← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6301

أصول السرخسي = تمهيد الفصول في الأصول - ت الأفغاني

شمس الأئمة السرخسي

Полный текст (724 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

وَالِاجْتِهَاد بِقدر الوسع وَهَذَا يصلح لإبلاء الْعذر وللدفع وَلَا يصلح للاحتجاج بِهِ على غَيره لِأَن المتأمل وَإِن بَالغ فِي النّظر فالخصم يَقُول قَامَ الدَّلِيل عِنْدِي بِخِلَافِهِ وبالتأمل وَالِاجْتِهَاد لَا يبلغ الْمَرْء دَرَجَة يعلم بهَا يَقِينا أَنه لم يخف عَلَيْهِ شَيْء من الْأَدِلَّة بل يبْقى لَهُ احْتِمَال اشْتِبَاه بعض الْأَدِلَّة عَلَيْهِ وَمَا كَانَ فِي نَفسه مُحْتملا عِنْده لَا يُمكنهُ أَن يحْتَج بِهِ على غَيره وَالثَّالِث اسْتِصْحَاب حكم الْحَال قبل التَّأَمُّل وَالِاجْتِهَاد فِي طلب الدَّلِيل المغير وَهَذَا جهل لِأَن قبل الطّلب لَا يحصل لَهُ شَيْء من الْعلم بِانْتِفَاء الدَّلِيل المغير ظَاهرا وَلَا بَاطِنا وَلكنه يجهل ذَلِك بتقصير مِنْهُ فِي الطّلب وجهله لَا يكون حجَّة على غَيره وَلَا عذرا فِي حَقه أَيْضا إِذا كَانَ مُتَمَكنًا من الطّلب إِلَّا أَن لَا يكون مُتَمَكنًا مِنْهُ وعَلى هَذَا قُلْنَا إِذا أسلم الذِّمِّيّ فِي دَار الْإِسْلَام وَلم يعلم بِوُجُوب الْعِبَادَات عَلَيْهِ حَتَّى مضى عَلَيْهِ زمَان فَعَلَيهِ قَضَاء مَا ترك بِخِلَاف الْحَرْبِيّ إِذا أسلم فِي دَار الْحَرْب وَلم يعلم بِوُجُوب الْعِبَادَات عَلَيْهِ حَتَّى مضى زمَان وعَلى هَذَا قُلْنَا من لم يجْتَهد بعد الِاشْتِبَاه فِي أَمر الْقبْلَة حَتَّى صلى إِلَى جِهَة فَإِنَّهُ لَا تجزيه صلَاته مَا لم يعلم أَنه أصَاب بِخِلَاف مَا إِذا اجْتهد وَصلى إِلَى جِهَة فَإِنَّهُ تجزيه صلَاته وَإِن تبين أَنه أَخطَأ وَالنَّوْع الرَّابِع اسْتِصْحَاب الْحَال (لإِثْبَات الحكم ابْتِدَاء وَهَذَا خطأ مَحْض وَهُوَ ضلال مَحْض مِمَّن يتعمده لِأَن اسْتِصْحَاب الْحَال) كاسمه وَهُوَ التَّمَسُّك بالحكم الَّذِي كَانَ ثَابتا إِلَى أَن يقوم الدَّلِيل المزيل وَفِي إِثْبَات الحكم ابْتِدَاء لَا يُوجد هَذَا الْمَعْنى وَلَا عمل لاستصحاب الْحَال فِيهِ صُورَة وَلَا معنى وَقد بَينا فِي مَسْأَلَة الْمَفْقُود أَن الْحَيَاة الْمَعْلُومَة باستصحاب الْحَال يكون حجَّة فِي إبْقَاء ملكه فِي مَاله على مَا كَانَ وَلَا يكون حجَّة فِي إِثْبَات الْملك لَهُ ابْتِدَاء فِي مَال قَرِيبه إِذا مَاتَ وَبَعض أَصْحَاب الشَّافِعِي يجعلونه حجَّة فِي ذَلِك لَا بِاعْتِبَار أَنهم يجوزون إِثْبَات الحكم ابْتِدَاء باستصحاب الْحَال بل بِاعْتِبَار أَنه يبْقى للْوَارِث

стр. 597

الْملك الَّذِي كَانَ للمورث فَإِن الوراثة خلَافَة وَقد بَينا أَن عِنْده اسْتِصْحَاب الْحَال فِيمَا يرجع إِلَى الْإِبْقَاء حجَّة على الْغَيْر وَلَكنَّا نقُول هَذَا الْبَقَاء فِي حق الْمُورث فَأَما فِي حق الْوَارِث فصفة الْمَالِكِيَّة تثبت لَهُ ابْتِدَاء واستصحاب الْحَال لَا يكون حجَّة فِيهِ بِوَجْه وعَلى هَذَا قَالَ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله إِذا ادّعى عينا فِي يَد إِنْسَان أَنه لَهُ مِيرَاث من أَبِيه وَأقَام الشَّاهِدين فشهدا أَن هَذَا كَانَ لِأَبِيهِ لم تقبل هَذِه الشَّهَادَة وَفِي قَول أبي يُوسُف الآخر تقبل لِأَن الوراثة خلَافَة فَإِنَّمَا يبْقى للْوَارِث الْملك الَّذِي كَانَ للمورث وَلِهَذَا يرد بِالْعَيْبِ وَيصير مغرورا فِيمَا اشْتَرَاهُ الْمُورث وَمَا ثَبت فَهُوَ بَاقٍ لاستغناء الْبَقَاء عَن دَلِيل وهما يَقُولَانِ فِي حق الْوَارِث هَذَا فِي معنى ابْتِدَاء التَّمَلُّك لِأَن صفة الْمَالِكِيَّة تثبت لَهُ فِي هَذَا المَال بعد أَن لم يكن مَالِكًا وَإِنَّمَا يكون الْبَقَاء فِي حق الْمُورث أَن لَو حضر بِنَفسِهِ يَدعِي أَن الْعين ملكه فَلَا جرم إِذا شهد الشَّاهِدَانِ أَنه كَانَ لَهُ كَانَت شَهَادَة مَقْبُولَة كَمَا إِذا شَهدا أَنه لَهُ فَأَما إِذا كَانَ الْمُدَّعِي هُوَ الْوَارِث وَصفَة الْمَالِكِيَّة للْوَارِث تثبت ابْتِدَاء بعد موت الْمُورث فَهَذِهِ الشَّهَادَة لَا تكون حجَّة للْقَضَاء بِالْملكِ لَهُ لِأَن طَرِيق الْقَضَاء بهَا اسْتِصْحَاب الْحَال وَذَلِكَ غير صَحِيح فصل وَمن هَذِه الْجُمْلَة الِاسْتِدْلَال بتعارض الْأَشْبَاه وَذَلِكَ نَحْو احتجاج زفر ﵀ فِي أَنه لَا يجب غسل الْمرَافِق فِي الْوضُوء لِأَن من الغايات مَا يدْخل وَمِنْهَا مَا لَا يدْخل فَمَعَ الشَّك لَا تثبت فَرضِيَّة الْغسْل فِيمَا هُوَ غَايَة بِالنَّصِّ لِأَن هَذَا فِي الْحَقِيقَة احتجاج بِلَا دَلِيل لإِثْبَات حكم فَإِن الشَّك الَّذِي يَدعِيهِ أَمر حَادث فَلَا يثبت حُدُوثه إِلَّا بِدَلِيل فَإِن قَالَ دَلِيله تعَارض الْأَشْبَاه قُلْنَا وتعارض الْأَشْبَاه أَيْضا حَادث فَلَا يثبت إِلَّا بِالدَّلِيلِ فَإِن قَالَ الدَّلِيل عَلَيْهِ مَا أعده من الغايات مِمَّا يدْخل بِالْإِجْمَاع وَمَا لَا يدْخل بِالْإِجْمَاع قُلْنَا وَهل تعلم أَن هَذَا الْمُتَنَازع فِيهِ من أحد النَّوْعَيْنِ بِدَلِيل فَإِن قَالَ أعلم ذَلِك قُلْنَا فَإِذن عَلَيْك أَن لَا تشك فِيهِ بل

стр. 598

تلْحقهُ بِمَا هُوَ من نَوعه بدليله وَإِن قَالَ لَا أعلم ذَلِك قُلْنَا قد اعْترفت بِالْجَهْلِ فَإِن كَانَ هَذَا مِمَّا يُمكن الْوُقُوف عَلَيْهِ بِالطَّلَبِ فَإِنَّمَا جهلته عَن تَقْصِير مِنْك فِي طلبه وَذَلِكَ لَا يكون حجَّة أصلا وَإِن كَانَ مِمَّا لَا يُمكن الْوُقُوف عَلَيْهِ بعد الطّلب كنت مَعْذُورًا فِي الْوُقُوف فِيهِ وَلَكِن هَذَا الْعذر لَا يصير حجَّة لَك على غَيْرك مِمَّن يزْعم أَنه قد ظهر عِنْده دَلِيل إِلْحَاقه بِأحد النَّوْعَيْنِ فَعرفنَا أَن حَاصِل كَلَامه احتجاج بِلَا دَلِيل فصل وَمن هَذِه الْجُمْلَة الِاحْتِجَاج بالاطراد على صِحَة الْعلَّة إِمَّا وجودا أَو وجودا وعدما فَإِنَّهُ احتجاج بِلَا دَلِيل فِي الْحَقِيقَة وَمن حَيْثُ الظَّاهِر هُوَ احتجاج بِكَثْرَة أَدَاء الشَّهَادَة وَقد بَينا أَن كَثْرَة أَدَاء الشَّهَادَة وتكرارها من الشَّاهِد لَا يكون دَلِيل صِحَة شَهَادَته ثمَّ الاطراد عبارَة عَن سَلامَة الْوَصْف عَن النقوض والعوارض والناظر وَإِن بَالغ فِي الِاجْتِهَاد بِالْعرضِ على الْأُصُول الْمَعْلُومَة عِنْده فالخصم لَا يعجز من أَن يَقُول عِنْدِي أصل آخر هُوَ مُنَاقض لهَذَا الْوَصْف أَو معَارض فجهلك بِهِ لَا يكون حجَّة لَك عَليّ فَتبين من هَذَا الْوَجْه أَنه احتجاج بِلَا دَلِيل وَلكنه فَوق مَا تقدم فِي الِاحْتِجَاج بِهِ من حَيْثُ الظَّاهِر لِأَن من حَيْثُ الظَّاهِر الْوَصْف صَالح وَيحْتَمل أَن يكون حجَّة للْحكم إِذا ظهر أَثَره عِنْد التَّأَمُّل وَلَكِن لكَونه فِي الْحَقِيقَة اسْتِدْلَالا على صِحَّته بِعَدَمِ النقوض والعوارض لم يصلح أَن يكون حجَّة لإِثْبَات الحكم فَإِن قيل أَلَيْسَ أَن النُّصُوص بعد ثُبُوتهَا يجب الْعَمَل بهَا وَاحْتِمَال وُرُود النَّاسِخ لَا يُمكن شُبْهَة فِي الِاحْتِجَاج بهَا قبل أَن يظْهر النَّاسِخ فَكَذَلِك مَا تقدم قُلْنَا أما بعد وَفَاة رَسُول الله ﷺ فَلَا احْتِمَال للنسخ فِي كل نَص كَانَ حكمه ثَابتا عِنْد وَفَاته فَأَما فِي حَال حَيَاته فَهَكَذَا نقُول إِن الِاحْتِجَاج بِهِ لإِثْبَات الحكم ابْتِدَاء صَحِيح فَأَما لإبقاء الحكم أَو لنفي النَّاسِخ لَا يكون صَحِيحا لِأَن احْتِمَال بَقَاء الحكم وَاحْتِمَال قيام دَلِيل النّسخ فِيهِ كَانَ بِصفة وَاحِدَة وَقد قَررنَا هَذَا فِي بَاب النّسخ

стр. 599

ثمَّ الطرديات الْفَاسِدَة أَنْوَاع مِنْهَا مَا لَا يشكل فَسَاده على أحد وَمِنْهَا مَا يكون (بِزِيَادَة وصف فِي الأَصْل بِهِ يَقع الْفرق وَمِنْهَا مَا يكون) بِوَصْف مُخْتَلف فِيهِ اخْتِلَافا ظَاهرا وَمِنْهَا مَا يكون اسْتِدْلَالا بِالنَّفْيِ والعدم وَبَيَان النَّوْع الأول فِيمَا علل بِهِ بعض أَصْحَاب الشَّافِعِي لكَون قِرَاءَة الْفَاتِحَة ركنا فِي الصَّلَاة لِأَنَّهَا عبَادَة ذَات أَرْكَان لَهَا تَحْلِيل وَتَحْرِيم فَكَانَ من أَرْكَان مَا لَهُ عدد السَّبع كَالْحَجِّ فِي حق الطّواف وَرُبمَا يَقُولُونَ الثَّلَاث أحد عددي مُدَّة الْمسْح فَلَا يتَأَدَّى بِهِ فرض الْقِرَاءَة فِي الصَّلَاة كالواحد وَمَا دون الثَّلَاث قَاصِر عَن السَّبع فَلَا يتَأَدَّى بِهِ فرض الْقِرَاءَة كَمَا دون الْآيَة وَنَحْو مَا يحْكى عَن بَعضهم فِي أَن الرّجْعَة لَا تحصل بِالْفِعْلِ لِأَن الْوَطْء فعل ينْطَلق مرّة وَيتَعَلَّق أُخْرَى فَلَا تثبت بِهِ الرّجْعَة كَالْقَتْلِ وَنَحْو مَا يحْكى عَن بعض أَصْحَابنَا فِي الْوضُوء بِغَيْر النِّيَّة أَن هَذَا حكم مُتَعَلق بأعضاء الطَّهَارَة فَلَا تشْتَرط النِّيَّة فِي إِقَامَته كالقطع فِي السّرقَة وَالْقصاص هَذَا النَّوْع مِمَّا لَا يخفى فَسَاده على أحد وَلم ينْقل من هَذَا الْجِنْس شَيْء عَن السّلف إِنَّمَا أحدثه بعض الْجُهَّال مِمَّن كَانَ بَعيدا من طَرِيق الْفُقَهَاء فَأَما علل السّلف مَا كَانَت تَخْلُو عَن الملاءمة أَو التَّأْثِير وَلِهَذَا كَانَ الْوَاحِد مِنْهُم يتَأَمَّل مُدَّة فَلَا يقف فِي حَادِثَة إِلَّا على قِيَاس أَو قياسين وَالْوَاحد من الْمُتَأَخِّرين رُبمَا يتَمَكَّن فِي مجْلِس وَاحِد من أَن يذكر فِي حَادِثَة خمسين عِلّة من هَذَا النَّحْو أَو أَكثر وَلَا مشابهة بَين غسل الْأَعْضَاء فِي الطَّهَارَة وَبَين الْقطع فِي السّرقَة وَلَا بَين مُدَّة الْمسْح وَالْقِرَاءَة فِي الصَّلَاة وَلَا بَين الطّواف بِالْبَيْتِ وَقِرَاءَة الْفَاتِحَة فَعرفنَا أَن هَذَا النَّوْع مِمَّا لَا يخفى فَسَاده وَأما مَا يكون بِزِيَادَة وصف فنحو تَعْلِيل بعض أَصْحَاب الشَّافِعِي فِي مس الذّكر إِنَّه حدث لِأَنَّهُ مس الْفرج فينتقض الْوضُوء بِهِ كَمَا لَو مَسّه عِنْد الْبَوْل فَإِن هَذَا الْقيَاس لَا يَسْتَقِيم إِلَّا بِزِيَادَة وصف فِي الأَصْل وَبِذَلِك

стр. 600

الْوَصْف يثبت الْفرق بَين الْفَرْع وَالْأَصْل وَيثبت الحكم بِهِ فِي الأَصْل وَكَذَلِكَ قَوْلهم فِي إِعْتَاق الْمكَاتب عَن الْكَفَّارَة إِنَّه تَكْفِير بتحرير الْمكَاتب فَلَا يجوز كَمَا لَو أدّى بعض بدل الْكِتَابَة ثمَّ أعْتقهُ لِأَن استقامة هَذَا الْقيَاس بِزِيَادَة وصف فِي الأَصْل بِهِ يَقع الْفرق وَهُوَ أَن الْمُسْتَوْفى من الْبَدَل يكون عوضا والتكفير لَا يجوز بِالْإِعْتَاقِ بعوض وَنَحْو مَا علل بَعضهم فِي شِرَاء الْأَب بنية الْكَفَّارَة إِنَّه تَكْفِير بتحرير أَبِيه فَلَا يجوز كَمَا لَو كَانَ حلف بِعِتْقِهِ إِن ملكه فَإِن استقامة هَذَا التَّعْلِيل بِزِيَادَة وصف بِهِ يَقع الْفرق من حَيْثُ إِن الْمَحْلُوف بِعِتْقِهِ إِذا عتق عِنْد وجود الشَّرْط لَا يصير مكفرا بِهِ وَإِن نَوَاه عِنْد ذَلِك أَبَا كَانَ أَو أَجْنَبِيّا وَالنَّوْع الثَّالِث نَحْو مَا يُعلل بِهِ بعض أَصْحَاب الشَّافِعِي فِي أَن الْأَخ لَا يعْتق على أَخِيه إِذا ملكه قَالَ عتق الْأَخ تتأدى بِهِ الْكَفَّارَة فَلَا يثبت بِمُجَرَّد الْملك كعتق ابْن الْعم وَهَذَا تَعْلِيل بِوَصْف مُخْتَلف فِيهِ اخْتِلَافا ظَاهرا فَإِن عندنَا عتق الْقَرِيب وَإِن كَانَ مُسْتَحقّا عِنْد وجود الْملك تتأدى بِهِ الْكَفَّارَة حَتَّى قُلْنَا إِذا اشْترى أَبَاهُ بنية الْكَفَّارَة يجوز خلافًا للشَّافِعِيّ ﵀ وَنَحْو مَا علل بِهِ بَعضهم فِي الْكتاب الْحَالة أَنَّهَا لَا تمنع جَوَاز التَّكْفِير بتحريره فَتكون فَاسِدَة كالكتابة على الْقيمَة فَإِن هَذَا تَعْلِيل بِوَصْف مُخْتَلف فِيهِ اخْتِلَافا ظَاهرا لِأَن التَّكْفِير بِإِعْتَاق الْمكَاتب كِتَابَة صَحِيحَة جَائِزَة عندنَا وَرُبمَا يكون هَذَا الِاخْتِلَاف فِي الأَصْل نَحْو مَا يُعلل بِهِ بعض أَصْحَاب الشَّافِعِي فِي الْإِفْطَار بِالْأَكْلِ وَالشرب إِنَّه إفطار بالمطعوم فَلَا يُوجب الْكَفَّارَة كَمَا لَو كَانَ فِي يَوْم أبْصر الْهلَال وَحده ورد الإِمَام شَهَادَته وَأما النَّوْع الرَّابِع فنحو تَعْلِيل الشَّافِعِي فِي النِّكَاح إِنَّه لَا يثبت بِشَهَادَة النِّسَاء مَعَ الرِّجَال لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَال وَفِي الْأَخ لَا يعْتق على أَخِيه لِأَنَّهُ لَيْسَ

стр. 601

بَينهمَا بعضية وَفِي المبتوتة إِنَّه لَا يلْحقهَا الطَّلَاق لِأَنَّهُ لَيْسَ بَينهمَا نِكَاح وَفِي إِسْلَام الْمَرْوِيّ بالمروي إِنَّه يجوز لِأَنَّهُ لم يجمع الْبَدَلَيْنِ الطّعْم والثمنية وَهَذَا فَاسد لِأَنَّهُ اسْتِدْلَال بِعَدَمِ وصف والعدم لَا يصلح أَن يكون مُوجبا حكما وَقد بَينا أَن الْعَدَم الثَّابِت بِدَلِيل لَا يكون بَقَاؤُهُ ثَابتا بِدَلِيل فَكيف يسْتَدلّ بِهِ لإِثْبَات حكم آخر فَإِن قيل مثل هَذَا التَّعْلِيل كثير فِي كتبكم قَالَ مُحَمَّد ﵀ ملك النِّكَاح لَا يضمن بِالْإِتْلَافِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَال والزوائد لَا تضمن بِالْغَصْبِ لِأَنَّهُ لم يغصب الْوَلَد وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ الْعقار لَا يضمن بِالْغَصْبِ لِأَنَّهُ لم يَنْقُلهُ وَلم يحوله وَقَالَ فِيمَا لَا يجب فِيهِ الْخمس لِأَنَّهُ لم يوجف عَلَيْهِ الْمُسلمُونَ وَقَالَ فِي تنَاول الْحَصَاة لَا تجب الْكَفَّارَة لِأَنَّهُ لَيْسَ بمطعوم وَقَالَ فِي الْجد لَا يُؤَدِّي صَدَقَة الْفطر عَن النَّافِلَة لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ ذَلِك فَهَذَا اسْتِدْلَال بِعَدَمِ وصف أَو حكم قُلْنَا أَولا هَذَا عندنَا غير مَذْكُور على وَجه المقايسة بل على وَجه الِاسْتِدْلَال فِيمَا كَانَ سَببه وَاحِدًا معينا بِالْإِجْمَاع نَحْو الْغَصْب فَإِن ضَمَان الْغَصْب سَببه وَاحِد عين وَهُوَ الْغَصْب فالاستدلال بِانْتِفَاء الْغَصْب على انْتِفَاء الضَّمَان يكون اسْتِدْلَالا بِالْإِجْمَاع وَكَذَلِكَ وجوب ضَمَان المَال بِسَبَب يَسْتَدْعِي الْمُمَاثلَة بِالنَّصِّ وَله سَبَب وَاحِد عين وَهُوَ إِتْلَاف المَال فيستقيم الِاسْتِدْلَال بِانْتِفَاء الْمَالِيَّة فِي الْمحل على انْتِفَاء هَذَا النَّوْع من الضَّمَان وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ دَلِيل الحكم مَعْلُوما فِي الشَّرْع بِالْإِجْمَاع نَحْو الْخمس فَإِنَّهُ وَاجِب فِي الْغَنِيمَة لَا غير وَطَرِيق الاغتنام الايجاف عَلَيْهِ بِالْخَيْلِ والركاب فالاستدلال بِهِ لنفي الْخمس يكون اسْتِدْلَالا صَحِيحا وَقد بَينا أَنه إبلاء الْعذر فِي بعض الْمَوَاضِع لَا الِاحْتِجَاج بِهِ على الْخصم فَأَما تَعْلِيل النِّكَاح بِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَال فَلَا يثبت بِشَهَادَة

стр. 602

النِّسَاء مَعَ الرِّجَال يكون تعليلا بِعَدَمِ الْوَصْف وَعدم الْوَصْف لَا يعْدم الحكم لجَوَاز أَن يكون الحكم ثَابتا بِاعْتِبَار وصف آخر لِأَنَّهُ وَإِن لم يكن مَالا فَهُوَ من جنس مَا يثبت مَعَ الشُّبُهَات وَالْأَصْل الْمُتَّفق عَلَيْهِ الْحُدُود وَالْقصاص وَبِهَذَا الْوَصْف لَا يصير النِّكَاح بِمَنْزِلَة الْحُدُود وَالْقصاص حَتَّى يثبت مَعَ الشُّبُهَات بِخِلَاف الْحُدُود وَالْقصاص فَعرفنَا أَن بِعَدَمِ هَذَا الْوَصْف لَا يَنْعَدِم وصف آخر يصلح التَّعْلِيل بِهِ لإثباته بِشَهَادَة النِّسَاء مَعَ الرِّجَال وَكَذَلِكَ مَا علل بِهِ من أَخَوَات هَذَا الْ فَصْل فَهُوَ يخرج على هَذَا الْحَرْف إِذا تَأَمَّلت فصل وَمن هَذَا النَّوْع الِاحْتِجَاج بِأَن الْأَوْصَاف محصورة عِنْد القائسين فَإِذا قَامَت الدّلَالَة على فَسَاد سَائِر الْأَوْصَاف إِلَّا وَصفا وَاحِدًا تثبت بِهِ صِحَة ذَلِك الْوَصْف وَيكون حجَّة هَذَا طَرِيق بعض أَصْحَاب الطَّرْد وَقد جوز الْجَصَّاص ﵀ تَصْحِيح الْوَصْف لِلْعِلَّةِ بِهَذَا الطَّرِيق قَالَ الشَّيْخ ﵀ وَقد كَانَ بعض أصدقائي عَظِيم الْجد فِي تَصْحِيح هَذَا الْكَلَام بعلة أَن الْأَوْصَاف لما كَانَت محصورة وجميعها لَيست بعلة للْحكم بل الْعلَّة وصف مِنْهَا فَإِذا قَامَ الدَّلِيل على فَسَاد سَائِر الْأَوْصَاف سوى وَاحِد مِنْهَا ثَبت صِحَة ذَلِك الْوَصْف بِدَلِيل الْإِجْمَاع كأصل الحكم فَإِن الْعلمَاء إِذا اخْتلفُوا فِي حكم حَادِثَة على أقاويل فَإِذا ثَبت بِالدَّلِيلِ فَسَاد سَائِر الْأَقَاوِيل إِلَّا وَاحِدًا ثَبت صِحَة ذَلِك القَوْل وَذَلِكَ نَحْو اخْتِلَاف الْعلمَاء فِي جَارِيَة بَين رجلَيْنِ جَاءَت بِولد فادعياه فَإنَّا إِذا أفسدنا قَول من يَقُول بِالرُّجُوعِ إِلَى قَول الْقَائِف وَقَول من يَقُول بِالْقُرْعَةِ وَقَول من يَقُول بالتوقف إِنَّه لَا يثبت النّسَب من وَاحِد مِنْهُمَا يثبت بِهِ صِحَة قَول من يَقُول بِأَنَّهُ يثبت النّسَب مِنْهُمَا جَمِيعًا وَإِذا قَالَ لنسائه الْأَرْبَعَة إحداكن طَالِق ثَلَاثًا ووطىء ثَلَاثًا مِنْهُنَّ حَتَّى يكون ذَلِك دَلِيلا على انْتِفَاء الْمُحرمَة عَنْهُن تعين بهَا الرَّابِعَة مُحرمَة فَكَانَ تقرب هَذَا من الْأَدِلَّة الْعَقْلِيَّة قَالَ الشَّيْخ وَعِنْدِي أَن هَذَا غلط لَا نجوز القَوْل بِهِ وَهُوَ مَعَ ذَلِك نوع من الِاحْتِجَاج بِالدَّلِيلِ أما بَيَان الْغَلَط فِيهِ وَهُوَ أَن مَا يَجعله هَذَا الْقَائِل دَلِيل صِحَة علته هُوَ الدَّلِيل على فَسَاده لِأَنَّهُ لَا يُمكنهُ سلوك هَذَا الطَّرِيق إِلَّا بعد قَوْله بالمساواة بَين الْأَوْصَاف فِي أَن كل وصف مِنْهَا صَالح أَن يكون عِلّة للْحكم وَبعد ثُبُوت هَذِه الْمُسَاوَاة فالدليل الَّذِي يدل على فَسَاد بَعْضهَا هُوَ الدَّلِيل على فَسَاد مَا بَقِي مِنْهَا لِأَنَّهُ مَتى علم الْمُسَاوَاة بَين شَيْئَيْنِ فِي الحكم ثمَّ ظهر لأَحَدهمَا حكم بِالدَّلِيلِ فَذَلِك الدَّلِيل يُوجب مثل

стр. 603

ذَلِك الحكم فِي الآخر كمن يَقُول لغيره اجْعَل زيدا وعمرا فِي الْعَطِيَّة سَوَاء ثمَّ يَقُول أعْط زيدا درهما يكون ذَلِك تنصيصا على أَنه يُعْطي عمرا أَيْضا درهما فَعرفنَا أَنه لَا وَجه للتحرز عَن هَذَا الْفساد إِلَّا بِبَيَان تفَاوت بَين هَذَا الْوَصْف وَبَين سَائِر الْأَوْصَاف فِي كَونه عِلّة للْحكم وَذَلِكَ التَّفَاوُت لَا يتَبَيَّن إِلَّا بِبَيَان التَّأْثِير أَو الملاءمة فيضطر إِلَى بَيَانه شَاءَ أَو أَبى ثمَّ وَإِن قَامَ الدَّلِيل على فَسَاد سَائِر الْأَوْصَاف على وَجه لَا عمل لذَلِك الدَّلِيل فِي إِفْسَاد هَذَا الْوَصْف الْوَاحِد فَنحْن نتيقن أَن ذَلِك الدَّلِيل كَمَا لَا يُوجب فَسَاد هَذَا الْوَصْف لَا يُوجب صِحَّته فَلَا يبْقى على تَصْحِيح هَذَا الْوَصْف دَلِيلا سوى أَنه لم يقم الدَّلِيل على فَسَاده وَلَو جَازَ إِثْبَات الْوَصْف مُوجبا للْحكم بِهَذَا الطَّرِيق لجَاز إِثْبَات الحكم بِدُونِ هَذَا الْوَصْف بِهَذَا الطَّرِيق وَهُوَ أَن يَقُول حكم الْحَادِثَة كَذَا لِأَنَّهُ لم يقم الدَّلِيل على فَسَاد هَذَا الحكم وَمَا قَالَه من الِاسْتِدْلَال بالحكم فَهُوَ وهم لِأَن بإفساد مَذْهَب الْخصم لَا يثبت صِحَة مَذْهَب الْمُدَّعِي للْحكم بِوَجْه من الْوُجُوه وَكَيف يثبت ذَلِك والمبطل دَافع وَالْمُدَّعِي للْحكم مُثبت وَحجَّة الدّفع غير حجَّة الْإِثْبَات ثمَّ الدَّلِيل على أَن بِقِيَام دَلِيل الْفساد فِي سَائِر الْأَوْصَاف لَا تثبت صِحَة الْوَصْف الَّذِي ادَّعَاهُ الْمُعَلل فِي الشرعيات أَن من أَحْكَام الشَّرْع مَا هُوَ غير مَعْلُول أصلا بل الحكم فِيهِ ثَابت بِالنَّصِّ فبقيام الدَّلِيل على فَسَاد سَائِر الْأَوْصَاف لَا يَنْعَدِم احْتِمَال قيام الدَّلِيل على فَسَاد هَذَا الْوَصْف حَقِيقَة وَلَا حكما من هَذَا الْوَجْه لجَوَاز أَن يكون هَذَا النَّص غير مَعْلُول أصلا وَبِه فَارق العقليات ثمَّ احْتِمَال الصِّحَّة وَالْفساد فِي هَذَا الْوَصْف بِالْإِجْمَاع كَانَ مَانِعا من جعله حجَّة لإِثْبَات الحكم قبل قيام الدَّلِيل على فَسَاد سَائِر الْأَوْصَاف فَكَذَلِك بعده لِأَن احْتِمَال تعينه قَائِم بَاب وُجُوه الِاعْتِرَاض على الْعِلَل قَالَ ﵁ الْعِلَل نَوْعَانِ طردية ومؤثرة والاعتراض على كل نوع من وَجْهَيْن فَاسد وصحيح فالاعتراضات الْفَاسِدَة على الْعِلَل المؤثرة أَرْبَعَة المناقضة وَفَسَاد الْوَضع وَوُجُود الحكم مَعَ عدم الْعلَّة والمفارقة بَين

стр. 604

الأَصْل وَالْفرع والصحيحة أَرْبَعَة الممانعة ثمَّ الْقلب الْمُبْطل ثمَّ الْعَكْس الكاسر ثمَّ الْمُعَارضَة بعلة أُخْرَى فَأَما المناقضة فَإِنَّهَا لَا ترد على الْعِلَل المؤثرة لِأَن التَّأْثِير لَا يتَبَيَّن إِلَّا بِدَلِيل الْكتاب أَو السّنة أَو الْإِجْمَاع وَهَذِه الْأَدِلَّة لَا تتناقض فَإِن أَحْكَام الشَّرْع عَلَيْهَا تَدور وَلَا تنَاقض فِي أَحْكَام الشَّرْع وَقد بَينا أَنه لَا تُوجد الْعلَّة بِدُونِ الحكم على الْوَجْه الَّذِي ظهر أَثَرهَا فِي الحكم بل لَا بُد أَن يَنْعَدِم الحكم لتغير وصف بِنُقْصَان أَو زِيَادَة وَبِه تتبدل الْعلَّة فتنعدم الْعلَّة المؤثرة الَّتِي أثبت الْمُعَلل الحكم بهَا وانعدام الحكم عِنْد انعدام الْعلَّة لَا يكون دَلِيل انْتِقَاض الْعلَّة وَهُوَ نَظِير الشَّاهِد فَإِنَّهُ مَعَ استجماع شَرَائِط الْأَدَاء إِذا ترك لَفْظَة الشَّهَادَة أَو زَاد عَلَيْهَا فَقَالَ فِيمَا أعلم فَإِنَّهُ لَا يجوز الْعَمَل بِشَهَادَتِهِ وَكَانَ ذَلِك بِاعْتِبَار انعدام الْعلَّة الْمُوجبَة للْعَمَل بِشَهَادَتِهِ معنى وَبَيَان هَذَا أَنا إِذا عللنا فِي تكْرَار الْمسْح بِالرَّأْسِ أَنه مسح مَشْرُوع فِي الطَّهَارَة فَلَا يستن تثليثه كالمسح بالخف لَا يدْخل الِاسْتِنْجَاء بالأحجار نقضا لِأَن الْمسْح هُنَاكَ غير مَشْرُوع فِي الطَّهَارَة إِنَّمَا الْمَشْرُوع إِزَالَة النَّجَاسَة العينية حَتَّى لَو تصور خُرُوج الْحَدث من غير أَن يَتَنَجَّس شَيْء مِمَّا هُوَ طَاهِر لم يجب الْمسْح أصلا وَإِزَالَة النَّجَاسَة غير الْمسْح وَهُوَ لَا يحصل بالمرة إِلَّا نَادرا فَعرفنَا أَن انعدام الحكم لِانْعِدَامِ الْعلَّة وَأما فَسَاد الْوَضع فَهُوَ اعْتِرَاض فَاسد على الْعلَّة المؤثرة لِأَنَّهُ دَعْوَى لَا يُمكن تصحيحها فَإِن تَأْثِير الْعلَّة إِنَّمَا يثبت بِدَلِيل مُوجب للْحكم كَمَا بَينا وَمَعْلُوم أَنه لَا يجوز دَعْوَى فَسَاد الْوَضع فِي الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع وَأما وجود الحكم مَعَ عدم الْعلَّة فَإِن الحكم يجوز أَن يكون ثَابتا بعلة أُخْرَى لِأَن ثُبُوته بعلة لَا يُنَافِي كَونه ثَابتا بعلة أُخْرَى أَلا ترى أَن الحكم يجوز أَن يثبت بِشَهَادَة الشَّاهِدين وَيجوز أَن يثبت بِشَهَادَة أَرْبَعَة حَتَّى إِذا رَجَعَ اثْنَان قبل الْقَضَاء يبْقى الْقَضَاء وَاجِبا بِشَهَادَة الباقيين وَكَذَلِكَ يجوز أَن يكون الأَصْل معلولا بعلتين يتَعَدَّى الحكم بِإِحْدَاهُمَا إِلَى فروع

стр. 605

وبالأخرى إِلَى فروع أخر فَلَا يكون انعدام الْعلَّة مَعَ بَقَاء الحكم فِي مَوضِع ثَابتا بِالْعِلَّةِ الْأُخْرَى دَلِيل فَسَاد الْعلَّة فَأَما الْمُفَارقَة فَمن النَّاس من ظن أَنَّهَا مفاقهة ولعمري الْمُفَارقَة مفاقهة وَلَكِن فِي غير هَذَا الْموضع فَأَما على وَجه الِاعْتِرَاض على الْعِلَل المؤثرة تكون مجادلة لَا فَائِدَة فِيهَا فِي مَوضِع النزاع وَبَيَان هَذَا من وُجُوه ثَلَاثَة أَحدهَا أَن شَرط صِحَة الْقيَاس لتعدية الحكم إِلَى الْفُرُوع تَعْلِيل الأَصْل بِبَعْض أَوْصَافه لَا بِجَمِيعِ أَوْصَافه وَقد بَينا أَنه مَتى كَانَ التَّعْلِيل بِجَمِيعِ أَوْصَاف الأَصْل لَا يكون مقايسة فبيان الْمُفَارقَة بَين الأَصْل وَالْفرع بِذكر وصف آخر لَا يُوجد ذَلِك فِي الْفَرْع وَيرجع إِلَى بَيَان صِحَة المقايسة فَأَما أَن يكون ذَلِك اعتراضا على الْعلَّة فَلَا ثمَّ ذكر وصف آخر فِي الأَصْل يكون ابْتِدَاء دَعْوَى والسائل جَاهِل مسترشد فِي موقف الْمُنكر إِلَى أَن تتبين لَهُ الْحجَّة لَا فِي مَوضِع الدَّعْوَى وَإِن اشْتغل بِإِثْبَات دَعْوَاهُ فَذَلِك لَا يكون سعيا فِي إِثْبَات الحكم الْمَقْصُود وَإِنَّمَا يكون سعيا فِي إِثْبَات الحكم فِي الأَصْل وَهُوَ مفروغ عَنهُ وَلَا يتَّصل مَا يُثبتهُ بالفرع إِلَّا من حَيْثُ إِنَّه يَنْعَدِم ذَلِك الْمَعْنى فِي الْفَرْع وبالعدم لَا يثبت الِاتِّصَال وَقد بَينا أَن الْعَدَم لَا يصلح أَن يكون مُوجبا شَيْئا فَكَانَ هَذَا مِنْهُ اشتغالا بِمَا لَا فَائِدَة فِيهِ وَالثَّالِث مَا بَينا أَن الحكم فِي الأَصْل يجوز أَن يكون معلولا بعلتين ثمَّ يتَعَدَّى الحكم إِلَى بعض الْفُرُوع بِإِحْدَى العلتين دون الْأُخْرَى فَبَان انعدام فِي الْفَرْع الْوَصْف الَّذِي يروم بِهِ السَّائِل الْفرق وَإِن سلم لَهُ أَنه عِلّة لإِثْبَات الحكم فِي الأَصْل فَذَلِك لَا يمْنَع الْمُجيب من أَن يعدي حكم الأَصْل إِلَى الْفَرْع بِالْوَصْفِ الَّذِي يَدعِيهِ أَنه عِلّة للْحكم وَمَا لَا يكون قدحا فِي كَلَام الْمُجيب فاشتغال السَّائِل بِهِ يكون اشتغالا بِمَا لَا يُفِيد وَإِنَّمَا المفاقهة فِي الممانعة حَتَّى يبين الْمُجيب تَأْثِير علته فالفقه حِكْمَة باطنة وَمَا يكون مؤثرا فِي إِثْبَات الحكم شرعا فَهُوَ الْحِكْمَة الْبَاطِنَة والمطالبة بِهِ تكون مفاقهة

стр. 606

فَأَما الْإِعْرَاض عَنهُ والاشتغال بِالْفرقِ يكون قبولا لما فِيهِ احْتِمَال أَن لَا يكون حجَّة لإِثْبَات الحكم واشتغالا بِإِثْبَات الحكم بِمَا لَيْسَ بِحجَّة أصلا فِي مَوضِع النزاع وَهُوَ عدم الْعلَّة فَتبين أَن هَذَا لَيْسَ من المفاقهة فِي شَيْء وَالله أعلم فصل الممانعة قَالَ ﵁ اعْلَم بِأَن الممانعة أصل الِاعْتِرَاض على الْعلَّة المؤثرة من حَيْثُ إِن الْخصم الْمُجيب يَدعِي أَن حكم الْحَادِثَة مَا أجَاب بِهِ فَإِذا لم يسلم لَهُ ذَلِك يذكر وَصفا يَدعِي أَنه عِلّة مُوجبَة للْحكم فِي الأَصْل الْمجمع عَلَيْهِ وَأَن هَذَا الْفَرْع نَظِير ذَلِك الأَصْل فيتعدى ذَلِك الحكم بِهَذَا الْوَصْف إِلَى الْفَرْع وَفِي هَذَا الحكم دعويان فَهُوَ أظهر فِي الدَّعْوَى من الأول أَي حكم الْحَادِثَة وَإِن كَانَت المناظرة لَا تتَحَقَّق إِلَّا بِمَنْع دَعْوَى السَّابِق عرفنَا أَنَّهَا لَا تتَحَقَّق إِلَّا بِمَنْع هَذِه الدَّعَاوَى أَيْضا فَيكون هُوَ مُحْتَاجا إِلَى إِثْبَات دعاويه بِالْحجَّةِ والسائل مُنكر فَلَيْسَ عَلَيْهِ سوى الْمُطَالبَة لإِقَامَة الْحجَّة بِمَنْزِلَة الْمُنكر فِي بَاب الدَّعَاوَى والخصومات وَإِلَيْهِ أَشَارَ صَاحب الشَّرْع ﷺ حَيْثُ قَالَ للْمُدَّعِي (أَلَك بَيِّنَة) وبالممانعة يتَبَيَّن العوار وَيظْهر الْمُدَّعِي من الْمُنكر والملزم من الدَّافِع بَعْدَمَا ثَبت شرعا أَن حجَّة أَحدهمَا غير حجَّة الآخر ثمَّ الممانعة على أَرْبَعَة أوجه ممانعة فِي نفس الْعلَّة وممانعة فِي الْوَصْف الَّذِي يذكر الْمُعَلل أَنه عِلّة وممانعة فِي شَرط صِحَة الْعلَّة أَنه مَوْجُود فِي ذَلِك الْوَصْف وممانعة فِي الْمَعْنى الَّذِي بِهِ صَار ذَلِك الْوَصْف عِلّة للْحكم أما الممانعة فِي نفس الْعلَّة فَكَمَا بَينا أَن كثيرا من الْعِلَل إِذا تَأَمَّلت فِيهَا تكون احتجاجا بِلَا دَلِيل وَذَلِكَ لَا يكون حجَّة على الْخصم لإِثْبَات

стр. 607

الحكم وَبَيَان هَذَا فِيمَا علل بِهِ الشَّافِعِي ﵀ فِي النِّكَاح أَنه لَيْسَ بِمَال فَلَا يثبت بِشَهَادَة النِّسَاء مَعَ الرِّجَال كالحدود وَالْقصاص وَهَذَا النَّوْع لَا يصلح حجَّة لإِيجَاب الحكم عندنَا على مَا بَينا فَترك الممانعة فِيهِ تكون قبولا من الْخصم مَا لَا يكون حجَّة أصلا وَذَلِكَ دَلِيل الْجَهْل فَكَانَت الممانعة فِي هَذَا الْموضع دَلِيل المفاقهة وَأما ممانعة الْوَصْف الَّذِي هُوَ الْعلَّة فبيانه فِيمَا علل بِهِ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد ﵄ أَن الْإِيدَاع من الصَّبِي تسليط على الِاسْتِهْلَاك فَإِن مثل هَذَا الْوَصْف لَا بُد أَن يكون مَمْنُوعًا عِنْد الْخصم لِأَن بعد ثُبُوته لَا يبْقى للمنازعة فِي الحكم معنى وَنَحْو مَا علل بِهِ أَبُو حنيفَة فِيمَن اشْترى قَرِيبه مَعَ غَيره أَن الْأَجْنَبِيّ رَضِي بِالَّذِي وَقع الْعتْق بِهِ بِعَيْنِه وَنَحْو مَا علل بِهِ عُلَمَاؤُنَا فِي صَوْم يَوْم النَّحْر أَنه مَشْرُوع لِأَنَّهُ مَنْهِيّ عَنهُ وَالنَّهْي يدل على تحقق الْمَشْرُوع ليتَحَقَّق الِانْتِهَاء عَنهُ كَمَا هُوَ مُوجب النَّهْي فَإِن عِنْد الْخصم مُطلق النَّهْي بِمَنْزِلَة النّسخ حَتَّى يَنْعَدِم بِهِ الْمَشْرُوع أصلا فَلَا بُد من هَذِه الممانعة لمن يُرِيد الْكَلَام فِي الْمَسْأَلَة على سَبِيل المفاقهة وَأما الممانعة فِي الشَّرْط الَّذِي لَا بُد مِنْهُ ليصير الْوَصْف عِلّة بَيَانه فِيمَا ذكرنَا أَن من الْأَوْصَاف مَا يكون مغيرا حكم الأَصْل وَمن شَرط صِحَة الْعلَّة أَن لَا يكون مغيرا حكم النَّص وَذَلِكَ نَحْو تَعْلِيل الْأَشْيَاء الْأَرْبَعَة بالطعم فَإِنَّهُ يُغير حكم النَّص لِأَن الحكم فِي نُصُوص الرِّبَا حُرْمَة الْفضل على الْقدر وَثُبُوت الْحُرْمَة إِلَى غَايَة وَهُوَ الْمُسَاوَاة وَالتَّعْلِيل بالطعم يثبت فِي الْمَنْصُوص حُرْمَة فضل لَا على الْقدر وَحُرْمَة مُطلقَة لَا إِلَى غَايَة الْمُسَاوَاة يَعْنِي فِي الحفنة من الْحِنْطَة وَفِيمَا لَا يدْخل تَحت الْقدر من المطعومات الَّتِي هِيَ فرع فِي هَذَا الحكم فَلَا بُد من هَذِه الممانعة لِأَن الحكم لَا يثبت بِوُجُود ركن الشَّيْء مَعَ انعدام شَرطه وَأما الممانعة فِي الْمَعْنى الَّذِي يكون بِهِ الْوَصْف عِلّة مُوجبَة للْحكم شرعا فَهُوَ الْمُطَالبَة بِبَيَان التَّأْثِير لما بَينا أَن الْعلَّة بِهِ تصير مُوجبَة للْحكم شرعا وَهِي الْحِكْمَة الْبَاطِنَة الَّتِي يعبر عَنْهَا بالفقه

стр. 608

وَالْحَاصِل أَن فِي الدَّعْوَى وَالْإِنْكَار يعْتَبر الْمَعْنى دون الصُّورَة فقد يكون الْمَرْء مُدعيًا صُورَة وَهُوَ مُنكر معنى أَلا ترى أَن الْمُودع إِذا ادّعى رد الْوَدِيعَة يكون مُنْكرا للضَّمَان معنى وَلِهَذَا كَانَ القَوْل قَوْله مَعَ الْيَمين وَإِنَّمَا جعل الشَّرْع الْيَمين فِي جَانب الْمُنكر وَالْبكْر إِذا قَالَت بَلغنِي النِّكَاح فَرددت وَقَالَ الزَّوْج بل سكتت فَالْقَوْل قَوْلهَا عندنَا وَهِي فِي الصُّورَة تَدعِي الرَّد وَلكنهَا تنكر ثُبُوت ملك النِّكَاح عَلَيْهَا فِي الْمَعْنى فَكَانَت مُنكرَة لَا مدعية وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف ﵄ إِذا اخْتلف الْمُتَبَايعَانِ فِي الثّمن بعد هَلَاك السّلْعَة فَالْقَوْل قَول المُشْتَرِي مَعَ يَمِينه وَهُوَ فِي الصُّورَة يَدعِي بيعا بِأَقَلّ الثمنين وَلكنه فِي الْمَعْنى مُنكر للزِّيَادَة الَّتِي يدعيها البَائِع فَعرفنَا أَنه إِنَّمَا يعْتَبر الْمَعْنى فِي الدَّعْوَى وَالْإِنْكَار دون الصُّورَة إِذا ثَبت هَذَا فَنَقُول هَذِه الْوُجُوه من الممانعة تكون إنكارا من السَّائِل فَلَا حَاجَة بِهِ إِلَى إِثْبَات إِنْكَاره بِالْحجَّةِ واشتغاله بذلك يكون اشتغالا بِمَا لَا يُفِيد وَقَوله إِن الحكم فِي الأَصْل مَا تعلق بِهَذَا الْوَصْف فَقَط بل بِهِ وبقرينة أُخْرَى يكون إنكارا صَحِيحا من حَيْثُ الْمَعْنى وَإِن كَانَ دَعْوَى من حَيْثُ الصُّورَة لِأَن الحكم الْمُتَعَلّق بعلة ذَات وصفين لَا يثبت بِوُجُود أحد الوصفين وَذَلِكَ نَحْو مَا يُعلل بِهِ الشَّافِعِي ﵀ فِي الْيَمين المعقودة على أَمر فِي الْمُسْتَقْبل لِأَنَّهَا يَمِين بِاللَّه مَقْصُودَة فيتعدى الحكم بِهَذَا الْوَصْف إِلَى الْغمُوس فَإنَّا نقُول الحكم فِي الأَصْل ثَبت بِهَذَا الْوَصْف مَعَ قرينَة وَهُوَ توهم الْبر فِيهَا فَيكون هَذَا منعا لما ادَّعَاهُ الْخصم والخصم هُوَ الْمُحْتَاج إِلَى إِثْبَات دَعْوَاهُ بِالْحجَّةِ فَأَما قَول السَّائِل لَيْسَ الْمَعْنى فِي الأَصْل مَا قلت وَإِنَّمَا الْمَعْنى فِيهِ كَذَا هُوَ إِنْكَار صُورَة وَلكنه من حَيْثُ الْمَعْنى دَعْوَى وَهُوَ دَعْوَى غير مُفِيد فِي مَوضِع النزاع لِأَنَّهُ لَا يُمكنهُ أَن يَقُول فِي مَوضِع النزاع لتقرير ذَلِك الْمَعْنى سوى أَن هَذَا الْمَعْنى مَعْدُوم فِي مَوضِع النزاع وَعدم الْعلَّة لَا يُوجب عدم الحكم وَإِن كَانَ هَذَا يصلح للترجيح بِهِ من وَجه على مَا نبينه إِن شَاءَ الله تَعَالَى

стр. 609

فصل الْقلب وَالْعَكْس قَالَ ﵁ تَفْسِير الْقلب لُغَة جعل أَعلَى الشَّيْء أَسْفَله وأسفله أَعْلَاهُ من قَول الْقَائِل قلبت الْإِنَاء إِذا نكسه أَو هُوَ جعل بطن الشَّيْء ظهرا وَالظّهْر بَطنا من قَول الْقَائِل قلبت الجراب إِذا جعل بَاطِنه ظَاهرا وَظَاهره بَاطِنا وقلبت الْأَمر إِذا جعله ظهرا لبطن وقلب الْعلَّة على هذَيْن الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ نَوْعَانِ أَحدهمَا جعل الْمَعْلُول عِلّة وَالْعلَّة معلولا وَهَذَا مُبْطل لِلْعِلَّةِ لِأَن الْعلَّة هِيَ الْمُوجبَة شرعا والمعلول هُوَ الحكم الْوَاجِب بِهِ فَيكون فرعا وتبعا لِلْعِلَّةِ وَإِذا جعل التبع أصلا وَالْأَصْل تبعا كَانَ ذَلِك دَلِيل بطلَان الْعلَّة وَبَيَانه فِيمَا قَالَ الشَّافِعِي فِي الذِّمِّيّ إِنَّه يجب عَلَيْهِ الرَّجْم لِأَنَّهُ من جنس من يجلد بكره مائَة فيرجم ثيبه كَالْمُسلمِ فيقلب عَلَيْهِ فَنَقُول فِي الأَصْل إِنَّمَا يجلد بكره لِأَنَّهُ يرْجم ثيبه فَيكون ذَلِك قلبا مُبْطلًا لعلته بِاعْتِبَار أَن مَا جعل فرعا صَار أصلا وَمَا جعله أصلا صَار تبعا وَكَذَلِكَ قَوْله الْقِرَاءَة ركن يتَكَرَّر فرضا فِي الْأَوليين فيتكرر أَيْضا فرضا فِي الْأُخْرَيَيْنِ كالركوع وَهَذَا النَّوْع من الْقلب إِنَّمَا يَتَأَتَّى عِنْد التَّعْلِيل بِحكم لحكم فَأَما إِذا كَانَ التَّعْلِيل بِوَصْف لَا يرد عَلَيْهِ هَذَا الْقلب إِذْ الْوَصْف لَا يكون حكما شَرْعِيًّا يثبت بِحكم آخر وَطَرِيق المخلص عَن هَذَا الْقلب أَن لَا يذكر هَذَا على سَبِيل التَّعْلِيل بل على سَبِيل الِاسْتِدْلَال بِأحد الْحكمَيْنِ على الآخر فَإِن الِاسْتِدْلَال بِحكم على حكم طَرِيق السّلف فِي الْحَوَادِث روينَا ذَلِك عَن النَّبِي ﵇ وَعَن الصَّحَابَة ﵃ وَلَكِن شَرط هَذَا الِاسْتِدْلَال أَن يثبت أَنَّهُمَا نظيران متساويان فَيدل كل وَاحِد مِنْهُمَا على صَاحبه هَذَا على ذَاك فِي حَال وَذَاكَ على هَذَا فِي حَال بِمَنْزِلَة التوأم فَإِنَّهُ يثبت حريَّة الأَصْل لأَحَدهمَا أَيهمَا كَانَ بِثُبُوتِهِ للْآخر وَيثبت الرّقّ فِي أَيهمَا كَانَ بِثُبُوتِهِ للْآخر وَذَلِكَ نَحْو مَا يَقُوله عُلَمَاؤُنَا ﵏ وَبَيَانه فِيمَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا إِن الصَّوْم عبَادَة تلْزم بِالنذرِ فتلزم بِالشُّرُوعِ كَالْحَجِّ فَلَا يَسْتَقِيم قلبهم علينا لِأَن الْحَج إِنَّمَا يلْزم بِالنذرِ لِأَنَّهُ يلْزم بِالشُّرُوعِ

стр. 610

لأَنا نستدل بِأحد الْحكمَيْنِ على الآخر بعد ثُبُوت الْمُسَاوَاة بَينهمَا من حَيْثُ إِن الْمَقْصُود بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا تَحْصِيل عبَادَة زَائِدَة هِيَ مَحْض حق الله تَعَالَى على وَجه يكون الْمَعْنى فِيهَا لَازِما وَالرُّجُوع عَنْهَا بعد الْأَدَاء حرَام وإبطالها بعد الصِّحَّة جِنَايَة فَبعد ثُبُوت الْمُسَاوَاة بَينهمَا يَجْعَل هَذَا دَلِيلا على ذَاك تَارَة وَذَاكَ على هَذَا تَارَة وَكَذَلِكَ قَوْلنَا فِي الثّيّب الصَّغِيرَة من يكون موليا عَلَيْهِ فِي مَاله تَصرفا يكون موليا عَلَيْهِ فِي نَفسه تَصرفا كالبكر وَفِي الْبكر الْبَالِغَة من لَا يكون موليا عَلَيْهِ فِي مَاله تَصرفا لَا يكون موليا عَلَيْهِ فِي نَفسه تَصرفا كَالرّجلِ يكون اسْتِدْلَالا صَحِيحا بِأحد الْحكمَيْنِ على الآخر إِذْ الْمُسَاوَاة قد تثبت بَين التصرفين من حَيْثُ إِن ثُبُوت الْولَايَة فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا بِاعْتِبَار حَاجَة الْمولى عَلَيْهِ وعجزه عَن التَّصَرُّف بِنَفسِهِ فَلَا يَسْتَقِيم قلبهم إِذا ذكرنَا هَذَا على وَجه الِاسْتِدْلَال لِأَن جَوَاز الِاسْتِدْلَال بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا على الآخر يدل على قُوَّة المشابهة والمساواة وَهُوَ الْمَقْصُود بالاستدلال بِخِلَاف مَا علل بِهِ الشَّافِعِي فَإِنَّهُ لَا مُسَاوَاة بَين الْجلد وَالرَّجم أما من حَيْثُ الذَّات فَالرَّجْم عُقُوبَة غَلِيظَة تَأتي على النَّفس وَالْجَلد لَا وَمن حَيْثُ الشَّرْط الرَّجْم يَسْتَدْعِي من الشَّرَائِط مَا لَا يَسْتَدْعِي عَلَيْهِ الْجلد كالثيوبة وَكَذَلِكَ لَا مُسَاوَاة بَين ركن الْقِرَاءَة وَبَين الرُّكُوع فَإِن الرُّكُوع فعل هُوَ أصل فِي الرَّكْعَة وَالْقِرَاءَة ذكر هُوَ زَائِد حَتَّى إِن الْعَاجِز عَن الْأَذْكَار الْقَادِر على الْأَفْعَال يُؤَدِّي الصَّلَاة وَالْعَاجِز عَن الْأَفْعَال الْقَادِر على الْأَذْكَار لَا يُؤَدِّيهَا وَيسْقط ركن الْقِرَاءَة بالاقتداء عندنَا وَعند خوف فَوت الرَّكْعَة بالِاتِّفَاقِ وَلَا يسْقط ركن الرُّكُوع وَكَذَلِكَ لَا مُسَاوَاة بَين الشفع الثَّانِي وَالشَّفْع الأول فِي الْقِرَاءَة فَإِنَّهُ يسْقط فِي الشفع الثَّانِي شطر مَا كَانَ مَشْرُوعا فِي الشفع الأول وَهُوَ قِرَاءَة السُّورَة وَالْوَصْف الْمَشْرُوع فِيهِ فِي الشفع الأول وَهُوَ الْجَهْر بِالْقِرَاءَةِ وَمَعَ انعدام الْمُسَاوَاة لَا يُمكن الِاسْتِدْلَال بِأَحَدِهِمَا على الآخر وَالْقلب يبطل التَّعْلِيل على وَجه المقايسة وَالنَّوْع الثَّانِي من الْقلب هُوَ جعل الظَّاهِر بَاطِنا بِأَن يَجْعَل الْوَصْف الَّذِي

стр. 611

علل بِهِ الْخصم شَاهدا عَلَيْهِ لصَاحبه فِي إِثْبَات ذَلِك الحكم بعد أَن كَانَ شَاهدا لَهُ وَهَذِه مُعَارضَة فِيهَا مناقضة لِأَن الْمَطْلُوب هُوَ الحكم فالوصف الَّذِي يشْهد بإثباته من وَجه وينفيه من وَجه آخر يكون متناقضا فِي نَفسه بِمَنْزِلَة الشَّاهِد الَّذِي يشْهد لأحد الْخَصْمَيْنِ على الآخر فِي حَادِثَة ثمَّ للخصم الآخر عَلَيْهِ فِي عين تِلْكَ الْحَادِثَة فَإِنَّهُ يتناقض كَلَامه بِخِلَاف الْمُعَارضَة بعلة أُخْرَى فَإِنَّهُ لَا يكون فِيهَا معنى التَّنَاقُض بل للاشتباه يتَعَذَّر الْعَمَل إِلَى أَن يتَبَيَّن الرجحان لأَحَدهمَا على الآخر فَأَما مَا يشْهد لَك على خصمك وبخصمك عَلَيْك فِي حَادِثَة وَاحِدَة فِي وَقت وَاحِد بِأَنَّهُ يتَحَقَّق فِيهِ التَّعَارُض مَعَ التَّنَاقُض وَبَيَان ذَلِك فِيمَا علل بِهِ الشَّافِعِي فِي صَوْم رَمَضَان بِمُطلق النِّيَّة إِنَّه صَوْم فرض فَلَا يتَأَدَّى إِلَّا بِتَعْيِين النِّيَّة كَصَوْم الْقَضَاء فَإِنَّمَا نقلب عَلَيْهِ فَنَقُول إِنَّه صَوْم فرض فَبعد مَا تعين مرّة لَا يشْتَرط لأدائه تعْيين بنية أُخْرَى كَصَوْم الْقَضَاء وَعلل فِي سنة التّكْرَار فِي الْمسْح بِالرَّأْسِ فَإِنَّهُ ركن فِي الْوضُوء فَيسنّ تثليثه كَغسْل الْوَجْه وَالْيَدَيْنِ فَإنَّا نقلب عَلَيْهِ فَنَقُول ركن فِي الْوضُوء فَبعد إكماله بِالزِّيَادَةِ على الْمَفْرُوض فِي مَحل الْفَرِيضَة لَا يسن تثليثه كالمغسولات وَإِقَامَة الْفَرْض هُنَا يحصل بمسح الرّبع وبالاستيعاب يحصل الْإِكْمَال بِالزِّيَادَةِ على الْفَرِيضَة فِي مَحل الْفَرِيضَة كَمَا فِي المغسولات بِالْغسْلِ ثَلَاثًا يحصل الْإِكْمَال بِالزِّيَادَةِ على الْقدر الْمَفْرُوض وَهُوَ الِاسْتِيعَاب فِي مَحل الْمَفْرُوض فَإِن قيل هَذَا الْقلب إِنَّمَا يتَأَدَّى بِزِيَادَة وصف وبهذه الزِّيَادَة يتبدل الْوَصْف وَيصير شَيْئا آخر فَيكون هَذَا مُعَارضَة لَا قلبا قُلْنَا نعم فِي هَذَا زِيَادَة وصف وَلكنهَا تَفْسِير للْحكم على وَجه التَّقْرِير لَهُ لَا على وَجه التَّغْيِير فَإنَّا نبين بِهَذِهِ الزِّيَادَة أَن صَوْم رَمَضَان لما تعين مَشْرُوعا فِي الزَّمَان وَغَيره لَيْسَ بمشروع كَانَ قِيَاسه من الْقَضَاء مَا بعد التَّعْيِين بِالشُّرُوعِ فِيهِ والاستيعاب فِي الْمسْح بِالرَّأْسِ لما لم يكن ركنا كَانَ قِيَاسه من المغسولات بعد حُصُول الِاسْتِيعَاب مَا إِذا حصل الْإِكْمَال فِي المغسولات بِالزِّيَادَةِ بعد الِاسْتِيعَاب فَيكون تقريرا لذَلِك الْوَصْف بِهَذَا التَّفْسِير لَا تغييرا

стр. 612

وَتَفْسِير الْعَكْس لُغَة وَهُوَ رد الشَّيْء على سنَنه وَرَاءه مأخود من عكس الْمرْآة فَإِن نورها يرد نور بصر النَّاظر فِيمَا وَرَاءه على سنَنه حَتَّى يرى وَجهه كَأَن لَهُ فِي الْمرْآة وَجها وعينا يبصر بِهِ وَكَذَلِكَ عكس المَاء نور الشَّمْس فَإِنَّهُ يرد نورها حَتَّى يَقع على جِدَار بِمُقَابلَة المَاء كَأَن فِي المَاء شمسا ثمَّ الْعَكْس فِي الْعلَّة على وَجْهَيْن أَحدهمَا رد الحكم على سنَنه بِمَا يكون قلبا لعلته حَتَّى يثبت بِهِ ضد مَا كَانَ ثَابتا بِأَصْلِهِ نَحْو قَوْلنَا فِي الشُّرُوع فِي صَوْم النَّفْل إِن مَا يلْتَزم بِالنذرِ يلْتَزم بِالشُّرُوعِ كَالْحَجِّ وَعَكسه إِن مَا لَا يلْتَزم بِالنذرِ لَا يلْتَزم بِالشُّرُوعِ كَالْوضُوءِ فَيكون الْعَكْس على هَذَا الْمَعْنى ضد الطَّرْد وَهَذَا لَا يكون قادحا فِي الْعلَّة أصلا بل يصلح مرجحا لهَذَا النَّوْع من الْعلَّة على الْعلَّة الَّتِي تطرد وَلَا تنعكس على مَا نبينه فِي بَابه وَالنَّوْع الآخر مَا يكون عكسا يُوجب الحكم لَا على سنَن حكم الأَصْل بل على مُخَالفَة حكم الأَصْل وَذَلِكَ نَحْو مَا يُعلل بِهِ الشَّافِعِي فِي أَن الصَّوْم عبَادَة لَا يمْضِي فِي فاسدها فَلَا تصير لَازِمَة بِالشُّرُوعِ فِيهَا كَالْوضُوءِ وَعَكسه الْحَج فَهَذَا التَّعْلِيل لَهُ نَظِير التَّعْلِيل الأول لنا وَنحن إِذا قُلْنَا بِأَن مَا يلْتَزم بِالنذرِ من الْعَادة يلْتَزم بِالشُّرُوعِ كَالْحَجِّ فَهُوَ يَقُول يَنْبَغِي أَن يَسْتَوِي حكم الشُّرُوع فِيهِ بنية النَّفْل وَحكم الشُّرُوع فِيهِ على ظن أَنه عَلَيْهِ كَالْحَجِّ فَيكون فِي هَذَا الْعَكْس نوع كسر لِلْعِلَّةِ حَيْثُ تمكن الْخصم بِهِ من إِثْبَات حكم هُوَ مُخَالف للْحكم الأول وَلكنه لَيْسَ بِقَوي فَإِن الحكم الَّذِي تعلقه مُجمل غير مُفَسّر وَمَا علقنا بِهِ من الحكم مُفَسّر فالمفسر أولى من الْمُجْمل ثمَّ هُوَ تعلق بِهِ حكم التَّسْوِيَة وَالْحكم الْمَقْصُود شَيْء آخر يخْتَلف فِيهِ الْفَرْع وَالْأَصْل على سَبِيل التضاد فَإِن فِي الأَصْل يستويان حَتَّى يجب الْقَضَاء فيهمَا وَفِي الْفَرْع عِنْده يستويان حَتَّى يسْقط الْقَضَاء فيهمَا وَإِنَّمَا يَسْتَقِيم هَذَا التَّعْلِيل إِذا كَانَ الْمَقْصُود عين التَّسْوِيَة وَلِأَنَّهُ فِي هَذَا

стр. 613

الْعَكْس ينص على حكم آخر سوى مَا ذَكرْنَاهُ فِي التَّعْلِيل فَلَا يكون إبطالا بطرِيق النّظر وَإِنَّمَا يكون الْعَكْس دفعا لما فِيهِ من الْإِبْطَال والمناقضة فَإِذا عرى عَن ذَلِك لم يكن دفعا وَلِأَنَّهُ علل بِحكم مُجمل لَا يتَّصل بالمتنازع فِيهِ إِلَّا بِكَلَام هُوَ ابْتِدَاء وَلَيْسَ للسَّائِل دلك فَظهر أَن الْعَكْس سُؤال ضَعِيف فصل فِي الْمُعَارضَة وَقد بَينا تَفْسِير الْمُعَارضَة فِيمَا مضى وَهَذَا الْفَصْل لبَيَان أقسامها وتمييز الْفَاسِد من الصَّحِيح مِنْهَا فَيَقُول الْمُعَارضَة نَوْعَانِ نوع فِي عِلّة الأَصْل وَنَوع فِي حكم الْفَرْع فالذى فِي حكم الْفَرْع على خَمْسَة أوجه مُعَارضَة بالتنصيص على خلاف حكم الْعلَّة فِي ذَلِك الْمحل بِعَيْنِه ومعارضة بتغيير هُوَ تَفْسِير لذَلِك الحكم على وَجه التَّقْرِير لَهُ ومعارضة بتغيير فِيهِ إجلال بِموضع الْخلاف ومعارضة فِيهَا نفى مَا لم يُثبتهُ الْمُعَلل أَو إِثْبَات مَا لم ينفه الْمُعَلل وَلكنه يتَّصل بِموضع التَّعْلِيل ومعارضة بِإِثْبَات حكم فِي غير الْمحل الذى أثبت الْمُعَلل الحكم فِيهِ بعلته والذى فِي عِلّة الأَصْل أَنْوَاع ثَلَاثَة مُعَارضَة بِذكر عِلّة فِي الأَصْل لَا تتعدى إِلَى فرع ومعارضة بِذكر عِلّة تتعدى إِلَى فرع الحكم فِيهِ مُتَّفق عَلَيْهِ ومعارضة بعلة تتعدى إِلَى فرع الحكم فِيهِ مُخْتَلف فِيهِ وَبَيَان الْوَجْه الأول من الْأَوْجه الْخَمْسَة فِي تكْرَار الْمسْح بِالرَّأْسِ فَإِن الْخصم يَقُول ركن فِي الْوضُوء فَيسنّ تثليثه كالمغسول وَنحن نعارضه بقولنَا مسح فِي الطَّهَارَة فَلَا يسن تثليثه كالمسح بالخف فَهَذِهِ مُعَارضَة صَحِيحه لما فِيهَا من التَّنْصِيص على خلاف حكم علته فِي ذَلِك الْمحل بِعَيْنِه وَبَيَان الْوَجْه الثَّانِي فِي هَذَا الْموضع أَيْضا فَإنَّا نقُول ركن فِي الْوضُوء فَبعد الْإِكْمَال بِالزِّيَادَةِ على الْقدر الْمَفْرُوض فِي مَحل الْفَرِيضَة لَا يسن تثليثه كَمَا فِي المغسولات فَهَذِهِ مُعَارضَة بتغيير هُوَ تَفْسِير للْحكم فِي تَقْرِيره

стр. 614

وَهَذَانِ وَجْهَان صَحِيحَانِ فِي الْمُعَارضَة المحوجة إِلَى التَّرْجِيح لِأَن عِنْد صِحَة الْمُعَارضَة يُصَار إِلَى التَّرْجِيح وَبَيَان الْوَجْه الثَّالِث فِيمَا يُعلل بِهِ فِي غير الْأَب وَالْجد هَل تثبت لَهُم ولَايَة التَّزْوِيج على الصَّغِيرَة فَنَقُول إِنَّهَا صَغِيرَة فَتثبت عَلَيْهَا ولَايَة التَّزْوِيج كالتى لَهَا أَب وهم يعارضون وَيَقُولُونَ هَذِه صَغِيرَة فَلَا تثبت عَلَيْهَا ولَايَة التَّزْوِيج للْأَخ كالتى لَهَا أَب فَتكون هَذِه مُعَارضَة بتغيير فِيهِ إخلال بِموضع النزاع لِأَن مَوضِع النزاع ثُبُوت ولَايَة التَّزْوِيج على الْيَتِيمَة لَا تعْيين الولى المزوج لَهَا وَهُوَ فِي معارضته علل لنفى الْولَايَة بشخص بِعَيْنِه وَلكنه يَقُول إِن مَوضِع النزاع إِثْبَات الْولَايَة للأقارب سوى الْأَب وَالْجد على الصَّغِيرَة وأقربهم الْأَخ فَنحْن بِهَذِهِ الْمُعَارضَة ننفى ولَايَة الْأَخ عَنْهَا ثمَّ ولَايَة من وَرَاء الْأَخ منتفية عَنْهَا بالأخ فَمن هَذَا الْوَجْه يظْهر معنى الصِّحَّة فِي هَذِه الْمُعَارضَة وَإِن لم يكن قَوِيا وَبَيَان الْوَجْه الرَّابِع فِيمَا ذكرنَا فِي النَّوْع الثَّانِي من الْعَكْس وَذَلِكَ فِيمَا يُعلل بِهِ فِي مَسْأَلَة الْكَافِر يشترى عبدا مُسلما إِنَّه مَال يملك الْكَافِر بَيْعه فَيملك شِرَاءَهُ كَالْعَبْدِ الْكَافِر فَيَقُولُونَ وَجب أَن يستوى حكم شِرَائِهِ ابْتِدَاء وَحكم استدامه الْملك فِيهِ كَالْعَبْدِ الْكَافِر فَنَقُول فِي هَذِه الْمُعَارضَة إِثْبَات مَا لم يَنْفَعهُ بِالتَّعْلِيلِ وَهُوَ التَّسْوِيَة بَين أصل الشِّرَاء وَبَين اسْتِدَامَة الْملك فَلَا تكون مُتَّصِلَة بِموضع النزاع إِلَّا بعد الْبناء بِإِثْبَات التَّسْوِيَة بَين الإستدامة وَابْتِدَاء الشِّرَاء وَلَيْسَ للسَّائِل هَذَا الْبناء فَلم تكن هَذِه الْمُعَارضَة صَحِيحه بطرِيق النّظر وَإِن كَانَ يظْهر فِيهَا معنى الصِّحَّة عِنْد إِثْبَات التَّسْوِيَة بَينهمَا وَبَيَان الْوَجْه الْخَامِس فِيمَا يَقُوله أَبُو حنيفَة رضى الله عَنهُ فِي الْمَرْأَة إِذا نعى إِلَيْهَا زَوجهَا فاعتدت وَتَزَوَّجت بِزَوْج آخر وَولدت مِنْهُ أَوْلَادًا ثمَّ جَاءَ الزَّوْج الأول حَيا فَإِن نسب الْأَوْلَاد يثبت من الأول لِأَنَّهُ صَاحب فرَاش صَحِيح عَلَيْهَا وَثُبُوت النّسَب بِاعْتِبَار الْفراش وهما يعارضان بِأَن الثَّانِي صَاحب فرَاش حَاضر وَمَعَ صفة الْفساد يثبت النّسَب من صَاحب الْفراش

стр. 615

الْحَاضِر كَمَا لَو تزوج امْرَأَة بِغَيْر شُهُود وَدخل بهَا فَهَذِهِ مُعَارضَة بِإِثْبَات حكم فِي غير الْمحل الَّذِي وَقع التَّعْلِيل إِذْ الْفَاسِد غير الصَّحِيح وَالْكَلَام فِي أَن النّسَب بَعْدَمَا صَار مُسْتَحقّا بِثُبُوتِهِ لشخص هَل هُوَ يجوز أَن يثبت لغيره بِاعْتِبَار فرَاشه فَإِن الأول بفراشه السَّابِق يصير مُسْتَحقّا نسب أَوْلَادهَا مَا بَقِي فراشها فَيَقَع الْكَلَام بعد هَذَا فِي التَّرْجِيح أَن أصل الْفراش للثَّانِي بِاعْتِبَار كَونه حَاضرا وَكَونه صَاحب المَاء هَل يتَرَجَّح على الْفراش الصَّحِيح الَّذِي للْغَائِب حَتَّى ينتسخ بِهِ حكم الِاسْتِحْقَاق الثَّابِت بفراشه أم لَا وَأَبُو حنيفَة يَقُول هَذَا لَا يكون صَالحا للترجيح لِأَن الشَّيْء لَا ينسخه إِلَّا مَا هُوَ مثله أَو فَوْقه وَالْفَاسِد من الْفراش مَعَ هَذِه الْقَرَائِن لَا يكون مثلا للصحيح فَلَا ينْسَخ بِهِ حكم الِاسْتِحْقَاق الثَّابِت بِالصَّحِيحِ وَبَعْدَمَا صَار النّسَب مُسْتَحقّا لزيد لَا يُمكن إثْبَاته لعَمْرو بِوَجْه مَا وَالنِّكَاح بِغَيْر شُهُود لَيْسَ من هَذَا الْمحل فِي شَيْء فَعرفنَا أَنه مُعَارضَة فِي غير مَحل الحكم فَأَما وُجُوه الْمُعَارضَة فِي عِلّة الأَصْل فَهِيَ فَاسِدَة كلهَا لما بَينا أَن ذكر عِلّة أُخْرَى فِي الأَصْل لَا يبْقى تَعْلِيله بِمَا ذكره الْمُعَلل لجَوَاز أَن يكون فِي الأَصْل وصفان فيتعدى الحكم بِأحد الوصفين إِلَى الْفُرُوع دون الآخر ثمَّ إِن كَانَ الْوَصْف الَّذِي يذكرهُ الْمعَارض لَا يتَعَدَّى إِلَى فرع فَهُوَ فَاسد لما بَينا أَن حكم التَّعْلِيل التَّعْدِيَة فَمَا لَا يُفِيد حكمه أصلا يكون فَاسِدا من التَّعْلِيل فَإِن كَانَ يتَعَدَّى إِلَى فرع فَلَا اتِّصَال لَهُ بِموضع النزاع إِلَّا من حَيْثُ إِنَّه تنعدم تِلْكَ الْعلَّة فِي هَذَا الْموضع وَقد بَينا أَن عدم الْعلَّة لَا يُوجب عدم الحكم فَعرفنَا أَنه لَا اتِّصَال لتِلْك الْعلَّة بِموضع النزاع فِي النَّفْي وَلَا فِي الْإِثْبَات وَكَذَلِكَ إِن كَانَت تتعدى إِلَى فرع مُخْتَلف فِيهِ فالمتعدية إِلَى فرع مجمع عَلَيْهِ تكون أقوى من المتعدية إِلَى فرع مُخْتَلف فِيهِ وَلما تبين فَسَاد تِلْكَ تبين فَسَاد هَذَا بطرِيق الأولى

стр. 616

وَمن النَّاس من يزْعم أَن هَذِه مُعَارضَة حَسَنَة فِيهَا معنى الممانعة لِأَن بِالْإِجْمَاع عِلّة الحكم أحد الوصفين لَا كِلَاهُمَا فَإِذا ظَهرت صِحَة عِلّة السَّائِل بِظُهُور حكمهَا وَهُوَ التَّعْدِيَة يتَبَيَّن فَسَاد الْعلَّة الْأُخْرَى بَيَانه أَنا نقُول فِي تَعْلِيل الْحِنْطَة إِنَّه بَاعَ مَكِيلًا بمكيل من جنسه مُتَفَاضلا ثمَّ تعدى الحكم بهَا إِلَى الحص وَغَيره والخصم يُعَارض فَيَقُول بَاعَ مطعوما بمطعوم من جنسه مُتَفَاضلا لتعدي الحكم بِهِ إِلَى المطعومات الَّتِي هِيَ غير مقدرَة كالتفاح وَنَحْوهَا وَقد ثَبت بِاتِّفَاق الْخَصْمَيْنِ أَن عِلّة الحكم أَحدهمَا فَإِذا ثَبت صِحَة مَا ادَّعَاهُ أَحدهمَا عِلّة انْتَفَى الآخر بِالْإِجْمَاع فَكَانَت فِي هَذِه الْمُعَارضَة ممانعة من هَذَا الْوَجْه وَلَكنَّا نقُول لَا تنَافِي بَين العلتين ذاتا لجَوَاز أَن يعلق الحكم بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا فَمن أنكر صِحَة مَا ادَّعَاهُ خَصمه من الْعلَّة لَا يفْسد ذَلِك بِمُجَرَّد تَصْحِيح علته بل بِذكر معنى مُفسد فِي عِلّة خَصمه كَمَا أَنه لَا يثبت وَجه صِحَة علته بإفساد عِلّة خَصمه بل بِمَعْنى هُوَ دَلِيل الصِّحَّة فِي علته فَعرفنَا أَن هَذِه الْمُعَارضَة فَاسِدَة أَيْضا ثمَّ السَّبِيل فِي كل كَلَام يذكرهُ أهل الطَّرْد على سَبِيل الْمُفَارقَة إِذا كَانَ فَقِيها أَن يذكرهُ على وَجه الممانعة فَيكون ذَلِك فقها صَحِيحا من السَّائِل على حد الْإِنْكَار لَا بُد من قبُوله مِنْهُ وَبَيَان ذَلِك أَن الْخصم يَقُول فِي عتق الرَّهْن إِن هَذَا تصرف من الرَّاهِن مُبْطل لحق الْمُرْتَهن عَن الْمَرْهُون فَلَا ينفذ بِغَيْر رِضَاهُ كَالْبيع وَالْفرق لنا بَين هَذَا وَبَين البيع أَن ذَاك يحْتَمل الْفَسْخ بعد وُقُوعه فَيمكن القَوْل بانعقاده على وَجه يتَمَكَّن الْمُرْتَهن من فَسخه وَالْعِتْق لَا يحْتَمل الْفَسْخ بعد وُقُوعه وَهُوَ بِهَذَا التَّعْلِيل يلغي أصل الْعتْق وَلَا نسلم لَهُ هَذَا الحكم فِي الأَصْل ثمَّ من شَرط صِحَة الْعلَّة أَن لَا يكون مغيرا حكم الأَصْل فَإِن كَانَ هُوَ بِالتَّعْلِيلِ يُغير حكم الأَصْل فَيجْعَل الحكم فِيهِ الإلغاء دون الِانْعِقَاد على وَجه التَّوَقُّف منعناه من التَّعْلِيل لِأَنَّهُ يَنْعَدِم بِهِ شَرط صِحَة التَّعْلِيل وَإِن أثبت بِهِ حكم الأَصْل وَهُوَ امْتنَاع اللُّزُوم بعد الِانْعِقَاد فِي مَحَله لمراعاة حق الْمُرْتَهن فَهَذَا لَا تصور لَهُ فِيمَا لَا يحْتَمل الْفَسْخ بعد وُقُوعه وَكَذَلِكَ إِن رده على إِعْتَاق الْمَرِيض فَإِن ذَلِك عندنَا لَيْسَ يَلْغُو

стр. 617

فَإِن كَانَ يُعلل لإلغاء الْعتْق من الرَّاهِن فَهَذَا تَعْلِيل يتَغَيَّر بِهِ حكم الأَصْل وَذَلِكَ غير صَحِيح عندنَا فنمنعه بِهَذَا الطَّرِيق وعَلى الْوَجْه الذى هُوَ حكم الأَصْل وَهُوَ تَأْخِير تَنْفِيذ الْوَصِيَّة عَن قَضَاء الدّين لَا يُمكنهُ إثْبَاته بِهَذَا التَّعْلِيل فِي الْفَرْع فَكَانَت الممانعة صَحِيحَة بِهَذَا الطَّرِيق وَكَذَلِكَ تَعْلِيل الْخصم فِي قتل الْعمد بِأَنَّهُ قتل آدمى مَضْمُون فَيكون مُوجبا لِلْمَالِ كالخطأ فَإِن الْفرق بَين الْفَرْع وَالْأَصْل لأهل الطَّرْد أَن فِي الْخَطَأ لَا يُمكن إِيجَاب مثل الْمُتْلف من جنسه وَهنا الْمثل من جنسه وَاجِب وَالْأولَى أَن يَقُول فِي الأَصْل المَال إِنَّمَا يجب حلفا عَمَّا هُوَ الأَصْل لفَوَات الأَصْل وَهُوَ بِهَذَا التَّعْلِيل يُوجب المَال فِي الْفَرْع أصلا فَيكون فِي هَذَا التَّعْلِيل يعرض بِحكم الأَصْل بالتغيير وَشرط صِحَة التَّعْلِيل أَن لَا يكون متعرضا لحكم الأَصْل فنمنعه من التَّعْلِيل بِهَذَا الطَّرِيق حَتَّى يكون كلَاما من السَّائِل على حد الْإِنْكَار صَحِيحا فصل فِي وُجُوه دفع المناقضة قد ذكرنَا أَن المناقضة لَا ترد على الْعِلَل المؤثرة لِأَن دَلِيل الصِّحَّة فِيهَا بالتأثير الثَّابِت بِالْإِجْمَاع وَإِنَّمَا يرد النَّقْض على الْعِلَل الطردية لِأَن دَلِيل صِحَّتهَا الإطراد وبالمناقضة يَنْعَدِم الإطراد ثمَّ تقع الْحَاجة إِلَى معرفَة وَجه دفع النَّقْض صُورَة أَو سؤالا مُعْتَبرا عَن الْعِلَل وَالْحَاصِل فِيهِ أَن الْمُجيب مَتى وفْق بَين مَا ذكر من الْعلَّة وَبَين مَا يُورد نقضا عَلَيْهَا بِتَوْفِيق بَين فَإِنَّهُ ينْدَفع النَّقْض عَنهُ وَإِذا لم يُمكنهُ التَّوْفِيق بَينهمَا يلْزمه سُؤال النَّقْض بِمَنْزِلَة التَّنَاقُض الَّذِي يَقع فِي مجْلِس القَاضِي من الدَّعْوَى وَالشَّهَادَة وَبَين شَهَادَة الشُّهُود فَإِن ذَلِك ينتفى بِتَوْفِيق صَحِيح بَين ثمَّ وُجُوه الدّفع أَرْبَعَة دفع بِمَعْنى الْوَصْف الذى جعله عِلّة بِمَا هُوَ ثَابت بصيغته ظَاهرا وَدفع بِمَعْنى الْوَصْف الذى هُوَ ثَابت بدلالته وهى الَّتِى صَارَت بهَا حجَّة وَهُوَ التَّأْثِير الذى قُلْنَا وَدفع بالحكم الذى هُوَ الْمَقْصُود وَدفع بالغرض الْمَطْلُوب بِالتَّعْلِيلِ

стр. 618

فبيان الْوَجْه الأول فِي تكْرَار الْمسْح بِالرَّأْسِ فَإنَّا يَقُول مسح فَلَا يسن تثليثه كالمسح بالخف فيورد عَلَيْهِ الإستنجاء بالأحجار نقضا فندفعه بِمَعْنى الْوَصْف الثَّابِت بصيغته ظَاهرا وَهُوَ قَوْلنَا مسح فَإِن فِي الإستنحاء بالأحجار لَا مُعْتَبر بِالْمَسْحِ بل الْمُعْتَبر إِزَالَة النَّجَاسَة حَتَّى لَو تصور خُرُوج الْحَدث من غير أَن يتلوث شَيْء مِنْهُ من ظَاهر الْبدن لَا يجب الْمسْح وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن الإستطابة بِالْمَاءِ بعد إِزَالَة عين النَّجَاسَة بِالْحجرِ فِيهِ أفضل وَمَعْلُوم أَن فِي الْعُضْو الْمَمْسُوح لَا يكون الْغسْل بعد الْمسْح أفضل وَكَذَلِكَ إِذا قُلْنَا فِي الْخَارِج من غير السَّبِيلَيْنِ إِنَّه حدث لِأَنَّهُ خَارج نجس يُورد عَلَيْهِ مَا إِذا لم يسل عَن رَأس الْجرْح وَدفع هَذَا النَّقْض بِمَعْنى الْوَصْف ظَاهرا وَهُوَ قَوْلنَا خَارج فَمَا لم يسل فَهُوَ طَاهِر لتقشير الْجلد عَنهُ وَلَيْسَ بِخَارِج إِنَّمَا الْخَارِج مَا يُفَارق مَكَانَهُ وَتَحْت كل مَوضِع من الْجلد كمن يكون فِي الْبَيْت إِذا رفع الْبُنيان الَّذِي كَانَ هُوَ مستترا بِهِ يكون ظَاهرا وَلَا يكون خَارِجا وَإِنَّمَا يُسمى خَارِجا من الْبَيْت إِذا فَارق مَكَانَهُ وَلِهَذَا لَا يجب تَطْهِير ذَلِك الْموضع لِأَنَّهُ مَا لم يصر خَارِجا من مَكَانَهُ لَا يعْطى لَهُ حكم النَّجَاسَة وَبَيَان الْوَجْه الثَّانِي فِي هذَيْن الْفَصْلَيْنِ أَيْضا فَإِن تَأْثِير قَوْلنَا مسح أَنه طَهَارَة حكمِيَّة غير معقولة الْمَعْنى وهى مَبْنِيَّة على التَّخْفِيف أَلا ترى أَنه لَا تَأْثِير للمسح فِي إِثْبَات صفة الطَّهَارَة بعد تنجس الْمحل حَقِيقَة وَأَنه يتَأَدَّى بِبَعْض الْمحل للتَّخْفِيف فَلَا يرد عَلَيْهِ الإستنجاء لِأَن الْمَطْلُوب هُنَاكَ إِزَالَة عين النَّجَاسَة وَلِهَذَا لَا يتم بِاسْتِعْمَال الْحجر فِي بعض الْمحل دون الْبَعْض فباعتبار الإستيعاب فِيهِ وَالْقَصْد إِلَى تَطْهِير الْمحل بِإِزَالَة حَقِيقَة النَّجَاسَة عَنهُ يشبه الإستنجاء الْغسْل فِي الْأَعْضَاء المغسولة دون الْمسْح لهت وَكَذَلِكَ قَوْلنَا الْخَارِج النَّجس كَانَ حجَّة التَّأْثِير لَهَا هُوَ وجوب التَّطْهِير فِي ذَلِك الْموضع فَإِن بِالْإِجْمَاع غسل ذَلِك الْموضع للتطهير وَاجِب وَوُجُوب التَّطْهِير فِي الْبدن بِاعْتِبَار مَا يكون مِنْهُ لَا يحْتَمل التجزى فيندفع مَا إِذا لم تسل النَّجَاسَة لِأَنَّهُ لم يجب

стр. 619

هُنَاكَ تَطْهِير ذَلِك الْموضع بِالْغسْلِ فَعرفنَا أَنه انْعَدم الحكم لِانْعِدَامِ الْعلَّة وَهَذَا يكون مرجحا لِلْعِلَّةِ فَكيف يكون نقضا وسنقرر هَذَا فِي بَيَان تَرْجِيح الْعلَّة الَّتِي تنعكس على الْعلَّة الَّتِي لَا تنعكس وَبَيَان الْوَجْه الثَّالِث فِيمَا يُعلل بِهِ فِي النّذر بِصَوْم يَوْم النَّحْر أَنه يَوْم فَيصح إِضَافَة النّذر إِلَيْهِ كَسَائِر الْأَيَّام فيورد عَلَيْهِ يَوْم الْحيض نقضا وَوجه الدّفع بالحكم الَّذِي هُوَ الْمَقْصُود بِالتَّعْلِيلِ وَهُوَ صِحَة إِضَافَة النّذر بِالصَّوْمِ إِلَيْهِ وَذَلِكَ الْيَوْم يَصح إِضَافَة النّذر بِالصَّوْمِ إِلَيْهِ فَإِنَّهَا لَو قَالَت لله عَليّ أَن أَصوم غَدا يَصح نذرها وَإِن حَاضَت من الْغَد وَإِنَّمَا فسد نذرها بِالْإِضَافَة إِلَى الْحيض لَا إِلَى الْيَوْم وَكَذَلِكَ يُعلل فِي التَّكْفِير بالمكاتب فَنَقُول عقد الْكِتَابَة يحْتَمل الْفَسْخ فَلَا تخرج الرَّقَبَة من جَوَاز التَّكْفِير بِعتْقِهَا كَالْبيع وَالْإِجَارَة فيورد عَلَيْهِ نقضا مَا إِذا أدّى بعض بدل الْكِتَابَة وَطَرِيق الدّفع بالحكم وَهُوَ أَن هَذَا العقد لَا يخرج الرَّقَبَة من أَن تكون محلا للتكفير بهَا وَهنا العقد لَا يخرج الرَّقَبَة من ذَلِك وَلَكِن معنى الْمُعَاوضَة هُوَ الَّذِي يمْنَع صِحَة التَّكْفِير بذلك التَّحْرِير وَبَعض أهل النّظر يعبرون عَن هَذَا النَّوْع من الدّفع بِأَن التَّعْلِيل للجملة فَلَا يرد عَلَيْهِ الْإِفْرَاد نقضا وفقهه مَا ذكرنَا وَبَيَان الْوَجْه الرَّابِع من الدّفع فِيمَا عللنا بِهِ الْخَارِج من غير السَّبِيلَيْنِ فَإِنَّهُ خَارج نجس فَيكون حَدثا كالخارج من السَّبِيلَيْنِ فيورد عَلَيْهِ دم الِاسْتِحَاضَة مَعَ بَقَاء الْوَقْت نقضا وللدفع فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا أَن ذَلِك حدث عندنَا وَلَكِن يتَأَخَّر حكمه إِلَى مَا بعد خُرُوج الْوَقْت وَلِهَذَا تلزمها الطَّهَارَة بعد خُرُوج الْوَقْت وَإِن لم يكن خُرُوج الْوَقْت حَدثا وَالْحكم تَارَة يتَّصل بِالسَّبَبِ وَتارَة يتَأَخَّر عَنهُ فَهَذَا الدّفع من جملَة الْوَجْه الثَّالِث بِبَيَان أَنه حدث بِالْجُمْلَةِ وَالثَّانِي أَن الْمَقْصُود بِهَذَا التَّعْلِيل التَّسْوِيَة بَين الْفَرْع وَالْأَصْل وَقد سوينا فَإِن الْخَارِج الْمُعْتَاد من السَّبِيل إِذا كَانَ دَائِما يكون حَدثا مُوجبا للطَّهَارَة بعد خُرُوج الْوَقْت لَا فِي الْوَقْت فَكَذَلِك الَّذِي هُوَ غير الْمُعْتَاد وَالَّذِي هُوَ خَارج من غير سَبِيل وَكَذَا إِذا عللنا فِي أَن السّنة فِي التَّأْمِين الْإخْفَاء بقولنَا إِنَّه ذكر لَا يدْخل عَلَيْهِ الْأَذَان وَلَا التَّكْبِيرَات الَّتِي يجْهر بهَا الإِمَام لِأَن الْغَرَض التَّسْوِيَة بَين التَّأْمِين

стр. 620

وَبَين سَائِر الْأَذْكَار فِي أَن الأَصْل هُوَ الْإخْفَاء وَذَلِكَ ثَابت إِلَّا إِن جهر الإِمَام بالتكبيرات لَا لِأَنَّهَا ذكر بل لإعلام من خَلفه بالانتقال من ركن إِلَى ركن والجهر بِالْأَذَانِ وَالْإِقَامَة كَذَلِك أَيْضا وَلِهَذَا لَا يجْهر الْمُقْتَدِي بالتكبيرات وَلَا يجْهر الْمُنْفَرد بالتكبيرات وَلَا بِالْأَذَانِ وَالْإِقَامَة فَيدْفَع النَّقْض بِبَيَان الْغَرَض الْمَطْلُوب بِالتَّعْلِيلِ وَهُوَ التَّسْوِيَة بَين هَذَا الذّكر وَبَين سَائِر أذكار الصَّلَاة وَبَعض أهل النّظر يعبرون عَن هَذَا فَيَقُولُونَ مقصودنا بِهَذَا التَّعْلِيل التَّسْوِيَة بَين الْفَرْع وَالْأَصْل وَقد سوينا بَينهمَا فِي مَوضِع النَّقْض كَمَا سوينا فِي مَوضِع التَّعْلِيل فيتبين بِهِ وَجه التَّوْفِيق بطرِيق ينْدَفع بِهِ التَّنَاقُض وَالله أعلم ﷺ َ - بَاب التَّرْجِيح ﷺ َ - قَالَ ﵁ الْكَلَام فِي هَذَا الْبَاب فِي فُصُول أَحدهَا فِي معنى التَّرْجِيح لُغَة وَشَرِيعَة وَالثَّانِي فِي بَيَان مَا يَقع بِهِ التَّرْجِيح وَالثَّالِث فِي بَيَان المخلص من تعَارض يَقع فِي التَّرْجِيح وَالرَّابِع فِي بَيَان مَا هُوَ فَاسد من وُجُوه التَّرْجِيح فَأَما الأول فَنَقُول تَفْسِير التَّرْجِيح لُغَة إِظْهَار فضل فِي أحد جَانِبي المعادلة وَصفا لَا أصلا فَيكون عبارَة عَن مماثلة يتَحَقَّق بهَا التَّعَارُض ثمَّ يظْهر فِي أحد الْجَانِبَيْنِ زِيَادَة على وَجه لَا تقوم تِلْكَ الزِّيَادَة بِنَفسِهَا فِيمَا تحصل بِهِ الْمُعَارضَة أَو تثبت بِهِ الْمُمَاثلَة بَين الشَّيْئَيْنِ وَمِنْه الرجحان فِي الْوَزْن فَإِنَّهُ عبارَة عَن زِيَادَة بعد ثُبُوت المعادلة بَين كفتي الْمِيزَان وَتلك الزِّيَادَة على وَجه لَا تقوم مِنْهَا الْمُمَاثلَة ابْتِدَاء وَلَا يدْخل تَحت الْوَزْن مُنْفَردا عَن الْمَزِيد عَلَيْهِ مَقْصُودا بِنَفسِهِ فِي الْعَادة نَحْو الْحبَّة فِي الْعشْرَة وَهَذَا لِأَن ضد التَّرْجِيح التطفيف وَإِنَّمَا يكون التطفيف بِنُقْصَان يظْهر فِي الْوَزْن أَو الْكَيْل بعد وجود الْمُعَارضَة بِالطَّرِيقِ الَّذِي تثبت بِهِ الْمُمَاثلَة على وَجه لَا تنعدم بِهِ الْمُعَارضَة فَكَذَلِك الرجحان يكون بِزِيَادَة وصف على وَجه لَا تقوم بِهِ الْمُمَاثلَة وَلَا يَنْعَدِم بظهوره أصل الْمُعَارضَة وَلِهَذَا لَا تسمى زِيَادَة دِرْهَم على الْعشْرَة فِي أحد

стр. 621

الْجَانِبَيْنِ رجحانا لِأَن الْمُمَاثلَة تقوم بِهِ أصلا وَتسَمى زِيَادَة الْحبَّة وَنَحْوهَا رجحانا لِأَن الْمُمَاثلَة لَا تقوم بهَا عَادَة وَكَذَلِكَ فِي الشَّرِيعَة هُوَ عبارَة عَن زِيَادَة تكون وَصفا لَا أصلا فَإِن النَّبِي ﵊ قَالَ للوازن زن وأرجح فَإنَّا معشر الْأَنْبِيَاء هَكَذَا نزن وَلِهَذَا لَا بثبت حكم الْهِبَة فِي مِقْدَار الرجحان لِأَنَّهُ زِيَادَة تقوم وَصفا لَا مَقْصُودا بِسَبَبِهِ بِخِلَاف زِيَادَة الدِّرْهَم على الْعشْرَة فَإِنَّهُ يثبت فِيهِ الحكم الْهِبَة حَتَّى لَو لم يكن متميزا كَانَ الحكم فِيهِ كَالْحكمِ فِي هبة الْمشَاع لِأَنَّهُ مِمَّا تقوم بِهِ الْمُمَاثلَة فَإِنَّهُ يكون مَقْصُودا بِالْوَزْنِ فَلَا بُد من أَن يَجْعَل مَقْصُودا فِي التَّمْلِيك بِسَبَبِهِ وَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا الْهِبَة فَإِن قَضَاء الْعشْرَة يكون بِمِثْلِهَا عشرَة فيتبين أَن بالرجحان لَا يَنْعَدِم أصل الْمُمَاثلَة لِأَنَّهُ زِيَادَة وصف بِمَنْزِلَة زِيَادَة وصف الْجَوْدَة وَمَا يكون مَقْصُودا بِالْوَزْنِ تنعدم بِهِ الْمُمَاثلَة وَلَا يكون ذَلِك من الرجحان فِي شَيْء وعَلى هَذَا قُلْنَا فِي الْعِلَل فِي الْأَحْكَام إِن مَا يصلح عِلّة للْحكم ابْتِدَاء لَا يصلح للترجيح بِهِ وَإِنَّمَا يكون التَّرْجِيح بِمَا لَا يصلح عِلّة مُوجبَة للْحكم وَبَيَان ذَلِك فِي الشَّهَادَات فَإِن أحد المدعيين لَو أَقَامَ شَاهِدين وَأقَام الآخر أَرْبَعَة من الشُّهُود لم يتَرَجَّح الَّذِي شهد لَهُ أَرْبَعَة لِأَن زِيَادَة الشَّاهِدين فِي حَقه عِلّة تَامَّة للْحكم فَلَا يصلح مرجحا للحجة فِي جَانِبه وَكَذَلِكَ زِيَادَة شَاهد وَاحِد لأحد المدعيين لِأَنَّهُ من جنس مَا تقوم بِهِ الْحجَّة أصلا فَلَا يَقع التَّرْجِيح بِهِ أصلا وَإِنَّمَا يَقع التَّرْجِيح بِمَا يقوى ركن الْحجَّة أَو يقوى معنى الصدْق فِي الشَّهَادَة وَذَلِكَ فِي أَن تتعارض شَهَادَة المستور مَعَ شَهَادَة الْعدْل بِأَن أَقَامَ أحد المدعيين مستورين وَالْآخر عَدْلَيْنِ فَإِنَّهُ يتَرَجَّح الَّذِي شهد بِهِ العدلان بِظُهُور مَا يُؤَكد معنى الصدْق فِي شَهَادَة شُهُوده وَكَذَلِكَ فِي النّسَب أَو النِّكَاح لَو ترجح حجَّة أحد الْخَصْمَيْنِ باتصال الْقَضَاء بهَا لِأَن ذَلِك مِمَّا يُؤَكد ركن الْحجَّة فَإِن بِقَضَاء القاضى يتم معنى الْحجَّة فِي الشَّهَادَة وَيتَعَيَّن جَانب الصدْق وعَلى هَذَا قُلْنَا فِي العلتين إِذا تَعَارَضَتَا لَا تترجح إِحْدَاهمَا بانضمام عِلّة أُخْرَى إِلَيْهَا وَإِنَّمَا هَذَا تترجح بِقُوَّة الْأَثر فِيهَا فبه يتَأَكَّد مَا هُوَ الرُّكْن فِي صِحَة الْعلَّة وَكَذَلِكَ الخبران إِذا تَعَارضا لَا يتَرَجَّح أَحدهمَا على الآخر بِخَبَر آخر بل بِمَا بِهِ يتَأَكَّد معنى الْحجَّة

стр. 622

فِيهِ وَهُوَ الإتصال برَسُول الله ﷺ حَتَّى يرجح الْمَشْهُور بِكَثْرَة رُوَاته على الشاذ لظُهُور زِيَادَة الْقُوَّة فِيهِ من حَيْثُ الإتصال برَسُول الله ﷺ ويترجح بِفقه الرواى وَحسن ضَبطه وإتقانه لِأَنَّهُ يتقوى بِهِ معنى الإتصال برَسُول الله على الْوَجْه الذى وصل إِلَيْنَا بِالنَّقْلِ وَكَذَلِكَ الْآيَتَانِ إِذا وَقعت الْمُعَارضَة بَينهمَا لَا تترجح إِحْدَاهمَا بِآيَة أُخْرَى بل تترجح بِقُوَّة فِي معنى الْحجَّة وَهُوَ أَنه نَص مُفَسّر وَالْآخر مؤول وَكَذَلِكَ لَا يتَرَجَّح أحد الْخَبَرَيْنِ بِالْقِيَاسِ فَعرفنَا أَن مَا يَقع بِهِ التَّرْجِيح هُوَ مَا لَا يصلح عِلّة للْحكم ابْتِدَاء بل مَا يكون مقويا لما بِهِ صَارَت الْعلَّة مُوجبَة للْحكم وعَلى هَذَا قُلْنَا لَو أَن رجلا جرح رجلا جِرَاحَة وجرحه آخر عشر جراحات فَمَاتَ من ذَلِك فَإِن الدِّيَة عَلَيْهِمَا نِصْفَانِ لِأَن كل جِرَاحَة عِلّة تَامَّة وَلَا يتَرَجَّح أَحدهمَا بِزِيَادَة عدد فِي الْعلَّة فِي جَانِبه حَتَّى يصير الْقَتْل مُضَافا إِلَيْهِ دون صَاحبه بل يصير مُضَافا إِلَى فعلهمَا على وَجه التساوى وَلَو قطع أَحدهمَا يَده ثمَّ جز الآخر رقبته فالقاتل هُوَ الذى جز رقبته دون الآخر لزِيَادَة قُوَّة فِيمَا هُوَ عِلّة الْقَتْل من فعله وَهُوَ أَنه لَا يتَوَهَّم بَقَاؤُهُ حَيا بعد فعله بِخِلَاف فعل الآخر وعَلى هَذَا الأَصْل رجحنا سَبَب اسْتِحْقَاق الشُّفْعَة للشَّرِيك فِي نفس الْمَبِيع على السَّبَب فِي حق الشَّرِيك فِي حُقُوق الْمَبِيع ثمَّ رجحنا الشَّرِيك فِي نفس الْمَبِيع على الْجَار لزِيَادَة وكادة فِي الإتصال الذى ثَبت بالجوار فَإِن اتِّصَال الْملكَيْنِ فِي حق الشَّرِيك فِي نفس الْمَبِيع فِي كل جُزْء فِي حق الشَّرِيك فِي حُقُوق الْمَبِيع الإتصال فِيمَا هُوَ بيع من الْمَبِيع وَفِي حق الْجَار لَا اتِّصَال من حَيْثُ الإختلاط فِيمَا هُوَ مَقْصُود وَلَا فِيمَا هُوَ تبع وَإِنَّمَا الإتصال من حَيْثُ الْمُجَاورَة بَين الْملكَيْنِ مَعَ تميز أَحدهمَا من الآخر ثمَّ من كَانَ جواره من ثَلَاث جَوَانِب لَا يتَرَجَّح على من كَانَ جواره من جَانب وَاحِد لِأَن الْمَوْجُود فِي جَانِبه زِيَادَة الْعلَّة من حَيْثُ الْعدَد فَلَا يثبت بِهِ التَّرْجِيح وعَلى هَذَا قُلْنَا صَاحب الْقَلِيل يساوى صَاحب الْكثير فِي اسْتِحْقَاق الشّقص الْمَبِيع بِالشُّفْعَة لِأَن الشّركَة بِكُل جُزْء عِلّة تَامَّة لإستحقاق جَمِيع الشّقص الْمَبِيع بِالشُّفْعَة فَإِنَّمَا وجد فِي جَانب صَاحب الْكثير كَثْرَة الْعلَّة وَبِه لَا يَقع التَّرْجِيح وَهَكَذَا يَقُول الشَّافِعِي فِي اعْتِبَار أصل التَّرْجِيح فَإِنَّهُ لَا يرجح

стр. 623

صابح الْكثير هُنَا حَتَّى يكون لصَاحب الْقَلِيل حق الْمُزَاحمَة مَعَه مَعَ الْأَخْذ بِالشُّفْعَة إِلَّا أَنه يَجْعَل الشُّفْعَة من جملَة مُوَافق الْملك فَتكون مقسومة بَين الشفعاء على قدر الْملك كَالْوَلَدِ وَالرِّبْح وَالثِّمَار من الْأَشْجَار الْمُشْتَركَة أَو يَجْعَل هَذَا بِمَنْزِلَة ملك الْمَبِيع فَيَجْعَلهُ مقسوما على مِقْدَار مَا يلْتَزم كل وَاحِد من المشترين من بدله وَهُوَ الثّمن حَتَّى إِذا بَاعَ عبدا بِثَلَاثَة آلَاف دِرْهَم من رجلَيْنِ على أَن يكون على أَحدهمَا ألف دِرْهَم على الآخر بِعَيْنِه ألفا دِرْهَم فَإِن الْملك بَينهمَا فِي الْمَبِيع يكون أَثلَاثًا على قدر الْملك وَهَذَا غلط مِنْهُ لِأَنَّهُ جعل الحكم مقسوما على قدر الْعلَّة أَو بنى الْعلَّة على الحكم وَذَلِكَ غير مُسْتَقِيم وعَلى هَذَا اتّفقت الصَّحَابَة فِي امْرَأَة مَاتَت عَن ابنى عَم أَحدهمَا زَوجهَا فَإِن للزَّوْج النّصْف والباقى بَينهمَا بالعصوبة وَلَا يتَرَجَّح الزَّوْج بِسَبَب الزَّوْجِيَّة لِأَن ذَلِك عِلّة أُخْرَى لإستحقاق الْمِيرَاث سوى مَا يسْتَحق بِهِ الْعُصُوبَة فَلَا يتَرَجَّح علته بعلة أُخْرَى وَلَكِن يعْتَبر كل وَاحِد من السببين فِي حق من اجْتمع فِي حَقه السببان بِمَنْزِلَة مَا لَو وجد كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي شخص آخر وَكَذَلِكَ قَالَ أَكثر الصَّحَابَة فِي انبى عَم أَحدهمَا أَخ لأم إِنَّه لَا يتَرَجَّح بالأخوة لأم على الآخر وَلَكِن لَهُ السُّدس بالفرضية والباقى بَينهمَا نِصْفَانِ بالعصوبة وَقَالَ ابْن مَسْعُود ﵁ يتَرَجَّح ابْن الْعم الذى هُوَ أَخ لأم لِأَن الْكل قرَابَة فتقوى إِحْدَى الْجِهَتَيْنِ بالجهة الْأُخْرَى بِمَنْزِلَة أَخَوَيْنِ أَحدهمَا لأَب وَأم وَالْآخر لأَب وأخذنا بقول أَكثر الصَّحَابَة لِأَن الْعُصُوبَة الْمُسْتَحقَّة بِكَوْنِهِ ابْن عَم مُخَالف للْمُسْتَحقّ بالأخوة وَلِهَذَا يكون اسْتِحْقَاق ابْن الْعم الْعُصُوبَة بعد اسْتِحْقَاق الْأَخ بدرجات وَالتَّرْجِيح بِقرَابَة الْأُم فِي اسْتِحْقَاق الْعُصُوبَة إِنَّمَا يكون عِنْد اتِّحَاد جِهَة الْعُصُوبَة والإستواء فِي الْمنزلَة كَمَا فِي حق الْأَخَوَيْنِ فَحِينَئِذٍ يَقع التَّرْجِيح بِقرَابَة الْأُم لِأَنَّهُ لَا يسْتَحق بهَا الْعُصُوبَة ابْتِدَاء فَيجوز أَن تتقوى بهَا عِلّة الْعُصُوبَة فِي جَانب الْأَخ لأَب وَأم إِذْ التَّرْجِيح يكون بعد الْمُعَارضَة والمساواة فَأَما قرَابَة الْأُخوة فهى لَيست من جنس قرَابَة ابْن الْعم حَتَّى تتقوى بهَا الْعُصُوبَة الثَّابِتَة لِابْنِ الْعم الذى هُوَ أَخ لأم بل يكون هَذَا السَّبَب بِمَنْزِلَة الزَّوْجِيَّة فَتعْتَبر حَال اجتماعها فِي شخص وَاحِد بِحَال انْفِرَاد كل وَاحِد من السببين فِي شخص آخر وَكثير من الْمسَائِل تخرج على مَا ذكرنَا من الأَصْل فِي هَذَا الْفَصْل إِذا تَأَمَّلت

стр. 624

فصل وَمَا ينتهى إِلَيْهِ مَا يَقع بِهِ التَّرْجِيح فِي الْحَاصِل أَرْبَعَة أَحدهَا قُوَّة الْأَثر وَالثَّانِي قُوَّة الثَّبَات على الحكم الْمَشْهُود بِهِ وَالثَّالِث كَثْرَة الْأُصُول وَالرَّابِع عدم الحكم عِنْد عدم الْعلَّة أما الْوَجْه الأول فَلِأَن الْمَعْنى الَّذِي بِهِ صَار الْوَصْف حجَّة الْأَثر فمهما كَانَ الْأَثر أقوى كَانَ الِاحْتِجَاج بِهِ أولى لصفة الوكادة فِيمَا بِهِ صَار حجَّة فَذَلِك نَحْو دَلِيل الِاسْتِحْسَان مَعَ الْقيَاس وَنَحْو الْأَخْبَار إِذا تَعَارَضَت فَإِن الْخَبَر لما كَانَ حجَّة لِمَعْنى الِاتِّصَال برَسُول الله ﷺ فَمَا يزِيد معنى الِاتِّصَال وكادة من الاشتهار وَفقه الرَّاوِي وَحسن ضَبطه واتقانه كَانَ الِاحْتِجَاج بِهِ أولى فَإِن قيل أَلَيْسَ أَن الشَّهَادَات مَتى تَعَارَضَت لم يتَرَجَّح بَعْضهَا بِقُوَّة عَدَالَة بعض الشَّاهِد وَهِي إِنَّمَا صَارَت حجَّة بِاعْتِبَار الْعَدَالَة ثمَّ بعد ظُهُور عادلة الْفَرِيقَيْنِ لَا يَقع التَّرْجِيح بِزِيَادَة معنى الْعَدَالَة قُلْنَا الْعَدَالَة لَيست بِذِي أَنْوَاع مُتَفَاوِتَة حَتَّى يظْهر لبعضها قُوَّة عِنْد الْمُقَابلَة بِالْبَعْضِ وَهِي عبارَة عَن التَّقْوَى والانزجار عَن ارْتِكَاب مَا يعْتَقد الْحُرْمَة فِيهِ وَذَلِكَ مِمَّا لَا يُمكن الْوُقُوف فِيهِ على حد أَن يرجح الْبَعْض بِزِيَادَة قُوَّة عِنْد الرُّجُوع إِلَى حَده بِخِلَاف تَأْثِير الْعلَّة فَإِن قُوَّة الْأَثر عِنْد الْمُقَابلَة تظهر على وَجه لَا يُمكن إِنْكَاره وَبَيَان هَذَا فِي مسَائِل مِنْهَا أَن الشَّافِعِي علل فِي طول الْحرَّة أَنه يمْنَع نِكَاح الْأمة لِأَن فِي هَذَا العقد إرقاق جُزْء مِنْهُ مَعَ استغنائه عَنهُ فَلَا يجوز كَمَا لَو كَانَ تَحْتَهُ حرَّة وَهَذَا الْوَصْف بَين الْأَثر فَإِن الإرقاق نَظِير الْقَتْل من وَجه أَلا نرى أَن الإِمَام فِي الْأُسَارَى يتَخَيَّر بَين الْقَتْل والاسترقاق فَكَمَا يحرم عَلَيْهِ قتل وَلَده شرعا يحرم عَلَيْهِ إرقاقه مَعَ استغنائه عَنهُ وَقُلْنَا هَذَا النِّكَاح يجوز لعبد الْمُسلم فَإِن الْمولى إِذا دفع إِلَيْهِ مَالا وَأذن لَهُ فِي أَن ينْكح بِهِ مَا شَاءَ من حرَّة أَو أمة جَازَ لَهُ أَن ينْكح الْأمة فَلَمَّا كَانَ طول الْحرَّة لَا يمْنَع نِكَاح الْأمة للْعَبد الْمُسلم لَا يمْنَع للْحرّ لوُجُود الْحرَّة فِي الدُّنْيَا وتأثير مَا قُلْنَا أَن تَأْثِير الرّقّ

стр. 625

فِي تنصيف الْحل الذى يَتَرَتَّب عَلَيْهِ عقد النِّكَاح وَحَقِيقَة التنصيف فِي أَن يكون حكم العَبْد فِي النّصْف الباقى لَهُ وَحكم الْحر فِي جَمِيع ذَلِك سَوَاء فَمَا يكون شرطا فِي حق الْحر يكون شرطا فِي حق العَبْد كالمشهود وخلو الْمَرْأَة عَن الْعدة وَمَال لَا يكون شرطا فِي حق العَبْد لَا يكون شرطا فِي حق الْحر كالخطبة وَتَسْمِيَة الْمهْر لَا يكون فِي حق العَبْد ثمَّ تظهر قُوَّة التَّأْثِير لما قُلْنَا فِي الرُّجُوع إِلَى الْأُصُول فَإِن الرّقّ من أَوْصَاف النُّقْصَان وَالْحريَّة من أَوْصَاف الْكَمَال وَهَذَا الْحل كَرَامَة يخْتَص بِهِ الْبشر فَكيف يجوز القَوْل بِأَنَّهُ يَتَّسِع الْحل بِسَبَب الرّقّ حَتَّى يحل للْعَبد مَا لَا يحل للْحرّ وبزداد قُوَّة بِالنّظرِ فِي أَحْوَال الْبشر فَإِن رَسُول الله ﷺ فضل أمته بِزِيَادَة اتساع فِي حلّه حَتَّى جَازَ لَهُ نِكَاح تسع نسْوَة أَو إِلَى مَا لَا يتناهى على حسب مَا اخْتلفُوا فِيهِ فَتبين بِهَذَا تَحْقِيق معنى الْكَرَامَة فِي زِيَادَة الْحل وَظهر أَنه لَا يجوز القَوْل بِزِيَادَة حل العَبْد على حل الْحر وَيظْهر ضعف أثر علته فِي الرُّجُوع إِلَى الْأُصُول فَإِن إرقاق المَاء دون التضييع لَا محَالة وَيحل لَهُ أَن يضيع مَاءَهُ بِالْعَزْلِ عَن الْحرَّة بِإِذْنِهَا فَلِأَن يجوز تَعْرِيض مَا بِهِ الرّقّ بِنِكَاح الْأمة كَانَ أولى ويزداد ضعفا بِالرُّجُوعِ إِلَى أَحْوَال الْبشر فَإِنَّهُ من ملك نَفسه على وَجه يَأْمَن أَن يَقع فِي الْحَرَام يجوز لَهُ نِكَاح الْأمة وَلَا يحل لَهُ قتل وَلَده إِذا أَمن جَانِبه بِحَال من الْأَحْوَال وعَلى هَذَا قُلْنَا للْحرّ أَن يتَزَوَّج أمة على أمة لِأَن ذَلِك جَائِز للْعَبد فَيجوز للْحرّ من الْوَجْه الذى قَررنَا وَلَا يجوز للْعَبد أَن ينْكح أمة على حرَّة كَمَا لَا يجوز ذَلِك للْحرّ لِأَن العَبْد فِي النّصْف الباقى لَهُ مثل الْحر فِي الحكم وَعلل فِي حُرْمَة نِكَاح الْأمة الْكِتَابِيَّة على الْمُسلم بِأَنَّهَا أمة كَافِرَة فَلَا يجوز نِكَاحهَا للْمُسلمِ كالمجوسية وَهَذَا بَين الْأَثر من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن الرّقّ مُؤثر فِي حُرْمَة النِّكَاح حَتَّى لَا يجوز نِكَاح الْأمة على الْحرَّة وَالْكفْر كَذَلِك فَإِذا اجْتمع الوصفان فِي شخص تغلظ معنى الْحُرْمَة فِيهَا فيلتحق بالْكفْر المتغلظ بِعَدَمِ الْكتاب فِي الْمَنْع من النِّكَاح وَالثَّانِي أَن جَوَاز نِكَاح الْأمة بطرِيق الضَّرُورَة عِنْد خشيَة الْعَنَت وَهَذِه الضَّرُورَة ترْتَفع بِحل الْأمة الْمسلمَة فَلَا حَاجَة إِلَى حل الْأمة الْكِتَابِيَّة للْمُسلمِ بِالنِّكَاحِ وَقُلْنَا نَحن الْيَهُودِيَّة

стр. 626

والنصرانية دين يجوز للْمُسلمِ نِكَاح الْحرَّة من أَهلهَا فَيجوز نِكَاح الْأمة كَدين الْإِسْلَام وتأثيره فِيمَا بَينا أَن الرّقّ يُؤثر فِي التنصيف من الْجَانِبَيْنِ فِيمَا يبتنى على الْحل إِلَّا أَن مَا يكون مُتَعَددًا فالتنصيف يظْهر فِي الْعدَد كَالطَّلَاقِ وَالْعدة وَالْقسم وَالنِّكَاح الذى يبتنى على الْحل فِي جَانب الرجل مُتَعَدد فالتنصيف يظْهر فِي الْعدَد وَفِي جَانب الْمَرْأَة غير مُتَعَدد فَإِنَّهَا لَا تحل لِرجلَيْنِ بِحَال وَلَكِن من حَيْثُ الْأَحْوَال مُتَعَدد حَال تقدم نِكَاحهَا على نِكَاح الْحرَّة وَحَال التَّأَخُّر وَحَال الْمُقَارنَة فَيظْهر التنصيف بِاعْتِبَار الْأَحْوَال وَفِي الْحَال الْوَاحِد يجْتَمع معنى الْحل وَمعنى الْحُرْمَة فيترجح معنى الْحُرْمَة بِمَنْزِلَة الطَّلَاق وَالْعدة فَإِن طَلَاق الْأمة تَطْلِيقَتَانِ وعدتها حيضتان وَفِي الْحَقِيقَة هما حالتان حَالَة الإنفراد عَن الْحرَّة بِالسَّبقِ وَحَالَة الإنضمام إِلَى الْحرَّة بالمقارنة أَو التَّأَخُّر فَتكون محللة فِي إِحْدَى الْحَالَتَيْنِ دون الْأُخْرَى ثمَّ تظهر قُوَّة هَذَا الْأَثر بِالتَّأَمُّلِ فِي الْأُصُول فَإِن الْحل تَارَة يثبت بِالنِّكَاحِ وَتارَة بِملك الْيَمين وَوجدنَا أَن الْأمة الْكِتَابِيَّة كالأمة الْمسلمَة فِي الْحل بِملك الْيَمين فَكَذَلِك فِي الْحل بِالنِّكَاحِ ولسنا نسلم أَنه يتغلظ كفر الْكِتَابِيَّة برقها فِي حكم النِّكَاح فَإِنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك لم يحل بِملك الْيَمين كالمجوسية ثمَّ النُّقْصَان أَو الْخبث الثَّابِت بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا من وَجه سوى الْوَجْه الآخر وَإِنَّمَا يظْهر التَّغْلِيظ عِنْد إِمْكَان إِثْبَات الِاتِّحَاد بَينهمَا وَمَعَ اخْتِلَاف الْجِهَة لَا يَتَأَتَّى ذَلِك وَقد بَينا أَن انضمام عِلّة إِلَى عِلّة لَا يُوجب قُوَّة فِي الحكم وَلَا نسلم أَن إِبَاحَة نِكَاح الْأمة بطرِيق الضَّرُورَة لما بَينا أَن الرَّقِيق فِي النّصْف الباقى مسَاوٍ للْحرّ فَكَمَا أَن نِكَاح الْحرَّة يكون أصلا مَشْرُوعا لَا بطرِيق الضَّرُورَة فَكَذَلِك نِكَاح الْأمة فِي النّصْف الباقى لَهَا ونعتبرها بِالْعَبدِ بل أولى لِأَن معنى عدم الضَّرُورَة فِي حق الْأمة أظهر مِنْهُ فِي حق العَبْد فَإِنَّهَا تستمتع بمولاها بِملك الْيَمين وَالْعَبْد لَا طَرِيق لَهُ سوى النِّكَاح ثمَّ لم نجْعَل بَقَاء مَا بقى فِي حق العَبْد بعد التنصيف بِالرّقِّ ثَابتا بطرِيق الضَّرُورَة

стр. 627

فَفِي حق الْأمة أولى وَعلل الشَّافِعِي ﵀ فِيمَا إِذا أسلم أحد الزَّوْجَيْنِ فِي دَار الْإِسْلَام أَو فِي دَار الْحَرْب فَإِن كَانَ قبل الدُّخُول يتعجل الْفرْقَة وَإِن كَانَ بعد الدُّخُول يتَوَقَّف على انْقِضَاء الْعدة فَإِن الْحَادِث اخْتِلَاف الدّين بَين الزَّوْجَيْنِ فَيُوجب الْفرْقَة عِنْد عدم الْعدة كالردة وَسوى بَينهمَا فِي الْجَواب فَقَالَ إِذا ارْتَدَّ أَحدهمَا قبل الدُّخُول تتعجل الْفرْقَة فِي الْحَال وَبعد الدُّخُول يتَوَقَّف على انْقِضَاء ثَلَاث حيض وَبَيَان أثر هَذَا الْوَصْف فِي ابْتِدَاء النِّكَاح فَإِن مَعَ اخْتِلَاف الدّين عِنْد إِسْلَام الْمَرْأَة وَكفر الزَّوْج لَا ينْعَقد النِّكَاح ابْتِدَاء كَمَا أَن عِنْد ردة أَحدهمَا لَا ينْعَقد النِّكَاح ابْتِدَاء فَكَذَلِك فِي حَالَة الْبَقَاء تستوي ردة أَحدهمَا وَإِسْلَام أَحدهمَا إِذا كَانَ على وَجه يمْنَع ابْتِدَاء النِّكَاح وَفِي الرِّدَّة إِنَّمَا يثبت هَذَا الحكم للِاخْتِلَاف فِي الدّين لَا لمنافاة الرِّدَّة النِّكَاح فَإِنَّهُمَا لَو ارتدا مَعًا نَعُوذ بِاللَّه لَا تقع الْفرْقَة بَينهمَا وَإِنَّمَا انْعَدم الِاخْتِلَاف فِي الدّين هُنَا فَأَما الرِّدَّة فمتحققة وَمَعَ تحقق الْمنَافِي لَا يتَصَوَّر بَقَاء النِّكَاح كالمحرمية بِالرّضَاعِ والمصاهرة وَقُلْنَا نَحن الْإِسْلَام سَبَب لعصمة الْملك فَلَا يجوز أَن يسْتَحق بِهِ زَوَال الْملك بِحَال وَكفر الَّذِي أصر مِنْهُمَا على الْكفْر كَانَ مَوْجُودا وَصَحَّ مَعَه النِّكَاح ابْتِدَاء وَبَقَاء فَلَا يجوز أَن يكون سَببا للفرقة أَيْضا وَلَا يُقَال هَذَا الْكفْر إِنَّمَا لم يكن سَببا للفرقة فِي حَال كفر الآخر لَا بعد إِسْلَامه كَمَا لَا يكون سَببا للْمَنْع من ابْتِدَاء النِّكَاح فِي حَال كفر الآخر لَا بعد إِسْلَامه لِأَن اعْتِبَار الْبَقَاء بِالِابْتِدَاءِ فِي أصُول الشَّرْع ضَعِيف جدا فَإِن قيام الْعدة وَعدم الشُّهُود يمْنَع ابْتِدَاء النِّكَاح وَلَا يمْنَع الْبَقَاء والاستغناء عَن نِكَاح الْأمة بِنِكَاح الْحرَّة يمْنَع نِكَاحهَا ابْتِدَاء وَلَا يمْنَع الْبَقَاء إِذا تزوج الْحرَّة بعد الْأمة فَإِن ظهر أَن وَاحِدًا من هذَيْن السببين لَا يصلح سَببا لاسْتِحْقَاق الْفرْقَة وَلَا بُد من دفع ضَرَر الظُّلم الْمُتَعَلّق عَنْهَا لِأَن مَا هُوَ الْمَقْصُود بِالنِّكَاحِ وَهُوَ الِاسْتِمْتَاع فَائت شرعا جعلنَا السَّبَب تَفْرِيق القَاضِي بعد عرض الْإِسْلَام على الَّذِي يَأْبَى مِنْهُمَا وَهُوَ قوي الْأَثر بِالرُّجُوعِ إِلَى الْأُصُول فَإِن التَّفْرِيق بِاللّعانِ وبسبب الْجب والعنة وبسبب الْإِيلَاء يكون ثَابتا بِاعْتِبَار هَذَا الْمَعْنى محالا بِهِ على من كَانَ فَوَات الْإِمْسَاك بِالْمَعْرُوفِ من جِهَته

стр. 628

فَهُنَا أَيْضا يُحَال بِهِ على من كَانَ فَوَات الْإِمْسَاك بِالْمَعْرُوفِ بالإصرار على الْكفْر من جِهَته وَلَا يثبت إِلَّا بِقَضَاء القَاضِي فَأَما الرِّدَّة فَهِيَ غير مَوْضُوعَة للفرقة بِدَلِيل صِحَّتهَا حَيْثُ لَا نِكَاح وَبِه فَارق الطَّلَاق وَإِذا لم يكن مَوْضُوعا للفرقة عرفنَا أَن حُصُول الْفرْقَة بهَا لكَونهَا مُنَافِيَة للنِّكَاح حكما وَذَلِكَ وصف مُؤثر فَإِن النِّكَاح يبتنى على الْحل الَّذِي هُوَ كَرَامَة وَبعد الرِّدَّة لَا يبْقى الْحل لِأَن الرِّدَّة سَبَب لإِسْقَاط مَا هُوَ كَرَامَة ولإزالة الْولَايَة والمالكية الثَّابِتَة بطرِيق الْكَرَامَة فَجَعلهَا مُنَافِيَة للنِّكَاح حكما يكون قوي الْأَثر من هَذَا الْوَجْه وَمَعَ وجود الْمنَافِي لَا يبْقى النِّكَاح سَوَاء دخل بهَا أَو لم يدْخل فَأَما إِذا ارتدا مَعًا فَحكم بَقَاء النِّكَاح بَينهمَا مَعْلُوم بِإِجْمَاع الصَّحَابَة بِخِلَاف الْقيَاس وَقد بَينا أَن المعدول بِهِ عَن الْقيَاس بِالنَّصِّ أَو بِالْإِجْمَاع لَا يشْتَغل فِيهِ بِالتَّعْلِيلِ وَلَا بِإِثْبَات الحكم فِيهِ بعلة وَقد بَينا فَسَاد اعْتِبَار حَالَة الْبَقَاء بِحَالَة الِابْتِدَاء فَلَا يجوز أَن يَجْعَل امْتنَاع صِحَة النِّكَاح بَينهمَا ابْتِدَاء بعد الرِّدَّة عِلّة للْمَنْع من بَقَاء النِّكَاح وَهَذَا لِأَن الْبَقَاء لَا يَسْتَدْعِي دَلِيلا مبقيا وَإِنَّمَا يَسْتَدْعِي الْفَائِدَة فِي الْإِبْقَاء وَبعد ردتهما نَعُوذ بِاللَّه يتَوَهَّم مِنْهُمَا الرُّجُوع إِلَى الْإِسْلَام وَبِه تظهر فَائِدَة الْبَقَاء فَأَما الثُّبُوت ابْتِدَاء يَسْتَدْعِي الْحل فِي الْمحل وَذَلِكَ منعدم بعد الرِّدَّة وَعند ردة أَحدهمَا لَا يظْهر فِي الْإِبْقَاء فَائِدَة مَعَ مَا هما عَلَيْهِ من الِاخْتِلَاف وعَلى هَذَا علل الشَّافِعِي ﵀ فِي عدد الطَّلَاق فَإِنَّهُ مُعْتَبر بِحَال الزَّوْج لِأَنَّهُ هُوَ الْمَالِك للطَّلَاق وَعدد الْملك مُعْتَبر بِحَال الْمَالِك كعدد النِّكَاح وَهَذَا بَين الْأَثر لِأَن الْمَالِكِيَّة عبارَة عَن الْقُدْرَة والتمكن من التَّصَرُّف فَإِذا كَانَ الزَّوْج هُوَ المتمكن من التَّصَرُّف فِي الطَّلَاق بالإيقاع عرفنَا أَنه هُوَ الْمَالِك لَهُ وَإِنَّمَا يتم الْملك بِاعْتِبَار كَمَال حَال الْمَالِك بِالْحُرِّيَّةِ كَمَا أَن ملك التَّصَرُّف بِالْإِعْتَاقِ وَغَيره إِنَّمَا يتم بِكَمَال حَال الْمَالِك بِالْحُرِّيَّةِ وَقُلْنَا نَحن الطَّلَاق تصرف بِملك بِالنِّكَاحِ فيتقدر بِقدر ملك النِّكَاح وَذَلِكَ يخْتَلف باخْتلَاف حَال الْمَرْأَة فِي الرّقّ وَالْحريَّة لِأَن الْملك إِنَّمَا يثبت فِي الْمحل

стр. 629

بِاعْتِبَار صفة الْحل والحل الَّذِي يبتنى عَلَيْهِ النِّكَاح فِي حق الْأمة على النّصْف مِنْهُ فِي حق الْحرَّة فبقدر ذَلِك يثبت الْملك ثمَّ بِقدر الْملك يتَمَكَّن الْمَالِك من الْإِبْطَال كَمَا أَن بِقدر ملك الْيَمين يتَمَكَّن من إِبْطَاله بِالْعِتْقِ حَتَّى إِنَّه إِذا كَانَ لَهُ عبد وَاحِد يملك إعتاقا وَاحِدًا فَإِن كَانَ لَهُ عَبْدَانِ يملك عتقين ثمَّ ظهر قُوَّة الْأَثر لما قُلْنَا بِالرُّجُوعِ إِلَى الأَصْل وَهُوَ أَن مَا يبتنى على ملك النِّكَاح وَيخْتَص بِهِ فَإِنَّهُ يخْتَلف باخْتلَاف حَالهَا وَذَلِكَ نَحْو الْقسم فِي حَال قيام النِّكَاح وَالْعدة وَحقّ الْمُرَاجَعَة باعتبارها بعد الطَّلَاق فَعرفنَا أَنه يتَقَدَّر مَا يبتنى على ملك النِّكَاح بِقدر الْملك الثَّابِت بِحَسب مَا يسع الْمحل لَهُ وعَلى هَذَا علل فِي تكْرَار الْمسْح بِأَنَّهُ ركن فِي الْوضُوء فَيسنّ فِيهِ التّكْرَار كالغسل وَقُلْنَا نَحن إِنَّه مسح فَلَا يسن فِيهِ التّكْرَار كالمسح بالخف ثمَّ كَانَ تَأْثِير الْمسْح فِي إِسْقَاط التّكْرَار أقوى من تَأْثِير الركنية فِي سنة التّكْرَار فِيهِ فَإِن التّكْرَار مَشْرُوع فِي الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق وليسا بِرُكْن وتأثير الْمسْح فِي التَّخْفِيف فَإِن الِاكْتِفَاء بِالْمَسْحِ فِيهِ مَعَ إِمْكَان الْغسْل مَا كَانَ إِلَّا للتَّخْفِيف وَعند الرُّجُوع إِلَى الْأُصُول يظْهر معنى التَّخْفِيف بترك التّكْرَار بعد الْإِكْمَال مَعَ مَا فِيهِ من دفع الضَّرَر الَّذِي يلْحقهُ بإفساد عمَامَته بِكَثْرَة مَا يُصِيب رَأسه من البلة وعَلى هَذَا علل فِي اشْتِرَاط تعْيين النِّيَّة فِي الصَّوْم بِأَنَّهُ صَوْم فرض وَهُوَ بَين الْأَثر فَإِن اشْتِرَاط النِّيَّة لِمَعْنى التَّقَرُّب وَصفَة الْفَرْضِيَّة قربَة كالأصل وَقُلْنَا نَحن صَوْم عين وتأثيره أَن اشْتِرَاط النِّيَّة فِي الْعِبَادَة فِي الأَصْل للتمييز بَين أَنْوَاعهَا بتعين نوع مِنْهَا وَهَذَا مُتَعَيّن شرعا فَلَا معنى لاشْتِرَاط النِّيَّة للتعيين وَمعنى الْقرْبَة يتم بِوُجُود أصل النِّيَّة فباعتبار قُوَّة الْأَثر من هَذَا الْوَجْه يظْهر التَّرْجِيح وَمَا يخرج على هَذَا من الْمسَائِل لَا يُحْصى وَفِيمَا ذكرنَا كِفَايَة لمن يحسن التَّأَمُّل فِي نظائرها وَأما الْوَجْه الثَّانِي وَهُوَ التَّرْجِيح بِقُوَّة ثبات الحكم الْمَشْهُود بِهِ فَلِأَن أصل ذَلِك إِنَّمَا يكون عَن نَص أَو إِجْمَاع وَمَا يكون ثُبُوته بِالنَّصِّ أَو الْإِجْمَاع يكون ثَابتا متأكدا فَمَا يظْهر فِيهِ زِيَادَة الْقُوَّة فِي الثَّبَات عِنْد الْعرض على الْأُصُول يكون راجحا بِاعْتِبَار مَا بِهِ صَار حجَّة وَبَيَان ذَلِك فِي مَسْأَلَة

стр. 630

مسح الرَّأْس أَيْضا فَإِن الْوَصْف الَّذِي عللنا بِهِ لَهُ زِيَادَة قُوَّة الثَّبَات على الحكم الْمَشْهُود بِهِ أَلا ترى أَن سَائِر أَنْوَاع الْمسْح كالتيمم وَالْمسح على الْخُف وَالْمسح على الجورب عِنْد من يُجِيزهُ وَالْمسح على الجبائر يظْهر الخفة فِيهَا بترك اعْتِبَار التّكْرَار وَلَيْسَ للوصف الَّذِي علل بِهِ قُوَّة الثَّبَات بِهَذِهِ الصّفة فَإِن فِي الصَّلَاة أركانا كالقيام وَالْقِرَاءَة وَالرُّكُوع وَالسُّجُود ثمَّ تَمامهَا يكون بالإكمال لَا بالتكرار فَعرفنَا أَن الركنية لَيْسَ بِوَصْف قوي ثَابت فِي إِثْبَات سنة التّكْرَار بِهِ وَكَذَلِكَ فِي الصَّوْم فَإِن صفة العينية قوي ثَابت فِي إِسْقَاط اشْتِرَاط نِيَّة التَّعْيِين فِيهِ حَتَّى يتَعَدَّى إِلَى سَائِر الْعِبَادَات كَالزَّكَاةِ إِذا تصدق بالنصاب على الْفَقِير وَهُوَ لَا يَنْوِي الزَّكَاة وَالْحج إِذا أطلق النِّيَّة وَلم يعين حجَّة الْإِسْلَام وَالْإِيمَان بِاللَّه تَعَالَى وَيَتَعَدَّى إِلَى غير الْعِبَادَات نَحْو رد الودائع والغصوب ورد الْمَبِيع على البَائِع لفساد البيع وَصفَة الْفَرْضِيَّة لَيْسَ بِقَوي ثَابت فِي اشْتِرَاط نِيَّة التَّعْيِين بَعْدَمَا صَار مُتَعَيّنا فِي الصَّوْم لَا فِي غير الصَّوْم وَكَذَلِكَ مَا علل بِهِ عُلَمَاؤُنَا فِي أَن الْمَنَافِع لَا تضمن بِالْإِتْلَافِ لِأَن ضَمَان الْمُتْلفَات مُقَدّر بِالْمثلِ بِالنَّصِّ وَبِاعْتِبَار مَا هُوَ الْمَقْصُود وَهُوَ الْجبرَان وَبَين الْعين وَالْمَنْفَعَة تفَاوت فِي الْمَالِيَّة من الْوَجْه الَّذِي ذكرنَا فَلَا يجوز أَن يُوجب على الْمُتْلف فَوق مَا أتلف فِي صفة الْمَالِيَّة كَمَا لَا يُوجب الْجيد بِإِتْلَاف الرَّدِيء وَقَالَ الشَّافِعِي ﵀ الْمَنَافِع تضمن بِالْعقدِ الْجَائِز وَالْفَاسِد بِالدَّرَاهِمِ فتضمن بِالْإِتْلَافِ كالأعيان ثمَّ تَأْثِيره تحقق الْحَاجة إِلَى التحرر عَن إهدار حق الْمُتْلف عَلَيْهِ فَإِنَّهُ نَظِير تحقق الْحَاجة إِلَى ملك الْمَنْفَعَة بِالْعِوَضِ بِالْعقدِ ثمَّ هُوَ يزْعم أَن علته أقوى فِي ثبات الحكم الْمَشْهُود بِهِ عَلَيْهِ من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَنه إِذا لم يكن بُد من الْإِضْرَار بِأَحَدِهِمَا فمراعاة جَانب الْمَظْلُوم وإلحاق الخسران بالظالم بِإِيجَاب الزِّيَادَة عَلَيْهِ أولى من إهدار حق الْمَظْلُوم وَالثَّانِي أَن فِي إِيجَاب الضَّمَان إهدار حق الظَّالِم فِيمَا هُوَ وصف مَحْض وَهُوَ صفة الْبَقَاء وَفِي الأَصْل هما شَيْئَانِ وَهُوَ كَونهمَا مُنْتَفعا بِهِ غير أَن فِي طرف الظَّالِم فضل صفة وَهُوَ الْبَقَاء فبهدر صِيَانة الأَصْل (هدر) حق الْمَظْلُوم

стр. 631

وَإِذا قُلْنَا لَا يجب الضَّمَان كَانَ فِيهِ إهدار حق الْمُتْلف عَلَيْهِ فِي أصل الْمَالِيَّة وَلَا شكّ أَن الْوَصْف دون الأَصْل وَنحن نقُول قُوَّة ثبات الحكم فِيمَا اعتبرناه لِأَن فِي إِيجَاب الزِّيَادَة معنى الْجور وَلَا يجوز نِسْبَة ذَلِك إِلَى الشَّرْع بِغَيْر وَاسِطَة من الْعباد بِحَال من الْأَحْوَال وَإِذا لم نوجب الضَّمَان فَإِنَّمَا لَا نوجب لعجزنا عَن إِيجَاب الْمثل فِي مَوضِع ثَبت اشْتِرَاط الْمُمَاثلَة فِيهِ بِالنَّصِّ وَبِه فَارق ضَمَان العقد فَإِنَّهُ غير مَبْنِيّ على الْمُمَاثلَة بِأَصْل الْوَضع وَكَيف يكون مَبْنِيا على ذَلِك والمبتغى بِهِ الرِّبْح والامتناع من الْإِقْدَام عِنْد تحقق الْعَجز أصل مَشْرُوع لنا وَالثَّانِي أَن فِي إِيجَاب الزِّيَادَة إهدار حق الْمُتْلف فِي هَذِه الزِّيَادَة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَإِذا قُلْنَا لَا يجب الضَّمَان لَا يهدر حق الْمُتْلف عَلَيْهِ أصلا بل يتَأَخَّر إِلَى الْآخِرَة وضرر التَّأْخِير دون ضَرَر الإهدار وَلَا يدْخل على هَذَا إِتْلَاف مَا لَا مثل لَهُ من جنسه لِأَن الْوَاجِب هُوَ مثل الْمُتْلف فِي الْمَالِيَّة شرعا إِلَّا أَنه آل الْأَمر إِلَى الِاسْتِيفَاء وَذَلِكَ يبتنى على الوسع قُلْنَا يتَقَدَّر بِقدر الوسع وَيسْقط اعْتِبَار أدنى تفَاوت فِي الْقيمَة لِأَنَّهُ لَا يُسْتَطَاع التَّحَرُّز عَن ذَلِك وَلَكِن لَا يتَحَقَّق فِي هَذَا معنى نِسْبَة الْجور إِلَى الشَّرْع فَالْوَاجِب شرعا هُوَ الْمثل لَا غير وَمَا اعْتبر من تَرْجِيح جَانب الْمَظْلُوم فَهُوَ ضَعِيف جدا لِأَن الظَّالِم لَا يظلم وَلَكِن ينتصف مِنْهُ مَعَ قيام حَقه فِي ملكه فَلَو لم نوجب الضَّمَان لسقط حق الْمَظْلُوم لَا بِفعل مُضَاف إِلَيْنَا وَهُوَ أَنا نلزمه أَدَاء ذَلِك بطرِيق الحكم بِهِ عَلَيْهِ ومراعاة الْوَصْف فِي الْوُجُوب كمراعاة الأَصْل أَلا ترى أَن فِي الْقصاص الَّذِي يبتنى على الْمُسَاوَاة التَّفَاوُت فِي الْوَصْف كالصحيحة مَعَ الشلاء يمْنَع جَرَيَان الْقصاص وَلَا ينظر إِلَى تَرْجِيح جَانب الْمَظْلُوم وَإِلَى تَرْجِيح جَانب الأَصْل على الْوَصْف فَعرفنَا أَن قُوَّة الثَّبَات فِيمَا قُلْنَا وعَلى هَذَا قُلْنَا إِن ملك النِّكَاح لَا يضمن بِالْإِتْلَافِ فِي الشَّهَادَة على الطَّلَاق قبل الدُّخُول وَملك الْقصاص لَا يضمن بِالْإِتْلَافِ فِي الشَّهَادَة على الْعَفو وَقد بَينا فِيمَا سبق أَن وجوب الدِّيَة عِنْد إِتْلَاف النَّفس أَو الْأَطْرَاف على وَجه لَا يُمكن إِيجَاب الْمثل فِيهِ حكم ثَابت بِالنَّصِّ بِخِلَاف الْقيَاس وَهُوَ لصيانة الْمحل عَن

стр. 632

الإهدار لَا للماثلة على وَجه الخبران لِأَن النُّفُوس بأطرافها مصونة عَن الابتذال وَعَن الإهدار وَأما الْوَجْه الثَّالِث وَهُوَ التَّرْجِيح بِكَثْرَة الْأُصُول فَلِأَن كَثْرَة الْأُصُول فِي الْمَعْنى الَّذِي صَار الْوَصْف بِهِ حجَّة بِمَنْزِلَة الاشتهار فِي الْمَعْنى الَّذِي صَار الْخَبَر بِهِ حجَّة وَهَذَا يظْهر إِذا تَأَمَّلت فِيمَا ذكرنَا من الْمسَائِل وَغَيرهَا وَمَا من نوع من هَذِه الْأَنْوَاع الثَّلَاثَة إِذا قَرّرته فِي مَسْأَلَة إِلَّا وَتبين بِهِ إِمْكَان تَقْرِير النَّوْعَيْنِ الآخرين فِيهِ أَيْضا وَأما الْوَجْه الرَّابِع وَهُوَ التَّرْجِيح بِعَدَمِ الحكم عِنْد عدم الْعلَّة فَهُوَ أَضْعَف وُجُوه التَّرْجِيح لما بَينا أَن الْعَدَم (لَا يُوجب شَيْئا وَأَن الْعَدَم لَا يكون مُتَعَلقا بعلة وَلَكِن انعدام الحكم عِنْد انعدام الْعلَّة) يصلح أَن يكون دَلِيلا على وكادة اتِّصَال الحكم بِالْعِلَّةِ فَمن هَذَا الْوَجْه يصلح للترجيح وَبَيَانه فِي الْمسْح بِالرَّأْسِ أَيْضا فَإِن التَّعْلِيل بِأَنَّهُ ركن لَا يكون فِي الْقُوَّة كالتعليل بِأَنَّهُ مسح لِأَن حكم ثُبُوت التّكْرَار لَا يَنْعَدِم بانعدام الركنية كَمَا فِي الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق وَحكم سُقُوط التّكْرَار يَنْعَدِم بانعدام وصف الْمسْح كَمَا فِي اغتسال الْجنب وَالْحَائِض فَإِنَّهُ يسن فِيهِ صفة التّكْرَار لِأَنَّهُ لَيْسَ بمسح وَكَذَلِكَ فِي كل مَا يعقل تَطْهِيرا صفة التّكْرَار فِيهِ يكون مسنونا وَفِيمَا لَا يعقل تَطْهِيرا لَا يسن فِيهِ صفة التّكْرَار وَقَوْلنَا مسح ينبىء عَن ذَلِك وَكَذَلِكَ قُلْنَا فِي الْأَخ إِذا ملك أُخْته إِن بَينهمَا قرَابَة مُحرمَة للنِّكَاح وينعدم حكم الْعتْق بِالْملكِ عِنْد انعدام هَذَا الْمَعْنى كَمَا فِي بني الْأَعْمَام وَهُوَ إِذا قَالَ شخصان يجوز لأَحَدهمَا أَن يضع زَكَاة مَاله فِي صَاحبه فَلَا يعْتق أَحدهمَا على صَاحبه إِذا ملكه لِانْعِدَامِ هَذَا الحكم عِنْد انعدام هَذَا الْمَعْنى فَإِن الْمُسلم لَا يجوز لَهُ أَن يضع زَكَاة مَاله فِي الْكَافِر وَذَلِكَ لَا يدل على أَنه يعْتق أَحدهمَا على صَاحبه إِذا ملكه وَكَذَلِكَ قُلْنَا فِي بيع الطَّعَام بِالطَّعَامِ إِنَّه لَا يشْتَرط قَبضه فِي الْمجْلس لِأَنَّهُ عين بِعَين وينعدم هَذَا الحكم عِنْد انعدام

стр. 633

هَذَا الْوَصْف فَإِنَّهُ فِي بَاب الصّرْف يشْتَرط الْقَبْض من الْجَانِبَيْنِ لِأَن الأَصْل فِيهِ النُّقُود وَهِي لَا تتَعَيَّن فِي الْعُقُود فَكَانَ دينا بدين وَفِي السّلم يشْتَرط الْقَبْض فِي رَأس المَال لِأَن الْمُسلم فِيهِ دين وَرَأس المَال فِي الْغَالِب نقد فَيكون دينا بدين فَعرفنَا أَنه يَنْعَدِم الحكم عِنْد انعدام الْعلَّة وَهُوَ يُعلل فَيَقُول مالان لَو قوبل كل وَاحِد مِنْهُمَا بِجِنْسِهِ يحرم التَّفَاضُل بَينهمَا فَيشْتَرط التَّقَابُض فِي بيع أَحدهمَا بِالْآخرِ كالذهب وَالْفِضَّة ثمَّ الحكم لَا يَنْعَدِم عِنْد انعدام هَذَا الْمَعْنى فِي السّلم فَإِنَّهُ يشْتَرط قبض رَأس المَال فِي الْمجْلس وَإِن جمع العقد هُنَاكَ بدلين لَا يحرم التَّفَاضُل إِذا قوبل كل وَاحِد مِنْهُمَا بِجِنْسِهِ فَهَذَا بَيَان الْ فَصْل الرَّابِع فصل وَأما المخلص من التَّعَارُض فِي دَلِيل التَّرْجِيح فطريق بَيَانه أَن نقُول إِن كل مُحدث مَوْجُود بصورته وَمَعْنَاهُ الَّذِي هُوَ حَقِيقَة لَهُ ثمَّ تقوم بِهِ أَحْوَال تحدث عَلَيْهِ فَإِذا قَامَ دَلِيل التَّرْجِيح لِمَعْنى فِي ذَات أحد المتعارضين وعارضه دَلِيل التَّرْجِيح لِمَعْنى فِي حَال الآخر على مُخَالفَة الأول فَإِنَّهُ يرجح الْمَعْنى الَّذِي هُوَ فِي الذَّات على الْمَعْنى الَّذِي هُوَ فِي الْحَال لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَن الذَّات أسبق وجودا من الْحَال فبعدما وَقع التَّرْجِيح لِمَعْنى فِيهِ لَا يتَغَيَّر بِمَا حدث من معنى فِي حَال الآخر بعد ذَلِك بِمَنْزِلَة مَا لَو اتَّصل الحكم بِاجْتِهَاد فتأيد بِهِ ثمَّ لم ينْسَخ بِمَا يحدث من اجْتِهَاد آخر بعد ذَلِك وَإِذا اتَّصل الحكم بِشَهَادَة المستورين بِالنّسَبِ أَو النِّكَاح لرجل لم يتَغَيَّر بعد ذَلِك بِشَهَادَة عَدْلَيْنِ لآخر وَالثَّانِي أَن الْأَحْوَال الَّتِي تحدث على الذَّات تقوم بِهِ فَكَانَ الذَّات بِمَنْزِلَة الأَصْل وَمَا يقوم بِهِ من الْحَال بِمَنْزِلَة التبع وَالْأَصْل لَا يتَغَيَّر بالتبع على أَي وَجه كَانَ وَبَيَان هَذَا فِيمَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ أَن ابْن الْأَخ لأَب وَأم يكون مقدما فِي الْعُصُوبَة على الْعم لِأَن الْمُرَجح فِيهِ معنى فِي ذَات

стр. 634

الْقَرَابَة وَهُوَ الْأُخوة الَّتِي هِيَ مُقَدّمَة على العمومة وَفِي الْعم الْمُرَجح هُوَ زِيَادَة الْقرب بِاعْتِبَار الْحَال وَكَذَلِكَ الْعمة لأم مَعَ الْخَالَة لأَب وَأم إِذا اجتمعتا فللعمة الثُّلُثَانِ بِاعْتِبَار أَن الْمُرَجح فِي حَقّهَا هُوَ معنى فِي ذَات الْقَرَابَة وَهُوَ الإدلاء بِالْأَبِ وَفِي الْأُخْرَى معنى فِي حَالهَا وَهُوَ اتصالها من الْجَانِبَيْنِ بِأم الْمَيِّت وَلَو كَانَا أَخَوَيْنِ أَحدهمَا لأَب وَأم وَالْآخر لأَب فَإِنَّهُ يقدم فِي الْعُصُوبَة الَّذِي لأَب وَأم لِأَنَّهُمَا اسْتَويَا فِي ذَات الْقَرَابَة فيصار إِلَى التَّرْجِيح بِاعْتِبَار الْحَال وَهُوَ زِيَادَة الِاتِّصَال لأَحَدهمَا وَلَو كَانَ ابْن الْأَخ لأَب مَعَه ابْن ابْن أَخ لأَب وَأم فَإِن الْأَخ لأَب يقدم فِي الْعُصُوبَة بِاعْتِبَار الْحَال لما اسْتَويَا فِي ذَات الْقَرَابَة وَهُوَ الْأُخوة وَرُبمَا خَفِي على الشَّافِعِي هَذَا الْحَد فِي بعض الْمسَائِل فَهُوَ مَعْذُور لكَونه خفِيا وَمن أصَاب مَرْكَز الدَّلِيل فَهُوَ مأجور مشكور وَبَيَانه فِي مسَائِل الْغَصْب فَإِن علماءنا أثبتوا التَّرْجِيح بِاعْتِبَار الصِّنَاعَة والخياطة والطبخ والشي وَقَالُوا فِيمَن غصب ساحة وأدخلها فِي بنائِهِ يَنْقَطِع حق الْمَغْصُوب مِنْهُ عَن الساحة لِأَن الصَّنْعَة الَّتِي أحدثها الْغَاصِب فِيهَا قَائِمَة من كل وَجه غير مُضَاف إِلَى صَاحب الْعين وَعين الساحة قَائِم من وَجه مستهلك من وَجه لِأَنَّهُ صَار مُضَافا إِلَى الْحَادِث بِعَمَل الْغَاصِب وَهُوَ الْبناء فرجحنا مَا هُوَ قَائِم من كل وَجه بِاعْتِبَار معنى فِي الذَّات وأسقطنا اعْتِبَار معنى قُوَّة الْحَال فِي الْجَانِب الآخر وَهُوَ أَنه أصل وَفِي الساحة إِذا بنى عَلَيْهَا لما اسْتَويَا فِي أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا قَائِم من كل وَجه فرجحنا بِاعْتِبَار الْحَال حق صَاحب الساحة على حق صَاحب الْبناء (لِأَن قوام الْبناء) للْحَال بالساحة وقوام الساحة لَيْسَ بِالْبِنَاءِ وَكَذَلِكَ الثَّوْب إِذا قطعه وخاطه وَاللَّحم إِذا طبخه أَو شواه لِأَن الْوَصْف الْحَادِث بِعَمَل الْغَاصِب قَائِم من كل وَجه وَمَا هُوَ حق الْمَغْصُوب مِنْهُ قَائِم من وَجه مستهلك من وَجه بِاعْتِبَار الْعَمَل الْمُضَاف إِلَى الْغَاصِب فيترجح مَا هُوَ قَائِم من كل وَجه وَكَذَلِكَ قُلْنَا صَوْم رَمَضَان يتَأَدَّى بِالنِّيَّةِ الْمَوْجُودَة فِي أَكثر النَّهَار لِأَن الْإِمْسَاك

стр. 635

فِي جَمِيع النَّهَار ركن وَاحِد وَشرط كَونه صوما شَرْعِيًّا النِّيَّة ليحصل بهَا الْإِخْلَاص فَإِذا ترجح جَانب الْوُجُود باقتران النِّيَّة بِأَكْثَرَ هَذَا الرُّكْن قُلْنَا يحصل بِهِ امْتِثَال الْأَمر ف الشَّافِعِي يَقُول يُؤْخَذ فِي الْعِبَادَات بِالِاحْتِيَاطِ فَإِذا انعدمت النِّيَّة فِي جُزْء من هَذَا الرُّكْن يتَرَجَّح جَانب الْعَدَم على جَانب الْوُجُود لأجل الِاحْتِيَاط فِي أَدَاء الْفَرِيضَة فَكَانَ مَا اعْتَبرهُ معنى فِي الْحَال وَهُوَ أَنه فرض يُؤْخَذ فِيهِ بِالِاحْتِيَاطِ وَمَا اعتبرناه معنى فِي الذَّات والمرجح فِي الذَّات أولى بِالِاعْتِبَارِ من الْمُرَجح فِي الْحَال وَقَالَ أَبُو حنيفَة إِذا كَانَ لرجل مِائَتَا دِرْهَم وَخمْس من الْإِبِل السَّائِمَة فَسبق حول السَّائِمَة فَأدى عَنْهَا شَاة ثمَّ بَاعهَا بِمِائَتي دِرْهَم فَإِنَّهُ لَا يضم ثمنهَا إِلَى مَا عِنْده وَلَكِن ينْعَقد على الثّمن حول جَدِيد فَلَو اسْتَفَادَ مِائَتي دِرْهَم بِهِبَة أَو مِيرَاث فَإِنَّهُ يضمها إِلَى أقرب الْمَالَيْنِ فِي الْحول وَإِن كَانَ الْمُسْتَفَاد ربح أحد الْمَالَيْنِ أَو زِيَادَة مُتَوَلّدَة من عين أحد الْمَالَيْنِ يضم ذَلِك إِلَى الأَصْل وَإِن كَانَ أبعد فِي الْحول لِأَن الْمُرَجح هُنَا معنى فِي الذَّات وَهُوَ كَونه نَمَاء أحد الْمَالَيْنِ فَيسْقط بمقابلته اعْتِبَار الْحَال فِي المَال الآخر وَهُوَ الْقرب فِي الْحول وَفِي الأول لما اسْتَوَى الجانبان فِيمَا يرجع إِلَى الذَّات صرنا إِلَى التَّرْجِيح بِاعْتِبَار الْحَال والمسائل على هَذَا الأَصْل يكثر تعدادها وَالله أعلم فصل وَأما الْفَاسِد من التَّرْجِيح فأنواع أَرْبَعَة أَحدهَا مَا بَينا من تَرْجِيح قِيَاس بِقِيَاس آخر لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا عِلّة شَرْعِيَّة لثُبُوت الحكم بهَا فَلَا تكون إِحْدَاهمَا مرجحة لِلْأُخْرَى بِمَنْزِلَة زِيَادَة الْعدَد فِي الشُّهُود وَكَذَلِكَ تَرْجِيح أحد القياسين بالْخبر فَاسد لِأَن الْقيَاس مَتْرُوك بالْخبر فَلَا يكون حجَّة فِي مُقَابلَته والمصير إِلَى التَّرْجِيح بعد وُقُوع التَّعَارُض بِاعْتِبَار الْمُمَاثلَة كَمَا بَينا وَكَذَلِكَ تَرْجِيح أحد الْخَبَرَيْنِ بِنَصّ الْكتاب فَاسد لِأَن الْخَبَر لَا يكون حجَّة فِي مُعَارضَة النَّص وَالنَّوْع الثَّانِي التَّرْجِيح بِكَثْرَة الْأَشْبَاه فَإِنَّهُ فَاسد عندنَا وَبَيَانه فِيمَا يَقُوله الْخصم إِن الْأَخ يشبه الْأَب من وَجه وَهُوَ الْمَحْرَمِيَّة وَيُشبه ابْن الْعم من وُجُوه نَحْو جَرَيَان الْقصاص من الطَّرفَيْنِ وَقبُول شَهَادَة كل وَاحِد مِنْهُمَا لصَاحبه
следующие страницы →