← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6309

المدخل إلى مذهب الإمام أحمد لابن بدران

ابن بدران

Полный текст (458 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

قَضَاء وَذَلِكَ كَالْيَوْمِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّوْم وَيُسمى هَذَا بِالْوَاجِبِ الْمضيق وَإِمَّا أَن يكون وَقت الْوُجُوب أقل من قدر فعله كإيجاب عشْرين رَكْعَة فِي زمن لَا يسع أَكثر من رَكْعَتَيْنِ وَهَذَا فَرد من أَفْرَاد التَّكْلِيف بالمحال الْمُسَمّى بتكليف مَا لَا يُطَاق وَفِي جَوَازه خلاف بَين الْعلمَاء وَالصَّحِيح مَنعه وَأما أَن يكون وَقت الْوَاجِب أَكثر من وَقت فعله وَهَذَا يُقَال لَهُ الْوَاجِب الموسع وَذَلِكَ كأوقات الصَّلَوَات وَهَذَا مَا فِيهِ خلاف فعندنا وَعند الْمَالِكِيَّة وَالشَّافِعِيَّة وَالْأَكْثَر للمكلف فعل الْوَاجِب من الصَّلَوَات فِي أَي أَجزَاء الْوَقْت شَاءَ فِي أَوله أَو آخِره أَو وَسطه وَمَا بَين ذَلِك مِنْهُ وَأوجب أَكثر أَصْحَابنَا والمالكية الْغرم على الْفِعْل إِذا أخر إِلَى آخر الْوَقْت وَيتَعَيَّن آخِره وَهُوَ قَول الأشعرية والجبائي وَابْنه من الْمُعْتَزلَة وَلم يُوجِبهُ من أَصْحَابنَا أَبُو الْخطاب ومجد الدّين بن تَيْمِية وَجمع وَمن الْمُعْتَزلَة أَبُو الْحُسَيْن وَأنكر أَكثر الْحَنَفِيَّة الْوَاجِب الموسع وَقَالُوا وَقت الْوُجُوب هُوَ آخر الْوَقْت وَإِذا فعل قبل الآخر فَقَالَ بَعضهم هُوَ نفل يسْقط بِهِ الْفَرْض وَتردد الْكَرْخِي مِنْهُم فَتَارَة قَالَ يتَعَيَّن الْوَاجِب فِي أَي أَجزَاء الْوَقْت كَانَ وَتارَة قَالَ إِن بَقِي الْفَاعِل مُكَلّفا إِلَى آخر الْوَقْت كَانَ مَا فعله قبل ذَلِك وَاجِبا وَإِلَّا فَهُوَ نفل انْتهى قلت وَالْمُخْتَار قَول الْجُمْهُور الْمُتَقَدّم وَهُوَ الَّذِي تدل عَلَيْهِ السّنة وَإِذا مَاتَ الْمُكَلف فِي أثْنَاء وَقت الْوَاجِب الموسع قبل فعله وضيق وقته مثل أَن مَاتَ بعد زَوَال الشَّمْس وَقد بَقِي من وَقت الظّهْر مَا يَتَّسِع لفعلها وَلم يصلها لم يمت عَاصِيا لِأَنَّهُ فعل مُبَاحا

стр. 107

وَهُوَ التَّأْخِير الْجَائِز بِحكم توسيع الْوَقْت أما لَو أَخّرهُ حَتَّى ضَاقَ الْوَقْت عَن فعله مثل أَن مَاتَ وَلم يبْق مَا يَتَّسِع إِلَّا لأَقل من أَربع رَكْعَات فَإِنَّهُ يَمُوت عَاصِيا هَذَا مَا قَالَه الْأَكْثَر وَالتَّحْقِيق أَن عصيانه يكون مُقَدرا بِقدر مَا أَخّرهُ حَتَّى ضَاقَ الْوَقْت عَنهُ فَإِن ضَاقَ عَن رَكْعَة أَو رَكْعَتَيْنِ أَو ثَلَاث كَانَ عَاصِيا بِحَسب ذَلِك وَلَا يَجْعَل فِي مَعْصِيَته كمن أخر الْوَاجِب كُله

стр. 108

فصل فِي مَسْأَلَة مَا لَا يتم الْوَاجِب إِلَّا بِهِ اعْلَم أَن هَذِه الْمَسْأَلَة لَهَا ملحظان أَولهمَا مَا يتَوَقَّف على وجوب الْوَاجِب وَهَذَا لَا يجب إِجْمَاعًا سَوَاء كَانَ سَببا أَو شرطا أَو انْتِفَاء مَانع فالسبب كالنصاب يتَوَقَّف عَلَيْهِ وجوب الزَّكَاة فَلَا يجب تَحْصِيله على الْمُكَلف لتجب عَلَيْهِ الزَّكَاة وَالشّرط كالإقامة فِي الْبَلَد إِذْ هِيَ شَرط لوُجُوب أَدَاء الصَّوْم فَلَا يجب تَحْصِيلهَا إِذا عرض مُقْتَضى السّفر ليجب عَلَيْهِ فعل الصَّوْم وَالْمَانِع كَالدّين فَلَا يجب نَفْيه لتجب الزَّكَاة وَثَانِيهمَا مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ إِيقَاع الْوَاجِب أَي الَّذِي لَا يتم الْوَاجِب إِلَّا بِهِ وَهُوَ نَوْعَانِ أَحدهمَا مَا لَيْسَ فِي قدرَة الْمُكَلف ووسعه وطاقته تَحْصِيله وَلَا هُوَ إِلَيْهِ كالقدرة وَالْيَد فِي الْكِتَابَة فَإِنَّهُمَا شَرط فيهمَا وهما مخلوقتان لله فِي الْمُكَلف لَا قدرَة لَهُ على إيجادهما ولحضور الإِمَام وَالْعدَد الْمُشْتَرط فِي الْجُمُعَة للْجُمُعَة فَإِنَّهُمَا شَرط لَهَا وَلَيْسَ إِلَى أحد الْمُكَلّفين بِالْجمعَةِ إِحْضَار الْخَطِيب ليُصَلِّي الْجُمُعَة وَلَا إِحْضَار آحَاد

стр. 109

النَّاس ليتم بهم الْعدَد فَهَذَا النَّوْع غير وَاجِب إِلَّا على القَوْل بتكليف الْمحَال ثَانِيهمَا مَا هُوَ مَقْدُور للمكلف وَهُوَ إِمَّا أَن يكون شرطا لوُقُوع الْفِعْل أَو غير شَرط فَإِن كَانَ شرطا كالطهارة وَسَائِر الشُّرُوط للصَّلَاة وكالسعي إِلَى الْجُمُعَة فَإِن صرح بِعَدَمِ إِيجَابه كَقَوْلِه صل وَلَا أوجب عَلَيْك الْوضُوء لم يجب عملا بِمُوجب التَّصْرِيح وَإِن صرح بإيجابه وَجب لذَلِك وَإِن لم يُصَرح بِإِيجَاب وَلَا عَدمه بل أطلق وَجب أَيْضا عندنَا وَهُوَ قَول الأشعرية والمعتزلة وَقيل لَا يجب وَإِن لم يكن الَّذِي لَا يتم الْوَاجِب إِلَّا بِهِ شرطا كمسح جُزْء من الرَّأْس فِي غسل الْوَجْه فِي الْوضُوء وإمساك جُزْء من اللَّيْل مَعَ النَّهَار فِي الصَّوْم فَمثل هَذَا لَا يجب خلافًا للأكثرين حَيْثُ قَالُوا بِوُجُوبِهِ قلت الْمُخْتَار الْوُجُوب لِأَن مَا لَا بُد مِنْهُ فِي الْوَاجِب هُوَ من لوازمه وَالْأَمر بالملزوم أَمر باللازم وَيتَفَرَّع على هَذِه الْمَسْأَلَة فرعان أَحدهمَا إِذا اشتبهت أُخْته أَو زَوجته بأجنبية أَو ميتَة بمذكاة حرمتا إِحْدَاهمَا بِالْأَصَالَةِ وَالْأُخْرَى بِعَارِض الِاشْتِبَاه ثَانِيهمَا الزِّيَادَة على الْوَاجِب إِمَّا أَن تكون متميزة عَنهُ أَو لَا فَإِن تميزت عَنهُ كَصَلَاة التَّطَوُّع بِالنِّسْبَةِ إِلَى المكتوبات فَتلك الزِّيَادَة ندب اتِّفَاقًا وَإِن لم تتَمَيَّز عَن الْوَاجِب بِأَن لَا تنفصل حَقِيقَتهَا من حَقِيقَته حسا كالزيادة فِي الطُّمَأْنِينَة وَالرُّكُوع وَالسُّجُود وَمُدَّة الْقيام وَالْقعُود على أقل الْوَاجِب وَهُوَ مَا لَا يُطلق عَلَيْهِ اسْم هَذِه

стр. 110

الْأَفْعَال فَتلك الزِّيَادَة الَّتِي هَذَا شَأْنهَا وَاجِبَة عِنْد القَاضِي أبي يعلى ندب عِنْد أبي الْخطاب وَهُوَ الصَّوَاب تَنْبِيه الْوَاجِب هُوَ الْمَأْمُور بِهِ جزما وَشرط ترَتّب الثَّوَاب عَلَيْهِ نِيَّة التَّقَرُّب بِفِعْلِهِ وَالْحرَام هُوَ الْمنْهِي عَنهُ جزما وَشرط ترَتّب الثَّوَاب على تَركه نِيَّة التَّقَرُّب بِهِ فترتب الثَّوَاب وَعَدَمه فِي فعل الْوَاجِب وَترك الْحَرَام وعدمهما رَاجع إِلَى وجود شَرط الثَّوَاب وَعَدَمه وَهُوَ النِّيَّة لَا إِلَى انقسام الْوَاجِب وَالْحرَام فِي نفسهما فصل وَأما النّدب فَهُوَ لُغَة الدُّعَاء إِلَى الْفِعْل وَقيل إِلَى أَمر مُبْهَم وَشرعا مَا أثيب فَاعله وَلم يُعَاقب تَاركه مُطلقًا سَوَاء تَركه إِلَى بدل أَو لَا وَهُوَ مرادف للسّنة وَالْمُسْتَحب فالسواك وَالْمُبَالغَة فِي الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق وتخليل الْأَصَابِع وَنَحْو هَذَا مَا يُقَال لَهُ مَنْدُوب وَسنة ومستحب وَالْمَنْدُوب مَأْمُور بِهِ لقَوْله ﷺ لَوْلَا أَن أشق على أمتِي لأمرتهم بِالسِّوَاكِ

стр. 111

تَنْبِيه توسع أَصْحَابنَا فِي أَلْفَاظ الْمَنْدُوب فَالْمَشْهُور مَا تقدم من أَنه يُسمى سنة ومستحبا وَقَالَ ابْن حمدَان فِي الْمقنع وَيُسمى تَطَوّعا وَطَاعَة ونفلا وقربة إِجْمَاعًا وَقَالَ ابْن قَاضِي الثفل وَيُسمى أَيْضا مرغبا فِيهِ وإحسانا وَقَالَ مدرس المستنصرية فِي الْحَاوِي أَعْلَاهُ سنة ثمَّ فَضِيلَة ثمَّ نَافِلَة وَقَالَ أَصْحَابنَا والمالكية وَالشَّافِعِيَّة الْعِبَادَة الطَّاعَة وَقَالَ بذلك الْحَنَفِيَّة وَلَكِن اشترطوا النِّيَّة وَالطَّاعَة مُوَافقَة الْأَمر وَالْمَعْصِيَة عِنْد الْفُقَهَاء مُخَالفَة الْأَمر وَعند الْمُعْتَزلَة مُخَالفَة الْإِرَادَة وكل قربَة طَاعَة وَلَا عكس فصل الْحَرَام ضد الْوَاجِب مَأْخُوذ من الْحُرْمَة وَهِي مَا لَا يحل انتهاكه وَشرعا مَا ذمّ فَاعله وَلَو قولا أَو عمل قلب وَيُسمى مَحْظُورًا وممنوعا ومزجورا ومعصية وذنبا وقبيحا وسيئة وفاحشة وإثما وَمن الْحَرَام نوع يُقَال لَهُ الْمُخَير ومثاله أَن يُقَال للمكلف لَا تنْكح هَذِه الْمَرْأَة أَو أُخْتهَا أَو بنت أُخْتهَا أَو بنت أَخِيهَا فَيكون مَنْهِيّا عَنْهُمَا على التَّخْيِير فأيتهما شَاءَ اجْتنب ونكح الْأُخْرَى كَمَا أَنه إِذا أسلم عَلَيْهِمَا قيل لَهُ طلق إِحْدَاهمَا وَأمْسك الْأُخْرَى أيتها شِئْت وَاعْلَم أَن الْفِعْل الْوَاحِد الْمنْهِي عَنهُ إِمَّا أَن يُلَاحظ من حَيْثُ كَونه جِنْسا أَو يُلَاحظ من حَيْثُ كَونه نوعا فَإِن لوحظ من حَيْثُ الجنسية جَازَ أَن يكون موردا لِلْأَمْرِ وللنهي وَأَن يتَوَجَّه كل مِنْهُمَا إِلَيْهِ بِاعْتِبَار أَنْوَاعه وَإِن لوحظ من حَيْثُ النوعية جَازَ أَن يتَوَجَّه

стр. 112

الْأَمر إِلَيْهِ بِاعْتِبَار شخص من أَفْرَاده وَالنَّهْي إِلَيْهِ بِاعْتِبَار شخص آخر فمثال الأول الْعِبَادَة وتحتها نَوْعَانِ عبَادَة لله وَعبادَة لغيره وَقد تعلق الْأَمر بالنوع الأول وَتعلق النَّهْي بِالثَّانِي ثمَّ إِن عبَادَة الله تَعَالَى تصير جِنْسا بِاعْتِبَار مَا تحتهَا من الْأَنْوَاع كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة وَغَيرهمَا فَالْأَمْر يتَعَلَّق بِالصَّلَاةِ وَالنَّهْي تعلق بهَا من جِهَة إيقاعها فِي مَكَان مَغْصُوب أَو من جِهَة إيقاعها بِلَا طَهَارَة وحاصلة أَن الْأَمر وَالنَّهْي يتوجهان إِلَى الْجِنْس بِاعْتِبَار تعداد أَنْوَاعه وَإِلَى النَّوْع بِاعْتِبَار تعداد أشخاصه وَأما الْفِعْل الْوَاحِد بالشخص فَلهُ جِهَة وَاحِدَة إِذْ يَسْتَحِيل كَونه وَاجِبا حَرَامًا كَمَا لَو قَالَ صل هَذِه الظّهْر لاتصل هَذِه الظّهْر وتمثيلنا بإيقاع الصَّلَاة فِي مَكَان مَغْصُوب مَبْنِيّ على القَوْل بِأَنَّهَا لَا تصح فِيهِ وَلَا يسْقط الطّلب بهَا وَلَا عِنْدهَا وَإِلَيْهِ ذهب أَحْمد وَأكْثر أَصْحَابه والظاهرية والزيدية والجبائية وَقيل يسْقط الْفَرْض عِنْدهَا لَا بهَا وَهَذَا قَول الباقلاني والرازي وَذهب أَحْمد فِي رِوَايَة عَنهُ وَمَالك وَالشَّافِعِيّ والخلال وَابْن عقيل والطوفي إِلَى أَنَّهَا تحرم وَتَصِح وَمَعْنَاهُ أَنَّهَا تصح بِمَعْنى تسْقط الطّلب لَكِن لَا ثَوَاب بهَا وَإِلَى هَذَا صَحَّ الْأَكْثَر وَقيل إِن لفاعلها ثَوابًا وَقَالَت الْحَنَفِيَّة تكره قَالَ نجم الدّين الطوفي مَذْهَب الْحَنَفِيَّة فِي هَذَا الأَصْل أَدخل فِي التدقيق وأشبه بالتحقيق فصل الْمَكْرُوه ضد الْمَنْدُوب إِذْ الْمَنْدُوب الْمَأْمُور بِهِ غير الْجَازِم وَالْمَكْرُوه الْمنْهِي عَنهُ غير الْجَازِم فالمندوب قسم الْوَاجِب فِي الْأَمر وَالْمَكْرُوه قسم الْحَرَام فِي النَّهْي وَشرعا مَا مدح تَاركه وَلم يذم

стр. 113

فَاعله وَهُوَ دَاخل تَحت النَّهْي فَيُقَال إِنَّه مَنْهِيّ عَنهُ وَلَا يتَنَاوَلهُ الْأَمر الْمُطلق إِذْ الْأَمر الْمُطلق بِالصَّلَاةِ لَا يتَنَاوَل الصَّلَاة الْمُشْتَملَة على السدل والتحضر وَرفع الْبَصَر إِلَى السَّمَاء واشتمال الصماء والالتفات وَنَحْو ذَلِك من المكروهات فِيهَا وَأطلق بعض أَصْحَابنَا الْمَكْرُوه على الْحَرَام فقد قَالَ الْخرقِيّ فِي مُخْتَصره وَيكرهُ أَن يتَوَضَّأ فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة انْتهى مَعَ أَن التَّوَضُّؤ فيهمَا حرَام بِلَا خلاف فِي ذَلِك فِي الْمَذْهَب وَقد تطلق على ترك الأولى كَقَوْل الْخرقِيّ أَيْضا وَمن صلى بِلَا أَذَان وَلَا إِقَامَة كرهنا لَهُ ذَلِك وَلَا يُعِيد وَأَرَادَ أَن الأولى أَن يُصَلِّي بِأَذَان وَإِقَامَة أَو بِأَحَدِهِمَا وَإِن أخل بهما ترك ذَلِك الأولى وَقَالَ الْآمِدِيّ قد يُطلق الْمَكْرُوه على الْحَرَام وعَلى مَا فِيهِ شُبْهَة وَتردد وعَلى ترك مَا فعله رَاجِح وَإِن لم يكن مَنْهِيّا عَنهُ انْتهى قلت أما إِطْلَاقه على الْحَرَام فقد سبق لَك بَيَانه فِي أَن الْإِمَامَيْنِ أَحْمد ومالكا يطلقانه على الْحَرَام الَّذِي يكون دَلِيله ظنيا تورعا مِنْهُمَا وَأما الْبَاقِي فَهُوَ بِمَعْنى ترك الأولى قَالَ الطوفي فِي مُخْتَصر الرَّوْضَة وَإِطْلَاق الْكَرَاهَة ينْصَرف إِلَى التَّنْزِيه وَقَالَ المرداوي فِي التَّحْرِير الْمَكْرُوه إِلَى الْحَرَام أقرب وَهُوَ فِي عرف الْمُتَأَخِّرين للتنزيه وَيُقَال لفَاعِله مُخَالف وَغير ممتثل ومسيىء نصا وَقيل يخْتَص الْحَرَام وَقَالَ القَاضِي أَبُو يعلى وَابْن عقيل يَأْثَم بترك السّنَن أَكثر عمره قَالَ الإِمَام أَحْمد من ترك الْوتر فَهُوَ رجل سوء

стр. 114

فصل الْمُبَاح هُوَ لُغَة الْمُعْلن والمأذون وَشرعا مَا اقْتضى خطاب الشَّرْع التَّسْوِيَة بَين فعله وَتَركه من غير مدح يَتَرَتَّب على فعله وَلَا ذمّ يَتَرَتَّب على تَركه والمباح غير مَأْمُور بِهِ عِنْد الْجُمْهُور وَقَالَ الكعبي المعتزلي وَأَتْبَاعه هُوَ مَأْمُور بِهِ وَلَيْسَ مِنْهُ فعل غير مُكَلّف وَيُسمى طلقا وحلالا وَيُطلق هُوَ والحلال على غير الْحَرَام وَلَيْسَ بتكليف عِنْد الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَقَالَ مجد الدّين بن تَيْمِية الْإِبَاحَة تَكْلِيف وَقصد بذلك أَنَّهَا مُخْتَصَّة بالمكلف تَتِمَّة اخْتلف الْعلمَاء فِي الْأَعْيَان المنتفع بهَا قبل وُرُود الشَّرْع فَقَالَ أَبُو الْحسن التَّمِيمِي وَأَبُو الْخطاب وَكِلَاهُمَا من الْحَنَابِلَة وَالْحَنَفِيَّة هِيَ على الْإِبَاحَة فَمَا جَاءَ فِي الشَّرْع الحكم عَلَيْهِ بِشَيْء عَملنَا وَمَا لم يرد فَهُوَ بَاقٍ على إِبَاحَته وَقَالَ ابْن حَامِد وَالْقَاضِي أَبُو يعلى وَبَعض الْمُعْتَزلَة إِنَّهَا على الْحَظْر أَي الْمَنْع فَمَا لم يرد شرع بالحكم عَلَيْهِ فَهُوَ مَحْظُور وَقَالَ أَبُو الْحسن الخرزي من الْحَنَابِلَة والواقفية وهم الَّذين يقفون فِي الْأَحْكَام عِنْد تجاذب الْأَدِلَّة لَهَا إِنَّهَا على الْوَقْف أَي لَا يدرى هَل هِيَ مُبَاحَة أَو محظورة وَأما الْمُعْتَزلَة فقد قسموا الْأَفْعَال الاختيارية إِلَى مَا حسنه الْعقل فَمِنْهُ وَاجِب وَمِنْه مَنْدُوب وَمِنْه مُبَاح وَإِلَى مَا قبحه الْعقل فَمِنْهُ حرَام وَمِنْه مَكْرُوه وَإِلَى مَا لم يقْض الْعقل فِيهِ بِحسن

стр. 115

وَلَا بقبح فَهَذَا اخْتلفُوا فِيهِ فَمنهمْ من قَالَ إِنَّه وَاجِب وَمِنْهُم من قَالَ إِنَّه محرم وَمِنْهُم من توقف فِيهِ هَذَا مَا حَقَّقَهُ عَنْهُم الْآمِدِيّ وَالْمُخْتَار الْإِبَاحَة وَ فَائِدَة هَذَا الْخلاف اسْتِصْحَاب كل وَاحِد من الْقَائِلين حَال أَصله قبل الشَّرْع فِيمَا جهل دَلِيله سمعا بعد وُرُود الشَّرْع فَائِدَة الْجَائِز لُغَة العابر بِالْعينِ الْمُهْملَة وَاصْطِلَاحا يُطلق على الْمُبَاح وعَلى مَا لَا يمْتَنع شرعا فَيعم غير الْحَرَام أَو عقلا فَيعم الْوَاجِب وَالرَّاجِح والمساوي والمرجوح وعَلى مَا اسْتَوَى فِيهِ الْأَمْرَانِ شرعا كالمباح أَو عقلا كَفعل الصَّغِير وعَلى الْمَشْكُوك فِيهِ بِاعْتِبَار الشَّرْع أَو الْعقل وَأما الْمُمكن فَهُوَ مَا جَازَ وُقُوعه حسا أَو وهما أَو شرعا تَنْبِيه إِذا نسخ الْوُجُوب بَقِي الْجَوَاز وَقَالَ الْمجد وَالْأَكْثَر وَحكي عَن أَصْحَابنَا أَن الْبَاقِي مُشْتَرك بَين النّدب وَالْإِبَاحَة وَقَالَ أَبُو يعلى وَأَبُو الْخطاب وَابْن عقيل وَابْن حمدَان بَقِي النّدب وَقيل تبقى الْإِبَاحَة وَهُوَ مثل القَوْل بِالْجَوَازِ وَهُوَ الْمُخْتَار وَقَالَ الْحَنَفِيَّة والتميمي وَالْغَزالِيّ يعود الْبَاقِي إِلَى أَصله قبل وُرُود الشَّرْع وَهَذَا نَظِير قَول الْفُقَهَاء إِذا بَطل الْخُصُوص بَقِي الْعُمُوم وَلَو صرف النَّهْي عَن التَّحْرِيم بقيت الْكَرَاهَة قَالَ ابْن عقيل وَغَيره

стр. 116

فصل فِي خطاب الْوَضع هُوَ مَا اسْتُفِيدَ بِوَاسِطَة نصب الشَّارِع علما مُعَرفا لحكمه لتعذر معرفَة خطابه فِي كل حَال هَكَذَا عرفه أَكثر عُلَمَاء الْأُصُول وَلما كَانَ هَذَا الْحَد فِيهِ غموض يعسر حلّه على كثير من المطالعين لهَذَا الْكتاب قربنا مَعْنَاهُ بقولنَا مَعْنَاهُ إِن الشَّرْع وضع أَي شرع أمورا سميت أسبابا وشروطا وموانع تعرف عِنْد وجودهَا أَحْكَام الشَّرْع من إِثْبَات أَو نفي فالأحكام تُوجد بِوُجُود الْأَسْبَاب والشروط وتنتفي بِوُجُود الْمَانِع وَانْتِفَاء الْأَسْبَاب والشروط ثمَّ إِن الشَّرْع بِوَضْع هَذِه الْأُمُور أخبرنَا بِوُجُود أَحْكَامه وانتفائها عِنْد وجود تِلْكَ الْأُمُور أَو انتفائها فَكَأَنَّهُ قَالَ مثلا إِذا وجد النّصاب الَّذِي هُوَ سَبَب وجوب الزَّكَاة والحول الَّذِي هُوَ شَرطه فاعلموا أَنِّي أوجبت عَلَيْكُم أَدَاء الزَّكَاة وَإِن وجد الدّين الَّذِي هُوَ مَانع وُجُوبهَا أَو انْتَفَى السمُوم الَّذِي هُوَ شَرط الْوُجُوب فِي السَّائِمَة فاعلموا أَنِّي لم أوجب عَلَيْكُم الزَّكَاة وَكَذَا الْكَلَام فِي الْقصاص وَالسَّرِقَة وَالزِّنَا وَكثير من الْأَحْكَام بِالنّظرِ إِلَى وجود أَسبَابهَا وشروطها وَانْتِفَاء موانعها وَعكس ذَلِك وَبِهَذَا الْبَيَان فهم الْمَقْصُود من خطاب الْوَضع

стр. 117

وتخلص النَّاظر من حل التعقيد الَّذِي تضمنه التَّعْرِيف وَحَيْثُ علمت ذَلِك فَاعْلَم أَن هَذَا الْعلم الْمَنْصُوب أَصْنَاف أَحدهَا الْعلَّة وَهِي فِي أصل الْوَضع الْعرض الْمُوجب لخُرُوج الْبدن الحيواني عَن الِاعْتِدَال الطبيعي ثمَّ استعيرت عقلا لما أوجب الحكم الْعقلِيّ لذاته كالكسر للانكسار والتسويد للسواد وَنَحْوه ثمَّ استعيرت شرعا لمعان ثَلَاثَة أَحدهَا مَا أوجب الحكم الشَّرْعِيّ لَا محَالة وَهُوَ الْمَجْمُوع الْمركب من مُقْتَضى الحكم وَشَرطه وَمحله وَأَهله تَشْبِيها بالأجزاء الْعلَّة الْعَقْلِيَّة وَذَلِكَ كَمَا يُقَال وجوب الصَّلَاة حكم شَرْعِي ومقتضيه أَمر الشَّارِع بِالصَّلَاةِ وَشَرطه أَهْلِيَّة الْمُصَلِّي لتوجه الْخطاب إِلَيْهِ بِأَن يكون بَالغا عَاقِلا وَمحله الصَّلَاة وَأَهله الْمصلى فالعلة هُنَا الْمَجْمُوع الْمركب من هَذِه الْأُمُور والأهل وَالْمحل ركنان من أَرْكَانهَا وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذِهِ الْأَشْيَاء الْأَرْبَعَة تسمى عِلّة وَمُقْتَضى الحكم هُوَ الْمَعْنى الطَّالِب لَهُ وَشَرطه يَأْتِي بَيَانه وَأَهله هُوَ الْمُخَاطب بِهِ وَمحله مَا تعلق بِهِ ثَانِيهَا مُقْتَضى الحكم وَإِن تخلف لفَوَات شَرط أَو وجود مَانع وَبَيَانه أَن الْيَمين هُوَ الْمُقْتَضِي لوُجُوب الْكَفَّارَة فيسمى عِلّة لَهُ وَإِن كَانَ وجوب الْكَفَّارَة إِنَّمَا يتَحَقَّق بِمَجْمُوع أَمريْن الْحلف الَّذِي هُوَ الْيَمين والحنث فِيهَا لَكِن الْحِنْث شَرط فِي الْوُجُوب وَالْحلف هُوَ السَّبَب الْمُقْتَضِي لَهُ فَقَالُوا هُوَ عِلّة فَإِذا حلف الْإِنْسَان على فعل شَيْء أَو تَركه قيل قد وجدت مِنْهُ عِلّة وجوب الْكَفَّارَة وَإِن كَانَ الْوُجُوب يُوجد حَتَّى يَحْنَث وَإِنَّمَا هُوَ بِمُجَرَّد الْحلف انْعَقَد سَببه

стр. 118

ثَالِثهَا حِكْمَة الحكم وَهِي الْمَعْنى الْمُنَاسب الَّذِي ينشأ عَنهُ الحكم كمشقة السّفر للقصر وَالْفطر وَالدّين لمنع الزَّكَاة والأبوة لمنع الْقصاص فَيُقَال مشقة السّفر هِيَ عِلّة استياحة الْقصر وَالْفطر للْمُسَافِر وَالدّين فِي ذمَّة مَالك النّصاب عِلّة لمنع وجوب الزَّكَاة وَكَون الْقَاتِل أَبَا عِلّة لمنع وجوب الْقصاص وَالْمعْنَى الْمُنَاسب هُوَ كَون حُصُول الْمَشَقَّة على الْمُسَافِر معنى مُنَاسِب لتخفيف الصَّلَاة بقصرها وَالتَّخْفِيف عَنهُ بِالْفطرِ وانقهار مَالك النّصاب بِالدّينِ عَلَيْهِ معنى مُنَاسِب لإِسْقَاط وجوب الزَّكَاة عَنهُ وَكَون الْأَب سَبَب وجود الْوَلَد معنى مُنَاسِب لسُقُوط الْقصاص لِأَنَّهُ لما كَانَ سَبَب إيجاده لم تقتض الْحِكْمَة أَن يكون الْوَلَد سَبَب إعدامه وهلاكه لمحض حَقه وَاعْلَم بِأَن الْفُقَهَاء كثيرا مَا يذكرُونَ فِي كتبهمْ مثل هَذِه الْعِلَل وَمن هُنَا نشأت الفروق بِحَيْثُ صَارَت كَأَنَّهَا فن مُسْتَقل كَمَا سنبينه فِيمَا بعد إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَيُقَال مَا الْفرق بَين أَن لَا يقتل الْأَب بِابْنِهِ إِذا قَتله وَبَين وجوب رجمه إِذا زنى بابنته فيجاب بِالْفرقِ بَين الأول بِكَوْنِهِ سَبَب إيجاده وَبَين الثَّانِي من حَيْثُ إِن الرَّجْم إِنَّمَا هُوَ لمحض حق الله تَعَالَى وَالْأول لمحض حق الْوَلَد ثَانِيهَا السَّبَب وَهُوَ لُغَة مَا توصل بِهِ إِلَى الْغَرَض الْمَقْصُود وَشرعا مَا يلْزم من وجوده الْوُجُود وَمن عَدمه الْعَدَم لذاته فيوجد الحكم عِنْده لَا بِهِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ مؤثرا فِي الْوُجُود بل هُوَ وصلَة ووسيلة إِلَيْهِ كالحبل مثلا فَإِنَّهُ يتَوَصَّل بِهِ إِلَى إِخْرَاج المَاء من الْبِئْر وَلَيْسَ هُوَ الْمُؤثر فِي الْإِخْرَاج وَإِنَّمَا الْمُؤثر حَرَكَة المستقي للْمَاء ثمَّ استعير السَّبَب شرعا لمعان أَحدهَا مَا يُقَابل الْمُبَاشرَة كحفر الْبِئْر مَعَ التردية فِيهَا فَإِذا

стр. 119

حفر شخص بِئْرا وَدفع آخر إنْسَانا فتردى فِيهَا فَهَلَك فَالْأول وَهُوَ الْحَافِر متسبب إِلَى هَلَاكه وَالثَّانِي وَهُوَ الدَّافِع مبَاشر لَهُ فَأطلق الْفُقَهَاء السَّبَب على مَا يُقَابل الْمُبَاشرَة فَقَالُوا إِذا اجْتمع المتسبب والمباشر غلبت الْمُبَاشرَة وَوَجَب الضَّمَان على الْمُبَاشر وَانْقطع حكم التَّسَبُّب وَله أَمْثِلَة أُخْرَى محلهَا كتب الْفُرُوع الثَّانِي عِلّة الْعلَّة كالرمي سمي سَببا للْقَتْل وَهُوَ عِلّة الْإِصَابَة والإصابة عِلّة لزهوق النَّفس الَّذِي هُوَ الْقَتْل فالرمي هُوَ عِلّة عِلّة الْقَتْل وَقد سموهُ سَببا الثَّالِث الْعلَّة بِدُونِ شَرطهَا كالنصاب بِدُونِ حولان الْحول سمي سَببا لوُجُوب الزَّكَاة الرَّابِع الْعلَّة الشَّرْعِيَّة كَامِلَة وَهِي الْمَجْمُوع الْمركب من الْمُقْتَضى وَالشّرط وَانْتِفَاء الْمَانِع وَوُجُود الْأَهْل وَالْمحل يُسمى سَببا ثمَّ إِن هَذِه الْعلَّة قد تكون وقتا كالزوال لِلظهْرِ وَقد تكون معنى يسْتَلْزم حِكْمَة باعثة كالإسكار للتَّحْرِيم وَنَحْوه وَسميت هَذِه الْعلَّة سَببا فرقا بَينهَا وَبَين الْعلَّة الْعَقْلِيَّة لِأَن الْعَقْلِيَّة مُوجبَة لوُجُود معلولها كالكسر للانكسار وَسَائِر الْأَفْعَال مَعَ الانفعالات فَإِنَّهُ مَتى وجد الْفِعْل الْقَابِل وانتفى الْمَانِع وجد الانفعال بِخِلَاف الْأَسْبَاب فَإِنَّهُ لَا يلْزم من وجودهَا وجود مسبباتها وَأما الْعلَّة الشَّرْعِيَّة الْكَامِلَة فَإِنَّهَا وَإِن كَانَ يلْزم من وجودهَا وجود معلولها سَببا مَعَ أَن السَّبَب لَا يلْزم من وجوده وجود مسببه لَكِن لما كَانَ تأثيرها لَيْسَ لذاتها بل بِوَاسِطَة نصب الشَّارِع لَهَا ضعفت لذَلِك عَن الْعلَّة الْعَقْلِيَّة فَأَشْبَهت السَّبَب الَّذِي حكمه أَن يحصل عِنْده لَا بِهِ فَلذَلِك سميت سَببا

стр. 120

ثَالِثهَا الشَّرْط وَهُوَ فِي اللُّغَة الْعَلامَة وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ مُحَمَّد ١٨ أَي علاماتها وَفِي الشَّرْع مَا يلْزم من عَدمه الْعَدَم وَلَا يلْزم من وجوده وجود وَلَا عدم لذاته وَذَلِكَ كالإحصان الَّذِي هُوَ شَرط وجوب رجم الزَّانِي فَإِن وجوب الرَّجْم يَنْتَفِي بِانْتِفَاء الْإِحْصَان فَلَا يرْجم إِلَّا مُحصن وكالحول الَّذِي هُوَ شَرط وجوب الزَّكَاة يَنْتَفِي وُجُوبهَا لانتفائه فَلَا تجب إِلَّا بعد تَمام الْحول ثمَّ إِن الشَّرْط إِن أخل عَدمه بحكمة السَّبَب فَهُوَ شَرط السَّبَب وَذَلِكَ كالقدرة على تَسْلِيم الْمَبِيع فَإِن تِلْكَ الْقُدْرَة شَرط لصِحَّة البيع الَّذِي هُوَ سَبَب ثُبُوت الْملك الْمُشْتَمل على مصلحَة وَهُوَ حَاجَة الابتياع لعِلَّة الِانْتِفَاع بِالْمَبِيعِ وَهِي متوقفة على الْقُدْرَة على التَّسْلِيم فَكَانَ عَدمه مخلا بحكمة الْمصلحَة الَّتِي شرع لَهَا البيع وَإِن استلزم عدم الشَّرْط حِكْمَة تَقْتَضِي نقيض الحكم فَهُوَ شَرط الحكم كالطهارة للصَّلَاة فَإِن عدم الطَّهَارَة حَال الْقُدْرَة عَلَيْهَا مَعَ الْإِتْيَان بِالصَّلَاةِ يَقْتَضِي نقيض حِكْمَة الصَّلَاة وَهُوَ الْعقَاب فَإِنَّهُ نقيض وُصُول الثَّوَاب وَاعْلَم أَن الشَّرْط منحصر فِي أَرْبَعَة أَنْوَاع الأول عَقْلِي كالحياة للْعلم فَإِنَّهُ إِذا انْتَفَت الْحَيَاة انْتَفَى الْعلم وَلَا يلْزم من وجودهَا وجوده الثَّانِي شَرْعِي كالطهارة للصَّلَاة الثَّالِث لغَوِيّ كعبدي حر إِن قُمْت وَهَذَا النَّوْع كالسبب فَإِنَّهُ يلْزم من وجود الْقيام وجود الْعتْق وَمن عدم الْقيام عدم الْعتْق الْمُعَلق عَلَيْهِ الرَّابِع عادي كالغذاء للحيوان إِذْ الْعَادة الْغَالِبَة أَنه يلْزم من انْتِفَاء الْغذَاء انْتِفَاء الْحَيَاة من وجوده وجودهَا إِذْ لَا يتغذى إِلَّا الْحَيّ فعلى هَذَا يكون الشَّرْط العادي مطردا منعكسا كالشرط اللّغَوِيّ ويكونان من قبيل الْأَسْبَاب لَا من قبيل الشُّرُوط وَمَا جعل قيدا لشَيْء فِي معنى كالشرط فِي العقد فَالْأَصَحّ أَنه كالشرط الشَّرْعِيّ وَقيل كاللغوي واللغوي أغلب اسْتِعْمَاله فِي السَّبَبِيَّة الْعَقْلِيَّة كَقَوْلِك إِذا طلعت الشَّمْس فالعالم مضيء وَفِي الشَّرْعِيَّة كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾ الْمَائِدَة ٦ وَاسْتعْمل اللّغَوِيّ

стр. 121

لُغَة فِي شَرط لم يبْق للمسبب شَرط سواهُ نَحْو إِن تأتني أكرمك فَإِن الْإِتْيَان شَرط لم يبْق للإكرام سواهُ لِأَنَّهُ إِذا دخل الشَّرْط اللّغَوِيّ عَلَيْهِ علم أَن أَسبَاب الْإِكْرَام حَاصِلَة لَكِن متوقفة على حُصُول الْإِتْيَان رَابِعهَا الْمَانِع وَهُوَ مَا يلْزم من وجوده الْعَدَم وَلَا يلْزم من عَدمه وجود وَلَا عدم لذاته فَهُوَ عكس الشَّرْط وَهُوَ إِمَّا للْحكم كالأبوة فِي الْقصاص مَعَ الْقَتْل الْعمد وَيعرف بِأَنَّهُ وصف وجودي ظَاهر منضبط مُسْتَلْزم لحكمة تَقْتَضِي تفيض حكم السَّبَب مَعَ بَقَاء حكم الْمُسَبّب وَإِمَّا لسَبَب الحكم كَالدّين لِلزَّكَاةِ مَعَ ملك نِصَاب وَيعرف بِأَنَّهُ وصف يخل وجوده بِحكم السَّبَب وَنصب الْعلَّة وَالسَّبَب وَالشّرط وَالْمَانِع لتفيد مَا اقتضته من الْأَحْكَام حكم شَرْعِي فَجعل الزِّنَا سَببا لوُجُوب الْحَد حكم شَرْعِي وَهَكَذَا يُقَال فِي نَظَائِره تَنْبِيه اعْلَم أَن مَا ذَكرْنَاهُ هُنَا من انقسام خطاب الْوَضع إِلَى الْأَنْوَاع الْأَرْبَعَة

стр. 122

إِنَّمَا هُوَ تَقْسِيم لكلياته وَبَقِي لَهُ أَقسَام جزئية تعد كاللواحق لَهُ وَإِلَيْك بَيَانهَا أَحدهَا الصِّحَّة وَعرفهَا الْفُقَهَاء بِأَنَّهَا وُقُوع الْفِعْل كَافِيا فِي سُقُوط الْقَضَاء كَالصَّلَاةِ الْوَاقِعَة بشروطها وأركانها مَعَ انْتِفَاء موانعها فَإِذا وَقعت كَذَلِك سقط الطّلب بقضائها وَقَالَ المتكلمون الصِّحَّة مُوَافقَة الْأَمر فَكل من أَمر بِعبَادة فَوَافَقَ الْأَمر بِفِعْلِهَا كَانَ قد أَتَى بهَا صَحِيحَة وَإِن اخْتَلَّ شَرط من شُرُوطهَا أَو وجد مَانع وَهَذَا أَعم من قَول الْفُقَهَاء لِأَن كل صِحَة فَهِيَ مُوَافقَة الْأَمر عِنْد الْمُتَكَلِّمين وَلَيْسَ كل مُوَافقَة الْأَمر صِحَة عِنْد الْفُقَهَاء فَصَلَاة الْمُحدث وَهُوَ يظنّ الطَّهَارَة صَحِيحَة على قَول الْمُتَكَلِّمين دون الْفُقَهَاء وَالْقَضَاء وَاجِب على الْقَوْلَيْنِ وَمن هُنَا تعلم أَن الْخلاف بَينهمَا لَفْظِي حَقِيقِيّ والبطلان يُقَابل الصِّحَّة على الرأيين فعلى قَول الْفُقَهَاء الْبطلَان وَهُوَ وُقُوع الْفِعْل غير كَاف فِي سُقُوط الْقَضَاء وعَلى قَول الْمُتَكَلِّمين هُوَ مُخَالفَة الْأَمر وَأما الصِّحَّة فِي الْمُعَامَلَات كعقد البيع وَالرَّهْن وَالنِّكَاح وَنَحْوهَا فَهِيَ ترَتّب أَحْكَامهَا الْمَقْصُودَة بهَا عَلَيْهَا قَالَ الْآمِدِيّ وَلَا بَأْس بتفسير الصِّحَّة فِي الْعِبَادَات بِهَذَا وَمَعْنَاهُ أَن مَقْصُود الْعِبَادَة إِقَامَة رسم التَّعَبُّد وَبَرَاءَة ذمَّة العَبْد مِنْهَا فَإِذا أفادت ذَلِك كَانَ هُوَ معنى أَنَّهَا كَافِيَة فِي سُقُوط الْقَضَاء فَتكون صَحِيحَة والبطلان وَالْفساد مُتَرَادِفَانِ عِنْد أَصْحَابنَا وَالْجُمْهُور فَيُقَال صَحِيح وفاسد كَمَا يُقَال صَحِيح وباطل وَأثبت أَبُو حنيفَة قسما متوسطا بَين الصَّحِيح وَالْبَاطِل سَمَّاهُ الْفَاسِد وَقَالَ هُوَ مَا كَانَ

стр. 123

مَشْرُوعا بِأَصْلِهِ دون وَصفه على أَن أَصْحَاب أَحْمد وَأَصْحَاب الشَّافِعِي فرقوا بَين الْفَاسِد وَالْبَاطِل فِي الْفِقْه فِي مسَائِل كَثِيرَة وَقَالَ فِي شرح التَّحْرِير لعلاء الدّين عَليّ المرداوي غَالب الْمسَائِل الَّتِي حكمُوا عَلَيْهَا بِالْفَسَادِ هِيَ مَا إِذا كَانَ مُخْتَلفا فِيهَا بَين الْعلمَاء وَالَّتِي حكمُوا عَلَيْهَا بِالْبُطْلَانِ هِيَ مَا إِذا كَانَ مجمعا على بُطْلَانهَا أَو الْخلاف فِيهَا شَاذ قَالَ ثمَّ وجدت بعض أَصْحَابنَا قَالَ الْفَاسِد من النِّكَاح مَا يسوغ فِيهِ الِاجْتِهَاد وَالْبَاطِل مَا كَانَ مجمعا على بُطْلَانه هَذَا كَلَامه ثَانِيهَا الْأَدَاء وَهُوَ فعل الْمَأْمُور بِهِ فِي وقته الْمُقدر لَهُ شرعا كَفعل الْمغرب مَا بَين غرُوب الشَّمْس وغروب الشَّفق وَيدخل فِي ذَلِك مَا كَانَ مضيقا كَالصَّوْمِ وموسعا محدودا كوقت الصَّلَوَات أَو غير مَحْدُود كَالْحَجِّ فَإِن وقته الْعُمر وتحديده بِالْمَوْتِ ضَرُورِيّ لَيْسَ كتحديد أَوْقَات الصَّلَوَات ثَالِثهَا الْإِعَادَة وَهِي فعل الْمَأْمُور بِهِ فِي وقته الْمُقدر لَهُ شرعا لخلل فِي الأول سَوَاء كَانَ الْخلَل فِي الْأَجْزَاء كمن صلى بِدُونِ شَرط أَو ركن أَو فِي الْكَمَال كمن صلى مُنْفَردا فيعيدها جمَاعَة فِي الْوَقْت هَكَذَا قَالَ الأصوليون وَقَالَ موفق الدّين الْمَقْدِسِي فِي الرَّوْضَة الْإِعَادَة فعل الشَّيْء مرّة بعد أُخْرَى وَهَذَا التَّعْرِيف أوفق من الأول وموافق لقَوْل الْأَصْحَاب من صلى ثمَّ حضر جمَاعَة سنّ لَهُ أَن يُعِيدهَا مَعَهم إِلَّا الْمغرب على خلاف هَذَا ويشمل قَوْلهم من صلى مَا إِذا صلى الأولى مُنْفَردا أَو فِي جمَاعَة فأثبتوا الْإِعَادَة مَعَ عدم الْخلَل فِي الأولى وَفِي مَذْهَب مَالك لَا تخْتَص الْإِعَادَة بِالْوَقْتِ بل هِيَ فِيهِ لاستدراك المندوبات وَبعد الْوَقْت لاستدراك الْوَاجِبَات

стр. 124

رَابِعهَا الْقَضَاء وَهُوَ فعل الْمَأْمُور بِهِ خَارج الْوَقْت أَي بعد خُرُوجه لفَوَات الْفِعْل فِيهِ لعذر أَو غَيره بِأَن أخر الْمَأْمُور بِهِ عمدا حَتَّى خرج وقته ثمَّ فعله وَالْأَحْسَن من هَذَا أَن يُقَال فِي تَعْرِيف الْقَضَاء أَنه إِيقَاع الْعِبَادَة خَارج وَقتهَا الَّذِي عينه الشَّرْع لمصْلحَة فِيهِ فَائِدَة الْعِبَادَة قد تُوصَف بِالْأَدَاءِ وَالْقَضَاء كالصلوات الْخمس وَقد لَا تُوصَف بهما كالنوافل لعدم تَقْدِير وَقتهَا وَقد تُوصَف بِالْأَدَاءِ وَحده كَالْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَعدم الْقَضَاء فيهمَا للتوقيف أَو الْإِجْمَاع لَا لامتناعه عقلا وَلَا شرعا الْإِجْزَاء يخْتَص بِالْعبَادَة سَوَاء كَانَت وَاجِبَة أَو مُسْتَحبَّة وَقَالَ المتكلمون إِجْزَاء الْعِبَادَة كفايتها فِي سُقُوط التَّعَبُّد وَالْقَوْل مثل الصِّحَّة فَلَا يفارقها فِي إِثْبَات وَلَا نفي فَإِذا وجد أَحدهمَا وجد الآخر وَإِذا انْتَفَى انتفي والنفوذ تصرف لَا يقدر فَاعله على رَفعه كالعقود اللَّازِمَة من البيع وَالْإِجَارَة وَالْوَقْف وَغَيرهَا إِذا اجْتمعت شُرُوطهَا وانتفت موانعها خَامِسهَا الْعَزِيمَة والرخصة الْعَزِيمَة لُغَة الْقَصْد الْمُؤَكّد وَشرعا هِيَ الحكم الثَّابِت بِدَلِيل شَرْعِي خَال عَن معَارض رَاجِح فقولنا الحكم الثَّابِت بِدَلِيل شَرْعِي يتَنَاوَل الْوَاجِب وَالْمَنْدُوب وَتَحْرِيم الْحَرَام وَكَرَاهَة الْمَكْرُوه فالعزيمة وَاقعَة فِي جَمِيع هَذِه الْأَحْكَام وَلِهَذَا قَالَ أَصْحَابنَا إِن سَجْدَة ص هَل هِيَ من عزائم السُّجُود أَو لَا مَعَ أَن سَجدَات الْقُرْآن كلهَا عِنْدهم ندب

стр. 125

وَقَوْلنَا بِدَلِيل شَرْعِي احْتِرَاز عَمَّا ثَبت بِدَلِيل عَقْلِي فَإِن ذَلِك لَا تسْتَعْمل فِيهِ الْعَزِيمَة والرخصة وَقَوْلنَا خَال من معَارض رَاجِح احْتِرَاز عَمَّا ثَبت بِدَلِيل شَرْعِي لَكِن لذَلِك الدَّلِيل معَارض مسَاوٍ أَو رَاجِح كتحريم الْميتَة عِنْد عدم المخمصة هُوَ عَزِيمَة لِأَنَّهُ حكم ثَابت بِدَلِيل خلا عَن معَارض فَإِذا وجدت المخمصة حصل الْمعَارض لدَلِيل التَّحْرِيم وَهُوَ رَاجِح عَلَيْهِ حفظا للنَّفس فَجَاز الْأكل وحصلت الرُّخْصَة والرخصة لُغَة السهولة وَشرعا مَا ثَبت على خلاف دَلِيل شَرْعِي لمعارض رَاجِح وَقَالَ الْعَسْقَلَانِي فِي شرح مُخْتَصر الطوفي أَجود مَا يُقَال فِي الرُّخْصَة ثُبُوت حكم لحالة تَقْتَضِيه مُخَالفَة مُقْتَضى دَلِيل يعمها وَذكر ابْن حمدَان هَذَا الْحَد فِي مقنعه وَمن الرُّخْصَة مَا هُوَ وَاجِب كَأَكْل الْميتَة للْمُضْطَر ووجوبه على الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَر وَمِنْهَا مَا هُوَ مَنْدُوب كقصر الْمُسَافِر الصَّلَاة إِذا اجْتمعت الشُّرُوط وانتفت الْمَوَانِع وَمِنْهَا مَا هُوَ مُبَاح كالجمع بَين الصَّلَاتَيْنِ فِي غير عَرَفَة ومزدلفة وَكَذَا بيع الْعَرَايَا وَهنا أَربع تَنْبِيهَات التَّنْبِيه الأول إِن الْعَزِيمَة والرخصة وصفان للْحكم لَا للْفِعْل فَتكون الْعَزِيمَة بِمَعْنى التَّأْكِيد فِي طلب الشَّيْء وَتَكون الرُّخْصَة بِمَعْنى الترخيص وَمِنْه حَدِيث فاقبلوا رخصَة الله وَقَول أم عَطِيَّة

стр. 126

نهينَا عَن اتِّبَاع الْجَنَائِز وَلم يعزم علينا التَّنْبِيه الثَّانِي اخْتلف فِي الْعَزِيمَة والرخصة أَيهمَا أفضل فَقيل فِي مثل أكل الْميتَة الْإِجَابَة أفضل حفظا للنَّفس وَاسْتِيفَاء لحق الله فِيهَا وَقيل الِامْتِنَاع أفضل وَقد نَص أَحْمد فِي رِوَايَة جَعْفَر بن مُحَمَّد فِي الْأَسير يُخَيّر بَين الْقَتْل وَشرب الْخمر فَقَالَ إِن صَبر فَلهُ الشّرف وَإِن لم يصبر فَلهُ الرُّخْصَة وَقَالَ القَاضِي أَبُو يعلى فِي أَحْكَام الْقُرْآن الْأَفْضَل أَن لَا يُعْطي التقية وَلَا يظْهر الْكفْر حَتَّى يقتل وَاحْتج بِقصَّة عمار وحبِيب بن عدي حَيْثُ لم يُعْط أهل مَكَّة التقية حَتَّى قتل فَكَانَ عِنْد الْمُسلمين أفضل من عمار

стр. 127

قَالَ نجم الدّين سُلَيْمَان الطوفي فِي شرح مختصرة فِي الْأُصُول عقيب أَن نقل كَلَام القَاضِي قلت الْعجب من أَصْحَابنَا يرجحون الْأَخْذ بِالرُّخْصَةِ فِي الْفطر وَقصر الصَّلَاة فِي السّفر مَعَ يسَاره الْخطب فيهمَا ويرجحون الْعَزِيمَة فِيمَا يَأْتِي على النَّفس كالإكراه على الْكفْر وَشرب الْخمر فإمَّا أَن يرجحوا الرُّخْصَة مُطلقًا أَو الْعَزِيمَة مُطلقًا أما الْفرق فَلَا يظْهر لَهُ كَبِير فَائِدَة التَّنْبِيه الثَّالِث قد يكون سَبَب الرُّخْصَة اختياريا كالسفر واضطراريا كالاغتصاص باللقمة الْمُبِيح لشرب الْخمر فَليعلم هَذَا الأَصْل وَمَا قبله لِكَثْرَة مَنَافِع هَذِه المباحث فِي كتب الْفِقْه التَّنْبِيه الرَّابِع قد يشْتَمل الْفِعْل الْوَاحِد على الْوَصْف بِالرُّخْصَةِ من جِهَة وبالعزيمة من جِهَة ثَانِيَة وَذَلِكَ فِيمَا إِذا تعلق بِفعل الْمُكَلف حقان فَكل تَخْفيف تعلق بِحَق الله تَعَالَى وبحق العَبْد فَهُوَ بِالْإِضَافَة إِلَى حق الله تَعَالَى عَزِيمَة وبالإضافة إِلَى حق الْمُكَلف رخصَة فاليتيم مثلا هُوَ رخصَة من حَيْثُ إِن الله تَعَالَى يسر على الْمُكَلف وَسَهل عَلَيْهِ وسامحه فِي أَدَاء الْعِبَادَة مَعَ الْحَدث الْمَانِع وَلم يشق عَلَيْهِ بِطَلَب المَاء حَيْثُ يتَعَذَّر أَو يشق وَلم يَأْمُرهُ بِإِعَادَة الصَّلَاة إِذا صلاهَا بِالتَّيَمُّمِ وَهُوَ أَيْضا عَزِيمَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى حق الله تَعَالَى حَيْثُ لَا بُد من الْإِتْيَان بِهِ للقادر عَلَيْهِ وَقس عَلَيْهِ نَظَائِره

стр. 128

فصل فِي اللُّغَات من عَادَة الْأُصُولِيِّينَ التَّعَرُّض لمباحث اللُّغَات فِي كتبهمْ وَذَلِكَ لِأَن هَذِه المباحث هِيَ كالمدخل إِلَى أصُول الْفِقْه من جِهَة أَنه أحد مُفْرَدَات مادته وَهِي الْكَلَام والعربية وتصور الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة وَذَلِكَ أَن لمباحث اللُّغَات مدخلًا كَبِيرا لمن يُرِيد دُخُول أَبْوَاب الْفِقْه والاطلاع على حقائقها فأصول الْفِقْه متوقفة على معرفَة اللُّغَة لوُرُود الْكتاب وَالسّنة بهَا اللَّذين هما أصُول الْفِقْه وأدلته فَمن لَا يعرف اللُّغَة لَا يُمكنهُ اسْتِخْرَاج الْأَحْكَام من الْكتاب وَالسّنة إِذا علمت هَذَا فَاعْلَم أَن اللُّغَة إِنَّمَا هِيَ الْأَلْفَاظ الدَّالَّة على الْمعَانِي النفسية يَعْنِي أَن الْمُتَكَلّم يتَصَوَّر فِي نَفسه نِسْبَة شَيْء لشَيْء بعد تصور مُفْرَدَات مركب يدل على النِّسْبَة بَينهمَا كَمَا يتَصَوَّر الْعلم ثمَّ يتَصَوَّر نَفعه ثمَّ يضم إِلَى ذَلِك نِسْبَة الْمَوْضُوع إِلَى الْمَحْمُول أَو نِسْبَة الْمسند إِلَى الْمسند إِلَيْهِ ثمَّ يعبر عَن تِلْكَ النِّسْبَة بِلِسَانِهِ فَيَقُول الْعلم نَافِع فَتلك الْأَلْفَاظ الدَّالَّة على هَذَا الْمَعْنى هِيَ اللُّغَة وَأَنت خَبِير بِأَن التَّصَوُّر لَا يخْتَلف حَتَّى يُقَال لَهُ تصور هندي أَو عَرَبِيّ أَو فَارسي وَإِنَّمَا الَّذِي يخْتَلف وَيُسمى بأسماء هُوَ اللَّفْظ الْمعبر بِهِ عَمَّا فِي الضَّمِير والتصور وَسبب ذَلِك الِاخْتِلَاف إِنَّمَا هُوَ

стр. 129

اخْتِلَاف أمزجة الْأَلْسِنَة وَعلة اخْتِلَاف أمزجة الْأَلْسِنَة وَسَببه اخْتِلَاف الأهوية وطبائع الْأَمْكِنَة فَإِذا غلب الْبرد مثلا على مَكَان برد هواؤه وطبع الْبرد التكثيف والتثقيل لِأَن العنصرين الباردين وهما المَاء وَالْأَرْض ثقيلان كثيفان وَالْمَاء أشدهما بردا وَالْأَرْض أشدهما كَثَافَة فيغلب الثّقل على أَلْسِنَة أهل ذَلِك الْقطر فيثقل النُّطْق على ألسنتهم ثمَّ يضعون الْأَلْفَاظ الْمَخْصُوصَة للمعاني الْمَخْصُوصَة فَيَجِيء النُّطْق بهَا ثقيلا كالعجمي والتركي وَغَيرهمَا وَإِذا غلب الْحر على مَكَان سخن هواؤه وطبع الْحَرَارَة التجفيف والتحليل والتلطف فتغلب الخفة على أَلْسِنَة أهل ذَلِك الْمَكَان فيخف النُّطْق على ألسنتهم ثمَّ يضعون الْأَلْفَاظ الْمَخْصُوصَة للمعاني الْمَخْصُوصَة فَيَجِيء النُّطْق بهَا خَفِيفا سَمحا سهلا كاللغة الْعَرَبيَّة فَلهَذَا كَانَت أفْصح اللُّغَات وأحسنها وَأَشْرَفهَا وَحصل الإعجاز والتحدي بِكَلَام الله تَعَالَى النَّازِل بهَا دون كَلَامه النَّازِل بغَيْرهَا مَعَ أَنه قد كَانَ فِي قدرَة الله سُبْحَانَهُ أَن يعجز أهل كل لِسَان بِمَا نزله من كَلَامه بذلك اللِّسَان وَقد أَشَارَ إِلَى هَذَا المتقدمون من الْأَطِبَّاء فِي فلسفة الطِّبّ وَاعْلَم أَن الْمُخْتَار أَن اللُّغَة بَعْضهَا حَاصِل بالتوقيف والتعليم وَبَعضهَا حَاصِل بالاصطلاح وَقَوله تَعَالَى ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ الْبَقَرَة ٣١ مَعْنَاهُ وَالله أعلم أَنه علمه مَا احْتَاجَ مِنْهَا بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ﴾ الْبَقَرَة ٣١ وَهُوَ إِشَارَة إِلَى مُسَمّى محسوس وَهَذَا يَقْتَضِي أَنه كَانَ ثمَّ أَشْيَاء محسوسة علم الله تَعَالَى آدم أَي ألهمه أسمائها وَلم يلهمها الْمَلَائِكَة وَهَذَا لَا يَقْتَضِي أَن يكون آدم تعلم جَمِيع لُغَات الْبشر من عَهده إِلَى آخر الدوران

стр. 130

وتنقسم اللُّغَة إِلَى أَسمَاء الْأَعْلَام كزيد وخَالِد وَإِلَى أَسمَاء الصِّفَات كعالم وقادر وَهَذِه لاتثبت بِالْقِيَاسِ اتِّفَاقًا وَإِلَى أَسمَاء الْأَجْنَاس والأنواع الَّتِي وضعت لمعان فِي مسمياتها تَدور مَعهَا وجودا وعدما وَهَذَا النَّوْع من اللُّغَة يَصح الْقيَاس عَلَيْهِ وَذَلِكَ كَالْخمرِ فَإِن اسْمه يَدُور مَعَ التخمير وجودا وعدما فَإِنَّهُ يَصح إِطْلَاق اسْمه على كل مَا خامر الْعقل قِيَاسا بعلة المخامرة فَحَيْثُ فهم الْجَامِع بَين شَيْئَيْنِ جَازَ تَسْمِيَة الْفَرْع باسم الأَصْل قِيَاسا وَمن هُنَا أَخذ الْفُقَهَاء أصلا فرعوا عَلَيْهِ فروعا مِنْهَا أَن اللائط يحد قِيَاسا على الزَّانِي بِجَامِع الْإِيلَاج الْمحرم وشارب النَّبِيذ يحد قِيَاسا على شَارِب الْخمر بِجَامِع السكر والتخمير ونباش الْقُبُور يحد قِيَاسا على سَارِق أَمْوَال الْأَحْيَاء بِجَامِع أَخذ المَال خُفْيَة عِنْد من يَقُول بذلك وَهَذَا كُله مَبْنِيّ على قَاعِدَة إِثْبَات اللُّغَة بِالْقِيَاسِ وَالَّذين قَالُوا لَا قِيَاس فِي اللُّغَة كبعض الْحَنَفِيَّة قَالُوا لَا حد فِي ذَلِك فَائِدَة أولع كثير من أهل عصرنا بسؤال حَاصله أَن من تقدم على نَبينَا مُحَمَّد ﷺ من الْأَنْبِيَاء الْمُرْسلين إِنَّمَا كَانَ مَبْعُوثًا لِقَوْمِهِ خَاصَّة فَلذَلِك بعث بلسانهم وَنَبِينَا مُحَمَّد ﷺ مَبْعُوث لجَمِيع الْخلق فَلم لم يبْعَث بِجَمِيعِ الْأَلْسِنَة وَلم يبْعَث إِلَّا بِلِسَان بَعضهم وهم الْعَرَب وَالْجَوَاب أَنه لَو بعث بِلِسَان جَمِيعهم وَأنزل الْقُرْآن عَلَيْهِ كَذَلِك لَكَانَ كلَاما خَارِجا عَن الْمَعْهُود وَيبعد بل يَسْتَحِيل أَن ترد كل كلمة من الْقُرْآن مكررة بِكُل الْأَلْسِنَة مَعَ أَنَّهَا لَا تنضبط وتتجدد مَعَ تجدّد الْأَزْمَان كَمَا تَجَدَّدَتْ اللُّغَة الفرنسوية والإنكليزية وَغَيرهمَا وَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك تعين الْبَعْض وَكَانَ لِسَان الْعَرَب أَحَق لِأَنَّهُ أوسع وأفصح وَلِأَنَّهُ لِسَان المخاطبين وَإِن كَانَ الحكم

стр. 131

عَلَيْهِم وعَلى غَيرهم وَأَيْضًا فَإِن الدول من قبل وَإِلَى عهدنا اصْطَلحُوا على جعل اللُّغَة الرسمية فِيمَا بَينهم لُغَة وَاحِدَة ليسهل التخاطب بهَا فِيمَا بَينهم واختاروا أَن تكون أخف من غَيرهَا على لسانهم كَمَا جعل دوَل زمننا اللُّغَة الفرنسوية هِيَ اللُّغَة الرسمية فِيمَا بَينهم وكل دولة حكمت ذَا ألسن مُخْتَلفَة تجْعَل لغتها رسمية فِيمَا بَينهم وَهَذَا قانون طبيعي فِي الْعمرَان وَلما بعث الله مُحَمَّدًا ﷺ إِلَى جَمِيع الْأُمَم على اخْتِلَاف ألسنتهم اقْتَضَت حكمته أَن يعلم الْخلق ذَلِك القانون الطبيعي فَأنْزل كِتَابه بلغَة نبيه الَّتِي هِيَ أفْصح اللُّغَات وأوسعها وأدخلها فِي الإعجاز ليجعل اللُّغَة الْعَرَبيَّة لُغَة رسمية لجَمِيع الْأُمَم الَّتِي أوجب عَلَيْهَا الْإِيمَان بذلك النَّبِي الْكَرِيم وليحصل الْوِفَاق لأمة مُحَمَّد ﷺ فِي اللِّسَان كَمَا وَجب عَلَيْهِم الْوِفَاق فِي الْقُلُوب وَفِي التَّوْحِيد وَفِي جَمِيع المعتقدات فَليعلم ذَلِك وَالله الْمُوفق فصل اعْلَم أَن الْأَسْمَاء على أَرْبَعَة أضْرب وضيعية وعرفية وشرعية ومجاز مُطلق فَأَما الوضعية فَهِيَ الثَّابِتَة بِالْوَضْعِ وَهُوَ تَخْصِيص الْوَاضِع لفظا باسم بِحَيْثُ إِذا أطلق ذَلِك اللَّفْظ فهم مِنْهُ ذَلِك الْمُسَمّى كَمَا أَنه مَتى أطلق لفظ الْأسد فهم مِنْهُ حد الْحَيَوَان الْخَاص المفترس والعرفي مَا خص عرفا بِبَعْض مسمياته الَّتِي وضع لَهَا فِي أصل اللُّغَة عِنْد ابْتِدَاء وَضعهَا كَلَفْظِ الدَّابَّة الَّذِي هُوَ فِي أصل الْوَضع لكل مَا دب لاشتقاقه من الدبيب ثمَّ خص فِي عرف الِاسْتِعْمَال بذوات الْأَرْبَع وَإِن كَانَ بِاعْتِبَار الأَصْل يتَنَاوَل الطَّائِر لوُجُود الدبيب مِنْهُ

стр. 132

وَمِنْه مَا شاع أَي اشْتهر اسْتِعْمَاله فِي غير مَا وضع لَهُ فِي الأَصْل كالغائط فَهُوَ فِي أصل الْوَضع اسْم للمطمئن أَي المنخفض من الأَرْض ثمَّ اشْتهر اسْتِعْمَاله عرفا فِي الْخَارِج المستقذر من الْإِنْسَان وكالرواية الَّتِي هِيَ فِي الأَصْل اسْم للبعير الَّذِي يستقى عَلَيْهِ ثمَّ اشْتهر اسْتِعْمَالهَا فِي المزادة الَّتِي هِيَ وعَاء المَاء وَهَذَا اللَّفْظ الْعرفِيّ هُوَ مجَاز بِالنِّسْبَةِ إِلَى الوضعي الَّذِي هُوَ الْمَوْضُوع الأول وَحَقِيقَة فِيمَا خص بِهِ فِي الْعرف لاشتهاره فِيهِ والشرعية مَا نَقله الشَّرْع أَي خرج بهَا الشَّارِع عَن وضع أهل اللُّغَة ثمَّ وَضعهَا بِإِزَاءِ معنى شَرْعِي كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَام وَقيل إِن الشَّارِع أبقى فِي الصَّلَاة معنى الدُّعَاء ثمَّ ضم إِلَيْهِ شُرُوطًا كَالْوضُوءِ وَالْوَقْت والسترة وَغير ذَلِك وَهَذِه الْأَلْفَاظ عِنْد إِطْلَاقهَا تصرف إِلَى مَعْنَاهَا الشَّرْعِيّ لِأَن الشَّارِع مُبين للشَّرْع لَا للغة وَكَذَا فِي كَلَام الْفُقَهَاء وَمَتى ورد اللَّفْظ وَجب حمله على الْحَقِيقَة فِي بَابه لُغَة أَو شرعا أَو عرفا وَلَا يحمل على الْمجَاز إِلَّا بِدَلِيل يمْنَع حمله على الْحَقِيقَة من معَارض قَاطع أَو عرف مَشْهُور كمن قَالَ رَأَيْت راوية فَإِن إِرَادَة المزادة مِنْهُ ظَاهِرَة بِالْعرْفِ الْمَشْهُور وَأما الْمجَاز الْمُطلق فَهُوَ اللَّفْظ الْمُسْتَعْمل فِي غير مَوْضُوع أول على وَجه يَصح فاللفظ الْمُسْتَعْمل جنس يعم الْحَقِيقَة وَالْمجَاز وَفِي غير مَوْضُوع أول فصل مخرج للْحَقِيقَة وَذَلِكَ كاستعمال لفظ الْأسد فِي الرجل الشجاع فَإِنَّهُ غير مَوْضُوع للأسد الأول إِذْ مَوْضُوعه الأول هُوَ السَّبع

стр. 133

وَقَوْلنَا على وَجه يَصح نُرِيد بِهِ شَرط الْمجَاز وَهُوَ أَنه لَا بُد لَهُ من علاقَة مَعَ قرينَة مَانِعَة من إِرَادَة الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ والعلاقة بِكَسْر الْعين هِيَ مَا ينْتَقل الذِّهْن بواسطته عَن الْمجَاز إِلَى الْحَقِيقَة وَذَلِكَ كالشجاعة الَّتِي ينْتَقل الذِّهْن بواسطتها عَن الرجل الشجاع إِذا أطلقنا عَلَيْهِ لفظ أَسد إِلَى السَّبع المفترس إِذْ لَوْلَا هَذِه العلاقة وَهِي صفة الشجَاعَة لما صَحَّ التَّجَوُّز وَلما انْتقل الذِّهْن إِلَى السَّبع المفترس عِنْد إِطْلَاق لفظ الْأسد على الرجل الشجاع وَلَو كَانَ لفظ الْأسد عَلَيْهِ علمية ارتجالا

стр. 134

وَالْمُعْتَبر فِي العلاقة أَن تكون ظَاهِرَة يسْرع الْفَهم إِلَيْهَا عِنْد إِطْلَاق لفظ الْمجَاز حرصا على سرعَة التفاهم وحذرا من إبطائه لِأَن ذَلِك عكس مَقْصُود الْوَاضِع والمتجوز والمخاطبين فِيمَا بَينهم كإطلاق لفظ الْأسد على الشجاع بِجَامِع الشجَاعَة وَهِي صفة ظَاهِرَة لَا كإطلاق لفظ الْأسد على الْحَيَوَان الأبجر لخفاء صفة البجر فِي الْأسد فَإِنَّهُ لَا يكَاد يعلمهَا فِيهِ إِلَّا الْقَلِيل من النَّاس بِخِلَاف الشجَاعَة فَإِنَّهُ لَا يجهلها إِلَّا الْقَلِيل النَّادِر وَاعْلَم أَن للمجاز علاقات كَثِيرَة وَهِي وَإِن كَانَ اسْتِيفَاء الْكَلَام عَلَيْهَا مَحَله علم الْبَيَان وَذَلِكَ الْعلم مَشْهُور بَين أهل الْعلم فِي زمننا أَكثر من شهرة علم الْأُصُول إِلَّا أننا لَا بُد لنا من ذكر جمل مِنْهَا لاستدعاء الْمقَام لَهَا فَنَقُول يتجوز بِالسَّبَبِ عَن الْمُسَبّب نَحْو قَول الْقَائِل فعلت هَذَا لأبلو مَا فِي ضميرك أَي أعرفهُ تجوز بالابتلاء عَن الْعرْفَان لِأَن الِابْتِلَاء سَببه إِذْ من ابتلى شَيْئا عرفه وأصناف السَّبَب أَرْبَعَة قابلي وصوري وفاعلي وغائي وكل وَاحِد مِنْهُمَا يتجوز بِهِ عَن سَببه مِثَال الأول وَهُوَ تَسْمِيَة الشَّيْء باسم قابله قَوْلهم سَالَ الْوَادي وَالْأَصْل سَالَ المَاء فِي الْوَادي لَكِن لما كَانَ الْوَادي سَببا قَابلا لسيلان المَاء فِيهِ صَار المَاء من حَيْثُ القابلية كالسبب لَهُ فَوضع الْوَادي مَوضِع وَمِثَال الثَّانِي وَهُوَ تَسْمِيَة الشَّيْء باسم صورته هَذِه صُورَة الْأَمر وَالْحَال أَي حَقِيقَته وَمِثَال الثَّالِث وَهُوَ تَسْمِيَة الشَّيْء باسم فَاعله حَقِيقَة أَو ظنا قَوْلهم فِي الْكتاب الْجَامِع لنَوْع علمه هُوَ شيخ جَالس على الْكُرْسِيّ أَو على الرف لِأَن الشَّيْخ أَعنِي المُصَنّف هُوَ فَاعل الْكتاب وَقَوْلهمْ

стр. 135

للمطر سَمَاء لِأَن السَّمَاء فَاعل مجازي للمطر بِدَلِيل إِسْنَاد الْفِعْل إِلَيْهَا فِي قَوْلهم أمْطرت السَّمَاء وَمِثَال الرَّابِع وَهُوَ تَسْمِيَة الشَّيْء باسم غَايَته تَسْمِيَة الْعِنَب خمرًا وَالْعقد نِكَاحا لِأَنَّهُ غَايَته ويؤول إِلَيْهِ الْقسم الثَّانِي التَّجَوُّز بِالْعِلَّةِ عَن الْمَعْلُول كالتجوز بِلَفْظ الْإِرَادَة عَن المُرَاد لِأَنَّهَا عِلّة كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ النِّسَاء ١٥٠ أَي يفرقون بِدَلِيل أَنه قوبل بقوله ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا﴾ النِّسَاء ١٥٢ وَلم يقل وَلم يُرِيدُوا أَن يفرقُوا وَكَذَلِكَ قَول الْقَائِل رَأَيْت الله فِي كل شَيْء لِأَن الله هُوَ موجد كل شَيْء وعلته فَأطلق لَفظه عَلَيْهِ وَمَعْنَاهُ رَأَيْت كل شَيْء فاستدللت بِهِ على وجود الله سُبْحَانَهُ لظُهُور آثَار الْقُدْرَة والإلهية فِيهِ فَدلَّ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ دلَالَة الْعلَّة على معلولها وَالْمَفْعُول على فَاعله الْقسم الثَّالِث التَّجَوُّز باللازم عَن الْمَلْزُوم كتسمية السّقف جدارا لِأَن الْجِدَار لَازم لَهُ وَتَسْمِيَة الْإِنْسَان حَيَوَانا لِأَن الْحَيَوَان لَازم لَهُ الْقسم الرَّابِع التَّجَوُّز بِلَفْظ الْأَثر عَن الْمُؤثر كتسميتهم ملك الْمَوْت موتا لِأَن الْمَوْت أثر لَهُ وَقَول الشَّاعِر يصف ظَبْيَة فَإِنَّمَا هِيَ إقبال وإدبار لِأَن الإقبال والإدبار من أفعالها وَهِي آثَار لَهَا وَكَذَلِكَ قَوْلهم زيد عدل أَو صَوْم أَو كرم أَو خيرا أَو بر وكقولهم

стр. 136

الطَّرِيق جور أَي مائل فَهُوَ وصف للطريق فَينزل منزلَة الْأَثر وَزيد عدل وَنَحْوه سمي باسم فعل من أَفعاله الْقسم الْخَامِس التَّجَوُّز بِلَفْظ الْمحل عَن الْحَال فِيهِ كتسمية المَال كيسا فِي قَوْلهم هَات الْكيس وَالْمرَاد المَال الَّذِي فِيهِ لِأَنَّهُ حَال فِي الْكيس وَكَذَلِكَ تَسْمِيَة الْخمر كأسا أَو زجاجة وَالطَّعَام مائدة أَو خوانًا وَالْمَيِّت جَنَازَة والمكتوب ورقة كتابا وبطاقة لِأَن هَذِه الْأَشْيَاء حَالَة فِي الْمحَال الْمَذْكُورَة فَهَذِهِ خَمْسَة أَقسَام وَإِذا قابلتها بعكسها حصل لَك خَمْسَة أَقسَام أُخْرَى وَإِلَيْك بَيَانهَا السَّادِس التَّجَوُّز بِلَفْظ الْمُسَبّب عَن السَّبَب كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ الْبَقَرَة ١٨٨ أَي لَا تأخذوها فَتجوز بِالْأَكْلِ عَن الْأَخْذ لِأَنَّهُ مسبب عَن الْأَخْذ إِذْ الْإِنْسَان يَأْخُذ فيأكل السَّابِع التَّجَوُّز بِلَفْظ الْمَعْلُول عَن الْعلَّة كالتجوز بِلَفْظ المُرَاد عَن الْإِرَادَة كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿إِذا قَضَى أَمْراً﴾ آل عمرَان ٤٧ أَي إِذا أَرَادَ أَن يقْضِي فالقضاء مَعْلُول الْإِرَادَة فَتجوز بِهِ عَنْهَا وَكَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ﴾ الْمَائِدَة ٤٢ أَي إِذا أردْت أَن تحكم الثَّامِن التَّجَوُّز بالملزوم عَن اللَّازِم كتسمية الْعلم حَيَاة لِأَنَّهُ ملزوم الْحَيَاة إِذْ الْحَيَاة شَرط للْعلم والمشروط ملزوم للشّرط فَكَذَلِك التَّجَوُّز بِكُل مَشْرُوط عَن شَرطه هُوَ تجوز بالملزوم عَن اللَّازِم لَهُ التَّاسِع التَّجَوُّز بِلَفْظ الْمُؤثر عَن الْأَثر كَقَوْل الْقَائِل

стр. 137

رَأَيْت الله وَمَا أرى فِي الْوُجُود إِلَّا الله يُرِيد آثاره الدَّالَّة عَلَيْهِ فِي الْعَالم وكقولهم فِي الْأَمر المهم وَغَيره هَذِه إِرَادَة الله أَي مُرَاده فَأطلق لفظ الْإِرَادَة على المُرَاد إطلاقا لاسم الْمُؤثر على الْأَثر لِأَن الْإِرَادَة مُؤثرَة فِي المُرَاد الْعَاشِر التَّجَوُّز بِلَفْظ الْحَال عَن الْمحل كتسمية الْكيس مَالا والكأس خمرًا والمائدة طَعَاما والجنازة مَيتا والورقة مَكْتُوبًا فَهَذِهِ الْخَمْسَة عكس الَّتِي قبلهَا وَبهَا صَار الْكل عشرَة الْحَادِي عشر تَسْمِيَة الشَّيْء بِاعْتِبَارِهِ وصف زائل أَي كَانَ بِهِ وَزَالَ عَنهُ كإطلاق العَبْد على الْعَتِيق بِاعْتِبَار وصف الْعُبُودِيَّة الَّذِي كَانَ قَائِما بِهِ فَزَالَ عَنهُ وَكَذَا تَسْمِيَة الْخمر عصيرا والعصير عنبا بِاعْتِبَار مَا كَانَ الثَّانِي عشر تَسْمِيَة الشَّيْء بِاعْتِبَار وصف يؤول وَيصير إِلَيْهِ كإطلاق الْخمر على الْعصير فِي قَوْله تَعَالَى حِكَايَة ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً﴾ يُوسُف ٣٦ وَإِنَّمَا كَانَ يعصر عنبا فَيحصل مِنْهُ عصير لَكِن لما كَانَ الْعصير يؤول إِلَى وصف الْخمر بِهِ أطلق عَلَيْهِ لفظ الْخمر الثَّالِث عشر إِطْلَاق مَا بِالْقُوَّةِ على مَا بِالْفِعْلِ كتسمية الْخمر فِي الدن مُسكرا لِأَن فِيهِ قُوَّة الْإِسْكَار وَتَسْمِيَة النُّطْفَة إنْسَانا لِأَن الْإِنْسَان فِيهِ بِالْقُوَّةِ أَي قَابل لصيرورته إنْسَانا الرَّابِع عشر عكس الَّذِي قبله وَهُوَ إِطْلَاق مَا بِالْفِعْلِ على مَا بِالْقُوَّةِ كتسمية الْإِنْسَان الْحَقِيقِيّ نُطْفَة أَو مَاء مهينا وَهُوَ أَيْضا من بَاب التَّسْمِيَة بِاعْتِبَار وصف زائل الْخَامِس عشر التَّجَوُّز بِالزِّيَادَةِ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ الشورى ١١ أَي لَيْسَ مثله وَالْكَاف زَائِدَة على رَأْي من ذهب إِلَى هَذَا وَالتَّحْقِيق أَن لَا زِيَادَة فِي الْآيَة وَأَن الْمَعْنى لَو فَرضنَا أَن لَهُ مثلا فَلَيْسَ لمثله مثل فانتفت الْمُمَاثلَة عَنهُ تَعَالَى بطرِيق الْأَوْلَوِيَّة لِأَن انْتِفَاء مثل الْمثل يُوجب انْتِفَاء الْمثل والمثال الْجيد أَن يُقَال لَيْسَ كزيد إنْسَانا السَّادِس عشر التَّجَوُّز بِالنَّقْصِ كَقَوْلِه تَعَالَى حِكَايَة ﴿واسأل الْقرْيَة﴾ يُوسُف

стр. 138

٨٢ -) أَي أهل الْقرْيَة ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ الْبَقَرَة ٩٣ أَي حب الْعجل ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ يُوسُف ٣٢ أَي فِي حبه السَّابِع عشر تَسْمِيَة الشَّيْء باسم مَا يشابهه وَهُوَ الْمُسَمّى بالاستعارة بالِاتِّفَاقِ كَقَوْلِك رَأَيْت أسدا فِي الْحمام تُرِيدُ رجلا شجاعا وَكلمت حمارا تُرِيدُ بِهِ رجلا بليدا وَهَذَا النَّوْع يحْتَاج إِلَى شرح وَبَيَان وَمحله كتب الْبَيَان وَاسْتِيفَاء بَحثه هُنَا يخرجنا عَن الْمَقْصُود الثَّامِن عشر تَسْمِيَة الشَّيْء باسم ضِدّه كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مثلهَا﴾ الشورى ٤ ﴿فَمن اعْتدى عَلَيْكُم فاعتدوا عَلَيْهِ﴾ الْبَقَرَة ١٩٤ حَيْثُ سمى الْجَزَاء سَيِّئَة وعدوانا وَيجوز أَن يَجْعَل من بَاب الْمجَاز للمشابهة لِأَن جَزَاء السَّيئَة يشبهها فِي صُورَة الْفِعْل وَفِي كَونهَا تسوء من وصلت إِلَيْهِ وَكَذَلِكَ جَزَاء الْعدوان وَيجوز أَن يكون هَذَا من بَاب التَّجَوُّز بِلَفْظ السَّبَب عَن الْمُسَبّب حَيْثُ يُسمى عُقُوبَة السَّيئَة والاعتداء سَيِّئَة واعتداء لِأَن الْعقُوبَة مسببة عَن السَّبَب والاعتداء التَّاسِع عشر تَسْمِيَة الْجُزْء باسم الْكل كإطلاق لفظ الْعَام وَالْمرَاد الْخَاص كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ آل عمرَان ١٧٣ وَالْمرَاد وَاحِد معِين وَقَوْلنَا فَلم الرِّجَال وَالْمرَاد بَعضهم وَرَأَيْت زيدا وَإِنَّمَا رَأَيْت بعضه

стр. 139

الْعشْرُونَ عكس ذَلِك كتسمية الْكل باسم الْجُزْء كَقَوْلِهِم للزنجي أسود وَإِن كَانَ الْأسود إِنَّمَا هُوَ جزئه وَهُوَ أَكْثَره فَأطلق الْأسود على جَمِيعه وَإِن كَانَ أَسْنَانه وأخمصه أسودين لَكِن هَذَا الْمِثَال لَيْسَ بجيد وَإِن ذكره صَاحب الْمَحْصُول والمثال الْجيد قَوْله ﷺ الْمُسلمُونَ تَتَكَافَأ دِمَاؤُهُمْ وهم يَد على من سواهُم فَسمى الْمُسلمين باسم جُزْء يسير مِنْهُم وَهُوَ الْيَد إِشَارَة إِلَى أَنه يَنْبَغِي لَهُم أَن يَكُونُوا فِي الائتلاف والاجتماع كيد وَاحِدَة الْحَادِي وَالْعشْرُونَ إِطْلَاق اللَّفْظ الْمُشْتَقّ بعد زَوَال الْمُشْتَقّ مِنْهُ كَقَوْلِنَا للْإنْسَان بعد فَرَاغه من الضَّرْب ضَارب وَهَذَا مَحل خلاف الثَّانِي وَالْعشْرُونَ الْمجَاز بالمجاورة كتسمية مزادة المَاء راوية الثَّالِث وَالْعشْرُونَ الْمجَاز الْعرفِيّ كاستعمال الدَّابَّة فِي الْحمار وَنَحْوه الرَّابِع وَالْعشْرُونَ تَسْمِيَة الْمُتَعَلّق بِفَتْح اللَّام باسم الْمُتَعَلّق بِكَسْرِهَا كتسمية الْمَعْلُوم علما والمقدور وَقدره كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ الْبَقَرَة ٢٥٥ أَي معلومه وَقَوْلهمْ رَأينَا قدرَة الله أَي مقدوره وَقد يتجوز بِلَفْظ الْمَعْلُوم عَن الْعلم والمقدور عَن الْقُدْرَة

стр. 140

عكس الأول كَمَا لَو حلف حَالف بِمَعْلُوم الله ومقدوره وَأَرَادَ الْعلم وَالْقُدْرَة جَازَ وانعقدت يَمِينه وَاعْلَم أَن وُجُوه الْمجَاز أَكثر مِمَّا ذَكرْنَاهُ هُنَا وَكلهَا ناشئة عَن تعدد أَصْنَاف العلاقة الرابطة بَين مَحل الْمجَاز والحقيقة فَكل مسميين بَينهمَا علاقَة رابطة جَازَ التَّجَوُّز باسم أَحدهمَا عَن الآخر سَوَاء نقل ذَلِك التَّجَوُّز الْخَاص عَن الْعَرَب أَو لم ينْقل كَمَا هُوَ الْأَصَح عِنْد البلغاء نعم يتَفَاوَت الْمجَاز قُوَّة وضعفا بِحَسب تفَاوت ربط العلاقة بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز وَذَلِكَ التَّفَاوُت قد يكون بِدَرَجَة وَاحِدَة كَمَا ذكر فِي الراوية بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْجمل وَقد يكون بدرجتين كَقَوْل الشَّاعِر إِذا نزل السَّمَاء بِأَرْض قوم وَعَيناهُ وَإِن كَانُوا غضابا فَفِيهِ مجَاز إفرادي من جِهَة أَنه سمى الْغَيْث سَمَاء لحصوله عَن المَاء النَّازِل من السَّحَاب المجاور للسماء وَهُوَ الْعُلُوّ ومجاز إسنادي وَهُوَ وَصفه العشب بالنزول لحصوله عَن المَاء المتصف بالنزول من الْغَمَام إِلَى غير ذَلِك مِمَّا لَا يخفى على المتأمل وَيَنْبَغِي لمن حاول علم الشَّرِيعَة النّظر والارتياض فِي هَذِه الْأَنْوَاع المجازية ليعرف مواقع أَلْفَاظ الْكتاب وَالسّنة وَقد صنف فِيهِ الْعلمَاء كتبا كَثِيرَة كالإيجاز فِي الْمجَاز لِلْحَافِظِ ابْن الْقيم وإعجاز الْقُرْآن للخطابي وللرماني وَلابْن سراقَة وَلأبي بكر الباقلاني

стр. 141

ولعَبْد القاهر الْجِرْجَانِيّ وللفخر الرَّازِيّ وَلابْن أبي الْأصْبع واسْمه الْبُرْهَان وَغير ذَلِك مِمَّا يطول ذكره وَقَالَ نجم الدّين سُلَيْمَان الطوفي كتاب الْمجَاز للشَّيْخ عزالدين ابْن عبد السَّلَام أَجود مَا رَأَيْت فِي هَذَا الْفَنّ وَلَقَد أحسن فِيهِ غَايَة الْإِحْسَان وَضَمنَهُ من ذَلِك النكت البديعة والفرائد الحسان فجزاه الله وَسَائِر الْعلمَاء عَمَّا أفادوا بِهِ جزيل الْإِحْسَان انْتهى وَحكى السُّيُوطِيّ فِي الإتقان أَنه لخص هَذَا الْكتاب وَضم إِلَيْهِ زيادات كَثِيرَة وسمى ملخصه مجَاز الفرسان إِلَى مجَاز الْقُرْآن ثمَّ لخصه أَيْضا فِي كِتَابه الإتقان وللطوفي كتاب فواصل الْآيَات وَأقرب مَا ذكر تناولا ووجودا كتاب الإيجاز فِي الْمجَاز لِابْنِ الْقيم فَإِنَّهُ الضَّالة المنشودة وَقد طبع فِي مصر فيسهل تنَاوله وجنى جنته لمتناوله دَان فجزاه الله خيرا تَنْبِيه اخْتلف الْعلمَاء فِي وُقُوع الْمجَاز فِي الْقُرْآن فَذهب الْجُمْهُور إِلَى وُقُوعه فِيهِ وَأنْكرهُ جمَاعَة مِنْهُم الظَّاهِرِيَّة وَابْن الْقَاص من الشَّافِعِيَّة وَابْن خويز منداد من الْمَالِكِيَّة وَاسْتَدَلُّوا لمذهبهم بِأَن الْمجَاز أَخُو الْكَذِب وَالْقُرْآن منزه عَنهُ وَأَن الْمُتَكَلّم لَا يعدل إِلَيْهِ إِلَّا إِذا ضَاقَتْ بِهِ الْحَقِيقَة فيستعير وَذَلِكَ محَال على الله تَعَالَى ورد عَلَيْهِم المثبتون بِأَنَّهُ لَو سقط الْمجَاز من الْقُرْآن لسقط مِنْهُ شطر الْحسن فقد اتّفق البلغاء على أَن الْمجَاز أبلغ من الْحَقِيقَة وَلَو وَجب خلو الْقُرْآن من الْمجَاز وَجب خلوه من الْحَذف والتوكيد وتثنية الْقَصَص وَغَيرهَا

стр. 142

وَمِمَّنْ منع أَن فِي الْقُرْآن مجَازًا من أَصْحَاب أَحْمد أَبُو الْحسن الخرزي وَابْن حَامِد وَأَبُو الْفضل التَّمِيمِي ابْن أبي الْحسن التَّمِيمِي وَللْإِمَام أَحْمد ابْن تَيْمِية بحث طَوِيل فِي الْحَقِيقَة وَالْمجَاز فِي كتاب الْإِيمَان تنبغي مُرَاجعَته وَنَقله هُنَا يخرجنا عَن الْمَقْصُود وَبِكُل حَال فَالْمَسْأَلَة لَيست بِذِي بَال إِذا تقرر هَذَا فَاعْلَم أَن الْحَقِيقَة تعرف بمبادرتها إِلَى الْفَهم بِدُونِ قرينَة وَبِأَن يكون اللَّفْظ مِمَّا يَصح الِاشْتِقَاق مِنْهُ والتصريف إِلَى الْمَاضِي والمستقبل وَاسم الْفَاعِل وَالْمَفْعُول وَبِأَن يكون أحد اللَّفْظَيْنِ يسْتَعْمل وَحده من غير مُقَابل وَالْآخر لَا يسْتَعْمل إِلَّا فِي الْمُقَابلَة كالمكر فِي حق الله تَعَالَى فَإِنَّهُ يَصح أَن يُقَال مكر زيد بعمر وَلَا يَصح ذَلِك فِي حق الله تَعَالَى إِلَّا مُقَابلَة لمكر الْمَخْلُوق نَحْو ومكروا ومكر الله وَكَقَوْلِه تَعَالَى ﴿كَالَّذِين نسوا الله﴾ وتعرف أَيْضا بِأَن اسْتِحَالَة نفي اللَّفْظ يدل عَلَيْهَا بِخِلَاف الْمجَاز فَإِنَّهُ يجوز نَفْيه وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَسْتَحِيل أَن تَقول للْإنْسَان البليد لَيْسَ بِإِنْسَان وَيجوز أَن تَقول عَنهُ لَيْسَ بِحِمَار وتعرف الْحَقِيقَة أَيْضا بِصِحَّة الِاسْتِعَارَة من لَفظهَا فَلَمَّا صَحَّ اسْتِعَارَة لفظ الْأسد للرجل الشجاع علم أَن لفظ الْأسد حَقِيقَة فِي الْحَيَوَان المفترس مجَاز فِي الرجل الشجاع وَاعْلَم أَنه لَا يلْزم أَن يكون لكل حَقِيقَة مجَاز عقلا وَالصَّحِيح أَنه يلْزم كل مجَاز أَن تكون لَهُ حَقِيقَة وَلَا تتَوَقَّف صِحَة الْمجَاز على

стр. 143

نقل اسْتِعْمَاله فِي مَحَله عَن الْعَرَب على الْأَظْهر اكْتِفَاء بالعلاقة المجوزة كَمَا بَيناهُ سَابِقًا كَمَا أَن الِاشْتِقَاق وَالْقِيَاس الشَّرْعِيّ واللغوي لَا يسْتَلْزم ذَلِك وَالْحق أَن أصل الْمجَاز ثَابت مُطلقًا مُفردا ومركبا فِي عُمُوم اللُّغَة وخصوص الْقُرْآن وَأَنه ثَابت أَيْضا فِي الْمُفْرد والمركب على الْأَظْهر فِيهِ وَذَلِكَ أَنَّك ترى الْعَرَب يستعملون لفظ الْأسد فِي الشجاع وَأَنت خَبِير بِأَن الْأسد لفظ مُفْرد دلّ على مُسَمّى مُفْرد والشجاع كَذَلِك فَهَذَا يُسمى مجَازًا إفراديا ومجازا فِي الْمُفْردَات وَالْمجَاز التركيبي هُوَ الْوَاقِع فِي الْأَلْفَاظ المركبة نَحْو قَول الشَّاعِر أشاب الصَّغِير وأفنى الْكَبِير كرّ الْغَدَاة وَمر الْعشي فَلفظ الزَّمَان الَّذِي هُوَ مُرُور اللَّيْل وَالنَّهَار حَقِيقَة فِي مَدْلُوله وَلَفظ الإشابة حَقِيقَة فِي مَدْلُوله أَيْضا وَهُوَ تبييض الشّعْر لنَقص الْحَرَارَة الغريزية لِضعْفِهَا بِالْكبرِ لَكِن إِسْنَاد الإشابة إِلَى الزَّمَان مجَاز إِذْ المشيب للنَّاس فِي الْحَقِيقَة هُوَ الله تَعَالَى فَهَذَا مجَاز فِي التَّرْكِيب أَي فِي إِسْنَاد الْأَلْفَاظ بَعْضهَا إِلَى بعض لَا فِي نفس مدلولات الْأَلْفَاظ وَهَكَذَا كل لفظ كَانَ مَوْضُوعا فِي اللُّغَة ليسند إِلَى

стр. 144

لفظ آخر أسْند إِلَى غير ذَلِك من اللَّفْظ فإسناده مجَاز تركيبي وَهَذَا النَّوْع من الْمجَاز يُسَمِّيه عُلَمَاء فن الْمعَانِي بالمجاز الْعقلِيّ وَحده عِنْدهم إِسْنَاد الْفِعْل أَو مَعْنَاهُ إِلَى ملابس لَهُ غير مَا هُوَ لَهُ بتأول وَحَاصِل قَوْله بتأول أَن ينصب الْمُتَكَلّم قرينَة صارفة عَن أَن يكون الْإِسْنَاد إِلَى مَا هُوَ لَهُ ثمَّ اعْلَم أَن التَّحْقِيق أَن الْخلاف لَيْسَ فِي جَوَاز الْمجَاز مُطلقًا وَلَا فِي وُقُوعه وَإِنَّمَا الْخلاف فِي أَن الْمَنْقُول فِي هَذَا الْمجَاز هَل هُوَ حكم عَقْلِي أَو لفظ وضعي وَأَنت إِذا حققت ذَلِك وجدت الْخلاف لفظيا وَحَيْثُ انْتهى تَقْسِيم الْكَلَام إِلَى الْحَقِيقَة وَالْمجَاز فلنتكلم على انقسامه من جِهَة ثَانِيَة هِيَ أمس بِمَا نَحن بصدده فَنَقُول لَا يخفى أَن الصَّوْت عرض مسموع وَاللَّفْظ صَوت مُعْتَمد على مخرج من مخارج الْحُرُوف والكلمة لفظ وضع لِمَعْنى مُفْرد وَجمع الْكَلِمَة كلم مُفِيدا كَانَ أَو غير مُفِيد وَهِي جنس أَنْوَاعه ثَلَاثَة اسْم وَفعل وحرف وَالْكَلَام مَا تضمن كَلِمَتَيْنِ بِالْإِسْنَادِ وَهُوَ نِسْبَة أحد الجزئين إِلَى الآخر لإِفَادَة الْمُخَاطب وَشَرطه الإفادة وَلَا يتألف إِلَّا من اسْمَيْنِ نَحْو زيد قَائِم أَو فعل وَاسم نَحْو قَامَ زيد فَالْأولى جملَة إسمية وَالثَّانيَِة جملَة فعلية وَنَحْو قَوْلك يَا زيد وَإِن يقم زيد أقِم فعليتان هَذَا مَا اتّفق ذكره من كليات مبَاحث الْعَرَبيَّة ومقدماتها وَله محَال مُخْتَصَّة بِهِ فَلَا نطيل بِهِ وَلَا بالمناقشة فِيهِ ولننقل الْكَلَام فِيهِ إِلَى مبَاحث شَأْنهَا أَن تذكر فِي فن الْأُصُول وَإِن كَانَ

стр. 145

موضوعها الْأَلْفَاظ فَهِيَ كَأَنَّهَا ذَات وَجْهَيْن من جِهَة الْعَادة أصولية وَمن جِهَة التَّحْقِيق لغوية فَنَقُول اعْلَم أَن اللَّفْظ إِمَّا أَن يحْتَمل معنى وَاحِدًا فَقَط أَو يحْتَمل أَكثر من معنى وَاحِد وَالْأول النَّص وَالثَّانِي إِمَّا أَن يتَرَجَّح فِي أحد معنييه أَو مَعَانِيه وَهُوَ الظَّاهِر أَو لَا يتَرَجَّح وَهُوَ الْمُجْمل الأول النَّص وَهُوَ لُغَة الْكَشْف والظهور وَمِنْه نصت الصبية رَأسهَا إِذا رفعته وأظهرته وَاصْطِلَاحا مَا أَفَادَ بِنَفسِهِ من غير احْتِمَال وَذهب بعض الْعلمَاء إِلَى أَن النَّص مَا دلّ على معنى قطعا وَلَا يحْتَمل غَيره قطعا كأسماء الْأَعْدَاد نَحْو أحد اثْنَيْنِ ثَلَاثَة وَهَذَا التَّعْرِيف أشبه باللغة وَهُوَ مُرَاد الإِمَام أَحْمد بقَوْلهمْ نَص عَلَيْهِ أَحْمد أَو هُوَ مَنْصُوص أَحْمد وَقَالَ الأصوليون هُوَ مَا دلّ على معنى كَيْفَمَا كَانَ وَهَذَا هُوَ الْغَالِب فِي كَلَام الْفُقَهَاء فِي الِاسْتِدْلَال حَيْثُ يَقُولُونَ لنا النَّص وَالْمعْنَى وَدلّ النَّص على هَذَا الحكم وَقَضَاء الشَّرْع فِي النَّص أَن لَا يتْرك إِلَّا بنسخ وَقد يُطلق على مَا تطرق إِلَيْهِ احْتِمَال يعضده دَلِيل لِأَنَّهُ بذلك الِاحْتِمَال يصير كَالظَّاهِرِ وَالظَّاهِر يُطلق عَلَيْهِ لفظ النَّص ومثاله قَوْله تَعَالَى ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ الْمَائِدَة ٦ بِكَسْر اللَّام وَهُوَ ظَاهر فِي أَن فرض الرجلَيْن الْمسْح مَعَ احْتِمَال الْغسْل فاحتمال الْغسْل مَعَ الدَّلِيل الدَّال عَلَيْهِ يُسمى أَيْضا لِأَنَّهُ صَار مُسَاوِيا للظَّاهِر فِي الْمسْح وراجحا عَلَيْهِ حَتَّى أَنه يجوز لنا أَن نقُول ثَبت غسل الرجلَيْن بِالنَّصِّ وَيُطلق النَّص على الظَّاهِر أَيْضا لتلاقيهما فِي الِاشْتِقَاق إِذْ النَّص وَالظَّاهِر مأخذهما من الِارْتفَاع والظهور
следующие страницы →