Полный текст (458 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
بَين الصُّورَتَيْنِ المسؤول عَنْهَا والمعدول إِلَيْهَا بطرِيق الْقيَاس إِذْ لَو لم يكن كَذَلِك لخلا السُّؤَال عَن جَوَاب فَكَأَنَّهُ قَالَ لعمر إِن الْقبْلَة لَا تضر وَلَا تفْسد صومك لِأَنَّهَا مُقَدّمَة شَهْوَة الْفرج كَمَا أَن الْمَضْمَضَة مُقَدّمَة شَهْوَة الْبَطن
خَامِسهَا أَن يذكر عقيب الْكَلَام أَو فِي سِيَاقه أَو فِي ضمنه شَيْئا لَو لم يُعلل بِهِ الحكم الْمَذْكُور لم يكن الْكَلَام منتظما كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذكر الله وذروا الْبَيْعَ﴾ الْجُمُعَة ٩ ﴿وَقَوله ﵇ لَا يقْضِي القَاضِي وَهُوَ غَضْبَان فَلَو لم يُعلل النَّهْي عَن البيع حِينَئِذٍ بِكَوْنِهِ مَانِعا أَو شاغلا عَن السَّعْي لَكَانَ ذكره لاغيا وَكَذَا لَو لم يُعلل النَّهْي عَن الْقَضَاء عِنْد الْغَضَب بِكَوْنِهِ يتَضَمَّن اضْطِرَاب المزاج الْمُوجب لاضطراب الفكرة الْمُوجب غَالِبا للخطأ فِي الحكم لَكَانَ ذكره لاغيا إِذْ البيع وَالْقَضَاء لَا يمنعان مُطلقًا فَلَا بُد إِذن من مَانع وَلَيْسَ الْمَانِع إِلَّا مَا فهم من سِيَاق النَّص ومضمونه
سادسها اقتران الحكم بِوَصْف مُنَاسِب نَحْو أكْرم الْعلمَاء وأهن الْجُهَّال ثمَّ إِن الْوَصْف فِي هَذِه الْمَوَاضِع مُعْتَبر فِي تَعْرِيف الحكم أَو تَأْثِيره ووجوده غير أَنه يحْتَمل أَن الْوَصْف عِلّة بِنَفسِهِ كالإحياء الْمُقْتَضى لملك الْموَات وَيحْتَمل أَن الْعلَّة مَا تضمنه واشتمل عَلَيْهِ كالشغل عَن الْجُمُعَة الَّذِي اشْتَمَل عَلَيْهِ البيع
فصل
وَأما إِثْبَات الْعلَّة بِالْإِجْمَاع فكالصغر للولاية واشتغال قلب
стр. 282
القَاضِي بِالْغَضَبِ عَن اسْتِيفَاء النّظر فَيلْحق بِهِ اشْتِغَاله بِالْجُوعِ أَو الْعَطش أَو الْخَوْف أَو الْأَلَم بِالْقِيَاسِ وككون تلف المَال تَحت الْيَد العادية عِلّة للضَّمَان على الْغَضَب إِجْمَاعًا فَيلْحق بِهِ تلف الْعين بيد السَّارِق وَإِن قطع بهَا لِأَن يَده عَادِية فضمن مَا تلف فِيهَا كَالْغَاصِبِ لاشْتِرَاكهمَا فِي الْوَصْف الْجَامِع وَهُوَ التّلف تَحت الْيَد العادية وَكَذَلِكَ الْإِخْوَة من الْأَبَوَيْنِ أثرت فِي التَّقْدِيم فِي الْإِرْث إِجْمَاعًا فَكَذَا فِي النِّكَاح والصغر أثر فِي ثُبُوت الْولَايَة على الْبكر فَكَذَا على الثّيّب
ثمَّ اعْلَم أَنه إِذا قَاس الْمُسْتَدلّ على عِلّة إجماعية فَلَيْسَ للمعترض الْمُطَالبَة بتأثير تِلْكَ الْعلَّة فِي الأَصْل وَلَا فِي الْفَرْع لِأَن تأثيرها فِي الأَصْل ثَابت بِالْإِجْمَاع وَفِي الْفَرْع لاطرادها فِي كل قِيَاس فينشر الْكَلَام إِذْ مَا من قِيَاس وَإِلَّا وَيتَّجه عَلَيْهِ سُؤال الْمُطَالبَة بتأثير الْوَصْف فِي الْفَرْع
فصل
وَأما إِثْبَات الْعلَّة بالاستنباط فَهُوَ على أَنْوَاع أَولهَا إِثْبَاتهَا بالمناسبة وَهِي أَن يقْتَرن بالحكم وصف مُنَاسِب وَتسَمى أَيْضا بالإخالة واستخراجها يُسمى تَخْرِيج المناط وَقد سبق مِثَاله فِي غير مَوضِع
قَالَ الْعَلامَة نجم الدّين الطوفي رَحمَه الله تَعَالَى
قلت قد اخْتلف فِي تَعْرِيف الْمُنَاسب واستقصاء القَوْل فِيهِ من الْمُهِمَّات لِأَن عَلَيْهِ مدَار الشَّرِيعَة بل مدَار الْوُجُود إِذْ لَا مَوْجُود إِلَّا وَهُوَ على وفْق الْمُنَاسبَة الْعَقْلِيَّة لَكِن أَنْوَاع الْمُنَاسبَة تَتَفَاوَت فِي الْعُمُوم وَالْخُصُوص والخفاء والظهور فَمَا خفيت مناسبته سمي مُعَللا فقولنا يَعْنِي فِي
стр. 283
مُخْتَصره الْمُنَاسب مَا تتَوَقَّع الْمصلحَة عَقِيبه أَي مَا إِذا وجد أَو سمع أدْرك الْعقل السَّلِيم كَون ذَلِك الْوَصْف سَببا مفضيا إِلَى مصلحَة من الْمصَالح لرابط من الروابط الْعَقْلِيَّة بَين تِلْكَ الْمصلحَة وَذَلِكَ الْوَصْف
قَالَ ومثاله أَنه إِذا قيل الْمُسكر حرَام أدْرك الْعقل أَن تَحْرِيم الْمُسكر مفض إِلَى مصلحَة وَهِي حفظ الْعُقُول من الِاضْطِرَاب
وَإِذا قيل الْقصاص مَشْرُوع أدْرك الْعقل أَن شَرْعِيَّة الْقصاص سَبَب مفض إِلَى مصلحَة وَهِي حفظ النُّفُوس وأمثلة كَثِيرَة ظَاهِرَة وَإِنَّمَا قلت مَا تتَوَقَّع الْمصلحَة عَقِيبه لرابط عَقْلِي أخذا من السَّبَب الَّذِي هُوَ الْقَرَابَة فَإِن الْمُنَاسب هَهُنَا مستعار ومشتق من ذَلِك وَلَا شكّ أَن المتناسبين فِي بَاب النّسَب كالأخوين وَابْني الْعم وَنَحْو ذَلِك إِنَّمَا كَانَا متناسبين لِمَعْنى رابط بَينهمَا وَهُوَ الْقَرَابَة فَكَذَلِك الْوَصْف الْمُنَاسب هَهُنَا لَا بُد وَأَن يكون بَينه وَبَين مَا يُنَاسِبه من الْمصلحَة رابط عَقْلِي وَهُوَ كَون الْوَصْف صَالحا للإفضاء إِلَى تِلْكَ الْمصلحَة عقلا اه
فقد علم أَن الْوَصْف الْمُنَاسب هُوَ مَا تتَوَقَّع الْمصلحَة عَقِيبه لرابط عَقْلِي وَلَا يعْتَبر كَونه منشأ للحكمة كَقَوْلِنَا السّفر منشأ الْمَشَقَّة المبيحة للترخص وَالْقَتْل منشأ الْمفْسدَة وَهِي تَفْوِيت النُّفُوس وَالزِّنَا منشأ الْمفْسدَة وَهُوَ تَضْييع الْأَنْسَاب وإلحاق الْعَار فَهَذِهِ الأوضاف ينشأ عَنْهَا الحكم الَّتِي تثبت الْأَوْصَاف لأَجلهَا بل الِاعْتِبَار الْأَعَمّ من ذَلِك سَوَاء كَانَ منشأ للحكمة كَمَا تقدم أَو كَانَ الْوَصْف مُعَرفا للحكمة ودليلا عَلَيْهَا كَقَوْلِنَا النِّكَاح أَو البيع الصَّادِر من
стр. 284
الْأَهْل فِي الْمحل يُنَاسب الصِّحَّة أَي يدل على أَن الِانْتِفَاع بِالْمَبِيعِ وَالْحَاجة اقْتَضَت جعل البيع سَببا لتَحْصِيل الِانْتِفَاع بِوَاسِطَة الصِّحَّة أَو كَانَ يظْهر عِنْد الْوَصْف وَلم ينشأ عَنهُ وَلم يدل عَلَيْهِ كشكر النِّعْمَة الْمُنَاسبَة للزِّيَادَة مِنْهَا فالشكر هُوَ الْوَصْف الْمُنَاسب وَزِيَادَة النِّعْمَة هِيَ الْحِكْمَة وَوُجُوب الشُّكْر هُوَ الحكم وَهَذِه الْأَمْثِلَة تقريبية وَبِالْجُمْلَةِ مَتى أفْضى الحكم إِلَى مصلحَة علل بِالْوَصْفِ الْمُشْتَمل عَلَيْهَا
ثمَّ إِنَّه بِاعْتِبَار تَأْثِيره وَهُوَ اقتضاؤه لحكم الْمُنَاسبَة لترتب الحكم عَلَيْهِ يَنْقَسِم إِلَى أَقسَام أَحدهَا الْمُؤثر وَهُوَ مَا ظهر تَأْثِير عينه فِي عين الحكم أَو جنسه بِنَصّ أَو إِجْمَاع كَقَوْلِنَا سَقَطت الصَّلَاة عَن الْحرَّة الْحَائِض بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاع لمَشَقَّة التّكْرَار لِأَن الصَّلَاة تَتَكَرَّر فَلَو وَجب قَضَاؤُهَا لشق عَلَيْهَا ذَلِك فقد ظهر تأثر الْمَشَقَّة الْمَذْكُورَة فِي إِسْقَاط الصَّلَاة بِالْإِجْمَاع وكتعليل الْحَدث بِمَسّ الذّكر بِالنَّصِّ وَلَا يضر هَذَا الْقسم ظُهُور مُؤثر آخر مَعَه فِي الأَصْل فيعلل بِالْكُلِّ وَذَلِكَ كالمعتدة وَالْحَائِض والمرتدة يُعلل امْتنَاع وَطئهَا بالأسباب الثَّلَاثَة الْحيض وَالْعدة وَالرِّدَّة
فَلَو أردنَا أَن نقيس الْأمة على الْحرَّة فِي ذَلِك بِأحد الْأَوْصَاف الْمَذْكُورَة صَحَّ وَكَانَ من بَاب الْمُنَاسب الْمُؤثر بِتَقْدِير أَن لَا يكون النَّص شَامِلًا لَهَا
الثَّانِي الملائم وَهُوَ مَا ظهر تَأْثِير عينه فِي جنس الحكم كَقَوْلِنَا الْأَخ من الْأَبَوَيْنِ مقدم فِي ولَايَة النِّكَاح قِيَاسا على تَقْدِيمه فِي الْإِرْث فالوصف الَّذِي هُوَ الْأُخوة فِي الأَصْل وَالْفرع مُتحد بالنوع وَالْحكم الَّذِي هُوَ الْولَايَة فِي الْإِرْث مُتحد بِالْجِنْسِ
стр. 285
لَا بالنوع فَهَذَا وصف أثر عينه فِي جنس الحكم وَهُوَ جنس التَّقْدِيم فعين الْأُخوة أثرت فِي جنس التَّقْدِيم وَمن هَذَا النَّوْع عكس مَا تقدم وَهُوَ مَا أثر جنسه فِي عين الحكم كَقَوْلِنَا سَقَطت الصَّلَاة عَن الْحَائِض لأجل الْمَشَقَّة قِيَاسا على الْمُسَافِر فقد أثر جنس الْمَشَقَّة فِي عين السُّقُوط وَمِنْه أَيْضا مَا ظهر تَأْثِير جنسه فِي جنس الحكم كإلحاق بعض الْأَحْكَام بِبَعْض بِجَامِع الْمُنَاسبَة للْمصْلحَة الْمُطلقَة كإلحاق شَارِب الْخمر بالقاذف فِي جلده ثَمَانِينَ كَمَا قَالَ عَليّ ﵁ أرَاهُ إِذا سكر هذى وَإِذا هذى افترى فَأرى عَلَيْهِ حد المفتري
فَأخذ مُطلق الْمُنَاسبَة وَمُطلق المظنة وَهَذَا النَّوْع سَمَّاهُ بعض الْأُصُولِيِّينَ الملائم وَسَماهُ
стр. 286
بَعضهم بالغريب وَقيل هَذَا هُوَ الملائم وَمَا سواهُ مُؤثر وَقَالَ المرداوي فِي التَّحْرِير أَن اعْتبر بترتب الحكم على الْوَصْف فَقَط
إِن اعْتبر بِنَصّ أَو إِجْمَاع أَو اعْتِبَار عينه فِي جنس الحكم أَو بِالْعَكْسِ أَو جنسه فِي جنس الحكم فالملائم وَهُوَ حجَّة عِنْد الْمُعظم وَإِلَّا فالغريب وَهُوَ حجَّة وَمنعه أَبُو الْخطاب وَالْحَنَفِيَّة انْتهى
فَفرق بَينهمَا ثمَّ قَالَ وَإِن اعْتبر الشَّارِع جنسه الْبعيد فِي جنس الحكم فمرسل ملائم وَإِلَّا فمرسل غَرِيب مَنعه الْجُمْهُور أَو مُرْسل ثَبت إلغاؤه كإيجاب الصَّوْم على واطىء قَادر فِي رَمَضَان وَهُوَ مَرْدُود اتِّفَاقًا والمرسل الملائم لَيْسَ حجَّة عِنْد الْأَكْثَر وَقيل فِي الْعِبَادَات وَقَالَ مَالك حجَّة وَأنْكرهُ أَصْحَابه وَقَالَ الْغَزالِيّ بِشَرْط كَون الْمصلحَة ضَرُورِيَّة قَطْعِيَّة كتترس كفار بِمُسلم وَلَيْسَ هَذَا مِنْهُ لاعتباره فَهُوَ حق قطعا وَمعنى كَلَام الْمُوفق وَالْفَخْر والطوفي أَن غير الملغي حجَّة وَقيل لَا يشْتَرط فِي الموثر كَونه مناسبا انْتهى
ثمَّ اعْلَم أَن للجنسية مَرَاتِب فأعمها فِي الْوَصْف كَونه وَصفا ثمَّ مناطا ثمَّ مصلحَة خَاصَّة وَفِي الحكم كَونه حكما ثمَّ وَاجِبا وَنَحْوه
ثمَّ عبَادَة ثمَّ صَلَاة ثمَّ ظهرا وتأثير الْأَخَص فِي الْأَخَص أقوى وتأثير الْأَعَمّ فِي الْأَعَمّ يُقَابله وتأثير الْأَخَص فِي الْأَعَمّ وَعَكسه واسطتان وَبِهَذَا الطَّرِيق تظهر الْأَجْنَاس الْعَالِيَة المتوسطة والأنواع السافلة للْأَحْكَام والأوصاف من الْمُنَاسب وَغَيره فالإسكار مثلا نوع من الْمفْسدَة
стр. 287
والمفسدة جنس لَهُ وَالإِخْوَة نوع من الْأَوْصَاف والتقديم فِي الْمِيرَاث نوع من الْأَحْكَام فَهُوَ تَأْثِير نوع فِي نوع
النَّوْع الثَّانِي من أَنْوَاع إِثْبَات الْعلَّة بالاستنباط إِثْبَاتهَا بالسبر والتقسيم فَالْأول إبِْطَال كل عِلّة علل بهَا الحكم بِالْإِجْمَاع إِلَّا وَاحِدَة فتتعين وَمعنى ذَلِك أَن الْمُسْتَدلّ بِالْقِيَاسِ إِذا أَرَادَ أَن يبين عِلّة الأَصْل الْمَقِيس عَلَيْهِ كَذَا ليلحق بِهِ الْفَرْع الْمَقِيس وَأَرَادَ تَبْيِين الْعلَّة بالسبر والتقسيم ذكر كل عِلّة علل بهَا حكم الأَصْل ثمَّ يبطل الْجَمِيع إِلَّا الْعلَّة الَّتِي يختارها فَيتَعَيَّن التَّعْلِيل فَيثبت الحكم فِي الْفَرْع بواسطتها مثل أَن يَقُول عِلّة الرِّبَا فِي الْبر وَنَحْوه إِمَّا الْكَيْل وَإِمَّا الطّعْم وَإِمَّا الْقُوت وَهَذِه الْعِلَل كلهَا بَاطِلَة إِلَّا الأولى مثلا وَهِي الْكَيْل إِن كَانَ حنبليا أَو حنفيا أَو إِلَّا الطّعْم إِن كَانَ شافعيا أَو إِلَّا الْقُوت إِن كَانَ مالكيا فَيتَعَيَّن للتَّعْلِيل وَيلْحق الْأرز الذّرة وَنَحْو ذَلِك بِجَامِع الْكَيْل وَيُقِيم الدَّلِيل على بطلَان مَا أبْطلهُ إِمَّا بانتقاضه انتقاضا مؤثرا أَو بِعَدَمِ مناسبته أَو غير ذَلِك بِحَسب الْإِمْكَان والاتفاق وَيشْتَرط لصِحَّة السبر أمورا أَحدهَا أَن يكون الحكم فِي الأَصْل مُعَللا إِذْ لَو كَانَ تعبدا لامتنع الْقيَاس عَلَيْهِ
الثَّانِي أَن يكون مجمعا على تَعْلِيله كَمَا قَالَه أَبُو الْخطاب إِذْ بِتَقْدِير أَن يكون مُخْتَلفا فِي تَعْلِيله فللخصم الْتِزَامه التَّعَبُّد فِيهِ فَيبْطل الْقيَاس وَقَالَ غَيره هَذَا الشَّرْط بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُجْتَهد لِأَنَّهُ لَا حجر عَلَيْهِ إِلَّا بِإِجْمَاع الْأمة إِذْ بِدُونِهِ لَهُ أَن يلْتَزم التَّعَبُّد فِي الأَصْل وَيفْسد كل عِلّة علل بهَا خَصمه بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ
стр. 288
الْمُسْتَدلّ مناظرا أَو خَصمه منتميا إِلَى مَذْهَب ذِي مَذْهَب فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ تكفيه مُوَافقَة الْخصم على التَّعْلِيل وَلم يعْتَبر الْإِجْمَاع عَلَيْهِ من الْأمة لِأَنَّهُ لَيْسَ بصدد استنباط الْأَحْكَام
الثَّالِث أَن يكون سبره حاصرا لجَمِيع الْعِلَل إِذْ لَو لم يكن حاصرا لجَاز أَن يبْقى وصف هُوَ الْعلَّة فِي نفس الْأَمر لم يذكرهُ فَيَقَع الْخَطَأ فِي الْقيَاس وَلَا يَصح السبر
وَطَرِيق ثُبُوت حصر السبر من وَجْهَيْن أَحدهمَا مُوَافقَة الْخصم على انحصار الْعلَّة فِيمَا ذكره الْمُسْتَدلّ
الثَّانِي أَن يعجز الْخصم عَن إِظْهَار وصف زَائِد على مَا ذكره الْمُسْتَدلّ فَإِذا تمّ أحد الْأَمريْنِ وَجب على الْخصم الْمُعْتَرض إِمَّا تَسْلِيم الْحصْر فَيحصل مَقْصُود الْمُسْتَدلّ أَو إِظْهَار مَا عِنْد الْمُعْتَرض من الْأَوْصَاف الزَّائِدَة على مَا ذكره الْمُسْتَدلّ لينْظر فِيهِ فيفسده وَلَا يسمع قَول الْمُعْتَرض عِنْدِي وصف زَائِد لكني لَا أذكرهُ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ إِمَّا صَادِق فَيكون كَاتِما لعلم دعت الْحَاجة إِلَيْهِ فيفسق بذلك أَو كَاذِب فَلَا يعول على قَوْله وَيلْزمهُ الْحصْر وَإِذا أبرز الْخصم الْمُعْتَرض وَصفا زَائِدا على مَا ذكره الْمُسْتَدلّ لزم صَاحب الِاسْتِدْلَال أَن ينظر فِي ذَلِك الْوَصْف فيفسده وَيبين عدم اعْتِبَاره وَله إِلَى ذَلِك طَرِيقَانِ أَحدهمَا أَن يبين بَقَاء الحكم مَعَ عَدمه فِي بعض الصُّور مثل أَن يَقُول الْحَنْبَلِيّ أَو الشَّافِعِي يَصح أَمَان العَبْد لِأَنَّهُ أَمَان وجد من عَاقل مُسلم غير مُتَّهم فَيصح قِيَاسا على الْحر فَيَقُول الْحَنَفِيّ إِن مَا ذكرت أَوْصَاف الْعلَّة فِي الأَصْل فَقَط وَتركت وَصفا آخر وَهُوَ الْحُرِّيَّة هُوَ مَفْقُود فِي العَبْد وَحِينَئِذٍ لَا يَصح الْقيَاس فَيَقُول الْمُسْتَدلّ وصف الْحُرِّيَّة ملغي بِالْعَبدِ الْمَأْذُون لَهُ فَإِن أَمَانه يَصح
стр. 289
بِاتِّفَاق مَعَ عدم الْحُرِّيَّة فَصَارَ وَصفا لاغيا لَا تَأْثِير لَهُ فِي الْعلَّة
الثَّانِي أَن يبين كَون الْوَصْف الزَّائِد وَصفا طرديا أَي لم يلْتَفت الشَّرْع إِلَيْهِ فيمَ عهد من تصرفه كالطول وَالْقصر والذكورة وَالْأُنُوثَة مِثَاله مَا لَو قَالَ الْمُسْتَدلّ يسري الْعتْق فِي الْأمة قِيَاسا على العَبْد بِجَامِع الرّقّ إِذْ لَا عِلّة غَيره عملا بالسبر
فَقَالَ الْمُعْتَرض الذكورية وصف زَائِد مُعْتَبر فِي الأَصْل لِأَن العَبْد إِذا كمل عتقه بِالسّرَايَةِ حصل مِنْهُ مَا لَا يحصل من الْأمة من تأهله للْحكم والإمامة وأنواع الولايات وَلَا يلْزم من ثُبُوت السَّرَايَة فِي الْأَكْمَل ثُبُوته فِي غَيره فَيَقُول الْمُسْتَدلّ مَا ذكرت من الْفرق مُنَاسِب غير أَنا لم نر الشَّرْع اعْتبر الذكورية والأنوثية فِي بَاب الْعتْق فَيكون ذَلِك على خلاف مَعْهُود تصرفه فَيكون وَصفا طرديا فِي ظَاهر الْأَمر وَلَا يَكْفِي الْمُسْتَدلّ فِي إِفْسَاد الْوَصْف الَّذِي أبرزه الْمُعْتَرض أَن يبين كَونه منتقضا بل يُوجد بِدُونِ الحكم لِأَن الْوَصْف الْمَذْكُور يجوز أَن يكون جُزْء الْعلَّة أَو شرطا لَهَا فَلَا يسْتَقلّ بالحكم وَلَا يلْزم من عدم استقلاله صِحَة عِلّة الْمُسْتَدلّ بِدُونِهِ فَلَو قَالَ الْمُسْتَدلّ عِلّة الرِّبَا فِي الْبر الْكَيْل فعارضه الْمُعْتَرض بالطعم فنقضه الْمُسْتَدلّ بِالْمَاءِ أَو غَيره مِمَّا يطعم وَلَا رَبًّا فِيهِ لم يكفه ذَلِك فِي بطلَان كَون الطّعْم عِلّة لجَوَاز أَن يكون جُزْء عِلّة الرِّبَا بِأَن تكون الْعلَّة مَجْمُوع الْكَيْل والطعم أَو شرطا فِيهَا فَتكون عِلّة الرِّبَا الْكَيْل بِشَرْط أَن يكون الْمكيل مطعوما وَحِينَئِذٍ لَا يلْزم من بطلَان كَون الطّعْم عِلّة مُسْتَقلَّة أَن يكون الْكَيْل عِلّة صَحِيحَة لجَوَاز أَن يكون الطّعْم جزءها أَو شَرطهَا وَالْفرق بَين النَّقْض وَبَين بَقَاء الحكم مَعَ صدق الْوَصْف حَيْثُ كَانَ مُبْطلًا لَهُ دون النَّقْض هُوَ أَن بَقَاء الحكم مَعَ عدم الْوَصْف يدل
стр. 290
على أَنه غير مُؤثر وَلَا يعْتَبر فِي الحكم عِلّة وَلَا جُزْء عِلّة وَلَا شرطا إِذْ لَو اعْتبر فِيهِ بِأحد هَذِه الْوُجُوه لما وجد بِدُونِهِ أصلا بِخِلَاف وجود الْوَصْف بِدُونِ الحكم فَإِنَّهُ لَا يدل على عدم اعْتِبَاره فِي الحكم بِوَجْه من الْوُجُوه
وَأَيْضًا لَا يفْسد الْوَصْف الَّذِي أبداه الْمُعْتَرض بقول الْمُسْتَدلّ إِنِّي لم أعثر بعد الْبَحْث على مُنَاسبَة علتك أَيهَا الْمُسْتَدلّ فيتعارض الكلامان وَيقف الْمُسْتَدلّ
وَإِذا أتفق خصمان على فَسَاد عِلّة غَيرهمَا فِي الحكم الْمُتَنَازع فِيهِ ثمَّ أفسد أَحدهمَا عِلّة الآخر مثل أَن يتَّفق الْحَنْبَلِيّ وَالشَّافِعِيّ على أَن مَا عدا الْكَيْل والطعم عِلّة فَاسِدَة ثمَّ نقض الشَّافِعِي عِلّة الْكَيْل بِالْمَاءِ إِذْ هُوَ مَكِيل وَلَا رَبًّا فِيهِ فَفِي كَون ذَلِك مصححا قَولَانِ فَقَالَ بعض الْمُتَكَلِّمين يكون ذَلِك مصححا وَصحح فِي الرَّوْضَة وَغَيرهَا خلاف هَذَا
النَّوْع الثَّالِث من أَنْوَاع إِثْبَات الْعلَّة بالاستنباط إِثْبَاتهَا بالدوران وَهُوَ ترَتّب حكم على وصف وجودا وعدما ويفيد الْعلَّة ظنا عِنْد جُمْهُور أَصْحَابنَا وَالشَّافِعِيَّة والمالكية وَبَعض الْحَنَفِيَّة وَقيل قطعا ثمَّ إِنَّه قد يكون فِي مَحل وَاحِد كالإسكار فِي الْعصير فَإِن الْعصير قبل أَن يُوجد الْإِسْكَار كَانَ حَلَالا فَلَمَّا حدث الْإِسْكَار حرم فَلَمَّا زَالَ الْإِسْكَار وَصَارَ خلا صَار حَلَالا فدار التَّحْرِيم مَعَ الْإِسْكَار وجودا وعدما وَأما فِي محلين كالطعم فِي تَحْرِيم الرِّبَا فَإِنَّهُ لما وجد الطّعْم فِي التفاح كَانَ ربويا وَلما لم يُوجد فِي الْحَرِير مثلا لم يكن ربويا فدار جَرَيَان الرِّبَا مَعَ الطّعْم
وَهَذَا الْمِثَال إِنَّمَا يجْرِي على قَول من يَقُول إِن عِلّة الرِّبَا الطّعْم وكقولهم فِي وجوب الزَّكَاة فِي
стр. 291
حلي الِاسْتِعْمَال الْمُبَاح الْعلَّة الْمُوجبَة لِلزَّكَاةِ فِي كل من النَّقْدَيْنِ كَونه أحد الحجرين لِأَن وجوب الزَّكَاة دَار مَعَ كَونه أحد الحجرين وَلَا زَكَاة فِيهِ
قَالَ الطوفي لَكِن الدوران فِي صُورَة أقوى مِنْهُ فِي صُورَتَيْنِ على مَا هُوَ مدرك ضَرُورَة أَو نظرا ظَاهرا انْتهى
وَالْفرق بَينه وَبَين الطَّرْد أَن الطَّرْد عبارَة عَن الْمُقَارنَة فِي الْوُجُود دون الْعَدَم والدوران عبارَة عَن الْمُقَارنَة فِي الْوُجُود والعدم وَلما بَينا الطّرق الدَّالَّة على صِحَة الْعلَّة أَخذنَا نبين الطّرق الْفَاسِدَة الَّتِي لَا تدل على صِحَّتهَا وَذَلِكَ فِي أُمُور أَولهَا اطراد الْعلَّة لَا يدل على صِحَّتهَا لِأَن معنى اطرادها سلامتها عَن النَّقْص وَهُوَ بعض مفسداتها أَو سلامتها عَن مُفسد وَاحِد لَا يَنْبَغِي بُطْلَانهَا بمفسد آخر ككونها قَاصِرَة أَو عدمية أَو طردية غير مُنَاسبَة عِنْد من لَا يرى التَّعْلِيل بذلك
ثَانِيهَا الِاسْتِدْلَال على صِحَّتهَا باقتران الحكم وَهَذَا فَاسد أَيْضا لِأَن الحكم يقْتَرن بِمَا يلازم الْعلَّة وَلَيْسَ بعلة كاقتران تَحْرِيم الْخمر بلونها وطعمها وريحها وَإِنَّمَا الْعلَّة الْإِسْكَار
ثَالِثهَا مَا ذكره الْغَزالِيّ وَهُوَ اطرادها وانعكاسها وَهَذَا مَبْنِيّ على أَن الدوران لَا يُفِيد الْعلية وَهَذَا مَمْنُوع إِذْ التَّحْقِيق أَنه يُفِيد الْعلية
خَاتِمَة إِذا كَانَ الْوَصْف المصلحي الْمُنَاسب يسْتَلْزم أَو يتَضَمَّن مفْسدَة مُسَاوِيَة لمصلحته أَو راجحة عَلَيْهَا فَقَالَ الْمُوفق وَالْفَخْر وَالْمجد وَابْن الْجَوْزِيّ والرازي والبيضاوي لم تنخرم مناسبته
وَقَالَ الْآمِدِيّ وَأَتْبَاعه
تنخرم
стр. 292
وَالْمُخْتَار الأول لِأَن مُعَارضَة ضد الشَّيْء لَهُ لَا تبطل حَقِيقَته وَكَذَلِكَ الْمفْسدَة إِذا عارضت الْمصلحَة لَا تبطل حَقِيقَتهَا نعم قد يخفى أَثَرهَا وَيمْنَع اعْتِبَارهَا بِالْعرضِ إِذا ساوتها أَو رجحت عَلَيْهَا كَمَا تقدم فِي مبَاحث الاستصلاح والمصلحة الْمُرْسلَة وَمن أَمْثِلَة ذَلِك أَن يُقَال فِي الْقمَار لَهُ نفع وَهُوَ تَكْثِير المَال وَله مفْسدَة وَهِي أكل مَال الْغَيْر بِالْبَاطِلِ وَهُوَ تِجَارَة مُحرمَة كالربا فَإِن مثل هَذَا تتبع فِيهِ الْمصلحَة
فصل
وَأما قِيَاس الشّبَه وَسَماهُ كثير من أَصْحَابنَا بِإِثْبَات الْعلَّة بالشبه وَهُوَ من جملَة مسالك الْعلَّة وعرفوه بِأَنَّهُ تردد فرع بَين أصلين شبهه بِأَحَدِهِمَا فِي الْأَوْصَاف أَكثر من الآخر فإلحاق الْفَرْع بِأحد الْأَصْلَيْنِ الَّذِي شبهه بِهِ أَكثر هُوَ قِيَاس الشّبَه وَلَا يكونَانِ أصلين لهَذَا الْفَرْع حَتَّى يكون فِيهِ منَاط كل مِنْهُمَا
مِثَال ذَلِك الْمَذْي فَإِنَّهُ مُتَرَدّد بَين الْبَوْل والمني
فَمن قَالَ بِنَجَاسَتِهِ قَالَ هُوَ خَارج من الْفرج لَا يخلق مِنْهُ الْوَلَد وَلَا يجب الْغسْل بِهِ أشبه الْبَوْل وَمن قَالَ بِطَهَارَتِهِ قَالَ هُوَ خَارج تخللته الشَّهْوَة وَخرج أمامها فَأشبه الْمَنِيّ
وَاعْلَم إِنَّك إِذا تفقدت مواقع الْخلاف من الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة وَجدتهَا نازعة إِلَى قَاعِدَة قِيَاس الشّبَه إِذْ إِن مسَائِل الْخلاف تَجِد غالبها وَاسِطَة بَين طرفين تنْزع إِلَى كل وَاحِد مِنْهُمَا بِضَرْب من الشّبَه فيجذبها أقوى الشبهين إِلَيْهِ فَإِن وَقع فِي ذَلِك نزاع فَلَيْسَ فِي هَذِه الْقَاعِدَة بل فِي أَي الطَّرفَيْنِ أشبه بهَا حَتَّى يلْحق بِهِ وَيصِح التَّمَسُّك بِقِيَاس الشّبَه لِأَنَّهُ يثير الظَّن وَذهب القَاضِي أَبُو يعلى إِلَى أَنه لَا يَصح التَّمَسُّك بِهِ وَإِذا صَحَّ ذَلِك فَالْمُعْتَبر فِيهِ الشّبَه الْحكمِي كَأَن يُقَال شبه العَبْد بالبهيمة فِي كَونهمَا مملوكين وَالْملك أَمر
стр. 293
حكمي وَلَا يعْتَبر على الصَّحِيح الشّبَه الْحَقِيقِيّ كَأَن يُقَال شبه العَبْد بالحرفي كَونهمَا آدميين وَهُوَ وصف حَقِيقِيّ وَلَا ينظر أَيْضا إِلَى مَا يغلب على الظَّن أَنه منَاط الحكم مِنْهُمَا كَأَن يُقَال إننا نَنْظُر فِي الْبِنْت المخلوقة من الزِّنَا فنجدها من حَيْثُ الْحَقِيقَة ابْنَته لِأَنَّهَا خلقت من مَائه وَمن حَيْثُ الحكم أَجْنَبِيَّة مِنْهُ لكَونهَا لَا تَرثه وَلَا يَرِثهَا وَلَا يتولاها فِي نِكَاح وَلَا مَال وَيحد بقذفها وَيقتل بهَا وَيقطع بِسَرِقَة مَالهَا
فَنحْن ألحقناها بِبَيِّنَة فِي النِّكَاح فِي تَحْرِيم نِكَاحهَا عَلَيْهِ نظرا إِلَى الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ وَهُوَ كَونهَا من مَائه وَالشَّافِعِيّ ألحقها بالأجنبية فِي إباحتها لَهُ نظرا إِلَى الْمَعْنى الْحكمِي وَهُوَ انْتِفَاء آثَار الْوَلَد بَينهمَا شرعا فقد صَار كل من الْفَرِيقَيْنِ إِلَى اعْتِبَار الْوَصْف الَّذِي غلب على ظَنّه أَنه منَاط الحكم فِي الأَصْل وَالْحق أَن هَذَا النَّوْع مُعْتَبر لِأَن الظَّن وَاجِب الِاتِّبَاع وَهُوَ غير لَازم أبدا للشبه حكما وَلَا للشبه حَقِيقَة بل يخْتَلف باخْتلَاف نظر الْمُجْتَهدين فَيلْزم كل وَاحِد مِنْهُمَا تَارَة وَلَا يلْزمه تَارَة أُخْرَى لَكِن لَا يُصَار إِلَى قِيَاس الشّبَه مَعَ إِمْكَان قِيَاس الْعلَّة اتِّفَاقًا وَحَكَاهُ ابْن الباقلاني فِي التَّقْرِيب إِجْمَاعًا فَإِن عدم إِمْكَان قِيَاس الْعلَّة كَانَ قِيَاس الشّبَه حجَّة عندنَا وَعند الشَّافِعِيَّة
فصل
اعْلَم أَن الْقيَاس من حَيْثُ التَّأْثِير والمناسبة وَعدمهَا يَنْقَسِم إِلَى الْمُنَاسب والشبهي والطردي كَمَا سبق وَمن حَيْثُ التَّصْرِيح بِالْعِلَّةِ وَعدمهَا يَنْقَسِم إِلَى قِيَاس الْعلَّة وَقِيَاس الدّلَالَة وَالْقِيَاس فِي معنى الأَصْل فَقِيَاس الْعلَّة هُوَ الْجمع بَين الأَصْل وَالْفرع بعلته كالجمع
стр. 294
بَين النَّبِيذ وَالْخمر بعلة الْإِسْكَار وَالْقِيَاس فِي معنى الأَصْل هُوَ مَا لَا فَارق فِيهِ بَين الأَصْل وَالْفرع أَو كَانَ بَينهمَا فَارق لَا أثر لَهُ
مِثَال الأول قِيَاس المَاء الَّذِي صب فِيهِ الْبَوْل من إِنَاء على المَاء الَّذِي بَال فِيهِ شخص
وَمِثَال الثَّانِي قِيَاس الْأمة على العَبْد فِي سرَايَة الْعتْق وإلغاء فَارق الذكورية ثمَّ إِن هَذَا الْقيَاس يَنْقَسِم إِلَى قَطْعِيّ كَمَا ذَكرْنَاهُ وَإِلَى ظَنِّي كقياس إِضَافَة الطَّلَاق إِلَى جُزْء معِين على إِضَافَته إِلَى جُزْء شَائِع كقياس قَوْله يدك طَالِق على قَوْله نصفك أَو ثلثك أَو ربعك طَالِق لِأَن هَذَا جُزْء وَهَذَا جُزْء إِذْ الْفرق فِي هَذَا يحْتَمل التَّأْثِير بِأَن الْجُزْء الشَّائِع جعل محلا للْحكم الشَّرْعِيّ كَالْبيع وَالرَّهْن فَلَا يبعد أَن يكون محلا للطَّلَاق بِخِلَاف الْمعِين بِخِلَاف الْفرق فِي الْقسم الأول فَإِن تَأْثِيره لَا يظْهر
وَأما قِيَاس الدّلَالَة فَإِنَّهُ الْجمع بَين الأَصْل وَالْفرع بِدَلِيل الْعلَّة كَقَوْلِنَا فِي إِجْبَار الْبكر جَازَ تَزْوِيجهَا ساكتة فَجَاز تَزْوِيجهَا ساخطة كالصغيرة لِأَن جَوَاز تَزْوِيجهَا ساكتة يدل على عدم اعْتِبَار رِضَاهَا إِذا لَو اعْتبر رِضَاهَا لاعتبر نطقها الدَّال عَلَيْهِ لَكِن نطقها لم يعْتَبر فَدلَّ على أَن رِضَاهَا لَا يعْتَبر وَإِذا لم يعْتَبر رِضَاهَا جَازَ تَزْوِيجهَا وَإِن سخطت إِذْ من لم يعْتَبر رضاؤه فِي أَمر لَا فرق بَين وُقُوع الْأَمر على وفْق اخْتِيَاره أَو خِلَافه كَالْمَرْأَةِ لما لم يعْتَبر رِضَاهَا فِي الطَّلَاق جَازَ عَدمه فِي حَقّهَا باستمرارها على النِّكَاح ووجوده بِقطع نِكَاحهَا بِهِ فقد جمع فِي هَذَا الْقيَاس بَين الصَّغِيرَة وَالْبكْر الْكَبِيرَة بِدَلِيل عدم اعْتِبَار رضاهما وَهُوَ تزويجهما ساكتتين فَهُوَ قِيَاس دلَالَة ذَلِك وَهَذَا النَّوْع يُقَال لَهُ الِاسْتِدْلَال بالحكم على الْعلَّة
стр. 295
ولقياس الدّلَالَة نوع آخر وَهُوَ الِاسْتِدْلَال بِأحد أثري الْمُؤثر على الآخر كَقَوْلِنَا الْقطع وَالْغُرْم يَجْتَمِعَانِ على السَّارِق إِذا سرق عينا فَبَانَت فِي يَده قطع بهَا وَغرم قيمتهَا لِأَنَّهَا عين يجب ردهَا مَعَ بَقَائِهَا فَوَجَبَ ضَمَانهَا مَعَ فَوَاتهَا كالمغصوب لِأَن وجوب ردهَا مَعَ بَقَائِهَا دلّ على وجود عِلّة وجوب الرَّد إِذْ الْوَاجِب لَا بُد لَهُ من عِلّة وَالضَّمان عِنْد التّلف رد لَهَا من حَيْثُ الْمَعْنى وَتلك الْعلَّة تناسبه وَقد ظهر اعْتِبَارهَا فِي الأَصْل وَهُوَ الْمَغْصُوب وَالْعلَّة فِي ذَلِك إِقَامَة الْعدْل برد الْحق أَو بدله إِلَى مُسْتَحقّه وَبِالْجُمْلَةِ أَن قِيَاس الدّلَالَة تَارَة يكون اسْتِدْلَالا بأثر الْعلَّة الْمُفْرد عَلَيْهَا بِلَا وَاسِطَة كَمَا فِي الْقسم الأول وَتارَة يسْتَدلّ بِأحد أثريها عَلَيْهَا بِوَاسِطَة الْأَثر الآخر
تَنْبِيه لما كَانَت الْعلَّة الشَّرْعِيَّة أَمارَة جَازَ أَن تكون وَصفا عارضا كالشدة فِي الْخمر هِيَ عِلّة التَّحْرِيم وَهِي وصف عَارض لِأَنَّهُ عرض للعصير بعد أَن لم يكن وَجَاز أَن تكون وَصفا لَازِما كالنقدية فِي الذَّهَب وَالْفِضَّة وكالصغر وَأَن تكون فعلا كَالْقَتْلِ وَالسَّرِقَة فِي تَعْلِيل الْقصاص وَالْقطع وَأَن تكون حكما شَرْعِيًّا نَحْو تحرم الْخمر فَلَا يَصح بيعهَا كالميتة فالعلة الجامعة بَينهمَا التَّحْرِيم وَهُوَ حكم شَرْعِي علل بِهِ حكم شَرْعِي وَهُوَ فَسَاد البيع وَأَن تكون وَصفا مُفردا كَقَوْلِنَا فِي اللواط زنا فَأوجب الْحَد كَوَطْء الْمَرْأَة وَأَن تكون وَصفا مركبا كَقَوْلِنَا قتل عمد عدوان فَأوجب الْقصاص كالمثقل فالعلة مركبة من ثَلَاثَة أَوْصَاف وَأَن تكون وَصفا مناسبا كَالْقَتْلِ وَالسَّرِقَة وَالْقَذْف وَالرِّدَّة وَالسكر لأحكامها
ووصفا غير مُنَاسِب كالردة وَأكل لحم الْجَزُور وَمَسّ الْفرج مَعَ عدم الشَّهْوَة
стр. 296
لنقض الْوضُوء
ووصفا وجوديا كَقَوْلِنَا جَازَ بَيْعه فَجَاز رَهنه
ووصفا عدميا كَقَوْلِنَا لَا يحوز بَيْعه فَلَا يجوز رَهنه
وَجَاز أَن تكون الْعلَّة فِي غير مَحل حكمهَا كتحريم نِكَاح الْأمة لعِلَّة رق الْوَلَد فَإِن رق الْوَلَد وصف قَائِم بِهِ أَو معنى إضافي بَينه وَبَين سَيّده وَتَحْرِيم نِكَاح الْأمة وصف قَائِم بِالنِّكَاحِ أَو معنى إضافي إِلَيْهِ
وَيجوز تَعْلِيل الحكم بمحله كتعليل تَحْرِيم الْخمر بِكَوْنِهِ خمرًا وتعليل الرِّبَا فِي الْبر بِكَوْنِهِ برا
وَالْحَاصِل أَن الْعلَّة يجوز أَن تكون مركبة من أَوْصَاف لَا تَنْحَصِر خلافًا لمن حصرها فِي خَمْسَة أَو سَبْعَة
وَاعْلَم أَن الْقيَاس يجْرِي فِي الْأَسْبَاب وَالْكَفَّارَات وَالْحُدُود كإثبات كَون اللواط سَببا للحد قِيَاسا على الزِّنَا
ثمَّ اعْلَم أَن النَّفْي على قسمَيْنِ أُصَلِّي وَهُوَ مَا لم يتقدمه ثُبُوت كنفي صَلَاة سادسة وَنفي صَوْم شهر غير رَمَضَان فَهَذَا يجْرِي فِيهِ قِيَاس الدّلَالَة وَهُوَ الِاسْتِدْلَال بِانْتِفَاء حكم شَيْء على انتفائه عَن مثله وَلَا يجْرِي فِيهِ قِيَاس الْعلَّة
وَالثَّانِي النَّفْي الطارىء كبراءة الذِّمَّة من الدّين بعد ثُبُوته فِيهَا فَهَذَا يجْرِي فِيهِ القياسان قِيَاس الِاسْتِدْلَال وَقِيَاس الْعلَّة
فمثال الأول أَن يُقَال من خَواص بَرَاءَة الذِّمَّة من الدّين أَن لَا يُطَالب بعد أَدَائِهِ وَلَا يرْتَفع إِلَى الْحَاكِم وَلَا يحبس بِهِ وكل هَذِه الْخَواص مَوْجُودَة فَدلَّ على وجود بَرَاءَة الذِّمَّة
وَمِثَال الثَّانِي أَن يُقَال عِلّة بَرَاءَة الذِّمَّة من دين الْآدَمِيّ أَدَاؤُهُ والعبادات هِيَ دين لله فَلْيَكُن أَدَاؤُهَا عِلّة الْبَرَاءَة مِنْهَا
стр. 297
فصل فِي الأسئلة الْوَارِدَة على الْقيَاس
الأسئلة
فِي هَذَا الْمقَام يُرَاد بهَا أحد شَيْئَيْنِ أَحدهمَا كَونهَا من مستفيد يقْصد معرفَة الحكم خَالِصا مِمَّا يرد عَلَيْهِ
وَالثَّانِي كَونهَا من معاند يقْصد قطع خَصمه ورده إِلَيْهِ وَأكْثر المصنفين فِي أصُول الْفِقْه لم يذكرُوا هَذِه الأسئلة فِي كتبهمْ ثمَّ إِن مِنْهُم من اعتذر عَن تَركهَا بِأَنَّهَا لَيست من مبَاحث الْأُصُول وَإِنَّمَا هِيَ كالعلاوة عَلَيْهِ وَأَن مَوضِع ذكرهَا فن الجدل وَهَذَا اعتذار الْغَزالِيّ فِي الْمُسْتَصْفى وَمِنْهُم من ذكرهَا لِأَنَّهَا من مكملات الْقيَاس الَّذِي هُوَ من أصُول الْفِقْه ومكمل الشَّيْء من ذَلِك الشَّيْء ولهذه الشُّبْهَة أَكثر قوم من ذكر الْمنطق والعربية وَالْأَحْكَام الكلامية لِأَنَّهَا من مواده ومكملاته وَنحن نذكرها هُنَا إتماما للفائدة وتكميلا للمقصود فَنَقُول اخْتلف فِي عدد هَذِه الأسئلة الْمعبر عَنْهَا بالقوادح فَقَالَ موفق الدّين الْمَقْدِسِي فِي كِتَابه رَوْضَة النَّاظر وجنة المناظر قَالَ بعض أهل الْعلم يتَوَجَّه على الْقيَاس اثْنَا عشر سؤالا هَذَا كَلَامه وعدها ابْن مُفْلِح فِي أُصُوله وَابْن الْحَاجِب خَمْسَة وَعشْرين وَنحن نسلك فِي كتَابنَا هُنَا مَسْلَك موفق الدّين وَالْأَكْثَر فِي عَددهَا وَإِلَيْك الْبَيَان
стр. 298
أَولهَا الاستفسار وَهُوَ طَلِيعَة للقوادح كطليعة الْجَيْش لِأَنَّهُ الْمُقدم على كل اعْتِرَاض وَحَقِيقَته طلب معنى لفظ الْمُسْتَدلّ لإجماله أَو غرابته لِأَنَّهُ لَا يسمع إِذا كَانَ فِي ذَلِك اللَّفْظ إِجْمَال أَو غرابة وَإِلَّا فَهُوَ تعنت مفوت لفائدة المناظرة إِذْ يَأْتِي فِي كل لفظ يُفَسر بِهِ لفظ ويتسلسل وعَلى الْمُعْتَرض بَيَان إجماله
مِثَاله أَن يَقُول الْمُسْتَدلّ الْمُطلقَة تَعْتَد بالإقراء فَيُقَال لَهُ الْأَقْرَاء لفظ مُجمل يحْتَمل الْحيض وَالطُّهْر فَأَي الْمَعْنيين تَعْنِي فَإِذا قَالَ أَعنِي الْحيض أَو أَعنِي الطُّهْر أُجِيب حِينَئِذٍ بِحَسب ذَلِك من تَسْلِيم أَو منع أَو بَيَان غرابته
أما من حَيْثُ الْوَضع فمثاله فِي الْكَلْب الْمعلم يَأْكُل من صَيْده أَن يُقَال أيل لم يرض فَلَا تحل فريسته كالسيد أَي الذِّئْب فَيُقَال مَا الأيل مَا معنى لم يرض وَمَا الفريسة وَمَا السَّيِّد وَأما من حَيْثُ الِاصْطِلَاح كَأَن يذكر فِي القياسات الْفِقْهِيَّة لفظ الدّور أَو التسلسل أَو الهيولي أَو الْمَادَّة أَو المبدأ أَو الْغَايَة نَحْو أَن يُقَال فِي شُهُود الْقَتْل إِذا رجعُوا عَن الشَّهَادَة لَا يجب الْقصاص لِأَن وُجُوبه تجرد مبداه من غَايَة مَقْصُوده فَوَجَبَ أَن لَا يثبت وَمَا أشبه ذَلِك من اصْطِلَاح الْمُتَكَلِّمين وَإِنَّمَا يكون ذَلِك مَا لم يعرف من حَال خَصمه أَنه يعرف ذَلِك
стр. 299
أما إِذا كَانَ خَصمه عَارِفًا بِهَذِهِ الاصطلاحات فَلَا غرابة حِينَئِذٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ لِأَن الغرابة أَمر نسبي لَا أَمر حَقِيقِيّ وَلَا يلْزم الْمُعْتَرض إِذا بَين كَون اللَّفْظ مُحْتملا بَيَان تَسَاوِي الِاحْتِمَالَات فَلَو الْتَزمهُ تَبَرعا وَقَالَ وهما متساويان لِأَن التَّفَاوُت يَسْتَدْعِي تَرْجِيحا بِأَمْر وَالْأَصْل عدم الْمُرَجح لَكَانَ جيدا وَفَاء بِمَا الْتَزمهُ أَولا
وَجَوَاب الْمُسْتَدلّ عَن الاستفسار إِمَّا بِمَنْع احْتِمَاله للإجمال أَو يبيان ظُهُور اللَّفْظ فِي مَقْصُوده بِنَقْل من اللُّغَة أَو عرف أَو قرينَة أَو تَفْسِيره إِن تعذر إبِْطَال غرابته وَلَو قَالَ الْمُسْتَدلّ يلْزم ظُهُوره فِي أحد الْمَعْنيين دفعا للإجمال وَفِيمَا قصد بِهِ لعدم ظُهُوره فِي الآخر اتِّفَاقًا مني ومنك كفى فِي الْأَصَح بِنَاء على الْمجَاز أولى وَلَا يعْتد بتفسيره بِمَا لَا يحْتَملهُ اللَّفْظ لُغَة
فَائِدَة نقل الطوفي عَن صَاحب كتاب الإفصاح فِي خلق الْإِنْسَان مِثَالا لطيفا لهَذَا النَّوْع فَقَالَ كَمَا حكى عَن الْيَهُود أَنهم سَأَلُوا النَّبِي ﷺ عَن الرّوح وَهُوَ لفظ مُشْتَرك بَين الْقُرْآن وَجِبْرِيل وَعِيسَى وَملك يُقَال لَهُ الرّوح وروح الْإِنْسَان الَّذِي فِي بدنه ليغلطوه بذلك يَعْنِي إِن قَالَ لَهُم الرّوح ملك قَالُوا لَهُ
стр. 300
بل هُوَ روح الْإِنْسَان
أَو قَالَ الْإِنْسَان قَالُوا بل هُوَ ملك أَو غَيره من مسميات الرّوح
فَعلم الله مَكْرهمْ فأجابهم بِجَوَاب مُجمل كسؤالهم بقوله تَعَالَى ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ الْإِسْرَاء ٨٥ وَهُوَ يتَنَاوَل المسميات الْخَمْسَة وَغَيرهَا وَهَذَا هُوَ سَبَب الْإِجْمَال فِي مُسَمّى الرّوح لَا كَون حَقِيقَتهَا غير مَعْلُومَة للبشر إِذْ قد دلّت قواطع الشَّرْع على جسميتها وَالْحَاصِل أَن سُؤال الْيَهُود عَن الرّوح كَانَ على سَبِيل المغالطة لَا على سَبِيل الِاحْتِيَاط
ثَانِيهَا فَسَاد الِاعْتِبَار وَهُوَ أَن يكون الْقيَاس مُخَالفا للنَّص أَو الْإِجْمَاع وَسمي بِهَذَا الِاسْم لِأَن اعْتِبَار الْقيَاس مَعَ النَّص أَو الْإِجْمَاع اعْتِبَار لَهُ مَعَ دَلِيل أقوى مِنْهُ وَهُوَ اعْتِبَار فَاسد وظلم لِأَنَّهُ وضع لَهُ فِي غير مَوْضِعه
مِثَال مَا خَالف الْكتاب نصا قَوْلنَا يشْتَرط تبييت النِّيَّة لرمضان لِأَنَّهُ مَفْرُوض وَلَا يَصح تبييته من النَّهَار كالقضاء فَيُقَال هَذَا فَاسد الِاعْتِبَار لمُخَالفَته نَص الْكتاب وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿والصائمين وَالصَّائِمَاتِ﴾ إِلَى قَوْله ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ الْأَحْزَاب ٣٥ فَإِنَّهُ يدل على أَن كل من صَامَ يحصل لَهُ الْأجر الْعَظِيم وَذَلِكَ مُسْتَلْزم للصِّحَّة وَهَذَا قد صَامَ فَيكون صَوْمه صَحِيحا
وَمِثَال مَا خَالف السّنة قَوْلنَا لَا يَصح السّلم فِي الْحَيَوَان لِأَنَّهُ عقد مُشْتَمل على الْغرَر فَلَا يَصح كالسلم فِي المختلطات فَيُقَال هَذَا فَاسد الِاعْتِبَار لمُخَالفَته مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه رخص فِي السّلم
стр. 301
وَمِثَال مَا خَالف الْإِجْمَاع أَن يُقَال لَا يجوز أَن يغسل الزَّوْج زَوجته لِأَنَّهُ يحرم النّظر إِلَيْهَا فَحرم غسلهَا كالأجنبية فَيُقَال لَهُ هَذَا فَاسد الِاعْتِبَار لمُخَالفَته الْإِجْمَاع السكوتي وَهُوَ أَن عليا غسل فَاطِمَة وَلم يُنكر عَلَيْهِ والقضية فِي مَظَنَّة الشُّهْرَة فَكَانَ ذَلِك إِجْمَاعًا فَإِذا أَرَادَ الْمُسْتَدلّ الْجَواب عَن فَسَاد الِاعْتِبَار إِمَّا بالطعن بِالنَّصِّ كَأَن يَقُول فِي الصَّوْم لَا نسلم أَن الْآيَة تدل على صِحَة الصَّوْم بِدُونِ تبييت النِّيَّة لِأَنَّهَا مُطلقَة وقيدناها بِحَدِيث لَا صِيَام لمن لم يبيت الصّيام من اللَّيْل أَو يَقُول إِنَّهَا دلّت على أَن الصّيام يُثَاب عَلَيْهِ وَأَنا أَقُول بِهِ لَكِنَّهَا لَا تدل على أَنه لَا يلْزمه الْقَضَاء والنزاع فِيهِ أَو يَقُول إِنَّهَا دلّت على ثَوَاب الصَّائِم وَأَنا لَا أسلم أَن الممسك بِدُونِ تبييت النِّيَّة صَائِم وَكَأن يَقُول فِي مَسْأَلَة السّلم لَا نسلم صِحَة التَّرَخُّص فِي السّلم وَإِن سلمنَا فَلَا نسلم أَن اللَّام للاستغراق فَلَا يتَنَاوَل الْحَيَوَان وَإِن صَحَّ السّلم فِي غَيره وَكَأن يُقَال فِي غسل الزَّوْجَة إِنِّي أمنع صِحَة ذَلِك عَن عَليّ وَإِن سلم فَلَا أسلم أَن
стр. 302
ذَلِك اشْتهر وَإِن سلم فَلَا أسلم أَن الْإِجْمَاع السكوتي حجَّة وَإِن سلم فَالْفرق بَين عَليّ وَغَيره أَن فَاطِمَة كَانَت زَوجته فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
فالموت لم يقطع النِّكَاح بَينهمَا بِإِخْبَار الصَّادِق بِخِلَاف غَيرهمَا فَإِن الْمَوْت يقطع بَينهمَا
وَإِمَّا أَن يكون الْجَواب بِأَن يبين الْمُسْتَدلّ أَن مَا ذكره من الْقيَاس يسْتَحق التَّقْدِيم على ذَلِك النَّص لكَونه حنفيا يرى تَقْدِيم الْقيَاس على النَّص الَّذِي أبداه الْمُعْتَرض إِمَّا لكَون النَّص ضَعِيفا فَيكون الْقيَاس أولى مِنْهُ أَو لكَون النَّص عَاما فَيكون الْقيَاس مُخَصّصا لَهُ جمعا بَين الدَّلِيلَيْنِ أَو لكَون مَذْهَب الْمُسْتَدلّ يَقْتَضِي تَقْدِيم الْقيَاس على الْخَبَر إِذا خَالف الْأُصُول أَو فِيمَا تعم بِهِ الْبلوى
ومالكا يرى تَقْدِيم الْقيَاس على الْخَبَر إِذا خَالفه خبر الْوَاحِد وَبِالْجُمْلَةِ للمستدل الِاعْتِرَاض على النَّص الَّذِي يبديه الْمُعْتَرض بِجَمِيعِ مَا يعْتَرض بِهِ على النُّصُوص سندا ومتنا
ثَالِثهَا فَسَاد الْوَضع وَهُوَ افتضاء الْعلَّة نقيض مَا علق بهَا وَإِنَّمَا سمي هَذَا فَسَاد الْوَضع لِأَن وضع الشَّيْء جعله فِي مَحل على هَيْئَة أَو كَيْفيَّة مَا فَإِذا كَانَ ذَلِك الْمحل أَو تِلْكَ الْهَيْئَة لَا تناسبه كَانَ وَضعه على خلاف الْحِكْمَة وَمَا كَانَ على خلاف الْحِكْمَة يكون فَاسِدا فَيُقَال هَهُنَا إِن الْعلَّة إِذا اقْتَضَت نقيض الحكم الْمُدعى أَو خِلَافه كَانَ ذَلِك مُخَالفا للْحكم إِذْ من شَأْن الْعلَّة أَن تناسب معلولها لَا أَنَّهَا تخَالفه فَكَانَ ذَلِك فَاسد الْوَضع بِهَذَا الِاعْتِبَار فَمَا علق فِيهِ على الْعلَّة ضد مَا تَقْتَضِيه قَوْلنَا فِي النِّكَاح بِلَفْظ الْهِبَة لفظ ينْعَقد بِهِ غير النِّكَاح فَلَا ينْعَقد بِهِ النِّكَاح كَلَفْظِ الْإِجَازَة فَيَقُول الْحَنَفِيّ هَذَا فَاسد الْوَضع لِأَن انْعِقَاد غير النِّكَاح بِلَفْظ الْهِبَة يَقْتَضِي ويناسب انْعِقَاد النِّكَاح بِهِ لَكِن تَأْثِيره فِي انْعِقَاد غير النِّكَاح
стр. 303
بِهِ وَهُوَ الْهِبَة دَلِيل على أَن لَهُ حظا من التَّأْثِير فِي انْعِقَاد الْعُقُود وَالنِّكَاح عقد فلينعقد بِهِ كَالْهِبَةِ ويلتزم عَلَيْهِ الْإِجَارَة أَو يفرق بَينهمَا وَبَين الْهِبَة وَالنِّكَاح إِن أمكن وَمن أمثلته أَن يَقُول شَافِعِيّ فِي تكْرَار مسح الرَّأْس مسح فَيسنّ فِيهِ التّكْرَار كالمسح فِي الِاسْتِجْمَار فَيُقَال قياسك هَذَا فَاسد الْوَضع لِأَن كَونه مسحا مشْعر بِالتَّخْفِيفِ ومناسب لَهُ والتكرار منَاف لَهُ
وَالْجَوَاب عَن هَذَا النَّوْع يكون بِأحد أَمريْن إِمَّا بِأَن يمْنَع الْمُسْتَدلّ كَون علته تَقْتَضِي نقيض مَا علق بهَا أَو بِأَن يسلم ذَلِك لَكِن يبين أَن اقتضاءها للمعنى الَّذِي ذكره أرجح من الْمَعْنى الآخر فَيقدم رجحانه
مِثَاله أَن يَقُول فِي مَسْأَلَة النِّكَاح بِلَفْظ الْهِبَة لَا نسلم أَن انْعِقَاد الْهِبَة بلفظها أَو كَون لفظ الْهِبَة ينْعَقد بِهِ غير النِّكَاح يَقْتَضِي انْعِقَاد النِّكَاح بِهِ قَوْلكُم انْعِقَاد غير النِّكَاح يدل على قوته وتأثيره فِي الْعُقُود
قُلْنَا إِنَّمَا يدل على تَأْثِيره فِيمَا وضع لَهُ وَهُوَ الْهِبَة أما غَيره فَلَا وَذَلِكَ لوجوه أَولهَا أَن تَأْثِيره إِنَّمَا يُنَاسب أَن يكون مُسْتَعْملا فِيمَا وضع لَهُ لإشعاره بخواصه ودلالته عَلَيْهَا بِحكم الْوَضع وَالنِّكَاح وَالْبيع وَالْإِجَارَة لَهَا خَواص لَا يشْعر بهَا لفظ الْهِبَة فيضعف عَن إفادتها والتأثير فِي انْعِقَادهَا بِهِ
ثَانِيهَا إِن اسْتِعْمَال اللَّفْظ فِي غير مَوْضُوعه مجَاز وَهُوَ ضَعِيف بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْحَقِيقَة وَالْأَصْل عدم التَّجَوُّز
ثَالِثهَا إِن قُوَّة اللَّفْظ وسلطانه وَظُهُور دلَالَته إِنَّمَا تكون إِذا اسْتعْمل فِي مَوْضُوعه فاستعماله فِي غير مَا وضع لَهُ تَفْرِيق لقُوته
стр. 304
فَهُوَ كالتغريب لَهُ عَن مواطنه فيضعف بذلك عَن التَّأْثِير سلمنَا أَن انْعِقَاد غير النِّكَاح بِلَفْظ الْهِبَة يَقْتَضِي انْعِقَاد النِّكَاح بِهِ لَكِن اقتضاؤه لعدم انْعِقَاده أقوى من اقتضائه لانعقاده لِأَن انْعِقَاد النِّكَاح بِلَفْظ الْهِبَة يَقْتَضِي أَن اللَّفْظ مُشْتَرك بَينهمَا أَو مجَاز فِي النِّكَاح عَن الْهِبَة وَالْمجَاز والاشتراك خلاف الأَصْل وَمَا ذَكرْنَاهُ يَقْتَضِي نفيهما وَتَخْصِيص كل عقد بِلَفْظ هُوَ وفْق الأَصْل وَمَا وَافق الأَصْل يكون أولى مِمَّا خَالفه وعَلى هَذَا النمط يكون الْجَواب فِي غير هَذَا الْمِثَال
وَاعْلَم أَن بعض الْأُصُولِيِّينَ توهم أَن فَسَاد الْوَضع نقض خَاص وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك وَالتَّحْقِيق أَن فَسَاد الْوَضع يشْتَبه بِأُمُور ويخالفها بِوُجُوه فَمِنْهُ أَنه يشبه النَّقْض من حَيْثُ إِنَّه بَين فِيهِ ثُبُوت نقيض الحكم مَعَ الْوَصْف إِلَّا أَن فِيهِ زِيَادَة وَهُوَ أَن الْوَصْف هُوَ الَّذِي يثبت النقيض وَفِي النَّقْض لَا يتَعَرَّض لذَلِك بل يقنع فِيهِ بِثُبُوت نقيض الحكم مَعَ الْوَصْف فَلَو قصد بِهِ ذَلِك لَكَانَ هُوَ النَّقْض وَمِنْه أَنه يشبه الْقلب من حَيْثُ إِنَّه إِثْبَات نقيض الحكم بعلة الْمُسْتَدلّ إِلَّا أَنه يُفَارِقهُ بِشَيْء وَهُوَ أَن فِي الْقلب يثبت نقيض الحكم بِأَصْل الْمُسْتَدلّ وَهَذَا يثبت بِأَصْل آخر فَلَو ذكره بِأَصْلِهِ لَكَانَ هُوَ الْقلب
وَمِنْه أَنه يشبه الْقدح فِي الْمُنَاسبَة من حَيْثُ يَنْفِي مُنَاسبَة الْوَصْف للْحكم لمناسبته لنقيضه إِلَّا أَنه لَا نقصد هَهُنَا بَيَان عدم مُنَاسبَة الْوَصْف للْحكم بل بِنَاء نقيض الحكم عَلَيْهِ فِي أصل آخر فَلَو بَين مناسبته لنقيض الحكم بِلَا أصل كَانَ قدحا فِي الْمُنَاسبَة
стр. 305
وَاعْلَم أَنه إِنَّمَا يعْتَبر الْقدح فِي الْمُنَاسبَة إِذا كَانَ مناسبته للنقيض وللحكم من وَجه وَاحِد وَأما إِن اخْتلف الْوَجْهَانِ فَلَا لِأَن الْوَصْف قد يكون لَهُ جهتان يُنَاسب بِأَحَدِهِمَا الحكم وبالأخرى نقيضه مِثَاله كَون الْمحل مشتهى يُنَاسب إِبَاحَة النِّكَاح لإراحة الخاطر ويناسب التَّحْرِيم لإراحة الطمع وَمِثَال آخر من العرفيات الْملك إِذا ظفر بعدوه فَإِنَّهُ مُنَاسِب لقَتله نفيا لعاديته وللإبقاء عَلَيْهِ وَالرَّدّ إِلَى ولَايَته إِظْهَارًا للقدرة وَعدم المبالاة بِمثلِهِ وَكِلَاهُمَا مِمَّا يَقْصِدهُ الْعُقَلَاء وَقد تلخص مِمَّا ذكرنَا أَن ثُبُوت النقيض مَعَ الْوَصْف نقض فَإِن زيد ثُبُوته بِهِ ففساد الْوَضع وَإِن زيد كَونه بِهِ وبأصل الْمُسْتَدلّ فَقلب وَبِدُون ثُبُوته مَعَه فالمناسبة من جِهَة وَاحِدَة قدح فِيهَا وَمن جِهَتَيْنِ لَا يعْتَبر
رَابِعهَا الْمَنْع وَهُوَ على أَرْبَعَة أضْرب
أَولهَا منع حكم الأَصْل
الثَّانِي منع وجوب الْوَصْف الَّذِي ادّعى الْمُسْتَدلّ أَنه الْعلَّة فِي الأَصْل
الثَّالِث منع كَونه عِلّة فِي الأَصْل
الرَّابِع منع وجوده فِي الْفَرْع
وَمِثَال ذَلِك فِيمَا إِذا قُلْنَا النَّبِيذ مُسكر فَكَانَ حَرَامًا قِيَاسا على الْخمر
فَقَالَ الْمُعْتَرض لَا نسلم تَحْرِيم الْخمر إِمَّا جهلا بالحكم أَو عنادا
فَهَذَا منع حكم الأَصْل وَلَو قَالَ لَا أسلم وجود الْإِسْكَار فِي الْخمر لَكَانَ هَذَا منع وجود الْمُدَّعِي عِلّة فِي الأَصْل وَلَو قَالَ لَا أسلم أَن الْإِسْكَار عِلّة التَّحْرِيم لَكَانَ هَذَا منع علية
стр. 306
الْوَصْف فِي الأَصْل
وَلَو قَالَ لَا أسلم وجود الْإِسْكَار فِي النَّبِيذ لَكَانَ منع وجود الْعلَّة فِي الْفَرْع فَفِي الأَصْل ثَلَاثَة مَمْنُوع وَفِي الْفَرْع منع وَاحِد
وَاعْلَم أَن الْمُسْتَدلّ لَا يَنْقَطِع بِمَنْع حكم الأَصْل على الصَّحِيح وَإِنَّمَا يَنْقَطِع إِذا ظهر عَجزه عَن إثْبَاته بِالدَّلِيلِ
خَامِسهَا التَّقْسِيم هُوَ احْتِمَال لفظ الْمُسْتَدلّ لأمرين فَأكْثر على السوَاء بَعْضهَا مَمْنُوع وَذَلِكَ الْمَمْنُوع هُوَ الَّذِي يحصل بِهِ الْمَقْصُود وَإِلَّا لم يكن للتقسيم معنى فيمنعه إِمَّا من السُّكُوت عَن الآخر لِأَنَّهُ لَا يضرّهُ أَو مَعَ التَّعَرُّض لتسليمه أَو لِأَنَّهُ لَا يضرّهُ وَهَذَا السُّؤَال لَا يخص الأَصْل بل كَمَا يجْرِي فِيهِ يجْرِي فِي جَمِيع الْمُقدمَات الَّتِي تقبل الْمَنْع وَقد منع قوم من قبُول هَذَا السُّؤَال وَهُوَ وَارِد عندنَا وَعند الْأَكْثَر لَكِن بِشَرْط وَهُوَ أَن يكون منعا لما يلْزم الْمُسْتَدلّ بَيَانه
مِثَاله فِي الصَّحِيح الْحَاضِر إِذا فقد المَاء وجد سَبَب وجود التَّيَمُّم وَهُوَ تعذر المَاء فَيجوز التَّيَمُّم فَيَقُول الْمُعْتَرض مَا المُرَاد بتعذر المَاء أردْت أَن تعذر المَاء مُطلقًا سَبَب أَو أَن تعذر المَاء فِي السّفر أَو الْمَرَض سَبَب الأول مَمْنُوع وَحَاصِله أَنه منع بعد تَقْسِيم فَيَأْتِي فِيهِ مَا تقدم فِي صَرِيح الْمَنْع من الأبحاث من كَونه مَقْبُولًا قطعا وَكَيْفِيَّة الْجَواب عَنهُ
مِثَال آخر لَا يشْتَمل على شَرط الْقبُول وَهُوَ أَن يَقُول فِي مَسْأَلَة الْقَتْل الْعمد والعدوان سَبَب الْقصاص فَيَقُول الْمُعْتَرض مَتى هُوَ سَبَب أمع مَانع الالتجاء إِلَى الْحَرَام أَو دونه الأول مَمْنُوع وَإِنَّمَا لم يقبل لِأَن حَاصله أَن الالتجاء إِلَى الْحرم مَانع من الْقصاص فَكَانَ مُطَالبَته بِبَيَان عدم كَونه مَانِعا والمستدل لَا يلْزمه بَيَان عدم الْمَانِع
стр. 307
فَإِن الدَّلِيل مَا لوُجُود النّظر إِلَيْهِ أَفَادَ الظَّن إِنَّمَا بَيَان كَونه مَانِعا على الْمُعْتَرض وَيَكْفِي الْمُسْتَدلّ أَن يَقُول إِن الأَصْل عدم الْمَانِع
وَاشْترط الطوفي وَغَيره لقبُول التَّقْسِيم شُرُوطًا ثَلَاثَة أَحدهَا أَن يكون مَا ذكره الْمُسْتَدلّ مِمَّا يَصح انقسامه إِلَى مَا يجوز مَنعه وتسليمه مِثَاله أَن يَقُول الْمُسْتَدلّ فِي نذر صَوْم النَّحْر أَنه نذر مَعْصِيّة فَلَا ينْعَقد قِيَاسا على سَائِر الْمعاصِي فَيَقُول الْمُعْتَرض هُوَ مَعْصِيّة لعَينه أَو لغيره
الأول مَمْنُوع لِأَن الصَّوْم لعَينه قربَة وَعبادَة فَكيف يكون مَعْصِيّة
وَالثَّانِي مُسلم لَكِن لَا يَقْتَضِي الْبطلَان بِخِلَاف سَائِر الْمعاصِي
ثَانِيهَا أَن يكون التَّقْسِيم حاصرا لجَمِيع الْأَقْسَام الَّتِي يحتملها لفظ الْمُسْتَدلّ كَمَا ذكر من انحصار الْمعْصِيَة فِي كَونهَا لعينها أَو لغَيْرهَا وانحصار الصَّلَاة فِي كَونهَا فرضا أَو نفلا فَإِن لم يكن التَّقْسِيم حاصرا لم يَصح لجَوَاز أَن ينْهض الْقسم الْبَاقِي الْخَارِج عَن الْأَقْسَام الَّتِي ذكرهَا الْمُعْتَرض بغرض الْمُسْتَدلّ وَحِينَئِذٍ يَنْقَطِع الْمُعْتَرض
ومثاله أَن يُقَال الْوتر لَيْسَ بِفَرْض لِأَنَّهُ إِمَّا فرض أَو نفل فَالْأول بَاطِل فَتعين الثَّانِي فَيَقُول الْمُعْتَرض لَا فرض وَلَا نفل بل وَاجِب
ثَالِثهَا أَن لَا يُورد الْمُعْتَرض فِي التَّقْسِيم زِيَادَة على مَا ذكره الْمُسْتَدلّ فِي دَلِيله فَإِن زَاد فِي التَّقْسِيم على مَا ذكره الْمُسْتَدلّ لم يَصح لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يكون مناظرا لنَفسِهِ لَا للمستدل حَيْثُ ذكر مَا لم يذكرهُ الْمُسْتَدلّ وَجعل يتَكَلَّم عَلَيْهِ وَإِنَّمَا وَظِيفَة الْمُعْتَرض هدم مَا بَينه لَا بِنَاء زِيَادَة عَلَيْهِ
стр. 308
مِثَاله أَن يَقُول الْحَنَفِيّ فِي قتل الْحر بِالْعَبدِ قتل عمل عدوان فَأوجب الْقصاص قِيَاسا على الْحر بِالْحرِّ فَيُقَال لَهُ قتل عمد عدوان فِي رَقِيق أَو غير رَقِيق فَهَذَا تَقْسِيم مَرْدُود لِأَن دَلِيل الْمُسْتَدلّ لم يتَعَرَّض للرقيق
سادسها سُؤال الْمُطَالبَة وَهُوَ أَن يطْلب الْمُعْتَرض من الْمُسْتَدلّ الدَّلِيل على أَن الْوَصْف الَّذِي جعله جَامعا بَين الأَصْل وَالْفرع عِلّة وَهُوَ من أعظم الأسئلة العمومية فِي الأقيسة وتشعب مسالكه وَالْمُخْتَار قبُوله وَإِلَّا لَأَدَّى إِلَى التَّمَسُّك بِكُل طرد فَيُؤَدِّي إِلَى اللّعب فيضيع الْقيَاس إِذْ لَا يُفِيد ظنا وَتَكون المناظرة عَبَثا
مِثَاله أَن يَقُول مُسكر فَكَانَ حَرَامًا كَالْخمرِ أَو مَكِيل فَحرم فِيهِ التَّفَاضُل كالبر لم قلت إِن الْإِسْكَار عِلّة التَّحْرِيم وَإِن الْكَيْل عِلّة الرِّبَا وَلم قلت إِن التبديل عِلّة الْقَتْل فِيمَا إِذا قَالَ إِنْسَان بدل دينه فَقتل كَالرّجلِ وَهَذَا النَّوْع يتَضَمَّن تَسْلِيم الحكم لِأَن الْعلَّة فرع الحكم فِي الأَصْل لاستنباطها مِنْهُ وَالْحكم أصل لَهَا فمنازعته الْمُعْتَرض فِي الْفَرْع الَّذِي هُوَ الْعلَّة يشْعر بِتَسْلِيم الأَصْل الَّذِي هُوَ الحكم ويتضمن تَسْلِيم الْوَصْف فِي الْفَرْع وَالْأَصْل لِأَنَّهُ يسْأَل عَن كَونه عِلّة وَذَلِكَ فرع على الْوَصْف فِي نَفسه فِي الأَصْل وَالْفرع إِذْ لَو لم يكن ذَلِك لَكَانَ مَنعه وجود الْوَصْف أولى بِهِ وأجدى عَلَيْهِ
ثمَّ إِن هَذَا النَّوْع ثَالِث المنوع الْمُتَقَدّمَة وَذَلِكَ أَن قَوْلنَا مثلا النَّبِيذ مُسكر فَكَانَ حَرَامًا كَالْخمرِ يرد عَلَيْهِ أَرْبَعَة منوع منع حكم الأَصْل بِأَن يُقَال لَا نسلم تَحْرِيم الْخمر
ثمَّ منع وجود الْوَصْف كَأَن يُقَال فِيهِ لَا نسلم وجود الْإِسْكَار فِيهِ ثمَّ منع كَونه عِلّة بِأَن يُقَال لَا نسلم كَونه عِلّة
ثمَّ منع وجوده فِي الْفَرْع بِأَن يُقَال لَا نسلم وجود الْإِسْكَار فِي النَّبِيذ
стр. 309
وَاعْلَم أَن الْعَادة بَين عُلَمَاء الجدل أَن الْمُعْتَرض يبتدىء بالمنوع على التَّرْتِيب الَّذِي ذَكرْنَاهُ فَلَا ينْقل إِلَى منع إِلَّا وَقد سلم الَّذِي قبله انْقِطَاعًا أَو تنزلا
سابعها النَّقْض وَهُوَ ثُبُوت الْعلَّة وَهِي الْوَصْف فِي صُورَة مَعَ عدم الحكم فِيهَا كَأَن يُقَال فِي النباش سرق نِصَابا كَامِلا من حرز مثله فَيجب عَلَيْهِ الْقطع كسارق مَال الْحَيّ فَيُقَال هَذَا ينْتَقض بالوالد يسرق مَال وَالِده وَصَاحب الدّين يسرق مَال مديونه فَإِن الْوَصْف مَوْجُود فيهمَا وَلَا يقْطَعَانِ وَاخْتلف فِي بطلَان الْعلَّة بِالنَّقْضِ والأرجح عدم الْبطلَان وَيجب احْتِرَاز الْمُسْتَدلّ فِي دَلِيله عَن صُورَة النَّقْض على الْأَصَح كَأَن يَقُول فِي الْمِثَال الْمَذْكُور سرق نِصَابا كَامِلا من حرز مثله وَلَيْسَ أَبَا وَلَا مديونا للمسروق مِنْهُ فَيلْزمهُ الْقطع وَلَا نزاع فِي اسْتِحْبَاب هَذَا الِاحْتِرَاز وَإِنَّمَا النزاع فِي وُجُوبه وَدفعه إِمَّا بِمَنْع وجود الْعلَّة أَو الحكم فِي صورته مِثَال الأول أَن يَقُول الْحَنَفِيّ فِي قتل الْمُسلم بالذمي قتل عمد عدوان فَيجب الْقصاص كَمَا فِي الْمُسلم بِالْمُسلمِ فَيُقَال لَهُ ينْتَقض بقتل الْمعَاهد فَإِنَّهُ قتل عمد عدوان وَلَا يقتل بِهِ الْمُسلم فَيَقُول لَا أسلم أَنه عدوان فيندفع النقيض بذلك إِن ثَبت لَهُ
وَمِثَال الثَّانِي أَن يُقَال فِي الْمِثَال الْمَذْكُور لَا أسلم الحكم فِي الْمعَاهد فَإِن عِنْدِي يجب الْقصاص بقتْله وَيَكْفِي الْمُسْتَدلّ قَوْله لَا أعرف الرِّوَايَة فِيهَا وَلَيْسَ للمعترض أَن يدل على ثُبُوت الْعلَّة أَو الحكم إِذا منعهما الْمُسْتَدلّ فِي صُورَة النَّقْض لِأَنَّهُ انْتِقَال عَن مَحل النّظر وغصب لمنصب الْمُسْتَدلّ حَيْثُ يَنْقَلِب الْمُعْتَرض مستدلا
стр. 310
وَلَيْسَ لَهُ أَيْضا أَن يبين فِي صُورَة النَّقْض وجود مَانع أَو انْتِفَاء شَرط تخلف الحكم لأَجله فِي صُورَة النَّقْض كَمَا إِذا أورد الْمُعْتَرض قتل الْوَالِد وَلَده على عِلّة الْقَتْل الْعمد الْعدوان فَقَالَ الْمُسْتَدلّ تخلف الحكم لمَانع الْأُبُوَّة
وَمِثَال انْتِفَاء الشَّرْط مَا إِذا قَالَ الْمُسْتَدلّ سرق نِصَابا كَامِلا وَلَا شُبْهَة لَهُ فِيهِ فَقطع فأورد الْمُعْتَرض السّرقَة من غير حرز فَقَالَ الْمُسْتَدلّ لانْتِفَاء شَرط وَهُوَ الْحِرْز وَيسمع من الْمُعْتَرض نقض أصل خَصمه فَيلْزمهُ الْعذر عَنهُ لَا أصل نَفسه نَحْو هَذَا الْوَصْف لَا يطرد على أُصَلِّي فَكيف يلْزَمنِي كَمَا إِذا قَالَ الْحَنَفِيّ فِي قتل الْمُسلم بالذمي إِنَّه قتل عمد عدوان يُوجب الْقصاص قِيَاسا على الْمُسلم بِالْمُسلمِ فَيَقُول الْحَنْبَلِيّ هَذَا ينْتَقض على أصلك بِمَا إِذا قَتله بالمثقل فَإِن الْأَوْصَاف مَوْجُودَة وَالْقصاص مُنْتَفٍ عنْدك فَلهُ أَن يعْتَذر عَنهُ بِأَدْنَى عذر يَلِيق بمذهبه وَلَا يعْتَرض عَلَيْهِ فِيهِ لِأَنَّهُ أعرف بمأخذه كَأَن يَقُول لَيْسَ ذَلِك قتلا وَلَيْسَ عمدا أَو مَا شَاءَ من كَلَامهم وَإِن كَانَ النَّقْض مُتَوَجها من الْمُعْتَرض إِلَى أصل نَفسه لم يقْدَح فِي عِلّة الْمُسْتَدلّ وَلم يلْزمه الْعذر عَنهُ وَذَلِكَ كَمَا إِذا قَالَ الْحَنْبَلِيّ لَا يقتل الْمُسلم بالذمي لِأَنَّهُ كَافِر وَلَا يقتل بِهِ الْمُسلم قِيَاسا على الْحَرْبِيّ فَقَالَ الْحَنَفِيّ هَذَا الْوَصْف لَا يطرد على أُصَلِّي إِذْ هُوَ بَاطِل بالمعاهد فَإِنَّهُ كَافِر وَيقتل بِهِ الْمُسلم عِنْدِي وَإِذا كَانَ وصفك أَيهَا الْمُسْتَدلّ غير مطرد عِنْدِي فَكيف يلْزَمنِي فَهَذَا لَا يسمع مِنْهُ على الصَّحِيح
وَمن الْأَجْوِبَة عَن النَّقْض أَن يبين الْمُسْتَدلّ أَن صُورَة النَّقْض وَارِدَة على مذْهبه وَمذهب خَصمه كَمَا إِذا قَالَ الْمُسْتَدلّ مَكِيل فَحرم فِيهِ التَّفَاضُل فأورد الْمُعْتَرض الْعَرَايَا إِذْ هِيَ مَكِيل وَقد جَازَ فِيهِ
стр. 311
التَّفَاضُل بَينه وَبَين الثَّمر الْمَبِيع بِهِ على وَجه الأَرْض فَيَقُول الْمُسْتَدلّ هَذَا وَارِد عَليّ وَعَلَيْك جَمِيعًا فَلَيْسَ بطلَان مذهبي بِهِ أولى من بطلَان مذهبك وَإِذا نقض الْمُعْتَرض عِلّة الْمُسْتَدلّ بِصُورَة فَأجَاب الْمُسْتَدلّ عَن ذَلِك بِأحد الْأَجْوِبَة الْمُتَقَدّمَة إِمَّا منع الْعلَّة أَو الحكم فِي صُورَة النَّقْض أَو يُورد النَّقْض على المذهبين أَو غير ذَلِك فَقَالَ الْمُعْتَرض الدَّلِيل الَّذِي دلّ على أَن وصفك الَّذِي عللت بِهِ فِي مَحل النزاع عِلّة مَوْجُودَة فِي صُورَة النَّقْض فيلزمك الْإِقْرَار بِثُبُوت الحكم فِيهَا عملا بِوُجُود الْوَصْف الْمُقْتَضى لَهُ لكنك لم تقل بِهِ فيلزمك النَّقْض
ومثاله قَول الْحَنَفِيّ فِي قتل الْمُسلم بالذمي قتل عمد عدوان فَأوجب الْقصاص كَقَتل الْمُسلم فَيَقُول الْحَنْبَلِيّ لَا أسلم أَن قتل الذِّمِّيّ عدوان فَيَقُول الْحَنَفِيّ الدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه مَعْصُوم بِعَهْد الْإِسْلَام فَيَقُول الْمُعْتَرض دَلِيل العدوانية فِي قتل الذِّمِّيّ مَوْجُود فِي قتل الْمعَاهد فَلْيَكُن عُدْوانًا يجب بِهِ الْقصاص على الْمُسلم فَهَذَا نقض لدَلِيل الْعلَّة لَا لنَفس الْعلَّة فَلَا يسمع لِأَنَّهُ انْتِقَال وَيَكْفِي الْمُسْتَدلّ فِي رده أدنى دَلِيل يَلِيق بِأَصْلِهِ كَأَن يَقُول إِنَّمَا لم أحكم بالعدوانية فِي الْمِثَال الْمُتَقَدّم لمعارض لي فِي مذهبي وَهُوَ أَن الْحَرْبِيّ الْمعَاهد مفوت للْعهد فالمقتضي لانْتِفَاء الْقصاص فِيهِ قوي مُوَافق للْأَصْل والمقتضي لإثباته ضَعِيف بِخِلَاف الذِّمِّيّ فَإِن الْمُقْتَضِي لقتل الْمُسلم بِهِ قوي لنابذ عَهده وذمته فَصَارَ كَالْمُسلمِ أَو غير ذَلِك من الْأَعْذَار
ثامنها الْكسر وَهُوَ نقض الْمَعْنى وَحَاصِله وجود الْمَعْنى فِي صُورَة مَعَ عدم الحكم فِيهِ
стр. 312
مِثَاله قَول الْحَنَفِيّ فِي العَاصِي بِسَفَرِهِ يترخص لِأَنَّهُ مُسَافر فيترخص كالمسافر سفرا مُبَاحا فَإِذا قيل لَهُ لم قلت إِنَّه يترخص قَالَ لِأَنَّهُ يجد مشقة فِي سَفَره فَنَاسَبَ التَّرَخُّص وَقد شهد لَهُ الأَصْل الْمَذْكُور بِالِاعْتِبَارِ فَيَقُول هَذَا ينكسر المكاري والفيج وَنَحْوهمَا مِمَّن دأبه السّفر يجد الْمَشَقَّة وَلَا يترخص وَحكم الْكسر أَنه غير وَارِد نقضا على الْعلَّة على الصَّحِيح عِنْد الْأُصُولِيِّينَ
تاسعها الْقلب وَهُوَ تَعْلِيق نقيض حكم الْمُسْتَدلّ على علته بِعَينهَا وَهُوَ أَنْوَاع أَولهَا أَن يكون مَقْصُود الْمُعْتَرض بقلب الدَّلِيل تَصْحِيح مَذْهَب نَفسه بِأَن يَقُول الْحَنَفِيّ فِي اشْتِرَاط الصَّوْم للاعتكاف الِاعْتِكَاف لبث مَحْض فَلَا يكون بِمُجَرَّدِهِ قربَة كالوقوف بِعَرَفَة فَيَقُول الْمُعْتَرض الشَّافِعِي أَو الْحَنْبَلِيّ الِاعْتِكَاف لبث مَحْض فَلَا يعْتَبر الصَّوْم فِي كَونه قربَة كالوقوف بِعَرَفَة فَكَمَا أَن الْوُقُوف الْمَذْكُور لَا يشْتَرط لصِحَّته الصَّوْم فَكَذَلِك الِاعْتِكَاف وَهَذَا النَّوْع لَا تعرض فِيهِ لإبطال مَذْهَب الْغَيْر
ثَانِيهَا قلب لإبطال مَذْهَب خَصمه من غير تعرض لتصحيح مَذْهَب نَفسه سَوَاء كَانَ الْإِبْطَال صَرِيحًا بِأَن يَقُول الرَّأْس مَمْسُوح فَلَا يجب استيعابه كالخف فَيَقُول الْمُعْتَرض دليلك هَذَا يَقْتَضِي أَن لَا يتَقَدَّر مسح الرَّأْس بِالربعِ كالخف فَفِي هَذَا الِاعْتِرَاض نفي مَذْهَب الْمُسْتَدلّ صَرِيحًا وَلم يثبت مذْهبه لاحْتِمَال أَن يكون الْحق فِي غير ذَلِك وَهُوَ الِاسْتِيعَاب كَمَا هُوَ قَول أَحْمد وَمَالك أَو كَانَ الْإِبْطَال بطرِيق الِالْتِزَام بِأَن يَقُول الْحَنَفِيّ فِي بيع الْغَائِب مثلا عقد مُعَاوضَة فَينْعَقد مَعَ جهل الْعِوَض أَو مَعَ الْجَهْل بالمعوض كَالنِّكَاحِ فَإِنَّهُ يَصح مَعَ جهل الزَّوْج بِصُورَة الزَّوْجَة وَكَونه
стр. 313
لم يرهَا فَكَذَلِك فِي البيع بِجَامِع كَونهمَا عقد مُعَاوضَة فَيَقُول الْخصم هَذَا الدَّلِيل يَنْقَلِب بِأَن يُقَال عقد مُعَاوضَة فَلَا يعْتَبر فِيهِ خِيَار الرُّؤْيَة كَالنِّكَاحِ فَإِن الزَّوْج إِذا رأى الزَّوْجَة وَلم تعجبه لم يجز لَهُ فسخ النِّكَاح فَكَذَلِك المُشْتَرِي لَا يكون خِيَار إِذا رأى الْمَبِيع فِي بيع الْغَائِب بِمُقْتَضى الْجَامِع الْمَذْكُور فالمستدل لم يُصَرح هَهُنَا بطلَان مَذْهَب الْمُسْتَدلّ لكنه دلّ على بُطْلَانه بِبُطْلَان لَازمه لِأَن ثُبُوت خِيَار الرُّؤْيَة لَازم لصِحَّة بيع الْغَائِب عِنْدهم وَحَيْثُ كَانَ الْأَمر كَذَلِك فَإِذا انْتَفَى اللَّازِم انْتَفَى الْمَلْزُوم
ثَالِثهَا قلب الْمُسَاوَاة كَقَوْل الْمُسْتَدلّ الْخلّ مَائِع طَاهِر مزيل للخبث كَالْمَاءِ فَيَقُول الْمُعْتَرض حِينَئِذٍ يَسْتَوِي فِيهِ الْحَدث والخبث
رَابِعهَا جعل الْمَعْلُول عِلّة وَالْعلَّة معلولا من غير إِفْسَاد لَهَا كَقَوْل أَصْحَابنَا فِي ظِهَار الذِّمِّيّ من صَحَّ طَلَاقه صَحَّ ظِهَاره وَعَكسه فَالسَّابِق مِنْهُمَا عِلّة للثَّانِي فَيَقُول الْحَنَفِيّ اجْعَل الْمَعْلُول عِلّة وَالْعلَّة معلولا
خَامِسهَا قلب الاستبعاد مِثَاله لَو ادّعى اللَّقِيط اثْنَان فَأكْثر للبينة وَلم تُوجد قافة وَقُلْنَا إِنَّه يتْرك حَتَّى يبلغ فينتسب إِلَى من شَاءَ مِمَّن ادَّعَاهُ فيعترض بِأَن يُقَال تحكيم الْوَلَد فِي النّسَب تحكم بِلَا دَلِيل فَيُقَال تحكيم الْقَائِف أَيْضا تحكم بِلَا دَلِيل
سادسها قلب الدَّلِيل على وَجه يكون مَا ذكره الْمُسْتَدلّ يدل عَلَيْهِ لَا لَهُ كَأَن يسْتَدلّ بِحَدِيث الْخَال وَارِث من لَا وَارِث لَهُ
стр. 314
فَيُقَال يدل على أَنه لَا يَرث بطرِيق أبلغ لِأَنَّهُ نفي عَام مثل الْجُوع زَاد لَهُ من لَا زَاد وَالصَّبْر حِيلَة من لَا حِيلَة لَهُ وَلَيْسَ الْجُوع زادا وَلَا الصَّبْر حِيلَة
عَاشرهَا الْمُعَارضَة وَهِي على قسمَيْنِ مُعَارضَة فِي الأَصْل ومعارضة فِي الْفَرْع
أما الأولى فَهِيَ أَن يُبْدِي الْمُعْتَرض معنى آخر يصلح للعلية مُسْتقِلّا أَو غير مُسْتَقل بل جُزْءا
أما المستقل فَيحْتَمل أَن يكون عِلّة مُسْتَقلَّة دون الأول وَأَن يكون جُزْء عِلّة فَهُوَ مَعَ الأول عِلّة مُسْتَقلَّة وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَلَا يحصل الحكم بِالْأولِ وَحده
مِثَاله أَن يُعلل حُرْمَة الرِّبَا بالطعم فيعارضه بالقوت أَو بِالْكَيْلِ وَأما غير المستقلة فَيحْتَمل أَن يكون جُزْء الْعلَّة فينفي اسْتِقْلَال الأول
مِثَاله أَن يُعلل الْقصاص فِي المحدد بِكَوْنِهِ قتلا عمدا عُدْوانًا فيعارضه بِكَوْنِهِ بالجارح فَإِنَّهُ لما جَازَ أَن تكون الْعلَّة الْأَوْصَاف الْمَذْكُورَة مَعَ قيد كَونه بالجارح لم يَتَعَدَّ إِلَى المثقل وَالْحق أَن هَذِه الْمُعَارضَة مَقْبُولَة وَهل يلْزم الْمُعْتَرض بَيَان أَن الْوَصْف الَّذِي أبديته مُنْتَفٍ فِي الْفَرْع أَولا وَالْمُخْتَار أَنه إِن تعرض لعدمه فِي الْفَرْع صَرِيحًا لزمَه بَيَانه وَإِلَّا فَلَا
وَجَوَاب الْمُعَارضَة من وُجُوه مِنْهَا منع وجود الْوَصْف مثل أَن يُعَارض الْقُوت بِالْكَيْلِ
стр. 315
فَيَقُول لَا نسلم أَنه مَكِيل لِأَن الْعبْرَة بعادة زمن الرَّسُول ﷺ وَكَانَ حِينَئِذٍ مَوْزُونا
وَمِنْهَا المطالب بِكَوْن وصف الْمعَارض مؤثرا بِأَن يُقَال وَلم قلت إِن الْكَيْل مُؤثر وَهَذَا إِنَّمَا يسمع من الْمُسْتَدلّ إِذا كَانَ مثبتا لِلْعِلَّةِ بالمناسبة أَو الشّبَه حَتَّى يحْتَاج الْمعَارض فِي معارضته إِلَى بَيَان مُنَاسبَة أَو شبه بِخِلَاف مَا إِذا أثْبته بالسبر فَإِن الْوَصْف يدْخل فِي السبر بِدُونِ ثُبُوت الْمُنَاسبَة بِمُجَرَّد الِاحْتِمَال
وَمِنْهَا بَيَان خفائه
وَمِنْهَا عدم انضباطه
وَمِنْهَا منع ظُهُوره
وَمِنْهَا منع انضباطه
وَمِنْهَا بَيَان أَن الْوَصْف عدم معَارض فِي الْفَرْع مِثَاله أَن يقيس الْمُكْره على الْمُخْتَار فِي الْقصاص بِجَامِع الْقَتْل فَيَقُول الْمُعْتَرض معَارض بالطواعية فَإِن الْعلَّة هِيَ الْقَتْل مَعَ الطواعية فيجيب الْمُسْتَدلّ بِأَن الطواعية عدم الْإِكْرَاه الْمُنَاسب لنقيض الحكم وَهُوَ عدم الْقصاص فحاصله عدم معَارض وَعدم الْمعَارض طرد لَا يصلح للتَّعْلِيل لِأَنَّهُ لَيْسَ من الْبَاعِث فِي شَيْء
وَمِنْهَا أَن يبين كَون وصف الْمعَارض ملغي إِذْ قد تبين اسْتِقْلَال الْبَاقِي بالعلية فِي صُورَة مَا بِظَاهِر نَص أَو إِجْمَاع
مِثَاله إِذا عَارض فِي الرِّبَا الطّعْم بِالْكَيْلِ فيجيب بِأَن النَّص دلّ على اعْتِبَار الطّعْم فِي صُورَة مَا وَهُوَ قَوْله لَا تَبِيعُوا الطَّعَام
стр. 316
بِالطَّعَامِ إِلَّا سَوَاء بِسَوَاء هَذَا إِذا لم يتَعَرَّض للتعميم فَلَو عمم وَقَالَ فَثَبت ربوية كل مطعوم لم يسمع لِأَن ذَلِك إِثْبَات للْحكم دون الْقيَاس لَا تتميم الْقيَاس بالإلغاء وَالْمَقْصُود ذَلِك وَلَا يَكْفِي إِثْبَات الحكم فِي صُورَة دون وصف الْمعَارض وَذَلِكَ لجَوَاز وجود عِلّة أُخْرَى وَلأَجل ذَلِك لَو أبدى فِي صُورَة عدم وصف الْمُعَارضَة وَصفا آخر يخلفه لِئَلَّا يكون الْبَاقِي مُسْتقِلّا وَيُسمى تعدد الْوَضع لتَعَدد أَصْلهَا
مِثَاله أَن يُقَال فِي مَسْأَلَة أَمَان العَبْد للحربي أَمَان من مُسلم عَاقل فَيقبل كَالْحرِّ لِأَنَّهُمَا مظنتان لإِظْهَار مصَالح الْإِيمَان فيعترض بِالْحُرِّيَّةِ فَإِنَّهَا مَظَنَّة الْفَرَاغ للنَّظَر فَيكون أكمل فيلغيها بالمأذون لَهُ فِي الْقِتَال فَيَقُول خلف الْأذن الْحُرِّيَّة فَإِنَّهَا مَظَنَّة لبذل الوسع أَو لعلم السَّيِّد بصلاحيته
وَجَوَابه الإلغاء إِلَى أَن يقف أَحدهمَا وَلَا يُفِيد الإلغاء إِذا كَانَ الْمَعْنى ضَعِيفا إِذا سلم وجود المظنة المتضمنة لذَلِك الْمَعْنى
مِثَاله أَن يَقُول الرِّدَّة عِلّة الْقَتْل فَيَقُول الْمُعْتَرض بل مَعَ الرجولية لِأَنَّهُ مَظَنَّة الْإِقْدَام على قتال الْمُسلمين إِذْ يعْتَاد ذَلِك من الرِّجَال دون النِّسَاء فيجيب الْمُسْتَدلّ بِأَن الرجولية وَكَونهَا مَظَنَّة الْإِقْدَام لَا تعْتَبر والألم يقتل مَقْطُوع الْيَدَيْنِ لِأَن احْتِمَال الْإِقْدَام فِيهِ ضَعِيف بل أَضْعَف من احْتِمَاله فِي النِّسَاء وَهَذَا لَا يقبل مِنْهُ حَيْثُ سلم أَن الرجولية مَظَنَّة اعتبرها الشَّارِع وَذَلِكَ كترفه الْملك فِي السّفر لَا يمْنَع رخص السّفر فِي حَقه لقلَّة الْمَشَقَّة إِذْ الْمُعْتَبر المظنة
стр. 317
وَقد وجدت لَا مِقْدَار الْحِكْمَة لعدم انضباطها وَلَا يَكْفِي أَيْضا أَن يكون الْمعِين راجحا وَلَا كَونه مُتَعَدِّيا
مِثَال الأول أَن يَقُول الْمُسْتَدلّ فِي جَوَاب الْمُعَارضَة مَا عنيته من الْوَصْف رَاجِح على مَا عارضت بِهِ ثمَّ يظْهر وَجها من وُجُوه التَّرْجِيح
وَالثَّانِي أَن يَقُول فِي جَوَاب الْمُعَارضَة إِن مَا عينته أَنا مُتَعَدٍّ وَمَا عينته أَنْت قَاصِر فَهَذَا غير كَاف فِي جَوَاب الْمُعَارضَة إِذْ مرجعه التَّرْجِيح بذلك فَيَجِيء التحكم وَهل يجب على الْمُسْتَدلّ الِاكْتِفَاء بِأَصْل وَاحِد إِذْ مَقْصُوده الظَّن وَهُوَ يحصل بِهِ فَيلْغُو مَا زَاد عَلَيْهِ أم لَا وَالصَّحِيح الأول لِأَن الظَّن يقوى بِهِ وَفِي جَوَاز اقْتِصَار الْمُعَارضَة على أصل وَاحِد قَولَانِ وعَلى الْجَمِيع فِي جَوَاز اقْتِصَار الْمُسْتَدلّ على أصل وَاحِد قَولَانِ
فصل
وَأما الْمُعَارضَة فِي الْفَرْع فَهِيَ بِمَا يَقْتَضِي نقيض الحكم فِيهِ بِأَن يَقُول مَا ذكرته من الْوَصْف وَإِن اقْتضى ثُبُوت الحكم فِي الْفَرْع فعندي وصف آخر يَقْتَضِي نقيضه فَيتَوَقَّف دليلك عَلَيْهِ وَهَذَا هُوَ الْمَعْنى بالمعارضة إِذا أطلقت وَلَا بُد من بنائِهِ على أصل بِجَامِع تثبت عليته وَله الِاسْتِدْلَال فِي إِثْبَات عليته بِأَيّ مَسْلَك من مسالكها شَاءَ على نَحْو طرق إِثْبَات الْمُسْتَدلّ للعلية سَوَاء فَيصير هُوَ مستدلا آنِفا والمستدل مُعْتَرضًا فتنقلب الوظيفتان وَالْمُخْتَار قبُول هَذَا النَّوْع لِئَلَّا تختل فَائِدَة المناظرة وَهُوَ ثُبُوت الحكم لِأَنَّهُ لَا يتَحَقَّق بِمُجَرَّد الدَّلِيل مَا لم يعلم عدم الْمعَارض وَجَوَابه بِمَا يعْتَرض بِهِ الْمُعْتَرض ابْتِدَاء إِذْ الْجَواب هُوَ الْجَواب وَيقبل تَرْجِيح أَحدهمَا بِأَيّ
стр. 318
وَجه كَانَ من وُجُوه التَّرْجِيح الْمَذْكُورَة فِي بَابه عِنْد أَصْحَابنَا وَجمع من الْعلمَاء مِنْهُم الْآمِدِيّ وَابْن الْحَاجِب فَيتَعَيَّن الْعَمَل بِهِ وَهُوَ الْمَقْصُود وَلَا يلْزم الْمُسْتَدلّ الْإِيمَاء إِلَى التَّرْجِيح فِي متن دَلِيله بِأَن يَقُول فِي أَمَان العَبْد أَمَان من مُسلم عَاقل وَهُوَ مُوَافق للبراءة الْأَصْلِيَّة
حادي عشرهَا عدم التَّأْثِير اعْلَم أَن التَّأْثِير هُوَ إِفَادَة الْوَصْف أَثَره فَإِذا لم يفده فَهُوَ عدم التَّأْثِير وَهُوَ ذكر مَا يَسْتَغْنِي عَنهُ الدَّلِيل فِي ثُبُوت حكم الأَصْل وَذَلِكَ إِمَّا لكَون ذَلِك الْوَصْف طرديا لَا يُنَاسب ترَتّب الحكم عَلَيْهِ كَقَوْل الْمُسْتَدلّ فِي صَلَاة الصُّبْح صَلَاة لَا تقصر فَلَا يقدم إِذْ إِنَّهَا على وَقتهَا كالمغرب فَعدم الْقصر هُنَا بِالنِّسْبَةِ لعدم تَقْدِيم الآذان طردي فَكَأَنَّهُ قَالَ لَا يقدم أَذَان الْفجْر عَلَيْهَا لِأَنَّهَا لَا تقصر وَأطْرد ذَلِك فِي الْمغرب لكنه لم ينعكس فِي بَقِيَّة الصَّلَوَات إِذْ مُقْتَضى هَذَا الْقيَاس أَن مَا يقصر من الصَّلَاة يجوز تَقْدِيم أَذَانه على وقته من حَيْثُ انعكاس الْعلَّة فَيرجع حَاصله إِلَى سُؤال الْمُطَالبَة وَإِمَّا لكَون الحكم ثَبت بِدُونِهِ كَأَن يُقَال فِي مَبِيع الْغَائِب مَبِيع لم يره الْعَاقِد فَلَا يَصح بَيْعه كالطير فِي الْهَوَاء فيعترض بِأَن الْعلَّة الْعَجز عَن التَّسْلِيم وَهُوَ كَاف فِي الْبطلَان وَعدم التَّأْثِير هُنَا جِهَة الْعَكْس لِأَن تَعْلِيل عدم صِحَة بيع الْغَائِب بِكَوْنِهِ غير مرئي تَقْتَضِي أَن كل مرئي يجوز بَيْعه فهذان قِسْمَانِ من أَقسَام أَرْبَعَة لهَذَا النَّوْع أَولهمَا يُقَال لَهُ عدم التَّأْثِير فِي الْوَصْف
وَالثَّانِي عَدمه فِي الأَصْل
وَأما الثَّالِث فَهُوَ عدم التَّأْثِير فِي الحكم
ومثاله فِي الْمُرْتَدين مشركون أتلفوا مَالا فِي دَار الْحَرْب فَلَا ضَمَان عَلَيْهِم كالحربي فَيَقُول الْمُعْتَرض دَار الْحَرْب لَا تَأْثِير لَهُ عنْدك أَيهَا الْمُسْتَدلّ ضَرُورَة اسْتِوَاء الْإِتْلَاف فِي دَار الْحَرْب وَدَار
стр. 319
الْإِسْلَام فِي إِيجَاب الضَّمَان عنْدك ومرجع هَذَا إِلَى مُطَالبَة تَأْثِير كَونه فِي دَار الْحَرْب فَهُوَ كَالْأولِ
وَأما الرَّابِع فَهُوَ أَن يكون الْوَصْف الْمَذْكُور لَا يطرد فِي جَمِيع صور النزاع وَإِن كَانَ مناسبا يُسمى عدم التَّأْثِير فِي الْفَرْع
مِثَاله أَن يُقَال فِي تَزْوِيج الْمَرْأَة نَفسهَا زوجت نَفسهَا بِغَيْر إِذن وَليهَا فَلَا يَصح كَمَا لَو زوجت بِغَيْر كُفْء فَيَقُول الْمُعْتَرض كَونه غير كُفْء لَا أثر لَهُ فَإِن النزاع وَاقع فِيمَا زوجت من كُفْء وَمن غير كُفْء وحكمهما سَوَاء فَلَا أثر لَهُ ومرجع هَذَا النَّوْع إِلَى الْمُعَارضَة بِوَصْف آخر وَهُوَ تَزْوِيج فَقَط فَهُوَ كالثاني
وَاعْلَم أَن حَاصِل مَا ذكر أَن الْأَقْسَام الْأَرْبَعَة الأول وَالثَّانِي وَالثَّالِث مِنْهَا يرجعان إِلَى منع الْعلَّة وَالثَّانِي وَالرَّابِع إِلَى الْمُعَارضَة فِي الأَصْل بإبداء عِلّة أُخْرَى فَلَيْسَ هُوَ سَوَاء لَا بِرَأْسِهِ
ثَانِي عشرهَا تركيب الْقيَاس من مذهبي الْمُسْتَدلّ والمعترض وَهُوَ الْقيَاس الْمركب الْمَار ذكره عِنْد ذكر شُرُوط حكم الأَصْل
مِثَاله أَن يَقُول الْحَنَفِيّ فِي الْمَرْأَة الْبَالِغَة أُنْثَى فَلَا تزوج نَفسهَا بِغَيْر ولي كابنة خمس عشرَة سنة فالخصم وَهُوَ الْحَنَفِيّ يمْنَع تزوج بنت خمس عشرَة سنة لصغرها لَا لكَونهَا أُنْثَى فاختلفت الْعلَّة فِي الأَصْل وَإِنَّمَا اتّفق صِحَة هَذَا الْقيَاس لِاجْتِمَاع عِلّة الْخَصْمَيْنِ فِيهِ فتركب مِنْهُمَا وَتَحْقِيق التَّرْكِيب هَهُنَا هُوَ أَن يتَّفق الخصمان على حكم الأَصْل ويختلفان فِي علته فَإِذا ألحق أَحدهمَا بذلك الأَصْل فرعا يعْتَبر عِلّة صَاحبه فَالْقِيَاس مُنْتَظم لَكِن بِنَاء على تركيب حكم الأَصْل من علتين وَذَلِكَ كَمَا فِي الْمِثَال الْمُتَقَدّم فَإِن أَحْمد وَالشَّافِعِيّ يعْتَقد أَن بنت خمس عشرَة لَا تزوج نَفسهَا لأنوثتها
стр. 320
وَأَبُو حنيفَة يعْتَقد أَنَّهَا لَا تزوج نَفسهَا لصغرها إِذْ الْجَارِيَة إِنَّمَا تبلغ عِنْده لتسْع عشرَة وَفِي رِوَايَة لثماني عشرَة كالغلام فالعلتان موجودتان فِيهَا وَالْحكم مُتَّفق عَلَيْهِ بِنَاء على ذَلِك فَإِذا قَالَ الْحَنْبَلِيّ فِي الْبَالِغَة أُنْثَى فَلَا تزوج نَفسهَا كَبِنْت خمس عشرَة انتظم الْقيَاس بِنَاء على مَا ذَكرْنَاهُ من تركب حكم الأَصْل بَين الْخَصْمَيْنِ من العلتين واستناده عِنْد كل مِنْهُمَا إِلَى علته وَلِهَذَا جَازَ لأَحَدهمَا منع صِحَة الْقيَاس لاخْتِلَاف الْعلَّة فِي الْفَرْع وَالْأَصْل مثل أَن يَقُول الْحَنَفِيّ هَهُنَا للمستدل أَنْت عللت الْمَنْع فِي الْبَالِغَة بالأنوثة وَالْمَنْع فِي بنت خمس عشرَة عِنْدِي مُعَلل بالصغر فَمَا اتّفقت عِلّة الأَصْل وَالْفرع فَلَا يَصح الْإِلْحَاق
وَهَذَا النَّوْع تمسك بِهِ قوم ونفاه آخَرُونَ وَالْمُخْتَار إثْبَاته وبصحته قَالَ الطوفي والمرداوي من أَصْحَابنَا لِأَن حَاصله يرجع إِلَى النزاع فِي الأَصْل وَقد سبق أَن الْقيَاس يجوز على أصل مُخْتَلف فِيهِ فَإِذا مَنعه الْمُعْتَرض أثْبته الْمُسْتَدلّ بطريقه وَصَحَّ قِيَاسه فههنا كَذَلِك يثبت الْمُسْتَدلّ أَن الْعلَّة فِي بنت خمس عشرَة هِيَ الْأُنُوثَة ويحققها فِي الْفَرْع وَهِي الْبَالِغَة وَيبْطل مَأْخَذ الْخصم وَهُوَ تَعْلِيله فِي الْبِنْت الْمَذْكُورَة بالصغر وَقد ثَبت مدعاه وَصَحَّ قِيَاسه وَهُوَ أَن الْبَالِغَة أُنْثَى فَلَا تزوج نَفسهَا كَبِنْت خمس عشرَة
ثَالِث عشرهَا القَوْل بِالْمُوجبِ بِفَتْح الْجِيم أَي القَوْل بِمَا أوجبه دَلِيل الْمُسْتَدلّ أما الْمُوجب بِكَسْرِهَا فَهُوَ الدَّلِيل الْمُقْتَضى للْحكم وَهَذَا النَّوْع لَا يخْتَص بِالْقِيَاسِ بل يَجِيء فِي كل دَلِيل وَحَاصِله تَسْلِيم مَدْلُول الدَّلِيل مَعَ بَقَاء النزاع وَذَلِكَ دَعْوَى نصيب الدَّلِيل فِي غير مَحل النزاع وَيَقَع على وُجُوه ثَلَاثَة الْوَجْه الأول أَن يستنتج من الدَّلِيل مَا يتَوَهَّم أَنه مَحل النزاع
следующие страницы →