Полный текст (458 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
وَإِن لم يتعارضا من كل وَجه وَجب الْجمع بَينهمَا بِمَا أمكن من الطّرق كَمثل أَن يكون أَحدهمَا أخص من الآخر فَيقدم أخصهما أَو بِأَن يحمل أَحدهمَا على تَأْوِيل صَحِيح يجمع بِهِ بَين الْحَدِيثين فَإِن كَانَ كل مِنْهُمَا عَاما من وَجه خَاصّا من وَجه تعادلا وَطلب الْمُرَجح الْخَارِجِي وَمن أَمْثِلَة ذَلِك قَوْله ﵇ من نَام على صَلَاة أَو نَسِيَهَا فليصلها إِذا ذكرهَا مَعَ قَوْله ﵇ لَا صَلَاة بعد الْعَصْر فَالْأول خَاص فِي الْفَائِتَة الْمَكْتُوبَة عَام فِي الْوَقْت وَالثَّانِي عَكسه عَام فِي الصَّلَاة خَاص فِي الْوَقْت فيتعادلان وَيطْلب الْمُرَجح وَيجوز تعَارض عمومين من غير مُرَجّح بَينهمَا عقلا لَا وجودا
فصل
الْمُخَصّص إِمَّا مُنْفَصِل وَهُوَ المخصصات التسع الَّتِي سبق بَيَانهَا وَإِمَّا مُتَّصِل وَهُوَ الِاسْتِثْنَاء وَالشّرط والغاية والصيغة وَغير ذَلِك مِمَّا سَيَأْتِي
أما الِاسْتِثْنَاء فَهُوَ إِخْرَاج بعض الْجُمْلَة بإلا أَو بِمَا قَامَ مقَامهَا وَهُوَ غير وَسوى وَعدا وخلا وحاشا وَلَيْسَ وَلَا يكون
وَالْفرق بَينه وَبَين التَّخْصِيص بالمنفصل بِغَيْر الِاسْتِثْنَاء بِوَجْهَيْنِ
стр. 212
أَحدهمَا إِن الِاسْتِثْنَاء يجب اتِّصَاله بالمستثنى مِنْهُ بِخِلَاف التَّخْصِيص بِغَيْر الاستتثناء فَإِنَّهُ يجوز أَن يتراخى وَذَلِكَ لِأَن صِيغَة الِاسْتِثْنَاء غير مُسْتَقلَّة بِنَفسِهَا لِأَنَّهَا تَابِعَة للمستثنى مِنْهُ بِخِلَاف التَّخْصِيص بغَيْرهَا
ثَانِيهَا إِن الِاسْتِثْنَاء يتَطَرَّق إِلَى النَّص كَقَوْلِه لَهُ عَليّ عشرَة إِلَّا ثَلَاثَة بِخِلَاف التَّخْصِيص بِغَيْر الِاسْتِثْنَاء فَإِنَّهُ لَا يَصح فِي النَّص وَإِنَّمَا يَصح فِي الْعَام ودلالته ظنية وَالْفرق بَين الِاسْتِثْنَاء وَبَين النّسخ من وُجُوه أَولهَا أَن الِاسْتِثْنَاء يشْتَرط فِيهِ الِاتِّصَال والنسخ يشْتَرط فِيهِ التَّرَاخِي
ثَانِيهَا أَن الِاسْتِثْنَاء إِنَّمَا يرفع حكم بعض النَّص وَلَا يَصح أَن يكون مُسْتَغْرقا والنسخ يجوز أَن يرد على جَمِيع حكم النَّص فيرفعه
ثَالِثهَا الِاسْتِثْنَاء مَانع لدُخُول الْمُسْتَثْنى تَحت لفظ الْمُسْتَثْنى مِنْهُ والنسخ يرفع مَا دخل تَحت لفظ الْمَنْسُوخ وَهَهُنَا مسَائِل
أَحدهَا يشْتَرط للاستثناء الِاتِّصَال بِحَيْثُ لَا يفصل بَين الْمُسْتَثْنى والمستثنى مِنْهُ بِكَلَام أَجْنَبِي وَلَا بسكوت يُمكن التَّكَلُّم فِيهِ كَسَائِر التوابع اللفظية من خبر الْمُبْتَدَأ وَجَوَاب الشَّرْط وَالْحَال والتمييز
ثَانِيهَا يشْتَرط أَن لَا يكون الْمُسْتَثْنى من غير جنس الْمُسْتَثْنى مِنْهُ فَلَا يَصح أَن يُقَال قَامَ الْقَوْم إِلَّا حمارا مَعَ إِرَادَة الْحَقِيقَة فَإِن أَرَادَ الْمجَاز صَحَّ هُنَا بِأَن يَجْعَل الْحمار كِنَايَة عَن البليد وَالْكَلَام هُنَا فِي فن الْأُصُول لَا فِي فن النَّحْو لِأَن كلامنا فِي التَّخْصِيص وَعَدَمه والنحاة يَتَكَلَّمُونَ على الْجَوَاز لُغَة لَا شرعا على أَن أهل الْعَرَبيَّة يسمون الِاسْتِثْنَاء من غير الْجِنْس مُنْقَطِعًا ويقدرون إِلَّا فِيهِ بِمَعْنى لَكِن لاشْتِرَاكهمَا فِي معنى الِاسْتِدْرَاك بهَا فَافْتَرقَا
стр. 213
وَأما قَول الْخرقِيّ فِي مُخْتَصره وَمن أقرّ بِشَيْء وَاسْتثنى من غير جنسه كَانَ اسْتِثْنَاؤُهُ بَاطِلا إِلَّا أَن يَسْتَثْنِي عينا من ورق أَو وَرقا من عين فَإِنَّهُ رَاجع إِلَى الِاسْتِثْنَاء من الْجِنْس غَايَة مَا فِيهِ أَنه اسْتثْنى من الْجِنْس الْبعيد وَهُوَ المَال
ثَالِثهَا يشْتَرط لصِحَّة الِاسْتِثْنَاء أَن لَا يكون مُسْتَغْرقا فَإِن كَانَ كَذَلِك نَحْو أَن يَقُول لَهُ عَليّ عشرَة إِلَّا عشرَة بَطل إِجْمَاعًا وَفِي الْأَكْثَر وَالنّصف نَحْو لَهُ عَليّ عشرَة إِلَّا سِتَّة أَو إِلَّا خَمْسَة خلاف وَاقْتصر قوم على صِحَة الِاسْتِثْنَاء الْأَقَل نَحْو لَهُ على عشرَة إِلَّا أَرْبَعَة وَهُوَ الصَّحِيح من مَذْهَبنَا
قَالَ الشَّيْخ مجد الدّين من أَصْحَابنَا فِي كِتَابه الْمُحَرر يَصح اسْتثِْنَاء الْأَقَل دون الْأَكْثَر فِي عدد الطَّلَاق والمطلقات والأقارير نَص عَلَيْهِ وَفِي النّصْف وَجْهَان وَقيل فِي الْأَكْثَر أَيْضا وَحكى المرداوي فِي التَّحْرِير أَنه يَصح اسْتثِْنَاء النّصْف فِي الْأَصَح
رَابِعهَا إِذا تعقب الِاسْتِثْنَاء جملا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَالَّذين يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ النُّور ٤ ٥ عَاد الِاسْتِثْنَاء إِلَى الْكل عندنَا وَعند الشَّافِعِيَّة وَإِلَى الْأَخِيرَة عِنْد الْحَنَفِيَّة وَتوقف المرتضي من الشِّيعَة فَقَالَ يصلح رُجُوعه إِلَى جَمِيع الْجمل وَإِلَى الْجُمْلَة الْأَخِيرَة على جِهَة الِاشْتِرَاك والتساوي وَلَا رُجْحَان لأَحَدهمَا على الْأُخْرَى وَالْقَوْل الْفَصْل إِنَّه إِن كَانَ فِي الْكَلَام قرينَة معنوية كَقَوْلِه نساؤه طَوَالِق وعبيدي أَحْرَار إِلَّا الْحيض أَو لفظية كَقَوْلِك أكْرم بني تَمِيم والنحاة البصريون إِلَّا البغداديون كَانَ الِاسْتِثْنَاء رَاجعا إِلَى
стр. 214
الْجُمْلَة الأولى وَأما فِي الْمِثَال الثَّانِي فالنظر إِلَى الْوَاو فَإِن ظهر أَنَّهَا للابتداء اخْتصَّ بالأخيرة وَإِن ترددت بَين الْعَطف والابتداء فالوقف
تَنْبِيه حَيْثُ إِن الِاسْتِثْنَاء إِذا تعقب جملا عَاد إِلَيْهَا كلهَا على الْمُخْتَار وَكَانَ الشَّرْط فِي مثل قَول الْقَائِل وَالله لَأَفْعَلَنَّ كَذَا إِن شَاءَ الله أَو لأصومن ولأتصدقن ولأصلين إِن شَاءَ الله يعود إِلَى الْجمل كلهَا سمى الْفُقَهَاء مثل هَذَا اسْتثِْنَاء بِجَامِع افتقار كل مِنْهُمَا إِلَى مَا يتَعَلَّق بِهِ إِذْ الشَّرْط يتَعَلَّق بمشروطه وَلَا يسْتَقلّ بِدُونِهِ وَالِاسْتِثْنَاء يتَعَلَّق بالمستثنى مِنْهُ وَلَا يسْتَقلّ بِدُونِهِ
خَامِسهَا لَا يَصح الِاسْتِثْنَاء إِلَّا نطقا إِلَّا فِي يَمِين خَائِف بنطقه وَقيل قِيَاس مَذْهَب مَالك صِحَّته بِالنِّيَّةِ وَيجوز تَقْدِيمه عِنْد الْكل
سادسها ذهب أَصْحَابنَا والمالكية وَالشَّافِعِيَّة إِلَى أَن الِاسْتِثْنَاء من النَّفْي إِثْبَات وَمن الْإِثْبَات نفي خلافًا للحنفية فِي الأولى وَسوى بَعضهم بَينهمَا وَاسْتثنى الْقَرَافِيّ من الأول الشَّرْط كلا صَلَاة إِلَّا بِطهُور
سابعها إِذا وَقع بعد الْمُسْتَثْنى مِنْهُ والمستثنى جملَة تصلح أَن تكون صفة لكل وَاحِد مِنْهُمَا فَعِنْدَ الشَّافِعِيَّة أَن تِلْكَ الْجُمْلَة ترجع إِلَى الْمُسْتَثْنى مِنْهُ وَعند الْحَنَفِيَّة إِلَى الْمُسْتَثْنى وَهَكَذَا إِذا جَاءَ بعد الْجمل ضمير يصلح لكل وَاحِدَة مِنْهُمَا
стр. 215
وَأما التَّخْصِيص بِالشّرطِ وَهُوَ مَا توقف عَلَيْهِ تَأْثِير الْمُؤثر على غير جِهَة السَّبَبِيَّة ومثاله قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ النِّسَاء ١٠١ فَإِنَّهُ أجَاز قصر الصَّلَاة بِشَرْطَيْنِ أَحدهمَا الضَّرْب فِي الأَرْض وَالْآخر خوف فتْنَة الْكفَّار لَكِن نسخ اعْتِبَار الشَّرْط الثَّانِي بِالرُّخْصَةِ حَتَّى جَازَ الْقصر مَعَ الْأَمْن وَبَقِي الشَّرْط الأول وَهُوَ الضَّرْب فِي الأَرْض فَلَا يجوز الْقصر بِدُونِهِ وينقسم الشَّرْط إِلَى أَرْبَعَة أَقسَام عَقْلِي كالحياة للْعلم
وشرعي كالطهارة للصَّلَاة
ولغوي كالتعليقات نَحْو إِن قُمْت قُمْت
وعادي كالسلم لصعود السَّطْح
وَقد يَتَعَدَّد وَمَعَ التَّعَدُّد قد يكون كل وَاحِد شرطا على الْجَمِيع فَيتَوَقَّف الْمَشْرُوط على حُصُولهَا جَمِيعهَا وَقد يكون كل وَاحِد شرطا مُسْتقِلّا فَيحصل الْمَشْرُوط بِحُصُول أَي وَاحِد مِنْهَا وَالشّرط كالاستثناء فِي اشْتِرَاط الِاتِّصَال
وَإِن تعقب جملا متعاطفة كَانَ حكمه رَاجعا إِلَيْهَا كلهَا عِنْد الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَغَيرهم وَحكي إِجْمَاعًا وَقيل يخْتَص بِالَّتِي تليه وَلَو كَانَت مُتَأَخِّرَة
وَقَالَ الرَّازِيّ بِالْوَقْفِ وَيجوز إِخْرَاج الْأَكْثَر بِهِ
وَأما الْغَايَة فَهِيَ نِهَايَة الشَّيْء الْمُقْتَضِيَة لثُبُوت الحكم قبلهَا وانتفائه بعْدهَا وَلها لفظان وهما حَتَّى وَإِلَى
وَكَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ الْبَقَرَة ٢٢٢ وَقَوله ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ الْمَائِدَة ٦ وَاخْتلفُوا فِي الْغَايَة نَفسهَا هَل تدخل فِي المغيا أم لَا وَالَّذِي صرح بِهِ أَكثر الْأَصْحَاب أَن مَا بعْدهَا مَحْكُوم عَلَيْهِ بنقيض حكم مَا قبلهَا مَا لم يتَقَدَّم على الْغَايَة عُمُوم يشملها فَإِذا تقدمها ذَلِك نَحْو قطعت أَصَابِعه كلهَا من الْخِنْصر إِلَى الْإِبْهَام يكن مَا بعْدهَا مُخَالفا لما قبلهَا وَمثله ﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ لم
стр. 216
(الْقدر ٥) وَأما الصّفة فَهِيَ كالاستثناء إِذا وَقعت بعد مُتَعَدد وَالْمرَاد بِالصّفةِ هُنَا هِيَ المعنوية على مَا حَقَّقَهُ عُلَمَاء الْبَيَان لَا مُجَرّد النَّعْت الْمَذْكُور فِي علم النَّحْو
قَالَ الْمَازرِيّ وَلَا خلاف فِي اتِّصَال التوابع وَهِي النَّعْت والتوكيد والعطف وَالْبدل
وَقَالَ الصفي الْهِنْدِيّ إِن كَانَت الصِّفَات كَثِيرَة وَذكرت على الْجمع عقب جملَة تقيدت بهَا أَو على الْبَدَل فلواحدة غير مُعينَة مِنْهَا وَإِن ذكرت عقب جمل فَفِي الْعود إِلَى كلهَا أَو إِلَى الْأَخِيرَة خلاف انْتهى
وَأما إِذا توسطت بَين جمل فَلَا وَجه للْخلاف فِي ذَلِك فَإِن الصّفة تكون لما قبلهَا لَا لما بعْدهَا
وَقَالَ شيخ الْإِسْلَام أَحْمد بن تَيْمِية التوابع المخصصة كالبدل وَعطف الْبَيَان والتوكيد وَنَحْوه كالاستثناء والشروط المعنونة بِحرف الْجَرّ كَقَوْلِه على أَنه أَو بِشَرْط أَنه أَو بِحرف الْعَطف كَقَوْلِه وَمن شَرطه كَذَا فَهِيَ كالشرط اللّغَوِيّ وَيتَعَلَّق حرف مُتَأَخّر بِالْفِعْلِ الْمُتَقَدّم انْتهى
وَالْإِشَارَة بذلك بعد جمل تعود إِلَى الْكل كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَمن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً﴾ الْفرْقَان ٦٨ والتمييز إِذا جَاءَ بعد جمل يعود إِلَى جَمِيع الْجمل الْمُتَقَدّمَة فَإِذا قَالَ مثلا لَهُ عَليّ ألف وَخَمْسُونَ درهما فالجميع دَرَاهِم على الصَّحِيح من الْمَذْهَب كَمَا قَالَه البقلي فِي قَوَاعِده الْأُصُولِيَّة وَقَالَ التَّمِيمِي يرجع فِي تَفْسِير الْألف إِلَيْهِ
تَنْبِيه قَوْلنَا وَالْمرَاد بِالصّفةِ المعنوية مَعْنَاهُ أَنَّهَا تَشْمَل كل مَا أشعر بِمَعْنى يَتَّصِف بِهِ إِفْرَاد الْعَام سَوَاء كَانَ الْوَصْف نعتا أَو عطف بَيَان
стр. 217
أَو حَالا وَسَوَاء كَانَ ذَلِك مُفردا أَو جملَة أَو شبهها وَهُوَ الظّرْف وَالْجَار وَالْمَجْرُور وَلَو كَانَ جَامِدا مأولا بمشتق لَكِن يخرج من ذَلِك الْوَصْف الَّذِي خرج مخرج الْغَالِب كَمَا يَأْتِي فِي المفاهيم أَو الْبَيَان الْوَصْف بمدح أَو ذمّ أَو ترحم أَو توكيد أَو تَفْصِيل فَلَيْسَ شَيْء مِنْهُ ذَلِك مُخَصّصا للْعُمُوم
стр. 218
فصل فِي الْمُطلق والمقيد
أما الْمُطلق فَهُوَ مَا تنَاول وَاحِدًا من غير معِين بِاعْتِبَار حَقِيقَة شَامِلَة لجنسه نَحْو قَوْله ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ النِّسَاء ٩٢ ﴿وَقَوله ﵊ لَا نِكَاح إِلَّا بولِي فَكل وَاحِد من لفظ الرَّقَبَة وَالْوَلِيّ قد تنَاول وَاحِدًا غير معِين من جنس الرّقاب والأولياء والمقيد مَا تنَاول معينا نَحْو أعتق زيدا من العبيد أَو مَوْصُوفا بِوَصْف زَائِد على حَقِيقَة جنسه نَحْو﴾ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ﴿النِّسَاء﴾ وصف الرَّقَبَة بِالْإِيمَان والشهرين بالتتابع وَذَلِكَ وصف زَائِد على حَقِيقَة نفس الرَّقَبَة والشهرين لِأَن الرَّقَبَة قد تكون مُؤمنَة وكافرة والشهرين قد يَكُونَا مُتَتَابعين وَغير مُتَتَابعين وَالْإِطْلَاق
стр. 219
وَالتَّقْيِيد يكونَانِ تَارَة فِي الْأَمر نَحْو أعتق رَقَبَة وَأعْتق رَقَبَة مُؤمنَة وَتارَة فِي الْخَبَر نَحْو لَا نِكَاح إِلَّا بولِي وشاهدين
لَا نِكَاح إِلَّا بولِي مرشد وشاهدي عدل
وتتفاوت مَرَاتِب الْمُقَيد فِي تَقْيِيده بِاعْتِبَار قلَّة الْقُيُود وَكَثْرَتهَا فَمَا كَانَت قيوده أَكثر كَانَت رتبته فِي التَّقْيِيد أعلا وَهُوَ فِيهِ أَدخل فَقَوله ﴿أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً﴾ التَّحْرِيم ٥ أعلا رُتْبَة فِي التَّقْيِيد من قَوْله ﴿مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ﴾ التَّحْرِيم ٥ لَا غير
وَقد يجْتَمع الْإِطْلَاق وَالتَّقْيِيد فِي لفظ وَاحِد بالجهتين كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ النِّسَاء ٩٢ قيدت من حَيْثُ الدّين بِالْإِيمَان وأطلقت من حَيْثُ مَا سواهُ كالصحة والسقم والطول وَالْقصر وَالنّسب والبلد فَهِيَ مُقَيّدَة من جِهَة مُطلقَة من جِهَة
ثمَّ إِنَّه يُقَال هُنَا إِذا اجْتمع لفظ مُطلق ومقيد فإمَّا أَن يتحد
стр. 220
حكمهمَا أَو يخْتَلف فَإِن اتَّحد حكمهمَا فإمَّا أَن يتحد سببهما أَو يخْتَلف فَهَذِهِ ثَلَاثَة أَقسَام فَإِذا اتَّحد حكمهمَا حمل الْمُطلق على الْمُقَيد كَقَوْلِه ﵊ لَا نِكَاح إِلَّا بولِي وشهود مَعَ إِلَّا بولِي مرشد وشاهدي عدل فَالْأول مُطلق فِي الْوَلِيّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرشد والغي وَالشُّهُود بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَدَالَة وَالْفِسْق وَالثَّانِي مُقَيّد بِالرشد فِي الْوَلِيّ وَالْعَدَالَة فِي الشُّهُود وسببهما وَاحِد وَهُوَ النِّكَاح وحكمهما نَفْيه إِلَّا بولِي وشهود وَإِذا اتحدا حكما وَاخْتلفَا سَببا كعتق رَقَبَة مُؤمنَة فِي كَفَّارَة الْقَتْل ورقبة مُطلقَة فِي كَفَّارَة الظِّهَار فَعِنْدَ القَاضِي أبي يعلى والمالكية يحمل الْمُطلق على الْمُقَيد وَنسبه فِي التَّحْرِير إِلَى الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَغَيرهم
وَقَالَ الطوفي فِي مُخْتَصره وَخَالف بعض الشَّافِعِيَّة وَأكْثر الْحَنَفِيَّة وَأَبُو إِسْحَاق ابْن شاقلا من أَصْحَابنَا فَقَالُوا لَا يحمل الْمُطلق على الْمُقَيد هَهُنَا وَقد رُوِيَ عَن أَحْمد مَا يدل على هَذَا أَيْضا
وَقَالَ أَبُو الْخطاب إِن عضده قِيَاس حمل عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا وَإِذا اخْتلف الحكم فَلَا حمل كتقييد صَوْم الْكَفَّارَة بالتتابع وَإِطْلَاق الْإِطْعَام وَمَتى اجْتمع مُطلق ومقيدان متضادان حمل الْمُطلق على مَا هُوَ أشبه من المقيدين المتضادين وَذَلِكَ كَغسْل الْأَيْدِي فِي الْوضُوء ورد مُقَيّدا بالمرافق وقطعها فِي السّرقَة ورد مُقَيّدا بالكوع بِالْإِجْمَاع ومسحها فِي التَّيَمُّم ورد مُطلقًا فَالْحق بالأشبه بِهِ وَهُوَ الْوضُوء
تَنْبِيه جَمِيع مَا ذكر فِي التَّخْصِيص للعام وَهُوَ جَار فِي تَقْيِيد الْمُطلق فَارْجِع إِلَيْهِ
стр. 221
فصل الْمُجْمل
الْمُجْمل لُغَة مَا جعل جملَة وَاحِدَة لَا ينْفَرد بعض آحادها عَن بعض وَاصْطِلَاحا اللَّفْظ المتردد بَين محتملين فَصَاعِدا على السوَاء والإجمال إِمَّا أَن يَقع فِي اللَّفْظ الْمُفْرد أَو الْمركب
وَالْوَاقِع فِي الْمُفْرد إِمَّا أَن يَقع فِي الْأَسْمَاء أَو الْأَفْعَال أَو الْحُرُوف
أما وُقُوعه فِي الْأَسْمَاء فكالعين المترددة بَين مَعَانِيهَا كالباصرة وَعين المَاء وَالذَّهَب وَغير هَذَا والقرء المتردد بَين الْحيض وَالطُّهْر وكالجون المتردد بَين الْأسود والأبيض وكالشفق المتردد بَين الْحمرَة وَالْبَيَاض
وَأما وُقُوعه فِي الْأَفْعَال فنحو عسعس فَإِنَّهُ بِمَعْنى أقبل وَأدبر وَبَان بِمَعْنى غَابَ واختفى وَأما فِي الْحُرُوف فنحو تردد الْوَاو بَين الْعَطف والابتداء وَبَين الْعَطف وَالْحَال وَنَحْو تردد من بَين ابْتِدَاء الْغَايَة والتبعيض
وَأما فِي الْمركب فكقوله تَعَالَى ﴿أَو يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ الْبَقَرَة ٢٣٧ فَإِنَّهُ مُتَرَدّد بَين الْوَلِيّ وَالزَّوْج
стр. 222
وَالصَّحِيح من مَذْهَب أَحْمد وَالشَّافِعِيّ أَنه الزَّوْج وَقَالَ مَالك هُوَ الْوَلِيّ
وَقد وَقع الْإِجْمَال من جِهَة التصريف كالمختار والمحتال فَإِنَّهُمَا مترددان بَين اعتبارهما اسْم فَاعل أَو اسْم مفعول وَحكم الْمُجْمل التَّوَقُّف على الْبَيَان الْخَارِجِي لِأَن الله تَعَالَى لم يكلفنا الْعَمَل بِمَا لَا دَلِيل عَلَيْهِ والمجمل لَا دَلِيل على المُرَاد بِهِ فَلَا نكلف بِالْعَمَلِ بِهِ والمجمل وَاقع فِي الْكتاب وَالسّنة فِي الْأَصَح خلافًا لداود الظَّاهِرِيّ
قَالَ بَعضهم لَا نعلم أحدا قَالَ بِهِ غَيره
تَنْبِيه ادّعى بعض الْعلمَاء الْإِجْمَال فِي أُمُور وَلكنهَا غير مجملة لَدَى التَّحْقِيق مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ الْمَائِدَة ٣
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ النِّسَاء ٢٣ ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ الْمَائِدَة ٤ وَغير ذَلِك مِمَّا أضيفت الْأَحْكَام فِيهِ إِلَى الْأَعْيَان لِأَن المُرَاد حرم عَلَيْكُم أكل الْميتَة وَوَطْء الْأُمَّهَات فَالْحكم الْمُضَاف إِلَى الْعين ينْصَرف لُغَة وَعرفا إِلَى مَا أعدت لَهُ
وَهُوَ مَا ذَكرْنَاهُ
وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ الْبَقَرَة ٢٧٥ قَالَ القَاضِي أَبُو يعلى هُوَ مُجمل لِأَن الرِّبَا مَعْنَاهُ لُغَة الزِّيَادَة كَيْفَمَا كَانَت وَفِي الشَّرْع الزِّيَادَة الْمَخْصُوصَة وَالصَّحِيح أَنه من بَاب الْعَام الْمَخْصُوص
стр. 223
وَمِنْهَا حَدِيث لَا صَلَاة إِلَّا بِطهُور لَا صِيَام لمن لم يبيت النِّيَّة
قَالَ الْحَنَفِيَّة هُوَ مُجمل لتردده بَين الْمَعْنى اللّغَوِيّ والشرعي وَالْحق أَن كَلَام الشَّارِع يحمل حَقِيقَة على الموضوعات الشَّرْعِيَّة فالموضوعات اللُّغَوِيَّة فِي مُقَابلَته مجَاز
وَمِنْهَا إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ
قَالُوا إِن الْأَعْمَال مُبْتَدأ وبالنيات مُتَعَلق بِمَحْذُوف مُتَرَدّد بَين تَقْدِير الصِّحَّة أَو الْكَمَال
وَالْحق أَنه لَا تردد لِأَن المُرَاد نفي فَائِدَة الْعَمَل وجد واه بِدُونِ النِّيَّة فَتبقى صِحَّته متعينة للتقدير وَقد أشبعنا الْكَلَام عَلَيْهِ فِي شرحنا عُمْدَة الْأَحْكَام الحديثية وَمِنْهَا قَوْله ﵇ رفع عَن أمتِي الْخَطَأ وَالنِّسْيَان وَمَا اسْتكْرهُوا عَلَيْهِ
فَإِنَّهُ لَيْسَ المُرَاد مِنْهُ رفع الْخَطَأ وَالنِّسْيَان حَتَّى يكون مُجملا بل المُرَاد أَن الْمَرْفُوع حكم الْخَطَأ وَالنِّسْيَان
стр. 224
فصل
وَأما الْمُبين فَهُوَ ضد الْمُجْمل فَيُقَال فِي تَعْرِيفه هُوَ اللَّفْظ الناص على معنى غير مُتَرَدّد متساو
وَقَالَ الْآمِدِيّ الْمُبين قد يُرَاد بِهِ الْخطاب المستغنى بِنَفسِهِ عَن بَيَان قد يُرَاد بِهِ مَا يحْتَاج إِلَى الْبَيَان عِنْد وُرُوده عَلَيْهِ كالمجمل وَغَيره وَهنا أَرْبَعَة أَلْفَاظ مُجمل وإجمال ومبين وَبَيَان
فالمجمل تقدم تَعْرِيفه والإجمال إِرَادَة التَّرَدُّد من الْمُتَكَلّم والنطق بِاللَّفْظِ على وَجه يَقع فِيهِ التَّرَدُّد والمبين اللَّفْظ الدَّال من غير تردد كَمَا مر آنِفا يُطلق على فعل الْمُبين وعَلى الدَّلِيل وعَلى الْمَدْلُول وَلذَلِك قَالَ الصَّيْرَفِي هُوَ إِخْرَاج الشَّيْء من حيّز الْإِشْكَال إِلَى حيّز التجلي والوضوح وَيَنْبَغِي أَن يُزَاد هَذَا التَّعْرِيف بِالْفِعْلِ أَو بِالْقُوَّةِ لِأَن الْكَلَام قد يرد بَينا بِالْفِعْلِ وَهُوَ مَعَ ذَلِك مُشكل بِالْقُوَّةِ أَي قَابل لعروض الْإِشْكَال لَهُ من ذَاته بِتَقْدِير تغير صفته أَو من خَارج وَبَيَان ذَلِك بالمثال وَهُوَ أَن بعض الْحَنَفِيَّة قَالَ نقل عَن أبي حنيفَة أَنه قَالَ لَا يدْخل النَّار إِلَّا مُؤمن وَظَاهر هَذَا مَعَ قَوْله ﵇ لَا يدْخل الْجنَّة إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ مُشكل لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَن أهل الْجنَّة وَالنَّار جَمِيعًا مُؤمنُونَ وَلَيْسَ كَذَلِك للاتفاق على أَن أهل النَّار كفار وَأَنه لَا يخلد بهَا إِلَّا كَافِر لَكِن أَبُو حنيفَة ألحق بِكَلَامِهِ بَيَانا بَينه وَأظْهر مَعْنَاهُ المُرَاد لَهُ بِأَن قَالَ لَا يدْخل النَّار إِلَّا مُؤمن لِأَن
стр. 225
الْكفَّار حِينَئِذٍ يعاينون مَا كَانُوا يوعدون فيؤمنون بِهِ ويصدقون لَكِن إِيمَانًا لَا يَنْفَعهُمْ لِأَنَّهُ اضطراري لَا اخْتِيَاري وَلقَوْله ﴿فَلم يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ غَافِر ٨٥ وَقَوله لفرعون حِين قَالَ لما أدْركهُ الْغَرق آمَنت ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ يُونُس ٩١ فقد حصل من هَذَا أَن كَلَام أبي حنيفَة مُشكل بِالْفِعْلِ فَاحْتَاجَ إِلَى الْبَيَان
وَأما الْمُبين بِهِ وَهُوَ مَا يحصل بِهِ الْبَيَان فَإِنَّهُ يكون بِأُمُور أَحدهَا القَوْل بِأَن يَقُول الْمُتَكَلّم أَو من علم مُرَاد الْمُتَكَلّم المُرَاد بِهَذَا الْكَلَام كَذَا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿الْقَارِعَةُ مَا القارعة وَمَا أَدْرَاك مَا القارعة﴾ القارعة ١٣
فَهَذَا إِجْمَال ثمَّ بَينه بقوله ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ القارعة ٤ وَكَذَا الْآيَة بعْدهَا فَبين أَن القارعة تكون ذَلِك الْيَوْم بِهَذِهِ الصّفة الْعَظِيمَة ونظائر هَذِه الْآيَة فِي الْقُرْآن الْكَرِيم وَالسّنة النَّبَوِيَّة كَثِيرَة وَتَكون السّنة مبينَة لِلْقُرْآنِ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ الْأَنْفَال ٦٠ فَإِن الْقُوَّة مجملة وَلَكِن بَينهَا النَّبِي ﷺ بقوله أَلا إِن الْقُوَّة الرَّمْي
ثمَّ كرر هَذِه الْجُمْلَة تَأْكِيدًا
الثَّانِي الْفِعْل وَيكون بِالْكِتَابَةِ ككتابة النَّبِي ﷺ وَالْخُلَفَاء الرَّاشِدين بعده وَغَيرهم من أهل الولايات إِلَى عمالهم فِي الصَّدقَات وَغَيرهَا من السياسيات وَيكون بِالْإِشَارَةِ كَمَا رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ آلى من نِسَائِهِ شهرا فَأَقَامَ فِي مشربَة لَهُ تسعا وَعشْرين ثمَّ دخل
стр. 226
عَلَيْهِنَّ
فَقيل لَهُ إِنَّك آلَيْت شهرا فَقَالَ الشَّهْر هَكَذَا وَهَكَذَا وَأَشَارَ بأصابعه الْعشْر وَقبض إبهامه فِي الثَّالِثَة يَعْنِي تِسْعَة وَعشْرين وَجَاء فِي حَدِيث صَحِيح أَنه قَالَ الشَّهْر تسع وَعِشْرُونَ هَكَذَا بِلَفْظِهِ وَهُوَ بَيَان قولي فقد تضمن هَذَا الحَدِيث نَوْعي الْبَيَان القولي والفعلي وَمن الْبَيَان الْفعْلِيّ قَوْله ﵊ صلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي وخذوا عني مَنَاسِككُم
أَي انْظُرُوا إِلَى فعلي فِي الصَّلَاة وَالْحج فافعلوا مثله فَكَانَ فعله فيهمَا مُبينًا لقَوْله تَعَالَى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ الْبَقَرَة ٤٣ ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ الْبَقَرَة ١٩٦
الثَّالِث إِقْرَار النَّبِي ﷺ على فعل وَإِن أردْت الْقَاعِدَة العمومية للْبَيَان فَقل كل مُقَيّد من الشَّرْع بَيَان ولنذكر بعض أَمْثِلَة لذَلِك تبين المرام
مِنْهَا أَن يسْتَدلّ الشَّارِع اسْتِدْلَالا عقليا فيبين بِهِ الْعلَّة ومأخذ الحكم أَو فَائِدَة مَا كَقَوْلِه تَعَالَى فِي صفة مَاء السَّحَاب ﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾
стр. 227
فاطر ٩ وَفِي مَوضِع آخر ﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ ق ١١ فَبين لنا تَعَالَى بذلك طَرِيق الِاسْتِدْلَال على إِمْكَان الْبَعْث والمعاد وَلَوْلَا هَذَا الطَّرِيق الَّذِي فَتحه الله للْمُؤْمِنين لما اجترأ متكلموهم أَن يستدلوا عَلَيْهِ وَلَا أَن يتكلموا مَعَ الفلاسفة المنكرين لَهُ فِيهِ وأمثال هَذِه الْآيَة كثير وَجَمِيع استدلالات الْقُرْآن عقلية وَهِي مفيدة للْبَيَان
وَمِنْهَا أَن يتْرك ﵇ فعلا قد أَمر بِهِ أَو قد سبق مِنْهُ فعله فَيكون تَركه لَهُ مُبينًا لعدم وجوب مِثَاله أَنه قيل لَهُ ﴿تكتبوها وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ الْبَقَرَة ٢٨٢ ثمَّ إِنَّه اشْترى فرسا من أَعْرَابِي وَلم يشْهد عَلَيْهِ
стр. 228
وَمِنْهَا السُّكُوت بعد السُّؤَال عَن حكم الْوَاقِعَة فَيعلم أَنه لَا حكم للشَّرْع فِيهَا
وَهَهُنَا مسَائِل أَولهَا الْبَيَان بِالْفِعْلِ أقوى من الْبَيَان بالْقَوْل
ثَانِيهَا تبين الشَّيْء بأضعف مِنْهُ كالقرآن بِأَحَادِيث الْآحَاد جَائِز
ثَالِثهَا تَأْخِير الْبَيَان عَن وَقت الْحَاجة مُمْتَنع وتأخيره عَن وَقت الْخطاب إِلَى وَقت الْحَاجة جَائِز عِنْد ابْن حَامِد وَالْقَاضِي ابْن الفرا وَأكْثر الشَّافِعِيَّة وَبَعض الْحَنَفِيَّة وَمنعه أَبُو بكر عبد الْعَزِيز وَأَبُو الْحسن التَّمِيمِي والظاهرية والمعتزلة والصيرفي وَأَبُو إِسْحَاق الْمروزِي وَالْحق الأول لقَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ الْقِيَامَة ١٨ ١٩ ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ هود ١ وَثمّ تفِيد التَّرَاخِي
رَابِعهَا يجوز كَون الْبَيَان أَضْعَف دلَالَة من الْمُبين وَلَا تعْتَبر مساواته فِي الحكم
فصل فِي الْمَنْطُوق وَالْمَفْهُوم
اعْلَم أَن الدَّلِيل الشَّرْعِيّ إِمَّا مَنْقُول وَإِمَّا مَعْقُول وَإِمَّا ثَابت بهما
فالمنقول الْكتاب وَالسّنة ودلالتهما إِمَّا من مَنْطُوق اللَّفْظ أَو من غير منطوقه فَإِن كَانَ من الأول سمي منطوقا كفهم وجوب الزَّكَاة فِي السَّائِمَة من حَدِيث فِي سَائِمَة الْغنم الزَّكَاة وكتحريم التأفيف من قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾
стр. 229
الْإِسْرَاء ٢٣ وَالثَّانِي يُسمى مفهوما كفهم عدم وجوب الزَّكَاة فِي المعلوفة من الحَدِيث وَتَحْرِيم الضَّرْب من الْآيَة وَهَذَا الْفَصْل مَذْكُور لبَيَان ذَلِك والمعقول الْقيَاس لِأَنَّهُ يُسْتَفَاد بِوَاسِطَة النّظر الْعقلِيّ وَالثَّابِت بالمنقول والمعقول وَلَيْسَ وَاحِدًا مِنْهُمَا هُوَ الْإِجْمَاع وَسَيَأْتِي الْكَلَام على الْإِجْمَاع ثمَّ على الْقيَاس إِذا تمهد هَذَا فَنَقُول قد علم من هَذَا أَن الْمَنْطُوق مَا دلّ عَلَيْهِ اللَّفْظ فِي مَحل النُّطْق وَالْمَفْهُوم مَا دلّ عَلَيْهِ اللَّفْظ لَا فِي مَحل النُّطْق ففحوى بِاللَّفْظِ بِالْحَاء الْمُهْملَة هُوَ مَا أَفَادَ جِنْسا يتَنَاوَل مَا أَفَادَهُ نطقا وَغير نطق لَا من صيغته لِأَنَّهُ لَو كَانَ مِنْهَا لَكَانَ منطوقا وَبَيَانه أَن تَحْرِيم التأفيف علم من صِيغَة اللَّفْظ فَكَانَ منطوقا وَتَحْرِيم الضَّرْب لم يعلم من الصِّيغَة فَكَانَ مفهوما وَيُقَال
стр. 230
لمثله فحوى الْخطاب وَيُسمى إِشَارَة وإيماء ولحن الْخطاب إِلَّا أَن الْإِشَارَة مُخْتَصَّة بِالْيَدِ والإيماء إِشَارَة بِالْيَدِ وَغَيرهَا فَكل إِشَارَة إِيمَاء وَلَا عكس وَمن ثمَّ قَالَ الْآمِدِيّ أما دلَالَة غير الْمَنْطُوق وَهُوَ مَا دلَالَته غير صَرِيحَة فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون مَدْلُوله مَقْصُودا للمتكلم أَو لَا فَإِن كَانَ مَقْصُودا فَإِن توقف صدق الْمُتَكَلّم أَو صِحَة الملفوظ بِهِ عَلَيْهِ فَهِيَ دلَالَة الِاقْتِضَاء وَإِن لم يتَوَقَّف فَإِن كَانَ مفهوما فِي مَحل النُّطْق فَهِيَ دلَالَة التَّنْبِيه والإيماء وَإِلَّا فدلالة الْمَفْهُوم وَإِن لم يكن مَدْلُوله مَقْصُودا للمتكلم فَهِيَ دلَالَة الْإِشَارَة هَذَا كَلَامه وَأَنت خَبِير فَإِنَّهُ جعل فرقا بَين دلالتي الْإِشَارَة والإيماء وَهَذَا هُوَ التَّحْقِيق ثمَّ اعْلَم أَن مَرَاتِب لحن الْخطاب وفحواه تكون مُتَفَاوِتَة وَذَلِكَ التَّفَاوُت على أضْرب
الأول الْمُقْتَضى بِفَتْح الضَّاد الَّذِي تَقْتَضِيه صِحَة الْكَلَام وتطلبه وَهُوَ الْمُضمر الَّذِي تَدْعُو الضَّرُورَة إِلَى إضماره وَتَقْرِيره وَله وُجُوه أَولهَا مَا تَدْعُو الضَّرُورَة إِلَى إضماره لصدق الْمُتَكَلّم نَحْو لَا عمل إِلَّا بنية أَي لَا عمل صَحِيح إِلَّا بِالنِّيَّةِ إِذْ لَوْلَا ذَلِك لم يكن ذَلِك صدقا لِأَن صُورَة الْأَعْمَال كلهَا كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْم وَسَائِر الْعِبَادَات يُمكن وجودهَا بِلَا نِيَّة فَكَانَ إِضْمَار الصِّحَّة من ضَرُورَة صدق الْمُتَكَلّم
ثَانِيهَا وجود الحكم شرعا نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ الْبَقَرَة ١٨٤ تَقْدِيره أَو على سفر فَأفْطر فَعَلَيهِ صَوْم عدَّة من أَيَّام أخر لِأَن قَضَاء الصَّوْم على الْمُسَافِر إِنَّمَا يجب إِذا أفطر فِي سَفَره أما إِذا صَامَ فِي سَفَره فَلَا مُوجب للقضا الثَّانِي مِمَّا يتَفَاوَت بِهِ لحن الْخطاب وفحواه تَعْلِيل الحكم بِمَا اقْترب بِهِ من الْوَصْف الْمُنَاسب كَقَوْلِه ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾
стр. 231
(الْمَائِدَة ٣٨) ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا﴾ النُّور ٢ أَي لأجل السّرقَة وَالزِّنَا فَإِن الْمَعْقُول من هَذَا الْكَلَام أَن السّرقَة عِلّة الْقطع وَالزِّنَا عِلّة الْجلد لَكِن لَيْسَ هَذَا مفهوما لنا من صَرِيح النُّطْق وَنَصه بل من فحوى الْكَلَام وَمَعْنَاهُ
الثَّالِث فهم الحكم فِي غير مَحل النُّطْق بطرِيق الأولى وَهُوَ فهم الْمُوَافقَة كفهم تَحْرِيم الضَّرْب من تَحْرِيم التأفيف من قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ الْإِسْرَاء ٢٣ فَإِن مَنْطُوق هَذَا تَحْرِيم التأفيف والانتهار وَمَفْهُومه بطرِيق التَّنْبِيه والفحوى تَحْرِيم الضَّرْب وَغَيره من الإيلامات الزَّائِدَة على التأفيف والانتهار بطرِيق أولى وَيُسمى هَذَا مَفْهُوم الْمُوَافقَة لِأَنَّهُ يُوَافق الْمَنْطُوق فِي الحكم وَإِن زَاد عَلَيْهِ فِي التَّأْكِيد بِخِلَاف مَفْهُوم الْمُخَالفَة فَإِنَّهُ يُخَالف حكم الْمَنْطُوق كفهم عدم الزَّكَاة فِي المعلوفة من حَدِيث فِي سَائِمَة الْغنم الزَّكَاة وَحَاصِله أَن مَفْهُوم الْمُوَافقَة تَنْبِيه بالأدنى على الْأَعْلَى وَيُسمى فحوى الْخطاب ولحن الْخطاب وَشَرطه فهم الْمَعْنى فِي مَحل النُّطْق كالتعظيم فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ الْإِسْرَاء ٢٣ فَإِنَّهُ
стр. 232
يفهم أَن الْمَعْنى الْمُقْتَضى لهَذَا النَّهْي هُوَ تَعْظِيم الْوَالِدين فَلذَلِك فهمنا تَحْرِيم الضَّرْب بطرِيق أولى حَتَّى لَو نفهم من ذَلِك تَعْظِيمًا لما فهمنا تَحْرِيم الضَّرْب أصلا لكنه لما نفى التأفيف الْأَعَمّ دلّ على نفي الضَّرْب الْأَخَص بطرِيق أولى وَشَرطه أَيْضا أَن يكون الْمَفْهُوم أولى من الْمَنْطُوق أَو مسَاوٍ لَهُ وَمِثَال الأول قد تقدم
وَمِثَال الثَّانِي تَحْرِيم إحراق مَال الْيَتِيم الدَّال عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿الَّذين يَأْكُلُون أَمْوَال الْيَتَامَى ظلما﴾ النِّسَاء ١٠ الْآيَة فالإحراق مسَاوٍ للْأَكْل بِوَاسِطَة الْإِتْلَاف فِي الصُّورَتَيْنِ وَاشْترط لَهُ كثير من أهل الْأُصُول شُرُوطًا
فَقَالَ فِي جمع الْجَوَامِع وَشَرطه أَن لَا يكون الْمَسْكُوت ترك لخوف وَنَحْوه كالجهل وَأَن لَا يكون الْمَذْكُور خرج للْغَالِب خلافًا لإِمَام الْحَرَمَيْنِ أَو لسؤال أَو حَادِثَة أَو للْجَهْل بِحكمِهِ أَو غَيره مِمَّا يَقْتَضِي التَّخْصِيص بِالذكر هَذَا كَلَامه
ثمَّ إِن مَفْهُوم الْمُوَافقَة قِيَاس جلي فِي الْأَصَح وَإِلَيْهِ ذهب أَبُو الْحسن الخرزي وَابْن أبي مُوسَى وَأبي الْخطاب والحلواني وَالْفَخْر والطوفي
وَقَالَ مجد الدّين ابْن تَيْمِية إِن قصد الْأَدْنَى فَقِيَاس وَإِن قصد التَّنْبِيه فَلَا وَهُوَ حجَّة عِنْد الْعلمَاء ودلالته لفظية عِنْد أَحْمد وَالْقَاضِي وَابْن حمدَان وَشَيخ الْإِسْلَام وَابْن عقيل وَحَكَاهُ عَن أَصْحَابنَا وَالْحَنَفِيَّة والمالكية وَغَيرهم ودلالته تكون قَطْعِيَّة كآية التأفيف وَتَكون ظنية كإذا ردَّتْ شَهَادَة فَاسق فكافر أولى إِذْ الْكفْر فسق وَزِيَادَة وَوجه كَونه ظنيا أَنه وَاقع فِي الِاجْتِهَاد أَن يجوز أَن يكون الْكَافِر عدلا فِي دينه فيتحرى الصدْق وَالْأَمَانَة
الرَّابِع دلَالَة تَخْصِيص شَيْء بِحكم يدل على نَفْيه عَمَّا عداهُ وَهُوَ مَفْهُوم الْمُخَالفَة سمي بِهِ لمُخَالفَته للمنطوق بِهِ وَذَلِكَ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾
стр. 233
النِّسَاء ٢٥ فَإِن تَخْصِيص جَوَاز نِكَاح الْإِمَاء بِعَدَمِ الطول يدل على أَن وَاجِد الطول لَا يجوز لَهُ نِكَاح الْإِمَاء وَتَخْصِيص الْمُؤْمِنَات بِجَوَاز النِّكَاح عِنْد عدم الطول يدل على أَن عادم الطول لَا يُبَاح لَهُ نِكَاح الْإِمَاء الكوافر كَمَا هُوَ أحد الْقَوْلَيْنِ فَفِي الْآيَة مفهومان أَحدهمَا أَنه لَا ينْكح إِلَّا أمة مُؤمنَة
وَثَانِيهمَا أَن وَاجِد الطول لَا يجوز لَهُ نِكَاح الْأمة
وَكَقَوْلِه ﵇ فِي سَائِمَة الْغنم الزَّكَاة
فَإِن مَفْهُومه يدل على أَن لَا زَكَاة فِي المعلوفة فتخصيص السّوم بِحكم وَهُوَ وجوب الزَّكَاة يدل على نفي ذَلِك الحكم عَن غير السَّائِمَة وَمَفْهُوم الْمُخَالفَة حجَّة عِنْد الْجُمْهُور
وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَبَعض الْمُتَكَلِّمين لَيْسَ بِحجَّة وَيُسمى ذَلِك الْمَفْهُوم دَلِيل الْخطاب وَشَرطه أَن لَا تظهر أَوْلَوِيَّة وَلَا مُسَاوَاة فِي الْمَسْكُوت عَنهُ إِذْ لَو ظهر فِيهِ ذَلِك كَانَ مَفْهُوم مُوَافقَة وَأَن لَا يكون مخرجا مخرج الْغَالِب كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ النِّسَاء ٢٣ فَإِن الْغَالِب كَون الربائب فِي حجور الْأزْوَاج أَي ترتيبهم وَأَن لَا يكون خرج لجواب سُؤال عَنهُ أَو حَادِثَة تتَعَلَّق بِهِ أَو للْجَهْل بِحكمِهِ دون حكم الْمَسْكُوت كَمَا لَو سُئِلَ ﷺ هَل فِي الْغنم السَّائِمَة زَكَاة أَو قيل بِحَضْرَتِهِ لفُلَان غنم سَائِمَة أَو خَاطب من جهل حكم الْغنم السَّائِمَة دون المعلوفة فَقَالَ فِي الْغنم السَّائِمَة زَكَاة مثله أَيْضا جَمِيع مَا يَقْتَضِي التَّخْصِيص بِالذكر كموافقة الْوَاقِع كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤمنِينَ﴾
стр. 234
آل عمرَان ٢٨ نزلت كَمَا قَالَ الواحدي
وَغَيره فِي قوم من الْمُؤمنِينَ وَالْيَهُود دون الْمُؤمنِينَ وككون الْكَلَام خرج مخرج التفهيم أَو الامتنان نَحْو ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً﴾ النَّحْل ١٤ فَإِنَّهُ لَا يدل على منع القديد من لحم مَا يُؤْكَل مِمَّا يخرج من الْبَحْر كَغَيْرِهِ وَإِنَّمَا اشترطوا للمفهوم انْتِفَاء الْمَذْكُورَات لِأَنَّهَا فَوَائِد ظَاهِرَة وَهُوَ فَائِدَة خُفْيَة فَأخر عَنْهَا
ثمَّ إِن دَلِيل الْخطاب بِحَسب الْقُوَّة والضعف يكون على مَرَاتِب سِتّ
أَولهَا الحكم إِلَى غَايَة بحتى أَو إِلَى وَيُسمى مَفْهُوم الْغَايَة نَحْو ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ الْبَقَرَة ٢٣٠ ﴿ثمَّ أَتموا الصّيام إِلَى اللَّيْل﴾ فيفيدان حكم مَا بعد الْغَايَة يُخَالف مَا قبلهَا
ثَانِيهَا تَعْلِيق الحكم على شَرط نَحْو ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ الطَّلَاق ٦ فَإِنَّهُ يُفِيد انْتِفَاء الْإِنْفَاق عِنْد انْتِفَاء الْحمل وَلَا فرق بَين تَعْلِيقه بِشَرْط أَو شرطين أَو أَكثر
ثَالِثهَا تعقيب ذكر الِاسْم الْعَام بِصفة خَاصَّة فِي معرض الِاسْتِدْرَاك وَالْبَيَان نَحْو فِي الْغنم السَّائِمَة الزَّكَاة فالغنم اسْم علم
стр. 235
يتَنَاوَل السَّائِمَة والمعلوفة فاستدرك عُمُومه بِخُصُوص السَّائِمَة وَبَين أَنَّهَا المُرَاد من عُمُوم الْغنم
رَابِعهَا أَن يعلق الحكم على وصف لَا يسْتَقرّ بل يطوي وَيَزُول كالسوم والثيوبة فِي قَوْلنَا فِي السَّائِمَة وَالزَّكَاة وَالْبكْر تستأذن وَالثَّيِّب أَحَق بِنَفسِهَا
خَامِسهَا تَخْصِيص نوع من الْعدَد بِحكم نَحْو قَوْله ﵇ لَا تحرم المصة وَلَا المصتان يَعْنِي فِي الرَّضَاع وَهَذَا يدل على مُخَالفَة مَا فَوْقه يَعْنِي تَحْرِيم ثَلَاث رَضعَات وَبِه قَالَ مَالك وَدَاوُد وَبَعض الشَّافِعِيَّة خلافًا لأكثرهم وَلأبي حنيفَة
سادسها مَفْهُوم اللقب وَهُوَ تَخْصِيص اسْم بِحكم وَأنكر الْأَكْثَرُونَ هَذَا الْمَفْهُوم مشتقا كَانَ نَحْو لَا تَبِيعُوا الطَّعَام إِلَّا مثلا بِمثل فَإِن الطَّعَام مُشْتَقّ من الطّعْم أَو غير مُشْتَقّ كالحنطة وَالشعِير وَالتَّمْر وَالْملح وَالذَّهَب وَالْفِضَّة
وَقَالَ الدقاق مَفْهُوم اللقب حجَّة وَالضَّابِط فِي بَاب الْمَفْهُوم أَنه مَتى أَفَادَ ظنا عرف من تصرف الشَّارِع الِالْتِفَات إِلَى مثله خَالِيا عَن معَارض كَانَ حجَّة يجب الْعَمَل بِهِ والظنون المستفادة من دَلِيل الْخطاب مُتَفَاوِتَة بتفاوت مراتبه وَمن تدرب بِالنّظرِ فِي اللُّغَة وَعرف مواقع الْأَلْفَاظ ومقاصد الْمُتَكَلِّمين سهل عِنْده إِدْرَاك ذَلِك التَّفَاوُت وَالْفرق بَين تِلْكَ الْمَرَاتِب وَالله الْمُوفق
стр. 236
الأَصْل الثَّالِث الْإِجْمَاع
الْإِجْمَاع لُغَة الْعَزْم والاتفاق قَالَ تَعَالَى ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ يُونُس ٧١ أَي اعزموا وَيُقَال أجمع الْقَوْم على كَذَا أَي اتَّفقُوا عَلَيْهِ
وَاصْطِلَاحا اتِّفَاق الْمُجْتَهدين من هَذِه الْأمة فِي عصر من العصور على أَمر أَمر وَمن يرى انْقِرَاض الْعَصْر يزِيد إِلَى انْقِرَاض الْعَصْر وَمن يرى أَن الْإِجْمَاع لَا ينْعَقد مَعَ سبق خلاف مُسْتَقر من حَيّ أَو ميت جوز وُقُوعه يزِيد لم يسْبقهُ خلاف مُجْتَهد مُسْتَقر فَقَوله اتِّفَاق الْمُجْتَهدين يخرج المقلدين لأَنهم من الْعَوام عِنْد أهل الْأُصُول فَلَا تعْتَبر مُخَالفَته وَلَا مُوَافَقَته وَقَوله على أَمر يتَنَاوَل الديني والدنيوي لَكِن المُرَاد بالدنيوي مَا يعود إِلَى الدّين كأمر البيع وَالسّلم وَأما الِاتِّفَاق على أَمر دُنْيَوِيّ مَحْض كالاتفاق على مصلحَة إِقَامَة متجر أَو حِرْفَة أَو على أَمر ديني لكنه لَا يتَعَلَّق بِالدّينِ لذاته بل بِوَاسِطَة كاتفاقهم على بعض مسَائِل الْعَرَبيَّة أَو اللُّغَة أَو الْحساب وَنَحْوه فَإِن ذَلِك لَيْسَ إِجْمَاعًا شَرْعِيًّا أَو اصطلاحيا وَإِن كَانَ إِجْمَاعًا شَرْعِيًّا فِي الْحَقِيقَة لتَعَلُّقه بِالشَّرْعِ وَإِن كَانَ بِوَاسِطَة وَفِي هَذَا الأَصْل مسَائِل أَولهَا أنكر النظام وَبَعض الشِّيعَة جَوَاز الْإِجْمَاع من مجتهدي
стр. 237
الْأمة على حكم وَذَلِكَ رَاجع إِلَى عدم الْجَوَاز من جِهَة الْعقل وَذهب الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَن جَوَازه مَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ لِأَنَّهُ لَا يلْزم من فرض وُقُوعه محَال لذاته وَلَا لغيره وَهَذَا هُوَ الْمَعْنى بِالْجَوَازِ الْعقلِيّ
نعم هَؤُلَاءِ استبعدوا وُقُوعه مَعَ كَثْرَة الْعباد وتباعد الْبِلَاد وَاخْتِلَاف القرائح فظنوا الاستبعاد اسْتِحَالَة وَحكى أَصْحَابنَا أَنه رُوِيَ عَن الإِمَام أَحْمد إِنْكَار الْإِجْمَاع وَاعْتَذَرُوا عَنهُ بِأَنَّهُ مَحْمُول على الْوَرع أَو على غير عَالم بِالْخِلَافِ أَو على تعذر معرفَة الْكل أَو على الْعَام النطقي إِلَى غير ذَلِك من الاعتذارات وَعِنْدِي أَن الإِمَام أَحْمد لم يُوَافق النظام على إِنْكَاره لِأَن النظام أنكرهُ عقلا ولإمام صرح بقوله وَمَا يدريه بِأَنَّهُم اتَّفقُوا فَكَأَنَّهُ يَقُول إِن كثيرا من الْحَوَادِث تقع فِي أقاصي الْمشرق وَالْمغْرب وَلَا يعلم بوقوعها من بَينهمَا من أهل مصر وَالشَّام وَالْعراق وَمَا والاهما فَكيف تصح دَعْوَى إِجْمَاع الْكل فِي مثل هَذِه وَإِنَّمَا ثبتَتْ هَذِه بِإِجْمَاع جزئي وَهُوَ إِجْمَاع الإقليم الَّذِي وَقعت فِيهِ أما إِجْمَاع الْأمة قاطبة فمتعذر فِي مثلهَا وَهَذَا النَّوْع هُوَ الَّذِي نقل إِنْكَاره عَن الإِمَام كَمَا يفهم من قَوْله وَمَا يدريه بِأَنَّهُم أتفقوا وَمَا ذَلِك إِلَّا أَن الْإِجْمَاع على الْمَسْأَلَة الَّتِي اتّفق جَمِيع مجتهدي الْأمة عَلَيْهَا فرع الْعلم بهَا والتصديق مَسْبُوق بالتصور فَمن لم يعلم مَحل الحكم كَيفَ يتَصَوَّر مِنْهُ الحكم بِنَفْي أَو إِثْبَات وَهَذَا هُوَ الْحق الَّذِي يلْزم اتِّبَاعه فَلَا يتوهمن متوهم أَن الإِمَام أنكر الْإِجْمَاع إنكارا عقليا وَإِنَّمَا أنكر الْعلم بِالْإِجْمَاع على حَادِثَة وَاحِدَة انتشرت فِي جَمِيع الأقطار وَبَلغت الْأَطْرَاف الشاسعة ووقف عَلَيْهَا كل مُجْتَهد ثمَّ أطبق الْكل فِيهَا على قَول
стр. 238
وَاحِد وَبَلغت أَقْوَالهم كلهَا مدعى الْإِجْمَاع عَلَيْهَا وَأَنت خَبِير بِأَن الْعَادة لَا تساعد على هَذَا كَمَا يُعلمهُ كل منصف تخلى عَن الجمود والتقليد نعم يُمكن أَن يعلم هَذَا فِي عصر الصَّحَابَة دون مَا بعدهمْ من العصور لقلَّة الْمُجْتَهدين يَوْمئِذٍ وتوفر نقل الْمُحدثين على نقل فتاواهم وأرائهم
فَلَا تتهمن أَنَّهَا الْعَاقِل الإِمَام بإنكار الْإِجْمَاع مُطلقًا فتفترى عَلَيْهِ
ثَانِيهَا الْإِجْمَاع حجَّة قَاطِعَة يجب الْعَمَل بِهِ عِنْد الْجُمْهُور خلافًا للنظام وَمعنى كَونه قَاطعا أَنه يقدم على بَاقِي الْأَدِلَّة وَلَيْسَ الْقَاطِع هُنَا بِمَعْنى الْجَازِم الَّذِي لَا يحْتَمل النقيض كَقَوْلِنَا الْوَاحِد نصف الاثْنَي فِي نفس الْأَمر وَإِلَّا لما اخْتلف فِي تَكْفِير مُنكر حكمه
ثَالِثهَا الْمُعْتَبر فِي الْإِجْمَاع قَول أهل الِاجْتِهَاد لَا الصّبيان والمجانين قطعا وَلَا يعْتَبر فِيهِ قَول الْعَامَّة وهم من لَيْسَ بمجتهد وَلَا من عرف الحَدِيث أَو اللُّغَة أَو الْكَلَام وَنَحْوه وَكَذَا من عرف الْفِقْه أَو أُصُوله عِنْد أَحْمد وَأَصْحَابه وَكَذَا من فَاتَهُ بعض شُرُوط الِاجْتِهَاد وَلَا يعْتَبر فِيهِ كَافِر أُصَلِّي مُطلقًا وَلَا كَافِر بارتكاب بِدعَة عِنْد مكفره وَلَا فَاسق مُطلقًا سَوَاء كَانَ فسقه من حَيْثُ الِاعْتِقَاد أَو الْأَفْعَال كالاعتزال وَالزِّنَا وَالسَّرِقَة
قَالَ الطوفي فِي مُخْتَصره وَالْأَشْبَه اعْتِبَار قَول الأصولي والنحوي فَقَط لتمكنهما من درس الحكم بِالدَّلِيلِ وَالْمَسْأَلَة اجتهادية قَالَ وَيعْتَبر فِي إِجْمَاع كل فن قَول أَهله إِذْ غَيرهم بِالْإِضَافَة إِلَيْهِ عَامَّة هَذَا كَلَامه وَهُوَ مَسْلَك جيد وَلَا يعْتَبر فِي أهل الْإِجْمَاع أَن يبلغُوا عدد التَّوَاتُر
رَابِعهَا لَا يخْتَص الْإِجْمَاع بالصحابة بل إِجْمَاع كل عصر حجَّة خلافًا لداود الظَّاهِرِيّ
خَامِسهَا الْجُمْهُور أَن الْإِجْمَاع لَا ينْعَقد بقول الْأَكْثَر دون الْأَقَل حَتَّى
стр. 239
يتَّفق الْجَمِيع
قلت وَمُقْتَضى مَا قدمْنَاهُ عَن الإِمَام أَحْمد أَنه ينْعَقد بقول الْأَكْثَر فِي غير زمن الصَّحَابَة لتعذر الِاطِّلَاع على اتِّفَاق الْكل فِي غير عصرهم
وَمن ثمَّ قَالَ الطوفي وَغَيره من أَصْحَابنَا بعد ذكر هَذِه الْمَسْأَلَة خلافًا لِابْنِ جرير وَعَن أَحْمد ﵀ مثله انْتهى
وَإِلَيْهِ ذهب أَبُو بكر الرَّازِيّ وَأبي الْحُسَيْن الْخياط من الْمُعْتَزلَة وَابْن حمدَان من أَصْحَابنَا وَجمع
وَالْحق أَن اتِّفَاق الْأَكْثَر حجَّة يجب الْعَمَل بِهِ على أَهله لكنه لَيْسَ فِي رُتْبَة الْإِجْمَاع بل هُوَ فِي رُتْبَة الْقيَاس وَخبر الْوَاحِد
سادسها التَّابِعِيّ الْمُجْتَهد المعاصر للصحابة مُعْتَبر مَعَهم فِي الْإِجْمَاع فَلَا ينْعَقد مَعَ مُخَالفَته فَإِن صَار مُجْتَهدا بعد انْعِقَاد الْإِجْمَاع فَمن قَالَ يشْتَرط فِي الْإِجْمَاع انْقِرَاض الْعَصْر لم يعْتَبر انْعِقَاد الْإِجْمَاع مَعَ مُخَالفَته وَمن لم يشْتَرط انْقِرَاض الْعَصْر لم يعْتَبر وَاعْتبر مُوَافَقَته أَبُو الْخطاب وَابْن عقيل والآمدي
قَالَ المرداوي فِي التَّحْرِير وَلَعَلَّ المُرَاد عدم مُخَالفَته ثمَّ قَالَ فَائِدَة تَابع التَّابِعِيّ مَعَ التَّابِعِيّ كَهُوَ مَعَ الصَّحَابِيّ
قَالَه القَاضِي
سابعها الْجُمْهُور لَا يشْتَرط لصِحَّة الْإِجْمَاع انْقِرَاض عصر المجمعين وَحكى أَصْحَابنَا عَن أَحْمد وَأكْثر أَصْحَابه أَنه يشْتَرط انْقِرَاض الْعَصْر وَحكى الطوفي القَوْل الأول وَمَال إِلَيْهِ
وَقَالَ وَقَول الإِمَام أَحْمد الْمُوَافق لِلْجُمْهُورِ أَوْمَأ إِلَيْهِ إِيمَاء انْتهى
قلت ومعتمد مذْهبه عدم الِاشْتِرَاط
ثامنها إِذا قَالَ بعض الْأَئِمَّة قولا سَوَاء كَانَ من الصَّحَابَة أَو مِمَّن بعدهمْ وَسكت الْبَاقُونَ مَعَ اشتهار ذَلِك القَوْل فيهم وَكَانَ ذَلِك القَوْل مُتَعَلقا بِأَحْكَام التَّكْلِيف كَانَ ذَلِك إِجْمَاعًا على الْمُخْتَار
стр. 240
وَيُسمى إِجْمَاعًا سكوتيا فَلَو لم يشْتَهر القَوْل فيهم لم يدل سكوتهم على الْمُوَافقَة وَلَو لم يكن تكليفا لم يكن إِجْمَاعًا وَلَا حجَّة لِأَن الْإِجْمَاع أَمر ديني وَمَا لَيْسَ تكليفا لَيْسَ دينيا بل دنيويا وَلَكِن اخْتِلَاف الزَّمَان أحدث للْإِجْمَاع السكوتي شرطا وَهُوَ أَنه إِذا أفتى وَاحِد بِحكم على مذْهبه مَعَ مُخَالفَته لمَذْهَب غَيره وَسكت الْبَاقُونَ عَنهُ فَإِن ذَلِك السُّكُوت لَا يعد إِجْمَاعًا لما تقرر عِنْد أهل الْمذَاهب من عدم إِنْكَار بَعضهم على بعض إِلَّا أَن يُقَال فرض الْمَسْأَلَة فِي الْأَحْكَام الَّتِي يتداول المجتهدون الْبَحْث عَنْهَا لَا فِي الْأَحْكَام الَّتِي يتداولها المقلدون لأَنهم لَا فِي العير وَلَا فِي النفير
تاسعها إِذا اخْتلف أهل الْعَصْر على قَوْلَيْنِ امْتنع على من بعدهمْ إِحْدَاث قَول ثَالِث
وَقَالَ الرَّازِيّ فِي الْمَحْصُول والآمدي فِي مُنْتَهى السول وتبعهما الطوفي أَن القَوْل الثَّالِث إِن رفع الْإِجْمَاع الأول على الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلين لم يجز وَإِن لم يرفعهُ جَازَ
مِثَاله لَو قَالَ بعض الْأمة بِاعْتِبَار النِّيَّة فِي كل طَهَارَة وَقَالَ الْبَعْض الآخر باعتبارها فِي بعض الطهارات دون بعض كَمَا هُوَ قَول أبي حنيفَة يعْتَبر هَذَا للتيمم دون الْوضُوء
فالنافي اعْتِبَارهَا فِي جَمِيع الْعِبَادَات مُطلقًا يكون رَافعا للْإِجْمَاع الأول
وَمِثَال مَا لَيْسَ رَافعا للْإِجْمَاع الأول مَا سبق فِي هَذَا الْمِثَال من النَّفْي فِي إِحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ دون الْأُخْرَى وكما لَو اخْتلفُوا فِي اعْتِبَار النِّيَّة فِي الطهارات نفيا وإثباتا فَالْقَوْل فِي إِثْبَاتهَا فِي الْبَعْض دون الْبَعْض لَا يمْتَنع لِأَنَّهُ لم يرفع الْإِجْمَاع الأول بل وَافق كل فريق فِي بعض مَا ذهب إِلَيْهِ وَرُبمَا كَانَ هَذَا المسلك أولى من الَّذِي قبله
стр. 241
عَاشرهَا إِذا اخْتلف الصَّحَابَة على قَوْلَيْنِ فاتفق التابعون على أَحدهمَا كَانَ ذَلِك إِجْمَاعًا خلافًا للْقَاضِي أبي يعلى وَبَعض الشَّافِعِيَّة
حادي عشرهَا اتِّفَاق الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة بعد رَسُول الله ﷺ مَعَ مُخَالفَة غَيرهم لَهُم لَيْسَ إِجْمَاعًا وَإِذا لم يكن اتِّفَاق الْأَرْبَعَة إِجْمَاعًا
فَقَوْل اثْنَيْنِ مِنْهُم أولى بِأَن لَا يكون إِجْمَاعًا وَنقل عَن الإِمَام أَحْمد أَن اتِّفَاق الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة حجَّة وَكَذَا اتِّفَاق أبي بكر وَعمر ﵄ لحَدِيث عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين من بعدِي عضوا عَلَيْهَا بالنواجذ
وَحَدِيث اقتدوا بالذين من بعدِي أبي بكر وَعمر وَلَو لم تقم الْحجَّة بقَوْلهمْ لما أمرنَا باتبَاعهمْ وَهَذَا القَوْل هُوَ الْحق
ثَانِي عشرهَا إِجْمَاع أهل الْمَدِينَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ لَيْسَ بِحجَّة خلافًا لمَالِك وَلَا ينْعَقد الْإِجْمَاع بِأَهْل الْبَيْت وحدهم خلافًا للشعية
ثَالِث عَاشرهَا لَا يكون الْإِجْمَاع إِلَّا عَن دَلِيل لِأَنَّهُ لَا يكون إِلَّا من الْمُجْتَهدين والمجتهد لَا يَقُول فِي الدّين بِغَيْر دَلِيل فَإِن القَوْل بِغَيْر دَلِيل خطأ وَيجوز كَون الْإِجْمَاع عَن اجْتِهَاد وَقِيَاس وَقد وَقع كَذَلِك وَتحرم مُخَالفَته
وَقَالَ ابْن حَامِد وَجمع يكفر مُنكر حكم الْإِجْمَاع الْقطعِي
стр. 242
وَقَالَ أَبُو الْخطاب وَجمع لَا يكفر وَلكنه يفسق
وَقَالَ الطوفي والآمدي وَمن تبعه يكفر بِنَحْوِ الْعِبَادَات الْخمس وَهُوَ معنى كَلَام أَصْحَابنَا فِي الْفِقْه
قَالَ القَاضِي عَلَاء الدّين المرداوي فِي التَّحْرِير وَالْحق أَن مُنكر الْمجمع الضَّرُورِيّ وَالْمَشْهُور الْمَنْصُوص عَلَيْهِ كَافِرًا قطعا وَكَذَا الْمَشْهُور فَقَط لَا الْخَفي فِي الْأَصَح فيهمَا هَذَا كَلَامه
وَمِثَال الْخَفي إِنْكَار اسْتِحْقَاق بنت الابْن السُّدس مَعَ الْبِنْت وَتَحْرِيم نِكَاح الْمَرْأَة على عَمَّتهَا وخالتها وَنَحْو ذَلِك فَهَذَا لَا يكفر منكره لعذر الخفاء خلافًا لبَعض الْفُقَهَاء فِي قَوْله أَنه يكفر لتكذيب الْأمة ورد بِأَنَّهُ لم يكذبهم صَرِيحًا إِذا فرض أَنه مِمَّا يخفى على مثله فالإجماع الْخَفي هُوَ مَا كَانَ خافيا على من رده وَلم يعلم بِهِ
رَابِع عشرهَا إِذا اسْتدلَّ أهل الْعَصْر بِدَلِيل أَو أولُوا تَأْوِيلا فَهَل يجوز لمن بعدهمْ إِحْدَاث دَلِيل آخر أَو تَأْوِيل من غير إِلْغَاء الأول ذهب الْجُمْهُور إِلَى جَوَاز ذَلِك وَذهب بَعضهم إِلَى الْوَقْف وَابْن حزم إِلَى التَّفْصِيل بَين النَّص فَيجوز الِاسْتِدْلَال بِهِ وَبَين غَيره فَلَا يجوز فِيهِ
خَامِس عشرهَا هَل يُمكن وجود دَلِيل لَا معَارض لَهُ اشْترك أهل الْإِجْمَاع فِي عدم الْعلم بِهِ قيل بِالْجَوَازِ إِن كَانَ عمل الْأمة مُوَافقا لَهُ وَعَدَمه إِن كَانَ مُخَالفا لَهُ وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيّ وَابْن الْحَاجِب والصفي الْهِنْدِيّ
وَقيل بِالْمَنْعِ مُطلقًا
سادس عشرهَا الْإِجْمَاع الْمَنْقُول بطرِيق الْآحَاد حجَّة وَقَالَ الْجُمْهُور يشْتَرط فِي نَقله عدد التَّوَاتُر وَقَول الْقَائِل لَا أعلم خلافًا بَين أهل الْعلم فِي كَذَا كَمَا يَقُوله صَاحب الشافي فِي شرح الْمقنع
стр. 243
وَغَيره لَا يكون إِجْمَاعًا لجَوَاز أَن يكون ثمَّة مُخَالف لم يطلع الْقَائِل على خِلَافه وَفَوق كل ذِي علم عليم وَقد نَص على ذَلِك أَحْمد
سَابِع عشرهَا لَا يَصح التَّمَسُّك بِالْإِجْمَاع فِيمَا يتَوَقَّف صِحَة الْإِجْمَاع عَلَيْهِ اتِّفَاقًا كوجود الْبَارِي وَصِحَّة الرسَالَة وَدلَالَة المعجزة وَيصِح فِيمَا لَا يتَوَقَّف وَهُوَ ديني كالروية وَنفي الشّرك وَوُجُوب الْعِبَادَات أَو عَقْلِي كحدوث الْعَالم خلافًا لأبي الْمَعَالِي مُطلقًا وللشيرازي فِي كليات أصُول الدّين كحدوث الْعَالم وَإِثْبَات النُّبُوَّة أَو دُنْيَوِيّ كرأي فِي حَرْب وَنَحْوه فِي ظَاهر كَلَام القَاضِي وَأبي الْخطاب وَابْن عقيل وَغَيرهم
وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيّ وَمن تبعه وَهُوَ أظهر
وَقيل بعد اسْتِقْرَار الرَّأْي
وَقيل لَيْسَ بِحجَّة وَهُوَ ظَاهر الرَّوْضَة وَالْمقنع ومختصر الطوفي
أَو يكون لغويا وَقيل إِن تعلق بِالدّينِ
خَاتِمَة الْإِجْمَاع إِمَّا نطقي أَو سكوتي وكل وَاحِد مِنْهُمَا إِمَّا أَن يكون متواترا وَإِمَّا أَن يكون آحادا فالنطقي مَا كَانَ اتِّفَاق مجتهدي الْأمة جَمِيعهم عَلَيْهِ نطقا نفيا أَو إِثْبَاتًا
والسكوتي مَا نطق بِهِ الْبَعْض وَسكت عَنهُ الْبَعْض الآخر وكل وَاحِد من هذَيْن إِمَّا أَن ينْقل أَن جَمِيع الْمُجْتَهدين نطقوا بِهِ نقلا متواترا أَو آحادا أَو نطق بِهِ الْبَعْض وَسكت عَنهُ الْبَعْض الآخر تواترا أَو أحادا وَالْكل حجَّة وَلَكِن تخْتَلف مراتبها فأقواها النطقي تواترا ثمَّ آحادا ثمَّ السكوتي تواترا ثمَّ آحادا وَقد سبق الْخلاف فِي أَن الْإِجْمَاع يثبت بِخَبَر الْآحَاد أم لَا وَالله الْمُوفق
стр. 244
الأَصْل الرَّابِع من الْأُصُول الْمُتَّفق عَلَيْهَا اسْتِصْحَاب الْحَال
هُوَ اسْتِصْحَاب للنَّفْي الْأَصْلِيّ الْمُقدم ذكره عِنْد ذكر الْأُصُول أَو الْكتاب وَيعرف بِأَنَّهُ التَّمَسُّك بِدَلِيل عَقْلِي أَو شَرْعِي لم يظْهر عَنهُ ناقل مُطلقًا وَتَحْقِيق مَعْنَاهُ أَن يُقَال هُوَ اعْتِقَاد كَون الشَّيْء فِي الْمَاضِي أَو الْحَاضِر يُوجب ظن ثُبُوته فِي الْحَال أَو الِاسْتِقْبَال وتلخيص هَذَا أَن يُقَال هُوَ ظن دوَام الشَّيْء بِنَاء على ثُبُوت وجوده قبل ذَلِك وَهَذَا الظَّن حجَّة عِنْد الْأَكْثَرين مِنْهُم مَالك وَأحمد والمزني والصيرفي وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزالِيّ وَجَمَاعَة من أَصْحَاب الشَّافِعِي خلافًا لجمهور الْحَنَفِيَّة وَأبي الْحُسَيْن الْبَصْرِيّ وَجَمَاعَة من الْمُتَكَلِّمين
قَالَ الْخَوَارِزْمِيّ فِي الْكَافِي اسْتِصْحَاب الْحَال هُوَ آخر مدَار الْفَتْوَى إِذا لم يجد الْمُفْتِي حكم الْحَادِثَة فِي الْكتاب أَو السّنة أَو الْإِجْمَاع أَو الْقيَاس أَخذ حكمهَا من اسْتِصْحَاب الْحَال فِي النَّفْي وَالْإِثْبَات فَإِن كل التَّرَدُّد فِي زَوَاله فَالْأَصْل بَقَاؤُهُ وَإِن كَانَ التَّرَدُّد فِي ثُبُوته فَالْأَصْل عدم ثُبُوته انْتهى محصلا
فمثال اسْتِصْحَاب نفي الحكم الشَّرْعِيّ عدم وجوب صَوْم شَوَّال وَغَيره من الشُّهُور سوى رَمَضَان وَعدم صَلَاة سادسة مَكْتُوبَة فَإنَّا
стр. 245
لَو فَرضنَا أَن الشَّرْع لم ينص على عدم ذَلِك لَكَانَ الْعقل دَلِيلا عَلَيْهِ بطرِيق الِاسْتِصْحَاب الْمَذْكُور وَمِثَال التَّمَسُّك بِدَلِيل شَرْعِي لم يظْهر عَنهُ ناقل اسْتِصْحَاب الْعُمُوم وَالنَّص حَتَّى يرد مُخَصص أَو نَاسخ واستصحاب حكم ثَابت كالملك وشغل الذِّمَّة بِالْإِتْلَافِ وَنَحْوه وَأما اسْتِصْحَاب حَال الْإِجْمَاع فِي مَحل الْخلاف كالتمسك فِي عدم بطلَان صَلَاة الْمُتَيَمم عِنْد وجود المَاء بِالْإِجْمَاع على صِحَة دُخُوله فِيهَا فيستصحب حَال تِلْكَ الْمصلحَة فالأكثر أَن هَذَا لَيْسَ بِحجَّة خلافًا للشَّافِعِيّ وَابْن شاقلا من أَصْحَابنَا
وَاعْلَم أَن الْمُسْتَدلّ على نفي الحكم كَقَوْلِه مَا الْأَمر كَذَا أَو لَيْسَ الْأَمر كَذَا يلْزمه أَن يُقيم الدَّلِيل على صِحَة مدعاه وَلَا يَكْفِيهِ مُجَرّد دَعْوَى النَّفْي
стр. 246
الْأُصُول الْمُخْتَلف فِيهَا
لما فَرغْنَا من الْكَلَام على الْأُصُول الْمُتَّفق عَلَيْهَا وَهِي الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع والاستصحاب أَخذنَا فِي الْكَلَام على الْأُصُول الْمُخْتَلف فِيهَا وَهِي أَرْبَعَة شرع من قبلنَا وَقَول الصَّحَابِيّ وَالِاسْتِحْسَان والاستصلاح
فَقُلْنَا أما شرع من قبلنَا فَإِنَّهُ يجوز أَن يتعبد نَبِي بشريعة نَبِي قبله عقلا لِأَنَّهُ لَيْسَ بمحال وَلَا يلْزم مِنْهُ محَال وَكَانَ نَبينَا ﷺ قبل الْبعْثَة متعبدا فِي الْفُرُوع بشرع من قبله عِنْد القَاضِي والحلواني وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمد وَاخْتَارَ ابْن عقيل وَالْمجد أَنه كَانَ متعبدا بشريعة إِبْرَاهِيم ﵇ وَلم يكن ﷺ على مَا كَانَ عَلَيْهِ قومه
قَالَ الإِمَام أَحْمد من زعم ذَلِك فَقَوله سوء وَبعد الْبعْثَة تعبد بشرع من قبله وَنقل فِي التَّحْرِير هَذَا القَوْل عَن أَحْمد وَالشَّافِعِيّ وَأكْثر أصحابهما وَالْحَنَفِيَّة والمالكية وَمن ثمَّ كَانَ شرع من قبلنَا شرع لنا مَا لم ينْسَخ عِنْد أَكثر أَصْحَابنَا وَغَيرهم
قَالَ القَاضِي وَغَيره بِمَعْنى أَنه مُوَافق لَا متابع انْتهى
لَكِن مَحل ذَلِك إِذا قطع بِأَنَّهُ شرع لمن قبلنَا إِمَّا بِكِتَاب أَو بِخَير الصَّادِق أَو بِنَقْل متواتر فَأَما الرُّجُوع إِلَيْهِم أَو إِلَى كتبهمْ فَلَا وَقد أَوْمَأ أَحْمد إِلَى هَذَا وَمَعْنَاهُ لِابْنِ حمدَان
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَغَيره وَيثبت أَيْضا بأخبار الْآحَاد عَن نَبينَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 247
وَأما قَول صَحَابِيّ لم يظْهر لَهُ مُخَالف فَهُوَ حجَّة أَيْضا يقدم على الْقيَاس ويخص بِهِ الْعَام وَهُوَ قَول مَالك وَبَعض الْحَنَفِيَّة خلافًا لأبي الْخطاب
وَقَول الشَّافِعِي الْجَدِيد وَعَن أَحْمد مَا يدل عَلَيْهِ وَهُوَ مَذْهَب الأشاعرة والمعتزلة والكرخي
وَلَا يخفى أَن الْكَلَام فِي قَول الصَّحَابِيّ إِذا كَانَ مَا قَالَه من مسَائِل الِاجْتِهَاد أما إِذا لم يكن مِنْهَا وَدلّ دَلِيل على التَّوْقِيف فَلَيْسَ مِمَّا نَحن بصدده وَالَّذِي يظْهر أَنه الْحق مثل هَذَا لَيْسَ بِحجَّة فَإِن الله لم يبْعَث إِلَى هَذِه الْأمة إِلَّا نبيها ﷺ وَلَيْسَ لنا إِلَّا رَسُول وَاحِد وَكتاب وَاحِد وَجَمِيع الْأمة مأمورة بِاتِّبَاع كِتَابه وَسنة نبيه وَلَا فرق بَين الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ فِي ذَلِك فَمن قَالَ إِنَّهَا تقوم الْحجَّة فِي دين الله بِغَيْر كتاب الله وَسنة نبيه وَمَا يرجع إِلَيْهِمَا فقد قَالَ بِمَا لَا يثبت وَأثبت فِي هَذِه الشَّرِيعَة الإسلامية مَا لم يَأْمر الله بِهِ وَهَذَا أَمر عَظِيم وَتقول بَالغ فَإِن الحكم لفرد أَو أَفْرَاد من عباد الله بِأَن قَوْله أَو أَقْوَالهم حجَّة على الْمُسلمين يجب عَلَيْهِم الْعَمَل بهَا مِمَّا لَا بُد أَن الله بِهِ وَلَا يحل لمُسلم الركون إِلَيْهِ فَإِن هَذَا الْمقَام لم يكن إِلَّا لرسل الله لَا لغَيرهم وَلَو بلغ فِي الْعلم وَالدّين وَعظم الْمنزلَة أَي مبلغ وَلَا شكّ أَن مقَام الصُّحْبَة مقَام عَظِيم وَلَكِن ذَلِك فِي الْفَضِيلَة وارتفاع الدرجَة وعظمة الشَّأْن وَهَذَا مُسلم لَا شكّ فِيهِ وَلَا تلازم بَين هَذَا وَبَين جعل كل وَاحِد مِنْهُم بِمَنْزِلَة رَسُول الله ﷺ فِي حجية قَوْله وإلزام النَّاس باتباعه فَإِن ذَلِك مِمَّا لم يَأْذَن الله بِهِ وَلَا ثَبت عَنهُ فِيهِ حرف وَاحِد
ثمَّ اعْلَم أَنه إِذا اخْتلف الصَّحَابَة وَكَانَ عدم جَوَاز أَخذ الْمُجْتَهد بقول بَعضهم من غير دَلِيل من بَاب أولى
стр. 248
وَأما الِاسْتِحْسَان وَنسب القَوْل بِهِ إِلَى الْحَنَفِيَّة والحنابلة وَأنْكرهُ غَيرهم حَتَّى قَالَ الشَّافِعِي من اسْتحْسنَ فقد شرع قَالَه ابْن الْحَاجِب
ثمَّ قيل فِي تَعْرِيفه إِنَّه دَلِيل ينقدح فِي نفس الْمُجْتَهد لَا يقدر على التَّعْبِير عَنهُ وَهُوَ بِهَذَا التَّعْرِيف هوس لِأَن مَا هَذَا شَأْنه لَا يُمكن النّظر فِيهِ لتستبان صِحَّته
وَقَالَ فِي التَّحْرِير هُوَ الْعُدُول بِحكم الْمَسْأَلَة عَن نظائرها لدَلِيل شَرْعِي خَاص وَكَلَام أَحْمد يَقْتَضِي أَنه عدُول عَن مُوجب قِيَاس لدَلِيل أقوى وَاخْتَارَ هَذَا أَبُو الْوَفَاء بن عقيل وَعند الْحَنَفِيَّة يثبت بالأثر كسلم وَبَقَاء صَوْم النَّاسِي وبالإجماع وبالضرورة وَسموا مَا ضعف أَثَره قِيَاسا وَالْقَوِي اسْتِحْسَانًا وَمَا ذكره فِي التَّحْرِير هُوَ أَجود مَا قيل فِيهِ ومثاله قَول أبي الْخطاب فِي مَسْأَلَة الْعينَة وَإِذا اشْترى مَا بَاعَ بِأَقَلّ مِمَّا بَاعَ قبل
стр. 249
نقد الثّمن الأول لم يجز اسْتِحْسَانًا وَجَاز قِيَاسا فَالْحكم فِي نَظَائِر هَذِه الْمَسْأَلَة من الربويات الْجَوَاز وَهُوَ الْقيَاس لَكِن عدل بهَا عَن نظائرها بطرِيق الِاسْتِحْسَان فمنعت وَحَاصِل هَذَا يرجع إِلَى تَخْصِيص الدَّلِيل بِدَلِيل أقوى مِنْهُ فِي نظر الْمُجْتَهد
وَقَالَ ابْن المعمار والبغدادي وَمِثَال الِاسْتِحْسَان مَا قَالَه أَحْمد ﵁ أَنه يتَيَمَّم لكل صَلَاة اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاس أَنه بِمَنْزِلَة المَاء حَتَّى يحدث
وَقَالَ يجوز شِرَاء أَرض السوَاد وَلَا يجوز بيعهَا قيل لَهُ فَكيف يشترى مِمَّن لَا يملك البيع فَقَالَ الْقيَاس هَكَذَا وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِحْسَان وَلذَلِك يمْنَع من بيع الْمُصحف وَيُؤمر بِشِرَائِهِ اسْتِحْسَانًا وَأَنت إِذا تَأَمَّلت الِاسْتِحْسَان الْمَنْسُوب إِلَى الإِمَام أَحْمد ترى مَعْنَاهُ تَقْدِيم الدَّلِيل الشَّرْعِيّ أَو الْعقلِيّ لحسنه وَمثل هَذَا يجب الْعَمَل بِهِ لِأَن الْحسن مَا حسنه الشَّرْع والقبيح مَا قبحه الشَّرْع وَمَا كَونه أَن يكون على مُخَالفَة الدَّلِيل مثل أَن يكون الشَّيْء مَحْظُورًا بِدَلِيل شَرْعِي وَفِي عادات النَّاس الْعَمَل بِهِ فَهَذَا لم يقل بِهِ أَحْمد
стр. 250
وَلَا غَيره بل يحرم القَوْل بِهِ وَيجب اتِّبَاع الدَّلِيل وَترك الْعَادة والرأي سَوَاء كَانَ الدَّلِيل نصا أَو إِجْمَاعًا أَو قِيَاسا
وَأما الاستصلاح فَهُوَ اتِّبَاع الْمصلحَة الْمُرْسلَة فَإِن الشَّرْع أَو الْمُجْتَهد يطْلب صَلَاح الْمُكَلّفين بِاتِّبَاع الْمصلحَة الْمَذْكُورَة ومراعاتها والمصلحة جلب نفع أَو دفع ضَرَر وَهِي متنوعة إِلَى ثَلَاثَة أَنْوَاع أَولهَا مَا شهد الشَّرْع بِاعْتِبَارِهِ كاستفادة الحكم وتحصيله من مَعْقُول دَلِيل شَرْعِي كالنص وَالْإِجْمَاع وَيُسمى قِيَاسا كاستفادتنا تَحْرِيم شَحم الْخِنْزِير من تَحْرِيم لَحْمه الْمَنْصُوص عَلَيْهِ بِالْكتاب واستفادتنا تَحْرِيم النَّبِيذ الْمُسكر من تَحْرِيم الْمَنْصُوص عَلَيْهِ بِالْكتاب وَالسّنة مَعَ أَن النَّبِيذ مَنْصُوص على تَحْرِيمه مَعَ غَيره بقوله ﵊ كل مُسكر خمر وَأَشْبَاه ذَلِك
ثَانِيهَا مَا شهد الشَّرْع بِبُطْلَانِهِ من المصلح وَلم يعتبره كَقَوْل من يَقُول إِن الْمُوسر كالملك وَنَحْوه يتَعَيَّن عَلَيْهِ الصَّوْم فِي كَفَّارَة الوطىء فِي رَمَضَان وَلَا يُخَيّر بَينه وَبَين الْعتْق وَالْإِطْعَام لِأَن فَائِدَة الْكَفَّارَة الزّجر عَن الْجِنَايَة على الْعِبَادَة وَمثل هَذَا لَا يزجره الْعتْق وَالْإِطْعَام لِكَثْرَة مَا لَهُ فيسهل عَلَيْهِ أَن يعْتق رقابا فِي قَضَاء شَهْوَته وَقد لَا يسهل عَلَيْهِ صَوْم سَاعَة فَيكون الصَّوْم أزْجر لَهُ فَهَذَا وَأَمْثَاله ملغي غير مُعْتَبر لِأَنَّهُ تَغْيِير للشَّرْع بِالرَّأْيِ وَهُوَ غير جَائِز وَلَو أَرَادَ الشَّرْع ذَلِك لبينه أَو نبه عَلَيْهِ فِي حَدِيث الْأَعرَابِي أَو غَيره إِذْ تَأْخِير الْبَيَان عَن وَقت الْحَاجة لَا يجوز
следующие страницы →