Полный текст (458 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
ولعَبْد القاهر الْجِرْجَانِيّ وللفخر الرَّازِيّ وَلابْن أبي الْأصْبع واسْمه الْبُرْهَان وَغير ذَلِك مِمَّا يطول ذكره
وَقَالَ نجم الدّين سُلَيْمَان الطوفي كتاب الْمجَاز للشَّيْخ عزالدين ابْن عبد السَّلَام أَجود مَا رَأَيْت فِي هَذَا الْفَنّ وَلَقَد أحسن فِيهِ غَايَة الْإِحْسَان وَضَمنَهُ من ذَلِك النكت البديعة والفرائد الحسان فجزاه الله وَسَائِر الْعلمَاء عَمَّا أفادوا بِهِ جزيل الْإِحْسَان انْتهى
وَحكى السُّيُوطِيّ فِي الإتقان أَنه لخص هَذَا الْكتاب وَضم إِلَيْهِ زيادات كَثِيرَة وسمى ملخصه مجَاز الفرسان إِلَى مجَاز الْقُرْآن ثمَّ لخصه أَيْضا فِي كِتَابه الإتقان وللطوفي كتاب فواصل الْآيَات وَأقرب مَا ذكر تناولا ووجودا كتاب الإيجاز فِي الْمجَاز لِابْنِ الْقيم فَإِنَّهُ الضَّالة المنشودة وَقد طبع فِي مصر فيسهل تنَاوله وجنى جنته لمتناوله دَان فجزاه الله خيرا
تَنْبِيه اخْتلف الْعلمَاء فِي وُقُوع الْمجَاز فِي الْقُرْآن فَذهب الْجُمْهُور إِلَى وُقُوعه فِيهِ وَأنْكرهُ جمَاعَة مِنْهُم الظَّاهِرِيَّة وَابْن الْقَاص من الشَّافِعِيَّة وَابْن خويز منداد من الْمَالِكِيَّة وَاسْتَدَلُّوا لمذهبهم بِأَن الْمجَاز أَخُو الْكَذِب وَالْقُرْآن منزه عَنهُ وَأَن الْمُتَكَلّم لَا يعدل إِلَيْهِ إِلَّا إِذا ضَاقَتْ بِهِ الْحَقِيقَة فيستعير وَذَلِكَ محَال على الله تَعَالَى ورد عَلَيْهِم المثبتون بِأَنَّهُ لَو سقط الْمجَاز من الْقُرْآن لسقط مِنْهُ شطر الْحسن
فقد اتّفق البلغاء على أَن الْمجَاز أبلغ من الْحَقِيقَة وَلَو وَجب خلو الْقُرْآن من الْمجَاز وَجب خلوه من الْحَذف والتوكيد وتثنية الْقَصَص وَغَيرهَا
стр. 142
وَمِمَّنْ منع أَن فِي الْقُرْآن مجَازًا من أَصْحَاب أَحْمد أَبُو الْحسن الخرزي وَابْن حَامِد وَأَبُو الْفضل التَّمِيمِي ابْن أبي الْحسن التَّمِيمِي وَللْإِمَام أَحْمد ابْن تَيْمِية بحث طَوِيل فِي الْحَقِيقَة وَالْمجَاز فِي كتاب الْإِيمَان تنبغي مُرَاجعَته وَنَقله هُنَا يخرجنا عَن الْمَقْصُود وَبِكُل حَال فَالْمَسْأَلَة لَيست بِذِي بَال إِذا تقرر هَذَا فَاعْلَم أَن الْحَقِيقَة تعرف بمبادرتها إِلَى الْفَهم بِدُونِ قرينَة وَبِأَن يكون اللَّفْظ مِمَّا يَصح الِاشْتِقَاق مِنْهُ والتصريف إِلَى الْمَاضِي والمستقبل وَاسم الْفَاعِل وَالْمَفْعُول وَبِأَن يكون أحد اللَّفْظَيْنِ يسْتَعْمل وَحده من غير مُقَابل وَالْآخر لَا يسْتَعْمل إِلَّا فِي الْمُقَابلَة كالمكر فِي حق الله تَعَالَى فَإِنَّهُ يَصح أَن يُقَال مكر زيد بعمر وَلَا يَصح ذَلِك فِي حق الله تَعَالَى إِلَّا مُقَابلَة لمكر الْمَخْلُوق نَحْو ومكروا ومكر الله وَكَقَوْلِه تَعَالَى ﴿كَالَّذِين نسوا الله﴾ وتعرف أَيْضا بِأَن اسْتِحَالَة نفي اللَّفْظ يدل عَلَيْهَا بِخِلَاف الْمجَاز فَإِنَّهُ يجوز نَفْيه وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَسْتَحِيل أَن تَقول للْإنْسَان البليد لَيْسَ بِإِنْسَان وَيجوز أَن تَقول عَنهُ لَيْسَ بِحِمَار وتعرف الْحَقِيقَة أَيْضا بِصِحَّة الِاسْتِعَارَة من لَفظهَا فَلَمَّا صَحَّ اسْتِعَارَة لفظ الْأسد للرجل الشجاع علم أَن لفظ الْأسد حَقِيقَة فِي الْحَيَوَان المفترس مجَاز فِي الرجل الشجاع
وَاعْلَم أَنه لَا يلْزم أَن يكون لكل حَقِيقَة مجَاز عقلا وَالصَّحِيح أَنه يلْزم كل مجَاز أَن تكون لَهُ حَقِيقَة وَلَا تتَوَقَّف صِحَة الْمجَاز على
стр. 143
نقل اسْتِعْمَاله فِي مَحَله عَن الْعَرَب على الْأَظْهر اكْتِفَاء بالعلاقة المجوزة كَمَا بَيناهُ سَابِقًا كَمَا أَن الِاشْتِقَاق وَالْقِيَاس الشَّرْعِيّ واللغوي لَا يسْتَلْزم ذَلِك وَالْحق أَن أصل الْمجَاز ثَابت مُطلقًا مُفردا ومركبا فِي عُمُوم اللُّغَة وخصوص الْقُرْآن وَأَنه ثَابت أَيْضا فِي الْمُفْرد والمركب على الْأَظْهر فِيهِ وَذَلِكَ أَنَّك ترى الْعَرَب يستعملون لفظ الْأسد فِي الشجاع وَأَنت خَبِير بِأَن الْأسد لفظ مُفْرد دلّ على مُسَمّى مُفْرد والشجاع كَذَلِك فَهَذَا يُسمى مجَازًا إفراديا ومجازا فِي الْمُفْردَات وَالْمجَاز التركيبي هُوَ الْوَاقِع فِي الْأَلْفَاظ المركبة نَحْو قَول الشَّاعِر أشاب الصَّغِير وأفنى الْكَبِير كرّ الْغَدَاة وَمر الْعشي فَلفظ الزَّمَان الَّذِي هُوَ مُرُور اللَّيْل وَالنَّهَار حَقِيقَة فِي مَدْلُوله وَلَفظ الإشابة حَقِيقَة فِي مَدْلُوله أَيْضا وَهُوَ تبييض الشّعْر لنَقص الْحَرَارَة الغريزية لِضعْفِهَا بِالْكبرِ لَكِن إِسْنَاد الإشابة إِلَى الزَّمَان مجَاز إِذْ المشيب للنَّاس فِي الْحَقِيقَة هُوَ الله تَعَالَى فَهَذَا مجَاز فِي التَّرْكِيب أَي فِي إِسْنَاد الْأَلْفَاظ بَعْضهَا إِلَى بعض لَا فِي نفس مدلولات الْأَلْفَاظ وَهَكَذَا كل لفظ كَانَ مَوْضُوعا فِي اللُّغَة ليسند إِلَى
стр. 144
لفظ آخر أسْند إِلَى غير ذَلِك من اللَّفْظ فإسناده مجَاز تركيبي وَهَذَا النَّوْع من الْمجَاز يُسَمِّيه عُلَمَاء فن الْمعَانِي بالمجاز الْعقلِيّ وَحده عِنْدهم إِسْنَاد الْفِعْل أَو مَعْنَاهُ إِلَى ملابس لَهُ غير مَا هُوَ لَهُ بتأول وَحَاصِل قَوْله بتأول أَن ينصب الْمُتَكَلّم قرينَة صارفة عَن أَن يكون الْإِسْنَاد إِلَى مَا هُوَ لَهُ ثمَّ اعْلَم أَن التَّحْقِيق أَن الْخلاف لَيْسَ فِي جَوَاز الْمجَاز مُطلقًا وَلَا فِي وُقُوعه وَإِنَّمَا الْخلاف فِي أَن الْمَنْقُول فِي هَذَا الْمجَاز هَل هُوَ حكم عَقْلِي أَو لفظ وضعي وَأَنت إِذا حققت ذَلِك وجدت الْخلاف لفظيا وَحَيْثُ انْتهى تَقْسِيم الْكَلَام إِلَى الْحَقِيقَة وَالْمجَاز فلنتكلم على انقسامه من جِهَة ثَانِيَة هِيَ أمس بِمَا نَحن بصدده فَنَقُول لَا يخفى أَن الصَّوْت عرض مسموع وَاللَّفْظ صَوت مُعْتَمد على مخرج من مخارج الْحُرُوف والكلمة لفظ وضع لِمَعْنى مُفْرد وَجمع الْكَلِمَة كلم مُفِيدا كَانَ أَو غير مُفِيد وَهِي جنس أَنْوَاعه ثَلَاثَة اسْم وَفعل وحرف
وَالْكَلَام مَا تضمن كَلِمَتَيْنِ بِالْإِسْنَادِ وَهُوَ نِسْبَة أحد الجزئين إِلَى الآخر لإِفَادَة الْمُخَاطب وَشَرطه الإفادة وَلَا يتألف إِلَّا من اسْمَيْنِ نَحْو زيد قَائِم أَو فعل وَاسم نَحْو قَامَ زيد فَالْأولى جملَة إسمية وَالثَّانيَِة جملَة فعلية وَنَحْو قَوْلك يَا زيد وَإِن يقم زيد أقِم فعليتان هَذَا مَا اتّفق ذكره من كليات مبَاحث الْعَرَبيَّة ومقدماتها وَله محَال مُخْتَصَّة بِهِ فَلَا نطيل بِهِ وَلَا بالمناقشة فِيهِ ولننقل الْكَلَام فِيهِ إِلَى مبَاحث شَأْنهَا أَن تذكر فِي فن الْأُصُول وَإِن كَانَ
стр. 145
موضوعها الْأَلْفَاظ فَهِيَ كَأَنَّهَا ذَات وَجْهَيْن من جِهَة الْعَادة أصولية وَمن جِهَة التَّحْقِيق لغوية فَنَقُول
اعْلَم أَن اللَّفْظ إِمَّا أَن يحْتَمل معنى وَاحِدًا فَقَط أَو يحْتَمل أَكثر من معنى وَاحِد وَالْأول النَّص وَالثَّانِي إِمَّا أَن يتَرَجَّح فِي أحد معنييه أَو مَعَانِيه وَهُوَ الظَّاهِر أَو لَا يتَرَجَّح وَهُوَ الْمُجْمل
الأول النَّص وَهُوَ لُغَة الْكَشْف والظهور وَمِنْه نصت الصبية رَأسهَا إِذا رفعته وأظهرته وَاصْطِلَاحا مَا أَفَادَ بِنَفسِهِ من غير احْتِمَال وَذهب بعض الْعلمَاء إِلَى أَن النَّص مَا دلّ على معنى قطعا وَلَا يحْتَمل غَيره قطعا كأسماء الْأَعْدَاد نَحْو أحد اثْنَيْنِ ثَلَاثَة وَهَذَا التَّعْرِيف أشبه باللغة وَهُوَ مُرَاد الإِمَام أَحْمد بقَوْلهمْ نَص عَلَيْهِ أَحْمد أَو هُوَ مَنْصُوص أَحْمد
وَقَالَ الأصوليون هُوَ مَا دلّ على معنى كَيْفَمَا كَانَ وَهَذَا هُوَ الْغَالِب فِي كَلَام الْفُقَهَاء فِي الِاسْتِدْلَال حَيْثُ يَقُولُونَ لنا النَّص وَالْمعْنَى وَدلّ النَّص على هَذَا الحكم وَقَضَاء الشَّرْع فِي النَّص أَن لَا يتْرك إِلَّا بنسخ وَقد يُطلق على مَا تطرق إِلَيْهِ احْتِمَال يعضده دَلِيل لِأَنَّهُ بذلك الِاحْتِمَال يصير كَالظَّاهِرِ وَالظَّاهِر يُطلق عَلَيْهِ لفظ النَّص ومثاله قَوْله تَعَالَى ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ الْمَائِدَة ٦ بِكَسْر اللَّام وَهُوَ ظَاهر فِي أَن فرض الرجلَيْن الْمسْح مَعَ احْتِمَال الْغسْل فاحتمال الْغسْل مَعَ الدَّلِيل الدَّال عَلَيْهِ يُسمى أَيْضا لِأَنَّهُ صَار مُسَاوِيا للظَّاهِر فِي الْمسْح وراجحا عَلَيْهِ حَتَّى أَنه يجوز لنا أَن نقُول ثَبت غسل الرجلَيْن بِالنَّصِّ وَيُطلق النَّص على الظَّاهِر أَيْضا لتلاقيهما فِي الِاشْتِقَاق إِذْ النَّص وَالظَّاهِر مأخذهما من الِارْتفَاع والظهور
стр. 146
الثَّانِي الظَّاهِر وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة وَنَفس الْأَمر الشاخص الْمُرْتَفع وَمِنْه قيل لأشراف الأَرْض ظواهر
وَالظَّاهِر خلاف الْبَاطِن وكما أَن الْمُرْتَفع من الْأَشْخَاص هُوَ الظَّاهِر الَّذِي تتبادر إِلَيْهِ الْأَبْصَار فَكَذَلِك الْمَعْنى الْمُتَبَادر من اللَّفْظ هُوَ الظَّاهِر الَّذِي تتبادر إِلَيْهِ البصائر والأفهام وَأما إِطْلَاق الظَّاهِر على اللَّفْظ الْمُحْتَمل أمورا هُوَ فِي أَحدهَا أرجح فَهُوَ اصْطِلَاح لَا حَقِيقَة وَإِنَّمَا هُوَ فِي اسْتِعْمَال الْفُقَهَاء ويعرفونه بِأَنَّهُ اللَّفْظ الْمُحْتَمل لمعنيين هُوَ فِي أَحدهمَا أرجح دلَالَة وَحكمه أَنه لَا يعدل عَنهُ إِلَّا بِتَأْوِيل وَهُوَ صرف اللَّفْظ عَن ظَاهره لدَلِيل يصير بِهِ الْمَرْجُوح راجحا وَمِثَال ذَلِك ليتضح المرام قَوْله ﷺ الْجَار أَحَق بصقبه
رَوَاهُ البُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ
والصقب الْقرب والملاصقة وَالْمرَاد بِهِ الشُّفْعَة فَهَذَا الحَدِيث ظَاهر فِي ثُبُوت الشُّفْعَة للْجَار الملاصق والمقابل أَيْضا مَعَ احْتِمَال أَن المُرَاد بالجار الشَّرِيك المخالط
إِمَّا حَقِيقَة أَو مجَازًا لَكِن هَذَا الِاحْتِمَال ضَعِيف بِالنِّسْبَةِ إِلَى الظَّاهِر فَلَمَّا نَظرنَا إِلَى قَوْله ﵊ إِذا وَقعت الْحُدُود وصرفت الطّرق فَلَا شُفْعَة
رَوَاهُ البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد التِّرْمِذِيّ وَصَححهُ
صَار هَذَا الحَدِيث مقويا لذَلِك الِاحْتِمَال الضَّعِيف فِي الحَدِيث الْمُتَقَدّم حَتَّى ترجحا على ظَاهره فقدمناهما وَقُلْنَا لَا شُفْعَة إِلَّا للشَّرِيك المقاسم
стр. 147
٩ - وحملنا عَلَيْهِ الْجَار فِي الحَدِيث الأول وَهُوَ حمل سَائِغ فِي اللُّغَة
ثمَّ إِن الِاحْتِمَال الْمَرْجُوح الْمُقَابل للراجح الظَّاهِر قد يكون بَعيدا عَن الْإِرَادَة وَقد يكون قَرِيبا مِنْهَا وَقد يكون متوسطا بَين الطَّرفَيْنِ
فالاحتمال الْبعيد يحْتَاج فِي حمل اللَّفْظ عَلَيْهِ إِلَى دَلِيل قوي لتجبر قُوَّة الدَّلِيل ضعف الِاحْتِمَال فيقويان على الِاسْتِيلَاء على الظَّاهِر وَالِاحْتِمَال الْقَرِيب يَكْفِيهِ فِي ذَلِك أدنى دَلِيل وَالِاحْتِمَال الْمُتَوَسّط يَكْفِيهِ دَلِيل متوسط بَين الدَّلِيلَيْنِ قُوَّة وضعفا وَبِالْجُمْلَةِ فالغرض من دَلِيل التَّأْوِيل أَن يكون بِحَيْثُ إِذا انْضَمَّ إِلَى احْتِمَال اللَّفْظ المأول اعتضد أَحدهمَا بِالْآخرِ واستوليا على الظَّاهِر وقدما عَلَيْهِ فَمَا كَانَ فِي احْتِمَال اللَّفْظ من ضعف جبر بِاعْتِبَار قُوَّة فِي الدَّلِيل وَمَا كَانَ فِيهِ من قُوَّة سومح بِقَدرِهِ من الدَّلِيل وَالْمُعْتَمد قبالة المعتدل فهما يحصلان الْغَرَض
ثمَّ إِن هَذَا الدَّلِيل الْمُرَجح إِمَّا أَن يكون قرينَة أَو ظَاهرا أَو قِيَاسا فَأَما الْقَرِينَة فإمَّا أَن تكون مُتَّصِلَة أَو مُنْفَصِلَة
فمثال الْمُتَّصِلَة مَا رَوَاهُ صَالح وحنبل عَن أَحْمد قَالَ كلمت الشَّافِعِي فِي مَسْأَلَة الْهِبَة فَقلت إِن الْوَاهِب لَيْسَ لَهُ الرُّجُوع فِيمَا وهب لقَوْله ﷺ الْعَائِد فِي هِبته كَالْكَلْبِ يعود فِي قيئه وَكَانَ الشَّافِعِي يرى أَن لَهُ الرُّجُوع فَقَالَ لَيْسَ بِمحرم على الْكَلْب أَن يعود فِي قيئه قَالَ أَحْمد فَقلت لَهُ فقد قَالَ النَّبِي ﷺ فِي
стр. 148
صدر الحَدِيث الْمَذْكُور لَيْسَ لنا مثل السوء فَسكت الشَّافِعِي
وَمِثَال الْقَرِينَة الْمُنْفَصِلَة مَا ذكره الْفُقَهَاء فِيمَن جَاءَ من أهل الْجِهَاد بمشرك فَادّعى أَنه أَمنه وَأنْكرهُ الْمُسلم فَادّعى أسره فَفِيهِ أَقْوَال ثَالِثهَا القَوْل قَول من ظَاهر الْحَال صدقه فَلَو كَانَ الْكَافِر أظهر قُوَّة وبطشا وشهامة من الْمُسلم جعل ذَلِك قرينَة فِي تَقْدِيم قَوْله مَعَ أَن قَول الْمُسلم لإسلامه وعدالته أرجح وَقَول الْكَافِر مَرْجُوح لَكِن الْقَرِينَة الْمُنْفَصِلَة عضدته حَتَّى صَار قَوْله أقوى من قَول الْمُسلم الرَّاجِح
وَأما الظَّاهِر فَمن أمثلته قَوْله تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ الْمَائِدَة ٣ فَإِنَّهُ ظَاهر فِي تَحْرِيم جلدهَا دبغ أَو لم يدبغ مَعَ احْتِمَال أَن الْجلد غير مُرَاد بالمعوم احْتِمَالا مترددا لَهُ من جِهَة أَن إِضَافَة التَّحْرِيم إِلَى الْميتَة يَقْتَضِي تَحْرِيم الْأكل وَالْجَلد غير مَأْكُول يَقْتَضِي عدم تنَاول الْجلد وَمن جِهَة أَن عُمُوم اللَّفْظ قوي متناول لجَمِيع أَجْزَائِهَا يَقْتَضِي تنَاول الْجلد ثمَّ نَظرنَا فِي قَوْله ﵇ أَيّمَا إهَاب دبغ فقد طهر فَهُوَ عُمُوم وَظَاهر بتناول إهَاب الْميتَة فَكَانَ هَذَا الظَّاهِر مقويا لاحْتِمَال عدم إِرَادَة جلد الْميتَة من الْآيَة الْمَذْكُورَة فِي التَّحْرِيم
وَمِثَال النَّص قَوْله ﵇ فِي شَاة مَيْمُونَة أَلا أَخَذْتُم إهابها فدبغتموه فانتفعتم بِهِ فَقَالُوا إِنَّهَا ميتَة قَالَ إِنَّمَا حرم من الْميتَة أكلهَا فَهَذَا نَص فِي طَهَارَة جلد الْميتَة
стр. 149
وَمِثَال الْقيَاس إِن تَركه تَعَالَى ذكر الْإِطْعَام فِي كَفَّارَة الْقَتْل ظَاهر فِي عدم وُجُوبه إِذْ لَو وَجب لذكره كَمَا ذكر التَّحْرِير وَالصِّيَام هَذَا مَعَ احْتِمَال أَن يكون وَاجِبا مسكوتا عَنهُ يَسْتَخْرِجهُ المجتهدون ثمَّ رَأينَا إِثْبَات الْإِطْعَام فِي كَفَّارَة الْقَتْل بِالْقِيَاسِ إثْبَاته فِي كَفَّارَة الظِّهَار وَالصِّيَام وَالْيَمِين متجها لِأَن الْكَفَّارَات حُقُوق لله تَعَالَى وَحكم الِامْتِثَال وَاحِد فثبوت الْإِطْعَام فِي تِلْكَ الْكَفَّارَات تَنْبِيه على ثُبُوته فِي كَفَّارَة الْقَتْل
ثمَّ اعْلَم أَن كل من أَرَادَ تَأْوِيل ظَاهر من الظَّوَاهِر فَعَلَيهِ أَمْرَانِ أَحدهمَا بَيَان الِاحْتِمَال الْمَرْجُوح مَعَ الظَّاهِر
الثَّانِي بَيَان عاضد الِاحْتِمَال الْمَرْجُوح أَي الدَّلِيل الَّذِي يعضده ويقويه حَتَّى يقدم على الظَّاهِر ثمَّ إِن الظَّاهِر وَالِاحْتِمَال الْمَرْجُوح إِذا تقابلا فقد يحتف بِالظَّاهِرِ قَرَائِن ترفع ذَلِك الِاحْتِمَال وتبطله ثمَّ قد يكون كل وَاحِدَة من الْقَرَائِن دافعة للاحتمال وَحدهَا وَقد لَا تنْدَفع إِلَّا بِمَجْمُوع تِلْكَ الْقَرَائِن وَذَلِكَ بِحَسب قُوَّة الْقَرَائِن وظهورها ومقاومتها لذَلِك الِاحْتِمَال وقصورها عَنهُ فقد تقاومه قرينَة وَاحِدَة أَو قرينتان فتدفعه وَقد لَا تقاومه إِلَّا جَمِيعهَا فَلَا تنْدَفع بِدُونِهِ
فمثال رفع الِاحْتِمَال الْمَرْجُوح بالقرائن المحتفة بِالظَّاهِرِ أَن غيلَان بن سَلمَة الثَّقَفِيّ ﵁ أسلم وَله عشر نسْوَة فِي الْجَاهِلِيَّة فأسلمن مَعَه فَأمره النَّبِي ﷺ أَن يتَخَيَّر أَرْبعا مِنْهُنَّ رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ
وَفِيمَا يتداوله الْفُقَهَاء
стр. 150
أمسك مِنْهُنَّ أَرْبعا وَفَارق سائرهن وَعَلِيهِ اتجه النزاع فالحنفية قَالُوا إِن من أسلم وَتَحْته أَكثر من أَربع نسْوَة فَإِن كَانَ تزوجهن فِي عقد وَاحِد بَطل نِكَاحهنَّ وَلم يجز أَن يخْتَار مِنْهُنَّ شَيْئا وَإِن تَزَوَّجن متعاقبات اخْتَار من الأول أَرْبعا وَترك الْبَاقِي وَالْأَئِمَّة الثَّلَاثَة على أَنه يخْتَار مِنْهُنَّ أَرْبعا مُطلقًا وَلما كَانَ مَا ذهب إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّة مُخَالفا لظَاهِر الحَدِيث إِذْ ظَاهر الْإِمْسَاك فِيهِ اسْتِدَامَة نِكَاح أَربع وَظَاهر الْمُفَارقَة تَسْرِيح الْبَاقِيَات احتاجوا إِلَى تَأْوِيله
стр. 151
فحملوا الْإِمْسَاك على ابْتِدَاء النِّكَاح كَأَنَّهُ قَالَ أمسك أَرْبعا بِأَن تبتدىء نِكَاحهنَّ وَفَارق سائرهن بِأَن لَا تبتدىء العقد عَلَيْهِنَّ وعضدوا هَذَا التَّأْوِيل بِالْقِيَاسِ وَهُوَ أَن بعض النسْوَة لَيْسَ بِأولى الْإِمْسَاك من بعض إِذْ هُوَ تَرْجِيح من غير مُرَجّح ورد بَقِيَّة الْأَئِمَّة هَذَا التَّأْوِيل بِأَن السَّابِق إِلَى فهمنا وَفهم الصَّحَابَة من الْإِمْسَاك الاستدامة لَا ابْتِدَاء النِّكَاح وَمن الْمُفَارقَة التسريح لَا ترك النِّكَاح فَيكون هَذَا مَدْلُول اللَّفْظ وَمُقْتَضَاهُ وَبِأَن النَّبِي ﷺ فوض الْإِمْسَاك والفراق إِلَى غيلَان مُسْتقِلّا بِهِ حَيْثُ قَالَ أمسك وَفَارق لَو كَانَ المُرَاد بِهِ ابْتِدَاء النِّكَاح لما اسْتَقل بِهِ بالِاتِّفَاقِ إِذْ لابد من رضى الزَّوْجَة وَمن الْوَلِيّ عندنَا فَكَانَ يجب أَن يَقُول أمسك أَرْبعا مِنْهُنَّ إِن رضين وَيبين لَهُ شَرَائِط النِّكَاح لِأَن ذَلِك بَيَان فِي وَقت الْحَاجة إِلَيْهِ فَلَا يجوز تَأْخِيره إِلَى غير ذَلِك من الْأَجْوِبَة الَّتِي محلهَا الْكتب المطولة فِي هَذَا الْفَنّ فَهَذِهِ قَرَائِن تدفع تأويلهم على أَن الإِمَام الْغَزالِيّ أنصف فِي هَذَا الْمقَام
فَقَالَ والإنصاف أَن تَأْوِيل الظَّوَاهِر يخْتَلف باخْتلَاف أَحْوَال الْمُجْتَهدين وَإِلَّا فلسنا نقطع بِبُطْلَان تَأْوِيل أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى مَعَ هَذِه الْقَرَائِن وَإِنَّمَا الْمَقْصُود تذليل الطَّرِيق للمجتهدين وَالله أعلم
وَنحن نقُول إِنَّمَا قصدنا فِي هَذَا الْكتاب وَغَيره من كتبنَا الْمُشْتَملَة على الْأَدِلَّة بَيَان الْإِيضَاح بالأمثلة واستنباط الْفَوَائِد من كتاب الله وَمن كَلَام رَسُوله مَعَ احترام الْعلمَاء وَحفظ مقامهم حشرنا الله فِي زمرة المهديين مِنْهُم
وَهنا قد انْتهى مَا توخيناه من الْكَلَام على النَّص وَالظَّاهِر وذكرناهما هُنَا لقرب مباحثهما من مبَاحث مبادىء اللُّغَة وأخرنا الْكَلَام
стр. 152
على الْمُجْمل إِلَى مَا بعد الْمُطلق والمقيد لِأَنَّهُ أشبه بهما
وَهنا قد انْتهى الْكَلَام على مَا هُوَ مُقَدّمَة فِي هَذَا الْفَنّ ولنشرع إِن شَاءَ الله تَعَالَى على الْأُصُول وَإِلَيْك الْبَيَان
стр. 153
فصل فِي الْأُصُول
اعْلَم أَن الْمُحَقِّقين من عُلَمَاء هَذَا الشَّأْن عرفُوا تِلْكَ الْأُصُول بالضوابط وَهَذِه الطَّرِيقَة وَإِن كَانَ التَّعْرِيف بهما ضَعِيفا إِلَّا أننا نسلكها هُنَا ثمَّ نورد تَعْرِيف كل قسم عِنْد ذكره لأننا أردنَا الضَّبْط هُنَا وَلم نرد الْحُدُود وَإِن كَانَت تَأتي عرضا واخترنا هُنَا طَريقَة الْآمِدِيّ فَإِنَّهُ قَالَ مَا مَعْنَاهُ إِن الدَّلِيل الشَّرْعِيّ أَي الَّذِي طَرِيق مَعْرفَته الشَّرْع إِمَّا أَن يرد من جِهَة الرَّسُول أَو لَا من جِهَته
فَإِن ورد من جِهَة الرَّسُول فَهُوَ إِمَّا من قبيل مَا يُتْلَى وَهُوَ الْكتاب أَو لَا وَهُوَ السّنة
وَإِن ورد لَا من جِهَة الرَّسُول فإمَّا أَن تشْتَرط فِيهِ عصمَة من صدر عَنهُ أَو لَا وَالْأول الْإِجْمَاع وَالثَّانِي إِن كَانَ حمل مَعْلُوم على مَعْلُوم بِجَامِع مُشْتَرك فَهُوَ الْقيَاس وَإِلَّا فَهُوَ الِاسْتِدْلَال فالثلاثة الأول وَهِي الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع نقلية والآخران معنويان والنقلي أصل للمعنوي وَالْكتاب أصل للْكُلّ
فالأدلة إِذن خَمْسَة الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع وَالْقِيَاس وَالِاسْتِدْلَال وعرفه الْآمِدِيّ بِأَنَّهُ دَلِيل بِنَصّ وَلَا إِجْمَاع وَلَا قِيَاس ومصدر هَذِه الْأُصُول هُوَ الله تَعَالَى إِذْ الْكتاب قَوْله وَالسّنة
стр. 154
بَيَانه وَالْإِجْمَاع دَال على النَّص ومدركها الرَّسُول ﵇ لِأَنَّهُ لَا سَماع لنا من الله تَعَالَى وَلَا من جِبْرِيل فَلم يبْق لنا مدرك لهَذِهِ الْأُصُول إِلَّا الرَّسُول فالكتاب سمع مِنْهُ تبليغا تصدر عَنهُ تبيينا وَالْإِجْمَاع وَالْقِيَاس مستندان فِي إثباتهما إِلَى الْكتاب وَالسّنة
وَاعْلَم أَن هَذِه الْأُصُول هِيَ الْمُتَّفق عَلَيْهَا بَين الْجُمْهُور وَثمّ أَرْبَعَة أُخْرَى هِيَ مَحل خلاف شرع من قبلنَا وَقَول الصَّحَابِيّ الَّذِي لَا مُخَالف لَهُ وَالِاسْتِحْسَان والاستصلاح وستمر بك هَذِه الْأُصُول التِّسْعَة مبينَة حسب الْإِمْكَان إِن شَاءَ الله تَعَالَى
الْكتاب الْعَزِيز الَّذِي هُوَ أصل الْأُصُول
كتاب الله كَلَامه الْمنزل للإعجاز بِسُورَة مِنْهُ وَهُوَ الْقُرْآن وَفِيه مسَائِل الأولى الْقرَاءَات السَّبع متواترة وَهُوَ الْمَشْهُور
وَقَالَ ابْن الْحَاجِب هِيَ متواترة فِيمَا لَيْسَ من قبيل الآداء كالمد والإمالة وَتَخْفِيف الْهمزَة وَنَحْوهَا وَهَذَا خلاف الْمَشْهُور
وَذهب الطوفي إِلَى أَن الْقرَاءَات متواترة عَن الْأَئِمَّة السَّبْعَة أما تواترها عَن النَّبِي ﷺ إِلَى الْأَئِمَّة السَّبْعَة فَهُوَ مَحل نظر فَإِن أَسَانِيد الْأَئِمَّة السَّبْعَة بِهَذِهِ الْقرَاءَات السَّبْعَة إِلَى النَّبِي ﷺ مَوْجُودَة فِي كتب الْقرَاءَات وَهِي نقل الْوَاحِد عَن الْوَاحِد لم تستكمل شُرُوط التَّوَاتُر
قَالَ وأبلغ من هَذَا أَنَّهَا لم تتواتر بَين الصَّحَابَة
قَالَ وَاعْلَم أَن بعض من لَا تَحْقِيق عِنْده ينفر من القَوْل بِعَدَمِ تَوَاتر الْقرَاءَات ظنا مِنْهُ أَن ذَلِك يسْتَلْزم عدم تَوَاتر الْقُرْآن وَلَيْسَ ذَلِك بِلَازِم لِأَنَّهُ فرق بَين مَاهِيَّة الْقُرْآن والقراءات وَالْإِجْمَاع على تَوَاتر الْقُرْآن
الثَّانِيَة الْمَنْقُول أحادا نَحْو ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ الْمَائِدَة ٨٩
стр. 155
وَهِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود حجَّة عندنَا وَعند أبي حنيفَة خلافًا للباقين
الثَّالِثَة الْقُرْآن مُشْتَمل على الْحَقِيقَة وَالْمجَاز خلافًا لقوم وهم الظَّاهِرِيَّة والرافضة فَإِنَّهُم منعُوا جَوَاز وُقُوع الْمجَاز فِي الْقُرْآن وَقد مر بك هَذَا الْبَحْث
الرَّابِعَة قَالُوا المعرب مَوْجُود فِي الْقُرْآن وَهُوَ بتَشْديد الرَّاء وَفتحهَا وَهُوَ مَا أَصله أعجمي ثمَّ عرب أَي استعملته الْعَرَب على نَحْو اسْتِعْمَالهَا لكلامها فَقيل لَهُ مُعرب توسطا بَين العجمي والعربي
وَأَقُول الْحق أَن الْمُدَّعِي أَنه مُعرب إِن كَانَ من الْأَعْلَام كإبراهيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب فَهَذَا لَيْسَ بعربي وَلَا يضر وَإِن كَانَ من غير الْأَعْلَام فَهُوَ من توَافق اللُّغَات قطعا
وَنقل ابْن إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي وَابْن فَارس فِي فقه اللُّغَة عَن أبي عبيد كلَاما حَاصله أَن فِي اللُّغَة ألفاظا أَصْلهَا أعجمي
كَمَا قَالَ الْفُقَهَاء لَكِن استعملتها الْعَرَب فعربتها بألسنتها وحولتها عَن أَلْفَاظ الْعَجم إِلَى ألفاظها فَصَارَت عَرَبِيَّة ثمَّ نزل الْقُرْآن وَقد اخْتلطت بِكَلَام الْعَرَب فَمن قَالَ إِنَّهَا عَرَبِيَّة ثمَّ فَهُوَ صَادِق يَعْنِي بِاعْتِبَار التعريب الطارىء وَمن قَالَ إِنَّهَا أَعْجَمِيَّة فَهُوَ صَادِق يَعْنِي بِاعْتِبَار أَصْلهَا قَالَ أَبُو عبيد وَإِنَّمَا سلكنا هَذَا الطَّرِيق لِئَلَّا يظنّ بالفقهاء الْجَهْل بِكِتَاب الله تَعَالَى وهم كَانُوا أعلم بالتأويل وَأَشد تَعْظِيمًا لِلْقُرْآنِ انْتهى
قلت وَمِنْه تعلم أَن النزاع فِي الْمَسْأَلَة لَفْظِي
الْخَامِسَة فِيهِ الْمُحكم والمتشابه فَأَما الْمُحكم فَهُوَ لُغَة مفعل من أحكمت الشَّيْء أحكمه أحكاما إِذا أثْبته فَكَانَ على غَايَة مَا يَنْبَغِي من الْحِكْمَة والمتشابه مَا بَينه وَبَين غَيره أَمر مُشْتَرك فيشبهه ويلتبس بِهِ
стр. 156
وَأما معنى الْمُحكم فأجود مَا قيل فِيهِ أَنه المتضح الْمَعْنى كالنصوص والظواهر لِأَنَّهُ من الْبَيَان فِي غَايَة الْأَحْكَام والإتقان والمتشابه مُقَابل لَهُ وَهُوَ غير متضح الْمَعْنى فتشتبه بعض محتملاته بِبَعْض وَذَلِكَ التشابه وَعدم الاتضاح إِمَّا الِاشْتِرَاك كلفظي الْعين والقرؤ أَو لإجمال وَهُوَ إِطْلَاق اللَّفْظ بِدُونِ المُرَاد مِنْهُ نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ الْأَنْعَام ١٤١ فَلم يبين مِقْدَار الْحق أَو لظُهُور تَشْبِيه فِي صِفَات الله تَعَالَى كآيات الصِّفَات وأخبارها فَإِن المُرَاد مِنْهَا اشْتبهَ على النَّاس فَقَالَ قوم بظاهرها فجسموا وشبهوا وفر قوم من التَّشْبِيه فتأولوا وحرفوا فغلطوا وتوسط قوم فَسَلمُوا وأمروه كَمَا جَاءَ مَعَ اعْتِقَاد التَّنْزِيه فَسَلمُوا وهم أهل السّنة وَجعل كثير من الْعلمَاء من الْمُتَشَابه الْحُرُوف الَّتِي فِي فواتح السُّور فَإِنَّهُ لَا شكّ أَن لَهَا معنى لم تبلغ أفهامنا إِلَى مَعْرفَته فَهِيَ مِمَّا اسْتَأْثر الله بِعِلْمِهِ وَلم يصب من تمحل لتفسيرها فَإِن ذَلِك من النقول على الله بِمَا لم يقل وَمن تَفْسِير كَلَام الله بمحض الرَّأْي
وَحكم الْمُحكم هُوَ وجوب الْعَمَل بِهِ وَالْحق أَن حكم الْمُتَشَابه هُوَ عدم جَوَاز الْعَمَل بِهِ لقَوْله تَعَالَى ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ آل عمرَان ٧ وَهنا الْوَقْف وَاجِب نقلا وعقلا وَالله الْهَادِي
стр. 157
الأَصْل الثَّانِي السّنة السّنة فِي اللُّغَة الطَّرِيقَة والسيرة
وَفِي اصْطِلَاح الشَّرْع مَا نقل عَن النَّبِي ﷺ قولا أَو فعلا أَو إِقْرَارا على فعل وَهَذَا مَعْنَاهَا بِاعْتِبَار الْعرف الْخَاص باصطلاح الْعلمَاء وَأما مَعْنَاهَا بِاعْتِبَار الْعرف الْعَام فَهُوَ مَا نقل عَن النَّبِي ﷺ أَو عَن السّلف من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَغَيرهم من الْأَئِمَّة المقتدى بهم
ثمَّ اعْلَم أَن قَول النَّبِي ﷺ إِمَّا أَن يكون مسموعا مِنْهُ لغيره بِلَا وَاسِطَة أَو مَنْقُولًا إِلَيْهِ بِوَاسِطَة الروَاة فَإِن كَانَ مسموعا مِنْهُ فَهُوَ حجَّة قَاطِعَة على من سَمعه كالصحابة الَّذين سمعُوا مِنْهُ الْأَحْكَام لَا يسوغ خلَافهَا بِوَجْه من الْوُجُوه إِلَّا بنسخ أَو جمع بَين متعارض بالتأويل وَذَلِكَ فِي التَّحْقِيق لَا يعد خلافًا وَإِن كَانَ مَنْقُولًا إِلَى الْغَيْر فَذَلِك النَّقْل إِمَّا أَن يكون تواترا أَو آحادا
فَإِن كَانَ تواترا فَهُوَ أَيْضا حجَّة قَاطِعَة كالمسموع مِنْهُ ﵇ لِأَن التَّوَاتُر يُفِيد الْعلم فَصَارَ كالمسموع شفاها مِنْهُ فِي إِفَادَة الْعلم غير أَن مدرك الْعلم فِي المسموع الْحس وَفِي التَّوَاتُر الْمركب من السّمع وَالْعقل وَإِن كَانَ آحادا وَجب الْعلم بِمُقْتَضَاهُ كَمَا سَيَأْتِي مَا لم يكن مُجْتَهدا يصرفهُ عَن مُقْتَضى مَا سمع أَو نقل إِلَيْهِ دَلِيل فَيجب عَلَيْهِ مُتَابعَة
стр. 158
الدَّلِيل وَذَلِكَ كَتَرْكِ الْعَام إِلَى الْخَاص وَالْمُطلق إِلَى الْمُقَيد والمرجوح إِلَى الرَّاجِح وَغير ذَلِك
تَنْبِيه قد اتّفق من يعْتد بِهِ من أهل الْعلم على أَن السّنة المطهرة مُسْتَقلَّة بتشريع الْأَحْكَام وَأَنَّهَا كالقرآن فِي تَحْلِيل الْحَلَال وَتَحْرِيم الْحَرَام وَقد ثَبت عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ أَلا وَإِنِّي أُوتيت الْقُرْآن وَمثله مَعَه
أَي من السّنَن الَّتِي لم ينْطق بهَا الْقُرْآن وَذَلِكَ كتحريم لُحُوم الْحمر الْأَهْلِيَّة وَتَحْرِيم كل ذِي نَاب من السبَاع ومخلب من الطير وَغير ذَلِك مِمَّا لم يَأْتِ عَلَيْهِ الْحصْر وَمَا ورد من طَرِيق ثَوْبَان بِعرْض الْأَحَادِيث على الْقُرْآن فَقَالَ يحيى بن معِين إِنَّه مَوْضُوع وَضعته الزَّنَادِقَة
وَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن مهْدي الْخَوَارِج وضعُوا حَدِيث مَا أَتَاكُم عني فاعرضوه على كتاب الله إِلَى آخِره وَقد عَارض حَدِيث الْعرض قوم فَقَالُوا عرضنَا هَذَا الحَدِيث على كتاب
стр. 159
الله فخالفه لأَنا وجدنَا فِيهِ ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا﴾ الْحَشْر ٧ قَالَ الْأَوْزَاعِيّ الْكتاب أحْوج إِلَى السّنة من السّنة إِلَى الْكتاب
قَالَ ابْن عبد الْبر يُرِيد أَنَّهَا تقضي عَلَيْهِ وَتبين المُرَاد مِنْهُ
وَقَالَ يحيى ابْن أبي كثير السّنة قاضية على الْكتاب انْتهى
وكل من لَهُ إِلْمَام بِالْعلمِ يعلم أَن ثُبُوت حجية السّنة المطهرة واستقلالها بتشريع الْأَحْكَام ضَرُورِيَّة دينية وَلَا يُخَالف فِي ذَلِك إِلَّا من لَا حَظّ لَهُ فِي دين الْإِسْلَام
стр. 160
فصل فِي شذرات من مبَاحث السّنة
الأولى الْخَبَر مَا صَحَّ أَن يُقَال فِي جَوَابه صدق أَو كذب فَيخرج مِنْهُ الْأَمر وَالنَّهْي والاستفهام وَالتَّمَنِّي وَالدُّعَاء وَهُوَ قِسْمَانِ متواتر وآحاد
فالتواتر لُغَة التَّتَابُع وَاصْطِلَاحا إِخْبَار قوم يمْتَنع تواطؤهم على الْكَذِب بِشُرُوط تذكر وَهُوَ يُفِيد الْعلم وَذَلِكَ الْعلم الْحَاصِل بِهِ ضَرُورِيّ عِنْد القَاضِي أبي يعلى وَوَافَقَهُ الْجُمْهُور وَيحصل بِالنّظرِ ويتوقف عَلَيْهِ عِنْد أبي الْخطاب وَوَافَقَهُ الكعبي وَأَبُو الْحُسَيْن الْبَصْرِيّ من الْمُعْتَزلَة وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزالِيّ والدقاق من أَصْحَاب الشَّافِعِي وَالْخلاف لَفْظِي لِأَن الْقَائِل بِأَنَّهُ ضَرُورِيّ لَا يُنَازع فِي توقفه على النّظر فِي الْمُقدمَات
وَالْقَائِل بِأَنَّهُ نَظَرِي لَا يُنَازع فِي أَن الْعقل يضْطَر إِلَى التَّصْدِيق بِهِ وَإِذا وَافق كل وَاحِد من الْفَرِيقَيْنِ صَاحبه على مَا يَقُوله فِي حكم هَذَا الْعلم وَصفته لم يبْق النزاع بَينهمَا إِلَّا فِي اللَّفْظ وَمَا أَفَادَ الْعلم من الْأَخْبَار فِي وَاقعَة مُعينَة وَجب أَن يفِيدهُ فِي كل وَاقعَة غَيرهَا وَمَا أَفَادَ الْعَالم شخصا من النَّاس وَجب أَن يفِيدهُ لكل شخص غَيره إِذا شَاركهُ فِي سَماع ذَلِك الْخَبَر بِحَيْثُ لَا يجوز أَن يخْتَلف الْخَبَر فَيُفِيد الْعلم فِي وَاقعَة دون أُخْرَى وَلَا شخص دون آخر مَا لم يكن هُنَاكَ قرينَة تدل على الِاخْتِصَاص
стр. 161
وَيجوز حُصُول الْعلم بِخَبَر الْوَاحِد مَعَ الْقَرَائِن لقِيَام الْقَرِينَة مقَام المخبرين فِي إِفَادَة الظَّن وتزايده حَتَّى يجْزم بِهِ كمن أخبرهُ وَاحِد بِمَوْت مَرِيض مشرف على الْمَوْت ثمَّ مربيا بِهِ فَرَأى تابوتا على بَاب دَاره وصراخا وعويلا وانتهاك حَرِيم فإننا نجزء بِمَوْت الشَّخْص الَّذِي أخبرنَا بِمَوْتِهِ وَلَوْلَا إِخْبَار الْمخبر لجوزنا موت شخص آخر
الثَّانِيَة للتواتر ثَلَاثَة شُرُوط أَولهَا أَن يكون مُسْتَندا إِلَى مُشَاهدَة حس بِأَن يُقَال رَأينَا مَكَّة وبغداد وَلَا يَصح التَّوَاتُر عَن مَعْقُول لاشتراك المعقولات فِي إِدْرَاك الْعُقَلَاء لَهَا
ثَانِيهَا اسْتِوَاء الطَّرفَيْنِ والواسطة فِي كَمَال الْعدَد بِأَن يكون عدد التَّوَاتُر مَوْجُودا فِي الطَّبَقَة الْمُشَاهدَة وَفِي الطَّبَقَة المخبرة وَفِي الَّتِي بَينهمَا بِحَيْثُ تكون كل وَاحِدَة من هَذِه الطَّبَقَات مستكملة لعدد التَّوَاتُر فَلَو نقص بَعْضهَا عَن عدد التَّوَاتُر خرج الْخَبَر عَن كَونه متواترا والتحق بالآحاد ثَالِثهَا الْعدَد وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي تَعْيِينه اخْتِلَافا كثيرا وَالْحق إِن المخبرين يلْزم أَن يكون عَددهمْ بَالغا مبلغا يمْتَنع فِي الْعَادة تواطؤهم على الْكَذِب وَلَا يُقيد ذَلِك بِعَدَد معِين بل ضابطه حُصُول الْعلم الضَّرُورِيّ بِهِ وَلَا تشْتَرط عَدَالَة المخبرين وَلَا إسْلَامهمْ وَلَا عدم انحصارهم فِي بلد أَو عدد وَلَا عدم اتِّحَاد الدّين وَالنّسب وَلَا عدم اعْتِقَاد نقيض الْمخبر بِهِ وكتمان أهل التَّوَاتُر مَا يحْتَاج إِلَى نَقله مُمْتَنع وَفِي جَوَاز الْكَذِب على عدد التَّوَاتُر خلاف الْأَظْهر الْمَنْع
стр. 162
الثَّالِثَة الْآحَاد وَهُوَ مَا عدم شُرُوط التَّوَاتُر أَو بَعْضهَا وَعَن الإِمَام أَحْمد فِي حُصُول الْعلم بِخَبَر الْوَاحِد قَولَانِ
أَحدهمَا لَا يحصل الْعلم بِهِ وَهُوَ قَول الْأَكْثَرين والمتأخرين من أَصْحَابه
قَالَ الطوفي وَهُوَ الْأَظْهر من الْقَوْلَيْنِ
وَالثَّانِي يحصل بِهِ الْعلم وَهُوَ قَول جمَاعَة من الْمُحدثين
قَالَ الْآمِدِيّ وَهُوَ قَول بعض أهل الظَّاهِر وَحمل بعض الْعلمَاء قَول الإِمَام أَحْمد الثَّانِي على أَخْبَار مَخْصُوصَة كثرت رواتها وتلقتها الْأمة بِالْقبُولِ ودلت الْقَرَائِن على صدق ناقلها فَيكون إِذن من الْمُتَوَاتر
الرَّابِعَة قسم المحدثون أَخْبَار الْآحَاد الصَّحِيحَة إِلَى سَبْعَة أَقسَام أَحدهَا أَحَادِيث البُخَارِيّ وَمُسلم وَهُوَ الْمعبر عَنهُ فِي عرفهم بالمتفق عَلَيْهِ وَقد أفرد الْحَافِظ عبد الْغَنِيّ الْمَقْدِسِي أَحَادِيث الْأَحْكَام من هَذَا النَّوْع فِي كتاب سَمَّاهُ عُمْدَة الْأَحْكَام وَقد شرحته فِي مجلدين
وَثَانِيها مَا انْفَرد بِهِ البُخَارِيّ عَن مُسلم
وَثَالِثهَا مَا انْفَرد بِهِ مُسلم عَن البُخَارِيّ
وَرَابِعهَا مَا أخرجه الْأَئِمَّة بعدهمَا على شَرطهمَا
وخامسها مَا خرج على شَرط البُخَارِيّ وَحده
وسادسها مَا خرج على شَرط مُسلم وَحده وَذَلِكَ كَمَا فِي الْمُسْتَدْرك على الصَّحِيحَيْنِ لأبي عبد الله الْحَاكِم وَغَيره
وَمعنى التَّخْرِيج على شَرط الشَّيْخَيْنِ أَو شَرط أَحدهمَا أَنَّهُمَا اخْتلفَا
стр. 163
فِي رُوَاة الحَدِيث لاخْتِلَاف صفاتهم الْمُعْتَبرَة عِنْدهمَا فاتفقا على الْإِخْرَاج عَن طَائِفَة من الروَاة وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بالرواية عَن طَائِفَة مِنْهُم وَانْفَرَدَ مُسلم بالرواية عَن طَائِفَة فَزعم المستدركون عَلَيْهِمَا أَنهم قد وجدوا أَحَادِيث قد رَوَاهَا من خرجا عَنهُ اتِّفَاقًا وانفرادا وَمن سَاوَى من خرجا عَنهُ فخرجوها وَقَالُوا هَذَا اسْتِدْرَاك عَلَيْهِمَا على شَرطهمَا أَو شَرط وَاحِد ومنهما
وسابعها مَا أخرجه بَقِيَّة الْأَئِمَّة كَأبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَغَيرهم من أَئِمَّة الحَدِيث وَأَعْلَى هَذِه الْأَقْسَام الأول وَهُوَ الْمُتَّفق عَلَيْهِ
وَالتَّحْقِيق فِي أَحَادِيث الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهَا مفيدة للظن الْقوي الْغَالِب لما حصل فِيهَا من اجْتِهَاد الشَّيْخَيْنِ فِي نقد رجالها وَتَحْقِيق أحوالها أما حُصُول الْعلم بهَا فَلَا مطمع فِيهِ وَذَلِكَ فِي غَيرهَا من الْأَقْسَام الْأُخَر أولى
الْخَامِسَة يجوز التَّعَبُّد بِخَبَر الْوَاحِد وَالْعَمَل بِهِ وَعَلِيهِ دلّ
стр. 164
الْعقل والسمع وَقد عمل كثير من الصَّحَابَة بِخَبَر الْوَاحِد وَقد رَجَعَ الْكل إِلَى خبر عَائِشَة فِي الْغسْل بالتقاء الختانين وَفِي كتب الحَدِيث كثير من ذَلِك
السَّادِسَة يعْتَبر فِي الرَّاوِي المقبول الشَّهَادَة شُرُوط وَهِي الْإِسْلَام وَاخْتلف فِي صِحَة الرِّوَايَة عَن المبتدعة فَاخْتَارَ أَبُو الْخطاب قبُولهَا من الْفَاسِق المتأول لحُصُول الْوَازِع أَي الْكَاف لَهُ عَن الْكَذِب وَهُوَ قَول الشَّافِعِي
وَقَالَ الطوفي من أَصْحَابنَا الْمُحدث إِذا كَانَ ناقدا بَصيرًا جَازَ أَن يروي عَن جمَاعَة من المبتدعة الَّذين يفلحون ببدعتهم كعباد بن يَعْقُوب الروَاجِنِي بِالْجِيم وَالنُّون وَكَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع وَجَرِير بن عُثْمَان وَكَانَ يبغض عليا كرم الله وَجهه وَفِي الحَدِيث لَا يحبك إِلَّا مُؤمن وَلَا يبغضك إِلَّا مُنَافِق
وَالثَّانِي الْعَدَالَة وَهِي اعْتِدَال الْمُكَلف فِي سيرته شرعا بِحَيْثُ
стр. 165
لَا يظْهر مِنْهُ مَا يشْعر بالجرأة على الْكَذِب وَتحصل بأَدَاء الْوَاجِبَات وَاجْتنَاب الْمَحْظُورَات ولواحقها وتعرف عَدَالَة الشَّخْص بِأُمُور أَحدهَا الْمُعَامَلَة والمخالطة الْمُطلقَة فِي الْعَادة على خبايا النُّفُوس ودسائسها
الثَّانِي التَّزْكِيَة وَهِي ثَنَاء من تثبتت عَدَالَته عَلَيْهِ وشهادته لَهُ بِالْعَدَالَةِ
الثَّالِث السمعة الجميلة المتواترة أَو المستفيضة وبمثلها عرف عَدَالَة كثير من أَئِمَّة السّلف
وَالثَّالِث التَّكْلِيف بِأَن يكون عَاقِلا بَالغا إِذْ لَا مَانع للصَّبِيّ وَالْمَجْنُون عَن الْكَذِب وَلَا عبَادَة لَهما فَإِن سمع الرَّاوِي فِي حَال صغره وروى بعد بُلُوغه قبل قَوْله
الرَّابِع أَن يكون ضابطا لما سَمعه حَالَة السماع إِذْ لَا وثوق بقول من لَا ضبط لَهُ فَأَما رِوَايَة مَجْهُول الْعَدَالَة فَروِيَ عَن أَحْمد فِي أحد الْقَوْلَيْنِ عَنهُ أَنَّهَا لَا تقبل وَهُوَ قَول الشَّافِعِي
وَرُوِيَ عَنهُ أَنَّهَا تقبل وَهُوَ قَول أبي حنيفَة
وَاتَّفَقُوا على أَنه لَا تقبل رِوَايَة مَجْهُول الْإِسْلَام والتكليف والضبط
السَّابِعَة لَا تشْتَرط ذكورية الرَّاوِي وَلَا رُؤْيَته لقبُول الصَّحَابَة خبر عَائِشَة من وَرَاء الْحجاب وَلَا فقهه وَلَا معرفَة نسبه وَلَا يشْتَرط أَن لَا يكون عدوا وَلَا قَرِيبا لمن رُوِيَ فِي حَقه خَبرا وَمن اشْتبهَ اسْمه باسم مَجْرُوح رد خَبره حَتَّى يعرف حَاله
الثَّامِنَة الْجرْح بِفَتْح الْجِيم أَن ينْسب إِلَى الشَّخْص مَا يرد
стр. 166
قَوْله لأَجله أَي من قبيل مَعْصِيّة صَغِيرَة أَو كَبِيرَة أَو ارْتِكَاب دنيئة وَبِالْجُمْلَةِ أَن ينْسب إِلَيْهِ مَا يخل بِالْعَدَالَةِ الَّتِي هِيَ شَرط قبُول الرِّوَايَة وَالتَّعْدِيل بِخِلَافِهِ وَهُوَ أَن ينْسب إِلَى الرَّاوِي من الْخَبَر والعفة والصيانة والمروءة والتدين بِفعل الْوَاجِبَات وَترك الْمُحرمَات مَا يسوغ قبُول قَوْله شرعا لدلَالَة هَذِه الْأَحْوَال على تحري الصدْق ومجانبة الْكَذِب وَلَا خَفَاء فِي مَسِيس الْحَاجة إِلَى الْجرْح وَالتَّعْدِيل فِي هَذَا الْبَاب ليعلم من يَنْبَغِي الْأَخْذ عَنهُ من غَيره وَمذهب الإِمَام أَحْمد أَن التَّعْدِيل لَا يشْتَرط بَيَان سَببه استصحابا لحَال الْعَدَالَة وَبِه قَالَ الشَّافِعِي بِخِلَاف سَبَب الْجرْح فَإِنَّهُ يشْتَرط بَيَانه فِي أحد الْقَوْلَيْنِ عَن أَحْمد وَهُوَ القَوْل الْمَنْصُور عندنَا وَذَلِكَ لاخْتِلَاف النَّاس فِي سَبَب الْجرْح واعتقاد بَعضهم مَا لَا يصلح أَن يكون سَبَب الْجرْح جارحا كشرب النَّبِيذ متأولا فَإِنَّهُ يقْدَح فِي الْعَدَالَة عِنْد مَالك دون غَيره وَكَمن يرى إنْسَانا يَبُول قَائِما فيبادر لجرحه بذلك وأمثال هَذَا فَيَنْبَغِي بَيَان سَبَب الْجرْح ليَكُون على ثِقَة واحتراز من الْخَطَأ والغلو فِيهِ وَيَنْبَغِي أَن يكون الْجَارِح عَالما باخْتلَاف الْمذَاهب فِي الْجرْح وَالتَّعْدِيل وَإِذ تعَارض الْجرْح وَالتَّعْدِيل فالجرح مقدم وَإِن زَاد عدد المعدلين لتَضَمّنه زِيَادَة خفيت على الْمعدل وَهَذَا فِيمَا أمكن اطلَاع الْجَارِح على زِيَادَة مَا إِذا اسْتَحَالَ ذَلِك مثل أَن قَالَ الْجَارِح رَأَيْت هَذَا قد قتل زيدا فِي وَقت كَذَا وَقَالَ الْمعدل رَأَيْت زيدا حَيا بعد ذَلِك الْوَقْت فههنا يتعارضان فيتساقطان وَيبقى أصل الْعَدَالَة ثَابتا والمحدود فِي الْقَذْف إِن كَانَ الْقَذْف صدر مِنْهُ بِلَفْظ الشَّهَادَة بِأَن شهد عَلَيْهِ بِالزِّنَا مثلا وَردت شَهَادَته قبلت رِوَايَته وَلم يرد خَبره وَإِن كَانَ بِغَيْر لفظ الشَّهَادَة ردَّتْ رِوَايَته حَتَّى يَتُوب
стр. 167
التَّاسِعَة مَا يحصل بِهِ التَّعْدِيل ثَلَاثَة أَشْيَاء
أَحدهَا صَرِيح القَوْل بِأَن يَقُول هُوَ عدل رَضِي مَعَ بَيَان السَّبَب
الثَّانِي الحكم بِشَهَادَتِهِ
الثَّالِث الْعَمَل بِخَبَر الرَّاوِي بِشَرْط أَن يعلم أَن لَا مُسْتَند للْعَمَل غير رِوَايَته وَإِلَّا لم يكن تعديلا لاحْتِمَال أَنه عمل بِدَلِيل آخر وَافق رِوَايَة الرَّاوِي وَكَانَت هِيَ زَائِدَة لَا حَاجَة إِلَيْهَا وَلَا معول عَلَيْهَا
الْعَاشِرَة إِن عرف من مَذْهَب الرَّاوِي أَو عَادَته أَو صَرِيح قَوْله أَنه لَا يرى الرِّوَايَة أَو لَا يروي إِلَّا عَن عدل كَانَت رِوَايَته تعديلا لمن روى عَنهُ وَإِن لم يعلم ذَلِك لم تكن رِوَايَته عَنهُ تعديلا لَهُ إِذْ قد يروي الشَّخْص عَمَّن لَو سُئِلَ عَنهُ لسكت
الْحَادِيَة عشر قَالَ أَصْحَابنَا وَالْجُمْهُور الصَّحَابَة كلهم عدُول لَا حَاجَة إِلَى الْبَحْث عَن عدالتهم ومرادهم من لم يعرف بقدح ذكره علاءالدين عَن ابْن سُلَيْمَان المرداوي فِي التَّحْرِير وَقيل لم يزَالُوا عُدُولًا حَتَّى وَقع الْخلاف بَينهم واقتتلوا وَهَذَا القَوْل ينْسب إِلَى وَاصل بن عَطاء وَأَصْحَابه الواصلية وَقيل هم كغيرهم من رُوَاة الْأمة فيبحث عَن عدالتهم
والصحابي من لَقِي النَّبِي ﷺ أَو رَآهُ يقظة حَيا عِنْد الإِمَام أَحْمد وَأَصْحَابه وَالْبُخَارِيّ وَالْأَكْثَر مُسلما وَلَو ارْتَدَّ ثمَّ أسلم وَلم يره وَمَات عَلَيْهِ وَلَو جنيا فِي الْأَظْهر وَقيل من طَالَتْ صحبته عرفا وَحكى عَن الْأَكْبَر وَقيل من صَحبه سنة أَو غزى مَعَه أَو روى عَنهُ وَالْقَوْل الأول أولى
стр. 168
وَيعلم كَونه صحابيا بأخبار غَيره بِأَنَّهُ صَحَابِيّ اتِّفَاقًا فَلَو أخبر عَن نَفسه بِأَنَّهُ صَحَابِيّ فَقَالَ أَصْحَابنَا وَالْأَكْثَر يقبل قَوْله وَقَالَ جمع لَا يقبل وَالْقَوْل فِي التَّابِعِيّ مثل القَوْل فِي الصَّحَابِيّ إِلَّا فِي إِثْبَات الْعَدَالَة وَشرط ابْن حبَان كَونه فِي سنّ يحفظ فِيهِ عَن الصَّحَابِيّ وَاشْترط الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ وَجمع الصُّحْبَة
الثَّانِيَة عشرَة الرَّاوِي إِمَّا أَن يكون صحابيا أَو غير صَحَابِيّ فالصحابي لألفاظ رِوَايَته مَرَاتِب أقواها أَن يَقُول سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول أَو حَدثنِي أَو أَخْبرنِي أَو نَبَّأَنِي أَو شافهني وَهُوَ الأَصْل فِي الرِّوَايَة ثمَّ بعد هَذَا قَالَ رَسُول الله ﷺ لكنه دون سَمِعت فِي الْقُوَّة لاحْتِمَال الْوَاسِطَة فِي قَوْله قَالَ ثمَّ بعده أَمر رَسُول الله بِكَذَا وَنهى عَن كَذَا أَو أمرنَا بِكَذَا ونهينا عَن كَذَا أَو رخص لنا أَو حرم علينا وَهَذَا كُله حجَّة عندنَا وَعند الشَّافِعِي وَالْأَكْثَر وَمثله قَوْله من السّنة كَذَا وَكُنَّا نَفْعل وَنَحْوه على عهد النَّبِي ﷺ كَذَا وَكَانُوا يَفْعَلُونَ كَذَا لَكِن قَوْله كَانُوا يَفْعَلُونَ إِن أضيف إِلَى عهد النُّبُوَّة كَانَ حجَّة إقرارية وَإِن لم يضف إِلَى عهد النُّبُوَّة لم يكن حجَّة إقرارية بل يكون إِجْمَاعًا ظنيا لَا قَطْعِيا قَالَ أَبُو الْخطاب وَيقبل قَول الصَّحَابِيّ هَذَا الْخَبَر مَنْسُوخ وَيرجع فِي تَفْسِير الْخَبَر إِلَيْهِ
الثَّالِثَة عشر الرِّوَايَة عَن غير الصَّحَابِيّ لَهَا مَرَاتِب
أَحدهَا سَمَاعه قِرَاءَة الشَّيْخ للْحَدِيث على جِهَة إخْبَاره للراوي أَنه من رِوَايَته ليروي الرَّاوِي عَنهُ فللراوي حِينَئِذٍ أَن يَقُول سَمِعت
стр. 169
فلَانا يَعْنِي شَيْخه يَقُول كَذَا وَله أَن يَقُول قَالَ فلَان وحَدثني فلَان وَأَخْبرنِي فلَان
الثَّانِيَة أَن يقْرَأ الرَّاوِي على الشَّيْخ فَيَقُول الشَّيْخ نعم أَو يسكت فَلهُ الرِّوَايَة عَنهُ بذلك لظُهُور الصُّحْبَة والإجابة ثمَّ لَهُ أَن يَقُول أخبرنَا وَحدثنَا فلَان قِرَاءَة عَلَيْهِ
الثَّالِثَة الْإِجَازَة نَحْو أجزت لَك أَن تروي عني الْكتاب الْفُلَانِيّ أَو مَا صَحَّ عنْدك من مسموعاتي والمناولة نَحْو خُذ هَذَا الْكتاب فاروه عني وَيَكْفِي مُجَرّد اللَّفْظ دون المناولة فَيَقُول فِيهَا حَدثنِي أَو أَخْبرنِي إجَازَة فَإِن لم يقل ذَلِك بل اقْتصر على قَوْله حَدثنِي أَو أَخْبرنِي فقد أجَازه قوم وَالْحق أَنه لَا يجوز لإشعاره بِالسَّمَاعِ مِنْهُ وَهُوَ كذب وَلَو قَالَ خُذ هَذَا الْكتاب أَو هُوَ سَمَاعي وَلم يقل ارووه عني لم تجز رِوَايَته وَلَا يروي عَنهُ مَا وجده بِخَطِّهِ لَكِن يَقُول وجدت بِخَط فلَان وَتسَمى الوجادة وَلَو قَالَ هَذِه نُسْخَة صَحِيحَة من كتاب البُخَارِيّ وَنَحْوه لم يجز رِوَايَتهَا عَنهُ مُطلقًا وَلَا الْعَمَل بهَا إِن كَانَ مُقَلدًا إِذْ فَرْضه تَقْلِيد الْمُجْتَهد وَإِن كَانَ مُجْتَهدا فَقَوْلَانِ الْأَصَح الْجَوَاز وَلَا يروي عَن شَيْخه مَا شكّ فِي سَمَاعه مِنْهُ فَلَو شاع الحَدِيث الْمَشْكُوك فِي سَمَاعه فِي مسموعات الرَّاوِي وَلم يتَمَيَّز فَلم يعلم هَل هُوَ هَذَا الحَدِيث أَو هَذَا أَو هَل هُوَ هَذَا الْكتاب أَو هَذَا لم يرو شَيْئا من مسموعاته فَإِن ظن أَنه وَاحِد مِنْهَا بِعَيْنِه أَو إِن هَذَا الحَدِيث مسموع لَهُ فَفِي جَوَاز الرِّوَايَة اعْتِمَادًا على الظَّن خلاف وإنكار الشَّيْخ الحَدِيث غير قَادِح فِي رِوَايَة الْفَرْع لَهُ وَيحمل
стр. 170
إِنْكَار الشَّيْخ على نسيانه جمعا بَينهمَا وَإِذا وجد سَمَاعه بِخَط يَثِق بِهِ وَغلب على ظَنّه أَنه سَمعه جَازَ أَن يرويهِ وَإِن لم يذكر السماع
الرَّابِعَة عشرَة الزِّيَادَة من الثِّقَة مَقْبُولَة لفظية كَانَت أَو معنوية كالحديث التَّام وَأولى
الْخَامِسَة عشر الْجُمْهُور على قبُول مُرْسل الصَّحَابِيّ أما مُرْسل غير الصَّحَابِيّ كَقَوْل من لم يعاصر النَّبِي ﷺ قَالَ النَّبِي ﷺ وَمن لم يعاصر أَبَا هُرَيْرَة قَالَ أَبُو هُرَيْرَة فَفِيهِ قَولَانِ الْقبُول وَهُوَ مَذْهَب مَالك وَأبي حنيفَة وَاخْتَارَهُ القَاضِي وَجَمَاعَة من الْمُتَكَلِّمين
وَالْمَنْع وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَبَعض الْمُحدثين
السَّادِسَة عشر الْجُمْهُور يقبل خبر الْوَاحِد فِيمَا تعم بِهِ الْبلوى كرفع الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاة وَنقض الْوضُوء بِمَسّ الذّكر وَنَحْوهمَا
وَالْمرَاد مِمَّا تعم بِهِ الْبلوى مَا يكثر التَّكْلِيف بِهِ وَيقبل أَيْضا فِيمَا يسْقط بِالشُّبُهَاتِ كالحدود وَفِيمَا يُخَالف الْقيَاس وَفِيمَا يُخَالف الْأُصُول أَو معنى الْأُصُول وَالْفرق بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ أَن الْقيَاس أخص من الْأُصُول إِذْ كل قِيَاس أصل وَلَيْسَ كل أصل قِيَاسا فَمَا خَالف الْقيَاس قد خَالف أصلا خَاصّا وَمَا خَالف الْأُصُول يجوز أَن يكون مُخَالفا لقياس أَو نَص أَو إِجْمَاع أَو اسْتِدْلَال أَو اسْتِصْحَاب أَو اسْتِحْسَان أَو غير ذَلِك
فقد يكون الْخَبَر مُخَالفا للْقِيَاس مُوَافقا لبَعض الْأُصُول وَقد يكون بِالْعَكْسِ كانتقاض الْوضُوء بِالنَّوْمِ مُوَافق للْقِيَاس من أَنه تَعْلِيق الحكم بمظنته كَسَائِر الْأَحْكَام الْمُعَلقَة بمظانها وَهُوَ مُخَالف لبَعض الْأُصُول وَهُوَ الِاسْتِصْحَاب إِذْ الأَصْل عدم خُرُوج الْحَدث وَقد يكون مُخَالفا لَهما جَمِيعًا كَخَبَر الْمُصراة فَإِن الْقيَاس كَمَا
стр. 171
دلّ على ضَمَان الشَّيْء بِمثلِهِ كَذَلِك النَّص وَالْإِجْمَاع دَالا على ذَلِك وَقد يكون مُوَافقا لَهما كالآثار الْوَارِدَة فِي تَحْرِيم النَّبِيذ مُوَافقَة لقياسه على الْخمر وَالنَّص وَالْإِجْمَاع على تَحْرِيمهَا وَالنَّص على تَحْرِيم كل مُسكر وأصحابنا لم يتْركُوا حَدِيث القهقهة لمُخَالفَته الْقيَاس بل لعدم صِحَّته عِنْدهم
السَّابِعَة عشر تجوز رِوَايَة الحَدِيث بِالْمَعْنَى المطابق للفظ للعارف بمقتضيات الْأَلْفَاظ الْفَارِق بَينهَا
قَالَ الْقَرَافِيّ يجوز بِثَلَاثَة شُرُوط أَن لَا يزِيد فِي التَّرْجَمَة وَلَا ينقص وَلَا يكون أخْفى من لفظ الشَّارِع
تَتِمَّة
ذهب الإِمَام أَحْمد وَتَبعهُ موفق الدّين الْمَقْدِسِي وَالْأَكْثَر إِلَى أَنه يعْمل بِالْحَدِيثِ الضَّعِيف فِي الْفَضَائِل
وَقَالَ شيخ الْإِسْلَام أَحْمد بن تَيْمِية يعْمل بِهِ فِي التَّرْغِيب والترهيب لَا فِي إِثْبَات مُسْتَحبّ وَغَيره وَرُوِيَ الْمَنْع عَن أَحْمد أَيْضا وَكَانَ يكْتب حَدِيث الرجل الضَّعِيف للاعتبار وَالِاسْتِدْلَال بِهِ مَعَ غَيره وَقَالَ الْخلال فِي الْجَامِع لَا يحْتَج بِحَدِيث ضَعِيف فِي المأتم
وَقَالَ مَذْهَب أَحْمد القَوْل بِالْحَدِيثِ الضَّعِيف أَو المضطرب إِذا لم يكن لَهُ معَارض وَقد تقدم مثل ذَلِك عِنْد الْكَلَام على أصُول الإِمَام أَحْمد فَليُرَاجع وَلما كَانَ النّسخ لاحقا للْكتاب وَالسّنة مَعًا عقبناهما بقولنَا
стр. 172
بَاب النّسخ
هُوَ فِي اللُّغَة الرّفْع والإزالة وَقد يُرَاد بِهِ مَا يشبه النَّقْل نَحْو نسخت الْكتاب وَفِي اصْطِلَاح الْأُصُولِيِّينَ هُوَ رفع الحكم الثَّابِت بطرِيق شَرْعِي بِمثلِهِ متراخ عَنهُ فَيدْخل مَا ثَبت بِالْخِطَابِ أَو مَا قَامَ مقَامه من إِشَارَة أَو إِقْرَار فِي النَّاسِخ والمنسوخ وَهُوَ جَائِز عقلا وواقع سمعا فِي الْكتاب وَالسّنة بِلَا خلاف فِي ذَلِك بَين الْمُسلمين وَفَائِدَته أَن الله تَعَالَى علم الْمصلحَة فِي الحكم تَارَة فأثبته بِالشَّرْعِ وَعلم الْمفْسدَة فِيهِ تَارَة فنفاه بالنسخ وَهَذَا لَا بداء فِيهِ لأننا نقطع بِكَمَال علم الله تَعَالَى والبداء يُنَافِي كَمَال الْعلم وللنسخ فَائِدَتَانِ أَحدهمَا رِعَايَة الْأَصْلَح للمكلفين تفضلا من الله تَعَالَى لَا وجوبا
ثَانِيهمَا امتحان الْمُكَلّفين بامتثالهم الْأَوَامِر والنواهي خُصُوصا فِي أَمرهم بِمَا كَانُوا منهيين عَنهُ ونهيهم عَمَّا كَانُوا مأمورين بِهِ فَإِن الانقياد لَهُ أدل على الْإِيمَان وَالطَّاعَة وَفِي هَذَا الْبَاب شذرات
الأولى يجوز نسخ التِّلَاوَة وَالْحكم وإحكامهما بِكَسْر
стр. 173
الْهمزَة أَي إبقائهما محكمين غير منسوخين وَيجوز نسخ اللَّفْظ فَقَط دون الْمَعْنى وَنسخ الْمَعْنى دون اللَّفْظ وَأَنت إِذا تَأَمَّلت هَذَا الْمقَام وجدته سِتَّة أَقسَام
الأول مَا نسخ حكمه وَبَقِي رسمه كنسخ آيَة ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ الْبَقَرَة ١٨٠ بِآيَة الْمَوَارِيث وَنسخ الْعدة حولا بالعدة أَرْبَعَة أشهر وَعشرا
الثَّانِي مَا نسخ حكمه ورسمه وَثَبت حكم النَّاسِخ ورسمه كنسخ اسْتِقْبَال بَيت الْمُقَدّس باستقبال الْكَعْبَة
الثَّالِث مَا نسخ حكمه وَبَقِي رسمه وَرفع رسم النَّاسِخ وَبَقِي حكمه كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾ النِّسَاء ١٥ الْآيَة بقوله تَعَالَى الشَّيْخ وَالشَّيْخَة إِذا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّة نكالا من الله وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح أَن هَذَا كَانَ قُرْآنًا يُتْلَى ثمَّ نسخ لَفظه وَبَقِي حكمه
стр. 174
الرَّابِع مَا نسخ حكمه ورسمه وَنسخ رسم النَّاسِخ وَبَقِي حكمه كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيح عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت كَانَ فِيمَا أنزل عشر رَضعَات مُتَتَابِعَات يحرمن فنسخ بِخمْس رَضعَات فَتوفي رَسُول الله وَهن فِيمَا يُتْلَى من الْقُرْآن
قَالَ الْبَيْهَقِيّ فالعشر مِمَّا نسخ رسمه وَحكمه وَالْخمس نسخ رسمه وَبَقِي حكمه بِدَلِيل أَن الصَّحَابَة حِين جمعُوا الْقُرْآن لم يثبتوها رسما وَحكمهَا بَاقٍ عِنْدهم
قَالَ ابْن السَّمْعَانِيّ معنى قَوْلهَا وَهِي فِيمَا يُتْلَى من الْقُرْآن أَنه يُتْلَى حكمهَا دون لَفظهَا
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ الْمَعْنى أَنه يتلوه من لم يبلغهُ نسخ تِلَاوَته
الْخَامِس مَا زَالَ رسمه لَا حكمه وَلَا يعلم النَّاسِخ لَهُ كَمَا
стр. 175
فِي الصَّحِيح لَو كَانَ لِابْنِ آدم واديان من ذهب لتمنى لَهما ثَالِثا لَا يمْلَأ جَوف ابْن آدم إِلَّا التُّرَاب وَيَتُوب الله على من تَابَ فَإِن هَذَا كَانَ قُرْآنًا ثمَّ نسخ رسمه
السَّادِس نَاسخ صَار مَنْسُوخا وَلَيْسَ بَينهمَا لفظ متلو كالمواريث بِالْحلف والنصرة فَإِنَّهُ نسخ بالتوارث بِالْإِسْلَامِ وَالْهجْرَة ونسخه بِآيَة الْمَوَارِيث
الثَّانِيَة نسخ الْأَمر قبل امتثاله جَائِز نَحْو أَن يَقُول الشَّارِع فِي رَمَضَان مثلا حجُّوا فِي هَذِه السّنة ثمَّ يَقُول فِي يَوْم عَرَفَة أَو قبله لَا تَحُجُّوا وَهَذِه الْمَسْأَلَة ذكرتها تبعا للروضة وَغَيرهَا وَلَا فَائِدَة لَهَا إِلَّا المناقشة
الثَّالِثَة الزِّيَادَة على النَّص إِمَّا أَن لَا تتَعَلَّق بِحكم النَّص أصلا أَو تتَعَلَّق بِهِ فَإِن لم تتَعَلَّق بِهِ فَلَيْسَتْ نسخا لَهُ إِجْمَاعًا وَذَلِكَ كزيادة إِيجَاب الصَّوْم بعد إِيجَاب الصَّلَاة فَإِنَّهُ لَيْسَ نسخا لإِيجَاب الصَّلَاة بِالْإِجْمَاع وَإِن تعلّقت الزِّيَادَة بِحكم النَّص الْمَزِيد عَلَيْهِ فَتلك الزِّيَادَة إِمَّا جُزْء لَهُ أَو شَرط أَو لَا جُزْء وَلَا شَرط مِثَال كَونهَا جُزْءا لَهُ زِيَادَة رَكْعَة فِي الصُّبْح أَو عشْرين سَوْطًا فِي حد الْقَذْف فَتَصِير الصُّبْح ثَلَاث رَكْعَات وَالثَّالِثَة جُزْء مِنْهَا وحد الْقَذْف مائَة سَوط وَالْعشْرُونَ الزَّائِدَة جُزْء مِنْهَا
وَمِثَال كَونهَا شرطا نِيَّة الطَّهَارَة هِيَ شَرط لَهَا وَقد زيدت فِي
стр. 176
حَدِيث إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَغَيره على مَا فِي آيَة الْوضُوء بِنَاء على أَن النِّيَّة لَيست مستفادة من الْآيَة على خلاف بَين الْعلمَاء وَمِثَال كَون الزِّيَادَة لَيست جُزْءا وَلَا شرطا التَّغْرِيب على الْجلد فِي زنا الْبكر إِذْ الْجلد لَا يتَوَقَّف على التَّغْرِيب توقف الْكل على جزئه وَلَا توقف الْمَشْرُوط على شَرطه وَلَيْسَ شَيْء من ذَلِك نسخا عندنَا خلافًا للحنفية وَحكى الْآمِدِيّ عَن القَاضِي عبد الْجَبَّار وَالْغَزالِيّ فِي المثالين الْأَوَّلين أَنَّهُمَا وافقا الْحَنَفِيَّة فِي أَنه نسخ وَقد أَطَالَ الأصوليون ذيول هَذِه الْمَسْأَلَة وفائدتها على مَا فِي الْبَحْر للزركشي أَن مَا ثَبت أَنه من بَاب النّسخ وَكَانَ مَقْطُوعًا بِهِ فَلَا ينْسَخ إِلَّا بقاطع كالتغريب وَالله الْمُوفق
الرَّابِعَة يجوز نسخ الْعِبَادَة إِلَى غير بدل كنسخ وجوب الْإِمْسَاك بعد النّوم فِي اللَّيْل وَذَلِكَ أَنهم كَانُوا فِي صدر الْإِسْلَام مَتى نَام أحدهم قبل أَن يفْطر من صَوْمه حرم عَلَيْهِ الْأكل حَتَّى اللَّيْلَة الثَّانِيَة فَخفف ذَلِك عَنْهُم بنسخه بِإِبَاحَة الْأكل إِلَى طُلُوع الْفجْر من غير بدل وَمن ذَلِك نسخ اعْتِدَاد الْمُتَوفَّى عَنْهَا حولا باعتدادها أَرْبَعَة أشهر وَعشرا فتمام الْحول نسخ لَا إِلَى بدل
стр. 177
الْخَامِسَة يجوز نسخ كل من الْكتاب ومتواتر السّنة وآحادها بِمثلِهِ وَهَذَا اتِّفَاق لَا اخْتِلَاف فِيهِ وَيجوز نسخ السّنة بِالْكتاب خلافًا للشَّافِعِيّ واستنكر جمَاعَة من الْعلمَاء مِنْهُ ذَلِك
تَنْبِيه
الْأَدِلَّة النقلية الَّتِي يتَطَرَّق النّسخ إِلَيْهَا وَبهَا
هِيَ الْكتاب ومتواتر السّنة وآحادها وكل وَاحِد مِنْهَا إِمَّا أَن ينْسَخ بِمثلِهِ من جنسه أَو بالآخرين مَعَه فَيحصل من ذَلِك تسع صور
الأولى نسخ الْكتاب بِالْكتاب
الثَّانِيَة نسخ الْكتاب بمتواتر السّنة
الثَّالِثَة نسخ الْكتاب بآحاد السّنة
الرَّابِعَة نسخ متواتر السّنة بمتواتر السّنة
الْخَامِسَة نسخ متواتر السّنة بِالْكتاب
السَّادِسَة نسخ متواتر السّنة بالآحاد
السَّابِعَة نسخ الْآحَاد بالآحاد
الثَّامِنَة نسخ الْآحَاد بِالْكتاب
التَّاسِعَة نسخ الْآحَاد بالمتواتر وَالضَّابِط فِي ذَلِك على الْمَشْهُور بَينهم أَن النَّص ينْسَخ بأقوى مِنْهُ وَلَا ينْسَخ بأضعف مِنْهُ فَيسْقط بِمُقْتَضى هَذَا الضَّابِط من
стр. 178
الصُّور التسع صُورَتَانِ نسخ الْكتاب بالآحاد وَنسخ الْمُتَوَاتر بالآحاد وعَلى قَول الْبَاجِيّ وَبَعض الظَّاهِرِيَّة يَصح النّسخ فِي الصُّور التسع
السَّادِسَة الْإِجْمَاع لَا ينْسَخ وَلَا ينْسَخ بِهِ وَلَا بِالْقِيَاسِ وَأما الْقيَاس فَلَا ينْسَخ
فَائِدَتَانِ
إِحْدَاهمَا الطَّرِيق الَّذِي يعرف بِهِ كَون النَّاسِخ نَاسِخا إِنَّمَا هُوَ أُمُور أَولهمَا أَن يكون فِيهِ مَا يدل على تقدم أَحدهمَا وَتَأَخر الآخر فِي النُّزُول لَا التِّلَاوَة فَإِن الْعدة بأَرْبعَة شهور سَابِقَة على الْعدة فِي الْحول فِي التِّلَاوَة مَعَ أَنَّهَا ناسخة لَهَا وَمن ذَلِك التَّصْرِيح فِي اللَّفْظ بِمَا يدل على النّسخ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ الْأَنْفَال ٦٦
وَكَقَوْلِه ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ المجادلة ١٣
ثَانِيهَا أَن يعرف ذَلِك من قَوْله ﵇ كَأَن يَقُول هَذَا نَاسخ لهَذَا أَو مَا فِي مَعْنَاهُ كَقَوْلِه كنت نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور أَلا فزوروها
стр. 179
وَثَالِثهَا أَن يعرف ذَلِك بِفِعْلِهِ ﵇ كرجمه لماعز وَلم يجلده
رَابِعهَا إِجْمَاع الصَّحَابَة على أَن هَذَا نَاسخ وَهَذَا مَنْسُوخ كنسخ الْحُقُوق الْمُتَعَلّقَة بِالْمَالِ بِالزَّكَاةِ
خَامِسهَا نقل الصَّحَابِيّ لتقدم أحد الْحكمَيْنِ وَتَأَخر الآخر إِذْ لَا مدْخل للِاجْتِهَاد فِيهِ
سادسها كَون أحد الْحكمَيْنِ شَرْعِيًّا وَالْآخر مُوَافقا للْعَادَة فَيكون الشَّرْعِيّ نَاسِخا وَأما حَدَاثَة الصَّحَابِيّ وَتَأَخر إِسْلَامه فَلَيْسَ ذَلِك من دَلَائِل النّسخ وَإِذا لم يعلم النَّاسِخ من الْمَنْسُوخ بِوَجْه من الْوُجُوه فرجح ابْن الْحَاجِب الْوَقْف وَقَالَ الْآمِدِيّ إِن علم افتراقهما مَعَ تعذر الْجمع بَينهمَا فعندي أَن ذَلِك غير مُتَصَوّر الْوُقُوع وَبِتَقْدِير وُقُوعه فَالْوَاجِب إِمَّا الْوَقْف عَن الْعَمَل بِأَحَدِهِمَا أَو التَّخْيِير بَينهمَا إِن أمكن الحكم وَكَذَلِكَ
стр. 180
الحكم فِيمَا إِذا لم يعلم شَيْء من ذَلِك انْتهى
وَزَاد فِي الرَّوْضَة إِن النّسخ يعرف بالتاريخ نَحْو قَالَ سنة خمس كَذَا وعام الْفَتْح كَذَا وَيكون رَاوِي أحد الْخَبَرَيْنِ مَاتَ قبل إِسْلَام رَاوِي الثَّانِي
ثَانِيهمَا للنسخ شُرُوط
الأول أَن يكون الْمَنْسُوخ شَرْعِيًّا لَا عقليا
الثَّانِي أَن يكون النَّاسِخ مُنْفَصِلا عَن الْمَنْسُوخ مُتَأَخِّرًا عَنهُ فَإِن المقترن كالشرط وَالصّفة وَالِاسْتِثْنَاء لَا يُسمى نسخا بل تَخْصِيصًا
الثَّالِث أَن يكون النّسخ بشرع فَلَا يكون ارْتِفَاع الحكم بِالْمَوْتِ نسخا بل سُقُوط تَكْلِيف
الرَّابِع أَن يكون الْمَنْسُوخ مُقَيّدا بِوَقْت وَإِلَّا فَلَا يكون انْقِضَاء ذَلِك الْوَقْت نسخا لَهُ
الْخَامِس أَن يكون النَّاسِخ مثل الْمَنْسُوخ فِي الْقُوَّة أَو أقوى مِنْهُ
السَّادِس أَن يكون الْمُقْتَضى للمنسوخ غير الْمُقْتَضى للناسخ حَتَّى لَا يلْزم البداء
السَّابِع أَن يكون مِمَّا يجوز نسخه فَلَا يدْخل النّسخ أصل التَّوْحِيد لِأَن الله تَعَالَى بأسمائه وَصِفَاته لم يزل وَلَا يزَال وَمثل ذَلِك مَا علم بِالنَّصِّ أَنه يتأبد وَلَا يتأقت ثمَّ لما كَانَ الْكتاب وَالسّنة تلحقهما أَحْكَام لفظية ومعنوية كالأمر وَالنَّهْي والعموم وَالْخُصُوص لَا جرم عقبناهما بقولنَا
следующие страницы →