Полный текст (458 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
بِالطَّعَامِ إِلَّا سَوَاء بِسَوَاء هَذَا إِذا لم يتَعَرَّض للتعميم فَلَو عمم وَقَالَ فَثَبت ربوية كل مطعوم لم يسمع لِأَن ذَلِك إِثْبَات للْحكم دون الْقيَاس لَا تتميم الْقيَاس بالإلغاء وَالْمَقْصُود ذَلِك وَلَا يَكْفِي إِثْبَات الحكم فِي صُورَة دون وصف الْمعَارض وَذَلِكَ لجَوَاز وجود عِلّة أُخْرَى وَلأَجل ذَلِك لَو أبدى فِي صُورَة عدم وصف الْمُعَارضَة وَصفا آخر يخلفه لِئَلَّا يكون الْبَاقِي مُسْتقِلّا وَيُسمى تعدد الْوَضع لتَعَدد أَصْلهَا
مِثَاله أَن يُقَال فِي مَسْأَلَة أَمَان العَبْد للحربي أَمَان من مُسلم عَاقل فَيقبل كَالْحرِّ لِأَنَّهُمَا مظنتان لإِظْهَار مصَالح الْإِيمَان فيعترض بِالْحُرِّيَّةِ فَإِنَّهَا مَظَنَّة الْفَرَاغ للنَّظَر فَيكون أكمل فيلغيها بالمأذون لَهُ فِي الْقِتَال فَيَقُول خلف الْأذن الْحُرِّيَّة فَإِنَّهَا مَظَنَّة لبذل الوسع أَو لعلم السَّيِّد بصلاحيته
وَجَوَابه الإلغاء إِلَى أَن يقف أَحدهمَا وَلَا يُفِيد الإلغاء إِذا كَانَ الْمَعْنى ضَعِيفا إِذا سلم وجود المظنة المتضمنة لذَلِك الْمَعْنى
مِثَاله أَن يَقُول الرِّدَّة عِلّة الْقَتْل فَيَقُول الْمُعْتَرض بل مَعَ الرجولية لِأَنَّهُ مَظَنَّة الْإِقْدَام على قتال الْمُسلمين إِذْ يعْتَاد ذَلِك من الرِّجَال دون النِّسَاء فيجيب الْمُسْتَدلّ بِأَن الرجولية وَكَونهَا مَظَنَّة الْإِقْدَام لَا تعْتَبر والألم يقتل مَقْطُوع الْيَدَيْنِ لِأَن احْتِمَال الْإِقْدَام فِيهِ ضَعِيف بل أَضْعَف من احْتِمَاله فِي النِّسَاء وَهَذَا لَا يقبل مِنْهُ حَيْثُ سلم أَن الرجولية مَظَنَّة اعتبرها الشَّارِع وَذَلِكَ كترفه الْملك فِي السّفر لَا يمْنَع رخص السّفر فِي حَقه لقلَّة الْمَشَقَّة إِذْ الْمُعْتَبر المظنة
стр. 317
وَقد وجدت لَا مِقْدَار الْحِكْمَة لعدم انضباطها وَلَا يَكْفِي أَيْضا أَن يكون الْمعِين راجحا وَلَا كَونه مُتَعَدِّيا
مِثَال الأول أَن يَقُول الْمُسْتَدلّ فِي جَوَاب الْمُعَارضَة مَا عنيته من الْوَصْف رَاجِح على مَا عارضت بِهِ ثمَّ يظْهر وَجها من وُجُوه التَّرْجِيح
وَالثَّانِي أَن يَقُول فِي جَوَاب الْمُعَارضَة إِن مَا عينته أَنا مُتَعَدٍّ وَمَا عينته أَنْت قَاصِر فَهَذَا غير كَاف فِي جَوَاب الْمُعَارضَة إِذْ مرجعه التَّرْجِيح بذلك فَيَجِيء التحكم وَهل يجب على الْمُسْتَدلّ الِاكْتِفَاء بِأَصْل وَاحِد إِذْ مَقْصُوده الظَّن وَهُوَ يحصل بِهِ فَيلْغُو مَا زَاد عَلَيْهِ أم لَا وَالصَّحِيح الأول لِأَن الظَّن يقوى بِهِ وَفِي جَوَاز اقْتِصَار الْمُعَارضَة على أصل وَاحِد قَولَانِ وعَلى الْجَمِيع فِي جَوَاز اقْتِصَار الْمُسْتَدلّ على أصل وَاحِد قَولَانِ
فصل
وَأما الْمُعَارضَة فِي الْفَرْع فَهِيَ بِمَا يَقْتَضِي نقيض الحكم فِيهِ بِأَن يَقُول مَا ذكرته من الْوَصْف وَإِن اقْتضى ثُبُوت الحكم فِي الْفَرْع فعندي وصف آخر يَقْتَضِي نقيضه فَيتَوَقَّف دليلك عَلَيْهِ وَهَذَا هُوَ الْمَعْنى بالمعارضة إِذا أطلقت وَلَا بُد من بنائِهِ على أصل بِجَامِع تثبت عليته وَله الِاسْتِدْلَال فِي إِثْبَات عليته بِأَيّ مَسْلَك من مسالكها شَاءَ على نَحْو طرق إِثْبَات الْمُسْتَدلّ للعلية سَوَاء فَيصير هُوَ مستدلا آنِفا والمستدل مُعْتَرضًا فتنقلب الوظيفتان وَالْمُخْتَار قبُول هَذَا النَّوْع لِئَلَّا تختل فَائِدَة المناظرة وَهُوَ ثُبُوت الحكم لِأَنَّهُ لَا يتَحَقَّق بِمُجَرَّد الدَّلِيل مَا لم يعلم عدم الْمعَارض وَجَوَابه بِمَا يعْتَرض بِهِ الْمُعْتَرض ابْتِدَاء إِذْ الْجَواب هُوَ الْجَواب وَيقبل تَرْجِيح أَحدهمَا بِأَيّ
стр. 318
وَجه كَانَ من وُجُوه التَّرْجِيح الْمَذْكُورَة فِي بَابه عِنْد أَصْحَابنَا وَجمع من الْعلمَاء مِنْهُم الْآمِدِيّ وَابْن الْحَاجِب فَيتَعَيَّن الْعَمَل بِهِ وَهُوَ الْمَقْصُود وَلَا يلْزم الْمُسْتَدلّ الْإِيمَاء إِلَى التَّرْجِيح فِي متن دَلِيله بِأَن يَقُول فِي أَمَان العَبْد أَمَان من مُسلم عَاقل وَهُوَ مُوَافق للبراءة الْأَصْلِيَّة
حادي عشرهَا عدم التَّأْثِير اعْلَم أَن التَّأْثِير هُوَ إِفَادَة الْوَصْف أَثَره فَإِذا لم يفده فَهُوَ عدم التَّأْثِير وَهُوَ ذكر مَا يَسْتَغْنِي عَنهُ الدَّلِيل فِي ثُبُوت حكم الأَصْل وَذَلِكَ إِمَّا لكَون ذَلِك الْوَصْف طرديا لَا يُنَاسب ترَتّب الحكم عَلَيْهِ كَقَوْل الْمُسْتَدلّ فِي صَلَاة الصُّبْح صَلَاة لَا تقصر فَلَا يقدم إِذْ إِنَّهَا على وَقتهَا كالمغرب فَعدم الْقصر هُنَا بِالنِّسْبَةِ لعدم تَقْدِيم الآذان طردي فَكَأَنَّهُ قَالَ لَا يقدم أَذَان الْفجْر عَلَيْهَا لِأَنَّهَا لَا تقصر وَأطْرد ذَلِك فِي الْمغرب لكنه لم ينعكس فِي بَقِيَّة الصَّلَوَات إِذْ مُقْتَضى هَذَا الْقيَاس أَن مَا يقصر من الصَّلَاة يجوز تَقْدِيم أَذَانه على وقته من حَيْثُ انعكاس الْعلَّة فَيرجع حَاصله إِلَى سُؤال الْمُطَالبَة وَإِمَّا لكَون الحكم ثَبت بِدُونِهِ كَأَن يُقَال فِي مَبِيع الْغَائِب مَبِيع لم يره الْعَاقِد فَلَا يَصح بَيْعه كالطير فِي الْهَوَاء فيعترض بِأَن الْعلَّة الْعَجز عَن التَّسْلِيم وَهُوَ كَاف فِي الْبطلَان وَعدم التَّأْثِير هُنَا جِهَة الْعَكْس لِأَن تَعْلِيل عدم صِحَة بيع الْغَائِب بِكَوْنِهِ غير مرئي تَقْتَضِي أَن كل مرئي يجوز بَيْعه فهذان قِسْمَانِ من أَقسَام أَرْبَعَة لهَذَا النَّوْع أَولهمَا يُقَال لَهُ عدم التَّأْثِير فِي الْوَصْف
وَالثَّانِي عَدمه فِي الأَصْل
وَأما الثَّالِث فَهُوَ عدم التَّأْثِير فِي الحكم
ومثاله فِي الْمُرْتَدين مشركون أتلفوا مَالا فِي دَار الْحَرْب فَلَا ضَمَان عَلَيْهِم كالحربي فَيَقُول الْمُعْتَرض دَار الْحَرْب لَا تَأْثِير لَهُ عنْدك أَيهَا الْمُسْتَدلّ ضَرُورَة اسْتِوَاء الْإِتْلَاف فِي دَار الْحَرْب وَدَار
стр. 319
الْإِسْلَام فِي إِيجَاب الضَّمَان عنْدك ومرجع هَذَا إِلَى مُطَالبَة تَأْثِير كَونه فِي دَار الْحَرْب فَهُوَ كَالْأولِ
وَأما الرَّابِع فَهُوَ أَن يكون الْوَصْف الْمَذْكُور لَا يطرد فِي جَمِيع صور النزاع وَإِن كَانَ مناسبا يُسمى عدم التَّأْثِير فِي الْفَرْع
مِثَاله أَن يُقَال فِي تَزْوِيج الْمَرْأَة نَفسهَا زوجت نَفسهَا بِغَيْر إِذن وَليهَا فَلَا يَصح كَمَا لَو زوجت بِغَيْر كُفْء فَيَقُول الْمُعْتَرض كَونه غير كُفْء لَا أثر لَهُ فَإِن النزاع وَاقع فِيمَا زوجت من كُفْء وَمن غير كُفْء وحكمهما سَوَاء فَلَا أثر لَهُ ومرجع هَذَا النَّوْع إِلَى الْمُعَارضَة بِوَصْف آخر وَهُوَ تَزْوِيج فَقَط فَهُوَ كالثاني
وَاعْلَم أَن حَاصِل مَا ذكر أَن الْأَقْسَام الْأَرْبَعَة الأول وَالثَّانِي وَالثَّالِث مِنْهَا يرجعان إِلَى منع الْعلَّة وَالثَّانِي وَالرَّابِع إِلَى الْمُعَارضَة فِي الأَصْل بإبداء عِلّة أُخْرَى فَلَيْسَ هُوَ سَوَاء لَا بِرَأْسِهِ
ثَانِي عشرهَا تركيب الْقيَاس من مذهبي الْمُسْتَدلّ والمعترض وَهُوَ الْقيَاس الْمركب الْمَار ذكره عِنْد ذكر شُرُوط حكم الأَصْل
مِثَاله أَن يَقُول الْحَنَفِيّ فِي الْمَرْأَة الْبَالِغَة أُنْثَى فَلَا تزوج نَفسهَا بِغَيْر ولي كابنة خمس عشرَة سنة فالخصم وَهُوَ الْحَنَفِيّ يمْنَع تزوج بنت خمس عشرَة سنة لصغرها لَا لكَونهَا أُنْثَى فاختلفت الْعلَّة فِي الأَصْل وَإِنَّمَا اتّفق صِحَة هَذَا الْقيَاس لِاجْتِمَاع عِلّة الْخَصْمَيْنِ فِيهِ فتركب مِنْهُمَا وَتَحْقِيق التَّرْكِيب هَهُنَا هُوَ أَن يتَّفق الخصمان على حكم الأَصْل ويختلفان فِي علته فَإِذا ألحق أَحدهمَا بذلك الأَصْل فرعا يعْتَبر عِلّة صَاحبه فَالْقِيَاس مُنْتَظم لَكِن بِنَاء على تركيب حكم الأَصْل من علتين وَذَلِكَ كَمَا فِي الْمِثَال الْمُتَقَدّم فَإِن أَحْمد وَالشَّافِعِيّ يعْتَقد أَن بنت خمس عشرَة لَا تزوج نَفسهَا لأنوثتها
стр. 320
وَأَبُو حنيفَة يعْتَقد أَنَّهَا لَا تزوج نَفسهَا لصغرها إِذْ الْجَارِيَة إِنَّمَا تبلغ عِنْده لتسْع عشرَة وَفِي رِوَايَة لثماني عشرَة كالغلام فالعلتان موجودتان فِيهَا وَالْحكم مُتَّفق عَلَيْهِ بِنَاء على ذَلِك فَإِذا قَالَ الْحَنْبَلِيّ فِي الْبَالِغَة أُنْثَى فَلَا تزوج نَفسهَا كَبِنْت خمس عشرَة انتظم الْقيَاس بِنَاء على مَا ذَكرْنَاهُ من تركب حكم الأَصْل بَين الْخَصْمَيْنِ من العلتين واستناده عِنْد كل مِنْهُمَا إِلَى علته وَلِهَذَا جَازَ لأَحَدهمَا منع صِحَة الْقيَاس لاخْتِلَاف الْعلَّة فِي الْفَرْع وَالْأَصْل مثل أَن يَقُول الْحَنَفِيّ هَهُنَا للمستدل أَنْت عللت الْمَنْع فِي الْبَالِغَة بالأنوثة وَالْمَنْع فِي بنت خمس عشرَة عِنْدِي مُعَلل بالصغر فَمَا اتّفقت عِلّة الأَصْل وَالْفرع فَلَا يَصح الْإِلْحَاق
وَهَذَا النَّوْع تمسك بِهِ قوم ونفاه آخَرُونَ وَالْمُخْتَار إثْبَاته وبصحته قَالَ الطوفي والمرداوي من أَصْحَابنَا لِأَن حَاصله يرجع إِلَى النزاع فِي الأَصْل وَقد سبق أَن الْقيَاس يجوز على أصل مُخْتَلف فِيهِ فَإِذا مَنعه الْمُعْتَرض أثْبته الْمُسْتَدلّ بطريقه وَصَحَّ قِيَاسه فههنا كَذَلِك يثبت الْمُسْتَدلّ أَن الْعلَّة فِي بنت خمس عشرَة هِيَ الْأُنُوثَة ويحققها فِي الْفَرْع وَهِي الْبَالِغَة وَيبْطل مَأْخَذ الْخصم وَهُوَ تَعْلِيله فِي الْبِنْت الْمَذْكُورَة بالصغر وَقد ثَبت مدعاه وَصَحَّ قِيَاسه وَهُوَ أَن الْبَالِغَة أُنْثَى فَلَا تزوج نَفسهَا كَبِنْت خمس عشرَة
ثَالِث عشرهَا القَوْل بِالْمُوجبِ بِفَتْح الْجِيم أَي القَوْل بِمَا أوجبه دَلِيل الْمُسْتَدلّ أما الْمُوجب بِكَسْرِهَا فَهُوَ الدَّلِيل الْمُقْتَضى للْحكم وَهَذَا النَّوْع لَا يخْتَص بِالْقِيَاسِ بل يَجِيء فِي كل دَلِيل وَحَاصِله تَسْلِيم مَدْلُول الدَّلِيل مَعَ بَقَاء النزاع وَذَلِكَ دَعْوَى نصيب الدَّلِيل فِي غير مَحل النزاع وَيَقَع على وُجُوه ثَلَاثَة الْوَجْه الأول أَن يستنتج من الدَّلِيل مَا يتَوَهَّم أَنه مَحل النزاع
стр. 321
أَو ملازمه وَلَا يكون كَذَلِك
مِثَاله أَن يَقُول الشَّافِعِي فِي الْقَتْل بالمثقل قيل بِمَا يقتل غَالِبا فَلَا يُنَافِي الْقصاص كَالْقَتْلِ بالحرق فَيرد القَوْل بِالْمُوجبِ فَيَقُول عدم الْمُنَافَاة لَيْسَ مَحل النزاع لِأَن مَحل النزاع هُوَ وجوب الْقَتْل وَلَا يَقْتَضِي أَيْضا مَحل النزاع إِذْ لَا يلْزم من عدم منافاته للْوُجُوب أَن يجب
الْوَجْه الثَّانِي أَن يستنتج من الدَّلِيل إبِْطَال أَمر يتَوَهَّم أَنه مَأْخَذ الْخصم ومبني مذْهبه فِي الْمَسْأَلَة وَهُوَ يمْنَع كَونه مأخذا لمذهبه فَلَا يلْزم من إِبْطَاله إبِْطَال مذْهبه
مِثَاله أَن يَقُول الشَّافِعِي فِي الْمِثَال الْمُتَقَدّم وَهُوَ مَسْأَلَة الْقَتْل بالمثقل التَّفَاوُت فِي الْوَسِيلَة لَا يمْنَع الْقصاص كالمتوسل إِلَيْهِ وَهُوَ أَنْوَاع الْجِرَاحَات القاتلة فَيرد القَوْل بِالْمُوجبِ فَيَقُول الْحَنَفِيّ الحكم لَا يثبت إِلَّا بارتفاع جَمِيع الْمَوَانِع وَوُجُود الشَّرَائِط بعد قيام الْمُقْتَضى وَهَذَا غَايَته عدم مَانع خَاص وَلَا يسْتَلْزم انْتِفَاء الْمَوَانِع وَلَا وجود الشَّرَائِط وَلَا وجود الْمُقْتَضى فَلَا يلْزم ثُبُوت الحكم وَقد اخْتلف الجدليون فِي أَن الْمُعْتَرض إِذا قَالَ لَيْسَ هَذَا مأخذي هَل يصدق أَو لَا فَقيل لَا يصدق إِلَّا بِبَيَان مَأْخَذ آخر إِذْ رُبمَا كَانَ مأخذه ذَلِك لكنه يعاند وَاخْتَارَ هَذَا جمع من أَصْحَابنَا مِنْهُم الْفَخر وَقَالَ فَإِن أبْطلهُ الْمُسْتَدلّ وَإِلَّا انْقَطع
وَقَالَ ابْن الْحَاجِب وَالصَّحِيح إِنَّه مُصدق فِي مذْهبه انْتهى أَي لِأَنَّهُ أعرف بمذهبه وَمذهب إِمَامه وَلِأَنَّهُ رُبمَا لَا يعرف فيدعي احْتِمَال أَن لمقلده مَأْخَذ آخر
وَاعْلَم أَن أَكثر القَوْل بِالْمُوجبِ من هَذَا الْقَبِيل وَهُوَ مَا يَقع لاشتباه المأخذ لخفاء مَأْخَذ الْأَحْكَام وقلما يَقع الأول وَهُوَ اشْتِبَاه
стр. 322
مَحل الْخلاف لشهرته ولتقديم التَّحْرِير غَالِبا كَمَا صرح بذلك عضد الدّين فِي شرح مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب الأصولي
الْوَجْه الثَّالِث أَن يسكت فِي دَلِيله عَن صغري قِيَاسه وَلَيْسَت تِلْكَ الصُّغْرَى مَشْهُورَة
مِثَاله فِي الْوضُوء مَا ثَبت قربَة فشرطه النِّيَّة كَالصَّلَاةِ ويسكت عَن الصُّغْرَى فَلَا يَقُول الْوضُوء ثَبت قربَة فَيرد القَوْل بِالْمُوجبِ فَيَقُول الْمُعْتَرض مُسلم وَمن أَيْن يلْزم أَن يكون الْوضُوء شَرطه النِّيَّة فَهَذَا يرد إِذا سكت عَن الصُّغْرَى وَأما إِذا كَانَت الصُّغْرَى مَذْكُورَة فَلَا يرد إِلَّا منع الصُّغْرَى بِأَن يَقُول لَا نسلم أَن الْوضُوء ثَبت قربَة وَيكون حِينَئِذٍ منعا للصغرى لَا قولا بِالْمُوجبِ
قَالَ الجدليون القَوْل بِالْمُوجبِ فِيهِ انْقِطَاع أحد المتناظرين إِذْ لَو بَين الْمُسْتَدلّ أَن الْمُثبت مدعاه أَو ملزومه أَو الْمُبْطل مَأْخَذ الْخصم أَو الصُّغْرَى حق انْقَطع الْمُعْتَرض إِذْ لم يبْق بعده إِلَّا التَّسْلِيم للمطلوب وَإِلَّا انْقَطع الْمُسْتَدلّ إِذْ قد ظهر عدم إفضاء دَلِيله إِلَى مَطْلُوبه
قَالَ ابْن الْحَاجِب وَقَوْلهمْ فِيهِ انْقِطَاع أَحدهمَا بعيد فِي الثَّالِث لاخْتِلَاف المرادين وَجَوَاب الأول بِأَنَّهُ مَحل النزاع أَو مستلزمه كَمَا لَو قَالَ لَا يجوم قتل الْمُسلم بالذمي فَيُقَال بِالْمُوجبِ لِأَنَّهُ يجب فَيَقُول الْمَعْنى بِلَا يجوز تَحْرِيمه وَيلْزم نفي الْوُجُوب وَعَن الثَّانِي أَنه المأخذ أَي لاشتهاره بَين النظار بِالنَّقْلِ عَن أَئِمَّة مَذْهَبهم وَعَن الثَّالِث بِأَن الْحَذف سَائِغ هَذَا وَقد أَطَالَ الْقَوْم فِي تعداد هَذِه الْأَنْوَاع وَاخْتلفُوا فِي عدهَا اخْتِلَافا كثيرا فَذكر الْبَزْدَوِيّ فِي المقترح أَنَّهَا خَمْسَة عشر سؤالا وعدها النيلي فِي شرح جدل الشريف أَرْبَعَة عشر وعدها الْآمِدِيّ
стр. 323
فِي الْمُنْتَهى خَمْسَة وَعشْرين وَفِي كتاب الجدل لَهُ إِحْدَى وَعشْرين وَعند التَّحْقِيق أَنَّهَا لَا تَنْحَصِر فِي عدد بل كل مَا قدح فِي الدَّلِيل اتجه إِيرَاده كَمَا أَن كل سلَاح صلح للتأثير فِي الْعَدو يَنْبَغِي استصحابه وَجَمِيع مَا ذكره الأصوليون والجدليون يقْدَح فِي الدَّلِيل فَيَنْبَغِي إِيرَاده وَلَا يضر تدَاخل الأسئلة وَرُجُوع بَعْضهَا إِلَى بعض لِأَن صناعَة الجدل اصطلاحية وَقد اصْطلحَ الْفُضَلَاء على إِيرَاد هَذِه الْمَسْأَلَة فَهِيَ وَإِن تداخلت أَو رَجَعَ بَعْضهَا إِلَى بعض جدد بِحُصُول الْفَائِدَة من إفحام الْخصم وتهذيب الخواطر وتمرين الأفهام على فهم السُّؤَال واستحضار الْجَواب وتكررها العنوي لَا يضر كَمَا لَو رمى الْقَاتِل بِسَهْم وَاحِد مرَّتَيْنِ أَو أَكثر وَالله الْمُوفق وَقد نجز بِحَمْد الله الْكَلَام على الْآلَة وَهَذَا حِين الشُّرُوع فِي بَيَان أَحْكَام الْمُسْتَدلّ وَمَا يتَعَلَّق بِهِ من بَيَان الِاجْتِهَاد والمجتهد والتقليد والمقلد ومسائل ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى
стр. 324
عقد نضيد فِي الِاجْتِهَاد والتقليد
الِاجْتِهَاد فِي اللُّغَة بذل الْجهد يَعْنِي الطَّاقَة فِي عمل شاق وَإِنَّمَا قيد الْعَمَل بِكَوْنِهِ شاقا لِأَن الِاجْتِهَاد مُخْتَصّ بِهِ فِي عرف اللُّغَة إِذْ يُقَال اجْتهد الرجل فِي حمل الرَّحَى وَنَحْوهَا من الْأَشْيَاء الثَّقِيلَة وَلَا يُقَال اجْتهد فِي حمل خردلة وَنَحْوهَا من الْأَشْيَاء الْخَفِيفَة وَهُوَ الِاصْطِلَاح استفراغ الوسع فِي طلب الظَّن بِشَيْء من الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة على وَجه يحس من النَّفس الْعَجز عَن الْمَزِيد عَلَيْهِ
وَقسم الْعلمَاء الِاجْتِهَاد إِلَى قسمَيْنِ نَاقص وتام
فالناقص هُوَ النّظر الْمُطلق فِي تعرف الحكم وتختلف مراتبه بِحَسب الْأَحْوَال
والتام هُوَ استفراغ الْقُوَّة النظرية حَتَّى يحس النَّاظر من نَفسه الْعَجز عَن مزِيد طلب ومثاله مِثَال من ضَاعَ مِنْهُ دِرْهَم فِي التُّرَاب فقلبه بِرجلِهِ فَلم يجد شَيْئا فَتَركه وَرَاح وَآخر إِذا جرى لَهُ ذَلِك جَاءَ بغربال فغربل التُّرَاب حَتَّى يجد الدِّرْهَم أَو يغلب على ظَنّه أَنه مَا عَاد يلقاه
فَالْأول اجْتِهَاد قَاصِر
وَالثَّانِي تَامّ وَعلم من التَّعْرِيف وَمِمَّا سبق أول الْكتاب أَن استفراغ الْجهد إِنَّمَا هُوَ للفقيه وَهُوَ الْمُجْتَهد فَلَا عِبْرَة باستفراغ جهد غير الْمُجْتَهد
стр. 325
وَقَوْلنَا فِي طلب ظن يُشِير إِلَى أَنه لَا اجْتِهَاد فِي القطعيات
وَقَوْلنَا بِشَيْء من الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة يخرج مَا لَو استفرغ جهده فِي طلب شَيْء من الحسيات والعقليات فَإِنَّهُ بمعزل عَن مقصودنا والمجتهد من اتّصف بِصفة الِاجْتِهَاد وَحصل أَهْلِيَّته وَقد ذكر الْعلمَاء لَهُ شُرُوطًا وَذَلِكَ أَنه لما لم يكن لَا بُد أَن يكون عَاقِلا بَالغا قد ثبتَتْ لَهُ ملكة يقتدر بهَا على اسْتِخْرَاج الْأَحْكَام من مأخذها وَلَا يتَمَكَّن من ذَلِك إِلَّا باتصافه بِأُمُور لَا جرم جعلُوا تِلْكَ الْأُمُور شُرُوطًا وَهِي أَن الْوَاجِب عَلَيْهِ أَن يعرف من الْكتاب مَا يتَعَلَّق بِالْأَحْكَامِ وَهُوَ قدر خَمْسمِائَة آيَة قَالَه الْغَزالِيّ وَغَيره
وَلَيْسَ هَذَا القَوْل بسديد وَلَيْسَ هَذَا التَّقْدِير بمعتبر وَأَن مِقْدَار أَدِلَّة الْأَحْكَام فِي ذَلِك غير منحصرة فَإِن أَحْكَام الشَّرْع كَمَا تستنبط من الْأَوَامِر والنواهي كَذَلِك تستنبط من الأقاصيص والمواعظ وَنَحْوهَا
فَقل أَن يُوجد فِي الْقُرْآن الْكَرِيم آيَة إِلَّا ويستنبط مِنْهَا شَيْء وَقد سلك هَذَا المسلك الشَّيْخ عزالدين بن عبد السَّلَام فألف كِتَابه أَدِلَّة الْأَحْكَام لبَيَان ذَلِك وَكَانَ هَؤُلَاءِ الَّذين حصروها فِي خَمْسمِائَة آيَة إِنَّمَا نظرُوا إِلَى مَا قصد مِنْهُ بَيَان الْأَحْكَام دون مَا استفيدت مِنْهُ وَلم يلتفتوا إِلَى مَا قصد بِهِ بَيَانهَا وَهل يشْتَرط حفظ الْآيَات عَن ظهر قلب أَو يَكْفِيهِ أَن يكون مستحضرا لَهَا وَالصَّحِيح الثَّانِي وَأَنه يَكْفِيهِ أَن يعرف مواقع الحكم من مظانه ليحتج بِهِ عِنْد الْحَاجة إِلَيْهِ لِأَن مَقْصُود الِاجْتِهَاد هُوَ إِثْبَات الحكم بِدَلِيل يخْتَص بِهِ وَيشْتَرط أَن يعرف من السّنة مَا يَكْفِيهِ لاستنباط الْأَحْكَام وَلَا
стр. 326
يتَعَيَّن ذَلِك بِبَعْض السّنة دون بعض خلافًا لمن حصرها فِي خَمْسمِائَة حَدِيث لِأَنَّهُ قل حَدِيث يَخْلُو عَن الدّلَالَة على حكم شَرْعِي وَمن نظر فِي كَلَام الْعلمَاء على دواوين الحَدِيث كَالْقَاضِي عِيَاض والنواوي على صَحِيح مُسلم والخطابي والحافظ ابْن حجر على صَحِيح البُخَارِيّ وَفِي شرح سنَن أبي دَاوُد وَغَيرهَا عرف ذَلِك نعم أَحَادِيث السّنة وَإِن كثرت محصورة فِي الدَّوَاوِين والمعول عَلَيْهِ مِنْهَا مَشْهُور كالصحيحين وَبَقِيَّة السّنَن السِّتَّة وَمَا أشبههَا وَقد قرب النَّاس ذَلِك بتصنيف كتب الْأَحْكَام ككتابي الْحفاظ عبد الْغَنِيّ بن سرُور الْمَقْدِسِي وَكتب الْحَافِظ عبد الْحق المغربي وَكتاب الْأَحْكَام لمجدالدين عبد السَّلَام ابْن تَيْمِية جد شيخ الْإِسْلَام وَنَحْوهَا
وَأجْمع هَذِه الْكتب كتاب الْأَحْكَام لمحب الدّين الطَّبَرِيّ وَبِذَلِك صَار الْوُقُوف على مَا احْتِيجَ إِلَيْهِ سهل المرام قريب المأخذ فَإِن قيل فَمَا تَقول فِيمَا رَوَاهُ أَبُو عَليّ الضَّرِير أَنه قَالَ قلت لِأَحْمَد بن حَنْبَل كم يَكْفِي الرجل من الحَدِيث يَكْفِيهِ مائَة ألف قَالَ لَا قلت مِائَتَا ألف قَالَ لَا قلت ثَلَاثمِائَة ألف قَالَ لَا قلت أَرْبَعمِائَة ألف قَالَ لَا قلت خَمْسمِائَة ألف قَالَ أَرْجُو
وروى عَنهُ الْحُسَيْن بن إِسْمَاعِيل مثل هَذَا وروى مثله عَن يحيى بن معِين
وَقَالَ أَحْمد بن عَبدُوس قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل من لم يجمع علم الحَدِيث وَكَثْرَة طرقه واختلافه لَا يحل لَهُ الحكم على الحَدِيث وَلَا الْفتيا بِهِ وَقَالَ أَحْمد بن منيع مر بِنَا أَحْمد بن حَنْبَل جائيا من الْكُوفَة وَبِيَدِهِ خريطة فِيهَا كتب فَأخذت بِيَدِهِ فَقلت مرّة إِلَى الْكُوفَة وَمرَّة إِلَى الْبَصْرَة إِلَى مَتى إِذا كتب الرجل ثَلَاثِينَ ألف حَدِيث ألم يكفه فَسكت قلت فستين ألفا فَسكت فَقلت فمائة ألف قَالَ فَحِينَئِذٍ يعرف شَيْئا فَنَظَرْنَا فَإِذا أَحْمد قد كتب
стр. 327
عَن بهز وَأَظنهُ قَالَ وَعَن روح بن عبَادَة ثَلَاثمِائَة ألف حَدِيث إِلَى غير ذَلِك مِمَّا رَوَاهُ عَنهُ أَصْحَابه فِي هَذَا الْمَعْنى
قُلْنَا فِي الْجَواب إِن أَصْحَاب الإِمَام أَحْمد حملُوا كَلَامه هَذَا على الِاحْتِيَاط والتغليظ فِي الْفتيا أَو على أَن يكون أَرَادَ وصف أكمل الْفُقَهَاء حكى هَذَا القَاضِي أَبُو يعلى فِي الْعدة فَأَما الَّذِي لَا بُد مِنْهُ وَدلّ عَلَيْهِ كَلَام أَحْمد إِن الْأُصُول الَّتِي يَدُور عَلَيْهَا الْعلم عَن النَّبِي ﷺ يَنْبَغِي أَن تكون ألفا وألفا وَمِائَتَيْنِ انْتهى
وَلَا يخفاك أَن لفظ الحَدِيث عِنْد السّلف أَعم مِمَّا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ وَمن آثَار الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وطرق الْمُتُون وَإِلَّا فالأحاديث المروية لاتصل إِلَى عشر هَذَا الْعدَد
وَغَايَة مَا جمعه الإِمَام أَحْمد فِي مُسْنده الَّذِي أحَاط بالأحاديث ثَلَاثِينَ ألفا وَغَايَة مَا ضمه إِلَيْهِ ابْنه عبد الله عشرَة آلَاف حَدِيث فَكَانَ مَجْمُوعه أَرْبَعِينَ ألفا فَتنبه لذَلِك
وَيشْتَرط للمجتهد مَعَ مَعْرفَته بِأَحَادِيث الْأَحْكَام معرفَة صِحَة الحَدِيث ومعرفته بذلك إِمَّا بِالِاجْتِهَادِ فِيهِ بِأَن يكون لَهُ من الْأَهْلِيَّة وَالْقُوَّة فِي علم الحَدِيث مَا يعرف بِهِ صِحَة مخرج الحَدِيث أَي طَرِيقه الَّذِي ثَبت بِهِ وَمن رِوَايَة أَي الْبِلَاد هُوَ أَو أَي التراجم وَيعلم عَدَالَة رُوَاته وضبطهم وَبِالْجُمْلَةِ يعلم من حَاله وجود شُرُوط قبُوله وَانْتِفَاء موانعه وموجبات رده وَإِمَّا بطرِيق التَّقْلِيد بِأَن يَنْقُلهُ من كتاب صَحِيح ارتضى الْأَئِمَّة رُوَاته كالصحيحين وَسنَن أبي دَاوُد وَنَحْوهَا
لِأَن ظن
стр. 328
الصِّحَّة يحصل بذلك وَإِن كَانَ الأول أَعلَى رُتْبَة من الثَّانِي وَأَن يعرف النَّاسِخ والمنسوخ من الْكتاب وَالسّنة لِأَن الْمَنْسُوخ بَطل حكمه وَصَارَ الْعَمَل على النَّاسِخ فَإِن لم يعرف النَّاسِخ من الْمَنْسُوخ أفْضى إِلَى إِثْبَات الْمَنْفِيّ وَنفي الْمُثبت ويكفيه أَن يعرف أَن دَلِيل هَذَا الحكم لَيْسَ بمنسوخ فَلَا يشْتَرط عَلَيْهِ أَن يعرف جَمِيع الْأَحَادِيث المنسوخة من الناسخة وَمَعَ هَذَا فالإحاطة بِمَعْرِِفَة ذَلِك أيسر من غَيره لقلَّة الْمَنْسُوخ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُحكم من الْكتاب وَالسّنة وَقد صنف فِي نَاسخ الْقُرْآن ومنسوخه جمَاعَة مِنْهُم أَبُو جَعْفَر النّحاس وَالْقَاضِي أَبُو بكر وَابْن الْعَرَبِيّ ومكي صَاحب الْأَعْرَاب وَمن الْمُتَقَدِّمين هبة الله بن سَلامَة
وَمن الْمُتَأَخِّرين ابْن الزاغواني وَابْن الْجَوْزِيّ وَغَيرهم
وَألف فِي نَاسخ الحَدِيث ومنسوخه جمَاعَة مِنْهُم الشَّافِعِي وَابْن قُتَيْبَة وَابْن شاهين وَابْن الْجَوْزِيّ وَغَيرهم
وَيعرف ذَلِك معرفَة جَيِّدَة من تفاسير الْقُرْآن والْحَدِيث البسيطة كتفسير الْقُرْطُبِيّ وشروح الصَّحِيحَيْنِ لَكِن يجب على الْمُجْتَهد أَن يَجْعَل تِلْكَ الْكتب دَالَّة لَهُ على القَوْل بالنسخ وَلَا يَأْخُذ قَول أَصْحَابهَا قَضِيَّة مسلمة لِأَن كثيرا مَا تراهم يردون نَاسِخا ومنسوخا تعصبا لمذهبهم ويطلقون النّسخ من غير تمحيص فعلى النَّاظر أَن يطْرَح التعصب وَينظر بِعَين الْإِنْصَاف كَيْلا يَقع فِي التَّقْلِيد وَلَقَد سلكنا فِي تفسيرنا للْكتاب الْعَزِيز هَذَا المسلك وَبينا فِيهِ خطأ كثيرين ادعوا نسخ بعض الْآيَات وَلَا دَلِيل لَهُم إِلَّا التعصب لمذهبهم
стр. 329
وَمن شُرُوط الْمُجْتَهد أَن يعرف من الْإِجْمَاع مَا تقدم فِي بَابه من هَذَا الْكتاب وَغَيره مثل أَن يعلم أَن الْإِجْمَاع حجَّة وَأَن الْمُعْتَبر فِيهِ اتِّفَاق الْمُجْتَهدين وَأَنه لَا يخْتَص بِاتِّفَاق بلد دون بلد وَنَحْو ذَلِك ويكفيه أَن يعلم أَن هَذِه الْمَسْأَلَة مِمَّا أجمع عَلَيْهِ أَو مِمَّا اخْتلف فِيهِ هَذَا إِذا كَانَ قَائِلا بِالْإِجْمَاع وَيجب عَلَيْهِ أَن يتثبت فِي هَذَا النَّوْع لِأَنَّهُ كم من مَسْأَلَة يرى القَوْل بِالْإِجْمَاع فِيهَا وَيكون مُرَاد الْقَائِل إِجْمَاع أهل مذْهبه أَو إِجْمَاع الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة أَو إِجْمَاع أهل الْمَدِينَة فليتنبه لذَلِك وَأَن يعرف من النَّحْو واللغة مَا يَكْفِيهِ فِي معرفَة مَا يتَعَلَّق بِالْكتاب وَالسّنة من نَص ظَاهر ومجمل وَحَقِيقَة ومجاز وعام وخاص وَمُطلق ومقيد وَدَلِيل خطاب وَنَحْوه
وَلَا يشْتَرط فِي حَقه أَن يعرف تفاريع الْفِقْه الَّتِي يعْنى بتحقيقها الْفُقَهَاء لِأَن ذَلِك من فروع الِاجْتِهَاد الَّتِي وَلَدهَا المجتهدون بعد حِيَازَة منصبه فَلَو اشْترطت مَعْرفَتهَا فِي الِاجْتِهَاد لزم الدّور لتوقف الأَصْل الَّذِي هُوَ الِاجْتِهَاد على الْفَرْع الَّذِي هُوَ تفاريع الْفِقْه وَكَذَلِكَ لَا يشْتَرط معرفَة دقائق الْعَرَبيَّة والتصريف حَتَّى يكون كسيبويه والأخفش والمازني والمبرد والفارسي وَابْن جني وَنَحْوهم لِأَن الْمُحْتَاج إِلَيْهِ مِنْهَا فِي الْفِقْه دون ذَلِك وَيشْتَرط للمجتهد أَن يعرف تَقْرِير الْأَدِلَّة وَمَا يتقوم ويتحقق بِهِ كَيْفيَّة نصب الدَّلِيل وَوجه دلَالَته على الْمَطْلُوب وَلَا بَأْس أَن يكون عَالما بِشَيْء من فن الْمنطق لَا أَن يكون متوغلا فِيهِ لِأَنَّهُ يعين على تَرْتِيب الْأَدِلَّة وَيحْتَاج إِلَيْهِ فِي الْقيَاس احتياجا كثيرا
стр. 330
وَأَقُول إِنَّه يشْتَرط فِي حَقه معرفَة فني الْمعَانِي وَالْبَيَان وَلَا يخفى احْتِيَاج النَّاظر فِي الْأَحْكَام إِلَيْهِمَا والمجتهدون المتقدمون كَانُوا يعْرفُونَ الْمنطق بالسليقة والطبع
وَكَذَلِكَ تَقول فِيمَن ساعده طبعه على صَوَاب الْكَلَام وَاجْتنَاب اللّحن فِيهِ لم يشْتَرط لَهُ علم الْعَرَبيَّة وَالْحَاصِل أَن الْمُشْتَرط فِي الِاجْتِهَاد معرفَة مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ حُصُول ظن الحكم الشَّرْعِيّ سَوَاء انحصر ذَلِك فِي جَمِيع مَا ذكر أَو خرج عَنهُ شَيْء لم يذكر فمعرفته مُعْتَبرَة وَعِنْدِي أَنه يشْتَرط فِي الْمُجْتَهد أَن تُوجد فِيهِ ملكة الاستنباط وَأَن يكون ذكي الْفُؤَاد متوقد الذِّهْن لِأَنَّهُ كم مِمَّن قَرَأَ فنون الْعَرَبيَّة والعلوم الَّتِي تهيىء للِاجْتِهَاد ثمَّ ترَاهُ جَامِدا خامل الْفِكر لَا يعلم إِلَّا مَا يلقى إِلَيْهِ فَإِذا خاطبته وجدت ذهنه متحجرا تكَلمه شرقا فيكلمك غربا فَمثل هَذَا لَا يعول عَلَيْهِ وَلَا يركن إِلَيْهِ
تَنْبِيه
إِن هَذِه الشُّرُوط الْمَذْكُورَة كلهَا إِنَّمَا تشْتَرط للمجتهد الْمُطلق الَّذِي يُفْتِي فِي جَمِيع الشَّرْع أما من أفتى فِي فن وَاحِد فِي مَسْأَلَة وَاحِدَة وَوجدت فِيهِ شُرُوط الِاجْتِهَاد بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَلِك الْفَنّ أَو تِلْكَ الْمَسْأَلَة فَلَا يشْتَرط لَهُ ذَلِك وَجَاز لَهُ أَن يجْتَهد فِيمَا حصل شُرُوط الِاجْتِهَاد فِيهِ وَإِن لم تتوفر فِيهِ الشُّرُوط فِي غَيرهَا وَخَالف قوم فِي هَذَا وَهَذَا مَبْنِيّ على أَنه هَل يجوز تجزيء الِاجْتِهَاد أم لَا يجوز وَالْحق أَنه يتَجَزَّأ لِأَن كثيرا من أَئِمَّة السّلف الصَّحَابَة وَغَيرهم كَانُوا يسْأَلُون عَن بعض مسَائِل الْأَحْكَام فَيَقُولُونَ لَا نَدْرِي حَتَّى إِن مَالِكًا ﵁ قَالَ لَا أَدْرِي فِي سِتّ وَثَلَاثِينَ مَسْأَلَة من ثَمَانِي وَأَرْبَعين مَسْأَلَة وَقد توقف الشَّافِعِي وَأحمد بل الصَّحَابَة
стр. 331
والتابعون فِي الْفَتَاوَى كثيرا فَلَو كَانَ الِاجْتِهَاد الْمُطلق فِي جَمِيع الْأَحْكَام شرطا فِي الِاجْتِهَاد فِي كل مَسْأَلَة على حدتها لما كَانَ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة مجتهدين لكنه خلاف الْإِجْمَاع فَدلَّ على أَن ذَلِك لَا يشْتَرط وَلَا يشْتَرط عَدَالَة الْمُجْتَهد فِي اجْتِهَاده لَكِنَّهَا مشترطة فِي قبُول فتياه وَخَبره هَذَا مَا يذكرهُ عُلَمَاء الْأُصُول فِي الْمُجْتَهد الْمُطلق وَيُسمى عِنْدهم بالمجتهد المستقل ويعرفونه بِأَنَّهُ الَّذِي يسْتَقلّ بِإِدْرَاك الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة من الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة من غير تَقْلِيد وَلَا تَقْيِيد بِمذهب معِين
فصل
جعل بعض الْمُتَأَخِّرين أَقسَام الْمُجْتَهدين على خَمْسَة مَرَاتِب وَمِمَّنْ علمناه جنح إِلَى هَذَا التَّقْسِيم أَبَا عَمْرو ابْن الصّلاح وَابْن حمدَان من أَصْحَابنَا فِي كِتَابه أدب الْمُفْتِي وتلاهما شيخ الْإِسْلَام أَحْمد ابْن تَيْمِية فَإِنَّهُ نقل فِي مسودة الْأُصُول كَلَام ابْن الصّلاح وَلم يتعقبه وتتبعهم الْعَلامَة الفتوحي فِي آخر كِتَابه شرح الْمُنْتَهى الفقهي وَنحن نلخص كَلَامهم هُنَا فَنَقُول ذَهَبُوا إِلَى أَن الْمُفْتِي يَعْنِي الْمُجْتَهد يَنْقَسِم إِلَى مُسْتَقل وَغير مُسْتَقل
فالمستقل هُوَ الْمُجْتَهد الْمُطلق وَقد مر بَيَانه وَأما غير المستقل فقد كَانَ ابْن الصّلاح وَمن دهر طَوِيل طوى بِسَاط الْمُفْتِي المستقل والمجتهد الْمُطلق وأفضى أَمر الْفتيا إِلَى الْفُقَهَاء المنتسبين لأئمة الْمذَاهب المتنوعة انْتهى
وَلَا يلْزم من طي الْبسَاط عدم الْوُجُود فَإِن فضل الله لَا ينْحَصر فِي زمَان وَلَا فِي مَكَان
стр. 332
سنبينه فِيمَا بعد إِن شَاءَ الله تَعَالَى ثمَّ إِن للمفتي المنتسب إِلَى أحد الْمذَاهب أَربع أَحْوَال أَحدهَا أَن لَا يكون مُقَلدًا لإمامه لَا فِي مذْهبه وَلَا فِي دَلِيله لكنه سلك طَرِيقه فِي الِاجْتِهَاد وَالْفَتْوَى ودعا إِلَى مذْهبه وَقَرَأَ كثيرا مِنْهُ على أَهله فَوَجَدَهُ صَوَابا وَأولى من غَيره وَأَشد مُوَافقَة فِيهِ وَفِي طَرِيقه وَإِلَى هَذَا أَشَرنَا أول الْكتاب حَيْثُ بَينا لأي شَيْء اخْتَار كبار أَصْحَاب أَحْمد مذْهبه على مَذْهَب غَيره
وَيُؤْخَذ هَذَا من كَلَام ابْن الصّلاح أَيْضا فَإِنَّهُ قَالَ ذكر عَن أبي إِسْحَاق الإِسْفِرَايِينِيّ أَنه حكى عَن أَصْحَاب مَالك وَأحمد وَدَاوُد وَأكْثر أَصْحَاب أبي حنيفَة إِنَّهُم صَارُوا إِلَى مَذَاهِب أئمتهم تقليدا لَهُم
قَالَ ابْن الصّلاح وَالصَّحِيح الَّذِي ذهب إِلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ مَا ذهب إِلَيْهِ أَصْحَابنَا وَهُوَ أَنهم صَارُوا إِلَى مَذْهَب الشَّافِعِي لَا على جِهَة التَّقْلِيد لَهُ لَكِن لأَنهم وجدوا طَرِيقه فِي الِاجْتِهَاد والفتاوى أَسد الطَّرِيق
قَالَ أَبُو عَمْرو وَدَعوى انْتِفَاء التَّقْلِيد مُطلقًا من كل وَجه لَا يَسْتَقِيم إِلَّا أَن يَكُونُوا قد أحاطوا بعلوم الِاجْتِهَاد الْمُطلق وَذَلِكَ لَا يلائم الْمَعْلُوم من أَحْوَالهم أَو أَحْوَال أَكْثَرهم وَذهب بعض الْأُصُولِيِّينَ من أَصْحَابنَا إِلَى أَنه لم يُوجد بعد عصر الصَّحَابَة مُجْتَهد مُسْتَقل
وَحكى اخْتِلَافا بَين الْحَنَفِيَّة وَالشَّافِعِيَّة فِي أبي يُوسُف وَمُحَمّد والمزني وَابْن سُرَيج هَل كَانُوا مستقلين أم لَا قَالَ وَلَا تستنكر دَعْوَى ذَلِك فيهم فِي فن من فنون الْفِقْه بِنَاء على جَوَاز تجزي منصب الِاجْتِهَاد وَيبعد جَرَيَان الْخلاف فِي حق هَؤُلَاءِ المتجرين الَّذين عَم نظرهم الْأَبْوَاب كلهَا وفتوى المنتسبين فِي هَذِه الْحَال فِي حكم فَتْوَى الْمُجْتَهد المستقل الْمُطلق يعْمل بهَا ويعتد بهَا فِي الْإِجْمَاع وَالْخلاف
стр. 333
ثَانِيهَا أَن يكون مُجْتَهدا مُقَيّدا فِي مَذْهَب إِمَامه يسْتَقلّ بتقرير مذْهبه بِالدَّلِيلِ غير أَنه لَا يتَجَاوَز فِي أدلته أصُول إِمَامه وَلَا بُد أَن يكون عَالما بأصول الْفِقْه لكنه قد أخل بِبَعْض الأدوات كالحديث واللغة وَإِذا اسْتدلَّ بِدَلِيل إِمَامه لَا يبْحَث عَن معَارض لَهُ وَلَا يَسْتَوْفِي النّظر فِي شُرُوطه وَقد اتخذ نُصُوص إِمَامه أصولا يستنبط مِنْهَا كَمَا يفعل الْمُجْتَهد المستقل بنصوص الشَّارِع وَالْعَامِل بِفُتْيَا هَذَا مقلد لإمامه
قَالَ وَمثل هَذَا يتَأَدَّى بِهِ فرض الْكِفَايَة فِي الْفَتْوَى وَلَا يتَأَدَّى بِهِ فِي إحْيَاء الْعُلُوم الَّتِي مِنْهَا استمداد الْفَتْوَى لِأَنَّهُ قَائِم مقَام الْمُطلق
ثَالِثهَا أَن لَا يبلغ رُتْبَة أَئِمَّة الْمَذْهَب أَصْحَاب الْوُجُوه والطرق غير أَنه فَقِيه النَّفس حَافظ مَذْهَب إِمَامه عَارِف بأدلته قَائِم بتقريره ونصرته يصور وَيُحَرر ويمهد ويقرر ويزيف ويرجح لكنه قصر عَن دَرَجَة أُولَئِكَ إِمَّا لكَونه لَا يبلغ فِي حفظ الْمَذْهَب مبلغهم وَإِمَّا لكَونه غير متبحر فِي أصُول الْفِقْه وَنَحْوه
غير أَنه لَا يَخْلُو مثله فِي ضمن مَا يحفظه من الْفِقْه ويعرفه من أدلته عَن أَطْرَاف من قَوَاعِد أصُول الْفِقْه وَنَحْوه
وَإِمَّا لكَونه مقصرا فِي غير ذَلِك من الْعُلُوم الَّتِي هِيَ أدوات الِاجْتِهَاد الْحَاصِلَة لأَصْحَاب الِاجْتِهَاد بالوجوه والطرق قَالَ ابْن الصّلاح وَهَذِه هِيَ مرتبَة المصنفين إِلَى أَوَاخِر الْمِائَة الْخَامِسَة وَقد قصروا عَن الْأَوَّلين فِي تمهيد الْمَذْهَب وَأما فِي الْفَتْوَى فبسطوا بسط أُولَئِكَ وقاسوا على الْمَنْقُول والمسطور غير مقصرين على الْقيَاس الْجَلِيّ وإلغاء الْفَارِق
رَابِعهَا أَن يحفظ الْمَذْهَب ويفهمه فِي واضحات الْمسَائِل ومشكلاتها غير أَنه مقصر فِي تَقْرِير أدلته فَهَذَا يعْتَمد نَقله وفتواه فِي
стр. 334
نُصُوص إِمَامه وتفريعات أَصْحَابه الْمُجْتَهدين فِي مذْهبه وَمَا لم يجده مَنْقُولًا فَإِن وجد فِي الْمَنْقُول مَا يعلم أَنه مثله من غير فضل فكر وَتَأمل أَنه لَا فَارق بَينهمَا كَمَا فِي الْأمة بِالنِّسْبَةِ إِلَى العَبْد الْمَنْصُوص عَلَيْهِ فِي إِعْتَاق الشَّرِيك جَازَ لَهُ إِلْحَاقه بِهِ وَالْفَتْوَى بِهِ وَكَذَلِكَ مَا يعلم اندراجه تَحت ضَابِط مَنْقُول ممهد فِي الْمَذْهَب فَإِنَّهُ يجوز لَهُ إِلْحَاقه بِهِ وَالْفَتْوَى بِهِ وَمَا لم يكن كَذَلِك فَعَلَيهِ الْإِمْسَاك عَن الْفَتْوَى بِهِ قَالَ ابْن الصّلاح ويندر عدم ذَلِك
كَمَا قَالَ أَبُو الْمَعَالِي يبعد أَن تقع وَاقعَة لم ينص على حكمهَا فِي الْمَذْهَب وَلَا هِيَ فِي معنى شَيْء من الْمَنْصُوص فِيهِ من غير فرق وَلَا هِيَ مندرجة تَحت شَيْء من ضوابطه وَلَا بُد فِي صَاحب هَذِه الْمرتبَة أَن يكون فَقِيه النَّفس لِأَن تصور الْمسَائِل على وَجههَا وَنقل أَحْكَامهَا لَا يقوم بِهِ إِلَّا فَقِيه النَّفس
قَالَ ابْن حمدَان ويكفيه أَن يستحضر أَكثر الْمذَاهب مَعَ قدرته على مطالعة بَقِيَّته انْتهى
قَالَ ابْن الصّلاح وَلَا تجوز الْفَتْوَى لغير هَؤُلَاءِ الْأَصْنَاف الْخَمْسَة يَعْنِي الْمُجْتَهد الْمُطلق والطبقات الْأَرْبَع بعده كَمَا قطع بِهِ أَبُو الْمَعَالِي فِي الأصولي الماهر الْمُتَصَرف فِي الْفِقْه أَنه يجب عَلَيْهِ الاستفتاء
قَالَ ابْن الصّلاح وَكَذَا الْمُتَصَرف النظار البحاث فِي الْفِقْه هَذَا كَلَامه وَكَلَام غَيره فِي طَبَقَات الْفُقَهَاء
ثمَّ اعْلَم أَن هَهُنَا مسَائِل يوردها الأصوليون فِي هَذَا الْمقَام
الأولى يجوز التَّعَبُّد بِالِاجْتِهَادِ فِي زمن النَّبِي ﷺ للْغَائِب عَنهُ وللحاضر بِإِذْنِهِ وبدونه
الثَّانِيَة يجوز أَن يكون ﵇ متعبدا بِالِاجْتِهَادِ فِيمَا لَا نَص فِيهِ
стр. 335
الثَّالِثَة قَالَ أَصْحَابنَا الْحق فِي قَول وَاحِد من الْمُجْتَهدين معِين فِي فروع الدّين وأصوله وَمن عداهُ مخطىء ثمَّ إِن كَانَ خطأ المخطىء فِي فروع الدّين وَلَيْسَ هُنَاكَ دَلِيل قَاطع عَلَيْهِ فَهُوَ مَعْذُور فِي خطئه مثاب على اجْتِهَاده وَهُوَ قَول بعض الْحَنَفِيَّة وَالشَّافِعِيَّة نعم إِذا كَانَت الْمَسْأَلَة فقهية ظنية فَإِن كَانَ فِيهَا نَص وَقصر الْمُجْتَهد فِي طلبه فَهُوَ مخطىء آثم وَإِن لم يكن فِيهَا نَص أَو كَانَ فِيهَا نَص وَلم يقصر فِي طلبه انْتَفَى عَنهُ الْإِثْم وَهَذِه الْمَسْأَلَة تعرف بِمَسْأَلَة تصويب الْمُجْتَهد وَالْكَلَام فِيهَا كثير وَالْحق مَا ذَكرْنَاهُ لقَوْله تَعَالَى ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ الْأَنْبِيَاء ٧٩ وَلَوْلَا أَن الْحق فِي جِهَة بِعَينهَا لما خص سُلَيْمَان بالتفهيم إِذْ كَانَ يكون تَرْجِيحا بِلَا مُرَجّح وَلَوْلَا سُقُوط الْإِثْم عَن المخطىء لما مدح دَاوُد بقوله ﴿وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾ الْأَنْبِيَاء ٧٩ لِأَن المخطىء لَا يمدح فَدلَّ على أَن الْحق فِي قَول مُجْتَهد معِين وَأَن المخطىء فِي الْفُرُوع غير آثم وَلِلْحَدِيثِ الثَّابِت فِي الصَّحِيح من طرق أَن الْحَاكِم إِذا اجْتهد فَأصَاب فَلهُ أَجْرَانِ وَإِن اجْتهد فَأَخْطَأَ فَلهُ أجر
الرَّابِعَة إِذا تعَارض دليلان عِنْد الْمُجْتَهد وَلم يتَرَجَّح أَحدهمَا لزمَه التَّوَقُّف حَتَّى يظْهر الْمُرَجح
الْخَامِسَة لَيْسَ للمجتهد أَن يَقُول فِي مَسْأَلَة قَوْلَيْنِ فِي وَقت وَاحِد عِنْد الْجُمْهُور وَقد فعله الشَّافِعِي فِي مَوَاضِع
стр. 336
مِنْهَا قَوْله فِي المسترسل من اللِّحْيَة قَولَانِ وجوب الْغسْل وَعَدَمه وَنقل الْآمِدِيّ وَغَيره إِن ذَلِك وَقع مِنْهُ فِي سبع عشرَة مَسْأَلَة
قَالَ الطوفي قلت وَوَقع ذَلِك من أَحْمد ﵁ قَالَ أَبُو بكر فِي زَاد الْمُسَافِر قَالَ يَعْنِي أَحْمد فِي رِوَايَة أبي الْحَارِث إِذا أخرت الْمَرْأَة الصَّلَاة إِلَى آخر وَقتهَا فَحَاضَت قبل خُرُوج الْوَقْت فَفِيهِ قَولَانِ أحد الْقَوْلَيْنِ لَا قَضَاء عَلَيْهَا لِأَن لَهَا أَن تُؤخر إِلَى آخر الْوَقْت وَالْقَوْل الآخر إِن الصَّلَاة قد وَجَبت عَلَيْهَا بِدُخُول الْوَقْت فعلَيْهَا الْقَضَاء وَهُوَ أعجب الْقَوْلَيْنِ إِلَيّ انْتهى
قَالَ عبد الْعَزِيز وَبِهَذَا أَقُول انْتهى كَلَام الطوفي قلت مَا ذكره لَيْسَ منافيا للقاعدة لِأَن مَعْنَاهُ لَيْسَ للمجتهد أَن يَقُول فِي مَسْأَلَة وَاحِدَة قَوْلَيْنِ فِي وَقت وَاحِد ويطلقهما بِلَا تَرْجِيح أَحدهمَا على الآخر أما لَو قَالَ قَوْلَيْنِ كل مِنْهُمَا لَهُ دَلِيل قوي ثمَّ رجح أَحدهمَا على الآخر كَمَا فعل الإِمَام أَحْمد
فَقَالَ وَهُوَ أعجب الْقَوْلَيْنِ إِلَيّ فَذَلِك مِمَّا تَقْتَضِيه صناعَة الِاجْتِهَاد ويقبله الْفَهم الثاقب وَالْعقل السَّلِيم فَإِن قَالَ الْمُجْتَهد قَوْلَيْنِ فِي وَقْتَيْنِ وَجَهل أسبقهما فمذهبه أقربهما من الْأَدِلَّة أَو أقربهما من قَوَاعِده عِنْد الْأَصْحَاب وَفِي الرَّوْضَة أَيْضا هما كخبرين تَعَارضا وَمنع الْآمِدِيّ من الْعَمَل بِأَحَدِهِمَا وَإِن علم أسبقهما فَالثَّانِي مذْهبه وَهُوَ نَاسخ عِنْد الْأَكْثَر
وَقَالَ ابْن حَامِد مَذْهَب الأول مَا لم يُصَرح بِالرُّجُوعِ عَنهُ
وَقيل مذْهبه الأول وَلَو رَجَعَ عَنهُ
قَالَ الْمجد ابْن تَيْمِية هُوَ مُقْتَضى كَلَامهم انْتهى وَالْمُخْتَار الأول
стр. 337
تَنْبِيه
هَا هُنَا مَسْأَلَة مهمة يَنْبَغِي التَّنْبِيه عَلَيْهَا وَهِي وَإِن كَانَت مَعْلُومَة إِجْمَالا مِمَّا سبق أَوَائِل الْكتاب لَكِن كَانَ لَهَا من مزِيد الْفَائِدَة مَا يَنْبَغِي الِالْتِفَات إِلَيْهِ
يُقَال فِيهَا المكرر أحلى وخصوصا تعلق المهم لموضوع كتَابنَا يُشِير إِلَى بَيَانهَا وَمَا هِيَ إِلَّا أَن الْعَلامَة نجم الدّين الطوفي قَالَ فِي شَرحه مُخْتَصر الرَّوْضَة الْأُصُولِيَّة إِن قيل إِذا كَانَ القَوْل الْقَدِيم المرجوع عَنهُ لَا يعد من الشَّرِيعَة بعد الرُّجُوع عَنهُ فَمَا الْفَائِدَة فِي تدوين الْفُقَهَاء للأقوال الْقَدِيمَة عَن أئمتهم حَتَّى رُبمَا نقل عَن أحدهم فِي الْمَسْأَلَة الْوَاحِدَة الْقَوْلَانِ وَالثَّلَاثَة كثيرا وَالْأَرْبَعَة كَمَا فِي مَسْأَلَة الدَّاخِل وَالْخَارِج عَن أَحْمد والستة كَمَا فِي مَسْأَلَة مَتْرُوك التَّسْمِيَة عَنهُ وَنقل عَنهُ أَكثر من ذَلِك
قيل وَكَانَ الْقيَاس أَن لَا تدون تِلْكَ الْأَقْوَال وَهُوَ أقرب إِلَى ضبط الشَّرْع إِذْ مَا لَا عمل عَلَيْهِ لَا حَاجَة إِلَيْهِ فتدوينه تَعب مَحْض لَكِنَّهَا دونت لفائدة أُخْرَى وَهِي التَّنْبِيه على مدارك الْأَحْكَام وَاخْتِلَاف القرائح والآراء وَأَن تِلْكَ الْأَقْوَال قد أدّى إِلَيْهَا اجْتِهَاد الْمُجْتَهدين فِي وَقت من الْأَوْقَات وَذَلِكَ مُؤثر فِي تقريب الترقي إِلَى رُتْبَة الِاجْتِهَاد الْمُطلق أَو الْمُقَيد فَإِن الْمُتَأَخر إِذا نظر إِلَى مَأْخَذ الْمُتَقَدِّمين نظر فِيهَا وقابل بَينهَا فاستخرج مِنْهَا فَوَائِد وَرُبمَا ظهر لَهُ من مجموعها تَرْجِيح بَعْضهَا وَذَلِكَ من المطالب المهمة فَهَذِهِ فَائِدَة تدوين الْأَقْوَال الْقَدِيمَة عَن الْأَئِمَّة وَهِي عَامَّة وَثمّ فَائِدَة خَاصَّة بِمذهب أَحْمد وَمَا كَانَ مثله وَذَلِكَ أَن بعض الْأَئِمَّة كالشافعي وَنَحْوه نصوا على الصَّحِيح من مَذْهَبهم إِذْ الْعَمَل من مَذْهَب الشَّافِعِي على القَوْل الْجَدِيد وَهُوَ الَّذِي قَالَه بِمصْر وصنف فِيهِ الْكتب كالأم وَنَحْوه
وَيُقَال إِنَّه لم يبْق من
стр. 338
مذْهبه شَيْء لم ينص على الصَّحِيح مِنْهُ إِلَّا سبع عشرَة مَسْأَلَة تَعَارَضَت فِيهَا الْأَدِلَّة واخترم قبل أَن يُحَقّق النّظر بِخِلَاف الإِمَام أَحْمد وَنَحْوه فَإِنَّهُ كَانَ لَا يرى تدوين الرَّأْي بل همه الحَدِيث وَجمعه وَمَا يتَعَلَّق بِهِ وَإِنَّمَا نقل الْمَنْصُوص عَنهُ أَصْحَابه تلقيا مِمَّن فِيهِ من أجوبته فِي سؤالاته وفتاويه فَكل من روى مِنْهُم عَنهُ شَيْئا دونه وَعرف بِهِ كمسائل أبي دَاوُد وَحرب الْكرْمَانِي ومسائل حَنْبَل وابنيه صَالح وَعبد الله وَإِسْحَاق بن مَنْصُور والمروزي وَغَيرهم مِمَّن ذكرهم أَبُو بكر فِي أول زَاد الْمُسَافِر وهم كثير وَرُوِيَ عَنهُ أَكثر مِنْهُم ثمَّ انتدب لجمع ذَلِك أَبُو بكر الْخلال فِي جَامعه الْكَبِير ثمَّ تِلْمِيذه أَبُو بكر فِي زَاد الْمُسَافِر فحوى الكتابان علما جما من علم الإِمَام أَحْمد ﵁ من غير أَن يعلم مِنْهُ فِي آخر حَيَاته الْأَخْبَار بِصَحِيح مذْهبه فِي تِلْكَ الْفُرُوع غير أَن الْخلال يَقُول فِي بعض الْمسَائِل هَذَا قَول قديم لِأَحْمَد رَجَعَ عَنهُ لَكِن ذَلِك يسير بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا لم يعلم حَاله مِنْهَا وَنحن لَا يَصح لنا أَن نجزم بِمذهب إِمَام حَتَّى نعلم أَنه آخر مَا دونه من تصانيفه وَمَات عَنهُ أَو أَنه نَص عَلَيْهِ سَاعَة مَوته وَلَا سَبِيل لنا إِلَى ذَلِك فِي مَذْهَب أَحْمد والتصحيح الَّذِي فِيهِ إِنَّمَا هُوَ من اجْتِهَاد أَصْحَابه بعده كَابْن حَامِد وَالْقَاضِي وَأَصْحَابه وَمن الْمُتَأَخِّرين الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد الْمَقْدِسِي رَحْمَة الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ لَكِن هَؤُلَاءِ بالغين مَا بلغُوا لَا يحصل الوثوق من تصحيحهم لمَذْهَب أَحْمد كَمَا يحصل من تَصْحِيحه هُوَ لمذهبه قطعا فَمن فرضناه جَاءَ بعد هَؤُلَاءِ وَبلغ من الْعلم درجتهم أَو قاربهم جَازَ لَهُ أَن يتَصَرَّف فِي الْأَقْوَال المنقولة عَن صَاحب الْمَذْهَب كتصرفهم ويصحح مِنْهَا مَا أدّى اجْتِهَاده إِلَيْهِ وافقهم أَو خالفهم وَعمل بذلك وَأفْتى وَفِي عصرنا من هَذَا الْقَبِيل شَيخنَا الإِمَام الْعَالم الْعَلامَة تَقِيّ الدّين أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن
стр. 339
تَيْمِية الْحَرَّانِي حرسه الله تَعَالَى فَإِنَّهُ لَا يتوفق فِي الْفتيا على مَا صَححهُ الْأَصْحَاب من الْمَذْهَب بل يعْمل ويفتي بِمَا قَامَ عَلَيْهِ الدَّلِيل عِنْده فَتكون هَذِه فَائِدَة خَاصَّة بِمذهب أَحْمد وَمَا كَانَ مثله لتدوين نصوصه ونقلها وَالله تَعَالَى أعلم بِالصَّوَابِ هَذَا كَلَام الطوفي نَقَلْنَاهُ برمتِهِ لنفاسته
السَّادِسَة يجوز للعامي تَقْلِيد الْمُجْتَهد بالِاتِّفَاقِ وَلَا يجوز ذَلِك لمجتهد اجْتهد وَغلب على ظَنّه أَن الحكم كَذَا بالِاتِّفَاقِ أَيْضا أما من لم يجْتَهد فِي الحكم بعد وَهُوَ مُتَمَكن من مَعْرفَته بِنَفسِهِ بِالْقُوَّةِ الْقَرِيبَة من الْفِعْل لكَونه أَهلا للِاجْتِهَاد فَلَا يجوز لَهُ تَقْلِيد غَيره أَيْضا مُطلقًا لَا لأعْلم مِنْهُ وَلَا لغيره لَا من الصَّحَابَة ﵃ وَلَا لغَيرهم لَا للفتيا وَلَا للْعَمَل لَا مَعَ ضيق الْوَقْت وَلَا مَعَ سعته هَذَا مَا اقْتَضَاهُ مَسْلَك الْمُحَقِّقين من الْأُصُولِيِّينَ
وَقيل يجوز لَهُ التَّقْلِيد مَعَ ضيق الْوَقْت
وَقيل يجوز لَهُ ليعْمَل لَا ليفتي وَقيل لمن هُوَ أعلم مِنْهُ من الصَّحَابَة وَالْمُخْتَار مَا قدمْنَاهُ نعم لَهُ أَن ينْقل
وَقيل مَذْهَب غَيره للمستفتي وَلَا يُفْتِي هُوَ بتقليد أحد
السَّابِعَة إِذا نَص الْمُجْتَهد على حكم فِي مَسْأَلَة لعِلَّة بَينهَا فمذهبه فِي كل مَسْأَلَة وجدت فِيهَا تِلْكَ الْعلَّة كمذهبه فِي الْمَسْأَلَة الْمَنْصُوص عَلَيْهَا لِأَن الحكم يتبع الْعلَّة فيوجد حَيْثُ وجدت وَإِن لم يبين الْعلَّة فَلَا يحكم بِحكم تِلْكَ الْمَسْأَلَة فِي غَيرهَا من الْمسَائِل وَإِن شبهتها وَلَو نَص فِي مَسْأَلَتَيْنِ مشتبهتين على حكمين مُخْتَلفين لم يجز أَن يَجْعَل فيهمَا رِوَايَتَانِ بِالنَّقْلِ والتخريج كَمَا لَو سكت عَن إِحْدَاهمَا وَأولى وَالْأولَى جَوَاز ذَلِك بعد الْجد والبحث فِيهِ من أَهله إِذْ خَفَاء الْفرق مَعَ ذَلِك وَإِن دق مُمْتَنع عَادَة
стр. 340
وَقد وَقع النَّقْل والتخريج فِي مَذْهَبنَا فَقَالَ فِي الْمُحَرر من كتب أَصْحَابنَا وَمن لم يجد إِلَّا ثَوابًا نجسا صلى فِيهِ وَأعَاد نَص عَلَيْهِ وَنَصّ فِيمَن حبس فِي مَوضِع نجس فصلى أَنه لَا يُعِيد فيتخرج فيهمَا رِوَايَتَانِ وَذَلِكَ لِأَن طَهَارَة الثَّوْب وَالْبدن كِلَاهُمَا شَرط فِي الصَّلَاة وَهَذَا وَجه الشّبَه بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ وَقد نَص فِي الثَّوْب النَّجس أَنه يُعِيد فينقل حكمه إِلَى الْمَكَان وَيتَخَرَّج فِيهِ مثله وَنَصّ فِي الْموضع النَّجس على أَنه لَا يُعِيد فينقل إِلَى الثَّوَاب النَّجس فيتخرج فِيهِ مثله فَلَا جرم صَار فِي كل وَاحِدَة من الْمَسْأَلَتَيْنِ رِوَايَتَانِ إِحْدَاهمَا بِالنَّصِّ وَالْأُخْرَى بِالنَّقْلِ وَذكر مثل ذَلِك فِي الْوَصَايَا وَالْقَذْف وَمثل مَا حكيناه عَن مَذْهَبنَا من النَّقْل والتخريج وَقع كثيرا فِي مَذْهَب الشَّافِعِي وَإِذا نَص على حكمين مُخْتَلفين فِي مَسْأَلَة فمذهبه آخرهما أَن علم التَّارِيخ وَإِلَّا فأشبههما بأصوله وقواعد مذْهبه وأقربهما إِلَى الدَّلِيل الشَّرْعِيّ
تَتِمَّة الْفرق بَين النَّقْل والتخريج أَن النَّقْل يكون من نَص الإِمَام بِأَن ينْقل عَن مَحل إِلَى غَيره بالجامع الْمُشْتَرك والتخريج يكون من قَوَاعِده الْكُلية فَهُوَ أَعم من النَّقْل لِأَنَّهُ يكون من الْقَوَاعِد الْكُلية للْإِمَام أَو الشَّرْع أَو الْعقل لِأَن حَاصله أَنه بِنَاء فرع على أصل بِجَامِع مُشْتَرك كتخريجنا على قَاعِدَة تَفْرِيق الصَّفْقَة فروعا كَثِيرَة وعَلى قَاعِدَة تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق أَيْضا فروعا كَثِيرَة فِي أصُول الْفِقْه وفروعه وَأما النَّقْل والتخريج مَعًا فَهُوَ مُخْتَصّ بنصوص الإِمَام
الثَّامِنَة لَا ينْقض حكم حَاكم فِي مَسْأَلَة اجتهادية عِنْد الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَمن وافقهم وَهُوَ معنى قَول الْفُقَهَاء فِي الْفُرُوع لَا ينْقض
стр. 341
الِاجْتِهَاد بِالِاجْتِهَادِ وَهَذَا مَبْنِيّ على أَن الْحق مُتَعَدد وينقض بِنَاء على أَن الْمُصِيب وَاحِد وينقض أَيْضا بمخالفة نَص كتاب أَو سنة وَلَو كَانَ نَص السّنة آحادا وَخَالف القَاضِي أَبُو يعلى فِي الْآحَاد وينقض أَيْضا بمخالفته إِجْمَاعًا قَطْعِيا لَا ظنيا فِي الْأَصَح وَلَا ينْقض بمخالفته الْقيَاس سَوَاء كَانَ جليا أَو خفِيا خلافًا لمَالِك وَالشَّافِعِيّ وَابْن حمدَان فِي الْجَلِيّ وَزَاد مَالك ينْقض بمخالفة الْقَوَاعِد الشَّرْعِيَّة وَلَا يعْتَبر لنقضه طلب صَاحب الْحق على الصَّحِيح من الْمَذْهَب
وَقَالَ القَاضِي فِي الْمُجَرّد والموفق فِي الْمُغنِي وَالشَّارِح وَابْن زرين لَا ينْقض إِلَّا بمطالبة صَاحبه وَقَالَ دَاوُد وَأَبُو ثَوْر ينْقض مَا بَان خطأ قلت وَهَذَا هُوَ الْحق الَّذِي لَا محيد عَنهُ
وَجوز ابْن الْقَاسِم نقض اجْتِهَاد تبين أَن غَيره أصوب مِنْهُ وَحكم الْحَاكِم بِخِلَاف اجْتِهَاده بَاطِل وَلَو قلد غَيره فِي الحكم عِنْد الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَمن وافقهم
وَقَالَ فِي الْإِرْشَاد لَا يبطل حكمه وَلكنه يَأْثَم وَمن قضى بِرَأْي يُخَالف رَأْيه نَاسِيا لَهُ نفذ حكمه وَلَا إِثْم عَلَيْهِ وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حنيفَة وَقَالَ أَبُو يُوسُف والمالكية وَالشَّافِعِيَّة يرجع عَنهُ وينقضه وَنقل أَبُو طَالب عَن الإِمَام أَحْمد إِذا أَخطَأ بِلَا تَأْوِيل فليرده وَيطْلب صَاحبه فَيَقْضِي بِحَق وَإِن حكم مقلد بِحكم بِخِلَاف مَا قَالَه إِمَامه فعلى قَول من يرى صِحَة حكم الْمُقَلّد يَصح حكمه وعَلى قَول من يرى أَن الْمُقَلّد لَا يجوز لَهُ تَقْلِيد غير إِمَامه لم يَصح حكمه صرح بِهَذَا الْآمِدِيّ وَابْن حمدَان وَقَالَ ابْن حمدَان أَيْضا مُخَالفَة الْمُفْتِي نَص إِمَامه كمخالفة نَص الشَّارِع
стр. 342
وَقَالَ ابْن هُبَيْرَة عمله بقول إِلَّا الْأَكْثَر أولى وَلَو اجْتهد فَتزَوج بِلَا ولي ثمَّ تغير اجْتِهَاده حرمت عَلَيْهِ امْرَأَته فِي الْأَصَح وَقَالَ القَاضِي والموفق وَابْن حمدَان والطوفي والآمدي تحرم عَلَيْهِ إِن لم يكن حكم بِصِحَّة النِّكَاح حَاكم أما الْمُقَلّد فَقَالَ أَبُو الْخطاب والموفق والطوفي لَا تحرم عَلَيْهِ تغير اجْتِهَاد من قَلّدهُ وَقَالَ الشَّافِعِيَّة وَابْن حمدَان تحرم
قَالَ المرداوي فِي التَّحْرِير وَهُوَ مُتَّجه كالتقليد فِي الْقبْلَة وَإِذا لم يعْمل الْمُقَلّد بفتوى من قَلّدهُ حَتَّى تغير اجْتِهَاده مفتية لزم الْمُفْتِي إِعْلَام الْمُقَلّد لَهُ فَلَو مَاتَ الْمُفْتِي قبل إِعْلَام الْعَاميّ بِتَغَيُّر اجْتِهَاده اسْتمرّ على مَا أفتى بِهِ فِي الْأَصَح قَالَ فِي شرح التَّحْرِير وَهُوَ الْمُعْتَمد
وَقيل يمْتَنع
وَاعْلَم أَن الْأُصُولِيِّينَ اخْتلفُوا فِي تَقْلِيد الْعَاميّ لمجتهد ميت فَقَالَ جُمْهُور الْعلمَاء لَا فرق بَين تَقْلِيد الْمَيِّت وتقليد الْحَيّ لِأَن قَوْله بَاقٍ فِي الْإِجْمَاع وَلذَلِك قَالَ الشَّافِعِي الْمذَاهب لَا تَمُوت بِمَوْت أَرْبَابهَا
وَقيل لَيْسَ للعامي تَقْلِيد الْمَيِّت إِن وجد مُجْتَهدا حَيا وَإِلَّا جَازَ
وَقيل لَا يجوز تَقْلِيد الْمَيِّت مُطلقًا
قَالَ الفتوحي فِي شرح مُخْتَصر التَّحْرِير وَهُوَ وَجه لَهَا وللشافعية وَمن بلغ رُتْبَة الِاجْتِهَاد حرم عَلَيْهِ تَقْلِيد غَيره اتِّفَاقًا سَوَاء اجْتهد أَو لم يجْتَهد وَإِلَيْهِ ذهب أَحْمد وَمَالك وَالشَّافِعِيّ
وَلأبي حنيفَة رِوَايَتَانِ
وَقيل يجوز تَقْلِيده إِن لم يجْتَهد مُطلقًا
قَالَ أَبُو الْفرج وَحكى عَن أَحْمد وَإِسْحَاق وَالثَّوْري وللمجتهد أَن يجْتَهد ويدع غَيره والتوقف من الْمُجْتَهد فِي مَسْأَلَة نحوية أَو فِي حَدِيث بِحَيْثُ يحْتَاج إِلَى مُرَاجعَة أهل النَّحْو أَو أهل الحَدِيث يَجعله فِي رُتْبَة الْعَاميّ فِيمَا توقف
стр. 343
فِيهِ عِنْد أبي الْخطاب والموفق والآمدي وَغَيرهم والعامي يلْزمه التَّقْلِيد مُطلقًا
التَّاسِعَة هَل يجوز خلو الْعَصْر عَن الْمُجْتَهدين أَو لَا ذهب أَصْحَابنَا إِلَى أَنه لَا يجوز خلو الْعَصْر عَن مُجْتَهد وَإِلَى ذَلِك ذهب طوائف وَلم يذكر ابْن عقيل خلاف هَذَا إِلَّا عَن بعض الْمُحدثين وَاخْتَارَهُ القَاضِي عبد الْوَهَّاب الْمَالِكِي وَجمع من الْمَالِكِيَّة وَمن غَيرهم وَصرح بِهِ ابْن بطال فِي شرح البُخَارِيّ وَاخْتَارَهُ ابْن دَقِيق الْعِيد فِي شرح العنوان وَقَالَ ابْن حمدَان من أَصْحَابنَا وَمن زمن طَوِيل عدم الْمُجْتَهد الْمُطلق مَعَ أَنه الْآن أيسر مِنْهُ فِي الزَّمن الأول وَأطَال فِي بَيَان أَنه متيسر الْآن
وَحكى مثله النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب
وَقَالَ الرَّافِعِيّ النَّاس الْيَوْم كالمجمعين على أَنه لَا مُجْتَهد الْيَوْم وَنقل ابْن مُفْلِح كِلَاهُمَا ثمَّ ذيله بقوله وَفِيه نظر قَالَ فِي شرح التَّحْرِير وَهُوَ كَمَا قَالَ فَإِنَّهُ وجد من الْمُجْتَهدين بعد ذَلِك جمَاعَة مِنْهُم الشَّيْخ تَقِيّ الدّين ابْن تَيْمِية انْتهى
وَقد أَطَالَ عُلَمَاء النَّفس فِي هَذَا الْمَوْضُوع وَأورد كل من الْفَرِيقَيْنِ حجَجًا وأدلة وَكَأن الْقَائِلين بِجَوَاز خلو عصر عَن مُجْتَهد قاسوا جَمِيع عُلَمَاء الْأمة على أنفسهم وخيلوا لَهَا أَنه لَا أحد يبلغ أَكثر من مبلغهم وَمن الْعلم ثمَّ رازوا أنفسهم فوجودها سَاقِطَة فِي الدَّرك الْأَسْفَل من التَّقْلِيد فمنعوا فضل الله تَعَالَى وَقَالُوا لَا يُمكن وجود مُجْتَهد فِي عصرنا أَلْبَتَّة بل غلا أَكْثَرهم فَقَالَ لَا مُجْتَهد بعد الأربعمائة من الْهِجْرَة وينحل كَلَامهم هَذَا إِلَى أَن فضل الله تَعَالَى كَانَ
стр. 344
مدرارا على أهل العصور الْأَرْبَعَة ثمَّ إِنَّه نضب فَلم يبْق مِنْهُ قَطْرَة تنزل على الْمُتَأَخِّرين مَعَ أَن فضل الله تَعَالَى لَا ينضب وعطاؤه ومدده لَا يقفان عِنْد الْحَد الَّذِي حَده أُولَئِكَ
فبعيشك قل لي هَل وزن الْقَائِل بِانْقِطَاع الِاجْتِهَاد على جَمِيع عُلَمَاء عصره فِي جَمِيع الأقطار حَتَّى علم أَن وَاحِدًا مِنْهُم لم يبلغ دَرَجَة الِاجْتِهَاد ثمَّ حكم بِهَذَا الحكم الْجَائِز على أَنه رُبمَا خَفِي عَلَيْهِ علم كثير من عُلَمَاء بَلَده بل رُبمَا لم يعرفهُمْ وَمَا أَتَى هَذَا الغبي إِلَّا من دَاء الجمود الْمُوجب للخلود فِي حضيض الْجَهْل الْمركب أَلا يرى هَذَا أَن الْأَئِمَّة الْمُتَقَدِّمين كَانَ الْوَاحِد مِنْهُم يجوب أقطار الأَرْض لكتابة الحَدِيث وَأَخذه عَن أئمته حَتَّى ليستنزف مَا عِنْد غَيره ثمَّ قَامَ الجهابذة النقاد فدونوا الحَدِيث ودونوا فنونه ونقحوها وهذبوها وَوَضَعُوا كتب أَسمَاء الرِّجَال وبينوا الصَّحِيح من غَيره وسهلوا تنَاول البغية وَالْمَطْلُوب أَيّمَا تسهيل بِحَيْثُ تيَسّر لمن بعدهمْ قطوف ثمراته الدانية واستطلاع شموس فَوَائده من بروجها وهم قَارون فِي بلدانهم مستريحون فِي بُيُوتهم لَا يَحْتَاجُونَ إِلَّا إِلَى المطالعة والتنقيب ثمَّ إِن من تقدم كَانُوا يتعبون فِي نسخ كتب الحَدِيث وَغَيرهَا ويبذلون الْأَمْوَال فِي طلبَهَا حَتَّى أنشئت المطابع فأغنتهم عَن تَعب النّسخ والتجول للتفتيش على الْكتب وَلم يزل انتشار كتب الْعلم فِي ازدياد فَلم يبْق لصَاحب الهمة فَقِيه النَّفس عذر يعْتَذر بِهِ فيالله الْعجب مِمَّن يتحكم على الله وَيحكم على فَضله بِمَا تزينه لَهُ
стр. 345
نَفسه على أننا نقُول لمن قطع بخلو الْعَصْر من مُجْتَهد أَن هَذِه الْمَسْأَلَة الَّتِي حكمت بهَا اجتهادية مَحْضَة فَإِن كَانَ الحكم مِنْك عَلَيْهَا بِاجْتِهَاد مِنْك فقد أكذبت نَفسك حَيْثُ اجتهدت أَن لَا اجْتِهَاد وَأمسى كلامك سَاقِطا وَإِن كنت حكمت بذلك تقليدا لغيرك قُلْنَا لَك الْمُقَلّد لَا يجوز لَهُ أَن يحكم بِشَيْء مُقَلدًا لمن غلط بِاجْتِهَادِهِ وَذَلِكَ أَن الَّذِي قلدته إِمَّا أَن يكون مُجْتَهدا فنعيد عَلَيْهِ الكرة بالاحتجاج السَّابِق وَإِن كَانَ مُقَلدًا خاطبناه بِمَا خاطبناك بِهِ ثمَّ ينْقل الْكَلَام إِلَى الثَّانِي وَالثَّالِث وَمَا قبلهمَا فيتسلسل الْأَمر أَو يَدُور والدور والتسلسل باطلان وقصارى أَمر هَؤُلَاءِ المعاندين أَنهم سوفسطائية يُنكرُونَ الْحَقَائِق إِمَّا جهلا مركبا وَإِمَّا كبرا وعنادا فَلِذَا يجب ترك المشاغبة مَعَهم وَيُقَال لَا يجوز خلو عصر عَن مُجْتَهد رَضِيتُمْ أم سخطتم فدعوا العناد وخوضوا بَحر الجمود إِلَى يَوْم الدّين
فصل
وَأما التَّقْلِيد فَهُوَ فِي اللُّغَة جعل شَيْء فِي عنق الدَّابَّة وَغَيره محيطا قَالَ فِي النِّهَايَة فِي حَدِيث قلدوا الْخَيل وَلَا تقلدوها الأوتار أَي لَا تجْعَلُوا فِي أعناقها الأوتار فتختنق لِأَن الْخَيل رُبمَا رعت الْأَشْجَار فنشبت الأوتار بِبَعْض شعبها فخنقتها
وَشرعا قبُول قَول الْغَيْر من غير حجَّة اسْتِعَارَة من الْمَعْنى
стр. 346
اللّغَوِيّ كَأَن الْمُقَلّد يطوق الْمُجْتَهد إِثْم مَا غشه بِهِ فِي دينه وكتمه عَنهُ من علمه وَهَهُنَا مسَائِل أَولهَا لَيْسَ قبُول قَول النَّبِي ﷺ تقليدا لِأَنَّهُ هُوَ حجَّة فِي نَفسه وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين ابْن تَيْمِية فِي المسودة التَّقْلِيد قبُول قَول الْغَيْر بِغَيْر دَلِيل فَلَيْسَ الْمصير إِلَى الْإِجْمَاع تقليدا لِأَن الْإِجْمَاع دَلِيل وَلذَلِك يقبل قَول النَّبِي ﷺ وَلَا يُقَال هُوَ تَقْلِيد بِخِلَاف فتيا الْفَقِيه وَذكر فِي ضمن مَسْأَلَة التَّقْلِيد أَن الرُّجُوع إِلَى قَول الصَّحَابَة لَيْسَ بتقليد لِأَنَّهُ حجَّة وَقَالَ أَيْضا لما جَازَ تَقْلِيد الصَّحَابَة لزمَه ذَلِك وَلم يجز لَهُ مُخَالفَته بِخِلَاف الأعلم وَقد قَالَ أَحْمد فِي رِوَايَة أبي الْحَارِث من قلد الْخَبَر رَجَوْت أَن يسلم إِن شَاءَ الله فقد أطلق التَّقْلِيد على من صَار إِلَى الْخَبَر وَإِن كَانَ حجَّة فِي نَفسه
ثَانِيهَا يحرم التَّقْلِيد فِي معرفَة الله تَعَالَى والتوحيد والرسالة عِنْد الإِمَام أَحْمد وَأَصْحَابه وَهُوَ الْحق وَيحرم أَيْضا فِي أَرْكَان الْإِسْلَام الْخمس وَنَحْوهَا مِمَّا تَوَاتر واشتهر وَحكى ذَلِك إِجْمَاعًا وَأما التَّقْلِيد فِي الْفُرُوع فَهُوَ جَائِز إِجْمَاعًا لغير الْمُجْتَهد
ثَالِثهَا إِن الْعَاميّ وَهُوَ الَّذِي لَيْسَ بمجتهد عَلَيْهِ أَن يسْأَل الْعَالم وَحِينَئِذٍ لَا يَخْلُو حَاله من أَنه إِمَّا أَن يعلم أَو يظنّ أَن المسؤول أهل للفتيا أَو يعلم أَنه جَاهِل لَا يصلح لذَلِك أَو يجهل حَاله فَلَا يعلم أَهْلِيَّته وَلَا عدمهَا
فَالْأول لَهُ أَن يستفتيه باتفاقهم وَعلمه بأهليته إِمَّا بِإِخْبَار عدل عَنهُ بذلك أَو باشتهاره بَين النَّاس بالفتيا أَو بانتصابه لَهَا
стр. 347
وانقياد النَّاس للأخذ عَنهُ أَو نَحْو ذَلِك من الطّرق وَالظَّن يقوم مقَام الْعلم فِي ذَلِك
وَالثَّانِي وَهُوَ من علم أَو ظن جَهله لَا يجوز لَهُ أَن يستقيته لِأَنَّهُ تَضْييع لأحكام الشَّرِيعَة فَهُوَ كالعالم يُفْتِي بِغَيْر دَلِيل أما إِذا جهل حَاله فَلَا يقلده أَيْضا عِنْد الْأَكْثَر خلافًا لقوم
رَابِعهَا يَكْفِي الْمُقَلّد سُؤال من يَشَاء من مجتهدي الْبَلَد وَلَا يلْزمه سُؤال جَمِيعهم وَهل يجب عَلَيْهِ أَن يتَخَيَّر الْأَفْضَل من الْمُجْتَهدين فيستفتيه فِيهِ قَولَانِ بِالنَّفْيِ وَالْإِثْبَات وَالْحق أَنه لَا يلْزمه استفتاء أفضل الْمُجْتَهدين مُطلقًا فَإِن هَذَا يسد بَاب التَّقْلِيد أما إِذا قيد ذَلِك بمجتهدي الْبَلَد فَإِنَّهُ يلْزمه حِينَئِذٍ تحري الْأَفْضَل لِأَن الْفضل فِي كل بلد مَعْرُوف مَشْهُور فَإِن سَأَلَ المستفتي مجتهدين فَأكْثر فَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ فِي الْجَواب فَقَوْلَانِ أظهرهمَا وجوب مُتَابعَة الْأَفْضَل
فَإِن قيل الْعَاميّ لَيْسَ أَهلا لمعْرِفَة الْفَاضِل من الْمَفْضُول وقصارى أمره أَن يغتر بظوهر هَيْئَة حَسَنَة وعمامة كَبِيرَة وجبة وَاسِعَة الأكمام فَرُبمَا اعْتقد الْمَفْضُول فَاضلا
قُلْنَا هَذَا لَيْسَ بِعُذْر فَعَلَيهِ أَن يتَكَلَّف فِي الِاخْتِيَار وَسعه قَالَ فِي الرَّوْضَة وَتَبعهُ الطوفي وَيعرف الْأَفْضَل بالإخبار وإذعان الْمَفْضُول لَهُ وتقديمه على نَفسه فِي الْأُمُور الدِّينِيَّة كالتلميذ مَعَ شَيْخه لِأَنَّهُ يُفِيد الْقطع بهَا عَادَة أَو بإمارات غير ذَلِك مِمَّا يُفِيد الْقطع أَو الظَّن انْتهى
قلت رحم الله الْمُوفق والطوفي فَإِنَّهُمَا تكلما على زمانهما
стр. 348
حَيْثُ النَّاس نَاس يعْرفُونَ الفضيل ويقرون بِهِ وَأما الْيَوْم فالتقديم بالغنى وَقلة الْحيَاء وَالْجهل الْمركب يعْتَقد الْجَاهِل فِي نَفسه أَنه أعلم الْعلمَاء فيزاحم أهل الفضيل وَلَا يقر لأحد وَلَو ألقيت عَلَيْهِ أقل مَسْأَلَة وجم وَسكت وقابلك بالسفاهة والحمق وَلَو قلت لَهُ هَذَا حَدِيث مَوْضُوع لقَالَ لَك أَنْت تكذب النَّبِي ﷺ وَعلا صَوته وَانْتَفَخَتْ أوداجه وَجمع عَلَيْك الْعَامَّة وَرُبمَا أذوك بِالضَّرْبِ والشتم والإخراج عَن الدّين وَمِمَّا ابتدع فِي زَمَاننَا أَنهم يجمعُونَ أهل العمائم فينتخبون مفتيا ويسمونه رَئِيس الْعلمَاء ثمَّ تقرره الْحُكُومَة مفتيا ويحصرون الْفَتْوَى فِيهِ فكثيرا مَا ينَال هَذَا المنصب الْجَاهِل الْغمر الَّذِي لَو عرضت عَلَيْهِ عبارَة بعض كتب الْفُرُوع مَا عرف لَهَا قبيلا من دبير فنسأل الله حسن الْعَاقِبَة
على أَن اخْتِصَاص وَاحِد بِمنْصب الْإِفْتَاء لَا يقبل الْحَاكِم الْفَتْوَى إِلَّا مِنْهُ لم يكن مَعْرُوفا فِي الْقُرُون الأولى وَإِنَّمَا كَانَ الْإِفْتَاء موكولا إِلَى الْعلمَاء الْأَعْلَام وَاسْتمرّ ذَلِك إِلَى أَن دخل السُّلْطَان سليم العثماني دمشق سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَتِسْعمِائَة من الْهِجْرَة وامتلكها فَرَأى كَثْرَة المشاغبات بَين المدعين للْعلم خصص إِفْتَاء كل مَذْهَب بِرَجُل من علمائه الأفاضل قطعا للمشاغبات ثمَّ طَال الزَّمن فَتَوَلّى هَذَا المنصب الْجَلِيل كثير مِمَّن لَا يدْرِي مَا هِيَ الْأُصُول وَمَا هِيَ الْفُرُوع فوسد الْأَمر إِلَى غير أَهله وَأعْطى الْقوس غير باريها
هَذَا فَإِن اسْتَوَى الْمُجْتَهد عِنْد المستفتي فِي الْفَضِيلَة وَاخْتلفَا عَلَيْهِ فِي الْجَواب اخْتَار الأشد مِنْهُمَا لما روى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث
стр. 349
عَائِشَة قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا خير عمار بَين أَمريْن إِلَّا اخْتَار أشدهما وَفِي لفظ أرشدهما قَالَ التِّرْمِذِيّ هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب رَوَاهُ أَيْضا النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه فَثَبت بِهَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ للْحَدِيث أَن الرشد فِي الْأَخْذ بالأشد وَالْأولَى أَن يعْتَبر الْقَوْلَيْنِ ساقطين لتعارضهما وَيرجع إِلَى استفتاء آخر
خَامِسهَا قَالَ أَكثر أَصْحَابنَا وَغَيرهم لَا يُفْتِي إِلَّا مُجْتَهد
وَمَعْنَاهُ عَن الإِمَام أَحْمد وَجوز فِي التَّرْغِيب وَالتَّلْخِيص الْإِفْتَاء لمجتهد فِي مَذْهَب إِمَامه للضَّرُورَة
وَقَالَ فِي التَّحْرِير الْحَنْبَلِيّ وَيمْنَع عندنَا وَعند الْأَكْثَر من الْإِفْتَاء من لم يعرف بِعلم أَو كَانَ حَاله مَجْهُولا وَيلْزم ولي الْأَمر مَنعه
قَالَ ربيعَة بعض من يُفْتِي أَحَق بالسجن من السراق
وَحكى شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية فِي المسودة عَن ابْن حمدَان من أَصْحَابنَا أَنه قَالَ من اجْتهد فِي مَذْهَب إِمَامه فَلم يقلده فِي حكمه وَدَلِيله ففتياه بِهِ عَن نَفسه لَا عَن إِمَامه فَهُوَ مُوَافق لَهُ فِيهِ لَا متابع لَهُ فَإِن قوي عِنْده مَذْهَب غَيره أفتى بِهِ وَأعلم السَّائِل مَذْهَب إِمَامه وَلم يفته بِغَيْرِهِ وَإِن قوي عِنْده وَلَا بِهِ حَيْثُ لم يقو عِنْده فَإِن قلد إِمَامه فِي حكمه فِي دَلِيله أَو دون دَلِيله ففتياه بِهِ عَن إِمَامه إِن جَازَ تَقْلِيده وَإِلَّا فَعَن نَفسه إِن قدر على التَّحْرِير والتقرير والتصوير وَالتَّعْلِيل والتفريع والتخريج وَالْجمع وَالْفرق
стр. 350
كَالَّذي لم يُقَلّد فيهمَا فَإِن عجز عَن ذَلِك أَو بعضه ففتياه عَن إِمَامه لَا عَن نَفسه وَكَذَا الْمُجْتَهد فِي نوع علم أَو مَسْأَلَة مِنْهُ وَمنعه فيهمَا أظهر وَقيل من عرف الْمَذْهَب دون دَلِيله جَازَ تَقْلِيده فِيهِ
وَقيل إِن لم يجد فِي بَلَده وَلَا بِقُرْبِهِ مفتيا غَيره وَعجز عَن السّفر إِلَى مفت فِي مَوضِع بعيد فَإِن عَدمه فِي بَلَده وَغَيره فَلهُ حكم مَا قبل الشَّرْع من إِبَاحَة وحظر ووقف
وَمن أفتى بِحكم أَو سَمعه من مفت فَلهُ الْعَمَل بِهِ لَا فَتْوَى غَيره لِأَنَّهُ حِكَايَة فَتْوَى غَيره وَإِنَّمَا سُئِلَ عَمَّا عِنْده هَذَا كَلَامه
وَاعْلَم أَن أَمْثَال هَذِه المباحث يكثر من ذكرهَا الْفُقَهَاء فِي كتب الْفُرُوع فِي بَاب آدَاب القَاضِي والمفتي فَلَا نطيل بهَا هُنَا وَقد أوسع المجال فِي هَذَا الْمقَال الإِمَام شمس الدّين مُحَمَّد بن قيم الجوزية فِي كِتَابه إِعْلَام الموقعين عَن رب الْعَالمين بِمَا لَا مزِيد عَلَيْهِ فليراجعه من أَرَادَ استطلاع الْحق من بروجه فجزاه الله خيرا
стр. 351
عقد نَفِيس فِي تَرْتِيب الْأَدِلَّة وَالتَّرْجِيح
اعْلَم أَن هَذَا العقد من مَوْضُوع نظر الْمُجْتَهد وضروراته لِأَن الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة مُتَفَاوِتَة فِي مَرَاتِب الْقُوَّة فَيحْتَاج الْمُجْتَهد إِلَى معرفَة مَا يقدم مِنْهَا وَمَا يُؤَخر لِئَلَّا يَأْخُذ بالأضعف مِنْهَا مَعَ وجود الْأَقْوَى فَيكون كالمتيم مَعَ وجود المَاء وَقد يعرض للأدلة التَّعَارُض والتكافؤ فَتَصِير بذلك كالمعدومة فَيحْتَاج إِلَى إِظْهَار بَعْضهَا بالترجيح ليعْمَل بِهِ وَإِلَّا تعطلت الْأَدِلَّة وَالْأَحْكَام فَهَذَا العقد مِمَّا يتَوَقَّف عَلَيْهِ الِاجْتِهَاد توقف الشَّيْء على جزئه أَو شَرطه إِذا تقرر هَذَا فَاعْلَم أَن التَّرْتِيب هُوَ جعل كل وَاحِد من شَيْئَيْنِ فَأكْثر فِي رتبته الَّتِي يَسْتَحِقهَا بِوَجْه مَا فالإجماع مقدم على بَاقِي أَدِلَّة الشَّرْع لكَونه قَاطعا مَعْصُوما عَن الْخَطَأ بِشَهَادَة الْمَعْصُوم بذلك وَيقدم مِنْهُ الْإِجْمَاع الْقطعِي الْمُتَوَاتر ثمَّ الْإِجْمَاع النطقي الثَّابِت بالآحاد ثمَّ يَلِيهِ الْإِجْمَاع السكوتي الْمُتَوَاتر ثمَّ الْإِجْمَاع السكوتي الثَّابِت بالآحاد ثمَّ يقدم فِي الدّلَالَة بعد الْإِجْمَاع بأنواعه الْكتاب ويساويه فِي ذَلِك متواتر السّنة لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا قاطعان من جِهَة الْمَتْن وَلذَلِك جَازَ نسخ كل وَاحِد مِنْهُمَا بِالْآخرِ ثمَّ خبر الْوَاحِد ثمَّ الْقيَاس هَكَذَا قَالَ فِي الرَّوْضَة ومختصرها
وَقَالَ المرداوي فِي التَّحْرِير وَتَبعهُ الفتوحي فِي مُخْتَصره
стр. 352
يقدم بعد خبر الْآحَاد قَول صَحَابِيّ فَالْقِيَاس فَجعلَا قَول الصَّحَابِيّ مقدما على الْقيَاس وَهُوَ الْحق وَأما التَّصَرُّف فِي الْأَدِلَّة من حَيْثُ الْعُمُوم وَالْخُصُوص وَالْإِطْلَاق وَالتَّقْيِيد وَنَحْوه من حمل الْمُجْمل على الْمُبين وَأَشْبَاه ذَلِك فقد سبق فِي بَابه
فصل
وَأما التَّرْجِيح فَهُوَ تَقْدِيم أحد طريقي الحكم لاختصاصه بِقُوَّة الدّلَالَة ورجحان الدَّلِيل عبارَة عَن كَون الظَّن الْمُسْتَفَاد مِنْهُ أقوى وَاسْتِعْمَال الرجحان حَقِيقَة إِنَّمَا هُوَ فِي الْأَعْيَان الجوهرية والأجسام تَقول هَذِه الدِّينَار أَو الدِّرْهَم رَاجِح على هَذَا لِأَن الرجحان من آثَار النَّقْل والاعتماد وَهُوَ من خَواص الْجَوَاهِر ثمَّ اسْتعْمل فِي الْمعَانِي مجَازًا نَحْو هَذَا الدَّلِيل أَو الْمَذْهَب رَاجِح على هَذَا وَهَذَا الرَّأْي أرجح من ذَلِك
وَقَالَ ابْن الباقلاني لَا يرجح بعض الْأَدِلَّة على بعض كَمَا لَا يرجح بعض الْبَينَات على بعض وَكَلَامه هَذَا لَيْسَ بِشَيْء ومورد التَّرْجِيح إِنَّمَا هُوَ الْأَدِلَّة الظنية من الْأَلْفَاظ المسموعة والمعاني المعقولة كنصوص الْكتاب وَالسّنة وظواهرهما وكأنواع الأقيسة والتنبيهات المستفادة من النُّصُوص فَلَا مدْخل لَهُ فِي الْمذَاهب من غير تمسك بِدَلِيل فَلَا يُقَال مَذْهَب الشَّافِعِي مثلا أرجح من مَذْهَب أبي حنيفَة أَو غَيرهمَا أَو بِالْعَكْسِ لَكِن هَذَا بِاعْتِبَار مَجْمُوع مَذْهَب على مَجْمُوع مَذْهَب آخر وَأما من حَيْثُ الْأَدِلَّة على الْمسَائِل فالترجيح ثَابت
стр. 353
وَلَا مدْخل للترجيح أَيْضا فِي القطعيات لِأَنَّهُ لَا غَايَة وَرَاء الْقطعِي وَقَوْلنَا من الْأَلْفَاظ المسموعة أردنَا بِهِ نُصُوص الْكتاب وَالسّنة فيدخلها التَّرْجِيح فَإِذا تعَارض نصان فَأَما أَن يجهل تاريخهما أَو يعلم فَإِن جهل قدمنَا الْأَرْجَح مِنْهَا بِبَعْض وُجُوه التَّرْجِيح وَإِن علم تاريخهما فإمَّا أَن يُمكن الْجمع بَينهمَا بِوَجْه من وُجُوه الْجمع أَو لَا فَإِن أمكن جمع بَينهمَا من حَيْثُ يَصح الْجمع إِذْ الْوَاجِب اعْتِبَار أَدِلَّة الشَّرْع جَمِيعهَا مَا أمكن وَإِن لم يُمكن الْجمع فَالثَّانِي نَاسخ إِن صَحَّ سندهما أَو أَحدهمَا كذب إِن لم يَصح سَنَده إِذْ لَا تنَاقض بَين دَلِيلين شرعيين لِأَن الشَّارِع حكم والتناقض يُنَافِي الْحِكْمَة فأحد المتناقضين يكون بَاطِلا إِمَّا لكَونه مَنْسُوخا أَو لكذب ناقله أَو لخطئه بِوَجْه مَا من وُجُوه تصفح أُمُورهم فِي النقليات أَو لخطأ النَّاظر فِي العقليات كالإخلال بشكل الْقيَاس أَو شَرطه وَنَحْو ذَلِك
وَقد يخْتَلف اجْتِهَاد الْمُجْتَهدين فِي النُّصُوص إِذا تَعَارَضَت فَمنهمْ من يسْلك طرق التَّرْجِيح وَمِنْهُم من يسْلك طَرِيق الْجمع وَالصَّوَاب تَقْدِيم الْجمع على التَّرْجِيح مَا أمكن إِلَّا أَن يُفْضِي الْجمع إِلَى تكلّف يغلب على الظَّن بَرَاءَة الشَّرْع مِنْهُ وَيبعد أَنه قَصده فَيتَعَيَّن التَّرْجِيح ابْتِدَاء
إِذا علم هَذَا فَاعْلَم أَن التَّرْجِيح الْوَاقِع فِي الْأَلْفَاظ إِمَّا أَن يكون من جِهَة الْمَتْن أَو السَّنَد أَو الْقَرِينَة
أما من جِهَة السَّنَد فَيقدم الْمُتَوَاتر على الْآحَاد القطعية
стр. 354
وَالْأَكْثَر رُوَاة على الْأَقَل وَيقدم الْمسند على الْمُرْسل لِأَنَّهُ مُخْتَلف فِي كَونه حجَّة وَالْمَرْفُوع على الْمَوْقُوف والمتصل على الْمُنْقَطع والمتفق عَلَيْهِ فِي ذَلِك على الْمُخْتَلف فِيهِ وَرِوَايَة المتقن والأتقن وَالضَّابِط والأضبط والعالم والأعلم والورع والأورع والتقي والأتقى على غَيرهم وَصَاحب الْقِصَّة والملاب لَهَا على غَيره لاختصاصه بمزيد علم يُوجب إِصَابَته مِثَال رِوَايَة صَاحب الْقِصَّة حَدِيث مَيْمُونَة ﵂ تزَوجنِي رَسُول الله ﷺ وَهُوَ حَلَال
فحديثها يقدم على حَدِيث ابْن عَبَّاس أَنه تزَوجهَا وَهُوَ محرم وَمِثَال حَدِيث الملابس يَعْنِي الْمُبَاشر للقصة حَدِيث أبي رَافع
تزوج رَسُول الله ﷺ مَيْمُونَة وَهُوَ حَلَال وَكنت السفير بَينهمَا فَإِنَّهُ يقدم على حَدِيث ابْن عَبَّاس وَتقدم الرِّوَايَة المتسقة المنتظمة على الرِّوَايَة المضطربة والمتأخرة على الْمُتَقَدّمَة وَمعنى اتساق الرِّوَايَة انتظامها وَهُوَ ارتباط بعض ألفاظها بِبَعْض ووفاء الْأَلْفَاظ بِالْمَعْنَى من غير نقص مخل وَلَا زِيَادَة مخلة واضطرابها تنافر ألفاظها واختلافها بِالزِّيَادَةِ وَالنَّقْص
стр. 355
وَمِثَال الْمُتَأَخِّرَة الحَدِيث الصَّحِيح كَانَ آخر الْأَمريْنِ من رَسُول الله ﷺ ترك الْوضُوء مِمَّا مست النَّار وَأما تَقْدِيم رِوَايَة مُتَقَدم الْإِسْلَام على متأخره فَفِيهِ خلاف اخْتَار القَاضِي وَالْمجد والطوفي أَنَّهُمَا سَوَاء وَقَالَ ابْن عقيل وَالْأَكْثَر ترجح رِوَايَة مُتَأَخّر الْإِسْلَام على متقدمه
قلت وَهُوَ الصَّوَاب لِأَنَّهُ يحفظ آخر الْأَمريْنِ عَن رَسُول الله ﷺ وَعَلِيهِ عمل أَصْحَابنَا فِي الْفُرُوع وَفِي تَقْدِيم رِوَايَة الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة خلاف أَيْضا وَاخْتَارَ تقديمهم الْفَخر والطوفي وتبعهما المرداوي فِي التَّحْرِير والفتوحي فِي مُخْتَصره
قَالَ الطوفي وَالْأَشْبَه تَرْجِيح رِوَايَة الأكابر يَعْنِي من الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم انْتهى
قلت وَهُوَ الْحق
وَأما التَّرْجِيح اللَّفْظِيّ من جِهَة الْمَتْن فَهُوَ مَبْنِيّ على تفَاوت دلالات الْعبارَات فِي أَنْفسهَا فيرجح الأدل مِنْهَا فالأدل فالنص مقدم على الظَّاهِر وللظاهر مَرَاتِب بِاعْتِبَار لَفظه أَو قرينته فَيقدم الْأَقْوَى مِنْهَا فالأقوى بِحَسب قُوَّة دلَالَته وضعفها وَيقدم الْخَبَر الْمُخْتَلف فِي اللَّفْظ فَقَط على مَا اتَّحد لَفظه وَلم يخْتَلف لدلَالَة اخْتِلَاف أَلْفَاظه على اشتهاره وَاخْتَارَ قوم تَقْدِيم مَا اتَّحد لَفظه على غَيره وَلكُل من الْقَوْلَيْنِ مُرَجّح فَهِيَ مَسْأَلَة اجتهادية
следующие страницы →