقيَاس يَأْبَى جَوَاز السّلم بِاعْتِبَار أَن الْمَعْقُود عَلَيْهِ مَعْدُوم عِنْد العقد تَرَكْنَاهُ بِالنَّصِّ وَهُوَ الرُّخْصَة الثَّابِتَة بقوله ﵇ (وَرخّص فِي السّلم) وَأما ترك الْقيَاس بِدَلِيل الْإِجْمَاع فنحو الاستصناع فِيمَا فِيهِ للنَّاس تعامل فَإِن الْقيَاس يَأْبَى جَوَازه تركنَا الْقيَاس للْإِجْمَاع على التَّعَامُل بِهِ فِيمَا بَين النَّاس من لدن رَسُول الله ﷺ إِلَى يَوْمنَا هَذَا (وَهَذَا) لِأَن الْقيَاس فِيهِ احْتِمَال الْخَطَأ والغلط فبالنص أَو الْإِجْمَاع يتَعَيَّن فِيهِ جِهَة الْخَطَأ فِيهِ فَيكون وَاجِب التّرْك لَا جَائِز الْعَمَل بِهِ فِي الْموضع الَّذِي تعين جِهَة الْخَطَأ فِيهِ
وَأما التّرْك لأجل الضَّرُورَة فنحو الحكم بِطَهَارَة الْآبَار والحياض بَعْدَمَا نجست وَالْحكم بِطَهَارَة الثَّوْب النَّجس إِذا غسل فِي الإجانات فَإِن الْقيَاس يَأْبَى جَوَازه لِأَن مَا يرد عَلَيْهِ النَّجَاسَة يَتَنَجَّس بملاقاته تَرَكْنَاهُ للضَّرُورَة المحوجة إِلَى ذَلِك لعامة النَّاس فَإِن الْحَرج مَدْفُوع بِالنَّصِّ وَفِي مَوضِع الضَّرُورَة يتَحَقَّق معنى الْحَرج لَو أَخذ فِيهِ بِالْقِيَاسِ فَكَانَ متروكا بِالنَّصِّ
وَكَذَلِكَ جَوَاز عقد الْإِجَارَة فَإِنَّهُ ثَابت بِخِلَاف الْقيَاس لحَاجَة النَّاس إِلَى ذَلِك فَإِن العقد على الْمَنَافِع بعد وجودهَا لَا يتَحَقَّق لِأَنَّهَا لَا تبقى زمانين فَلَا بُد من إِقَامَة الْعين المنتفع بهَا مقَام الْإِجَارَة فِي حكم جَوَاز العقد لحَاجَة النَّاس إِلَى ذَلِك
ثمَّ كل وَاحِد مِنْهُمَا نَوْعَانِ فِي الْحَاصِل فأحد نَوْعي الْقيَاس مَا ضعف أَثَره وَهُوَ ظَاهر جلي وَالنَّوْع الآخر مِنْهُ مَا ظهر فَسَاده واستتر وَجه صِحَّته وأثره
وَأحد نَوْعي الِاسْتِحْسَان مَا قوي أَثَره وَإِن كَانَ خفِيا وَالثَّانِي مَا ظهر أَثَره وخفي وَجه الْفساد فِيهِ
وَإِنَّمَا يكون التَّرْجِيح بِقُوَّة الْأَثر لَا بالظهور وَلَا بالخفاء لما بَينا أَن الْعلَّة الْمُوجبَة للْعَمَل بهَا شرعا مَا تكون مُؤثرَة وَضَعِيف الْأَثر يكون سَاقِطا فِي مُقَابلَة قوي الْأَثر ظَاهرا كَانَ أَو خفِيا بِمَنْزِلَة الدُّنْيَا مَعَ العقبى
فالدنيا ظَاهِرَة والعقبى باطنة ثمَّ ترجح العقبى حَتَّى وَجب الِاشْتِغَال بطلبها والإعراض عَن طلب الدُّنْيَا لقُوَّة الْأَثر من حَيْثُ الْبَقَاء
стр. 575
وَالْخُلُود والصفاء فَكَذَلِك الْقلب مَعَ النَّفس وَالْعقل مَعَ الْبَصَر
وَبَيَان مَا يسْقط اعْتِبَاره من الْقيَاس لقُوَّة الْأَثر الِاسْتِحْسَان الَّذِي هُوَ الْقيَاس المستحسن فِي سُؤْر سِبَاع الطير فَالْقِيَاس فِيهِ النَّجَاسَة اعْتِبَارا بسؤر سِبَاع الْوَحْش بعلة حُرْمَة التَّنَاوُل وَفِي الِاسْتِحْسَان لَا يكون نجسا لِأَن السبَاع غير محرم الِانْتِفَاع بهَا فَعرفنَا أَن عينهَا لَيست بنجسة وَإِنَّمَا كَانَت نَجَاسَة سُؤْر سِبَاع الْوَحْش بِاعْتِبَار حُرْمَة الْأكل لِأَنَّهَا تشرب بلسانها وَهُوَ رطب من لُعَابهَا ولعابها يتجلب من لَحمهَا وَهَذَا لَا يُوجد فِي سِبَاع الطير لِأَنَّهَا تَأْخُذ المَاء بمنقارها ثمَّ تبتلعه ومنقارها عظم جَاف والعظم لَا يكون نجسا من الْمَيِّت فَكيف يكون نجسا من الْحَيّ
ثمَّ تأيد هَذَا بِالْعِلَّةِ الْمَنْصُوص عَلَيْهَا فِي الْهِرَّة فَإِن معنى الْبلوى يتَحَقَّق فِي سُؤْر سِبَاع الطير لِأَنَّهَا تنقض من الْهَوَاء وَلَا يُمكن صون الْأَوَانِي عَنْهَا خُصُوصا فِي الصحارى وَبِهَذَا يتَبَيَّن أَن من ادّعى أَن القَوْل بالاستحسان قَول بتخصيص الْعلَّة فقد أَخطَأ لِأَن بِمَا ذكرنَا تبين أَن الْمَعْنى الْمُوجب لنجاسة سُؤْر سِبَاع الْوَحْش الرُّطُوبَة النَّجِسَة فِي الْآلَة الَّتِي تشرب بهَا وَقد انْعَدم ذَلِك فِي سِبَاع الطير فانعدم الحكم لِانْعِدَامِ الْعلَّة وَذَلِكَ لَا يكون من تَخْصِيص الْعلَّة فِي شَيْء وعَلى اعْتِبَار الصُّورَة يتَرَاءَى ذَلِك وَلَكِن يتَبَيَّن عِنْد التَّأَمُّل انعدام الْعلَّة أَيْضا لِأَن الْعلَّة وجوب التَّحَرُّز عَن الرُّطُوبَة النَّجِسَة الَّتِي يُمكن التَّحَرُّز عَنْهَا من غير حرج وَقد صَار هَذَا مَعْلُوما بالتنصيص على هَذَا التَّعْلِيل فِي الْهِرَّة فَفِي كل مَوضِع يَنْعَدِم بعض أَوْصَاف الْعلَّة كَانَ انعدام الحكم لِانْعِدَامِ الْعلَّة فَلَا يكون تَخْصِيصًا
وَبَيَان الِاسْتِحْسَان الَّذِي يظْهر أَثَره وَيخْفى فَسَاده مَعَ الْقيَاس الَّذِي يسْتَتر أَثَره وَيكون قَوِيا فِي نَفسه حَتَّى يُؤْخَذ فِيهِ بِالْقِيَاسِ وَيتْرك الِاسْتِحْسَان فِيمَا يَقُول فِي كتاب الصَّلَاة إِذا قَرَأَ الْمُصَلِّي سُورَة فِي آخرهَا سَجْدَة فَرَكَعَ بهَا فِي الْقيَاس تجزيه وَفِي الِاسْتِحْسَان لَا تجزيه عَن السُّجُود وبالقياس نَأْخُذ فَوجه الِاسْتِحْسَان أَن الرُّكُوع غير السُّجُود وضعا أَلا ترى أَن الرُّكُوع فِي الصَّلَاة
стр. 576
لَا يَنُوب عَن سُجُود الصَّلَاة فَلَا يَنُوب عَن سَجْدَة التِّلَاوَة بطرِيق الأولى لِأَن الْقرب بَين رُكُوع الصَّلَاة وسجودها أظهر من حَيْثُ إِن كل وَاحِد مِنْهُمَا مُوجب التَّحْرِيمَة وَلَو تَلا خَارج الصَّلَاة فَرَكَعَ لَهَا لم يجز عَن السَّجْدَة فَفِي الصَّلَاة أولى لِأَن الرُّكُوع هُنَا مُسْتَحقّ لجِهَة أُخْرَى وَهُنَاكَ لَا وَفِي الْقيَاس قَالَ الرُّكُوع وَالسُّجُود يتشابهان قَالَ تَعَالَى ﴿وخر رَاكِعا﴾ أَي سَاجِدا وَلَكِن هَذَا من حَيْثُ الظَّاهِر مجَاز مَحْض وَوجه الِاسْتِحْسَان من حَيْثُ الظَّاهِر اعْتِبَار شبه صَحِيح وَلَكِن قُوَّة الْأَثر للْقِيَاس مستتر وَوجه الْفساد فِي الِاسْتِحْسَان خَفِي
وَبَيَان ذَلِك أَنه لَيْسَ الْمَقْصُود من السَّجْدَة عِنْد التِّلَاوَة عين السَّجْدَة وَلِهَذَا لَا تكون السَّجْدَة الْوَاحِدَة قربَة مَقْصُودَة بِنَفسِهَا حَتَّى لَا تلْزم بِالنذرِ إِنَّمَا الْمَقْصُود إِظْهَار التَّوَاضُع وَإِظْهَار الْمُخَالفَة للَّذين امْتَنعُوا من السُّجُود استكبارا مِنْهُم كَمَا أخبر الله عَنْهُم فِي مَوَاضِع السَّجْدَة
قُلْنَا وَمعنى التَّوَاضُع يحصل بِالرُّكُوعِ وَلَكِن شَرطه أَن يكون بطرِيق هُوَ عبَادَة وَهَذَا يُوجد فِي الصَّلَاة لِأَن الرُّكُوع فِيهَا عبَادَة كالسجود وَلَا يُوجد خَارج الصَّلَاة ولقوة الْأَثر من هَذَا الْوَجْه أَخذنَا بِالْقِيَاسِ وَإِن كَانَ مستترا وَسقط اعْتِبَار الْجَانِب الآخر فِي مُقَابلَته
وَكَذَلِكَ قَالَ فِي الْبيُوع إِذا وَقع الِاخْتِلَاف بَين الْمُسلم إِلَيْهِ وَرب السّلم فِي ذرعان الْمُسلم فِيهِ فِي الْقيَاس يَتَحَالَفَانِ وبالقياس نَأْخُذ وَفِي الِاسْتِحْسَان القَوْل قَول الْمُسلم إِلَيْهِ
وَوجه الِاسْتِحْسَان أَن الْمُسلم فِيهِ مَبِيع فالاختلاف فِي ذرعانه لَا يكون اخْتِلَافا فِي أَصله بل فِي صفته من حَيْثُ الطول وَالسعَة وَذَلِكَ لَا يُوجب التَّحَالُف كالاختلاف فِي ذرعان الثَّوْب الْمَبِيع بِعَيْنِه
وَوجه الْقيَاس أَنَّهُمَا اخْتلفَا فِي الْمُسْتَحق بِعقد السّلم وَذَلِكَ يُوجب التَّحَالُف ثمَّ أثر الْقيَاس مستتر وَلكنه قوي من حَيْثُ إِن عِنْد السّلم إِنَّمَا يعْقد بالأوصاف الْمَذْكُورَة لَا بِالْإِشَارَةِ إِلَى الْعين فَكَانَ الْمَوْصُوف بِأَنَّهُ خمس فِي سبع غير الْمَوْصُوف بِأَنَّهُ أَربع فِي سِتَّة فَبِهَذَا يتَبَيَّن أَن الِاخْتِلَاف
стр. 577
هُنَا فِي أصل الْمُسْتَحق بِالْعقدِ فأخذنا بِالْقِيَاسِ لهَذَا
وَقَالَ فِي الرَّهْن إِذا ادّعى رجلَانِ كل وَاحِد مِنْهُمَا عينا فِي يَد رجل أَنه مَرْهُون عِنْده بدين لَهُ عَلَيْهِ وَأَقَامَا الْبَيِّنَة فَفِي الِاسْتِحْسَان يقْضِي بِأَنَّهُ مَرْهُون عِنْدهمَا بِمَنْزِلَة مَا لَو رهن عينا من رجلَيْنِ وَهُوَ قِيَاس البيع فِي ذَلِك وَفِي الْقيَاس تبطل الْبَيِّنَتَانِ لِأَنَّهُ تعذر الْقَضَاء بِالرَّهْنِ لكل وَاحِد مِنْهُمَا فِي جَمِيعه فَإِن الْمحل يضيق عَن ذَلِك وَفِي نصفه لِأَن الشُّيُوع يمْنَع صِحَة الرَّهْن وأخذنا بِالْقِيَاسِ لقُوَّة أَثَره الْمُسْتَتر وَهُوَ أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا هُنَا إِنَّمَا يثبت الْحق لنَفسِهِ بِتَسْمِيَة على حِدة وكل وَاحِد مِنْهُمَا غير رَاض بمزاحمة الآخر مَعَه فِي ملك الْيَد الْمُسْتَفَاد بِعقد الرَّهْن بِخِلَاف الرَّهْن من رجلَيْنِ فهناك العقد وَاحِد فَيمكن إِثْبَات مُوجب العقد بِهِ متحدا فِي الْمحل وَذَلِكَ لَا يُمكن هُنَا وَهَذَا النَّوْع يعز وجوده فِي الْكتب لَا يُوجد إِلَّا قَلِيلا فَأَما النَّوْع الْمُتَقَدّم فَهُوَ فِي الْكتب أَكثر من أَن يُحْصى
ثمَّ فرق مَا بَين الِاسْتِحْسَان الَّذِي يكون بِالنَّصِّ أَو الْإِجْمَاع وَبَين مَا يكون بِالْقِيَاسِ الْخَفي المستحسن أَن حكم هَذَا النَّوْع يتَعَدَّى وَحكم النَّوْع الآخر لَا يتَعَدَّى لما بَينا أَن حكم الْقيَاس الشَّرْعِيّ التَّعْدِيَة فَهَذَا الْخَفي وَإِن اخْتصَّ باسم الِاسْتِحْسَان لِمَعْنى فَهُوَ لَا يخرج من أَن يكون قِيَاسا شَرْعِيًّا فَيكون حكمه التَّعْدِيَة وَالْأول معدول بِهِ عَن الْقيَاس بِالنَّصِّ وَهُوَ لَا يحْتَمل التَّعْدِيَة كَمَا بَينا
وَبَيَانه فِيمَا إِذا اخْتلف البَائِع وَالْمُشْتَرِي فِي مِقْدَار الثّمن وَالْمَبِيع غير مَقْبُوض فِي الْقيَاس القَوْل قَول المُشْتَرِي لِأَن البَائِع يَدعِي عَلَيْهِ زِيَادَة فِي حَقه وَهُوَ الثّمن وَالْمُشْتَرِي مُنكر وَالْيَمِين بِالشَّرْعِ فِي جَانب الْمُنكر وَالْمُشْتَرِي لَا يَدعِي على البَائِع شَيْئا فِي الظَّاهِر إِذْ الْمَبِيع صَار مَمْلُوكا لَهُ بِالْعقدِ وَلَكِن فِي الِاسْتِحْسَان يتخالفان لِأَن المُشْتَرِي يَدعِي على البَائِع وجوب تَسْلِيم الْمَبِيع إِلَيْهِ عِنْد إِحْضَار أقل الثمنين وَالْبَائِع مُنكر لذَلِك وَالْبيع كَمَا يُوجب اسْتِحْقَاق الْملك على البَائِع
стр. 578
يُوجب اسْتِحْقَاق الْيَد عَلَيْهِ عِنْد وُصُول الثّمن إِلَيْهِ ثمَّ هَذَا الِاسْتِحْسَان لكَونه قِيَاسا خفِيا يتَعَدَّى حكمه إِلَى الْإِجَازَة وَإِلَى النِّكَاح فِي قَول أبي حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله وَإِلَى مَا لَو وَقع الِاخْتِلَاف بَين الْوَرَثَة بعد موت الْمُتَبَايعين وَإِلَى مَا بعد هَلَاك السّلْعَة إِذا أخلف بَدَلا بِأَن قتل العَبْد الْمَبِيع قبل الْقَبْض وَلَو كَانَ الِاخْتِلَاف فِي الثّمن بَينهمَا بعد قبض الْمَبِيع فَإِن حكم التخالف عِنْد قيام السّلْعَة فِيهِ يثبت بِالنَّصِّ بِخِلَاف الْقيَاس فَلَا يحْتَمل التَّعْدِيَة حَتَّى إِذا كَانَ بعد هَلَاك السّلْعَة لَا يجْرِي التخالف سَوَاء أخلف بَدَلا أَو لم يخلف
وَفِي الْإِجَازَة بعد اسْتِيفَاء الْمَعْقُود عَلَيْهِ لَا يجْرِي التخالف وَإِن كَانَ الِاخْتِلَاف بَين الْوَرَثَة بعد قبض السّلْعَة لَا يجْرِي التخالف
وَقد يكون الْقيَاس الَّذِي فِي مُقَابلَة الِاسْتِحْسَان الَّذِي قُلْنَا أَصله مستحسن ثَابت بالأثر نَحْو مَا قَالَ فِي الصَّلَاة وَإِذا نَام فِي صلَاته فَاحْتَلَمَ فِي الْقيَاس يغْتَسل وَيَبْنِي كَمَا إِذا سبقه الْحَدث وَذَلِكَ مستحسن بالأثر وَفِي الِاسْتِحْسَان لَا يَبْنِي
وَفِي هَذَا النَّوْع الْمَأْخُوذ بِهِ هُوَ الِاسْتِحْسَان على كل حَال لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَة رُجُوع إِلَى الْقيَاس الْأَصْلِيّ بِبَيَان يظْهر بِهِ أَن هَذَا لَيْسَ فِي معنى المعدول بِهِ من الْقيَاس الْأَصْلِيّ بالأثر من كل وَجه فَلَو ثَبت الحكم فِيهِ كَانَ بطرِيق التَّعْدِيَة والمعدول بِهِ عَن الْقيَاس بالأثر لَا يحْتَمل التَّعْدِيَة وَذَلِكَ الْبَيَان أَن الْحَدث الصُّغْرَى لَا يحوجه إِلَى كشف الْعَوْرَة وَلَا إِلَى عمل كثير وتكثر الْبلوى فِيهِ من الصَّلَاة بِخِلَاف الْحَدث الْكُبْرَى فَإِذا لم يكن فِي مَعْنَاهُ من كل مَا لَهُ كَانَ إِثْبَات الحكم فِيهِ بطرِيق التَّعْدِيَة لَا بِالنَّصِّ بِعَيْنِه وَذَلِكَ لَا وَجه لَهُ
فَتبين بِجَمِيعِ مَا ذكرنَا أَن القَوْل بالاستحسان لَا يكون تَخْصِيص الْعلَّة فِي شَيْء وَلَكِن فِي اعْتِبَار حِدة الْعِبَادَة اتِّبَاع الْكتاب وَالسّنة وَالْعُلَمَاء من السّلف وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا رَآهُ الْمُسلمُونَ حسنا فَهُوَ عِنْد الله حسن وَكَثِيرًا مَا كَانَ يسْتَعْمل ابْن مَسْعُود هَذِه الْعبارَة وَمَالك بن أنس فِي كِتَابه ذكر لفظ الِاسْتِحْسَان فِي مَوَاضِع
وَقَالَ الشَّافِعِي ﵀ أستحسن فِي الْمُتْعَة ثَلَاثِينَ درهما
فَعرفنَا أَنه لَا طعن فِي هَذِه الْعبارَة وَمن حَيْثُ الْمَعْنى
стр. 579
هُوَ قَول بانعدام الحكم عِنْد انعدام الْعلَّة وَأحد لَا يُخَالف هَذَا فَإنَّا إِذا جَوَّزنَا دُخُول الْحمام بِأَجْر بطرِيق الِاسْتِحْسَان فَإِنَّمَا تركنَا القَوْل بِالْفَسَادِ الَّذِي يُوجِبهُ الْقيَاس لِانْعِدَامِ عِلّة الْفساد وَهُوَ أَن فَسَاد العقد بِسَبَب جَهَالَة الْمَعْقُود عَلَيْهِ لَيْسَ لعين الْجَهَالَة بل لِأَنَّهَا تُفْضِي إِلَى مُنَازعَة مَانِعَة عَن التَّسْلِيم والتسلم وَهَذَا لَا يُوجد هُنَا وَفِي نَظَائِره فَكَانَ انعدام الحكم لِانْعِدَامِ الْعلَّة لَا أَن يكون بطرِيق تَخْصِيص الْعلَّة
فصل فِي بَيَان فَسَاد القَوْل بِجَوَاز التَّخْصِيص فِي الْعِلَل الشَّرْعِيَّة
قَالَ ﵁ زعم أهل الطَّرْد أَن الَّذِي يَقُولُونَ بالعلل المؤثرة ويجعلون التَّأْثِير مصححا للعلل الشَّرْعِيَّة لَا يَجدونَ بدا من القَوْل بتخصيص الْعِلَل الشَّرْعِيَّة وَهُوَ غلط عَظِيم كَمَا نبينه
وَزعم بعض أَصْحَابنَا أَن التَّخْصِيص فِي الْعِلَل الشَّرْعِيَّة جَائِز وَأَنه غير مُخَالف لطريق السّلف وَلَا لمَذْهَب أهل السّنة وَذَلِكَ خطأ عَظِيم من قَائِله فَإِن مَذْهَب من هُوَ مرضِي من سلفنا أَنه لَا يجوز التَّخْصِيص فِي الْعِلَل الشَّرْعِيَّة وَمن جوز ذَلِك فَهُوَ مُخَالف لأهل السّنة مائل إِلَى أقاويل الْمُعْتَزلَة فِي أصولهم
وَصُورَة التَّخْصِيص أَن الْمُعَلل إِذا أورد عَلَيْهِ فصل يكون الْجَواب فِيهِ بِخِلَاف مَا يروم إثْبَاته بعلته يَقُول مُوجب علتي كَذَا إِلَّا أَنه ظهر مَانع فَصَارَ مَخْصُوصًا بِاعْتِبَار ذَلِك الْمَانِع بِمَنْزِلَة الْعَام الَّذِي يخص مِنْهُ بعض مَا يتَنَاوَلهُ بِالدَّلِيلِ الْمُوجب للتخصيص
ثمَّ من جوز ذَلِك قَالَ التَّخْصِيص غير المناقضة لُغَة وَشرعا وفقها وإجماعا
أما اللُّغَة فَلِأَن النَّقْض إبِْطَال فعل قد سبق بِفعل نشأه كنقض الْبُنيان
والتخصيص بَيَان أَن الْمَخْصُوص لم يدْخل فِي الْجُمْلَة فَكيف يكون نقضا أَلا ترى أَن ضد النَّقْض الْبناء والتأليف وضد الْخُصُوص الْعُمُوم
وَمن حَيْثُ السّنة التَّخْصِيص جَائِز فِي النُّصُوص الشَّرْعِيَّة من الْكتاب وَالسّنة والتناقض لَا يجوز فيهمَا بِحَال
وَمن حَيْثُ الْإِجْمَاع فَالْقِيَاس الشَّرْعِيّ يتْرك الْعَمَل بِهِ فِي بعض الْمَوَاضِع بِالنَّصِّ أَو الْإِجْمَاع أَو الضَّرُورَة وَذَلِكَ يكون تَخْصِيصًا لَا مناقضة وَلِهَذَا بَقِي ذَلِك الْقيَاس مُوجبا للْعَمَل فِي غير ذَلِك الْموضع
стр. 580
وَالْقِيَاس المنتقض فَاسد لَا يجوز الْعَمَل بِهِ فِي مَوضِع
وَمن حَيْثُ الْمَعْقُول إِن الْمُعَلل مَتى ذكر وَصفا صَالحا وَادّعى أَن الحكم مُتَعَلق بذلك الْوَصْف فيورد عَلَيْهِ فصل يُوجد فِيهِ ذَلِك الْوَصْف وَيكون الحكم بِخِلَافِهِ فَإِنَّهُ يحْتَمل أَن يكون ذَلِك لفساد فِي أصل علته وَيحْتَمل أَن يكون ذَلِك لمَانع منع ثُبُوت الحكم أَلا ترى أَن سَبَب وجوب الزَّكَاة ملك النّصاب النامي ثمَّ يمْتَنع وجوب الزَّكَاة بعد وجوده لمَانع وَهُوَ انعدام حُصُول النَّمَاء بِمُضِيِّ الْحول وَلم يكن ذَلِك دَلِيل فَسَاد السَّبَب وَالْبيع بِشَرْط الْخِيَار يمْنَع ثُبُوت الْملك بِهِ لمَانع وَهُوَ الْخِيَار الْمَشْرُوط لَا لفساد أصل السَّبَب وَهُوَ البيع
فَأَما إِذا قَالَ هَذَا الْموضع صَار مَخْصُوصًا من علتي لمَانع فقد ادّعى شَيْئا مُحْتملا فَيكون مطالبا بِالْحجَّةِ فَإِن أبرز مَانِعا صَالحا فقد أثبت مَا ادَّعَاهُ بِالْحجَّةِ فَيكون ذَلِك مَقْبُولًا مِنْهُ وَإِلَّا فقد سقط احتجاجه لِأَن الْمُحْتَمل لَا يكون حجَّة وَبِه فَارق الْمُدَّعِي التَّخْصِيص فِي النَّص فَإِنَّهُ لَا يُطَالب بِإِقَامَة الدَّلِيل على مَا يَدعِي أَنه صَار مَخْصُوصًا مِمَّا اسْتدلَّ بِهِ من عُمُوم الْكتاب وَالسّنة لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيمَا اسْتدلَّ بِهِ احْتِمَال الْفساد فَكَانَ جِهَة التَّخْصِيص مُتَعَيّنا فِيهِ بِالْإِجْمَاع وَهنا فِي علته احْتِمَال الْفساد فَمَا لم يتَبَيَّن دَلِيل الْخُصُوص فِيمَا ادّعى أَنه مَخْصُوص من عِلّة لَا يَنْتَفِي عَنهُ معنى الْفساد فَلهَذَا لَا يقبل مِنْهُ مَا لم يتَبَيَّن الْمَانِع
ثمَّ جعل الْقَائِل الْمَوَانِع خَمْسَة أَقسَام مَا يمْنَع أصل الْعلَّة وَمَا يمْنَع تَمام الْعلَّة وَمَا يمْنَع ابْتِدَاء الحكم وَمَا يمْنَع تَمام الحكم وَمَا يمْنَع لُزُوم الحكم وَذَلِكَ يتَبَيَّن كُله حسا وَحكما فَمن حَيْثُ الْحس يتَبَيَّن هَذَا كُله فِي الرَّمْي فَإِن انْقِطَاع الْوتر أَو انكسار فَوق السهْم يمْنَع أصل الْفِعْل الَّذِي هُوَ رمي بعد تَمام قصد الرَّامِي إِلَى مُبَاشَرَته وإصابة السهْم حَائِطا أَو شَجَرَة ترده عَن سنَنه يمْنَع تَمام الْعلَّة بالوصول إِلَى المرمى وَدفع المرمي إِلَيْهِ عَن نَفسه بترس يَجعله أَمَامه يمْنَع ابْتِدَاء الحكم الَّذِي يكون الرَّمْي لأَجله بعد تَمام الْعلَّة بالوصول إِلَى الْمَقْصد وَذَلِكَ الْجرْح وَالْقَتْل ومداواته الْجراحَة بَعْدَمَا أَصَابَهُ حَتَّى اندمل وبرأ يمْنَع تَمام الحكم وَإِذا صَار بِهِ صَاحب فرَاش ثمَّ تطاول حَتَّى أَمن الْمَوْت مِنْهُ يمْنَع
стр. 581
لُزُوم الحكم بِمَنْزِلَة صَاحب الفالج إِذا تطاول مَا بِهِ وَأمن الْمَوْت مِنْهُ كل بِمَنْزِلَة الصَّحِيح فِي تَصَرُّفَاته وَفِي الحكميات إِضَافَة البيع إِلَى الْحر يمْنَع انْعِقَاد أصل الْعلَّة وإضافته إِلَى مَال الْغَيْر يمْنَع انْعِقَاد تَمام الْعلَّة فِي حق الْمَالِك حَتَّى تيعين جِهَة الْبطلَان فِيهِ بِمَوْتِهِ وَاشْتِرَاط الْخِيَار من الْمَالِك لنَفسِهِ فِي البيع يمْنَع ابْتِدَاء الحكم وَثُبُوت خِيَار الرُّؤْيَة للْمُشْتَرِي يمْنَع تَمام الحكم حَتَّى لَا تتمّ الصَّفْقَة بِالْقَبْضِ مَعَه وَثُبُوت خِيَار الْعَيْب يمْنَع لُزُوم الحكم حَتَّى يتَمَكَّن من رده بعد تَمام الصَّفْقَة بِالْقَبْضِ
وَالْحجّة لعلمائنا فِي إبِْطَال القَوْل بتخصيص الْعلَّة الإستدلال بِالْكتاب والمعقول وَالْبَيَان الَّذِي لَا يُمكن إِنْكَاره
أما الْكتاب فَقَوله تَعَالَى ﴿قل آلذكرين حرم أم الْأُنْثَيَيْنِ أما اشْتَمَلت عَلَيْهِ أَرْحَام الْأُنْثَيَيْنِ نبئوني بِعلم إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ فَفِيهِ مُطَالبَة الْكفَّار بِبَيَان الْعلَّة فِيمَا ادعوا فِيهِ الْحُرْمَة على وَجه لَا مدفع لَهُم فصاورا محجوجين بِهِ وَذَلِكَ الْوَجْه أَنهم إِذا بينوا أحد هذهه الْمعَانى أَن الْحُرْمَة لأَجله انْتقض عَلَيْهِم بإقرارهم بِالْحلِّ فِي الْموضع الآخر مَعَ وجود ذَلِك الْمَعْنى فِيهِ وَلَو كَانَ التَّخْصِيص فِي علل الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة جَائِزا مَا كَانُوا محجوجين فَإِن أحدا لَا يعجز من أَن يَقُول امْتنع ثُبُوت حكم الْحُرْمَة فِي ذَلِك الْموضع لمَانع وَقد كَانُوا عقلاء يَعْتَقِدُونَ الْحل فِي الْموضع الآخر لشُبْهَة أَو معنى تصور عِنْدهم وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿نبئوني بِعلم﴾ إِشَارَة إِلَى أَن الْمصير إِلَى تَخْصِيص الْعِلَل الشَّرْعِيَّة لَيْسَ من الْعلم فِي شَيْء فَيكون جهلا
وَأما الْمَعْقُول فَلِأَن الْعِلَل الشَّرْعِيَّة حكمهَا التَّعْدِيَة كَمَا قَررنَا وَبِدُون التَّعْدِيَة لَا تكون صَحِيحَة أصلا لِأَنَّهَا خَالِيَة عَن مُوجبهَا وَإِذا جَازَ قيام الْمَانِع فِي بعض الْمَوَاضِع الَّذِي يتَعَدَّى الحكم إِلَيْهِ بِهَذِهِ الْعلَّة جَازَ قِيَامه فِي جَمِيع الْمَوَاضِع فيؤدى إِلَى القَوْل بِأَنَّهَا عِلّة صَحِيحَة من غير أَن يتَعَدَّى الحكم بهَا إِلَى شَيْء من الْفُرُوع وَقد أثبتنا فَسَاد هَذَا القَوْل بِالدَّلِيلِ
ثمَّ إِن كَانَ تَعديَة الحكم بهَا إِلَى فرع
стр. 582
دَلِيل صِحَّتهَا فانعدام الحكم بهَا إِلَى فرع آخر تُوجد فِيهِ تِلْكَ الْعلَّة دَلِيل فَسَادهَا وَمَعَ مُسَاوَاة دَلِيل الصِّحَّة وَالْفساد لَا تثبت الْحجَّة الشَّرْعِيَّة مُوجبَة للْعَمَل يقرره أَن الْمَانِع الذى يدعى فِي الْموضع الْمَخْصُوص لَا بُد أَن يكون ثَابتا بِمثل مَا ثبتَتْ بِهِ الْعلَّة الْمُوجبَة للْحكم لِأَنَّهُ إِذا كَانَ دونه لَا يصلح دافعا لَهُ وَلَا مَانِعا لحكمه وَإِذا كَانَ مثلا لَهُ فَذَلِك الْمَانِع يُمكن تَعْلِيله بعلة توجب تَعديَة حكم النفى إِلَى سَائِر الْفُرُوع مثل الأَصْل الَّذِي علله الْمُعَلل بِمَا أَشَارَ إِلَيْهِ من الْوَصْف لإِثْبَات الحكم فِيهِ فتحقق الْمُعَارضَة بَينهمَا من هَذَا الْوَجْه وأى مناقضة أبين من التَّعَارُض على وَجه المضادة بِصفة التساوى
ثمَّ قد بَينا فِيمَا سبق أَن دَلِيل الْخُصُوص يشبه النّسخ بصيغته والإستثناء بِحكمِهِ فَإِنَّهُ مُسْتَقل بِنَفسِهِ كدليل النّسخ وَلَا يكون ذَلِك إِلَّا مُقَارنًا معنى كالإستثناء وَوَاحِد من هذَيْن الْوَجْهَيْنِ لَا يتَحَقَّق فِي الْعِلَل فَإِن نسخ الْعلَّة بِالْعِلَّةِ لَا يجوز والخصم يجوز أَن يكون الْمَانِع عِلّة مثل الْعلَّة الَّتِى يدعى تخصيصها وَكَيف يجوز النّسخ وَالْعلَّة فِيمَا احْتِمَال الْفساد لكَونهَا مستنبطة بالرأى
فَإِذا ظهر مَا يمْنَع الْعَمَل بهَا أصلا تتَعَيَّن جِهَة الْفساد فِيهَا بِخِلَاف النَّص فَإِنَّهُ لَا يحْتَمل جِهَة الْفساد فالنسخ يكون بَيَانا لمُدَّة الْعَمَل بِهِ
وَلِهَذَا نوع بَيَان آخر فَإِن الْخُصُوص يتَبَيَّن أَنه مَعْمُول بِهِ فِي بعض الْمحَال دون الْبَعْض وَذَلِكَ إِنَّمَا يجوز فِيمَا يجوز القَوْل فِيهِ بالنسخ مَعَ صِحَّته حَتَّى يُقَال إِنَّه مَعْمُول بِهِ فِي بعض الْأَوْقَات دون الْبَعْض والإستثناء إِنَّمَا يكون فِي الْعبارَات ليتبين بِهِ أَن الْكَلَام عبارَة عَمَّا وَرَاء الْمُسْتَثْنى وَذَلِكَ لَا يتَحَقَّق فِي الْمعَانى الْخَالِصَة
فيتبين بِمَا ذكرنَا أَن القَوْل بالتخصيص مُسْتَقِيم فِي النُّصُوص من حَيْثُ إِن بِدَلِيل الْخُصُوص لَا تتمكن شُبْهَة الْفساد فِي النَّص بِوَجْه بل يتَبَيَّن أَن اسْم النَّص لم يكن متناولا للموضع الْمَخْصُوص مَعَ كَون الْعَام صَحِيحا مُوجبا للْعَمَل قطعا قبل قيام دَلِيل الْخُصُوص فَمن جوز تَخْصِيص الْعلَّة لَا يجد بدا من القَوْل بتصويب الْمُجْتَهدين أجمع وعصمة الإجتهاد عَن احْتِمَال الْخَطَأ وَالْفساد كعصمة النَّص من ذَلِك
стр. 583
وَهَذَا تَصْرِيح بِأَن كل مُجْتَهد مُصِيب لما هُوَ الْحق حَقِيقَة وَأَن الِاجْتِهَاد يُوجب علم الْيَقِين وَفِيه قَول بِوُجُوب الْأَصْلَح وَفِيه من وَجه آخر قَول بالمنزلة بَين المنزلتين وبالخلود فِي النَّار لأَصْحَاب الْكَبَائِر إِذا مَاتُوا قبل التَّوْبَة
فَهَذَا معنى قَوْلنَا إِن فِي القَوْل بِجَوَاز تَخْصِيص الْعلَّة ميلًا إِلَى أصُول الْمُعْتَزلَة من وُجُوه
وَلَكنَّا نقُول انعدام الحكم لَا يكون إِلَّا بعد نُقْصَان وصف أَو زِيَادَة وصف وَهُوَ الَّذِي يسمونه مَانِعا مُخَصّصا وبهذه الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان تَتَغَيَّر الْعلَّة لَا محَالة فَيصير مَا هُوَ عِلّة الحكم منعدما حكما وَعدم الحكم عِنْد انعدام الْعلَّة لَا يكون من تَخْصِيص الْعلَّة فِي شَيْء
وَبَيَان هَذَا أَن الْمُوجب لِلزَّكَاةِ شرعا هُوَ النّصاب النامي الحولي عرف بقوله ﵇ (لَا زَكَاة فِي مَال حَتَّى يحول عَلَيْهِ الْحول) وَالْمرَاد نفي الْوُجُوب والعلل الشَّرْعِيَّة لَا توجب الحكم بذواتها بل بِجعْل الشَّرْع إِيَّاهَا مُوجبَة على مَا بَينا أَن الْمُوجب هُوَ الله تَعَالَى وَالْإِضَافَة إِلَى الْعلَّة لبَيَان أَن الشَّرْع جعلهَا مُوجبَة تيسيرا علينا فَإِذا كَانَت بِهَذَا الْوَصْف مُوجبَة شرعا عرفنَا أَن عِنْد انعدام هَذَا الْوَصْف يَنْعَدِم الحكم لِانْعِدَامِ الْعلَّة الْمُوجبَة
وَلَا يلْزمنَا جَوَاز الْأَدَاء لِأَن الْعلَّة الْمُوجبَة غير الْعلَّة المجوزة للْأَدَاء وَقد قَررنَا هَذَا فِيمَا سبق أَن الْجُزْء الأول من الْوَقْت مجوز أَدَاء الصَّلَاة فرضا وَإِن لم يكن مُوجبا للْأَدَاء عينا مَعَ أَن هَذَا الْوَصْف مُؤثر فَإِن النَّمَاء الَّذِي هُوَ مَقْصُود إِنَّمَا يحصل بِمُضِيِّ الْمدَّة أَلا ترى أَن الْوُجُوب يتَكَرَّر بِتَكَرُّر الْحول لتجدد معنى النَّمَاء بِمُضِيِّ كل حول وَكَذَلِكَ البيع بِشَرْط الْخِيَار فَإِن الْمُوجب للْملك شرعا البيع الْمُطلق وَمَعَ شَرط الْخِيَار لَا يكون مُطلقًا بل بِهَذِهِ الزِّيَادَة يصير البيع فِي حق الحكم كالمتعلق بِالشّرطِ وَقد بَينا أَن الْمُتَعَلّق بِالشّرطِ غير الْمُطلق ولصفة الْإِطْلَاق تَأْثِير أَيْضا فَإِن الْمُوجب للْملك بِالنَّصِّ التِّجَارَة عَن ترَاض وَتَمام الرِّضَا يكون عِنْد إِطْلَاق الْإِيجَاب لَا مَعَ شَرط الْخِيَار فَظهر أَن الْعلَّة تنعدم بِزِيَادَة وصف أَو نُقْصَان
стр. 584
وصف وَهُوَ الْحَاصِل الَّذِي يجب مراعاته فَإِنَّهُم يسمون هَذَا الْمَعْنى المغير مَانِعا مُخَصّصا فَيَقُولُونَ انعدام الحكم مَعَ بَقَاء الْعلَّة بِوُجُود مَانع وَذَلِكَ تَخْصِيص كالنص الْعَام يلْحقهُ خُصُوص فَيبقى نصا فِيمَا وَرَاء مَوضِع الْخُصُوص
وَنحن نقُول تنعدم الْعلَّة حِين ثَبت المغير فينعدم الحكم لِانْعِدَامِ الْعلَّة وَهَذَا فِي الْعِلَل مُسْتَقِيم بِخِلَاف النُّصُوص فَإِن بِالنَّصِّ الْخَاص لَا يَنْعَدِم النَّص الْعَام وعَلى هَذَا الطَّرِيق مَا استحسنه عُلَمَاؤُنَا من الْقيَاس فِي كتبهمْ فَإِن الِاسْتِحْسَان قد يكون بِالنَّصِّ وبوجود النَّص تنعدم الْعلَّة الثَّابِتَة بِالرَّأْيِ لِأَنَّهُ لَا مُعْتَبر بِالْعِلَّةِ أصلا فِي مَوضِع النَّص وَلَا فِي مُعَارضَة حكم النَّص
وَكَذَلِكَ الِاسْتِحْسَان إِذا كَانَ بِسَبَب الْإِجْمَاع لِأَن الْإِجْمَاع كالنص من كتاب أَو سنة فِي كَونه مُوجبا الْعلم
وَكَذَلِكَ مَا يكون عَن ضَرُورَة فَإِن مَوضِع الضَّرُورَة مجمع عَلَيْهِ أَو مَنْصُوص عَلَيْهِ وَلَا يعْتَبر بِالْعِلَّةِ فِي مَوضِع النَّص فَكَانَ انعدام الحكم فِي هَذِه الْمَوَاضِع لِانْعِدَامِ الْعلَّة وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ الِاسْتِحْسَان بِقِيَاس مستحسن ظهر قُوَّة أَثَره لما بَينا أَن الضَّعِيف فِي مُعَارضَة الْقوي مَعْدُوم حكما
وَبَيَان مَا ذكرنَا فِي أَن النَّائِم إِذا صب فِي حلقه مَاء وَهُوَ صَائِم لم يفْسد صَوْمه على قَول زفر لِأَنَّهُ مَعْذُور كالناسي أَو أبلغ مِنْهُ وَفَسَد صَوْمه عندنَا لفَوَات ركن الصَّوْم وَالْعِبَادَة لَا تتأدى بِدُونِ ركنها فَيلْزم على هَذَا النَّاسِي
فَمن يجوز تَخْصِيص الْعلَّة يَقُول انْعَدم الحكم هُنَاكَ لوُجُود مَانع وَهُوَ الْأَثر فَكَانَ مَخْصُوصًا من هَذِه الْعلَّة بِهَذَا الطَّرِيق مَعَ بَقَاء الْعلَّة
وَنحن نقُول انْعَدم الحكم فِي النَّاسِي لِانْعِدَامِ الْعلَّة حكما فَإِن النسْيَان لَا صنع فِيهِ لأحد من الْعباد وَقد ثَبت بِالنَّصِّ أَن الله تَعَالَى أطْعمهُ وسقاه وَصَارَ فعله فِي الْأكل سَاقِط الِاعْتِبَار وتفويت الرُّكْن إِنَّمَا يكون بِفعل الْأكل فَإِذا لم يبْق فعله فِي الْأكل شرعا كَانَ ركن الصَّوْم قَائِما حكما وَإِنَّمَا لم يحصل الْفطر هُنَا لِانْعِدَامِ الْعلَّة الْمُوجبَة للفطر ثمَّ النَّائِم لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ لِأَن الْفِعْل الَّذِي يفوت بِهِ ركن الصَّوْم مُضَاف إِلَى الْعباد هُنَا فَيبقى مُعْتَبرا مفوتا ركن
стр. 585
الصَّوْم بِخِلَاف إِذا كَانَ مُضَافا إِلَى من لَهُ الْحق
وَكَذَلِكَ قُلْنَا إِن الْمَغْصُوب يصير مَمْلُوكا للْغَاصِب عِنْد تقرر الضَّمَان عَلَيْهِ لِأَن بِهَذَا السَّبَب لما تقرر الْملك فِي ضَمَان الْقيمَة وَهُوَ حكم شرعى فيقرر الْملك فِيمَا يُقَابله فَيلْزم على هَذَا فصل الْمُدبر من حَيْثُ إِنَّه يَتَقَرَّر الْملك فِي قِيمَته للْمَغْصُوب مِنْهُ وَلَا يثبت الْملك فِي الْمُدبر للْغَاصِب فَمن يرى تَخْصِيص الْعلَّة يَقُول امْتنع ثُبُوت الحكم فِي الْمُدبر مَعَ وجود الْعلَّة لمَانع وَهُوَ أَنه غير مُحْتَمل للنَّقْل من ملك إِلَى ملك
وَنحن نقُول انعدمت الْعلَّة الْمُوجبَة للْملك فِي الْمُدبر فينعدم الحكم لِانْعِدَامِ الْعلَّة وَهَذَا لِأَن الْعلَّة تقرر الْملك فِي قيمَة هِيَ بدل عَن الْعين وَقِيمَة الْمُدبر لَيْسَ بِبَدَل عَن عينهَا لِأَن شَرط كَون الْقيمَة بَدَلا عَن الْعين أَن تكون الْعين مُحْتملا للتَّمْلِيك وَذَلِكَ لَا يُوجد فِي الْمُدبر لِأَن الْمُدبر جرى فِيهِ عتق من وَجه وَالْعِتْق فِي الْمحل يمْنَع وجوب قيمَة الْعين بِسَبَب الْغَصْب وَلَكِن الضَّمَان وَاجِب بِاعْتِبَار الْجِنَايَة الَّتِى تمكنت من الْغَاصِب بتفويت يَده لِأَن مَعَ جَرَيَان الْعتْق فِيهِ من وَجه قد بقيت الْيَد والمالية مُسْتَحقَّة للْمَالِك فَإِن انعدام ذَلِك يعْتَمد ثُبُوت الْعتْق فِي الْمحل من كل وَجه فَعرفنَا أَنه إِنَّمَا انْعَدم الحكم لِانْعِدَامِ الْعلَّة بِوُجُود مَا يغيرها
وَكَذَلِكَ إِذا قُلْنَا فِي الزِّنَا إِنَّه ثبتَتْ بِهِ حُرْمَة الْمُصَاهَرَة لِأَن ثُبُوت الْحُرْمَة فِي الأَصْل بِاعْتِبَار الْوَلَد الَّذِي يتخلق من الماءين فَيصير بِوَاسِطَة الْوَلَد أمهاتها وبناتها فِي حَقه كأمهاته وَبنَاته وأبناؤه وآباؤه فِي حَقّهَا كآبائها وأبنائها ثمَّ الْوَطْء فِي مَحل الْحَرْث سَبَب لحُصُول هَذَا الْوَلَد فيقام مقَامه وَيلْزم على هَذَا أَنه لَا يتَعَدَّى الْحُرْمَة إِلَى الْأَخَوَات والعمات والخالات من الْجَانِبَيْنِ فَمن يَقُول بتخصيص الْعلَّة يَقُول امْتنع ثُبُوت الحكم مَعَ قيام الْعلَّة فِي هَذِه الْمَوَاضِع للنَّص أَو الْإِجْمَاع وَنحن نقُول إِنَّمَا انْعَدم الحكم لِانْعِدَامِ الْعلَّة لِأَن فِي النَّص الْمُوجب لحُرْمَة الْمُصَاهَرَة ذكر الْأُمَّهَات وَالْبَنَات والآباء وَالْأَبْنَاء خَاصَّة فامتداد الْحُرْمَة إِلَى الْأَخَوَات والعمات والخالات يكون تغييرا
стр. 586
وإثباتا احرمة أُخْرَى لِأَن الْمَقْصُود غير الممتد وَإِنَّمَا يُعلل الْمَنْصُوص وَلَا يجوز تَبْدِيل الْمَنْصُوص بِالتَّعْلِيلِ فَكَانَ انعدام الحكم فِي هَذِه الْمَوَاضِع لِانْعِدَامِ الْعلَّة لَا لمَانع مَعَ قيام الْعلَّة
وَكَذَلِكَ إِن ألزم أَن الْمَوْطُوءَة لَا تحرم على الواطىء بِوَاسِطَة الْوَلَد والقرب بَينهمَا أمس فالتخريج هَكَذَا أَنه إِنَّمَا انْعَدم الحكم هُنَاكَ لِانْعِدَامِ الْعلَّة بِاعْتِبَار مورد النَّص كَمَا قَررنَا وَهَذَا أصل كَبِير وَفقه عَظِيم
من ترك التعنت وَتَأمل عَن إنصاف يخرج لَهُ جَمِيع مَا لم يذكر بِمَا هُوَ من نَظَائِر مَا ذكرنَا عَلَيْهِ
وعمدة هَذَا الْفِقْه معرفَة الْخُصُوص فَإِن النصين إِذا كَانَ أَحدهمَا عَاما وَالْآخر خَاصّا فالعام لَا يَنْعَدِم بالخاص حَقِيقَة وَلَا حكما وَلَيْسَ فِي وَاحِد من النصين توهم الْفساد فَعرفنَا أَن الْخَاص كَانَ مُخَصّصا للموضع الذى تنَاوله من حكم الْعَام مَعَ بَقَاء الْعَام حجَّة فِيمَا وَرَاء ذَلِك وَإِن تمكن فِيهِ نوع شُبْهَة من حَيْثُ إِنَّه صَار كالمستعار فِيمَا هُوَ حَقِيقَة حكم الْعَام فَأَما الْعلَّة وَإِن كَانَت مُؤثرَة فَفِيهَا احْتِمَال الْفساد وَالْخَطَأ وَهِي تحْتَمل الإعدام حكما فَإِذا جَاءَ مَا يغيرها جعلناها مَعْدُومَة حكما فِي ذَلِك الْموضع ثمَّ انْعَدم الحكم لِانْعِدَامِ الْعلَّة وَلَا يكون فِيهَا شَيْء من معنى التَّنَاقُض وَلَا يكون من التَّخْصِيص فِي شَيْء وَالله أعلم
بَاب وُجُوه الإحتجاج بِمَا لَيْسَ بِحجَّة مُطلقًا
قَالَ رضى الله عَنهُ فَهَذَا الْبَاب يشْتَمل على فُصُول
فَالَّذِي نبدأ بِهِ الإحتجاج بِلَا دَلِيل فَإِن الْعلمَاء اخْتلفُوا فِيهِ على أقاويل قَالَ بَعضهم لَا دَلِيل حجَّة للنافى على خَصمه وَلَا يكون حجَّة للمثبت وَقَالَ بَعضهم هِيَ حجَّة دافعة لَا مُوجبَة وَالَّذِي دلّ عَلَيْهِ مسَائِل الشَّافِعِي ﵀ أَنَّهَا حجَّة دافعة لإبقاء مَا ثَبت بدليله لَا لإِثْبَات مَا لم يعلم ثُبُوته بدليله والذى دلّ عَلَيْهِ مسَائِل أَصْحَابنَا أَن هَذَا فِي حق الله تَعَالَى فَأَما فِي حق
стр. 587
الْعباد لَا تكون هِيَ حجَّة لأحد الْخَصْمَيْنِ على الآخر فِي الدّفع وَلَا فِي الْإِيجَاب لَا فِي الْإِبْقَاء وَلَا فِي الْإِثْبَات ابْتِدَاء
فَأَما الْفَرِيق الأول احْتَجُّوا وَقَالُوا أقوى المناظرة مَا يكون فِي إِثْبَات التَّوْحِيد وَفِي أُمُور النُّبُوَّة فقد علمنَا الله تَعَالَى الِاحْتِجَاج بِلَا دَلِيل على نفي الشّرك بقوله ﴿وَمن يدع مَعَ الله إِلَهًا آخر لَا برهَان لَهُ بِهِ﴾ وَرَسُول الله ﷺ كَانَ يُجَادِل الْمُشْركين فِي إِثْبَات نبوته وَكَانُوا ينفون ذَلِك وَهُوَ يثبت ثمَّ كَانُوا لَا يطالبون على هَذَا النَّفْي بِشَيْء فَوق قَوْلهم لَا دَلِيل على نبوته واشتغل بعد جحودهم بِإِثْبَات نبوته بِالْآيَاتِ المعجزة والبراهين القاطعة فَعرفنَا بِهَذَا أَن لَا دَلِيل حجَّة للنافي على خَصمه إِلَى أَن يثبت الْخصم مَا يَدعِي ثُبُوته بِالدَّلِيلِ وَهَذَا لِأَن النَّافِي إِنَّمَا لَا يُطَالب بِدَلِيل لكَونه متمسكا بِالْأَصْلِ وَهُوَ عدم الدَّلِيل الْمُوجب أَو الْمَانِع وَالْمحرم أَو الْمُبِيح وَوُجُوب التَّمَسُّك بِالْأَصْلِ إِلَى أَن يظْهر الدَّلِيل المغير لَهُ طَرِيق فِي الشَّرْع وَلِهَذَا جعل الشَّرْع الْبَيِّنَة فِي جَانب الْمُدَّعِي لَا فِي جَانب الْمُنكر لِأَنَّهُ متمسك بِالْأَصْلِ وَهُوَ أَنه لَا حق للْغَيْر فِي ذمَّته وَلَا فِي يَده وَذَلِكَ حجَّة لَهُ على خَصمه فِي الْكَفّ عَن التَّعَرُّض لَهُ مَا لم يقم الدَّلِيل وأيد مَا ذكرنَا قَوْله تَعَالَى ﴿قل لَا أجد فِيمَا أُوحِي إِلَيّ محرما﴾ الْآيَة فقد علم نبيه ﵇ الِاحْتِجَاج بِعَدَمِ الدَّلِيل الْمُوجب للْحُرْمَة على الَّذين كَانُوا يثبتون الْحُرْمَة فِي أَشْيَاء كالسائبة والوصيلة والحام والبحيرة فَثَبت بِهَذَا أَن لَا دَلِيل حجَّة للنافي على خَصمه
وَهَذَا الَّذِي ذَهَبُوا إِلَيْهِ غير مُوَافق لشَيْء من الْعِلَل المنقولة عَن السّلف فِي نفي الحكم وإثباته وَهُوَ يَنْتَهِي إِلَى الْجَهْل أَيْضا فَإنَّا نقُول لهَذَا الْقَائِل لَا دَلِيل على الْإِثْبَات عنْدك أَو عِنْد غَيْرك فَإِن خصمك يَدعِي قيام الدَّلِيل عِنْده وكما أَن دَعْوَاهُ الدَّلِيل عِنْده لَا يكون حجَّة عَلَيْك حَتَّى تبرزه فدعواك عَلَيْهِ أَن لَا دَلِيل عِنْدِي لَا يكون حجَّة عَلَيْهِ وَإِن قلت لَا دَلِيل عِنْدِي فَهَذَا إِقْرَار مِنْك بِالْجَهْلِ وَالتَّقْصِير فِي الطّلب فَكيف يكون حجَّة على غَيْرك وَإِن انْعَدم مِنْك التَّقْصِير فِي الطّلب فَأَنت مَعْذُور إِذا لم تقف على الدَّلِيل وعذرك لَا يكون
стр. 588
حجَّة على الْغَيْر أصلا أَلا ترى أَن فِي زمَان النَّبِي ﵇ كَانَ النَّاسِخ ينزل فَيبلغ ذَلِك بعض النَّاس دون الْبَعْض وَمن لم يبلغهُ يكون مَعْذُورًا فِي الْعَمَل بالمنسوخ وَلَا يكون ذَلِك حجَّة لَهُ على غَيره
فَإِن قيل قَوْلكُم هَذَا غير مُوَافق لتعليل السّلف فَاسد وَقد قَالَ أَبُو حنيفَة ﵁ لَا خمس فِي العنبر لِأَن الْأَثر لم يرد بِهِ
وَهَذَا احتجاج بِلَا دَلِيل
قُلْنَا هَذَا أَن لَو ذكر هَذَا اللَّفْظ على سَبِيل الِاحْتِجَاج على من يُوجب فِيهِ الْخمس وَلَيْسَ كَذَلِك بل إِنَّمَا ذكره على وَجه بَيَان الْعذر لنَفسِهِ ثمَّ علل فِيهِ بعلة مُؤثرَة فِي مَوضِع الِاحْتِجَاج على الْغَيْر على مَا ذكر مُحَمَّد ﵀ فَإِنَّهُ قَالَ لَا خمس فِي اللُّؤْلُؤ والعنبر
قلت لم قَالَ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة السّمك
قلت وَمَا بَال السّمك لَا يجب فِيهِ الْخمس قَالَ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة المَاء
وَهُوَ إِشَارَة إِلَى مُؤثر فَإِن الأَصْل فِي الْخمس الْغَنَائِم وَإِنَّمَا يُوجب الْخمس فِيمَا يصاب مِمَّا كَانَ أَصله فِي يَد الْعَدو وَوَقع فِي يَد الْمُسلمين بِإِيجَاف الْخَيل والركاب فَيكون فِي معنى الْغَنِيمَة والمستخرج من الْبحار لم يكن فِي يَد الْعَدو قطّ لِأَن قهر المَاء مَانع قهرا آخر على ذَلِك الْموضع ثمَّ الْقيَاس أَن لَا يجب الْخمس فِي شَيْء وَإِنَّمَا أوجب الْخمس فِي بعض الْأَمْوَال بالأثر فَبين أَن مَا لم يرد فِيهِ الْأَثر يُؤْخَذ فِيهِ بِأَصْل الْقيَاس وَهَذَا لَا يكون احتجاجا بِلَا دَلِيل
ثمَّ نقُول لهَذَا الْقَائِل إِنَّك بِهَذِهِ الْمقَالة تثبت شَيْئا لَا محَالة وَهُوَ صِحَة اعتقادك أَن لَا دَلِيل يُوجب إِثْبَات الحكم فِي هَذِه الْحَادِثَة فَعَلَيْك الدَّلِيل لإِثْبَات مَا تَدعِي صِحَّته عنْدك وَلَا دَلِيل على خصمك لِأَنَّهُ يَنْفِي صِحَة اعتقادك هَذَا وَلَا دَلِيل على النَّافِي بزعمك ثمَّ قَوْلك لَا دَلِيل شَيْء تَقوله عَن علم أَو لَا عَن علم فَإِن زعمت أَنَّك تَقوله عَن علم فالعلم الَّذِي يحدث للمرء لَا يكون إِلَّا بِدَلِيل وَإِن زعمت أَنَّك تَقوله لَا عَن علم فقد نهيت عَن ذَلِك قَالَ تَعَالَى ﴿وَأَن تَقولُوا على الله مَا لَا تعلمُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿بل كذبُوا بِمَا لم يحيطوا بِعِلْمِهِ﴾
стр. 589
جَعَلْنَاهُ هَكَذَا لِأَنَّهُ يتَعَذَّر اعْتِبَار معنى التَّخْيِير فِيهِ للنَّفْي فِي أحد الْجَانِبَيْنِ ويتعذر إِثْبَات معنى الْعَطف لعدم المجانسة بَين الْمَذْكُورين فَيجْعَل بِمَعْنى الْغَايَة لِأَن حُرْمَة الدُّخُول الثَّابِت بِالْيَمِينِ يحْتَمل الامتداد فيليق بِهِ ذكر الْغَايَة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لَيْسَ لَك من الْأَمر شَيْء أَو يَتُوب عَلَيْهِم﴾ فَإِنَّهُ لَا يُمكن حمل الْكَلِمَة على الْعَطف إِذْ الْفِعْل لَا يعْطف على الِاسْم والمستقبل لَا يعْطف على الْمَاضِي وَنفي الْأَمر يحْتَمل الامتداد فَيجْعَل قَوْله أَو يَتُوب بِمَعْنى الْغَايَة وَلِأَنَّهُ نفى الدُّخُول فِي الدَّار الأولى فَإِذا دخل فِيهَا أَولا يَجْعَل كَأَن الْمَذْكُور آخرا من جنسه نفى فَيحنث بِالدُّخُولِ فِيهَا لهَذَا وَأثبت الدُّخُول فِي الدَّار الثَّانِيَة فَإِذا دَخلهَا أَولا يَجْعَل كَأَن الْأَخير من جنسه إِثْبَات كَمَا فِي قَوْله لأدخلن هَذِه الدَّار أَو لأدخلن هَذِه الدَّار
فصل
وَأما حَتَّى فَهِيَ للغاية بِاعْتِبَار أصل الْوَضع بِمَنْزِلَة إِلَى هُوَ الْمَعْنى الْخَاص الَّذِي لأَجله وضعت الْكَلِمَة قَالَ تَعَالَى ﴿هِيَ حَتَّى مطلع الْفجْر﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿حَتَّى يُعْطوا الْجِزْيَة عَن يَد﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿حَتَّى يَأْذَن لي أبي﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿حَتَّى يَأْتِيك الْيَقِين﴾ فَمَتَى كَانَ مَا قبلهَا بِحَيْثُ يحْتَمل الامتداد وَمَا بعْدهَا يصلح للانتهاء بِهِ كَانَت عاملة فِي حَقِيقَة الْغَايَة وَلِهَذَا قُلْنَا إِذا حلف أَن يلازم غَرِيمه حَتَّى يَقْضِيه ثمَّ فَارقه قبل أَن يَقْضِيه دينه حنث لِأَن الْمُلَازمَة تحْتَمل الامتداد وَقَضَاء الدّين يصلح مَنْهِيّا للملازمة وَقَالَ فِي الزِّيَادَات لَو قَالَ عَبده حر إِن لم أضربك حَتَّى تَشْتَكِي يَدي أَو حَتَّى اللَّيْل أَو حَتَّى تصبح أَو حَتَّى يشفع فلَان ثمَّ ترك ضربه قبل هَذِه الْأَشْيَاء حنث لِأَن الضَّرْب بطرِيق التّكْرَار يحْتَمل الامتداد وَالْمَذْكُور بعد الْكَلِمَة صَالح للانتهاء فَيجْعَل غَايَة حَقِيقَة وَإِذا أقلع عَن الضَّرْب قبل الْغَايَة حنث إِلَّا فِي مَوضِع يغلب على الْحَقِيقَة عرف فَيعْتَبر ذَلِك لِأَن الثَّابِت بِالْعرْفِ ظَاهرا بِمَنْزِلَة الْحَقِيقَة حَتَّى لَو قَالَ إِن لم أضربك حَتَّى أَقْتلك أَو حَتَّى تَمُوت فَهَذَا على الضَّرْب الشَّديد بِاعْتِبَار الْعرف فَإِنَّهُ مَتى كَانَ قَصده الْقَتْل لَا يذكر لفظ الضَّرْب وَإِنَّمَا يذكر ذَلِك إِذا لم يكن قَصده الْقَتْل وَجعل
стр. 590
الْقَتْل غَايَة لبَيَان شدَّة الضَّرْب عَادَة وَلَو قَالَ حَتَّى يغشى عَلَيْك أَو حَتَّى تبْكي فَهَذَا على حَقِيقَة الْغَايَة لِأَن الضَّرْب إِلَى هَذِه الْغَايَة مُعْتَاد وَقد تسْتَعْمل الْكَلِمَة للْعَطْف فَإِن بَين الْعَطف والغاية مُنَاسبَة بِمَعْنى التَّعَاقُب وَلَكِن مَعَ وجود معنى الْغَايَة فِيهَا يَقُول الرجل جَاءَنِي الْقَوْم حَتَّى زيد وَرَأَيْت الْقَوْم حَتَّى زيدا فَيكون للْعَطْف مَعَ اعْتِبَار معنى الْغَايَة لِأَنَّهُ يفهم بِهَذَا أَن زيدا أفضل الْقَوْم أَو أرذلهم وَقد يدْخل بِمَعْنى الْعَطف على جملَة فَإِن ذكر لَهُ خَبرا فَهُوَ خَبره وَإِلَّا فخبره من جنس مَا سبق يَقُول الرجل مَرَرْت بالقوم حَتَّى زيد غَضْبَان وَتقول أكلت السَّمَكَة حَتَّى رَأسهَا فَهَذَا مِمَّا لم يذكر خَبره وَهُوَ من جنس مَا سبق على احْتِمَال أَن يكون هُوَ الْأكل أَو غَيره وَلكنه إِخْبَار بِأَن رَأسهَا مَأْكُول أَيْضا وَلَو قَالَ حَتَّى رَأسهَا بِالنّصب كَانَ هَذَا عطفا أَي وأكلت رَأسهَا أَيْضا وَلَكِن بِاعْتِبَار معنى الْغَايَة وَمثل هَذَا فِي الْأَفْعَال تكون للجزاء إِذا كَانَ مَا قبلهَا يصلح سَببا لذَلِك وَمَا بعْدهَا يصلح أَن يكون جَزَاء فَيكون بِمَعْنى لَام كي قَالَ تَعَالَى ﴿وقاتلوهم حَتَّى لَا تكون فتْنَة﴾ أَي لكيلا تكون فتْنَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿وزلزلوا حَتَّى يَقُول الرَّسُول﴾ وَالْقِرَاءَة بِالنّصب تحْتَمل الْغَايَة مَعْنَاهُ إِلَى أَن يَقُول الرَّسُول فَيكون قَول الرَّسُول نِهَايَة من غير أَن يكون بِنَاء على مَا سبق كَمَا هُوَ مُوجب الْغَايَة أَنه لَا أثر لَهُ فِيمَا جعل غَايَة لَهُ وَيحْتَمل لكَي يَقُول الرَّسُول وَالْقِرَاءَة بِالرَّفْع تكون بِمَعْنى الْعَطف أَي وَيَقُول الرَّسُول وعَلى هَذَا قَالَ فِي الزِّيَادَات إِذا قَالَ إِن لم آتِك غَدا حَتَّى تغديني فَعَبْدي حر فَأَتَاهُ فَلم يغده لَا يَحْنَث لِأَن الْإِتْيَان لَيْسَ بمستدام فَلَا يحْتَمل الْكَلِمَة بِمَعْنى حَقِيقَة الْغَايَة وَمَا بعده يصلح جَزَاء فَيكون الْمَعْنى لكَي تغديني فقد جعل شَرط بره الْإِتْيَان على هَذَا الْقَصْد وَقد وجد وَكَذَلِكَ لَو قَالَ إِن لم تأتني حَتَّى أغديك فَأَتَاهُ وَلم يغده لم يَحْنَث وَقد يستعار للْعَطْف الْمَحْض كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ فِي الْقِرَاءَة بِالرَّفْع وَلَكِن هَذَا إِذا كَانَ الْمَذْكُور بعده لَا يصلح للجزاء فَيعْتَبر مُجَرّد الْمُنَاسبَة بَين الْعَطف والغاية فِي الإستعارة وعَلى هَذَا قَالَ فِي الزِّيَادَات إِذا قَالَ إِن لم آتِك حَتَّى أتغدى عنْدك الْيَوْم أَو إِن لم تأتني حَتَّى تتغدى عِنْدِي الْيَوْم فَأَتَاهُ ثمَّ لم يتغد عِنْده فِي ذَلِك الْيَوْم حنث لِأَن الْكَلِمَة بِمَعْنى الْعَطف فَإِن الْفِعْلَيْنِ من وَاحِد فَلَا يصلح الثَّانِي أَن يكون جَزَاء للْأولِ فَحمل على الْعَطف الْمَحْض لتصحيح الْكَلَام وَشرط الْبر وجود الْأَمريْنِ فِي الْيَوْم فَإِذا لم يوجدا حنث
стр. 591
مَا يُزِيلهُ فَمَا يمْضِي من الْأَزْمِنَة بعد صِحَة الدَّلِيل الْمُثبت للْحكم يكون الحكم فِيهِ بَاقِيا بذلك لدَلِيل على احْتِمَال أَن يطْرَأ مَا يُزِيلهُ وَقبل ظُهُور طريان مَا يُزِيلهُ يكون الحكم ثَابتا بذلك الدَّلِيل بِمَنْزِلَة النَّص الْعَام فَإِنَّهُ مُوجب للْحكم فِي كل مَا يتَنَاوَلهُ على احْتِمَال قيام دَلِيل الْخُصُوص فَمَا لم يقم دَلِيل الْخُصُوص كَانَ الحكم ثَابتا بِالْعَام وَكَانَ الِاحْتِجَاج بِهِ على الْخصم صَحِيحا فَكَذَلِك قَول الْقَائِل فِيمَا هُوَ مُنْتَفٍ لَا دَلِيل على إثْبَاته أَو فِيمَا هُوَ ثَابت بدليله لَا دَلِيل على نَفْيه يكون احتجاجا بذلك الدَّلِيل وَذَلِكَ الدَّلِيل حجَّة على خَصمه فَأَما مَا لَا يسْتَند إِلَى دَلِيل فَلَا يبْقى فِيهِ إِلَّا الِاحْتِجَاج بقوله لَا دَلِيل فَذَلِك يكون حجَّة كَمَا قُلْتُمْ
وعَلى هَذَا الأَصْل قَالَ الصُّلْح على الْإِنْكَار بَاطِل لِأَن نفي الْمُنكر دَعْوَى الْمُدَّعِي يسْتَند إِلَى دَلِيل وَهُوَ الْمَعْلُوم من بَرَاءَة ذمَّته فِي الأَصْل أَو الْيَد الَّتِي هِيَ دَلِيل لملك لَهُ فِي عين الْمُدَّعِي فَيكون ذَلِك حجَّة لَهُ على خَصمه فِي إبْقَاء مَا ثَبت عَلَيْهِ وَبعد مَا ظَهرت بَرَاءَة ذمَّته فِي حق الْمُدَّعِي بِهَذَا الدَّلِيل يكون أَخذه المَال رشوة على الْكَفّ عَن الدَّعْوَى وَلَا يكون ذَلِك اعتياضا عَن حَقه فَيكون بَاطِلا بِخِلَاف مَا إِذا شهد بحريّة عبد إِنْسَان ثمَّ اشْتَرَاهُ بعد ذَلِك فَإِن الشِّرَاء يكون صَحِيحا وَيلْزمهُ الثّمن للْبَائِع لِأَن نفي البَائِع حُرِّيَّته ودعواه بَقَاء الْملك لَهُ مُسْتَند إِلَى دَلِيل وَهُوَ الدَّلِيل الْمُثبت للْملك لَهُ فِي العَبْد فَيكون ذَلِك حجَّة لَهُ على خَصمه فِي إبْقَاء ملكه وباعتباره هُوَ إِنَّمَا يَأْخُذ الْعُضْو على ملك لَهُ وباعتباره لَا يثبت الِاتِّفَاق بَينهمَا على فَسَاد ذَلِك السَّبَب فَبِهَذَا تعين فِيهِ وَجه الصِّحَّة وَوَجَب الثّمن على المُشْتَرِي ثمَّ يعْتق عَلَيْهِ بَعْدَمَا دخل فِي ملكه بِاعْتِبَار زَعمه
وعلماؤنا ﵏ قَالُوا الدَّلِيل الْمُثبت للْحكم لَا يكون مُوجبا بَقَاء الحكم بِوَجْه من الْوُجُوه وَلَكِن بَقَاؤُهُ بعد الْوُجُود لاستغناء الْبَقَاء عَن دَلِيل لَا لوُجُود الدَّلِيل الْمَنْفِيّ
فَعرفنَا أَنه لَيْسَ للدليل الَّذِي اسْتندَ إِلَيْهِ الحكم عمل فِي الْبَقَاء أصلا وَأَن دَعْوَى الْبَقَاء فِيمَا عرف ثُبُوته بدليله مُحْتَمل كدعوى
стр. 592
الْإِثْبَات فِيمَا لَا يعلم ثُبُوته بدليله فَكَمَا أَن هُنَاكَ يَسْتَوِي الْمُثبت والنافي فِي أَن قَول كل وَاحِد مِنْهُمَا لَا يكون حجَّة على خَصمه بِغَيْر دَلِيل فَكَذَلِك هُنَا وَله فَارق الْعَام فَإِنَّهُ مُوجب للْحكم فِي كل مَا تنَاوله قطعا على احْتِمَال قيام دَلِيل الْخُصُوص فَمَا لم يظْهر دَلِيل الْخُصُوص كَانَ الحكم ثَابتا بِنَصّ مُوجب لَهُ وَهنا الدَّلِيل الْمُثبت للْحكم غير متعرض للأزمنة أصلا فَلَا يكون ثُبُوته فِي الْأَزْمِنَة بعد قيام الدَّلِيل بِدَلِيل مُثبت لَهُ وَلِهَذَا لَا يكون قيام دَلِيل النَّفْي من دَلِيل الْخُصُوص فِي شَيْء بل يكون نسخا كَمَا بَيناهُ فِي بَاب النّسخ يُوضحهُ أَنه لما لم يكن ذَلِك الدَّلِيل عَاملا الْآن فِي شَيْء صَار قَول المتمسك بِهِ لَا دَلِيل على ارتفاعه كلَاما مُحْتملا كَمَا أَن قَول خَصمه قَامَ الدَّلِيل على ارتفاعه كَلَام مُحْتَمل فتتحقق الْمُعَارضَة بَينهمَا على وَجه لَا يكون زعم أَحدهمَا حجَّة على الآخر مَا لم يرجح قَوْله بِدَلِيل
وعَلى هَذَا الأَصْل قُلْنَا فِي الصُّلْح على الْإِنْكَار إِنَّه جَائِز لِأَن الدَّلِيل الْمُثبت لبراءة ذمَّة الْمُنكر أَو للْملك لَهُ فِيمَا فِي يَده غير متعرض للبقاء أصلا فَكَانَ دَعْوَى الْمُدَّعِي أَن الْمُدَّعِي حَقي وملكي خَبرا مُحْتملا وإنكار الْمُدعى عَلَيْهِ لذَلِك خبر مُحْتَمل أَيْضا فَكَمَا لَا يكون خبر الْمُدَّعِي حجَّة على الْمُدعى عَلَيْهِ فِي إِلْزَام التَّسْلِيم إِلَيْهِ لكَونه مُحْتملا فَكَذَلِك خبر الْمُدَّعِي عَلَيْهِ لَا يكون حجَّة على الْمُدَّعِي فِي فَسَاد الِاعْتِيَاض عَنهُ بطرِيق الصُّلْح وَلِهَذَا لَو صَالحه أَجْنَبِي على مَال جَازَ بالِاتِّفَاقِ وَلَو ثَبت بَرَاءَة ذمَّته فِي حق الْمُدَّعِي بِدَلِيل كَمَا ذكره الْخصم لم يجز صلحه مَعَ الْأَجْنَبِيّ كَمَا لَو أقرّ أَنه مُبْطل فِي دَعْوَاهُ ثمَّ صَالح مَعَ أَجْنَبِي
وَالدَّلِيل عَلَيْهِ فصل الشَّهَادَة بِعِتْق العَبْد على مَوْلَاهُ فَإِن الشَّاهِد إِذا اشْتَرَاهُ صَحَّ الشِّرَاء وَلَزِمَه الثّمن لهَذَا الْمَعْنى وَهُوَ أَن مَا أخبر بِهِ الشَّاهِد لكَونه مُحْتملا لم يصر حجَّة على مولى العَبْد حَتَّى جَازَ لَهُ الِاعْتِيَاض عَنهُ بِالْبيعِ من غَيره فَيجوز لَهُ الِاعْتِيَاض عَنهُ بِالْبيعِ من الشَّاهِد وَإِن كَانَ زَعمه مُعْتَبرا فِي حَقه حَتَّى إِنَّه يعْتق كَمَا اشْتَرَاهُ لَا من جِهَته حَتَّى لَا يكون وَلَاؤُه لَهُ وَمَا كَانَ ذَلِك إِلَّا بِالطَّرِيقِ الَّذِي قُلْنَا فَإِن الدَّلِيل الْمُوجب للْملك للْمولى لَا يكون دَلِيل بَقَاء ملكه بل بَقَاء الْملك بعد ثُبُوته لاستغنائه عَن الدَّلِيل الْمَنْفِيّ
وعَلى هَذَا الأَصْل قُلْنَا مَجْهُول الْحَال يكون حرا بِاعْتِبَار الظَّاهِر وَلَكِن لَو جنى عَلَيْهِ جِنَايَة
стр. 593
فَزعم الجانى أَنه رَقِيق لَا يلْزمه أرش الْجِنَايَة على الْأَحْرَار حَتَّى يقوم الْبَيِّنَة على حُرِّيَّته لِأَن ثُبُوت الْحُرِّيَّة للْحَال لَيْسَ بِدَلِيل مُوجب لذَلِك بل بِاعْتِبَار أصل الْحُرِّيَّة لأَوْلَاد آدم وَذَلِكَ لَا يُوجب الْبَقَاء فَكَانَ دَعْوَاهُ الْحُرِّيَّة لنَفسِهِ فِي الْحَال مُحْتملا وَدَعوى الْغَيْر الرّقّ عَلَيْهِ مُحْتَمل فبالمحتمل لَا يثبت الرّقّ فِيهِ لغيره وَيجْعَل القَوْل قَوْله فِي الْحُرِّيَّة وبالمحتمل لَا يثبت دَعْوَى اسْتِحْقَاق أرش الْأَحْرَار بِسَبَب الْجِنَايَة عَلَيْهِ غَيره حَتَّى يُقيم الْبَيِّنَة على حُرِّيَّته لِأَن قبل إِقَامَة الْبَيِّنَة لَيْسَ مَعَه إِلَّا الإحتجاج بِلَا دَلِيل وَذَلِكَ دَافع عَنهُ وَلَا يكون حجَّة لَهُ على غَيره
وعَلى هَذَا لَو قذف إنْسَانا ثمَّ زعم أَنه عبد وَقَالَ الْمَقْذُوف بل هُوَ حر فَإِنَّهُ لَا يُقَام حد الْأَحْرَار عَلَيْهِ حَتَّى تقوم الْبَيِّنَة للمقذوف على حُرِّيَّته
وَكَذَلِكَ لَو قطع يَد إِنْسَان ثمَّ زعم أَنه عبد وَأَنه لَا قصاص عَلَيْهِ
وَكَذَلِكَ لَو شهد فِي حادثه ثمَّ زعم الْمَشْهُود عَلَيْهِ أَنه عبد فَإِن شَهَادَته لَا تكون حجَّة حَتَّى تقوم الْبَيِّنَة على حُرِّيَّته وَالشَّافِعِيّ ﵀ يخالفنا فِي جَمِيع ذَلِك للْأَصْل الذى
وعَلى هَذَا لَو اشْترى شِقْصا من دَار فَطلب الشَّفِيع الشُّفْعَة وَقَالَ الْمُشْتَرى مَا فِي يدك مِمَّا تدعى بِهِ الشُّفْعَة لَيْسَ بِملك لَك بل هِيَ ملكه فَإِنَّهُ يكون القَوْل قَول مدعى الشُّفْعَة فِي دفع دَعْوَى الْمُشْتَرى عَمَّا فِي يَده وَيكون القَوْل قَول الْمُشْتَرى فِي إِنْكَاره حق الشُّفْعَة لَهُ حَتَّى إِن الشَّفِيع مَا لم يقم الْبَيِّنَة على أَن الْعين الذى فِي يَده ملكه لَا يسْتَحق الشُّفْعَة عندنَا لِأَن خبر كل وَاحِد مِنْهُمَا مُحْتَمل فَلَا يكون حجَّة على خَصمه فِي اسْتِحْقَاق مَا فِي يَده
وَعند الشَّافِعِي ملك الشَّفِيع فِيمَا فِي يَده ثَابت بِاعْتِبَار أَن قَوْله مُسْتَند إِلَى دَلِيل مُثبت فَيسْتَحق بِهِ الشُّفْعَة
وَنَظِير مَا قَالَه عُلَمَاؤُنَا قَول الْمولى لعَبْدِهِ إِن لم أَدخل الْيَوْم الدَّار فَأَنت حر ثمَّ قَالَ الْمولى بعد مضى الْيَوْم قد دخلت وَقَالَ العَبْد لم تدخل فَإِن القَوْل قَول الْمولى حَتَّى لَا يعْتق العَبْد وَمَعْلُوم أَن قَول العَبْد مُسْتَند إِلَى دَلِيل من حَيْثُ الظَّاهِر وَهُوَ أَن الأَصْل عدم الدُّخُول وَلَكِن لما كَانَ قَوْله فِي الْحَال مُحْتملا وَقَول الْمولى كَذَلِك لم يثبت اسْتِحْقَاقه على الْمولى بِمَا هُوَ مُحْتَمل
وَكَذَلِكَ الْمَفْقُود فَإِنَّهُ لَا يَرث أحدا من أَقَاربه إِذا مَاتَ قبل أَن يظْهر حَاله
стр. 594
وَمَعْلُوم أَن بَقَاءَهُ حَيا مُسْتَند إِلَى دَلِيل وَهُوَ مَا علم من حَيَاته وَلَكِن لما لم يكن ذَلِك دَلِيلا للبقاء اعْتبر فِي الْحَال الإحتمال فَقيل لَا يَرِثهُ أحد لإحتمال بَقَائِهِ حَيا وَلَا يَرث أحدا لإحتمال أَنه ميت
فَإِن قيل عندى إِذا اسْتندَ قَوْله إِلَى دَلِيل إِنَّمَا يقبل قَوْله على خَصمه فِي إبْقَاء مَا هُوَ مَقْصُود لَهُ ففى مَسْأَلَة الْعتْق لَا مَقْصُود للْعَبد فِي نفى دُخُول الْمولى الدَّار وَإِنَّمَا مَقْصُوده فِي الْعتْق ودعواه الْعتْق لَيْسَ بمستند إِلَى دَلِيل مُثبت لَهُ
وَكَذَلِكَ دَعْوَى من يدعى حَيَاة الْمَفْقُود بعد مَا مَاتَ قريب لَهُ لَيْسَ بمقصود للْمُدَّعى حَتَّى يعْتَبر فِيهِ الإستناد إِلَى دَلِيله فَأَما دَعْوَى الْمُنكر بَرَاءَة ذمَّته أَو كَون مَا فِي يَده ملكا لَهُ مَقْصُود لَهُ وَهُوَ يسْتَند إِلَى دَلِيل كَمَا بَينا وَكَذَلِكَ دَعْوَى مَجْهُول الْحَال الْحُرِّيَّة لنَفسِهِ مَقْصُود لَهُ وَدَعوى الشَّفِيع الْملك لنَفسِهِ فِيمَا فِي يَده مَقْصُود لَهُ فَإِذا كَانَ هَذَا مُسْتَندا إِلَى دَلِيله وَهُوَ مَقْصُود لَهُ كَانَ حجَّة لَهُ على خَصمه قُلْنَا لَا فرق فَإِن دَعْوَى الْمُنكر فَسَاد الصُّلْح غير مَقْصُود لَهُ وَلَكِن يَتَرَتَّب عَلَيْهِ مَا هُوَ الْمَقْصُود لَهُ وَهُوَ سُقُوط الْمُطَالبَة عَنهُ بستليم مَا الْتَزمهُ بِالصُّلْحِ كَمَا أَن دَعْوَى العَبْد أَن الْمولى لم يدْخل الدَّار غير مَقْصُود لَهُ وَلَكِن يَتَرَتَّب عَلَيْهِ مَا هُوَ مَقْصُود لَهُ وَهُوَ عتقه بِاعْتِبَار وجود الشَّرْط ثمَّ هُنَاكَ لكَون مَا أخبر بِهِ مُحْتملا لم يَجْعَل حجَّة على خَصمه وَلَا يعْتَبر استناده فصل
وَمن الإحتجاج بِلَا دَلِيل الإستدلال باستصحاب الْحَال وَذَلِكَ نَحْو مَا يَقُول بعض أَصْحَابنَا فِي حكم الزَّكَاة فِي مَال الصَّبِي إِن الأَصْل عدم الْوُجُوب فيستصحبه حَتَّى يقوم دَلِيل الْوُجُوب وَفِي الإستئناف أَن وجوب الحقتين فِي مائَة وَعشْرين ثَابت بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاع فَيجب استصحابه حَتَّى يقوم الدَّلِيل المغير وَهَذَا النَّوْع من التَّعْلِيل بَاطِل فَإِن ثُبُوت الْعَدَم وَإِن كَانَ بِدَلِيل معدم فَذَلِك لَا يُوجب
стр. 595
بَقَاء الْعَدَم كَمَا أَن الدَّلِيل الموجد للشَّيْء لَا يكون دَلِيل بَقَائِهِ مَوْجُودا فَكَذَلِك الدَّلِيل الْمُثبت للْحكم لَا يكون دَلِيل بَقَائِهِ ثَابتا أَلا ترى أَن عدم الشِّرَاء لَا يمْنَع وجود الشِّرَاء فِي الْمُسْتَقْبل وَالشِّرَاء الْمُوجب للْملك لَا يمْنَع انعدام الْملك بدليله فِي الْمُسْتَقْبل وَلَكِن الْبَقَاء بعد الْوُجُود لاستغنائه عَن الدَّلِيل لَا لِأَن الدَّلِيل الْمُثبت لَهُ مُوجب لبَقَائه كَمَا أَن ثُبُوت الْحَيَاة بِسَبَبِهِ لَا يكون دَلِيل بَقَاء الْحَيَاة يُوضحهُ أَن بعد ثُبُوت حكم هُوَ نفي إيجاده يَسْتَدْعِي دَلِيلا فَمن ادّعى وجوده احْتَاجَ إِلَى إثْبَاته على خَصمه بِدَلِيل
وَكَذَلِكَ من ادّعى بَقَاءَهُ منفيا فَهُوَ مُحْتَاج إِلَى إثْبَاته بدليله على الْخصم إِذْ الدَّلِيل الأول غير مُوجب لذَلِك فَلَيْسَ أَحدهمَا بالاحتجاج على صَاحبه لعدم قيام الدَّلِيل بِأولى من الآخر وَمَا كَانَ الْبَقَاء فِيمَا يحْتَمل الْبَقَاء بعد الْوُجُود إِلَّا نَظِير الْوُجُود فِي الْأَعْرَاض الَّتِي لَا تبقى وَقْتَيْنِ فَإِن وجود شَيْء مِنْهُ بِدَلِيل لَا يكون دَلِيل وجود مثله فِي الْوَقْت الثَّانِي
وَبَيَان هَذَا فِي الْبَعِير الزَّائِد على الْمِائَة وَالْعِشْرين فَإِن عِنْد الْخصم يَنْتَهِي بِهِ عَفْو الحقتين فَيتم بِهِ نِصَاب ثَلَاث بَنَات لبون
وَعِنْدنَا هُوَ ابْتِدَاء الْعَفو لنصاب آخر وَلَيْسَ فِي إِيجَاب الحقتين فِي مائَة وَعشْرين مَا يدل على وَاحِد من الْأَمريْنِ فَكَانَ الِاحْتِجَاج بِهِ لإِيجَاب الحقتين بعد هَذِه الزِّيَادَة عِنْد كَمَال الْحول يكون احتجاجا بِلَا دَلِيل
ثمَّ اسْتِصْحَاب الْحَال يَنْقَسِم أَرْبَعَة أَقسَام أَحدهَا اسْتِصْحَاب حكم الْحَال مَعَ الْعلم يَقِينا بانعدام الدَّلِيل المغير وَذَلِكَ بطرِيق الْخَبَر عَمَّن ينزل عَلَيْهِ الْوَحْي أَو بطرِيق الْحس فِيمَا يعرف بِهِ وَهَذَا صَحِيح قد علمنَا الِاسْتِدْلَال بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿قل لَا أجد فِيمَا أُوحِي إِلَيّ محرما﴾ الْآيَة وَهَذَا لِأَنَّهُ لما علم يَقِينا بانعدام الدَّلِيل المغير وَقد كَانَ الحكم ثَابتا بدليله وبقاؤه يَسْتَغْنِي عَن الدَّلِيل فقد علم بَقَاؤُهُ ضَرُورَة
وَالثَّانِي اسْتِصْحَاب حكم الْحَال بعد دَلِيل مغير ثَابت بطرِيق النّظر
стр. 596
وَالِاجْتِهَاد بِقدر الوسع وَهَذَا يصلح لإبلاء الْعذر وللدفع وَلَا يصلح للاحتجاج بِهِ على غَيره لِأَن المتأمل وَإِن بَالغ فِي النّظر فالخصم يَقُول قَامَ الدَّلِيل عِنْدِي بِخِلَافِهِ وبالتأمل وَالِاجْتِهَاد لَا يبلغ الْمَرْء دَرَجَة يعلم بهَا يَقِينا أَنه لم يخف عَلَيْهِ شَيْء من الْأَدِلَّة بل يبْقى لَهُ احْتِمَال اشْتِبَاه بعض الْأَدِلَّة عَلَيْهِ وَمَا كَانَ فِي نَفسه مُحْتملا عِنْده لَا يُمكنهُ أَن يحْتَج بِهِ على غَيره
وَالثَّالِث اسْتِصْحَاب حكم الْحَال قبل التَّأَمُّل وَالِاجْتِهَاد فِي طلب الدَّلِيل المغير وَهَذَا جهل لِأَن قبل الطّلب لَا يحصل لَهُ شَيْء من الْعلم بِانْتِفَاء الدَّلِيل المغير ظَاهرا وَلَا بَاطِنا وَلكنه يجهل ذَلِك بتقصير مِنْهُ فِي الطّلب وجهله لَا يكون حجَّة على غَيره وَلَا عذرا فِي حَقه أَيْضا إِذا كَانَ مُتَمَكنًا من الطّلب إِلَّا أَن لَا يكون مُتَمَكنًا مِنْهُ
وعَلى هَذَا قُلْنَا إِذا أسلم الذِّمِّيّ فِي دَار الْإِسْلَام وَلم يعلم بِوُجُوب الْعِبَادَات عَلَيْهِ حَتَّى مضى عَلَيْهِ زمَان فَعَلَيهِ قَضَاء مَا ترك بِخِلَاف الْحَرْبِيّ إِذا أسلم فِي دَار الْحَرْب وَلم يعلم بِوُجُوب الْعِبَادَات عَلَيْهِ حَتَّى مضى زمَان
وعَلى هَذَا قُلْنَا من لم يجْتَهد بعد الِاشْتِبَاه فِي أَمر الْقبْلَة حَتَّى صلى إِلَى جِهَة فَإِنَّهُ لَا تجزيه صلَاته مَا لم يعلم أَنه أصَاب بِخِلَاف مَا إِذا اجْتهد وَصلى إِلَى جِهَة فَإِنَّهُ تجزيه صلَاته وَإِن تبين أَنه أَخطَأ
وَالنَّوْع الرَّابِع اسْتِصْحَاب الْحَال (لإِثْبَات الحكم ابْتِدَاء وَهَذَا خطأ مَحْض وَهُوَ ضلال مَحْض مِمَّن يتعمده لِأَن اسْتِصْحَاب الْحَال) كاسمه وَهُوَ التَّمَسُّك بالحكم الَّذِي كَانَ ثَابتا إِلَى أَن يقوم الدَّلِيل المزيل وَفِي إِثْبَات الحكم ابْتِدَاء لَا يُوجد هَذَا الْمَعْنى وَلَا عمل لاستصحاب الْحَال فِيهِ صُورَة وَلَا معنى وَقد بَينا فِي مَسْأَلَة الْمَفْقُود أَن الْحَيَاة الْمَعْلُومَة باستصحاب الْحَال يكون حجَّة فِي إبْقَاء ملكه فِي مَاله على مَا كَانَ وَلَا يكون حجَّة فِي إِثْبَات الْملك لَهُ ابْتِدَاء فِي مَال قَرِيبه إِذا مَاتَ
وَبَعض أَصْحَاب الشَّافِعِي يجعلونه حجَّة فِي ذَلِك لَا بِاعْتِبَار أَنهم يجوزون إِثْبَات الحكم ابْتِدَاء باستصحاب الْحَال بل بِاعْتِبَار أَنه يبْقى للْوَارِث
стр. 597
الْملك الَّذِي كَانَ للمورث فَإِن الوراثة خلَافَة وَقد بَينا أَن عِنْده اسْتِصْحَاب الْحَال فِيمَا يرجع إِلَى الْإِبْقَاء حجَّة على الْغَيْر
وَلَكنَّا نقُول هَذَا الْبَقَاء فِي حق الْمُورث فَأَما فِي حق الْوَارِث فصفة الْمَالِكِيَّة تثبت لَهُ ابْتِدَاء واستصحاب الْحَال لَا يكون حجَّة فِيهِ بِوَجْه
وعَلى هَذَا قَالَ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله إِذا ادّعى عينا فِي يَد إِنْسَان أَنه لَهُ مِيرَاث من أَبِيه وَأقَام الشَّاهِدين فشهدا أَن هَذَا كَانَ لِأَبِيهِ لم تقبل هَذِه الشَّهَادَة
وَفِي قَول أبي يُوسُف الآخر تقبل لِأَن الوراثة خلَافَة فَإِنَّمَا يبْقى للْوَارِث الْملك الَّذِي كَانَ للمورث وَلِهَذَا يرد بِالْعَيْبِ وَيصير مغرورا فِيمَا اشْتَرَاهُ الْمُورث وَمَا ثَبت فَهُوَ بَاقٍ لاستغناء الْبَقَاء عَن دَلِيل
وهما يَقُولَانِ فِي حق الْوَارِث هَذَا فِي معنى ابْتِدَاء التَّمَلُّك لِأَن صفة الْمَالِكِيَّة تثبت لَهُ فِي هَذَا المَال بعد أَن لم يكن مَالِكًا وَإِنَّمَا يكون الْبَقَاء فِي حق الْمُورث أَن لَو حضر بِنَفسِهِ يَدعِي أَن الْعين ملكه فَلَا جرم إِذا شهد الشَّاهِدَانِ أَنه كَانَ لَهُ كَانَت شَهَادَة مَقْبُولَة كَمَا إِذا شَهدا أَنه لَهُ فَأَما إِذا كَانَ الْمُدَّعِي هُوَ الْوَارِث وَصفَة الْمَالِكِيَّة للْوَارِث تثبت ابْتِدَاء بعد موت الْمُورث فَهَذِهِ الشَّهَادَة لَا تكون حجَّة للْقَضَاء بِالْملكِ لَهُ لِأَن طَرِيق الْقَضَاء بهَا اسْتِصْحَاب الْحَال وَذَلِكَ غير صَحِيح
فصل
وَمن هَذِه الْجُمْلَة الِاسْتِدْلَال بتعارض الْأَشْبَاه وَذَلِكَ نَحْو احتجاج زفر ﵀ فِي أَنه لَا يجب غسل الْمرَافِق فِي الْوضُوء لِأَن من الغايات مَا يدْخل وَمِنْهَا مَا لَا يدْخل فَمَعَ الشَّك لَا تثبت فَرضِيَّة الْغسْل فِيمَا هُوَ غَايَة بِالنَّصِّ لِأَن هَذَا فِي الْحَقِيقَة احتجاج بِلَا دَلِيل لإِثْبَات حكم فَإِن الشَّك الَّذِي يَدعِيهِ أَمر حَادث فَلَا يثبت حُدُوثه إِلَّا بِدَلِيل
فَإِن قَالَ دَلِيله تعَارض الْأَشْبَاه
قُلْنَا وتعارض الْأَشْبَاه أَيْضا حَادث فَلَا يثبت إِلَّا بِالدَّلِيلِ
فَإِن قَالَ الدَّلِيل عَلَيْهِ مَا أعده من الغايات مِمَّا يدْخل بِالْإِجْمَاع وَمَا لَا يدْخل بِالْإِجْمَاع
قُلْنَا وَهل تعلم أَن هَذَا الْمُتَنَازع فِيهِ من أحد النَّوْعَيْنِ بِدَلِيل فَإِن قَالَ أعلم ذَلِك
قُلْنَا فَإِذن عَلَيْك أَن لَا تشك فِيهِ بل
стр. 598
تلْحقهُ بِمَا هُوَ من نَوعه بدليله
وَإِن قَالَ لَا أعلم ذَلِك
قُلْنَا قد اعْترفت بِالْجَهْلِ فَإِن كَانَ هَذَا مِمَّا يُمكن الْوُقُوف عَلَيْهِ بِالطَّلَبِ فَإِنَّمَا جهلته عَن تَقْصِير مِنْك فِي طلبه وَذَلِكَ لَا يكون حجَّة أصلا وَإِن كَانَ مِمَّا لَا يُمكن الْوُقُوف عَلَيْهِ بعد الطّلب كنت مَعْذُورًا فِي الْوُقُوف فِيهِ وَلَكِن هَذَا الْعذر لَا يصير حجَّة لَك على غَيْرك مِمَّن يزْعم أَنه قد ظهر عِنْده دَلِيل إِلْحَاقه بِأحد النَّوْعَيْنِ فَعرفنَا أَن حَاصِل كَلَامه احتجاج بِلَا دَلِيل
فصل
وَمن هَذِه الْجُمْلَة الِاحْتِجَاج بالاطراد على صِحَة الْعلَّة إِمَّا وجودا أَو وجودا وعدما فَإِنَّهُ احتجاج بِلَا دَلِيل فِي الْحَقِيقَة وَمن حَيْثُ الظَّاهِر هُوَ احتجاج بِكَثْرَة أَدَاء الشَّهَادَة وَقد بَينا أَن كَثْرَة أَدَاء الشَّهَادَة وتكرارها من الشَّاهِد لَا يكون دَلِيل صِحَة شَهَادَته
ثمَّ الاطراد عبارَة عَن سَلامَة الْوَصْف عَن النقوض والعوارض والناظر وَإِن بَالغ فِي الِاجْتِهَاد بِالْعرضِ على الْأُصُول الْمَعْلُومَة عِنْده فالخصم لَا يعجز من أَن يَقُول عِنْدِي أصل آخر هُوَ مُنَاقض لهَذَا الْوَصْف أَو معَارض فجهلك بِهِ لَا يكون حجَّة لَك عَليّ فَتبين من هَذَا الْوَجْه أَنه احتجاج بِلَا دَلِيل وَلكنه فَوق مَا تقدم فِي الِاحْتِجَاج بِهِ من حَيْثُ الظَّاهِر لِأَن من حَيْثُ الظَّاهِر الْوَصْف صَالح وَيحْتَمل أَن يكون حجَّة للْحكم إِذا ظهر أَثَره عِنْد التَّأَمُّل وَلَكِن لكَونه فِي الْحَقِيقَة اسْتِدْلَالا على صِحَّته بِعَدَمِ النقوض والعوارض لم يصلح أَن يكون حجَّة لإِثْبَات الحكم
فَإِن قيل أَلَيْسَ أَن النُّصُوص بعد ثُبُوتهَا يجب الْعَمَل بهَا وَاحْتِمَال وُرُود النَّاسِخ لَا يُمكن شُبْهَة فِي الِاحْتِجَاج بهَا قبل أَن يظْهر النَّاسِخ فَكَذَلِك مَا تقدم قُلْنَا أما بعد وَفَاة رَسُول الله ﷺ فَلَا احْتِمَال للنسخ فِي كل نَص كَانَ حكمه ثَابتا عِنْد وَفَاته فَأَما فِي حَال حَيَاته فَهَكَذَا نقُول إِن الِاحْتِجَاج بِهِ لإِثْبَات الحكم ابْتِدَاء صَحِيح فَأَما لإبقاء الحكم أَو لنفي النَّاسِخ لَا يكون صَحِيحا لِأَن احْتِمَال بَقَاء الحكم وَاحْتِمَال قيام دَلِيل النّسخ فِيهِ كَانَ بِصفة وَاحِدَة وَقد قَررنَا هَذَا فِي بَاب النّسخ
стр. 599
ثمَّ الطرديات الْفَاسِدَة أَنْوَاع
مِنْهَا مَا لَا يشكل فَسَاده على أحد
وَمِنْهَا مَا يكون (بِزِيَادَة وصف فِي الأَصْل بِهِ يَقع الْفرق
وَمِنْهَا مَا يكون) بِوَصْف مُخْتَلف فِيهِ اخْتِلَافا ظَاهرا
وَمِنْهَا مَا يكون اسْتِدْلَالا بِالنَّفْيِ والعدم
وَبَيَان النَّوْع الأول فِيمَا علل بِهِ بعض أَصْحَاب الشَّافِعِي لكَون قِرَاءَة الْفَاتِحَة ركنا فِي الصَّلَاة لِأَنَّهَا عبَادَة ذَات أَرْكَان لَهَا تَحْلِيل وَتَحْرِيم فَكَانَ من أَرْكَان مَا لَهُ عدد السَّبع كَالْحَجِّ فِي حق الطّواف وَرُبمَا يَقُولُونَ الثَّلَاث أحد عددي مُدَّة الْمسْح فَلَا يتَأَدَّى بِهِ فرض الْقِرَاءَة فِي الصَّلَاة كالواحد وَمَا دون الثَّلَاث قَاصِر عَن السَّبع فَلَا يتَأَدَّى بِهِ فرض الْقِرَاءَة كَمَا دون الْآيَة
وَنَحْو مَا يحْكى عَن بَعضهم فِي أَن الرّجْعَة لَا تحصل بِالْفِعْلِ لِأَن الْوَطْء فعل ينْطَلق مرّة وَيتَعَلَّق أُخْرَى فَلَا تثبت بِهِ الرّجْعَة كَالْقَتْلِ
وَنَحْو مَا يحْكى عَن بعض أَصْحَابنَا فِي الْوضُوء بِغَيْر النِّيَّة أَن هَذَا حكم مُتَعَلق بأعضاء الطَّهَارَة فَلَا تشْتَرط النِّيَّة فِي إِقَامَته كالقطع فِي السّرقَة وَالْقصاص
هَذَا النَّوْع مِمَّا لَا يخفى فَسَاده على أحد وَلم ينْقل من هَذَا الْجِنْس شَيْء عَن السّلف إِنَّمَا أحدثه بعض الْجُهَّال مِمَّن كَانَ بَعيدا من طَرِيق الْفُقَهَاء فَأَما علل السّلف مَا كَانَت تَخْلُو عَن الملاءمة أَو التَّأْثِير وَلِهَذَا كَانَ الْوَاحِد مِنْهُم يتَأَمَّل مُدَّة فَلَا يقف فِي حَادِثَة إِلَّا على قِيَاس أَو قياسين وَالْوَاحد من الْمُتَأَخِّرين رُبمَا يتَمَكَّن فِي مجْلِس وَاحِد من أَن يذكر فِي حَادِثَة خمسين عِلّة من هَذَا النَّحْو أَو أَكثر وَلَا مشابهة بَين غسل الْأَعْضَاء فِي الطَّهَارَة وَبَين الْقطع فِي السّرقَة وَلَا بَين مُدَّة الْمسْح وَالْقِرَاءَة فِي الصَّلَاة وَلَا بَين الطّواف بِالْبَيْتِ وَقِرَاءَة الْفَاتِحَة فَعرفنَا أَن هَذَا النَّوْع مِمَّا لَا يخفى فَسَاده
وَأما مَا يكون بِزِيَادَة وصف فنحو تَعْلِيل بعض أَصْحَاب الشَّافِعِي فِي مس الذّكر إِنَّه حدث لِأَنَّهُ مس الْفرج فينتقض الْوضُوء بِهِ كَمَا لَو مَسّه عِنْد الْبَوْل فَإِن هَذَا الْقيَاس لَا يَسْتَقِيم إِلَّا بِزِيَادَة وصف فِي الأَصْل وَبِذَلِك
стр. 600
الْوَصْف يثبت الْفرق بَين الْفَرْع وَالْأَصْل وَيثبت الحكم بِهِ فِي الأَصْل
وَكَذَلِكَ قَوْلهم فِي إِعْتَاق الْمكَاتب عَن الْكَفَّارَة إِنَّه تَكْفِير بتحرير الْمكَاتب فَلَا يجوز كَمَا لَو أدّى بعض بدل الْكِتَابَة ثمَّ أعْتقهُ لِأَن استقامة هَذَا الْقيَاس بِزِيَادَة وصف فِي الأَصْل بِهِ يَقع الْفرق وَهُوَ أَن الْمُسْتَوْفى من الْبَدَل يكون عوضا والتكفير لَا يجوز بِالْإِعْتَاقِ بعوض
وَنَحْو مَا علل بَعضهم فِي شِرَاء الْأَب بنية الْكَفَّارَة إِنَّه تَكْفِير بتحرير أَبِيه فَلَا يجوز كَمَا لَو كَانَ حلف بِعِتْقِهِ إِن ملكه فَإِن استقامة هَذَا التَّعْلِيل بِزِيَادَة وصف بِهِ يَقع الْفرق من حَيْثُ إِن الْمَحْلُوف بِعِتْقِهِ إِذا عتق عِنْد وجود الشَّرْط لَا يصير مكفرا بِهِ وَإِن نَوَاه عِنْد ذَلِك أَبَا كَانَ أَو أَجْنَبِيّا
وَالنَّوْع الثَّالِث نَحْو مَا يُعلل بِهِ بعض أَصْحَاب الشَّافِعِي فِي أَن الْأَخ لَا يعْتق على أَخِيه إِذا ملكه
قَالَ عتق الْأَخ تتأدى بِهِ الْكَفَّارَة فَلَا يثبت بِمُجَرَّد الْملك كعتق ابْن الْعم
وَهَذَا تَعْلِيل بِوَصْف مُخْتَلف فِيهِ اخْتِلَافا ظَاهرا فَإِن عندنَا عتق الْقَرِيب وَإِن كَانَ مُسْتَحقّا عِنْد وجود الْملك تتأدى بِهِ الْكَفَّارَة حَتَّى قُلْنَا إِذا اشْترى أَبَاهُ بنية الْكَفَّارَة يجوز خلافًا للشَّافِعِيّ ﵀
وَنَحْو مَا علل بِهِ بَعضهم فِي الْكتاب الْحَالة أَنَّهَا لَا تمنع جَوَاز التَّكْفِير بتحريره فَتكون فَاسِدَة كالكتابة على الْقيمَة فَإِن هَذَا تَعْلِيل بِوَصْف مُخْتَلف فِيهِ اخْتِلَافا ظَاهرا لِأَن التَّكْفِير بِإِعْتَاق الْمكَاتب كِتَابَة صَحِيحَة جَائِزَة عندنَا وَرُبمَا يكون هَذَا الِاخْتِلَاف فِي الأَصْل نَحْو مَا يُعلل بِهِ بعض
أَصْحَاب الشَّافِعِي فِي الْإِفْطَار بِالْأَكْلِ وَالشرب إِنَّه إفطار بالمطعوم فَلَا يُوجب الْكَفَّارَة كَمَا لَو كَانَ فِي يَوْم أبْصر الْهلَال وَحده ورد الإِمَام شَهَادَته
وَأما النَّوْع الرَّابِع فنحو تَعْلِيل الشَّافِعِي فِي النِّكَاح إِنَّه لَا يثبت بِشَهَادَة النِّسَاء مَعَ الرِّجَال لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَال وَفِي الْأَخ لَا يعْتق على أَخِيه لِأَنَّهُ لَيْسَ
следующие страницы →