← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6309

المدخل إلى مذهب الإمام أحمد لابن بدران

ابن بدران

Полный текст (458 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

عقد نَفِيس فِي تَرْتِيب الْأَدِلَّة وَالتَّرْجِيح اعْلَم أَن هَذَا العقد من مَوْضُوع نظر الْمُجْتَهد وضروراته لِأَن الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة مُتَفَاوِتَة فِي مَرَاتِب الْقُوَّة فَيحْتَاج الْمُجْتَهد إِلَى معرفَة مَا يقدم مِنْهَا وَمَا يُؤَخر لِئَلَّا يَأْخُذ بالأضعف مِنْهَا مَعَ وجود الْأَقْوَى فَيكون كالمتيم مَعَ وجود المَاء وَقد يعرض للأدلة التَّعَارُض والتكافؤ فَتَصِير بذلك كالمعدومة فَيحْتَاج إِلَى إِظْهَار بَعْضهَا بالترجيح ليعْمَل بِهِ وَإِلَّا تعطلت الْأَدِلَّة وَالْأَحْكَام فَهَذَا العقد مِمَّا يتَوَقَّف عَلَيْهِ الِاجْتِهَاد توقف الشَّيْء على جزئه أَو شَرطه إِذا تقرر هَذَا فَاعْلَم أَن التَّرْتِيب هُوَ جعل كل وَاحِد من شَيْئَيْنِ فَأكْثر فِي رتبته الَّتِي يَسْتَحِقهَا بِوَجْه مَا فالإجماع مقدم على بَاقِي أَدِلَّة الشَّرْع لكَونه قَاطعا مَعْصُوما عَن الْخَطَأ بِشَهَادَة الْمَعْصُوم بذلك وَيقدم مِنْهُ الْإِجْمَاع الْقطعِي الْمُتَوَاتر ثمَّ الْإِجْمَاع النطقي الثَّابِت بالآحاد ثمَّ يَلِيهِ الْإِجْمَاع السكوتي الْمُتَوَاتر ثمَّ الْإِجْمَاع السكوتي الثَّابِت بالآحاد ثمَّ يقدم فِي الدّلَالَة بعد الْإِجْمَاع بأنواعه الْكتاب ويساويه فِي ذَلِك متواتر السّنة لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا قاطعان من جِهَة الْمَتْن وَلذَلِك جَازَ نسخ كل وَاحِد مِنْهُمَا بِالْآخرِ ثمَّ خبر الْوَاحِد ثمَّ الْقيَاس هَكَذَا قَالَ فِي الرَّوْضَة ومختصرها وَقَالَ المرداوي فِي التَّحْرِير وَتَبعهُ الفتوحي فِي مُخْتَصره

стр. 352

يقدم بعد خبر الْآحَاد قَول صَحَابِيّ فَالْقِيَاس فَجعلَا قَول الصَّحَابِيّ مقدما على الْقيَاس وَهُوَ الْحق وَأما التَّصَرُّف فِي الْأَدِلَّة من حَيْثُ الْعُمُوم وَالْخُصُوص وَالْإِطْلَاق وَالتَّقْيِيد وَنَحْوه من حمل الْمُجْمل على الْمُبين وَأَشْبَاه ذَلِك فقد سبق فِي بَابه فصل وَأما التَّرْجِيح فَهُوَ تَقْدِيم أحد طريقي الحكم لاختصاصه بِقُوَّة الدّلَالَة ورجحان الدَّلِيل عبارَة عَن كَون الظَّن الْمُسْتَفَاد مِنْهُ أقوى وَاسْتِعْمَال الرجحان حَقِيقَة إِنَّمَا هُوَ فِي الْأَعْيَان الجوهرية والأجسام تَقول هَذِه الدِّينَار أَو الدِّرْهَم رَاجِح على هَذَا لِأَن الرجحان من آثَار النَّقْل والاعتماد وَهُوَ من خَواص الْجَوَاهِر ثمَّ اسْتعْمل فِي الْمعَانِي مجَازًا نَحْو هَذَا الدَّلِيل أَو الْمَذْهَب رَاجِح على هَذَا وَهَذَا الرَّأْي أرجح من ذَلِك وَقَالَ ابْن الباقلاني لَا يرجح بعض الْأَدِلَّة على بعض كَمَا لَا يرجح بعض الْبَينَات على بعض وَكَلَامه هَذَا لَيْسَ بِشَيْء ومورد التَّرْجِيح إِنَّمَا هُوَ الْأَدِلَّة الظنية من الْأَلْفَاظ المسموعة والمعاني المعقولة كنصوص الْكتاب وَالسّنة وظواهرهما وكأنواع الأقيسة والتنبيهات المستفادة من النُّصُوص فَلَا مدْخل لَهُ فِي الْمذَاهب من غير تمسك بِدَلِيل فَلَا يُقَال مَذْهَب الشَّافِعِي مثلا أرجح من مَذْهَب أبي حنيفَة أَو غَيرهمَا أَو بِالْعَكْسِ لَكِن هَذَا بِاعْتِبَار مَجْمُوع مَذْهَب على مَجْمُوع مَذْهَب آخر وَأما من حَيْثُ الْأَدِلَّة على الْمسَائِل فالترجيح ثَابت

стр. 353

وَلَا مدْخل للترجيح أَيْضا فِي القطعيات لِأَنَّهُ لَا غَايَة وَرَاء الْقطعِي وَقَوْلنَا من الْأَلْفَاظ المسموعة أردنَا بِهِ نُصُوص الْكتاب وَالسّنة فيدخلها التَّرْجِيح فَإِذا تعَارض نصان فَأَما أَن يجهل تاريخهما أَو يعلم فَإِن جهل قدمنَا الْأَرْجَح مِنْهَا بِبَعْض وُجُوه التَّرْجِيح وَإِن علم تاريخهما فإمَّا أَن يُمكن الْجمع بَينهمَا بِوَجْه من وُجُوه الْجمع أَو لَا فَإِن أمكن جمع بَينهمَا من حَيْثُ يَصح الْجمع إِذْ الْوَاجِب اعْتِبَار أَدِلَّة الشَّرْع جَمِيعهَا مَا أمكن وَإِن لم يُمكن الْجمع فَالثَّانِي نَاسخ إِن صَحَّ سندهما أَو أَحدهمَا كذب إِن لم يَصح سَنَده إِذْ لَا تنَاقض بَين دَلِيلين شرعيين لِأَن الشَّارِع حكم والتناقض يُنَافِي الْحِكْمَة فأحد المتناقضين يكون بَاطِلا إِمَّا لكَونه مَنْسُوخا أَو لكذب ناقله أَو لخطئه بِوَجْه مَا من وُجُوه تصفح أُمُورهم فِي النقليات أَو لخطأ النَّاظر فِي العقليات كالإخلال بشكل الْقيَاس أَو شَرطه وَنَحْو ذَلِك وَقد يخْتَلف اجْتِهَاد الْمُجْتَهدين فِي النُّصُوص إِذا تَعَارَضَت فَمنهمْ من يسْلك طرق التَّرْجِيح وَمِنْهُم من يسْلك طَرِيق الْجمع وَالصَّوَاب تَقْدِيم الْجمع على التَّرْجِيح مَا أمكن إِلَّا أَن يُفْضِي الْجمع إِلَى تكلّف يغلب على الظَّن بَرَاءَة الشَّرْع مِنْهُ وَيبعد أَنه قَصده فَيتَعَيَّن التَّرْجِيح ابْتِدَاء إِذا علم هَذَا فَاعْلَم أَن التَّرْجِيح الْوَاقِع فِي الْأَلْفَاظ إِمَّا أَن يكون من جِهَة الْمَتْن أَو السَّنَد أَو الْقَرِينَة أما من جِهَة السَّنَد فَيقدم الْمُتَوَاتر على الْآحَاد القطعية

стр. 354

وَالْأَكْثَر رُوَاة على الْأَقَل وَيقدم الْمسند على الْمُرْسل لِأَنَّهُ مُخْتَلف فِي كَونه حجَّة وَالْمَرْفُوع على الْمَوْقُوف والمتصل على الْمُنْقَطع والمتفق عَلَيْهِ فِي ذَلِك على الْمُخْتَلف فِيهِ وَرِوَايَة المتقن والأتقن وَالضَّابِط والأضبط والعالم والأعلم والورع والأورع والتقي والأتقى على غَيرهم وَصَاحب الْقِصَّة والملاب لَهَا على غَيره لاختصاصه بمزيد علم يُوجب إِصَابَته مِثَال رِوَايَة صَاحب الْقِصَّة حَدِيث مَيْمُونَة ﵂ تزَوجنِي رَسُول الله ﷺ وَهُوَ حَلَال فحديثها يقدم على حَدِيث ابْن عَبَّاس أَنه تزَوجهَا وَهُوَ محرم وَمِثَال حَدِيث الملابس يَعْنِي الْمُبَاشر للقصة حَدِيث أبي رَافع تزوج رَسُول الله ﷺ مَيْمُونَة وَهُوَ حَلَال وَكنت السفير بَينهمَا فَإِنَّهُ يقدم على حَدِيث ابْن عَبَّاس وَتقدم الرِّوَايَة المتسقة المنتظمة على الرِّوَايَة المضطربة والمتأخرة على الْمُتَقَدّمَة وَمعنى اتساق الرِّوَايَة انتظامها وَهُوَ ارتباط بعض ألفاظها بِبَعْض ووفاء الْأَلْفَاظ بِالْمَعْنَى من غير نقص مخل وَلَا زِيَادَة مخلة واضطرابها تنافر ألفاظها واختلافها بِالزِّيَادَةِ وَالنَّقْص

стр. 355

وَمِثَال الْمُتَأَخِّرَة الحَدِيث الصَّحِيح كَانَ آخر الْأَمريْنِ من رَسُول الله ﷺ ترك الْوضُوء مِمَّا مست النَّار وَأما تَقْدِيم رِوَايَة مُتَقَدم الْإِسْلَام على متأخره فَفِيهِ خلاف اخْتَار القَاضِي وَالْمجد والطوفي أَنَّهُمَا سَوَاء وَقَالَ ابْن عقيل وَالْأَكْثَر ترجح رِوَايَة مُتَأَخّر الْإِسْلَام على متقدمه قلت وَهُوَ الصَّوَاب لِأَنَّهُ يحفظ آخر الْأَمريْنِ عَن رَسُول الله ﷺ وَعَلِيهِ عمل أَصْحَابنَا فِي الْفُرُوع وَفِي تَقْدِيم رِوَايَة الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة خلاف أَيْضا وَاخْتَارَ تقديمهم الْفَخر والطوفي وتبعهما المرداوي فِي التَّحْرِير والفتوحي فِي مُخْتَصره قَالَ الطوفي وَالْأَشْبَه تَرْجِيح رِوَايَة الأكابر يَعْنِي من الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم انْتهى قلت وَهُوَ الْحق وَأما التَّرْجِيح اللَّفْظِيّ من جِهَة الْمَتْن فَهُوَ مَبْنِيّ على تفَاوت دلالات الْعبارَات فِي أَنْفسهَا فيرجح الأدل مِنْهَا فالأدل فالنص مقدم على الظَّاهِر وللظاهر مَرَاتِب بِاعْتِبَار لَفظه أَو قرينته فَيقدم الْأَقْوَى مِنْهَا فالأقوى بِحَسب قُوَّة دلَالَته وضعفها وَيقدم الْخَبَر الْمُخْتَلف فِي اللَّفْظ فَقَط على مَا اتَّحد لَفظه وَلم يخْتَلف لدلَالَة اخْتِلَاف أَلْفَاظه على اشتهاره وَاخْتَارَ قوم تَقْدِيم مَا اتَّحد لَفظه على غَيره وَلكُل من الْقَوْلَيْنِ مُرَجّح فَهِيَ مَسْأَلَة اجتهادية

стр. 356

وَالصَّوَاب أَن اخْتِلَاف الْأَلْفَاظ إِن كَانَ مِمَّا يخْتَلف بِهِ الْمَعْنى وَلَو أدنى اخْتِلَاف أَو تغير انتظام الرِّوَايَة واتساقها قدم المتحد لفظا وَإِلَّا فالمختلف أَو يتعارضان وَأما الْمُخْتَلف معنى فَإِنَّهُ لَا يُعَارض المتحد معنى قولا وَاحِدًا وَيقدم ذُو الزِّيَادَة على مَا لَا زِيَادَة فِيهِ والمثبت على النَّافِي إِلَّا أَن يسند النَّفْي إِلَى علم بِالْعدمِ كَقَوْلِه اعْلَم أَن فلَانا فعل كَذَا لَا عدم الْعلم كَأَن يَقُول لم أعلم أَن فلَانا فعل كَذَا فَإِن اسْتندَ الحديثان إِلَى عدم الْعلم اسْتَويَا وَيقدم مَا اشْتَمَل على حظر أَو وَعِيد على غَيره احْتِيَاطًا وَهَذِه طَريقَة القَاضِي أبي يعلى وَقيل لَا يرجح بذلك ويرجح النَّاقِل عَن حكم الأَصْل على غَيره مثل أَن يلْتَزم أَن الأَصْل فِي الْأَشْيَاء الْإِبَاحَة ثمَّ نجد دَلِيلين أَحدهمَا حَاكم بِالْإِبَاحَةِ وَالثَّانِي بالحظر وَإِذا تعَارض دليلان أَحدهمَا مسْقط للحد وَالْآخر يُوجِبهُ أَو أَحدهمَا يُوجب الْجِزْيَة وَالْآخر يمْنَعهَا لم يرجح مسْقط الْحَد وَمُوجب الْجِزْيَة على مقابلهما إِذْ لَا تَأْثِير لذَلِك فِي صدق الرَّاوِي وَقيل بلَى لموافقتهما الأَصْل وَيقدم قَوْله ﵊ على فعله لِأَن القَوْل لَهُ صِيغَة دلَالَة بِخِلَاف الْفِعْل فَإِنَّهُ لَا صِيغَة لَهُ تدل بِنَفسِهَا وَإِنَّمَا دلَالَة الْفِعْل لأمر خَارج وَهُوَ كَونه ﵇ وَاجِب الِاتِّبَاع فَكَانَ القَوْل أقوى فيرجح لذَلِك وَأما التَّرْجِيح من جِهَة الْقَرِينَة فَإِذا تعَارض عامان أَحدهمَا بَاقٍ على عُمُومه وَالْآخر قد خص بِصُورَة فَأكْثر رجح الْبَاقِي على عُمُومه على الْمَخْصُوص وَكَذَلِكَ يقدم مَا خص بِصُورَة على مَا خص بصورتين وَهَكَذَا فِيمَا بعد ذَلِك وَحَاصِله أَنه يقدم الْأَقَل تَخْصِيصًا على الْأَكْثَر وَيقدم من النصين مَا تَلقاهُ الْعلمَاء بِالْقبُولِ وَلم يلْحقهُ إِنْكَار من

стр. 357

أحد مِنْهُم على مَا فِيهِ الْإِنْكَار من بَعضهم وَهَذِه الْقَاعِدَة تقضي بِتَقْدِيم مَا رُوِيَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَو أَحدهمَا على مَا لم يرو فيهمَا لتلقي الْأمة لَهما بِالْقبُولِ وَيقدم مَا أنكرهُ وَاحِد على مَا أنكرهُ اثْنَان وَهَكَذَا فِي اثْنَيْنِ وَثَلَاثَة ويرجح مَا عضده عُمُوم كتاب أَو سنة أَو قِيَاس شَرْعِي أَو معنى عَقْلِي على مَا لم يعضده بِشَيْء من ذَلِك فَإِن عضد أحد النصين قُرْآن وَالْآخر سنة فَفِيهِ رِوَايَتَانِ أَحدهمَا يقدم مَا عضده الْقُرْآن وَهُوَ الْمُخْتَار وَثَانِيهمَا يقدم مَا عضده الحَدِيث وَالضَّابِط أَنه يرجح مَا تخيل فِيهِ زِيَادَة قُوَّة كَائِنا من ذَلِك مَا كَانَ وَقد تتخيل زِيَادَة الْقُوَّة مَعَ اتِّحَاد النَّوْع واختلافه ويرجح مَا ورد ابْتِدَاء على غير سَبَب على مَا ورد على سَبَب لاحْتِمَال اخْتِصَاصه بِسَبَبِهِ وَمَا عمل بِهِ الْخُلَفَاء الراشدون على غَيره على القَوْل الْمُخْتَار تَنْبِيه قَالَ الطوفي فِي شرح مُخْتَصره إِذا وجدنَا فتيا صَحَابِيّ مَشْهُور بِالْعلمِ وَالْفِقْه على خلاف نَص لَا يجوز لنا أَن نجزم بخطئه الْخَطَأ الاجتهادي لاحْتِمَال ظُهُور الصَّحَابِيّ على نَص أَو دَلِيل رَاجِح أُفْتِي بِهِ فَإِن الصَّحَابَة ﵃ أقرب إِلَى معرفَة النُّصُوص منا لمعاصرتهم للنَّبِي ﷺ وَكم من نَص نبوي كَانَ عِنْد الصَّحَابَة ﵃ ثمَّ دثر فَلم يبلغنَا وَذَلِكَ كفتيا عَليّ وَابْن عَبَّاس ﵄ أَن الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا تَعْتَد بأطول الْأَجَليْنِ وَنَحْوهَا من الْمسَائِل الَّتِي نقم

стр. 358

بعض النَّاس على عَليّ فِيهَا لمُخَالفَته للنَّص وخطئه بذلك انْتهى وَإِذا تعَارض خبران أَحدهمَا قد نقل عَن رِوَايَة خِلَافه قولا أَو فعلا وَالْآخر لم ينْقل عَن رِوَايَة خِلَافه قدم الثَّانِي وَلَا تَرْجِيح بقول أهل الْمَدِينَة خلافًا لبَعض الشَّافِعِيَّة وَلَا بقول أهل الْكُوفَة خلافًا لبَعض الْحَنَفِيَّة وَإِذا كَانَ الْخَبَر يحْتَمل وُجُوهًا وتتجه لَهُ محامل ففسره الرَّاوِي على بَعْضهَا كَانَ مَا فسره الرَّاوِي عَلَيْهِ مقدما على بَاقِيهَا وَكَذَلِكَ إِن ترجح بعض الِاحْتِمَالَات الْمَذْكُورَة بِوَجْه من وُجُوه التَّرْجِيح كَانَ مقدما على غَيره مَا لم يتَرَجَّح بذلك وَأما التَّرْجِيح من جِهَة الْقيَاس فَهُوَ إِمَّا من جِهَة أَصله أَو علته أَو قرينَة تقترن بِأحد القياسين تعضده فيترجح على الآخر أما الأول فَمن وُجُوه أَحدهَا إِذا أمكن قِيَاس الْفَرْع على أصلين حكم أَحدهمَا ثَابت

стр. 359

بِالْإِجْمَاع وَالْآخر ثَابت بِالنَّصِّ كَانَ الْقيَاس على الأَصْل الثَّابِت بِالْإِجْمَاع مقدما على مَا يثبت بِالنَّصِّ ثَانِيهَا حكم الأَصْل الثَّابِت بِمُطلق النَّص رَاجِح على حكم الأَصْل الثَّابِت بِالْقِيَاسِ ثَالِثهَا حكم الأَصْل الثَّابِت بِالْقُرْآنِ الْكَرِيم أَو بِالسنةِ المتوترة رَاجِح على حكم الأَصْل الثَّابِت بآحاد السّنة رَابِعهَا الحكم الْمَقِيس على أصُول أَكثر رَاجِح على غَيره خَامِسهَا الْمَقِيس على أصل لم يخص رَاجِح على الْمَقِيس على أصل مَخْصُوص وَبِالْجُمْلَةِ أَن حكم أصل الْقيَاس حكم مُسْتَنده الَّذِي ثَبت بِهِ فَمَا قدم من المستندات قدم مَا ثَبت بِهِ من أصُول الأقيسة وَأما الثَّانِي وَهُوَ تَرْجِيح الْقيَاس من جِهَة علته فَمن وُجُوه أَيْضا أَولهَا ترجح الْعلَّة الْمجمع عَلَيْهَا على الْعلَّة الَّتِي لَيْسَ بمجمع عَلَيْهَا ثَانِيهَا ترجح الْعلَّة المنصوصة على المستنبطة ثَالِثهَا ترجح الْعلَّة الَّتِي تثبت عليتها بالتواتر على الَّتِي تثبتت عليتها بالآحاد رَابِعهَا ترجح الْعلَّة الْمُنَاسبَة على غَيرهَا لَكِن هَذَا فِي العلتين المنصوصتين أَو المستنبطين أما إِذا كَانَت إِحْدَاهمَا منصوصة فَهِيَ الراجحة سَوَاء كَانَت مُنَاسبَة أَو أَشد مُنَاسبَة أَو لَا خَامِسهَا ترجح الْعلَّة الناقلة عَن حكم الأَصْل على الْعلَّة المقررة عَلَيْهِ سادسها ترجح الْعلَّة الَّتِي توجب الْحَظْر على الَّتِي توجب الْإِبَاحَة

стр. 360

سابعها ترجح الْعلَّة المسقطة للحد على موجبته وموجبة الْعتْق على ناقيته وَالَّتِي هِيَ أخف حكما على الَّتِي هِيَ أثقل حكما لَكِن هَذَا كُله فِي المنصوصتين وَفِي المستنبطتين أما فِي المنصوصة والمستنبطة فالمنصوصة وَاجِبَة التَّقْدِيم فِي كل حَال ثامنها ترجع الْعلَّة الَّتِي هِيَ وصف على الَّتِي هِيَ اسْم لِأَن التَّعْلِيل بالأوصاف مُتَّفق عَلَيْهِ بِخِلَاف العليل بالأسماء فتعليل الرباء فِي الذَّهَب بِكَوْنِهِ مَوْزُونا يقدم على التَّعْلِيل بِكَوْنِهِ ذَهَبا تاسعها تقدم الْعلَّة الْمَرْدُودَة إِلَى أصل قَاس الشَّارِع عَلَيْهِ على غَيرهَا كقياس النَّبِي ﷺ الْقبْلَة فِي الصّيام على الْمَضْمَضَة عَاشرهَا ترجح الْعلَّة المطردة على غير المطردة إِن قيل بِصِحَّتِهَا حادي عشرهَا الْعلَّة المنعكسة راجحة على غير المنعكسة على القَوْل بِاشْتِرَاط الْعَكْس فِي الْعِلَل نعم إِن الْعلَّة القاصرة لَا يُمكن الْقيَاس عَلَيْهَا وَلَيْسَ فَائِدَة هَذَا تَرْجِيح أحد القياسين على الآخر بل فَائِدَته أَنا إِذا رجحنا المتعدية أمكن الْقيَاس وَيقدم الحكم الشَّرْعِيّ واليقيني على الْوَصْف الْحسي والإثباتي عِنْد قوم ويرجح الْمُؤثر على الملائم والملائم على الْغَرِيب وَقد سبقت حقائقها وأحكامها وصفاتها ومراتبها عِنْد الْكَلَام على طَرِيق إِثْبَات الْعلَّة عِنْد ذكر أَقسَام الْمُنَاسب وَإِذا دارت عِلّة الْقيَاس بَين وصف مُنَاسِب وشبهي قدم الْمُنَاسب لِأَنَّهُ مُتَّفق عَلَيْهِ والمصلحة فِيهِ ظَاهِرَة بِخِلَاف الشبهي فيهمَا

стр. 361

وَاعْلَم أَن تفاصيل التَّرْجِيح لم تَنْحَصِر فِيمَا ذَكرْنَاهُ وَقد ذكر فِي كتب الْأُصُول المطولة أَكثر مِنْهَا وَالْقَاعِدَة الْكُلية فِي التَّرْجِيح أَنه مَتى اقْترن بِأحد الدَّلِيلَيْنِ المتعارضين أَمر نقلي كآية أَو خبر أَو اصطلاحي كعرف أَو عَادَة عَاما كَانَ الْأَمر أَو خَاصّا أَو قرينَة عقلية أَو لفظية أَو حَالية وَأفَاد ذَلِك زِيَادَة ظن رجح بِهِ وَقد حصل بِهَذَا بَيَان الرجحان من جِهَة الْقَرَائِن فَلَا حَاجَة إِلَى ذكر مَا وعدنا بِهِ من الْقسم الثَّالِث الَّذِي هُوَ التَّرْجِيح بالقرائن مفصلا وَوجه الرجحان فِي أَكثر هَذِه الترجيحات ظَاهر لمن تفطن وأعمل مَا وهبه الله تَعَالَى من الْفِكر السَّلِيم وَالْعقل الْمُسْتَقيم وَاعْلَم أَنِّي حِين مَا تَكَلَّمت على هَذَا النَّوْع كنت أَسْتَمدّ من الرَّوْضَة للْإِمَام موفق الدّين عبد الله الْمَقْدِسِي صَاحب الْمُغنِي وَغَيره وَمن مُخْتَصر الرَّوْضَة وَشَرحهَا للعلامة نجم الدّين الطوفي وَمن التَّحْرِير للعلامة عَلَاء الدّين المرداوي وَمن مُخْتَصره وَشَرحه كليهمَا للعلامة أَحْمد الفتوحي صَاحب كتاب مُنْتَهى الإرادات وَمن مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب وَشَرحه للعلامة عضد الدّين الآيجي فَهَؤُلَاءِ أصُول كتابي هُنَا وَكنت كثيرا مَا أراجع مسودة الْأُصُول لمجدالدين وَابْنه عبد السَّلَام وحفيده شيخ الْإِسْلَام وهم بَنو تَيْمِية وَحُصُول المأمول من علم الْأُصُول لصديق حسن خَان مَعَ الْتِقَاط فَوَائِد كَثِيرَة من الْمُسْتَصْفى للغزالي ومنتهى السول للآمدي وَجمع الْجَوَامِع لِابْنِ السُّبْكِيّ وَشَرحه للمحلى والتنقيح وَشَرحه التَّوْضِيح لصدر الشَّرِيعَة وحاشيته والتلويح لسعدالدين التَّفْتَازَانِيّ والمنهاج للبيضاوي وَشَرحه للأسنوي والتمهيد لأبي الْخطاب والواضح لِابْنِ عقيل وآداب الْمُفْتِي لِابْنِ حمدَان فأسأله تَعَالَى أَن يوفقنا لكل خير وينفع بِنَا وينفعنا ويجعلنا أَهلا لخدمة هَذِه الشَّرِيعَة آمين

стр. 362

العقد السَّادِس فِيمَا اصْطلحَ عَلَيْهِ المؤلفون فِي فقه الإِمَام أَحْمد مِمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ الْمُبْتَدِي وأبرز الْأَسْمَاء الَّتِي تذكر فِي مصنفاتهم قد غلب على الْفُقَهَاء من أَصْحَابنَا وَغَيرهم أَنهم يكتفون فِي الألقاب بِالنِّسْبَةِ إِلَى صناعَة أَو محلّة أَو قَبيلَة أَو قَرْيَة فَيَقُولُونَ مثلا الْخرقِيّ نِسْبَة إِلَى بيع الْخرق والخلال وَالطَّيَالِسِي وَالْحَرْبِيّ نِسْبَة إِلَى بَاب حَرْب محلّة فِي بَغْدَاد كالزهري والتميمي وكاليونيني والبعلي والصاغاني والحراني وأمثال ذَلِك فيطلقون تِلْكَ الْأَسْمَاء بِلَا تَعْظِيم وَكَانَت هَذِه عَادَة الْمُتَقَدِّمين ثمَّ جَاءَ من بعدهمْ فَأَكْثرُوا الغلو فِي الألقاب الَّتِي تَقْتَضِي التَّزْكِيَة وَالثنَاء فَقَالُوا علم الدّين ومحيي الدّين ومجدالدين وشهاب الدّين إِلَى غير ذَلِك من الألقاب الضخمة وَعم ذَلِك بِلَاد الْعَرَب والعجم وَلم يرتض هَذَا غَالب الْعلمَاء فقد نقل فِي الْفُرُوع عَن القَاضِي أبي يعلى أَنه قَالَ وَتكره التَّسْمِيَة بِكُل اسْم فِيهِ تفخيم أَو تَعْظِيم وَاحْتج بِهَذَا على معنى التسمي بِالْملكِ لقَوْله لَهُ الْملك وَأجَاب بِأَن الله إِنَّمَا ذكره إِخْبَارًا عَن الْغَيْر وللتعريف فَإِنَّهُ كَانَ مَعْرُوفا عِنْدهم بِهِ وَلِأَن الْملك من أَسمَاء الله المختصة بِخِلَاف حَاكم الْحُكَّام وقاضي

стр. 363

الْقُضَاة لعدم التَّوْقِيف وَبِخِلَاف الأوحد فَإِنَّهُ يكون فِي الْخَيْر وَالشَّر وَلِأَن الْملك هُوَ الْمُسْتَحق لمَالِك وَحَقِيقَته إِمَّا التَّصَرُّف التَّام وَإِمَّا التَّصَرُّف الدَّائِم وَلَا يصحان إِلَّا لله وَفِي الصَّحِيحَيْنِ بِلَفْظِهِ أَو دلَالَة حَال وَأبي دَاوُد وأخنا الْأَسْمَاء يَوْم الْقِيَامَة وأخبثه رجل كَانَ سمي ملك الْأَمْلَاك لَا ملك إِلَّا الله وروى الإِمَام أَحْمد اشْتَدَّ غضب الله على رجل تسمى ملك الْأَمْلَاك لَا ملك إِلَّا الله وَأفْتى أَبُو عبد الله الصَّيْمَرِيّ الْحَنَفِيّ وَأَبُو الطّيب الطَّبَرِيّ والتميمي الْحَنْبَلِيّ بِالْجَوَازِ وَالْمَاوَرْدِيّ بِعَدَمِهِ وَجزم بِهِ فِي شرح مُسلم قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَارِيخه قَول الْأَكْثَر هُوَ الْقيَاس إِذا أُرِيد مُلُوك الدُّنْيَا وَقَول الْمَاوَرْدِيّ أولى للْخَبَر وَأنكر بعض الْحَنَابِلَة على بَعضهم فِي الْخطْبَة قَوْله الْملك الْعَادِل ابْن أَيُّوب وَاعْتذر الْحَنْبَلِيّ بقوله ﵇ ولدت فِي زمن الْملك الْعَادِل وَقد قَالَ الْحَاكِم فِي تَارِيخه الحَدِيث الَّذِي روته الْعَامَّة ولدت فِي زمن الْملك الْعَادِل بَاطِل لَيْسَ لَهُ أصل بِإِسْنَاد صَحِيح وَلَا سقيم قلت أورد فِي الْفُرُوع هَذِه الْحِكَايَة مُبْهمَة وَهِي إِنَّمَا كَانَت يَمِين الشَّيْخ أبي عمر

стр. 364

الْمَقْدِسِي فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي قَالَ وانصر الْملك الْعَادِل فَرد عَلَيْهِ اليونيني فاحتج أَبُو عمر بِالْحَدِيثِ فَأنكرهُ اليونيني وَبَين بُطْلَانه قَالَ فِي الْفُرُوع وَلم يمْنَع جمَاعَة التَّسْمِيَة بِالْملكِ انْتهى وَمنع أَبُو عبد الله الْقُرْطُبِيّ فِي كِتَابه شرح الْأَسْمَاء الْحسنى من النعوت الَّتِي تَقْتَضِي التَّزْكِيَة وَالثنَاء كزكي الدّين ومحيي الدّين وَعلم الدّين وَشبه ذَلِك وَقَالَ أَحْمد بن النّحاس الدمياطي الْحَنَفِيّ ثمَّ الشَّافِعِي فِي كِتَابه تَنْبِيه الغافلين عِنْد ذكر الْمُنْكَرَات فَمِنْهَا مَا عَمت بِهِ الْبلوى فِي الدّين من الْكَذِب الْجَارِي على الألسن وَهُوَ مَا ابتدعوه من الألقاب كمحيي الدّين وَنور الدّين وعضد الدّين وغياث الدّين ومعين الدّين وناصر الدّين وَنَحْوهَا من الْكَذِب الَّذِي يتَكَرَّر على الْأَلْسِنَة حَال النداء والتعريف والحكاية وكل هَذَا بِدعَة فِي الدّين ومنكر انْتهى وَقَالَ ابْن الْقيم وَقد كَانَ جمَاعَة من أهل الدّين يتورعون عَن إِطْلَاق قَاضِي الْقُضَاة وحاكم الْحُكَّام قَالَ وَكَذَلِكَ تحرم التَّسْمِيَة بِسَيِّد النَّاس وَسيد الْكل كَمَا يحرم بِسَيِّد ولد آدم انْتهى أَي لِأَنَّهُ لَا يَلِيق إِلَّا بِهِ ﷺ وَقد توَسط الحجاوي فِي إقناعه فَقَالَ وَمن لقب بِمَا يصدق فعله للقبه جَازَ وَيحرم مَا لم يَقع على مخرج صَحِيح على أَن التَّأْوِيل فِي كَمَال الدّين وَشرف الدّين كمله وشرفه قَالَه ابْن هُبَيْرَة هَذَا كَلَامه وَمن اصْطِلَاح الْفُقَهَاء التَّسْمِيَة بشيخ الْإِسْلَام وَكَانَ الْعرف بيما سلف أَن هَذَا اللَّفْظ يُطلق على من تصدر للإفتاء وَحل المشكلات فِيمَا

стр. 365

شجر بَين النَّاس من النزاع وَالْخِصَام من الْفُقَهَاء الْعِظَام والفضلاء الفخام كشيخ الْإِسْلَام أَحْمد بن تَيْمِية الْحَرَّانِي وَصَاحب الْمُغنِي وَغَيرهمَا وَقَالَ السخاوي فِي كتاب لَهُ سَمَّاهُ الْجَوَاهِر كَانَ السّلف يطلقون شيخ الْإِسْلَام على المتبع لكتاب الله وَسنة رَسُوله مَعَ التبحر فِي الْعُلُوم من الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول قَالَ وَقد يُوصف بِهِ من طَال عمره فِي الْإِسْلَام فَدخل فِي عداد من شَاب فِي الْإِسْلَام كَانَت لَهُ نورا وَلم تكن هَذِه اللَّفْظَة مَشْهُورَة بَين القدماء بعد الشَّيْخَيْنِ الصّديق والفاروق فَإِنَّهُ ورد وصفهما بذلك ثمَّ اشْتهر بِهِ جمَاعَة من عُلَمَاء السّلف حَتَّى ابتذلت على رَأس الْمِائَة الثَّامِنَة فوصف بهَا من لَا يُحْصى وَصَارَت لقبا لمن ولي الْقَضَاء الْأَكْبَر وَلَو عري عَن الْعلم وَالسّن هَذَا كَلَامه ثمَّ صَارَت الْآن لقبا لمن تولى منصب الْفَتْوَى وَإِن عري عَن الدّين وَالتَّقوى بل صَارَت الألقاب الضخمة للباس والزي والعمائم والكبار والأكمام الواسعة وَالْعلم عِنْد الله وَحَيْثُ أفْضى بِنَا الْمقَال إِلَى هَذَا الْبَحْث فلنذكر المبهمات مِمَّن أطلق فَيكْتب الْفِقْه فَنَقُول إِن أَصْحَابنَا مُنْذُ عصر القَاضِي أبي يعلى إِلَى أثْنَاء الْمِائَة الثَّامِنَة يطلقون لفظ القَاضِي ويريدون بِهِ عَلامَة زَمَانه

стр. 366

مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن خلف بن أَحْمد بن الْفراء الملقب بِأبي يعلى وَكَذَا إِذا قَالُوا أَبُو يعلى وأطلقوه وَإِذا قَالُوا أَبُو يعلى الصَّغِير فَالْمُرَاد بِهِ وَلَده مُحَمَّد صَاحب الطَّبَقَات وَأما الْمُتَأَخّرُونَ كصاحب الْإِقْنَاع والمنتهى وَمن بعدهمَا فيطلقون لفظ القَاضِي ويريدون بِهِ القَاضِي عَلَاء الدّين عَليّ بن سُلَيْمَان السَّعْدِيّ المرداوي ثمَّ الصَّالِحِي وَكَذَلِكَ يلقبونه بالمنقح لِأَنَّهُ نقح الْمقنع فِي كِتَابه التَّنْقِيح المشبع وَكَانَت وَفَاته سنة خمس وَثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة ويسمونه الْمُجْتَهد فِي تَصْحِيح الْمَذْهَب وَقَالَ الشَّيْخ مَنْصُور البهوتي الْحَنْبَلِيّ فِي شرح الْإِقْنَاع إِذا أطلق الْمُتَأَخّرُونَ كصاحب الْفُرُوع وَالْفَائِق والاختيارات وَغَيرهم الشَّيْخ أَرَادوا بِهِ الشَّيْخ الْعَلامَة موفق الدّين أَبَا مُحَمَّد عبد الله بن قدامَة الْمَقْدِسِي وَإِذا قيل الشَّيْخَانِ فالموفق وَالْمجد يَعْنِي مجد الدّين عبد السَّلَام ابْن تَيْمِية وَإِذا قيل الشَّارِح فَهُوَ الشَّيْخ شمس الدّين عبد الرَّحْمَن ابْن الشَّيْخ أبي عمر الْقُدسِي وَهُوَ ابْن أخي موفق الدّين وتلميذه وَإِذا أطلق القَاضِي فَالْمُرَاد بِهِ القَاضِي أَبُو يعلى مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن خلف بن أَحْمد الْفراء وَإِذا قيل وَعنهُ يَعْنِي عَن الإِمَام أَحْمد ﵀ وَقَوْلهمْ نصا مَعْنَاهُ لنسبته إِلَى الإِمَام أَحْمد أَيْضا هَذَا كَلَامه قلت وَإِذا أطْلقُوا الشَّرْح أَرَادوا بِهِ شرح الْمقنع الْمُسَمّى بالشافي لِابْنِ أبي عمر الْمُتَقَدّم وَهَذَا اصْطِلَاح خَاص وَإِلَّا فالقاعدة أَن شَارِح متن مَتى أطلق الشَّرْح أَو الشَّارِح أَرَادَ بِهِ أول شَارِح لذَلِك الْمَتْن لَكِن لما كَانَ كتاب الْمقنع أصلا لمتون الْمُتَأَخِّرين وَكَانَ شمس الدّين أول شَارِح لَهُ لَا جرم استعملوا هَذَا الِاصْطِلَاح وَلَا مشاحة

стр. 367

وَكَثِيرًا مَا يُطلق الْمُتَأَخّرُونَ الشَّيْخ ويريدون بِهِ شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية وَمِنْهُم ابْن قندس فِي حَوَاشِي الْفُرُوع وَإِذا أطلق الإِمَام عَليّ ابْن عقيل وَأَبُو الْخطاب شَيخنَا أَرَادوا بِهِ القَاضِي أَبَا يعلى وَإِذا أطلقهُ ابْن الْقيم وَابْن مُفْلِح صَاحب الْفُرُوع أَرَادَا بِهِ شيخ الْإِسْلَام وَقَالَ صَاحب الْإِقْنَاع ومرادي بالشيخ يَعْنِي حَيْثُ أطلق شيخ الْإِسْلَام بَحر الْعُلُوم أبوالعباس أَحْمد بن تَيْمِية انْتهى وَقد سلك طَرِيقَته من جَاءَ بعده ثمَّ اعْلَم أَن الْأَصْحَاب فِي مصنفاتهم كثيرا مَا يستعملون المبهمات فِي الْأَسْمَاء والكتب فَيبقى ذَلِك مغلقا على من لَا اطلَاع لَهُ على كتب الطَّبَقَات والتاريخ فَمن ثمَّ خطر لي أَن أبين بعض ذَلِك خدمَة للمبتدئين وَتَذْكِرَة لغَيرهم فَأَقُول ابْن الْمُنَادِي هُوَ أَحْمد بن جَعْفَر بن مُحَمَّد بن عبد الله توفّي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة ابْن قَاضِي الْجَبَل أَحْمد بن الْحسن بن عبد الله بن أبي عمر الْمَقْدِسِي من بني قدامَة من تلامذة شيخ الْإِسْلَام بن تَيْمِية صَاحب كتاب الْفَائِق توفّي سنة إِحْدَى وَسبعين وَسَبْعمائة وَله اختيارات فِي الْمَذْهَب ابْن حمدَان أَحْمد بن حمدَان بن شبيب بن حمدَان بن شبيب بن حمدَان النميري الْحَرَّانِي الْفَقِيه الأصولي لَهُ الرِّعَايَة الصُّغْرَى والكبرى وفيهَا نقُول كَثِيرَة جدا وَبَعضهَا غير مُحَرر توفّي سنة خمس وَتِسْعين وسِتمِائَة أَبُو بكر النجاد أَحْمد بن سُلَيْمَان بن الْحسن بن إِسْرَائِيل بن يُونُس الْمُحدث توفّي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وثلاثمائة

стр. 368

الْأَثْرَم أَحْمد بن مُحَمَّد بن هانىء الطَّائِي الإِمَام الْجَلِيل الْحَافِظ مَاتَ بعد السِّتين وَمِائَتَيْنِ وَكَانَ عِنْده تيقظ عَجِيب أثنى عَلَيْهِ يحيى بن معِين وَقَالَ إِبْرَاهِيم بن الْأَصْفَهَانِي هُوَ أحفظ من أبي زرْعَة الرَّازِيّ وأتقن روى عَنهُ النَّسَائِيّ وَجَمَاعَة وَقَالَ فِي تذهيب الْكَمَال أَبُو بكر الْأَثْرَم الْخُرَاسَانِي الْبَغْدَادِيّ الإسكاف الْفَقِيه الْحَافِظ أحد الْأَعْلَام صَاحب السّنَن عَن أَحْمد بن حَنْبَل وَأبي نعيم وَعَفَّان والقعنبي وَخلق روى عَنهُ النَّسَائِيّ قَالَ ابْن حبَان كَانَ من خِيَار عبادالله انْتهى وَهُوَ أحد الناقلين رِوَايَات الإِمَام أَحْمد وَأكْثر أَصْحَابنَا الْمُتَقَدِّمين يَقُولُونَ عَن أَحَادِيث رَوَاهُ الْأَثْرَم الْخلال أَحْمد بن مُحَمَّد بن هَارُون أَبُو بكر سمع الحَدِيث من ابْن عَرَفَة وَغَيره صَاحب الْجَامِع والعلل وَالسّنة والطبقات وَتَفْسِير الْغَرِيب وَالْأَدب وَهُوَ الَّذِي جمع فِي كِتَابه الرِّوَايَات عَن الإِمَام أَحْمد كَمَا أسلفنا ذَلِك توفّي سنة إِحْدَى عشرَة وثلاثمائة ابْن نصرالله أَحْمد بن نصرالله بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن عمر شيخ الْمَذْهَب ومفتي الديار المصرية الْبَغْدَادِيّ الأَصْل ثمَّ الْمصْرِيّ صَاحب حَوَاشِي الْمُحَرر وَالْفُرُوع توفّي سنة أَربع وَأَرْبَعين وَثَمَانمِائَة الْحَرْبِيّ اسْمه إِبْرَاهِيم بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم صَاحب غَرِيب الحَدِيث وَدَلَائِل النُّبُوَّة توفّي سنة خمس وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ أحد الناقلين مَذْهَب أَحْمد عَنهُ قَالَه فِي المطلع وَقَالَ هَكَذَا قيدناه عَن بعض شُيُوخنَا وَكَذَا سمعته من غير وَاحِد مِنْهُم ابْن شاقلا بِسُكُون الْقَاف وَفتح اللَّام هُوَ إِبْرَاهِيم بن أَحْمد بن

стр. 369

عمر بن حمدَان ابْن شاقلا الْفَقِيه الأصولي توفّي سنة تسع وَسِتِّينَ وثلاثمائة ابْن الْبَنَّا الْحسن بن أَحْمد بن عبد الله بن الْبَنَّا الْبَغْدَادِيّ الإِمَام الْفَقِيه الْمقري الْمُحدث الْوَاعِظ لَهُ نَحْو من خَمْسمِائَة مُصَنف وَهُوَ صَاحب كتاب الْمُجَرّد فِي الْفِقْه وَشرح الْخرقِيّ توفّي سنة إِحْدَى وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة ابْن حَامِد الْحسن بن حَامِد بن عَليّ بن مَرْوَان الْبَغْدَادِيّ إِمَام الْحَنَابِلَة فِي زَمَنه ومؤدبهم ومعلمهم وأستاذ القَاضِي أبي يعلى لَهُ الْجَامِع فِي الْمَذْهَب وَشرح الْخرقِيّ توفّي سنة ثَلَاث وَأَرْبَعمِائَة صَاحب الْبلْغَة فِي الْفِقْه الْحُسَيْن بن الْمُبَارك بن مُحَمَّد بن يحيى بن مُسلم الربعِي الْبَغْدَادِيّ توفّي سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة صَاحب الْوَجِيز الْحسن بن يُوسُف بن مُحَمَّد بن أبي السّري الدجيلي ثمَّ الْبَغْدَادِيّ الإِمَام الْفَقِيه المفنن ألف الْوَجِيز فِي الْفِقْه وكتابا فِي أصُول الدّين ونزهة الناظرين وتنبيه الغافلين وَله قصيدة لامية فِي الْفَرَائِض توفّي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة حَرْب الْكرْمَانِي حَرْب بن إِسْمَاعِيل بن خلف الْحَنْظَلِي الْكرْمَانِي مِمَّن روى مسَائِل عَن الإِمَام أَحْمد ابْن شيخ السلامية حَمْزَة بن مُوسَى بن أَحْمد بن الْحُسَيْن بن بدران شرح بعض الْأَحْكَام لمجد الدّين ابْن تَيْمِية وَهُوَ من المنتصرين لشيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية والعارفين بفتاواه توفّي سنة تسع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة

стр. 370

حَنْبَل بن إِسْحَاق بن حَنْبَل الشَّيْبَانِيّ ابْن عَم الإِمَام أَحْمد كَانَ ثِقَة ثبتا وَثَّقَهُ الدَّارَقُطْنِيّ قَالَ حَنْبَل جَمعنَا عمي وَأَوْلَاده وَقَرَأَ علينا الْمسند وَمَا سَمعه مِنْهُ يَعْنِي تَاما غَيرنَا وَقَالَ لنا إِن هَذَا الْكتاب قد جمعته وانتقيته من أَكثر من سَبْعمِائة ألف وخسمين ألفا فَمَا اخْتلف النَّاس فِيهِ من حَدِيث رَسُول الله فأرجعوه إِلَيْهِ فَإِن وجدتموه فِيهِ وَإِلَّا فَلَيْسَ بِحجَّة توفّي سنة ثَلَاث وَسبعين وَمِائَتَيْنِ الطوفي سُلَيْمَان بن عبد الْقوي بن عبد الْكَرِيم بن سعيد الطوفي ثمَّ الْبَغْدَادِيّ الْفَقِيه الأصولي المفنن صَاحب مُخْتَصر الرَّوْضَة الْأُصُولِيَّة وَشَرحهَا شرحا متقنا عجيبا وَشرح الْخرقِيّ توفّي سنة عشر وَسَبْعمائة صَالح بن الإِمَام أَحْمد كَانَ أكبر أَوْلَاده وَكَانَ أَبوهُ يُحِبهُ ويكرمه وَنقل عَن أَبِيه مسَائِل كَثِيرَة توفّي سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ عبد الله ابْن الإِمَام أَحْمد كَانَ ثبتا فهما ثِقَة حَافِظًا وَثَّقَهُ ابْن الْخَطِيب وَغَيره توفّي سنة تسعين وَمِائَتَيْنِ موفق الدّين عبد الله بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن قدامَة الْمَقْدِسِي الأَصْل ثمَّ الدِّمَشْقِي الصَّالِحِي قَالَ ابْن غنيمَة مَا أعرف أحدا فِي زمننا أدْرك دَرَجَة الِاجْتِهَاد إِلَّا الْمُوفق انْتهى وَهُوَ مؤلف الْمُغنِي وَالْكَافِي وَالْمقنع والعمدة ومختصر الْهِدَايَة فِي الْفِقْه توفّي سنة عشْرين وسِتمِائَة المهم شرح الْخرقِيّ تأليف الْفَقِيه الزَّاهِد عبد الله بن أبي بكر ابْن أبي الْبَدْر الْحَرْبِيّ الْبَغْدَادِيّ توفّي سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة

стр. 371

الْوَجِيز تأليف عبد الله بن مُحَمَّد بن أبي بكر بن إِسْمَاعِيل ابْن أبي البركات الزريراني الْبَغْدَادِيّ فَقِيه الْعرَاق ومفتي الْآفَاق حُكيَ عَنهُ فِي الْمَقْصد الأرشد أَنه طالع الْمُغنِي للموفق ثَلَاثًا وَعشْرين مرّة وعلق عَلَيْهِ حَوَاشِي توفّي سنة تسع وَعشْرين وَسَبْعمائة الْقَوَاعِد تصنيف الْعَلامَة الْحَافِظ شيخ الْحَنَابِلَة فِي وقته عبد الرَّحْمَن ابْن أَحْمد بن رَجَب الْبَغْدَادِيّ ثمَّ الدِّمَشْقِي توفّي سنة خمس وَتِسْعين وَسَبْعمائة ابْن رزين عبد الرَّحْمَن بن رزين بن عبد الله بن نصر بن عبيد الغساني الحوراني ثمَّ الدِّمَشْقِي كَانَ فَقِيها فَاضلا اختصر الْمُغنِي فِي مجلدين وسمى مَا اخْتَصَرَهُ التَّهْذِيب توفّي سنة سِتّ وَخمسين وسِتمِائَة الْحَاوِي تصنيف الْفَقِيه عبد الرَّحْمَن ابْن عمر ابْن أبي الْقَاسِم بن عَليّ الضَّرِير الْبَصْرِيّ حفظ كتاب الْهِدَايَة لأبي الْخطاب توفّي سنة أَربع وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة الشَّارِح وَصَاحب الشَّرْح عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن قدامَة الْمَقْدِسِي ثمَّ الصَّالِحِي الإِمَام الْفَقِيه الزَّاهِد شرح الْمقنع فِي عشر مجلدات مستمدا من الْمُغنِي وَمَتى قَالَ الْأَصْحَاب قَالَ فِي الشَّرْح كَانَ المُرَاد هَذَا الْكتاب وَمَتى قَالُوا الشَّارِح أَرَادوا مُؤَلفه توفّي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة غُلَام الْخلال عبد

стр. 372

الْعَزِيز بن جَعْفَر بن أَحْمد بن دَارا الإِمَام الْمُحدث الْفَقِيه يكنى بِأبي بكر لَهُ الشافي والتنبيه وَالْمقنع وَزَاد الْمُسَافِر فِي الْفِقْه وَكَثِيرًا مَا يَقُول أَصْحَابنَا قَالَه أَبُو بكر عبد الْعَزِيز فِي الشافي وَنَحْو هَذِه الْعبارَة توفّي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وثلاثمائة الرستغني عبد الرَّزَّاق بن رزق الله ابْن أبي بكر بن خلف ابْن أبي الهيجاء الْفَقِيه الْمُحدث الْمُفَسّر لم أر لَهُ ذكرا فِي كتب الْفُقَهَاء على أَنِّي وجدت بِخَط مُحَمَّد ابْن كنان الصَّالِحِي أَنه رأى لَهُ شرحا على الْخرقِيّ مزجا فِي مجلدين قلت وَرَأَيْت لَهُ تَفْسِيرا لِلْقُرْآنِ سَمَّاهُ رموز الْكُنُوز وَهُوَ تَفْسِير جليل فِي أَربع مجلدات يذكر فِيهِ أَحَادِيث يَرْوِيهَا بالسند ويناقش الزَّمَخْشَرِيّ فِي كشافه وَيذكر فروع الْفِقْه على الْخلاف بِدُونِ دَلِيل وَبِالْجُمْلَةِ هُوَ تَفْسِير مُفِيد جدا لمن طالعه توفّي سنة سِتِّينَ وسِتمِائَة الشريف أَبُو جَعْفَر الْهَاشِمِي العباسي لَهُ ذكر فِي كتب أَصْحَابنَا وَهُوَ عبد الْخَالِق بن عِيسَى يتَّصل نسبه بِالْعَبَّاسِ بن عبد الْمطلب ﵁ كَانَ مُخْتَصر الْكَلَام مليح التدريس جيد الْكَلَام فِي المناظرة عَالما بالفرائض وَأَحْكَام الْقُرْآن وَالْأُصُول لَهُ مقامات فِي منع الْبدع عِنْد الْخُلَفَاء توفّي سنة سبعين وَأَرْبَعمِائَة الْمُنْتَخب تصنيف عبد الْوَهَّاب ابْن عبد الْوَاحِد بن مُحَمَّد بن عَليّ الشِّيرَازِيّ ثمَّ الدِّمَشْقِي الْفَقِيه الْوَاعِظ لَهُ الْمُنْتَخب فِي الْفِقْه مجلدان والمفردات والبرهان فِي أصُول الدّين توفّي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة الغنية تأليف شيخ الْعَصْر وقدوة العارفين عبد الْقَادِر بن أبي صَالح عبد الله ابْن جنكي دوست الجيلي الْبَغْدَادِيّ الْمَشْهُور الْمجد عبد السَّلَام بن عبد الله ابْن أبي الْقَاسِم الْخضر بن مُحَمَّد بن عَليّ ابْن تَيْمِية الْحَرَّانِي الْفَقِيه المفنن الْمقري الملقب

стр. 373

بمجد الدّين جد شيخ الْإِسْلَام أَحْمد ابْن تَيْمِية صَاحب الْمُنْتَقى وَالْمُحَرر فِي الْفِقْه ومسودة مُنْتَهى الْغَايَة فِي شرح الْهِدَايَة بيض بعض الشَّرْح وَله مسودة فِي أصُول الْفِقْه زَاد فِيهَا وَلَده عبد الْحَلِيم ثمَّ حفيده شيخ الْإِسْلَام وَله كتاب أَحَادِيث التَّفْسِير توفّي سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وسِتمِائَة ابْن الزغواني عَليّ بن عبد الله بن نصر بن السّري الزَّاغُونِيّ الْبَغْدَادِيّ الْفَقِيه الْمُحدث الْوَاعِظ أحد أَعْيَان الْمَذْهَب صنف الْإِقْنَاع والواضح وَالْخلاف الْكَبِير والمفردات وَالتَّلْخِيص فِي الْفَرَائِض توفّي سنة سبع وَعشْرين وَخَمْسمِائة ابْن عَبدُوس عَليّ بن عمر بن أَحْمد بن عمار بن أَحْمد بن عَليّ بن عَبدُوس الْحَرَّانِي الْفَقِيه الْوَاعِظ لَهُ كتاب الْمَذْهَب فِي الْمَذْهَب وَله تَفْسِير كَبِير توفّي سنة تسع وَخمسين وَخَمْسمِائة ابْن عقيل عَليّ بن مُحَمَّد بن عقيل الْبَغْدَادِيّ وَعقيل بِفَتْح الْعين الإِمَام الْفَقِيه الأصولي الْمقري الْوَاعِظ أوحد الْمُجْتَهدين صَاحب المؤلفات وَسَتَأْتِي تَرْجَمته فِي تراجم الْكِبَار من أَصْحَاب أَحْمد وَله كتاب الْفُصُول والتذكرة وكفاية الْمُفْتِي سبع مجلدات كبار ورؤوس الْمسَائِل وَغير ذَلِك فِي الْفِقْه توفّي سنة ثَلَاث عشرَة وَخَمْسمِائة الْخرقِيّ عمر بن الْحُسَيْن بن عبد الله بن أَحْمد الْخرقِيّ بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء الْمُهْملَة نِسْبَة إِلَى بيع الْخرق ذكره

стр. 374

السَّمْعَانِيّ هُوَ صَاحب الْمُخْتَصر الْمَشْهُور توفّي سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة البوشنجي مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن سعيد بن مُوسَى أحد الناقلين الرِّوَايَات عَن الإِمَام أَحْمد توفّي سنة تسعين وَمِائَتَيْنِ ابْن أبي مُوسَى مُحَمَّد بن أَحْمد بن أبي مُوسَى الْهَاشِمِي صَاحب الْإِرْشَاد توفّي سنة ثَمَان وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة ابْن تَمِيم مُحَمَّد بن تَمِيم الْحَرَّانِي الْفَقِيه لَهُ الْمُخْتَصر الْمَشْهُور فِي الْفِقْه وصل فِيهِ إِلَى أثْنَاء كتاب الزَّكَاة توفّي قَرِيبا من سنة خمس وَسبعين وسِتمِائَة الْآجُرِيّ بِمد الْهمزَة وَضم الْجِيم وَتَشْديد الرَّاء الْمُهْملَة مُحَمَّد بن الْحسن ابْن عبد الله لَهُ مصنفات مِنْهَا كتاب النَّصِيحَة فِي الْفِقْه وعادته فِيهِ أَنه لَا يذكر إِلَّا اختيارات الْأَصْحَاب توفّي سنة سِتِّينَ وثلاثمائة أَبُو يعلى مُحَمَّد بن الْحُسَيْن ابْن مُحَمَّد بن خلف بن أَحْمد بن الْفراء عَلامَة الزَّمَان قَاضِي الْقُضَاة مُجْتَهد الْمَذْهَب بل الْمُجْتَهد الْمُطلق لَهُ الْخلاف الْكَبِير وَالْأَحْكَام السُّلْطَانِيَّة وَشرح الْخرقِيّ وَسَتَأْتِي تَرْجَمته توفّي سنة ثَمَان وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة الْبلْغَة تصنيف مُحَمَّد بن الْخضر بن مُحَمَّد بن الْخضر بن عَليّ بن عبد الله ابْن تَيْمِية الْحَرَّانِي الْفَقِيه الْمُفَسّر فَخر الدّين وَله فِي الْفِقْه التَّرْغِيب وَالتَّلْخِيص وَالْبُلغَة وَهُوَ أصغرهما وَشرح الْهِدَايَة لأبي الْخطاب وَلم يتمه وهوابن عَم مجد الدّين توفّي سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وسِتمِائَة

стр. 375

الْمُسْتَوْعب بِكَسْر الْعين تأليف مُحَمَّد بن عبد الله بن الْحُسَيْن السامري بِضَم الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء نِسْبَة إِلَى مَدِينَة سرمن رأى بِضَم السِّين لَهُ فِي الْفِقْه الْمُسْتَوْعب والفروق وَكتاب الْبُسْتَان فِي الْفَرَائِض وَغير ذَلِك توفّي سنة عشر وسِتمِائَة النَّاظِم مُحَمَّد بن عبد الْقوي بن بدران الْمَقْدِسِي الْفَقِيه الْمُحدث لَهُ منظومة الْآدَاب صغرى وكبرى والفرائد تبلغ خَمْسَة آلَاف بَيت وَكتاب النِّعْمَة جزءان ونظم الْمُفْردَات وَكلهَا على رُوِيَ الدَّال توفّي سنة تسع وَتِسْعين وسِتمِائَة الْحلْوانِي مُحَمَّد بن عَليّ بن مُحَمَّد بن عُثْمَان بن مراق الْحلْوانِي لَهُ كِفَايَة الْمُبْتَدِي فِي الْفِقْه مُجَلد وَكتاب فِي أصُول الْفِقْه مجلدان توفّي سنة خمس وَخَمْسمِائة الْمُفْردَات اسْم لمؤلفات مُتعَدِّدَة فِي هَذَا النَّوْع أشهرها عِنْد الْمُتَأَخِّرين الألفية المسمات بالنظم الْمُفِيد الأحمد فِي مُفْرَدَات الإِمَام أَحْمد للْقَاضِي مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الْخَطِيب توفّي سنة عشْرين وَثَمَانمِائَة المطلع تصنيف مُحَمَّد بن أبي الْفَتْح ابْن أبي الْفضل الْفَقِيه الْمُحدث النَّحْوِيّ اللّغَوِيّ وَقد سمى كِتَابه هَذَا المطلع على أَبْوَاب الْمقنع فسر فِيهِ الْكَلِمَات الغريبة الْوَاقِعَة فِي الْمقنع على نمط الْمغرب للحنفية والمصباح للشَّافِعِيَّة غير أَنه رتبه على أَبْوَاب الْكتاب لَا على حُرُوف المعجم ثمَّ أتبعه بتراجم الْأَعْلَام الْمَذْكُورين فِي الْمقنع فَصَارَ كشرح مُخْتَصر توفّي سنة تسع وَسَبْعمائة أَبُو يعلى الصَّغِير مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن

стр. 376

خلف بن أَحْمد بن الْفراء هُوَ ابْن أبي يعلى الْمُتَقَدّم توفّي سنة سِتِّينَ وَخَمْسمِائة الْفُرُوع تصنيف مُحَمَّد بن مُفْلِح بن مُحَمَّد بن مفرج الْمَقْدِسِي ثمَّ الصَّالِحِي الراميني شيخ الْحَنَابِلَة فِي وقته وَأحد الْمُجْتَهدين فِي الْمَذْهَب توفّي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة الزَّرْكَشِيّ مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد الزَّرْكَشِيّ الْمصْرِيّ شرح الْخرقِيّ شرحا لم يسْبق إِلَى مثله وَكَلَامه فِيهِ يدل على فقه نفس وَتصرف فِي كَلَام الْأَصْحَاب وَله شرح على الْخرقِيّ مُخْتَصر وصل فِيهِ إِلَى أثْنَاء بَاب الْأَضَاحِي وَله غير ذَلِك مِمَّا لم يكمل توفّي سنة أَربع وَسبعين وَسَبْعمائة أَبُو الْخطاب مَحْفُوظ بن أَحْمد بن الْحسن بن أَحْمد الكلوذاني الْبَغْدَادِيّ أحد الْمُجْتَهدين فِي الْمَذْهَب لَهُ فِي الْفِقْه الْهِدَايَة والانتصار وَهُوَ الْخلاف الْكَبِير وَله الْخلاف الصَّغِير سَمَّاهُ رُؤُوس الْمسَائِل وَله كتاب التَّمْهِيد فِي أصُول الْفِقْه توفّي سنة عشر وَخَمْسمِائة ابْن المنجا منجا بن عُثْمَان بن أسعد بن المنجا التنوخي الْفَقِيه الأصولي الْمُفَسّر النَّحْوِيّ لَهُ الممتع شرح الْمقنع توفّي سنة خمس وَتِسْعين وسِتمِائَة الْمروزِي هيدام بن قُتَيْبَة أحد الناقلين مَذْهَب أَحْمد عَنهُ توفّي سنة أَربع وَسبعين وَمِائَتَيْنِ ابْن الصَّيْرَفِي يحيى بن أبي مَنْصُور بن أبي الْفَتْح بن رَافع بن عَليّ الْحَرَّانِي الْفَقِيه الْمُحدث المعمر بِفَتْح الْمِيم الْمُشَدّدَة أحد مَشَايِخ شيخ

стр. 377

الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية نقل عَنهُ صَاحب الْفُرُوع فِي كتاب الْجَنَائِز فِي بَاب عِيَادَة الْمَرِيض توفّي سنة ثَمَان وَسبعين وسِتمِائَة ابْن هُبَيْرَة يحيى بن مُحَمَّد بن هُبَيْرَة الدوري ثمَّ الْبَغْدَادِيّ الْوَزير عون الدّين شرح الصَّحِيحَيْنِ فِي عدَّة مجلدات وَسَماهُ الإفصاح عَن مَعَاني الصِّحَاح وَلما بلغ فِيهِ إِلَى شرح من يرد الله بِهِ خيرا يفقهه فِي الدّين شرح الحَدِيث وَتكلم على الْفِقْه وَذكر الْمسَائِل الْمُتَّفق عَلَيْهَا والمختلف فِيهَا بَين الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَقد أفرده النَّاس من الْكتاب وجعلوه مُسْتقِلّا فِي مُجَلد لطيف وَقد اطَّلَعت عَلَيْهِ فَوَجَدته كتابا نَافِعًا وَهَذَا الشَّرْح صنفه فِي ولَايَته الوزارة وَجمع النَّاس عَلَيْهِ من الْمذَاهب حَتَّى قدمُوا من الْبِلَاد الشاسعة وَأنْفق عَلَيْهِ نَحْو مائَة ألف دِينَار وَثَلَاثَة عشر ألف وَحدث بِهِ وَاجْتمعَ الْخلق الْعَظِيم لسماعه عَلَيْهِ قلت سقى الله تِلْكَ الْأَيَّام الَّتِي كَانَ بهَا الاعتناء بِالْعلمِ ثمَّ ولت واضمحلت حَتَّى لم يبْق فِي أيامنا وَفِي بِلَادنَا للْعلم رسم وَلَا ظلّ توفّي سنة سِتِّينَ وَخَمْسمِائة الآزجي يحيى بن يحيى الْأَزجيّ الْفَقِيه صَاحب نِهَايَة الْمطلب فِي علم الْمَذْهَب قَالَ برهَان الدّين ابْن مُفْلِح فِي الْمَقْصد الأرشد هُوَ كتاب كَبِير جدا حذا فِيهِ حَذْو نِهَايَة الْمطلب لإِمَام الْحَرَمَيْنِ وَأكْثر استمداده من الْمُجَرّد للْقَاضِي أبي يعلى

стр. 378

والفصول لِابْنِ عقيل وَفِيه أَشْيَاء سَاقِطَة لَا تَحْقِيق فِيهَا قَالَ ابْن رَجَب ويغلب على ظَنِّي أَنه توفّي بعد الستمائة بِقَلِيل ابْن قندس أَبُو بكر بن إِبْرَاهِيم بن قندس تَقِيّ الدّين البعلي صَاحب حَوَاشِي الْفُرُوع وحواشي الْمُحَرر توفّي سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَثَمَانمِائَة الْمُبْدع شرح الْمقنع تأليف إِبْرَاهِيم مُحَمَّد بن الْأَكْمَل بن عبد الله بن مُحَمَّد بن مُفْلِح الْمَقْدِسِي الصَّالِحِي وَكتابه الْمُبْدع فِي أَربع مجلدات وَهُوَ شرح حافل ممزوج مَعَ الْمَتْن حذا فِيهِ حَذْو الْمحلى الشَّافِعِي فِي شرح الْمِنْهَاج الفرعي وَفِيه من الْفَوَائِد والنقول مَا لَا يُوجد فِي غَيره وصنف فِي الْأُصُول كتابا سَمَّاهُ مرقاة الْوُصُول إِلَى علم الْأُصُول وَله الْمَقْصد الأرشد فِي ذكر أَصْحَاب الإِمَام أَحْمد توفّي سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة وَهنا انْتهى بِنَا الْمقَال فِي بَيَان جلّ المبهمات الَّتِي يذكرهَا الْأَصْحَاب وَأَرْجُو الله أَن يكون ذَلِك الْبَيَان وافيا بِالْمَقْصُودِ ومفيدا للمشتغلين فَائِدَة تبذل لي الْأجر وَالثَّوَاب من الله الْكَرِيم الْوَهَّاب بمنه وَكَرمه هَذَا ولنختم هَذَا العقد بفوائد الأولى لإبدائها النَّاظر فِي كتابي هَذَا أَن يكون قد طرق سَمعك لَفْظَة أهل الرَّأْي وَحِينَئِذٍ فَاعْلَم أَن أَصْحَاب الرَّأْي عِنْد الْفُقَهَاء هم أهل الْقيَاس والتأويل كأصحاب أبي حنيفَة النُّعْمَان وَأبي الْحسن الْأَشْعَرِيّ والتأويل علم مَا يؤول إِلَيْهِ الْكَلَام من الْخَطَأ وَالصَّوَاب ويقابلهم أهل الظَّاهِر وهم مثل دَاوُد الظَّاهِرِيّ وَابْن حزم وَمن نحا نَحْوهمَا الثَّانِيَة المُرَاد بِمذهب السّلف مَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَة الْكِرَام

стр. 379

وأعيان التَّابِعين وأتباعهم وأئمة الدّين مِمَّن شهد لَهُ بِالْإِمَامَةِ دون من رمي ببدعة أَو شهر بلقب غير مرضِي كالخوارج وَالرَّوَافِض والقدرية والمرجئة والجبرية والجهمية والمعتزلة والكرامية وَنَحْوهم ثمَّ غلب ذَلِك اللقب على الإِمَام أَحْمد وَأَتْبَاعه على اعْتِقَاده من أَي مَذْهَب كَانُوا فَقيل لَهُم فِي فن التَّوْحِيد عُلَمَاء السّلف هَذَا مَا اصْطلحَ عَلَيْهِ أَصْحَابنَا والمحدثون وَقَالَ ابْن حجر الْفَقِيه فِي رسَالَته شن الْغَارة الصَّدْر الأول لَا يُقَال إِلَّا على السّلف وهم أهل الْقُرُون الثَّلَاثَة الأول الَّذين شهد لَهُم النَّبِي ﷺ بِأَنَّهُم خير الْقُرُون وَأما من بعدهمْ فَلَا يُقَال فِي حَقهم ذَلِك الثَّالِثَة مَتى قَالَ فقهاؤنا وَلَو كَانَ كَذَا وَنَحْوه كَانَ إِشَارَة إِلَى الْخلاف وَذَلِكَ كَقَوْل صَاحب الْإِقْنَاع وَغَيره فِي بَاب الآذان ويكرها أَن يَعْنِي الآذان وَالْإِقَامَة للنِّسَاء وَلَو بِلَا رفع صَوت فَإِنَّهُم أشاروا بلو إِلَى الْخلاف فِي الْمَسْأَلَة فَفِي الْفُرُوع وَفِي كراهتهما يَعْنِي الآذان وَالْإِقَامَة للنِّسَاء بِلَا رفع صَوت وَقيل مُطلقًا رِوَايَتَانِ وَعنهُ يسن لَهُنَّ الْإِقَامَة وفَاقا للشَّافِعِيّ لَا الآذان خلافًا لمَالِك انْتهى فَقَوله وَلَو بِلَا رفع صَوت إِشَارَة إِلَى الرِّوَايَة الثَّانِيَة وَقَالُوا أَيْضا وَلَا يكره مَاء الْحمام وَلَو سخن بِنَجس وَفِي هَذِه الْمَسْأَلَة خلاف أَيْضا فقد قَالَ فِي الْفُرُوع وَعنهُ يكره مَاء الْحمام لعدم تحري من يدْخلهُ فاحفظ هَذِه الْقَاعِدَة فَإِنَّهَا مهمة جدا

стр. 380

العقد السَّابِع فِي ذكر الْكتب الْمَشْهُورَة فِي الْمَذْهَب وَبَيَان طَريقَة بَعْضهَا وَمَا عَلَيْهِ من التعليقات والحواشي حسب الْإِمْكَان تعلم أَيهَا الْفَاضِل الألمعي أَن الْخَوْض فِي هَذَا الْبَحْر الزاخر صَعب المسلك بعيد المرمى خُصُوصا فِي هَذَا الزَّمَان المعاند للْعلم وَأَهله حَتَّى رماهم فِي سوق الكساد ونادى عَلَيْهِم بالحرمان فَأنى لمثلي أَن يجول فِي هَذَا الميدان ويناضل أُولَئِكَ الفرسان مَعَ أَنه تمْضِي عَليّ الشُّهُور بل الأعوام وَلَا أرى أحدا يسألني عَن مَسْأَلَة فِي مَذْهَب الإِمَام أَحْمد لانقراض أَهله فِي بِلَادنَا وتقلص ظله مِنْهَا فَلذَلِك أصبح اشتغالي بِغَيْر الْفِقْه من الْعُلُوم وَإِن اشتغلت بِهِ فاشتغالي إِمَّا على طَريقَة الاستنباط وَإِمَّا بمراجعة كتب الْأَئِمَّة على اخْتِلَاف مذاهبهم وَلَوْلَا أملي بنفع سكان جَزِيرَة الْعَرَب من الْحَنَابِلَة لما حركت فِيمَا رَأَيْت من الْفَوَائِد قَلما وَلَا خاطبت رسما مِنْهَا وَلَا طللا وَلَكِن إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالْبَيِّنَاتِ وَالله مطلع على السرائر نعم إِن كثيرا من سكان الجزيرة وخصوصا أهل نجد أَكثر الله من أمثالهم يبذلون الْآن النفيس والنفيس بطبع كتب هَذَا الْمَذْهَب ويحيون رفاة الْكتب المندرسة مِنْهُ فَأَحْبَبْت مشاركتهم فِي هَذَا الْأجر وأقدمت على ذكر الْكتب الْمَشْهُورَة ليتنبه أهل الْخَيْر إِلَيْهَا فيبرزونها

стр. 381

مطبوعة طبعا حسنا لينْتَفع بهَا أهل هَذَا الْمَذْهَب وَغَيرهم كَمَا هِيَ عَادَتهم فِي عمل الْخَيْر فَقلت مستعينا بِاللَّه تَعَالَى لقد كَانَت دمشق فِيمَا مضى أَكثر بِلَاد الْإِسْلَام مدارس وكل مدرسة كَانَ بهَا خزانَة كتب تضم مَا يحْتَاج إِلَيْهِ أهل الْمدرسَة وَكَانَ فِي مدارس الْحَنَابِلَة من كتبهمْ مَا يبهر الْعُقُول وخصوصا الْمدرسَة العمرية الشيخية الَّتِي بالصالحية فَإِنَّهَا كَانَ بهَا من خَزَائِن الْكتب مَا لَا يُوجد فِي غَيرهَا ثمَّ تلاعبت أَيدي المختلسين فِي تِلْكَ الخزائن حَتَّى تركوها وَمَا بهَا ورقة وَاحِدَة وَلم يبْق بَين أَيدي النَّاس إِلَّا مَا نبا عَنهُ طوفان الْجَهْل وَسلم من أَفْوَاه الأرضة وَمَعَ هَذَا فَإنَّك ترى تِلْكَ الْبَقِيَّة الْبَاقِيَة تكَاد أَن لَا يكمل مِنْهَا كتاب وليت هَذِه الْبَقِيَّة من سفر من أسفار أَو جُزْء من أَجزَاء مبذولة لمن ينْتَفع بهَا وَلَكِن الزَّمَان قضى عَلَيْهَا أَن تكون فِي خَزَائِن الْجَاهِلين الَّذين لَا يَنْتَفِعُونَ بهَا وَلَا ينفعون وَتلك البلية عَمت فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون فَلم يبْق لنا إِلَّا أَن نذْكر مِنْهَا بَعْضًا مِمَّا اطَّلَعْنَا عَلَيْهِ عَسى أَن ينْتَفع بصنعنا من يطلع على كتَابنَا أَو يسْتَدرك عَلَيْهِ مُسْتَدْرك فَيكون لنا أجر السَّبق الْمُغنِي ومختصرالخرقي اشْتهر فِي مَذْهَب الإِمَام أَحْمد عِنْد الْمُتَقَدِّمين والمتوسطين مُخْتَصر الْخرقِيّ وَلم يخْدم كتاب فِي الْمَذْهَب مثل مَا خدم هَذَا الْمُخْتَصر وَلَا اعتني بِكِتَاب مثل مَا اعتني بِهِ حَتَّى قَالَ الْعَلامَة يُوسُف بن عبد الْهَادِي فِي كِتَابه الدّرّ النقي فِي شرح أَلْفَاظ الْخرقِيّ قَالَ شَيخنَا عزالدين الْمصْرِيّ ضبطت للخرقي ثَلَاثمِائَة شرح وَقد اطَّلَعْنَا لَهُ على مَا يقرب من عشْرين شرحا وَسمعت من شُيُوخنَا وَغَيرهم أَن

стр. 382

من قَرَأَهُ حصل لَهُ أحد ثَلَاث خِصَال إِمَّا أَن يملك مائَة دِينَار أَو يَلِي الْقَضَاء أَو يصير صَالحا هَذَا كَلَامه وَقَالَ فِي الْمَقْصد الأرشد قَالَ أَبُو إِسْحَاق الْبَرْمَكِي عدد مسَائِل الْخرقِيّ أَلفَانِ وثلاثمائة مَسْأَلَة فَمَا ظَنك بِكِتَاب ولع مثل أبي إِسْحَاق فِي عد مسَائِله وَمَا ذَلِك إِلَّا لمزيد الاعتناء بِهِ وَكتب أَبُو بكر عبد الْعَزِيز على نسخته مُخْتَصر الْخرقِيّ خالفني الْخرقِيّ فِي مُخْتَصره فِي سِتِّينَ مَسْأَلَة وَلم يسمهَا وَقَالَ القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن ابْن الْفراء تتبعها فَوَجَدتهَا ثَمَانِي وَتِسْعين مَسْأَلَة انْتهى وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ مُخْتَصر بديع لم يشْتَهر متن عِنْد الْمُتَقَدِّمين اشتهار وَأعظم شروحه وأشهرها الْمُغنِي للْإِمَام موفق الدّين الْمَقْدِسِي وَقد كَانَ فِي تسع مجلدات ضخام بِخَطِّهِ وأغلب نسخه الْآن فِي ثَلَاثَة عشر مجلدا وطريقته فِي هَذَا الشَّرْح أَنه يكْتب الْمَسْأَلَة من الْخرقِيّ ويجعلها كالترجمة ثمَّ يَأْتِي على شرحها وتبيينها وببيان مَا دلّت عَلَيْهِ بمنطوقها ومفهومها ومضمونها ثمَّ يتبع ذَلِك مَا يشبهها مِمَّا لَيْسَ بمذكور فِي الْكتاب فَتحصل الْمسَائِل كتراجم الْأَبْوَاب وَيبين فِي كثير من الْمسَائِل مَا اخْتلف فِيهِ مِمَّا أجمع عَلَيْهِ وَيذكر لكل إِمَام مَا ذهب إِلَيْهِ وَيُشِير إِلَى دَلِيل بعض أَقْوَالهم ويعزو الْأَخْبَار إِلَى كتب الْأَئِمَّة من

стр. 383

أهل الحَدِيث ليحصل التفقه بمدلولها والتمييز بَين صحيحها ومعلولها فيعتمد النَّاظر على معروفها ويعرض عَن مجهولها وَالْحَاصِل أَنه يذكر الْمَسْأَلَة من الْخرقِيّ وَيبين غَالِبا رِوَايَات الإِمَام بهَا ويتصل الْبَيَان بِذكر الْأَئِمَّة من أَصْحَاب الْمذَاهب الْأَرْبَع وَغَيرهم من مجتهدي الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ تابعيهم وَمَا لَهُم من الدَّلِيل وَالتَّعْلِيل ثمَّ يرجع قولا من أُولَئِكَ الْأَقْوَال على طَريقَة فن الْخلاف والجدل ويتوسع فِي فروع الْمَسْأَلَة فَأصْبح كِتَابه مُفِيدا للْعُلَمَاء كَافَّة على اخْتِلَاف مذاهبهم وأضحى المطلع عَلَيْهِ ذَا معرفَة بِالْإِجْمَاع والوفاق وَالْخلاف والمذاهب المتروكة بِحَيْثُ تتضح لَهُ مسالك الِاجْتِهَاد فيرتفع من حضيض التَّقْلِيد إِلَى ذرْوَة الْحق الْمُبين ويمرح فِي روض التَّحْقِيق قَالَ ابْن مُفْلِح فِي الْمَقْصد الأرشد اشْتغل الْمُوفق بتأليف الْمُغنِي أحد كتب الْإِسْلَام فَبلغ الأمل فِي إنهائه وَهُوَ كتاب بليغ فِي الْمَذْهَب تَعب فِيهِ وأجاد فِيهِ وجمل بِهِ الْمَذْهَب وقرأه عَلَيْهِ جمَاعَة وَأثْنى ابْن غنيمَة على مُؤَلفه فَقَالَ مَا أعرف أحدا فِي زَمَاننَا أدْرك دَرَجَة الِاجْتِهَاد إِلَّا الْمُوفق وَقَالَ الشَّيْخ عزالدين ابْن عبد السَّلَام مَا رَأَيْت فِي كتب الْإِسْلَام مثل الْمحلى والمجلى لِابْنِ حزم وَكتاب الْمُغنِي للشَّيْخ موفق الدّين فِي جودتهما وَتَحْقِيق مَا فيهمَا وَنقل عَنهُ أَنه قَالَ لم تطب نَفسِي بالإفتاء حَتَّى صَارَت عِنْدِي نُسْخَة الْمُغنِي نقل ذَلِك ابْن مُفْلِح

стр. 384

وَحكي أَيْضا فِي تَرْجَمَة الزيراني صَاحب الْوَجِيز أَنه طالع الْمُغنِي ثَلَاثًا وَعشْرين مرّة وعلق عَلَيْهِ حَوَاشِي وَحكي أَيْضا فِي تَرْجَمَة ابْن رزين أَنه اختصر الْمُغنِي فِي مجلدين وَسَماهُ التَّهْذِيب وَحكي أَيْضا فِي تَرْجَمَة عبد الْعَزِيز بن عَليّ بن الْعِزّ بن عبد الْعَزِيز الْبَغْدَادِيّ ثمَّ الْمَقْدِسِي الْمُتَوفَّى سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَثَمَانمِائَة أَنه اختصر الْمُغنِي وَمِمَّا اطَّلَعْنَا عَلَيْهِ من شُرُوح الْخرقِيّ شرح القَاضِي أبي يعلى مُحَمَّد بن الْحُسَيْن ابْن الْفراء الْبَغْدَادِيّ وَهُوَ فِي مجلدين ضخمين وَبَعض نسخه فِي أَربع مجلدات وطريقته أَنه يذكر الْمَسْأَلَة من الْخرقِيّ ثمَّ يذكر من خَالف فِيهَا ثمَّ يَقُول وَدَلِيلنَا فيفيض فِي إِقَامَة الدَّلِيل من الْكتاب وَالسّنة وَالْقِيَاس على طَريقَة الجدل مِثَاله أَنه يَقُول مَسْأَلَة قَالَ أَبُو الْقَاسِم وَلَا ينْعَقد النِّكَاح إِلَّا بولِي وشاهدين من الْمُسلمين أما قَوْله لَا ينْعَقد إِلَّا بولِي فَهُوَ خلاف لأبي حنيفَة فِي قَوْله الْوَلِيّ لَيْسَ بِشَرْط فِي نِكَاح الْبَالِغَة دليلنا فيذكر دَلِيل الْمَسْأَلَة سالكا مَسْلَك فن الْخلاف ثمَّ يَقُول وَقَوله بِشَاهِدين من الْمُسلمين خلافًا لمَالِك وَدَاوُد فِي قَوْلهمَا الشَّهَادَة لَيست بِشَرْط فِي انْعِقَاد النِّكَاح وَخِلَافًا لأبي حنيفَة فِي قَوْله ينْعَقد بِشَاهِد وَامْرَأَتَيْنِ وَينْعَقد نِكَاح الْمسلمَة والكتابية بِشَهَادَة كَافِرين ثمَّ يَقُول دليلنا على مَالك وَدَاوُد كَذَا وَكَذَا وعَلى أبي حنيفَة كَذَا وَكَذَا وَالْفرق بَين هَذَا الشَّرْح وَبَين الْمُغنِي أَن الْمُغنِي يسْلك قَرِيبا من هَذَا المسلك وَيكثر من ذكر الْفُرُوع زِيَادَة على مَا فِي الْمَتْن فَلذَلِك صَار كتابا جَامعا لمسائل الْمَذْهَب وَأما أَبُو يعلى فَإِنَّهُ لَا يذكر شَيْئا زَائِدا على مَا فِي الْمَتْن وَلكنه يُحَقّق مسَائِله وَيذكر أدلتها ومذاهب الْمُخَالفين لَهَا فَإِذا طبع الْمُغنِي مَعَ شرح القَاضِي قرب

стр. 385

النَّاظر فيهمَا من أَن يُحِيط بِالْمذهبِ دَلَائِل وفروعا وحصلت لَهُ معرفَة بِبَقِيَّة الْمذَاهب وَتلك غَايَة قصوى يحتاجها كل مُحَقّق وَقد نظم الْخرقِيّ الْفَقِيه الأديب اللّغَوِيّ الزَّاهِد الشَّاعِر المفلق يحيى بن يُوسُف بن يحيى بن مَنْصُور بن المعمر بِفَتْح الْمِيم الْمُشَدّدَة ابْن عبد السَّلَام الْأنْصَارِيّ الصرصري الزريراني الضَّرِير صَاحب الدِّيوَان الْمَشْهُور فِي مدح النَّبِي ﷺ الْمُتَوفَّى سنة سِتّ وَخمسين وسِتمِائَة شَهِيدا قَتله التتار وَقد نظم الْخرقِيّ نظما صَدره بِخطْبَة نثرا قَالَ فِيهَا جعلت أَكثر تعويلي فِي نظمي هَذَا على مُخْتَصر فِيمَا نقلته إِذْ كَانَ فِي نَفسِي أوثق من تابعته وسمى نظمه الدرة الْيَتِيمَة والمحجة المستقيمة ثمَّ ذكر أَنه كَانَ قد عزم على نظم ربع الْعِبَادَات ثمَّ شرح الله صَدره لإكمال الْكتاب فَفعل ونظمه من بَحر الطَّوِيل وحرف الروي الدَّال قَالَ فِي أَوَائِل النّظم يَا طَالبا للْعلم وَالْعَمَل اسْتمع مَا قلت مَخْصُوصًا بِمذهب أَحْمد إِن من اخْتَار الإِمَام ابْن حَنْبَل إِمَامًا لَهُ فِي وَاضح الشَّرْح يَهْتَدِي فاشرع فِي ذكر الطَّهَارَة أَولا وَهل عَالم إِلَّا بذلك يبتدي وَقَالَ فِي آخر النّظم أَلفَيْنِ فاعددها وَسبعا مئاتها وَسبعين بَيْتا ثمَّ أَرْبَعَة زد بعد المئتين السِّت والأربع الَّتِي تلتها الثَّلَاثُونَ استتمت فقيد بصرصر فِي أَيَّام أشرف مَالك أُمُور الورى الْمُسْتَنْصر بن مُحَمَّد وناظمها يحيى بن يُوسُف أفقر الْأَنَام إِلَى غفران رب ممجد ثمَّ إِن الصرصري نظم زَوَائِد الْكَافِي على الْخرقِيّ فِي كتاب

стр. 386

مُسْتَقل وَالنُّسْخَة الَّتِي رَأَيْتهَا وجسدت أَولهَا مخروما إِلَى بَاب الْمسْح على الْخُفَّيْنِ فَلم أدر شَرطه فِيهَا وَالنّظم من بَحر الطَّوِيل على رُوِيَ الدَّال أَيْضا وَقَالَ فِي آخرهَا فَخذهَا هداك الله أَخذ موفق لغر الْمعَانِي حَافظ متسدد مسَائِل فقه واضحات لناشد بِأَبْيَات شعر رائقات لِمُنْشِد وعدتها أَلفَانِ كن خير ألف لَهَا تحمد الْآثَار مِنْهَا وتحمد تخيرتها مِمَّا حوى ابْن قدامَة الْمُوفق فِي الْكَافِي تخير مقتد هما لقنا صدق لَهُ ولجمعه بتوفيقه تَكْفِي الضلال وتهتدي وأسندت منظومي إِلَيْهِ تبركا بألفاظه الْحسنى تبرك أرشد فهذي وَمَا ألفت من قبلهَا إِذا حفظتهما حفظ اللبيب المجود وطارحت أهل الْبَحْث من فقهائنا بِمَا حوت الثنتان ترشد وترشد وَألف فِي لُغَات الْخرقِيّ وَشرح مفرداتها يُوسُف بن حسن بن عبد الْهَادِي كتابا سَمَّاهُ الدّرّ النقي فِي شرح أَلْفَاظ الْخرقِيّ وَهُوَ فِي مُجَلد حذا فِيهِ حَذْو صَاحب المطلع ورتبه على أَبْوَاب الْكتاب وَقد رَأَيْته بِخَطِّهِ فِي خزانَة الْكتب الدمشقية المودعة فِي قبَّة الْملك الظَّاهِر بيبرس وَحكى فِي آخِره أَنه فرغ من تأليفه سنة سِتّ وَسبعين وَثَمَانمِائَة وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ كتاب نَافِع فِي بَابه هَذَا مَا أمكنني الِاطِّلَاع عَلَيْهِ من مواد مُخْتَصر الْخرقِيّ الْمُسْتَوْعب بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة تأليف الْعَلامَة مُجْتَهد الْمَذْهَب مُحَمَّد بن عبد الله بن الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن قَاسم بن إِدْرِيس السامري بِضَم الْمِيم وَكسر الرَّاء مُشَدّدَة الْمُتَقَدّم ذكره وَهُوَ كتاب مُخْتَصر الْأَلْفَاظ

стр. 387

كثير الْفَوَائِد والمعاني ذكر مُؤَلفه فِي خطبَته أَنه جمع فِيهِ مُخْتَصر الْخرقِيّ والتنبيه للخلال والإرشاد لِابْنِ أبي مُوسَى وَالْجَامِع الصَّغِير والخصال للْقَاضِي أبي يعلى والخصال لِابْنِ الْبَنَّا وَكتاب الْهِدَايَة لأبي الْخطاب والتذكرة لِابْنِ عقيل ثمَّ قَالَ فَمن حصل كتابي هَذَا أغناه عَن جَمِيع هَذِه الْكتب الْمَذْكُورَة إِذْ لم أخل بِمَسْأَلَة مِنْهَا إِلَّا وَقد ضمنته حكمهَا وَمَا فِيهَا من الرِّوَايَات وأقاويل أَصْحَابنَا الَّتِي تضمنتها هَذِه الْكتب اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون فِي بعض نسخهَا نُقْصَان وَلَقَد تحريت أصح مَا قدرت عَلَيْهِ مِنْهَا ثمَّ زِدْت على ذَلِك مسَائِل وَرِوَايَات لم تذكر فِي هَذِه الْكتب نقلتها من الشافي لغلام الْخلال وَمن الْمُجَرّد وَمن كِفَايَة الْمُفْتِي وَمن غَيرهمَا من كتب أَصْحَابنَا هَذَا كَلَامه وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ كتاب أحسن متن صنف فِي مَذْهَب الإِمَام أَحْمد وأجمعه وَقَالَ فِي كِتَابه أَنه لم يتَعَرَّض فِيهِ لشَيْء من أصُول الدّين وَلَا من أصُول الْفِقْه وَيكثر فِيهِ من ذكر الْآدَاب الْفِقْهِيَّة انْتهى وَهُوَ فِي مجلدين ضخمين وَقد حذا حذوه الشَّيْخ مُوسَى الحجاوي فِي كِتَابه الْإِقْنَاع لطَالب الِانْتِفَاع وَجعله مَادَّة كِتَابه وَإِن لم يذكر ذَلِك فِي خطبَته لكنه عِنْد تَأمل الْكِتَابَيْنِ يتَبَيَّن ذَلِك رحمهمَا الله تَعَالَى الْكَافِي هُوَ فِي مجلدين للشَّيْخ موفق الدّين الْمَقْدِسِي صَاحب الْمُغنِي يذكر فِيهِ الْفُرُوع الْفِقْهِيَّة وَلَا يَخْلُو من ذكر الْأَدِلَّة وَالرِّوَايَات قَالَ مُصَنفه فِي خطبَته توسطت فِيهِ بَين الإطالة والاختصار وأومأت إِلَى أَدِلَّة مسَائِل مَعَ الِاقْتِصَار وغزوت أَحَادِيثه إِلَى كتب أَئِمَّة الْأَمْصَار وَرَأَيْت كتابا لطيفا لِلْحَافِظِ الْكَبِير صَاحب الْأَحَادِيث المختارة مُحَمَّد بن

стр. 388

عبد الْوَاحِد بن أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن بن إِسْمَاعِيل بن مَنْصُور السَّعْدِيّ الْمَقْدِسِي الملقب بالضيا فِي تَخْرِيج أَحَادِيث الْكَافِي وَقد توفّي الْحَافِظ سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وسِتمِائَة الْعُمْدَة كتاب مُخْتَصر فِي الْفِقْه لصَاحب الْمُغنِي جرى فِيهِ على قَول وَاحِد مِمَّا اخْتَارَهُ وَهُوَ سهل الْعبارَة يصلح للمبتدئين وطريقته فِيهِ أَنه يصدر الْبَاب بِحَدِيث من الصِّحَاح ثمَّ يذكر من الْفُرُوع مَا إِذا أدققت النّظر وَجدتهَا مستنبطة من ذَلِك الحَدِيث فترتقي همة مطالعه إِلَى طلب الحَدِيث ثمَّ يرتقي إِلَى مرتبَة الاستنباط وَالِاجْتِهَاد فِي الْأَحْكَام ولنفاسته ولطف مسلكه شَرحه الإِمَام بَحر الْعُلُوم النقلية والعقلية أَحْمد بن تَيْمِية الملقب بشيخ الْإِسْلَام فزينه بمسالكه الْمَعْرُوفَة وأفرغ عَلَيْهِ من لِبَاس الإجادة صنوفه وكساه حلل الدَّلِيل وحلاه بحلى جَوَاهِر الْخلاف وزينه بِالْحَقِّ والإنصاف فَرضِي الله عَنْهُمَا وَلَقَد رَأَيْت مِنْهُ المجلد الأول أَوله أول الْكتاب وَآخره بَاب الآذان مُخْتَصر ابْن تَمِيم مُؤَلفه ابْن تَمِيم الْمُتَقَدّم يذكر فِيهِ الرِّوَايَات عَن الإِمَام أَحْمد وَخلاف الْأَصْحَاب وَيذْهب فِيهِ تَارَة مَذْهَب التفريغ وآونة إِلَى التَّرْجِيح وَهُوَ كتاب نَافِع جدا لمن يُرِيد الِاطِّلَاع على اختيارات الْأَصْحَاب لكنه لم يكمل بل وصل فِيهِ مُؤَلفه إِلَى أثْنَاء كتاب الزَّكَاة إِلَى قَوْله فصل وَمن غرم لإِصْلَاح ذَات الْبَين أَي فَإِنَّهُ يعْطى من الزَّكَاة وطريقته فِيهِ أَنه إِذا قَالَ شَيخنَا يكون المُرَاد بِهِ نَاصح الدّين

стр. 389

أَبُو الْفرج ابْن أبي الْفَهم وَظن بَعضهم أَنه يُرِيد بِهِ أَبَا الْفرج الشِّيرَازِيّ وَهُوَ غلط رُؤُوس الْمسَائِل للشريف الإِمَام الأوحد عبد الْخَالِق بن عِيسَى بن أَحْمد ابْن أبي مُوسَى الْهَاشِمِي الْمُتَقَدّم وطريقته فِيهِ أَنه يذكر الْمسَائِل الَّتِي خَالف فِيهَا الإِمَام وَاحِدًا من الْأَئِمَّة أَو أَكثر ثمَّ يذكر الْأَدِلَّة منتصرا للْإِمَام وَيذكر الْمُوَافق لَهُ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَة بِحَيْثُ أَن من تَأمل كِتَابه وجده مصححا للمذاهب وذاهبا من أقوالها الْمَذْهَب الْمُخْتَار فجزاه الله خيرا الْهِدَايَة لأبي الْخطاب الكلوذاني مُجَلد ضخم جليل يذكر فِيهِ الْمسَائِل الْفِقْهِيَّة وَالرِّوَايَات عَن الإِمَام أَحْمد بهَا فَتَارَة يَجْعَلهَا مُرْسلَة وَتارَة يبين اخْتِيَاره وَإِذا قَالَ فِيهِ قَالَ شَيخنَا أَو عِنْد شَيخنَا فمراده بِهِ القَاضِي أَبُو يعلى ابْن الْفراء وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ حذا فِيهِ حَذْو الْمُجْتَهدين فِي الْمَذْهَب لِلصَّحِيحَيْنِ لروايات الإِمَام وَسَمعنَا أَن الشَّيْخ مجد الدّين عبد السَّلَام ابْن تَيْمِية وضع عَلَيْهِ شرحا سَمَّاهُ مُنْتَهى الْغَايَة فِي شرح الْهِدَايَة لكنه بيض بعضه وَبَقِي الْبَاقِي مسودة وَكَثِيرًا مَا رَأينَا الْأَصْحَاب ينقلون عَن تِلْكَ المسودة وَرَأَيْت مِنْهَا فضولا على هوامش بعض الْكتب التَّذْكِرَة للْإِمَام أبي الْوَفَاء عَليّ بن عقيل الْبَغْدَادِيّ جعلهَا على قَول وَاحِد فِي الْمَذْهَب مِمَّا صَححهُ وَاخْتَارَهُ وَهِي وَإِن كَانَت متْنا متوسطا لَا تَخْلُو من سرد الْأَدِلَّة فِي بعض الْأَحَايِين كَمَا هِيَ طَريقَة الْمُتَقَدِّمين من أَصْحَابنَا

стр. 390

الْمُحَرر كتاب فِي الْفِقْه للْإِمَام مجدالدين عبد السَّلَام بن تَيْمِية الْحَرَّانِي حذا فِيهِ حَذْو الْهِدَايَة لأبي الْخطاب يذكر الرِّوَايَات فَتَارَة يرسلها وَتارَة يبين اخْتِيَاره فِيهَا وَقد شَرحه الْفَقِيه الفرضي المفنن عبد الْمُؤمن بن عبد الْحق بن عبد الله بن عَليّ بن مَسْعُود الْقطيعِي الأَصْل الْبَغْدَادِيّ الملقب بصفي الدّين الْمُتَوفَّى سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة شرحا سَمَّاهُ تَحْرِير الْمُقَرّر فِي شرح الْمُحَرر قَالَ فِي خطبَته لم أذكر فِيهِ سوى مَا هُوَ فِي الْكتاب من الرِّوَايَات وَالْوُجُوه الَّتِي ذكرهَا غَيره لخُرُوج ذَلِك عَن الْمَقْصُود إِنَّمَا أَنا بصدد بَيَان مَا أودع من ذَلِك لَا غير انْتهى وطريقته فِيهِ أَنه يذكر الْمَسْأَلَة من الْكتاب ثمَّ يشرع فِي شرحها بِبَيَان مقاصدها وَيبين منطوقها ومفهومها وَمَا تنطوي عَلَيْهِ من المباحث وَلَا يخل مَعَ ذَلِك بِذكر الدَّلِيل وَالتَّعْلِيل وَالتَّحْقِيق فَهُوَ من الْكتب الَّتِي يَلِيق الاعتناء بهَا ولتقي الدّين بن قندس حَاشِيَة على الْمُحَرر وَلابْن نصرالله حَوَاشِي عَلَيْهِ حَسَنَة وَللْإِمَام ابْن مُفْلِح حَاشِيَة على الْمُحَرر سَمَّاهَا النكت والفوائد السّنيَّة على الْمُحَرر لمجد الدّين ابْن تَيْمِية مَوْجُود فِي خزانَة الْكتب الخديوية بِمصْر الْمقنع هُوَ فِي مُجَلد تأليف الإِمَام موفق الدّين الْمَقْدِسِي وَقَالَ فِي خطبَته اجتهدت فِي جمعه وترتيبه وإيجازه وتقريبه وسطا بَين الْقصير والطويل وجامعا لأكْثر الْأَحْكَام عرية عَن الدَّلِيل وَالتَّعْلِيل انْتهى وَذَلِكَ أَن موفق الدّين رَاعى فِي مؤلفاته أَربع طَبَقَات فصنف
следующие страницы →