← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6309

المدخل إلى مذهب الإمام أحمد لابن بدران

ابن بدران

Полный текст (458 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الْأُصُول الْمُخْتَلف فِيهَا لما فَرغْنَا من الْكَلَام على الْأُصُول الْمُتَّفق عَلَيْهَا وَهِي الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع والاستصحاب أَخذنَا فِي الْكَلَام على الْأُصُول الْمُخْتَلف فِيهَا وَهِي أَرْبَعَة شرع من قبلنَا وَقَول الصَّحَابِيّ وَالِاسْتِحْسَان والاستصلاح فَقُلْنَا أما شرع من قبلنَا فَإِنَّهُ يجوز أَن يتعبد نَبِي بشريعة نَبِي قبله عقلا لِأَنَّهُ لَيْسَ بمحال وَلَا يلْزم مِنْهُ محَال وَكَانَ نَبينَا ﷺ قبل الْبعْثَة متعبدا فِي الْفُرُوع بشرع من قبله عِنْد القَاضِي والحلواني وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمد وَاخْتَارَ ابْن عقيل وَالْمجد أَنه كَانَ متعبدا بشريعة إِبْرَاهِيم ﵇ وَلم يكن ﷺ على مَا كَانَ عَلَيْهِ قومه قَالَ الإِمَام أَحْمد من زعم ذَلِك فَقَوله سوء وَبعد الْبعْثَة تعبد بشرع من قبله وَنقل فِي التَّحْرِير هَذَا القَوْل عَن أَحْمد وَالشَّافِعِيّ وَأكْثر أصحابهما وَالْحَنَفِيَّة والمالكية وَمن ثمَّ كَانَ شرع من قبلنَا شرع لنا مَا لم ينْسَخ عِنْد أَكثر أَصْحَابنَا وَغَيرهم قَالَ القَاضِي وَغَيره بِمَعْنى أَنه مُوَافق لَا متابع انْتهى لَكِن مَحل ذَلِك إِذا قطع بِأَنَّهُ شرع لمن قبلنَا إِمَّا بِكِتَاب أَو بِخَير الصَّادِق أَو بِنَقْل متواتر فَأَما الرُّجُوع إِلَيْهِم أَو إِلَى كتبهمْ فَلَا وَقد أَوْمَأ أَحْمد إِلَى هَذَا وَمَعْنَاهُ لِابْنِ حمدَان وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَغَيره وَيثبت أَيْضا بأخبار الْآحَاد عَن نَبينَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 247

وَأما قَول صَحَابِيّ لم يظْهر لَهُ مُخَالف فَهُوَ حجَّة أَيْضا يقدم على الْقيَاس ويخص بِهِ الْعَام وَهُوَ قَول مَالك وَبَعض الْحَنَفِيَّة خلافًا لأبي الْخطاب وَقَول الشَّافِعِي الْجَدِيد وَعَن أَحْمد مَا يدل عَلَيْهِ وَهُوَ مَذْهَب الأشاعرة والمعتزلة والكرخي وَلَا يخفى أَن الْكَلَام فِي قَول الصَّحَابِيّ إِذا كَانَ مَا قَالَه من مسَائِل الِاجْتِهَاد أما إِذا لم يكن مِنْهَا وَدلّ دَلِيل على التَّوْقِيف فَلَيْسَ مِمَّا نَحن بصدده وَالَّذِي يظْهر أَنه الْحق مثل هَذَا لَيْسَ بِحجَّة فَإِن الله لم يبْعَث إِلَى هَذِه الْأمة إِلَّا نبيها ﷺ وَلَيْسَ لنا إِلَّا رَسُول وَاحِد وَكتاب وَاحِد وَجَمِيع الْأمة مأمورة بِاتِّبَاع كِتَابه وَسنة نبيه وَلَا فرق بَين الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ فِي ذَلِك فَمن قَالَ إِنَّهَا تقوم الْحجَّة فِي دين الله بِغَيْر كتاب الله وَسنة نبيه وَمَا يرجع إِلَيْهِمَا فقد قَالَ بِمَا لَا يثبت وَأثبت فِي هَذِه الشَّرِيعَة الإسلامية مَا لم يَأْمر الله بِهِ وَهَذَا أَمر عَظِيم وَتقول بَالغ فَإِن الحكم لفرد أَو أَفْرَاد من عباد الله بِأَن قَوْله أَو أَقْوَالهم حجَّة على الْمُسلمين يجب عَلَيْهِم الْعَمَل بهَا مِمَّا لَا بُد أَن الله بِهِ وَلَا يحل لمُسلم الركون إِلَيْهِ فَإِن هَذَا الْمقَام لم يكن إِلَّا لرسل الله لَا لغَيرهم وَلَو بلغ فِي الْعلم وَالدّين وَعظم الْمنزلَة أَي مبلغ وَلَا شكّ أَن مقَام الصُّحْبَة مقَام عَظِيم وَلَكِن ذَلِك فِي الْفَضِيلَة وارتفاع الدرجَة وعظمة الشَّأْن وَهَذَا مُسلم لَا شكّ فِيهِ وَلَا تلازم بَين هَذَا وَبَين جعل كل وَاحِد مِنْهُم بِمَنْزِلَة رَسُول الله ﷺ فِي حجية قَوْله وإلزام النَّاس باتباعه فَإِن ذَلِك مِمَّا لم يَأْذَن الله بِهِ وَلَا ثَبت عَنهُ فِيهِ حرف وَاحِد ثمَّ اعْلَم أَنه إِذا اخْتلف الصَّحَابَة وَكَانَ عدم جَوَاز أَخذ الْمُجْتَهد بقول بَعضهم من غير دَلِيل من بَاب أولى

стр. 248

وَأما الِاسْتِحْسَان وَنسب القَوْل بِهِ إِلَى الْحَنَفِيَّة والحنابلة وَأنْكرهُ غَيرهم حَتَّى قَالَ الشَّافِعِي من اسْتحْسنَ فقد شرع قَالَه ابْن الْحَاجِب ثمَّ قيل فِي تَعْرِيفه إِنَّه دَلِيل ينقدح فِي نفس الْمُجْتَهد لَا يقدر على التَّعْبِير عَنهُ وَهُوَ بِهَذَا التَّعْرِيف هوس لِأَن مَا هَذَا شَأْنه لَا يُمكن النّظر فِيهِ لتستبان صِحَّته وَقَالَ فِي التَّحْرِير هُوَ الْعُدُول بِحكم الْمَسْأَلَة عَن نظائرها لدَلِيل شَرْعِي خَاص وَكَلَام أَحْمد يَقْتَضِي أَنه عدُول عَن مُوجب قِيَاس لدَلِيل أقوى وَاخْتَارَ هَذَا أَبُو الْوَفَاء بن عقيل وَعند الْحَنَفِيَّة يثبت بالأثر كسلم وَبَقَاء صَوْم النَّاسِي وبالإجماع وبالضرورة وَسموا مَا ضعف أَثَره قِيَاسا وَالْقَوِي اسْتِحْسَانًا وَمَا ذكره فِي التَّحْرِير هُوَ أَجود مَا قيل فِيهِ ومثاله قَول أبي الْخطاب فِي مَسْأَلَة الْعينَة وَإِذا اشْترى مَا بَاعَ بِأَقَلّ مِمَّا بَاعَ قبل

стр. 249

نقد الثّمن الأول لم يجز اسْتِحْسَانًا وَجَاز قِيَاسا فَالْحكم فِي نَظَائِر هَذِه الْمَسْأَلَة من الربويات الْجَوَاز وَهُوَ الْقيَاس لَكِن عدل بهَا عَن نظائرها بطرِيق الِاسْتِحْسَان فمنعت وَحَاصِل هَذَا يرجع إِلَى تَخْصِيص الدَّلِيل بِدَلِيل أقوى مِنْهُ فِي نظر الْمُجْتَهد وَقَالَ ابْن المعمار والبغدادي وَمِثَال الِاسْتِحْسَان مَا قَالَه أَحْمد ﵁ أَنه يتَيَمَّم لكل صَلَاة اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاس أَنه بِمَنْزِلَة المَاء حَتَّى يحدث وَقَالَ يجوز شِرَاء أَرض السوَاد وَلَا يجوز بيعهَا قيل لَهُ فَكيف يشترى مِمَّن لَا يملك البيع فَقَالَ الْقيَاس هَكَذَا وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِحْسَان وَلذَلِك يمْنَع من بيع الْمُصحف وَيُؤمر بِشِرَائِهِ اسْتِحْسَانًا وَأَنت إِذا تَأَمَّلت الِاسْتِحْسَان الْمَنْسُوب إِلَى الإِمَام أَحْمد ترى مَعْنَاهُ تَقْدِيم الدَّلِيل الشَّرْعِيّ أَو الْعقلِيّ لحسنه وَمثل هَذَا يجب الْعَمَل بِهِ لِأَن الْحسن مَا حسنه الشَّرْع والقبيح مَا قبحه الشَّرْع وَمَا كَونه أَن يكون على مُخَالفَة الدَّلِيل مثل أَن يكون الشَّيْء مَحْظُورًا بِدَلِيل شَرْعِي وَفِي عادات النَّاس الْعَمَل بِهِ فَهَذَا لم يقل بِهِ أَحْمد

стр. 250

وَلَا غَيره بل يحرم القَوْل بِهِ وَيجب اتِّبَاع الدَّلِيل وَترك الْعَادة والرأي سَوَاء كَانَ الدَّلِيل نصا أَو إِجْمَاعًا أَو قِيَاسا وَأما الاستصلاح فَهُوَ اتِّبَاع الْمصلحَة الْمُرْسلَة فَإِن الشَّرْع أَو الْمُجْتَهد يطْلب صَلَاح الْمُكَلّفين بِاتِّبَاع الْمصلحَة الْمَذْكُورَة ومراعاتها والمصلحة جلب نفع أَو دفع ضَرَر وَهِي متنوعة إِلَى ثَلَاثَة أَنْوَاع أَولهَا مَا شهد الشَّرْع بِاعْتِبَارِهِ كاستفادة الحكم وتحصيله من مَعْقُول دَلِيل شَرْعِي كالنص وَالْإِجْمَاع وَيُسمى قِيَاسا كاستفادتنا تَحْرِيم شَحم الْخِنْزِير من تَحْرِيم لَحْمه الْمَنْصُوص عَلَيْهِ بِالْكتاب واستفادتنا تَحْرِيم النَّبِيذ الْمُسكر من تَحْرِيم الْمَنْصُوص عَلَيْهِ بِالْكتاب وَالسّنة مَعَ أَن النَّبِيذ مَنْصُوص على تَحْرِيمه مَعَ غَيره بقوله ﵊ كل مُسكر خمر وَأَشْبَاه ذَلِك ثَانِيهَا مَا شهد الشَّرْع بِبُطْلَانِهِ من المصلح وَلم يعتبره كَقَوْل من يَقُول إِن الْمُوسر كالملك وَنَحْوه يتَعَيَّن عَلَيْهِ الصَّوْم فِي كَفَّارَة الوطىء فِي رَمَضَان وَلَا يُخَيّر بَينه وَبَين الْعتْق وَالْإِطْعَام لِأَن فَائِدَة الْكَفَّارَة الزّجر عَن الْجِنَايَة على الْعِبَادَة وَمثل هَذَا لَا يزجره الْعتْق وَالْإِطْعَام لِكَثْرَة مَا لَهُ فيسهل عَلَيْهِ أَن يعْتق رقابا فِي قَضَاء شَهْوَته وَقد لَا يسهل عَلَيْهِ صَوْم سَاعَة فَيكون الصَّوْم أزْجر لَهُ فَهَذَا وَأَمْثَاله ملغي غير مُعْتَبر لِأَنَّهُ تَغْيِير للشَّرْع بِالرَّأْيِ وَهُوَ غير جَائِز وَلَو أَرَادَ الشَّرْع ذَلِك لبينه أَو نبه عَلَيْهِ فِي حَدِيث الْأَعرَابِي أَو غَيره إِذْ تَأْخِير الْبَيَان عَن وَقت الْحَاجة لَا يجوز

стр. 251

ثَالِثهَا مَا لم يشْهد لَهُ الشَّرْع بِبُطْلَان وَلَا بِاعْتِبَار معِين وَهَذَا النَّوْع يتنوع إِلَى ثَلَاثَة أَقسَام أَولهَا التحسين الْوَاقِع موقع التحسين والتزيين ورعاية حسن المناهج فِي الْعِبَادَات والمعاملات وَحسن الْأَدَب فِي السِّيرَة بَين النَّاس كصيانة الْمَرْأَة عَن مُبَاشرَة عقد نِكَاحهَا بِإِقَامَة الْوَلِيّ مباشرا لذَلِك لِأَن الْمَرْأَة لَو باشرت عقد نِكَاحهَا لَكَانَ ذَلِك مِنْهَا مشعرا بِمَا لَا يَلِيق بالمروءة من غَلَبَة القحبة وَقلة الْحيَاء وتوقان نَفسهَا إِلَى الرِّجَال فمنعت من ذَلِك حملا لِلْخلقِ على أحسن المناهج وأجمل السّير ثَانِيهَا الحاجي وَهُوَ الَّذِي تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجة كتسليط الْوَلِيّ على نِكَاح الصَّغِيرَة لحَاجَة تَقْيِيد الكفؤ خشيَة أَن يفوت فَإِن ذَلِك مِمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ وَيحصل بحصوله نفع وَيلْحق بفواته ضَرَر وَإِن لم

стр. 252

يكن ضَرُورِيًّا قَاطعا وَنسبَة الأول إِلَى هَذَا كنسبة الزِّينَة من الطِّبّ إِلَى بَاقِي كتبه على مَا عرف فِيهِ وَلَا يجوز للمجتهد التَّمَسُّك بِمُجَرَّد هذَيْن الْقسمَيْنِ الْمَذْكُورين وهما التحسيني والحاجي بل لَا بُد لَهُ من شَاهد من جِنْسهَا يشْهد لَهُ بِاعْتِبَار أحكامهما لِئَلَّا يكون ذَلِك وضعا للشَّرْع بِالرَّأْيِ وَلِأَن اعتبارهما بِدُونِ شَاهد يُؤَدِّي إِلَى الِاسْتِغْنَاء عَن بعث الرُّسُل ويجر النَّاس إِلَى دين البراهمة الْقَائِلين لَا حَاجَة لنا إِلَى الرُّسُل لِأَن الْعقل كَاف لنا فِي التَّأْدِيب وَمَعْرِفَة الْأَحْكَام إِذا مَا حسنه الْعقل أتيناه وَمَا قبحه اجتنبناه وَمَا لم يقْض فِيهِ بِحسن وَلَا قبح فعلنَا مِنْهُ الضَّرُورِيّ وَتَركنَا الْبَاقِي احْتِيَاطًا والتمسك بِهَذَيْنِ الْقسمَيْنِ من الْمصَالح من غير شَاهد لَهما بِالِاعْتِبَارِ يُؤَدِّي إِلَى مثل ذَلِك وَنَحْوه فَيكون بَاطِلا الْقسم الثَّالِث مَا كَانَ من ضَرُورِيَّة سياسة الْعلم وبقائه وانتظام أَحْوَاله وَهُوَ مَا عرف الْتِفَات الشَّرْع إِلَيْهِ والعناية بِهِ كالضروريات الْخمس وَهُوَ حفظ الدّين بقتل الْمُرْتَد والداعية إِلَى الرِّدَّة وعقوبة المبتدع الدَّاعِي إِلَى الْبِدْعَة وَحفظ الْعقل بِحَدّ السكر وَحفظ النَّفس بِالْقصاصِ وَحفظ النّسَب بِحَدّ الزِّنَا المفضي إِلَى تضضييع الْأَنْسَاب باختلاط الْمِيَاه وَحفظ الْعرض بِحَدّ الْقَذْف وَحفظ المَال بِقطع يَد السَّارِق هَذَا وَاخْتلف فِي حجية الْمصَالح الْمُرْسلَة فَذهب أَصْحَابنَا إِلَى اعْتِبَارهَا على مَا أسلفناه وَقَالَ مَالك باعتبارها وَعرفهَا ابْن الْحَاجِب الْمَالِكِي وَغَيره بِأَنَّهَا مصَالح لَا يشْهد لَهَا أصل بِالِاعْتِبَارِ فِي الشَّرْع وَإِن كَانَت على سنَن الْمصَالح وتلقتها الْعُقُول بِالْقبُولِ وَالْحق مَا سلكه أَصْحَابنَا تَنْبِيه فرق الْقَائِلُونَ بالمصالح الْمُرْسلَة بَينهَا وَبَين الْقيَاس بِأَن

стр. 253

الْقيَاس يرجع إِلَى أصل معِين وَهَذِه لَا ترجع إِلَى أصل معِين قَالُوا رَأينَا الشَّارِع اعتبرها فِي مَوَاضِع من الشَّرِيعَة فاعتبرناها حَيْثُ وجدت لعلمنا أَن جِنْسهَا مَقْصُود لَهُ وَقَالَ الطوفي الرَّاجِح الْمُخْتَار اعْتِبَار الْمصلحَة الْمُرْسلَة وَفصل هَذَا النَّوْع فِي شَرحه على مُخْتَصر الرَّوْضَة تَفْصِيلًا حسنا خَاتِمَة لهَذِهِ الْأُصُول يذكر فِيهَا أصولا مُخْتَلفا فِيهَا زِيَادَة على الْأُصُول الْأَرْبَعَة الْمُتَقَدّمَة أَولهَا سد الذرائع وَهُوَ قَول مَالك وأصحابنا وَهُوَ مَا ظَاهره مُبَاح ويتوصل بِهِ إِلَى محرم وأباحه أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَمَعْنَاهُ عِنْد الْقَائِل بِهِ يرجع إِلَى إبِْطَال الْحِيَل وَلذَلِك أنكر الْمُتَأَخّرُونَ من الْحَنَابِلَة على أبي الْخطاب وَمن تَابعه عقد بَاب فِي كتاب الطَّلَاق يتَضَمَّن الْحِيلَة على تَخْلِيص الْحَالِف من يَمِينه فِي بعض الصُّور وجعلوه من بَاب الْحِيَل الْبَاطِلَة قَالَ نجم الدّين الطوفي فِي شرح مُخْتَصر الرَّوْضَة وَقد صنف شَيخنَا تَقِيّ الدّين أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن تَيْمِية رَحْمَة الله عَلَيْهِ كتابا بناه على بطلَان نِكَاح الْمُحَلّل وأدرج فِيهِ جمع قَوَاعِد الْحِيَل وَبَين بُطْلَانهَا على وَجه لَا مزِيد عَلَيْهِ انْتهى قلت وَقد سلك مسلكه صَاحبه شمس الدّين مُحَمَّد ابْن قيم الجوزية فِي كِتَابه أَعْلَام الموقعين فشن الْغَارة على الْحِيَل وَأَهْلهَا وحذى بذلك حَذْو شَيْخه فرحم الله من يصدع بِالْحَقِّ وَقَالَ موفق الدّين الْمَقْدِسِي فِي الْمُغنِي والحيل كلهَا مُحرمَة لَا تجوز فِي شَيْء من الدّين وَهِي أَن يظْهر اعتقادا مُبَاحا يُرِيد بِهِ محرما مخادعة وتوصلا إِلَى فعل مَا حرم الله واستباحة محظوراته أَو

стр. 254

إِسْقَاط وَاجِب أَو دفع حق قَالَ أَبُو أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ أَنهم ليخادعون الله كَمَا يخادعون صَبيا ثمَّ قَالَ الْمُوفق إِن الله عذب أمة بحيلة احتالوها فمسخهم قردة وَخَنَازِير وَسَمَّاهُمْ معتدين وَجعل ذَلِك نكالا وموعظة لِلْمُتقين ليتعظوا بهم ويمتنعوا من فعل أمثالهم ثَانِيهَا الإلهام اخْتَارَهُ جمَاعَة من الْأُصُولِيِّينَ الْمُتَأَخِّرين مِنْهُم الفخرالرازي فِي تَفْسِيره عِنْد كَلَامه على أَدِلَّة الْقبْلَة وَابْن الصّلاح فِي فَتَاوَاهُ قَالَ وَمن علامته أَن ينشرح لَهُ الصَّدْر وَلَا يُعَارضهُ معَارض آخر وَقَالَ إلهام خاطر الْحق من الْحق انْتهى قلت وَهَذَا المسلك سري للْقَوْم من جِهَة المتصوفة وَلَو فتح بَابه لَأَدَّى إِلَى مفاسد كَثِيرَة ولكان للمتدلسين مدْخل لإفساد أَكثر الشَّرْع فَالصَّوَاب أَن لَا يلْتَفت إِلَيْهِ والإ لادعى كثير مِنْهُم إِثْبَات مَا يلذ لَهُم بالإلهام والكشف فَكَانَ وَحيا زَائِدا على مَا أُوحِي إِلَى مُحَمَّد ﷺ ولادعى المخرقون شركته فِي رسَالَته ثَالِثهَا ذكر جمَاعَة من أهل الْعلم مِنْهُم أَبُو إِسْحَاق الإِسْفِرَايِينِيّ أَن أول من رأى النَّبِي ﷺ فِي الْمَنَام وَأمره بِأَمْر يلْزمه الْعَمَل بِهِ وَيكون قَوْله حجَّة وَقَالَ الْجُمْهُور لَا يكون حجَّة وَلَا يثبت بِهِ حكم شَرْعِي وَإِن كَانَت رُؤْيَته ﷺ حَقًا والشيطان لَا يتَمَثَّل بِهِ لَكِن النَّائِم لَيْسَ من أهل التَّحَمُّل للرواية لعدم حفظه وَقيل إِنَّه يعْمل بِهِ مَا لم يُخَالف شرعا ثَابتا وَهَذَا القَوْل هُوَ والعدم سَوَاء لِأَن الْعَمَل يكون بِمَا ثَبت من الشَّرْع لَا بِهِ ثمَّ لَا يخفاك أَن الشَّرْع الَّذِي شَرعه الله لنا على لِسَان نَبينَا قد كمله الله لنا وَقَالَ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الْمَائِدَة ٣ وَلم يأتيا دَلِيل على أَن رُؤْيَته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 255

فِي النّوم بعد مَوته إِذا قَالَ فِيهَا بقول أَو فعل فِيهَا فعلا يكون دَلِيلا وَحجَّة بل قَبضه إِلَيْهِ عِنْد أَن كمل لهَذِهِ الْأمة مَا شَرعه لَهَا على لِسَانه وَلم يبْق بعد ذَلِك حَاجَة للْأمة فِي أَمر دينهَا وَقد انْقَطَعت الْبعْثَة لتبليغ الشَّرَائِع وتبيينها بِالْمَوْتِ وَإِن كَانَ رَسُولا حَيا وَمَيتًا ﷺ وَبِهَذَا الْعلم أَنا لَو قَدرنَا ضبط النَّائِم لم يكن مَا رَآهُ من قَوْله ﷺ أَو فعله حجَّة عَلَيْهِ وَلَا على غَيره من الْأمة تَتِمَّة فِي قَوَاعِد عَامَّة ذكرهَا تَقِيّ الدّين الفتوحي فِي أُصُوله لَا يرفع الْيَقِين بِالشَّكِّ فَلَو شكّ فِي امْرَأَة هَل تزَوجهَا أم لَا لم يكن لَهُ وَطْؤُهَا استصحابا لحكم التَّحْرِيم إِلَى أَن يتَحَقَّق تزَوجه بهَا قلت وَهَذَا من فروع الِاسْتِصْحَاب الضَّرَر لَا يَزُول بِضَرَر آخر الضرورات تبيح الْمَحْظُورَات الْمَشَقَّة تجلب التَّيْسِير دَرْء الْمَفَاسِد أولى من جلب الْمصَالح ودرء الْمفْسدَة الْعليا أولى من دَرْء غَيرهَا وَمن الْقَوَاعِد الْفِقْهِيَّة أَيْضا الْعَادة محكمَة وَهَذَا معنى قَول الْأُصُولِيِّينَ الْوَصْف الْمُعَلل بِهِ قد يكون من مقتضيات الْعرف وَمِنْه فِي بَاب التَّخْصِيص تَخْصِيص الْعُمُوم بِالْعَادَةِ وَحَاصِله أَنه كل فعل رتب عَلَيْهِ الحكم وَلَا ضَابِط لَهُ فِي الشَّرْع وَلَا فِي اللُّغَة كإحياء الْموَات والحرز فِي السّرقَة وَالْأكل من بَيت الصّديق وَمَا يعد قبضا وإيداعا وَإِعْطَاء وهدية وغصبا وَالْمَعْرُوف فِي المعاشرة وانتفاع الْمُسْتَأْجر بِمَا جرت بِهِ الْعَادة وأمثال ذَلِك مِمَّا هُوَ كثير وَمن الْقَوَاعِد جعل الْمَعْدُوم كالموجود احْتِيَاطًا كالمقتول تورث عَنهُ الدِّيَة وَإِنَّمَا تجب بِمَوْتِهِ وَلَا تورث عَنهُ إِلَّا إِذا دخلت دُخُولهَا فِي ملك فَيقدر وجودهَا قبل مَوته

стр. 256

وَمِنْهَا إدارة الْأُمُور فِي الْأَحْكَام على قَصدهَا كَالصَّلَاةِ لَا تصح إِلَّا بقصدها بنيتها وَغَيرهَا من الْأَحْكَام كَذَلِك هَذَا وَلما أنجزنا القَوْل فِي الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع ولواحقها وَالْأُصُول الْمُخْتَلف بهَا سوى الْقيَاس شرعنا بِذكرِهِ فَقُلْنَا

стр. 257

الأَصْل الْخَامِس الْقيَاس الْقيَاس فِي اللُّغَة التَّقْدِير نَحْو قست الثَّوْب بالذراع أَي قدرته بِهِ وَفِي الِاصْطِلَاح مُسَاوَاة فرع الأَصْل فِي عِلّة حكمه فَشَمَلَ هَذَا التَّعْرِيف الأَصْل وَالْفرع وَالْعلَّة وَالْحكم وَنبهَ على أَن المُرَاد بالفرع مَحل الحكم الْمَطْلُوب إثْبَاته فِيهِ وبالأصل مَحل الحكم الْمَعْلُوم وَبِذَلِك انْتَفَى اعْتِرَاض من يزْعم أَن هَذَا التَّعْرِيف دوري نعم يلْزم الدّور لَو أُرِيد بالفرع الْمَقِيس وبالأصل الْمَقِيس عَلَيْهِ وتحقيقه أَن المُرَاد بهما ذَات الأَصْل وَالْفرع وَالْمَوْقُوف على الْقيَاس وَصفا الفرعية والأصلية وللعلماء فِي تَعْرِيف الْقيَاس عِبَارَات كَثِيرَة وحاصلها يرجع إِلَى أَنه اعْتِبَار الْفَرْع بِالْأَصْلِ وَعرف أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن تَيْمِية فِي بعض رسائله الْقيَاس بقوله هُوَ الْجمع بَين المتماثلين وَالْفرق بَين الْمُخْتَلِفين الأول قِيَاس الطَّرْد وَالثَّانِي قِيَاس الْعَكْس انْتهى وَاعْلَم أَن الْقيَاس يَنْقَسِم أقساما باعتبارات أَحدهَا يَنْقَسِم إِلَى جلي وخفي فالجلي مَا كَانَت الْعلَّة الجامعة فِيهِ بَين الأَصْل وَالْفرع منصوصة أَو مجمعا عَلَيْهَا أَو مَا قطع فِيهِ بِنَفْي الْفَارِق كإلحاق الْأمة بِالْعَبدِ فِي تَقْوِيم النَّصِيب والخفي وَهُوَ مَا كَانَت الْعلَّة فِيهِ مستنبطة

стр. 258

ثَانِيهَا يَنْقَسِم إِلَى مُؤثر وَإِلَى ملائم فَالْأول مَا كَانَت فِيهِ الْعلَّة الجامعة ثَابِتَة بِنَصّ أَو بِإِجْمَاع أَو كَانَ الْوَصْف الْجَامِع فِيهِ قد أثر عينه فِي عين الحكم أَي فِي جنسه أَو جنسه فِي جنس الحكم وَالثَّانِي مَا أثر جنس الْعلَّة فِيهِ فِي جنس الحكم ثَالِثهَا أَن الْقيَاس إِمَّا أَن يُصَرح فِيهِ بِالْعِلَّةِ أَو بِمَا يلازمها أَو لم يُصَرح بهَا فِيهِ فَالْأول قِيَاس الْعلَّة وَالثَّانِي قِيَاس الدّلَالَة وَالثَّالِث الْقيَاس فِي معنى الأَصْل وَهُوَ مَا جمع فِيهِ بَين الأَصْل وَالْفرع بِنَفْي الْفَارِق رَابِعهَا إِن طَرِيق إِثْبَات الْعلَّة المستنبطة أما الْمُنَاسبَة أَو الشّبَه أَو السبر أَو التَّقْسِيم أَو الطَّرْد أَو الْعَكْس فَالْأول يُسمى قِيَاس الإخالة وَمَعْنَاهُ أَن الْمُجْتَهد يتخيل لَهُ مُنَاسبَة الْوَصْف للْحكم فيعلقه بِهِ وَالثَّانِي قِيَاس الشّبَه وَالثَّالِث قِيَاس السبر وَالرَّابِع قِيَاس الطَّرْد وَحَيْثُ أَتَيْنَا على تَقْسِيم الْقيَاس إِجْمَالا فلنذكر ذَلِك م فصل ا وَرُبمَا ذكر مَعَه مَا لم يذكر هُنَا فَنَقُول فصل أَرْكَان الْقيَاس أَرْبَعَة أصل وَفرع وَعلة وَحكم فَالْأَصْل عِنْد الْفُقَهَاء مَحل الحكم الْمُشبه بِهِ كَقَوْلِنَا النَّبِيذ مُسكر وكل مُسكر حرَام فالمقيس عَلَيْهِ الْمُشبه بِهِ هُوَ الْخمر والمشبه النَّبِيذ وَالْعلَّة الجامعة بَينهمَا الْإِسْكَار وَالْحكم التَّحْرِيم وَمن ثمَّ قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين أَحْمد بن تَيْمِية الأَصْل مَحل الحكم الْمُشبه بِهِ وَدَلِيل مَحل الحكم وَقَالَ ابْن عقيل هُوَ الحكم وَالْعلَّة وَالْفرع الْمحل الْمُشبه عِنْد الْفُقَهَاء وَعند الْمُتَكَلِّمين وَابْن قَاضِي الجيل حكمه وَالْحكم

стр. 259

هُوَ الْمُعَلل لَا الْمَحْكُوم بِهِ خلافًا لأبي عَليّ الطَّبَرِيّ الشَّافِعِي وَالْعلَّة فرع للْأَصْل أصل للفرع أما كَونهَا فرعا للْأَصْل فَلِأَنَّهَا مستنبطة من حكمه فَإِن الشَّارِع لما حرم الْخمر استنبطنا مِنْهُ أَن عِلّة تَحْرِيمهَا الْإِسْكَار الْمُفْسد للعقول إِذْ لَا مُنَاسِب للتَّحْرِيم فِيهَا سواهُ وَأما كَونهَا أصلا للفرع فَلِأَنَّهَا إِذا تحققت فِيهِ ترَتّب عَلَيْهَا إِثْبَات حكم الأَصْل كالإسكار لما تحقق فِي النَّبِيذ ترَتّب عَلَيْهِ التَّحْرِيم فالعلة مستخرجة من حكم الأَصْل والمستخرج فرع على الْمُسْتَخْرج مِنْهُ ثمَّ إِن الِاجْتِهَاد فِي الْعلَّة إِمَّا بِبَيَان مُقْتَضى الْقَاعِدَة الْكُلية الْمُتَّفق عَلَيْهَا فِي الْفَرْع أَو بِبَيَان وجود الْعلَّة فِيهِ مِثَال النَّوْع الأول أَن يُقَال فِي حمَار الْوَحْش إِذا قَتله الْمحرم مثله وَفِي الضبع أَيْضا يَقْتُلهَا الْمحرم مثلهَا لقَوْله تَعَالَى ﴿وَمن قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ الْمَائِدَة ٩٥ وَالْبَقَرَة مثل حمَار الْوَحْش والكبش مثل الضبع فَيجب أَن يكون هُوَ الْجَزَاء فوجوب الْمثل مُتَّفق عَلَيْهِ ثَابت بِالنَّصِّ الْمَذْكُور وَمِثَال النَّوْع الثَّانِي أَن يُقَال الطّواف عِلّة لطهارة الْهِرَّة بِنَاء على قَوْله ﵇ إِنَّهَا لَيست بِنَجس إِنَّهَا من الطوافين عَلَيْكُم والطوافات وَالطّواف مَوْجُود فِي الْفَأْرَة وَنَحْوهَا من صغَار الحشرات وَلَكِن هَذَا النَّوْع الثَّانِي دون الَّذِي قبله وهما متغايران لِأَن الأول لَيْسَ بِقِيَاس وَالثَّانِي قِيَاس وَكِلَاهُمَا يُسمى تَحْقِيق المناط

стр. 260

لِأَن مَعْنَاهُ إِثْبَات عِلّة حكم الأَصْل فِي الْفَرْع أَو إِثْبَات معنى مَعْلُوم فِي مَحل خَفِي فِيهِ ثُبُوت ذَلِك الْمَعْنى وَهُوَ مَوْجُود فِي النَّوْعَيْنِ وَإِن اخْتلفَا فِي أَن أَحدهمَا قِيَاس دون الآخر فتحقيق المناط أَعم من الْقيَاس وَهَذَا هُوَ النَّوْع الأول من أَنْوَاع الِاجْتِهَاد فِي الْعلَّة الشَّرْعِيَّة وَالنَّوْع الثَّانِي يُسمى تَنْقِيح المناط وَهُوَ إِلْغَاء بعض الْأَوْصَاف الَّتِي أضَاف الشَّارِع الحكم إِلَيْهَا لعدم صلاحيتها للاعتبار فِي الْعلَّة كجعل عِلّة وجوب كَفَّارَة رَمَضَان وقاع إِنْسَان مُكَلّف أَعْرَابِي لاطم فِي صَدره فِي ذَلِك الشَّهْر بِعَيْنِه فَيلْحق بِهِ من لَيْسَ أَعْرَابِيًا وَلَا لاطما وَالزَّانِي وَمن وطىء فِي رَمَضَان آخر وَمعنى هَذَا مَا روى أَبُو هُرَيْرَة قَالَ جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ هَلَكت يَا رَسُول الله قَالَ وَمَا أهْلكك قَالَ وَقعت على امْرَأَتي فِي رَمَضَان قَالَ هَل تَجِد مَا تعْتق رَقَبَة قَالَ لَا قَالَ فَهَل تَجِد مَا تطعم سِتِّينَ مِسْكينا قَالَ لَا الحَدِيث وَهُوَ صَحِيح وعوام الْفُقَهَاء يذكرُونَ أَن هَذَا الرجل كَانَ أَعْرَابِيًا وَأَنه جَاءَ يلطم وَجهه وصدره وينعي نَفسه فَإِن لم يكن جَاءَ بِهَذِهِ الْأَوْصَاف أثر فلعلهم أخذوها من قَوْله وَفِي بعض الرِّوَايَات وأهلكت لَكِن قَالَ الْخطابِيّ لَفْظَة هَلَكت لَيست مَوْجُودَة فِي شَيْء من رِوَايَات هَذَا الحَدِيث وَأَصْحَاب سُفْيَان لم يرووها عَنهُ إِنَّمَا ذكرُوا قَوْله هَلَكت فَحسب انْتهى لَكِن فِيمَا رَوَاهُ الشَّافِعِي من مَرَاسِيل سعيد بن الْمسيب قَالَ أَتَى أَعْرَابِي إِلَى النَّبِي ﷺ ينتف شعره وَيضْرب نَحره وَيَقُول هلك الْأَبْعَد وعَلى كل فلسنا الْآن بصدد بَيَان اخْتِلَاف الْأَلْفَاظ فِي الحَدِيث بل غَايَة الْأَمر إِنَّمَا هُوَ التَّمْثِيل وَبَيَان أَن مَجِيء الْأَعرَابِي على

стр. 261

الصِّفَات الْمَذْكُورَة رُبمَا يخيل للسامع أَن مجموعها مَعَ الوقاع فِي رَمَضَان هِيَ منَاط وجوب الْكَفَّارَة وعلته لَكِن من جُمْلَتهَا مَا لَيْسَ مناسبا لِأَن يكون عِلّة وَلَا جُزْء عِلّة فاحتيج إِلَى إلغائه وتنقيح الْعلَّة وتخليصها بالسبر والتقسيم فَيُقَال كَون هَذَا الرجل أَعْرَابِيًا لَا أثر لَهُ فَيلْحق بِهِ من لم يكن أَعْرَابِيًا كالتركي والعجمي وَغَيرهمَا من أَصْنَاف النَّاس وَكَونه لاطما صَدره وَوَجهه لَا أثر لَهُ فَيلْحق بِهِ من جَاءَ بسكينة ووقار وثبات وَكَون الْوَطْء فِي زَوْجَة لَا أثر لَهُ فَيلْحق بِهِ الْوَطْء فِي ذكر أَو أُنْثَى أَو أمة أَو أَجْنَبِيَّة أَو بَهِيمَة فِي قبل أَو دبر اعْتِبَارا لصورة الوقاع وَكَونه فِي ذَلِك الشَّهْر الْمعِين لَا أثر لَهُ فَيلْحق بِهِ من وطىء فِي رَمَضَان آخر وَإِنَّمَا كَانَت هَذِه الْأَوْصَاف لَا أثر لَهَا لعدم مناسبتها إِذْ الْوَصْف الَّذِي تظهر مناسبته كَونه وقاع مُكَلّف هتكت بِهِ حُرْمَة عبَادَة الصَّوْم الْمَفْرُوض أَدَاء وَمَا سوى ذَلِك من التعيينات والأوصاف فَإِنَّهُ ملغي لَا اعْتِبَار لَهُ وَقد يخْتَلف المجتهدون فِي بعض الْأَوْصَاف نَحْو مَا اعْتَبرهُ أَحْمد وَالشَّافِعِيّ فِي كَون عِلّة الْكَفَّارَة إِنَّمَا هِيَ الْجِمَاع فِي رَمَضَان وَمَا عدا ذَلِك ملغي فَقَالَا لَا تجب الْكَفَّارَة إِلَّا بِهِ فِي ذَلِك الشَّهْر وَقَالَ أَبُو حنفية وَمَالك الْعلَّة إِفْسَاد الصَّوْم وَهُوَ وصف عَام فَتجب الْكَفَّارَة فِي إفساده بِالْوَطْءِ وبالأكل وَالشرب النَّوْع الثَّالِث من الْأَنْوَاع الْمَذْكُورَة تَخْرِيج المناط وَهُوَ إِضَافَة حكم لم يتَعَرَّض الشَّرْع لعلته إِلَى وصف يُنَاسب فِي نظر الْمُجْتَهد بالسبر والتقسيم وَمَعْنَاهُ أَنا إِذا رَأينَا الشَّارِع قد نَص على حكم وَلم

стр. 262

يتَعَرَّض لعلته قُلْنَا هَذَا الحكم حَادث لَا بُد لَهُ بِحَق الأَصْل من سَبَب حَادث فيجتهد الْمُجْتَهد فِي اسْتِخْرَاج ذَلِك السَّبَب من مَحل الحكم فَإِذا ظفر بِوَصْف مُنَاسِب لَهُ واجتهد وَلم يجد غَيره غلب على ظَنّه أَن ذَلِك الْوَصْف هُوَ سَبَب الحكم مِثَاله أَن يُقَال حرم الرِّبَا فِي الْبر لِأَنَّهُ مَكِيل جنس أَو مطعوم جنس فالأرز مثله لِأَنَّهُ كَذَلِك أَو يُقَال وَجب الْعشْر فِي زَكَاة الْبر لكَونه قوتا فتلحق بِهِ الأقوات أَو لكَونه نَبَات الأَرْض وفائدتها فتلحق بِهِ الخضراوات وأنواع النَّبَات وَقد أجَاز أَصْحَابنَا التَّعَبُّد بِهَذَا النَّوْع عقلا وَشرعا وسموه الِاجْتِهَاد القياسي وَبِه قَالَ عَامَّة الْفُقَهَاء والمتكلمين خلافًا للظاهرية والنظام وَقد أَوْمَأ إِلَيْهِ أَحْمد وَحمله أَصْحَابه على قِيَاس قد خَالف نصا وَقَالَ أَصْحَابنَا وَالشَّافِعِيَّة وَطَائِفَة من الْمُتَكَلِّمين التَّعَبُّد الْقيَاس وَاجِب شرعا وَاعْلَم أَن هَذِه الْمَسْأَلَة كثر الْكَلَام فِيهَا كَثْرَة قرب الْمُسَافِر فِي بيدائها أَن يرجع بِلَا طائل وَالْحق أَن الَّذين نفوا الْقيَاس لم يَقُولُوا بإهدار كل مَا يُسمى قِيَاسا وَإِن كَانَ مَنْصُوصا على علته أَو مَقْطُوعًا فِيهِ بِنَفْي الْفَارِق وَمَا كَانَ من بَاب فحوى الْخطاب أَو لحنه على اصْطِلَاح من يُسمى ذَلِك قِيَاسا بل جعلُوا هَذَا النَّوْع من الْقيَاس مدلولا عَلَيْهِ بِدَلِيل الأَصْل مشمولا بِهِ مندرجا تَحْتَهُ وَكَلَام أَحْمد فِي مَنعه يرجع إِلَى هَذَا فَلَا حَاجَة لما تَأَوَّلَه أَصْحَابه وَمِنْه تعلم أَن الْخلاف فِي هَذَا النَّوْع لَفْظِي وَهُوَ من حَيْثُ الْمَعْنى مُتَّفق على الْأَخْذ بِهِ وَالْعَمَل عَلَيْهِ وَاخْتِلَاف طَريقَة الْعَمَل

стр. 263

لَا يلْزم مِنْهُ الِاخْتِلَاف الْمَعْنَوِيّ لَا عقلا وَلَا شرعا وَلَا عرفا على أَنه لَا يخفى على كل ذِي لب أَن فِي عمومات الْكتاب وَالسّنة ومطلقاتهما وخصوص نصوصهما مَا يَفِي حَادِثَة تحدث وَتقوم بِبَيَان كل نازلة تنزل عرف ذَلِك من عرفه وجهله من جَهله فَاجْعَلْ هَذِه الْقَاعِدَة نصب عَيْنَيْك واستغن بهَا عَمَّا أَطَالَ بِهِ أولو الْفضل من الْأَخْذ وَالرَّدّ فِي هَذَا الْمقَام

стр. 264

فصل فِي شَرَائِط أَرْكَان الْقيَاس ومصححاتها تقدم أَن أَرْكَان النَّاس أَرْبَعَة الأَصْل وَالْفرع الْعلَّة وَالْحكم وَلها شُرُوط فَأَما شَرط الأَصْل وَهُوَ الحكم فِي مَحل النَّص فأمور أَحدهَا أَن يكون الحكم الَّذِي أُرِيد تعديته إِلَى الْفَرْع ثَابتا فِي الأَصْل هَذَا من جِهَة الْأُصُول وَأما من حَيْثُ الجدل فالخصمان إِمَّا أَن يتَّفقَا على حكم الأَصْل أَو يختلفا فَإِن اتفقَا كَانَ ثَابتا بِالنَّصِّ والاتفاق وَإِن اخْتلفَا فالنص واف بإثباته وَكَانَ حجَّة لمن قَالَ بِهِ على خَصمه الثَّانِي أَن يكون الحكم الثَّابِت فِي الأَصْل شَرْعِيًّا لَا عقليا وَلَا لغويا كقياس تَسْمِيَة اللائط زَانيا والنباش سَارِقا الثَّالِث أَن يكون الطَّرِيق إِلَى مَعْرفَته السّمع الرَّابِع أَن يكون الحكم ثَابتا بِالنَّصِّ وَهُوَ الْكتاب أَو السّنة وَهل يجوز الْقيَاس على الحكم الثَّابِت بِمَفْهُوم الْمُوَافقَة أَو الْمُخَالفَة فَالظَّاهِر أَنه يجوز عَلَيْهِمَا عِنْد من أثبتهما وَأما مَا ثَبت بِالْإِجْمَاع فَفِيهِ وَجْهَان أصَحهمَا الْجَوَاز وَالثَّانِي عدم الْجَوَاز وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيح

стр. 265

الْخَامِس أَن لَا يكون الأَصْل الْمَقِيس عَلَيْهِ فرعا لأصل آخر وَإِلَيْهِ ذهب الْجُمْهُور وَهُوَ ظَاهر كَلَام أَحْمد وَقَالَ القَاضِي أَبُو يعلى يجوز أَن يستنبط من الْفَرْع الْمُتَوَسّط عِلّة لَيست فِي الأَصْل وَيُقَاس عَلَيْهِ وَقَالَ أَيْضا يجوز كَون الشَّيْء أصلا لغيره فِي حكم وفرعا لغيره فِي حكم آخر وَجوزهُ الْفَخر وَأَبُو الْخطاب وَمنعه أَيْضا وَقَالَ أَيْضا هُوَ ابْن عقيل والبصري وَبَعض الشَّافِعِيَّة يُقَاس عَلَيْهِ بِغَيْر الْعلَّة الَّتِي ثَبت بهَا وَحكى عَن أَصْحَابنَا وَمنعه الْمُوفق وَالْمجد والطوفي وَغَيرهم مُطلقًا إِلَّا بِاتِّفَاق الْخَصْمَيْنِ وَجوزهُ تَقِيّ الدّين أَحْمد بن تَيْمِية فِي قِيَاس الْعلَّة فَقَط السَّادِس أَن لَا يكون دَلِيل حكم الأَصْل شَامِلًا لحكم الْفَرْع إِذْ لَو كَانَ كَذَلِك لم يكن جعل أَحدهمَا بِعَيْنِه أصلا وَالْآخر فرعا أولى من الْعَكْس السَّابِع أَن يكون الحكم فِي الأَصْل مُتَّفقا عَلَيْهِ عِنْد الْخَصْمَيْنِ فَقَط لنضبط فَائِدَة المناظرة وَقيل عِنْد الْأمة وَالصَّحِيح الأول الثَّامِن أَن لَا يكون حكم الأَصْل ذَا قِيَاس مركب وَهُوَ مَا اتّفق عَلَيْهِ الخصمان لعلتين مختلفتين كَقَوْل الْحَنْبَلِيّ فِيمَا إِذا قتل الْحر عبدا الْمَقْتُول عبد فَلَا يقتل بِهِ الْحر كَالْمكَاتبِ إِذا قتل وَترك وَفَاء ووإرثا مَعَ الْمولى فَإِن أَبَا حنيفَة يَقُول هُنَا إِنَّه لَا قصاص يلْحق العبدية هُنَا بِجَامِع الرّقّ فَلَا يحْتَاج الْحَنْبَلِيّ فِيهِ إِلَى إِقَامَة دَلِيل على عدم الْقصاص فِي هَذِه الصُّورَة لموافقة خَصمه فَيَقُول الْحَنَفِيّ فِي منع ذَلِك إِن الْعلَّة إِنَّمَا هِيَ جَهَالَة الْمُسْتَحق من السَّيِّد وَالْوَرَثَة لَا الرّقّ لِأَن السَّيِّد وَالْوَارِث وَإِن اجْتمعَا على طلب الْقصاص فَإِن الِاشْتِبَاه لَا يَزُول لاخْتِلَاف الصَّحَابَة

стр. 266

وَالْقصاص يَنْتَفِي بِالشُّبْهَةِ فَهَذِهِ جَهَالَة تصلح لدرء الْقصاص وَلَا يمْنَع علمنَا بمستحق الْإِرْث وَمن هَذَا النَّوْع مَا يسمونه مركب الْوَصْف وَهُوَ مَا إِذا كَانَ الْخصم مُوَافقا على الْعلَّة لَكِن يمْنَع وجودهَا فِي الأَصْل كَأَن يَقُول فِي تَعْلِيق الطَّلَاق قبل النِّكَاح فُلَانَة الَّتِي أَتَزَوَّجهَا طَالِق فَيَقُول الْحَنَفِيّ الْعلَّة الَّتِي هِيَ كَونه تَعْلِيقا مفقودة فِي الأَصْل فَإِن قَوْله فُلَانَة الَّتِي أَتَزَوَّجهَا طَالِق تَنْجِيز لَا تَعْلِيق فَإِن صَحَّ هَذَا بَطل إِلْحَاق التَّعْلِيق بِهِ لعدم الْجَامِع وَإِن منع حكم الأَصْل وَهُوَ عدم الْوُقُوع فِي قَوْله فُلَانَة كَذَا لِأَنَّهُ إِنَّمَا منع الْوُقُوع لِأَنَّهُ تَنْجِيز وَلَو كَانَ تَعْلِيقا بِهِ قلت وَلنَا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة رِسَالَة مُسْتَقلَّة مُشْتَمِلَة على الْأَدِلَّة والبراهين وَبَيَان الْخلاف فِيهَا وَلَيْسَ كل من الْقسمَيْنِ حجَّة عندنَا وَعند الْأَكْثَر وَجوزهُ الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَاق وَالْقَاضِي أَبُو يعلى وَابْن عقيل وَجمع

стр. 267

التَّاسِع أَن لَا نَكُون متعبدين بِحكم الأَصْل بِالْقطعِ وَهَذَا النَّوْع فِيهِ خلاف للأصوليين وَقَالَ الْآمِدِيّ فِي جدله من كِتَابه الْمُنْتَهى مِمَّا يرجع إِلَى حكم الأَصْل من شُرُوطه أَن لَا يكون متعبدا بِهِ بِالْعلمِ لِأَن الْقيَاس لَا يُفِيد إِلَّا الظَّن وَحِينَئِذٍ يتَعَذَّر الْقيَاس وَمنع الطوفي من أَصْحَابنَا هَذَا الشَّرْط فِي شَرحه مُخْتَصره ثمَّ قَالَ وَالصَّحِيح فِي هَذَا مَا قَالَه الإِمَام فَخر الدّين إِذا كَانَ تَعْلِيل الأَصْل قَطْعِيا وَوُجُود الْعلَّة فِي الْفَرْع قَطْعِيا كَانَ الْقيَاس قَطْعِيا مُتَّفقا عَلَيْهِ قَالَ الطوفي قلت وَإِذا جَازَ ذَلِك جَازَ وُرُود التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ بِالْقطعِ وَحِينَئِذٍ لَا يكون مَا ذكره الْآمِدِيّ شرطا الْعَاشِر أَن لَا يكون معدولا بِهِ عَن سنَن الْقيَاس إِذْ الْقيَاس عَلَيْهِ غير مُمكن وَذَلِكَ على ضَرْبَيْنِ أَحدهمَا مَا ورد غير مَعْقُول الْمَعْنى سَوَاء كَانَ مُسْتَثْنى عَن قَاعِدَة عَامَّة كتخصيص خُزَيْمَة بِقِيَام شَهَادَته وَحده مقَام نِصَاب الشَّهَادَة أَو كَانَ مُبْتَدأ بِهِ من غير اسْتثِْنَاء كالمقدرات من الْحُدُود وَالْكَفَّارَات وَنصب الزكوات وأعداد الرَّكْعَات الضَّرْب الثَّانِي مَا ورد الشَّرْع بِهِ وَلَا نَظِير لَهُ معقولا أَو غير مَعْقُول كاللعان والقسامة وَضرب الدِّيَة على الْعَاقِلَة وَجَوَاز الْمسْح على الْخُفَّيْنِ فهذان الضربان لَا يُمكن الْقيَاس عَلَيْهِمَا لعدم فهم الْعلَّة أَو لعدم النظير هَذَا مَا ذكره الْآمِدِيّ وَتَبعهُ ابْن مُفْلِح وَبِه قَالَ ابْن الْحَاجِب وَغَيره وَقَالَ الْبرمَاوِيّ فِي جعل الْقسَامَة غير معقولة الْمَعْنى وَهُوَ

стр. 268

خَفِي بِخِلَاف شَهَادَة خُزَيْمَة ومقادير الْحُدُود نظر ظَاهر انْتهى وَذَلِكَ النّظر أَنَّهَا متساويات فَالْفرق بَينهَا غير مَعْقُول الْحَادِي عشر أَن لَا يكون حكم الأَصْل مغلظا وَفِي هَذَا الشَّرْط خلاف الثَّانِي عشر أَن لَا يكون الحكم فِي الْفَرْع ثَابتا قبل الأَصْل فَلَو تقدم لزم اجْتِمَاع النقيضين أَو الضدين وَهُوَ محَال الثَّالِث عشر قَالَ أَصْحَابنَا وَغَيرهم شَرط حكم الأَصْل أَن لَا يكون مَنْسُوخا لِأَن الْمَنْسُوخ لم يبْق لَهُ وجود فِي الشَّرْع فتلحق بِهِ الْأَحْكَام بِقِيَاس وَلَا غَيره فصل وَأما حكم الْفَرْع فَلهُ شَرْطَانِ أَحدهمَا أَن يكون حكمه مُسَاوِيا لحكم الأَصْل كقياس البيع على النِّكَاح فِي الصِّحَّة كَقَوْلِنَا فِي بيع الْغَائِب عقد على غَائِب فصح قِيَاسا على النِّكَاح وكقياس الزِّنَا على الشّرْب فِي التَّحْرِيم وكقياس الصَّوْم على الصَّلَاة فِي الْوُجُوب الثَّانِي أَن يكون حكم الْفَرْع حكما شَرْعِيًّا فرعيا لَا عقليا وَلَا أصوليا وَأَن يطْلب فِيهِ الْعلم لِأَن ذَلِك قَطْعِيّ وَالْقِيَاس إِنَّمَا يُفِيد الظَّن والقاطع لَا يثبت بالظني هَذَا مَا ذكره أَكثر أَصْحَابنَا وَمِنْهُم الشَّيْخ موفق الدّين فِي الرَّوْضَة وَذكر كثير من الْأُصُولِيِّينَ شُرُوطًا أخر

стр. 269

مِنْهَا أَن لَا يُمكن الِاسْتِدْلَال على حكم الْفَرْع بِالنَّصِّ إِذْ يكون إثْبَاته بِالْقِيَاسِ حِينَئِذٍ من بَاب فَسَاد الْوَضع كَمَا يُقَال فِي عدم إِجْزَاء عتق الرَّقَبَة الْكَافِرَة فِي كَفَّارَة الظِّهَار تَحْرِير فِي تَكْفِير فَلَا يَجْزِي فِيهِ ضحي قِيَاسا على كَفَّارَة الْقَتْل وَهَذَا إِذا تأملته تَجدهُ رَاجعا إِلَى تَقْيِيد الْمُطلق مَعَ اخْتِلَاف السَّبَب وَلَيْسَ مِمَّا نَحن فِيهِ وَمِنْهَا أَن يرد النَّص بِحكم الْفَرْع فِي الْجُمْلَة وَهَذَا الشَّرْط فَاسد لَا اعْتِبَار لَهُ لِأَن الْعلمَاء قاسوا قَوْله أَنْت عَليّ حرَام على الظِّهَار وَالطَّلَاق وَالْيَمِين وَلم يرد فِيهِ حكم جملَة وَلَا تَفْصِيلًا وَإِنَّمَا حكم الأَصْل يتَعَدَّى بتعدي الْعلَّة كَيفَ مَا كَانَ فصل وَأما الْفَرْع فشرطه وجود عِلّة الأَصْل فِيهِ وَلَا يشْتَرط أَن يكون وجود مَعًا فِيهِ مَقْطُوعًا بِهِ بل تَكْفِي غَلَبَة الظَّن وَالْحق أَنه إِنَّمَا يشْتَرط تقدم ثُبُوت الأَصْل على الْفَرْع قِيَاس الْعلَّة دون قِيَاس الدّلَالَة فَإِن الْعَالم دَلِيل على الصَّانِع الْقَدِيم وَهُوَ مُتَأَخّر عَن صانعه قطعا فصل وَأما الْعلَّة الشَّرْعِيَّة فلهَا أسام كَثِيرَة ذكرهَا الْبَزْدَوِيّ فِي المقترح فَقَالَ هِيَ السَّبَب والإمارة والداعي والمستدعي والباعث وَالْحَامِل والمناط وَالدَّلِيل والمقتضى والموجب والمؤثر وَقَالَ فِي التَّحْرِير هِيَ الْعَلامَة والمعرف عِنْد أَصْحَابنَا وَالْأَكْثَر لَا الْمُؤثر فِيهِ وَقَالَ الفتوحي فِي مُخْتَصر التَّحْرِير هِيَ مُجَرّد أَمارَة وعلامة نصبها الشَّارِع دَلِيلا على الحكم انْتهى

стр. 270

وَمن شَرطهَا أَن تكون متعدية من مَحل النَّص إِلَى غَيره كالإسكار والكيل وَالْوَزْن والطعم فَلَا عِبْرَة بالقاصرة وَهِي مَا لَا تُوجد فِي غير مَحل النَّص كالثمينة فِي النَّقْدَيْنِ فَإِن هَذَا مُخْتَصّ بهما قَاصِر عَلَيْهِمَا إِذا علم هَذَا فَليعلم أَن الحكم قد يتَخَلَّف عَن الْعلَّة وتخلفه عَنْهُمَا يعود إِلَى أَقسَام أَحدهَا مَا يعلم اسْتِثْنَاؤُهُ عَن قَاعِدَة الْقيَاس كإيجاب الدِّيَة فِي قتل الْخَطَأ على الْعَاقِلَة مَعَ الْعلم باختصاص كل امرىء بِضَمَان جِنَايَة نَفسه لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ الْأَنْعَام ١٦٤ وَكَذَا إِيجَاب صَاع تمر فِي الْمُصراة عَن اللَّبن المحتلب هَهُنَا مَعَ أَن تماثل الْأَجْزَاء عِلّة إِيجَاب الْمثل فِي ضَمَان الْمِثْلِيَّات فَكَانَ يَقْتَضِي ذَلِك أَن يضمن لبن الْمُصراة بِمثلِهِ فَهَذَا لَا تبطل بِهِ عِلّة الْقيَاس لثُبُوته قطعا بِنَصّ الشَّارِع ومناسبة الْعقل وَلَا يلْزم المستبدل الِاحْتِرَاز عَنهُ بتعليله بِأَن يَقُول كل امرىء مُخْتَصّ بِضَمَان جِنَايَة نَفسه إِلَّا فِي دِيَة الْخَطَأ وتماثل الْأَجْزَاء عِلّة إِيجَاب الْمثل فِي ضَمَان الْمِثْلِيَّات إِلَّا فِي المصرات لِأَنَّهُ إِنَّمَا يجب الِاحْتِرَاز عَمَّا ورد نقضا وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِك وَإِن كَانَت الْعلَّة مظنونة كورود الْعَرَايَا على عِلّة الرِّبَا على كل قَول وكل مَذْهَب بِلَا نقض وَلَا تَخْصِيص الْعلَّة بل على المناظر بَيَان وُرُودهَا على مَذْهَب خَصمه أَيْضا وَاعْلَم أَن قَول الْفُقَهَاء هَذَا الحكم مُسْتَثْنى عَن قَاعِدَة الْقيَاس أَو خَارج عَن الْقيَاس أَو ثَبت على خلاف الْقيَاس لَيْسَ المُرَاد بِهِ أَنه تجرد عَن مُرَاعَاة الْمصلحَة حَتَّى خَالف الْقيَاس وَإِنَّمَا المُرَاد بِهِ أَنه عدل بِهِ عَن نَظَائِره لمصْلحَة أكمل وأخص من مصَالح نَظَائِره على جِهَة الِاسْتِحْسَان الشَّرْعِيّ فَمن ذَلِك أَن الْقيَاس يَقْتَضِي عدم

стр. 271

بيع الْمَعْدُوم وَجَاز ذَلِك فِي السّلم وَالْإِجَارَة توسعة وتيسيرا على الْمُكَلّفين وَمِنْه أَن الْقيَاس أَن كل وَاحِد يضمن جِنَايَة نَفسه وخولف فِي دِيَة الْخَطَأ رفقا بالجاني وتخفيفا عَنهُ لِكَثْرَة وُقُوع الْخَطَأ من الجناة ثَانِيهَا النَّقْض التعذيري وَهُوَ تخلف الْعلَّة لَا لخلل فِيهَا بل لمعارضة عِلّة أُخْرَى أخص كَانَ يُقَال رق الْأُم عِلّة رق الْوَلَد فينتقض عَلَيْهِ بِولد الْمَغْرُور بِأُمِّهِ وَهُوَ من تزوج امْرَأَة على أَنَّهَا حرَّة فَبَانَت أمة فَهَذَا الْوَلَد حر مَعَ أَن أمه أمة فقد تخلف حكم الْعلَّة عَنْهَا فَيَقُول الْمُسْتَدلّ هَذَا الْوَلَد وَإِن كَانَ حرا حكما فَهُوَ رَقِيق فِي التَّقْدِير بِدَلِيل وجوب قِيمَته على أَبِيه لسَيِّد أمته وَلَو أَن الرّقّ فِيهِ حَاصِل تَقْديرا لما وَجَبت قِيمَته إِذْ الْحر لَا يضمن بِالْقيمَةِ وَفِي وُرُود هَذَا النَّوْع نقضا خلاف بَين أَصْحَابنَا فَذهب القَاضِي أَبُو يعلى وَأَبُو الْخطاب وَأكْثر أَصْحَابنَا إِلَى أَنه لَا يقْدَح مُطلقًا وَيكون حجَّة فِي غير مَا خص وَذهب ابْن حَامِد وَصَاحبه أَبُو يعلى إِلَى أَنه يقْدَح مُطلقًا وَقَالَ الْمُوفق يقْدَح فِي عِلّة مستنبطة إِلَّا لمَانع أَو فَوَات شَرط وَلَا يقْدَح فِي المنصوصة قَالَ الطوفي فِي مُخْتَصره الْأَشْبَه أَنه لَا يقْدَح اعْتِبَارا بالتحقيق لَا التَّقْدِير ثَالِثهَا تخلف الحكم لفَوَات مَحل أَو شَرط لَا لخلل فِي ركن الْعلَّة كَقَوْلِنَا البيع عِلّة الْملك وَقد وَقع فليثبت الْملك فِي زمن الْخِيَار فينتقض بيع الْمَوْقُوف والمرهون وَأم الْوَلَد فقد حصل البيع فِيهِ وَلم يفد الْملك فَيُقَال لم تتخلف إِفَادَة البيع الْملك لكَونه لَيْسَ عِلّة لإفادته بل لكَونه لم يُصَادف محلا وكقولنا السّرقَة عِلّة الْقطع وَقد وجدت فِي النباش فينتقض بِسَرِقَة الصَّبِي أَو سَرقَة دون النّصاب أَو السّرقَة من غير حرز فَإِنَّهَا لم توجب الْقطع فَيُقَال

стр. 272

لَيْسَ ذَلِك لكَون السّرقَة لَيست عِلّة بل لفَوَات أَهْلِيَّة الْقطع فِي الصَّبِي وفوات شَرطه فِي دون النّصاب وَمن غير الْحِرْز فَهَذَا وَأَمْثَاله لَا يفْسد الْعلَّة لِأَن تَأْثِير الْعلَّة يتَوَقَّف على وجود شُرُوطهَا وَانْتِفَاء موانعها وَهَذَا مِنْهُ وَهل يُكَلف الْمُعَلل والمستدل على ثُبُوت الحكم بِوُجُود علية الِاحْتِرَاز من هَذَا كَأَن يَقُول مثلا بيع صدر من أَهله وصادف مَحَله أَو استجمع شُرُوطه فَأفَاد الْملك أَو الْمُكَلف سرق نِصَابا كَامِلا من حرز مثله لَا شُبْهَة لَهُ فِيهِ فَوَجَبَ قطعه هَذَا فِيهِ خلاف بَين عُلَمَاء فن الجدل سهل الْخطب وَالْأولَى الِاحْتِرَاز عَنهُ لِأَنَّهُ أجمع للْكَلَام وأنفى لنشره وتبدده وَأَمْنَع لَهُ من أَن يصير مشاغبة وَمَا سوى ذَلِك من تخلف حكم الْعلَّة فِي الْأَقْسَام الثَّلَاثَة فَهُوَ نَاقض لِلْعِلَّةِ وَأما المعدول بِهِ عَن الْقيَاس فَلَا يَخْلُو من أَن تفهم علته أَولا فَإِن فهمت الْعلَّة فِيهِ ألحق بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ كقياس عرية الْعِنَب على عرية الرطب فِيمَا دون خَمْسَة أوسق إِذْ الْعلَّة مفهومة وَهِي الرُّخْصَة للنَّاس والتوسعة عَلَيْهِم إِذا احتاجوا إِلَيْهِ وكقياس أكل بَقِيَّة الْمُحرمَات على أكل الْميتَة للضَّرُورَة بِجَامِع اسْتِبْقَاء النَّفس بذلك وَيُقَاس عَلَيْهِ الْمُكْره على أكلهَا لِأَنَّهُ فِي معنى الْمُضْطَر إِلَى التغذي بهَا بالجامع الْمَذْكُور وَإِن لم تفهم عِلّة المعدول عَن الْقيَاس لم يلْحق بِهِ غَيره وَذَلِكَ كتخصيص أبي بردة بِأَنَّهُ ذبح جَذَعَة من الْمعز فِي الْأُضْحِية فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ هِيَ خير نسيكتيك وَلَا تجزي جَذَعَة لأحد بعْدك والْحَدِيث فِي الصَّحِيحَيْنِ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ

стр. 273

وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ وكشهادة خُزَيْمَة حَيْثُ اشْترى رَسُول الله ﷺ فرسا من أَعْرَابِي وَلم يكن بَينهمَا أحد ثمَّ جحد الْأَعرَابِي البيع فَشهد بِهِ خُزَيْمَة بن ثَابت وَحده فَأجَاز رَسُول الله ﷺ شَهَادَته فَجعل شَهَادَته بشهادتين فَهَذِهِ التخصيصات مِمَّا لَا يفهم مَعْنَاهَا فَلَا يلْحق بهَا غير من خص بهَا وَكَذَا التَّفْرِيق بَين بَوْل الْغُلَام وَالْجَارِيَة لما لم يعقل الْفرق بَينهمَا لم يلْحق بهما ذُكُور صغَار الْبَهَائِم وإناثها فصل لَا يشْتَرط أَن تكون الْعلَّة أمرا ثبوتيا بل يجوز أَن تكون أمرا عدميا وَهِي كَونهَا صفة أَو اسْما أَو حكما كَقَوْلِنَا لَيْسَ بمكيل وَلَا بموزون فَلَا يحرم فِيهِ التَّفَاضُل وَهَذَا لَا يجوز رَهنه وَنَحْو ذَلِك خلافًا لبَعض الشَّافِعِيَّة حَيْثُ قَالُوا لَا يجوز وَيجوز تَعْلِيل

стр. 274

الحكم بعلتين مَعًا فَلَا يمْتَنع أَن يَجْعَل اللَّمْس وَالْبَوْل عِلَّتَانِ لنقض الْوضُوء وَهنا قد تمّ الْكَلَام على شُرُوط الْعلَّة وَبِه تمّ الْكَلَام على شُرُوط أَرْكَان الْقيَاس الْأَرْبَعَة ولنشرع فِي بَيَان مَا يفْسد الْقيَاس بَيَان حسب الْإِمْكَان فَنَقُول فصل مفسدات الْقيَاس وُجُوه أَحدهَا أَن لَا يكون الحكم مُعَللا فِي نفس الْأَمر فَيكون القائس قد علل بِمَا لَيْسَ بمعلل كمن زعم أَن عِلّة الانتقاض بِلَحْم الجزر وَهُوَ أَنه لشدَّة حرارته ودسمه مرخ للجوف وَالصَّحِيح الْمَشْهُور أَن ذَلِك تعبد الثَّانِي أَن يخطىء الْقيَاس عِلّة الحكم عِنْد الله فِي الأَصْل مثل أَن يعْتَقد أَن عِلّة الرِّبَا فِي الْبر الطّعْم فَيلْحق بِهِ الخضراوات وَسَائِر المطعومات وَتَكون علته فِي نفس الْأَمر الْكَيْل أَو الاقتيات أَو بِالْعَكْسِ

стр. 275

الثَّالِث أَن يزِيد فِي أَوْصَاف الْعلَّة أَو ينقص مِنْهَا مثل أَن يُعلل الْحَنْبَلِيّ بِأَنَّهُ قتل عمد عدوان فَأوجب الْقود فَيَقُول الْحَنَفِيّ نقصت من أَوْصَاف الْعلَّة وَصفا وَهُوَ الْآلَة الصَّالِحَة السارية فِي الْبدن فَلَا يَصح إِلْحَاق المثقل بِهِ أَو يُعلل الْحَنَفِيّ بذلك فَيَقُول الْخصم زِدْت فِي أَوْصَاف الْعلَّة وَصفا لَيْسَ مِنْهَا وَهُوَ صَلَاحِية الْآلَة وَإِنَّمَا الْعلَّة هِيَ الْقَتْل الْعمد الْعدوان فَقَط فَيلْحق بِهِ المثقل الرَّابِع أَن يتَوَهَّم وجود الْعلَّة فِي الْفَرْع وَلَيْسَت فِيهِ مثل أَن يظنّ أَن الْخِيَار وَنَحْوه مَكِيلًا فيلحقه فِي تَحْرِيم الرِّبَا أَو بِالْعَكْسِ مثل أَن يظنّ أَن الْأرز مَوْزُون فيلحقه بالخضراوات فِي عدم تَحْرِيم الرِّبَا بِجَامِع أَنه لَيْسَ بمكيل الْخَامِس أَن يسْتَدلّ على تَصْحِيح الْعلَّة بِمَا لَيْسَ بِدَلِيل فَلَا يَصح فَلَا يحل لَهُ الْقيَاس وَإِن أصَاب كَمَا لَو أصَاب بِمُجَرَّد الْوَهم والحدس أَو أصَاب الْقبْلَة عِنْد اشتباهها بِدُونِ اجْتِهَاد ذكر هَذَا الْغَزالِيّ تَنْبِيه قد تقدم أَن فَائِدَة الْقيَاس إِلْحَاق الْمَسْكُوت عَنهُ بالمنطوق وَذَلِكَ الْإِلْحَاق على ضَرْبَيْنِ مَقْطُوع بِهِ ومظنون وَالْأول ضَرْبَان أَحدهمَا أَن يكون الْمَسْكُوت عَنهُ أولى بالحكم وَهُوَ فحوى الْخطاب وَمَفْهُوم الْمُوَافقَة وَشَرطه مَا سبق فِي مَوْضِعه نَحْو إِن قبلت شَهَادَة اثْنَيْنِ فَثَلَاثَة أولى وَإِذا لم تصح الْأُضْحِية بالعوراء فالعمياء أولى وَهُوَ بِخِلَاف قَوْلنَا إِذا ردَّتْ شَهَادَة الْفَاسِق فشهادة الْكَافِر

стр. 276

أولى بِالرَّدِّ وَإِذا وَجَبت الْكَفَّارَة فِي قتل الْخَطَأ فَفِي الْعمد لَو أولى فَإِنَّهُ مظنون لِإِمْكَان الْفرق إِذْ بَينهمَا جَامع وَهُوَ مبادرة الذِّهْن إِلَى أَيَّة وَالْفرع بالحكم وَفَارق وَهُوَ إِمْكَان الْفرق بَين الأَصْل وَالْفرع وَالثَّانِي أَن يَسْتَوِي الأَصْل وَالْفرع فِي استحقاقهما ومناسبتهما لَهُ كَقَوْلِنَا سرى الْعتْق فِي العَبْد فالأمة مثله إِذْ لَا تَأْثِير للذكورة وَالْأُنُوثَة فِي هَذَا الحكم وَنَحْوه فِي عرف الشَّرْع وتصرفه إِذْ هما وصفان طرديان كالسواد وَالْبَيَاض وَإِن كَانَ للذكورية والأنوثية تَأْثِير فِي الْفرق فِي بعض الْأَحْكَام كولاية النِّكَاح وَالْقَضَاء وَالشَّهَادَة وكقولنا موت الْحَيَوَان فِي السّمن يُنجسهُ وَالزَّيْت مثله وَلَا أثر للفارق يكون هَذَا سمنا وَهَذَا زيتا لِأَنَّهُ فرق لَفْظِي غير مُنَاسِب وَطَرِيق الْإِلْحَاق فِيهِ من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن يُقَال لَا فَارق بَين مَحل النزاع وَمحل الِاحْتِجَاج إِلَّا كَذَا وَهُوَ لَا أثر لَهُ فَيجب استواؤهما فِي الحكم كَأَن يُقَال لَا فَارق بَين العَبْد وَالْأمة فِي سرَايَة الْعتْق وتنصيف الْحَد إِلَّا الذكورية وَلَا أثر لَهَا فَيجب استواؤهما فِي ذَلِك الْوَجْه الثَّانِي أَن يبين الْجَامِع الَّذِي هُوَ منَاط الحكم فِي الأَصْل مَا هُوَ وَيبين وجوده فِي الْفَرْع فَيثبت الحكم مثل أَن يَقُول الْعلَّة فِي الأَصْل كَذَا وَهِي متحققة فِي الْفَرْع فَيجب استواؤهما فِي الحكم وَهَذَا النَّوْع مُتَّفق على تَسْمِيَته قِيَاسا وَفِيمَا قبله خلاف

стр. 277

وَمن أَمْثِلَة الثَّانِي أَن يُقَال السكر عِلّة التَّحْرِيم وَهِي مَوْجُودَة فِي النَّبِيذ فَيثبت التَّحْرِيم فِيهِ وَإِثْبَات الْمُقدمَة الأولى بِالشَّرْعِ فَقَط إِذْ هِيَ وضعية وَالثَّانيَِة بِالْعقلِ وَالْعرْف وَالشَّرْع وَمَا عدا مَا ذَكرْنَاهُ من الْإِلْحَاق بطرِيق الأولى وَالْقِيَاس فِي معنى الأَصْل فَهُوَ مظنون كالأقيسة الشبهية وَهنا انْتهى بَيَان أَصْنَاف الْإِلْحَاق القياسي قطعا أَو ظنا ولنتكلم على أَدِلَّة الشَّرْع الَّتِي تثبت بهَا الْعلَّة الشَّرْعِيَّة فَنَقُول مرجع أَدِلَّة الشَّرْع إِلَى نَص أَو إِجْمَاع أَو استنباط وَتثبت الْعلَّة بِكُل مِنْهَا على سَبِيل الْبَدَل فَإِن ثبتَتْ بِالنَّصِّ الَّذِي هُوَ الْكتاب وَالسّنة عمل بهَا وَإِلَّا تثبت بِالْإِجْمَاع فَإِن لم يُوجد فَفِي الاستنباط فَأَما إِثْبَاتهَا بِالنَّصِّ وَهُوَ الدَّلِيل النقلي فعلى نَوْعَيْنِ أَحدهمَا أَن تكون الْعلَّة مُصَرحًا بهَا بِأَن يكون اللَّفْظ مَوْضُوعا للتَّعْلِيل أَو مَشْهُورا فِي عرف اللُّغَة كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كي لَا يكون دولة بَين الْأَغْنِيَاء مِنْكُم﴾ الْحَشْر ٧ أَي إِنَّا جعلنَا مصرف الْفَيْء هَذِه الْجِهَات لِئَلَّا يتداوله الْأَغْنِيَاء قوما بعد قوم فتفوت نَفَقَة تِلْكَ الْجِهَات المحتاجة إِلَيْهِ وَلَا يَقع من الْأَغْنِيَاء موقع ضَرُورَة وَقس على ذَلِك أَمْثَاله من الْكتاب وَالسّنة كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فأثابكم غَمّاً بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ آل عمرَان ١٥٣ أَي من الْغَنِيمَة ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ الْبَقَرَة ١٤٣ أَي ليمتحنهم بالانقياد للانتقال من قبْلَة إِلَى قبْلَة فَإِن أضيف الْفِعْل الْمَذْكُور إِلَى مَا لَا يصلح أَن يكون عِلّة فَهُوَ

стр. 278

مجَاز وَيعرف ذَلِك بِعَدَمِ الدَّلِيل على عدم صلاحيته عِلّة مثل أَن يُقَال للْفَاعِل لم فعلت فَيَقُول لِأَنِّي أردْت فالإرادة هُنَا لَا تصلح للتَّعْلِيل لِأَن الْعلَّة إِنَّمَا هِيَ الْمُقْتَضى الْخَارِجِي للْفِعْل والإرادة لَيست معنى خَارِجا عَن الْفِعْل فَكَانَ اسْتِعْمَالهَا هُنَا اسْتِعْمَالا للفظ فِي غير مَحَله فَكَانَت مجَازًا فإمَّا مثل قَوْله ﵇ فِي الْمحرم الَّذِي مَاتَ لَا تقربوه طيبا فَإِنَّهُ يبْعَث يَوْم الْقِيَامَة ملبيا وَقَوله فِي الروثة لما جِيءَ بهَا ليستجمر بهَا أَنَّهَا رِجْس وَمثل هَذَا فَقَالَ أَبُو الْخطاب هَذَا كُله صَرِيح فِي التَّعْلِيل خُصُوصا فِيمَا لحقته الْفَاء نَحْو فَإِنَّهُ يبْعَث ملبيا وَقَالَ غَيره هُوَ من بَاب التَّنْبِيه والإيماء وَالْخلاف لَفْظِي لِأَن أَبَا الْخطاب يَقُول إِن التَّعْلِيل بِهِ صَرِيح لِأَنَّهُ تبادر مِنْهُ إِلَى الذِّهْن بِغَيْر توقف فِي عرف اللُّغَة وَغَيره يَعْنِي بِكَوْنِهِ لَيْسَ بِصَرِيح أَن حرف إِن لَيست مَوْضُوعَة للتَّعْلِيل فِي اللُّغَة الثَّانِي من إِثْبَات الْعلَّة بِالدَّلِيلِ النقلي الْإِيمَاء وَالْفرق بَينه وَبَين الأول أَن النَّص يدل على الْعلَّة بوصفه لَهَا والإيماء يدل عَلَيْهَا بطرِيق الِالْتِزَام وَهُوَ أَنْوَاع

стр. 279

أَحدهمَا ذكر الحكم عقيب الْوَصْف بِالْفَاءِ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فاعتزلوا النِّسَاء فِي الْمَحِيض وَلَا تقربوهن﴾ الْبَقَرَة ٢٢٢ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ الْمَائِدَة ٣٨ ﴿وَقَوله ﵇ من أَحْيَا أَرضًا فَهِيَ لَهُ فَهَذِهِ أَحْكَام ذكرت عقيب أَوْصَاف كاعتزال النِّسَاء عقيب الْمَحِيض وَقطع السَّارِق عقيب السّرقَة وَملك الأَرْض بعد الْإِحْيَاء وَهُوَ يُفِيد أَن الْوَصْف الَّذِي قبل الحكم عِلّة وَسبب لثُبُوته إِذْ الْفَاء للتعقيب فتفيد تعقيب الحكم الْوَصْف وَأَنه سَببه إِذا السَّبَب مَا ثَبت الحكم عَقِيبه ثَانِيهَا تَرْتِيب الحكم على الْوَصْف بِصِيغَة الْجَزَاء كَقَوْلِه تَعَالَى﴾ وَمن يتق لله يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴿الطَّلَاق﴾ ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ الطَّلَاق ٣ أَي لتقواه وتوكله لتعقيب الْجَزَاء وَالشّرط ثَالِثهَا ذكر الحكم جَوَابا بالسؤال يُفِيد أَن السُّؤَال الْمَذْكُور أَو مضمونه عِلّة الْجَواب كَقَوْلِه ﵊ فِي جَوَاب قَول الْأَعرَابِي واقعت أَهلِي فِي نَهَار رَمَضَان أعتق رَقَبَة لِأَن ذَلِك فِي معنى قَوْله حَيْثُ واقعت أهلك فَأعتق رَقَبَة

стр. 280

رَابِعهَا أَن يذكر الشَّارِع مَعَ الحكم سَببا لَو لم يُعلل الحكم بِهِ لَكَانَ ذكره لاغيا فَيجب تَعْلِيل الحكم بذلك الشَّيْء الْمَذْكُور مَعَه لصيانة كَلَام الشَّارِع عَن اللَّغْو وَهَذَا النَّوْع قِسْمَانِ أَحدهمَا أَن يسْأَل فِي الْوَاقِعَة عَن أَمر ظَاهر ثمَّ يذكر الحكم عَقِيبه فَيدل على التَّعْلِيل كَقَوْلِه ﵇ لما سُئِلَ عَن بيع الرطب بِالتَّمْرِ قَالَ أينقص الرطب إِذا يبس قَالُوا نعم قَالَ فَلَا إِذن فَهَذَا اسْتِفْهَام على جِهَة التَّقْرِير لكَونه ينقص إِذا يبس وَلَيْسَ هَذَا من بَاب الاستعلام إِذْ الْمَعْلُوم لكل عَاقل أَن الرطب ينقص إِذا يبس لزوَال الرُّطُوبَة الْمُوجبَة لزيادته وَثقله ثَانِيهمَا أَن يعدل فِي الْجَواب إِلَى نَظِير مَحل السُّؤَال كَقَوْل عمر ﵁ للنَّبِي ﷺ إِنِّي قبلت وَأَنا صَائِم فَقَالَ لَهُ أَرَأَيْت لَو تمضمضت فَإِن ذَلِك يدل على التَّعْلِيل بِالْمَعْنَى الْمُشْتَرك

стр. 281

بَين الصُّورَتَيْنِ المسؤول عَنْهَا والمعدول إِلَيْهَا بطرِيق الْقيَاس إِذْ لَو لم يكن كَذَلِك لخلا السُّؤَال عَن جَوَاب فَكَأَنَّهُ قَالَ لعمر إِن الْقبْلَة لَا تضر وَلَا تفْسد صومك لِأَنَّهَا مُقَدّمَة شَهْوَة الْفرج كَمَا أَن الْمَضْمَضَة مُقَدّمَة شَهْوَة الْبَطن خَامِسهَا أَن يذكر عقيب الْكَلَام أَو فِي سِيَاقه أَو فِي ضمنه شَيْئا لَو لم يُعلل بِهِ الحكم الْمَذْكُور لم يكن الْكَلَام منتظما كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذكر الله وذروا الْبَيْعَ﴾ الْجُمُعَة ٩ ﴿وَقَوله ﵇ لَا يقْضِي القَاضِي وَهُوَ غَضْبَان فَلَو لم يُعلل النَّهْي عَن البيع حِينَئِذٍ بِكَوْنِهِ مَانِعا أَو شاغلا عَن السَّعْي لَكَانَ ذكره لاغيا وَكَذَا لَو لم يُعلل النَّهْي عَن الْقَضَاء عِنْد الْغَضَب بِكَوْنِهِ يتَضَمَّن اضْطِرَاب المزاج الْمُوجب لاضطراب الفكرة الْمُوجب غَالِبا للخطأ فِي الحكم لَكَانَ ذكره لاغيا إِذْ البيع وَالْقَضَاء لَا يمنعان مُطلقًا فَلَا بُد إِذن من مَانع وَلَيْسَ الْمَانِع إِلَّا مَا فهم من سِيَاق النَّص ومضمونه سادسها اقتران الحكم بِوَصْف مُنَاسِب نَحْو أكْرم الْعلمَاء وأهن الْجُهَّال ثمَّ إِن الْوَصْف فِي هَذِه الْمَوَاضِع مُعْتَبر فِي تَعْرِيف الحكم أَو تَأْثِيره ووجوده غير أَنه يحْتَمل أَن الْوَصْف عِلّة بِنَفسِهِ كالإحياء الْمُقْتَضى لملك الْموَات وَيحْتَمل أَن الْعلَّة مَا تضمنه واشتمل عَلَيْهِ كالشغل عَن الْجُمُعَة الَّذِي اشْتَمَل عَلَيْهِ البيع فصل وَأما إِثْبَات الْعلَّة بِالْإِجْمَاع فكالصغر للولاية واشتغال قلب

стр. 282

القَاضِي بِالْغَضَبِ عَن اسْتِيفَاء النّظر فَيلْحق بِهِ اشْتِغَاله بِالْجُوعِ أَو الْعَطش أَو الْخَوْف أَو الْأَلَم بِالْقِيَاسِ وككون تلف المَال تَحت الْيَد العادية عِلّة للضَّمَان على الْغَضَب إِجْمَاعًا فَيلْحق بِهِ تلف الْعين بيد السَّارِق وَإِن قطع بهَا لِأَن يَده عَادِية فضمن مَا تلف فِيهَا كَالْغَاصِبِ لاشْتِرَاكهمَا فِي الْوَصْف الْجَامِع وَهُوَ التّلف تَحت الْيَد العادية وَكَذَلِكَ الْإِخْوَة من الْأَبَوَيْنِ أثرت فِي التَّقْدِيم فِي الْإِرْث إِجْمَاعًا فَكَذَا فِي النِّكَاح والصغر أثر فِي ثُبُوت الْولَايَة على الْبكر فَكَذَا على الثّيّب ثمَّ اعْلَم أَنه إِذا قَاس الْمُسْتَدلّ على عِلّة إجماعية فَلَيْسَ للمعترض الْمُطَالبَة بتأثير تِلْكَ الْعلَّة فِي الأَصْل وَلَا فِي الْفَرْع لِأَن تأثيرها فِي الأَصْل ثَابت بِالْإِجْمَاع وَفِي الْفَرْع لاطرادها فِي كل قِيَاس فينشر الْكَلَام إِذْ مَا من قِيَاس وَإِلَّا وَيتَّجه عَلَيْهِ سُؤال الْمُطَالبَة بتأثير الْوَصْف فِي الْفَرْع فصل وَأما إِثْبَات الْعلَّة بالاستنباط فَهُوَ على أَنْوَاع أَولهَا إِثْبَاتهَا بالمناسبة وَهِي أَن يقْتَرن بالحكم وصف مُنَاسِب وَتسَمى أَيْضا بالإخالة واستخراجها يُسمى تَخْرِيج المناط وَقد سبق مِثَاله فِي غير مَوضِع قَالَ الْعَلامَة نجم الدّين الطوفي رَحمَه الله تَعَالَى قلت قد اخْتلف فِي تَعْرِيف الْمُنَاسب واستقصاء القَوْل فِيهِ من الْمُهِمَّات لِأَن عَلَيْهِ مدَار الشَّرِيعَة بل مدَار الْوُجُود إِذْ لَا مَوْجُود إِلَّا وَهُوَ على وفْق الْمُنَاسبَة الْعَقْلِيَّة لَكِن أَنْوَاع الْمُنَاسبَة تَتَفَاوَت فِي الْعُمُوم وَالْخُصُوص والخفاء والظهور فَمَا خفيت مناسبته سمي مُعَللا فقولنا يَعْنِي فِي

стр. 283

مُخْتَصره الْمُنَاسب مَا تتَوَقَّع الْمصلحَة عَقِيبه أَي مَا إِذا وجد أَو سمع أدْرك الْعقل السَّلِيم كَون ذَلِك الْوَصْف سَببا مفضيا إِلَى مصلحَة من الْمصَالح لرابط من الروابط الْعَقْلِيَّة بَين تِلْكَ الْمصلحَة وَذَلِكَ الْوَصْف قَالَ ومثاله أَنه إِذا قيل الْمُسكر حرَام أدْرك الْعقل أَن تَحْرِيم الْمُسكر مفض إِلَى مصلحَة وَهِي حفظ الْعُقُول من الِاضْطِرَاب وَإِذا قيل الْقصاص مَشْرُوع أدْرك الْعقل أَن شَرْعِيَّة الْقصاص سَبَب مفض إِلَى مصلحَة وَهِي حفظ النُّفُوس وأمثلة كَثِيرَة ظَاهِرَة وَإِنَّمَا قلت مَا تتَوَقَّع الْمصلحَة عَقِيبه لرابط عَقْلِي أخذا من السَّبَب الَّذِي هُوَ الْقَرَابَة فَإِن الْمُنَاسب هَهُنَا مستعار ومشتق من ذَلِك وَلَا شكّ أَن المتناسبين فِي بَاب النّسَب كالأخوين وَابْني الْعم وَنَحْو ذَلِك إِنَّمَا كَانَا متناسبين لِمَعْنى رابط بَينهمَا وَهُوَ الْقَرَابَة فَكَذَلِك الْوَصْف الْمُنَاسب هَهُنَا لَا بُد وَأَن يكون بَينه وَبَين مَا يُنَاسِبه من الْمصلحَة رابط عَقْلِي وَهُوَ كَون الْوَصْف صَالحا للإفضاء إِلَى تِلْكَ الْمصلحَة عقلا اه فقد علم أَن الْوَصْف الْمُنَاسب هُوَ مَا تتَوَقَّع الْمصلحَة عَقِيبه لرابط عَقْلِي وَلَا يعْتَبر كَونه منشأ للحكمة كَقَوْلِنَا السّفر منشأ الْمَشَقَّة المبيحة للترخص وَالْقَتْل منشأ الْمفْسدَة وَهِي تَفْوِيت النُّفُوس وَالزِّنَا منشأ الْمفْسدَة وَهُوَ تَضْييع الْأَنْسَاب وإلحاق الْعَار فَهَذِهِ الأوضاف ينشأ عَنْهَا الحكم الَّتِي تثبت الْأَوْصَاف لأَجلهَا بل الِاعْتِبَار الْأَعَمّ من ذَلِك سَوَاء كَانَ منشأ للحكمة كَمَا تقدم أَو كَانَ الْوَصْف مُعَرفا للحكمة ودليلا عَلَيْهَا كَقَوْلِنَا النِّكَاح أَو البيع الصَّادِر من

стр. 284

الْأَهْل فِي الْمحل يُنَاسب الصِّحَّة أَي يدل على أَن الِانْتِفَاع بِالْمَبِيعِ وَالْحَاجة اقْتَضَت جعل البيع سَببا لتَحْصِيل الِانْتِفَاع بِوَاسِطَة الصِّحَّة أَو كَانَ يظْهر عِنْد الْوَصْف وَلم ينشأ عَنهُ وَلم يدل عَلَيْهِ كشكر النِّعْمَة الْمُنَاسبَة للزِّيَادَة مِنْهَا فالشكر هُوَ الْوَصْف الْمُنَاسب وَزِيَادَة النِّعْمَة هِيَ الْحِكْمَة وَوُجُوب الشُّكْر هُوَ الحكم وَهَذِه الْأَمْثِلَة تقريبية وَبِالْجُمْلَةِ مَتى أفْضى الحكم إِلَى مصلحَة علل بِالْوَصْفِ الْمُشْتَمل عَلَيْهَا ثمَّ إِنَّه بِاعْتِبَار تَأْثِيره وَهُوَ اقتضاؤه لحكم الْمُنَاسبَة لترتب الحكم عَلَيْهِ يَنْقَسِم إِلَى أَقسَام أَحدهَا الْمُؤثر وَهُوَ مَا ظهر تَأْثِير عينه فِي عين الحكم أَو جنسه بِنَصّ أَو إِجْمَاع كَقَوْلِنَا سَقَطت الصَّلَاة عَن الْحرَّة الْحَائِض بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاع لمَشَقَّة التّكْرَار لِأَن الصَّلَاة تَتَكَرَّر فَلَو وَجب قَضَاؤُهَا لشق عَلَيْهَا ذَلِك فقد ظهر تأثر الْمَشَقَّة الْمَذْكُورَة فِي إِسْقَاط الصَّلَاة بِالْإِجْمَاع وكتعليل الْحَدث بِمَسّ الذّكر بِالنَّصِّ وَلَا يضر هَذَا الْقسم ظُهُور مُؤثر آخر مَعَه فِي الأَصْل فيعلل بِالْكُلِّ وَذَلِكَ كالمعتدة وَالْحَائِض والمرتدة يُعلل امْتنَاع وَطئهَا بالأسباب الثَّلَاثَة الْحيض وَالْعدة وَالرِّدَّة فَلَو أردنَا أَن نقيس الْأمة على الْحرَّة فِي ذَلِك بِأحد الْأَوْصَاف الْمَذْكُورَة صَحَّ وَكَانَ من بَاب الْمُنَاسب الْمُؤثر بِتَقْدِير أَن لَا يكون النَّص شَامِلًا لَهَا الثَّانِي الملائم وَهُوَ مَا ظهر تَأْثِير عينه فِي جنس الحكم كَقَوْلِنَا الْأَخ من الْأَبَوَيْنِ مقدم فِي ولَايَة النِّكَاح قِيَاسا على تَقْدِيمه فِي الْإِرْث فالوصف الَّذِي هُوَ الْأُخوة فِي الأَصْل وَالْفرع مُتحد بالنوع وَالْحكم الَّذِي هُوَ الْولَايَة فِي الْإِرْث مُتحد بِالْجِنْسِ

стр. 285

لَا بالنوع فَهَذَا وصف أثر عينه فِي جنس الحكم وَهُوَ جنس التَّقْدِيم فعين الْأُخوة أثرت فِي جنس التَّقْدِيم وَمن هَذَا النَّوْع عكس مَا تقدم وَهُوَ مَا أثر جنسه فِي عين الحكم كَقَوْلِنَا سَقَطت الصَّلَاة عَن الْحَائِض لأجل الْمَشَقَّة قِيَاسا على الْمُسَافِر فقد أثر جنس الْمَشَقَّة فِي عين السُّقُوط وَمِنْه أَيْضا مَا ظهر تَأْثِير جنسه فِي جنس الحكم كإلحاق بعض الْأَحْكَام بِبَعْض بِجَامِع الْمُنَاسبَة للْمصْلحَة الْمُطلقَة كإلحاق شَارِب الْخمر بالقاذف فِي جلده ثَمَانِينَ كَمَا قَالَ عَليّ ﵁ أرَاهُ إِذا سكر هذى وَإِذا هذى افترى فَأرى عَلَيْهِ حد المفتري فَأخذ مُطلق الْمُنَاسبَة وَمُطلق المظنة وَهَذَا النَّوْع سَمَّاهُ بعض الْأُصُولِيِّينَ الملائم وَسَماهُ
следующие страницы →