Полный текст (204 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
قالت نعم، ولكن شديد العفاف حسنة الأخلاق والمفاكهة فتحادثنا ساعه وأخذها النوم. فوالله لقد هممت بهجر العفة لما داخلني، ثم راجعت المروءة فلما انتبهت وعزمت على الذهاب سألتها عن الزيارة فذكرت أن لها اخوة شرسة وأب كذلك، ثم مضيت وها أنا كما ترى فقلت ثبت نفسك، فإني موصلك إلى مطلوبك، ثم قمت فشددت على ناقتي وصحبت ألف دينار ومطرف ذو قبة خضراء من أدم، ومضينا حتى نزلنا بالشيخ فأحسن ملقانا فقلت له قد أتيتك خاطباً قال فوق الكفاءة أنت والمرغوب في مثله فقلت لم أخطب إلا لصاحبي هذا هو ابن أختكم فقال الحسيب الكريم ولكن أخيرها بينكما قلت ما أنصفتني فأومأ صاحبي إلى أن أدعه، فقلت افعل فخيرها ففوضت الأمر إلي فحمدت الله فزوجتها من صاحبي وأمهرتها ألفاً وكسوت الشيخ المطرف وسألته أن يبني بها من ليلته ففعل وجئته من الغد فقلت كيف كانت ليلتك وكيف وجدت صاحبتك قال أبدت لي كثيراً مما أخفته عني قديماً وسألتها عن ذلك فأنشدت:
كتمت الهوى أني رأيتك جازعاً ... فقلت فتى بعد التصديق يريد
فإن تطرحني أو تقول فتية ... يضير بها برح الهوى فتعود
فوريت عنما بي وفى الكبد والحشا ... من الوجد برح فاعلمن شديد
ومنهم ما حكاه أسدي وهي من العجائب المستلطفة
قالت ضلت لي ابل فطلبتها في قضاعة حتى إذا دهمني الليل أمسيت في بيت تفرست أن كفؤ للضيف فناديت أهله فلبتني امرأة كالشمس جمالاً، وقالت انزل على الرحب، وأجلستني عند نار فاصطليت وأتتني بعشاء كثير فأكلت وهي تحادثني وإذا ابل كثيرة قد أقبلت إلى البيت وقد أقبل شخص فبادرت إليه ومعها ولد تلاعبه فتناوله وجعل يلثمه وأنا أظنه عبداً لقباحته حتى جلس إلى جانبها فقال لها ممن الضيف قالت أسدي فعلمت أنه زوجها، فجعلت أتأمل ما بينهما من المباينة ففطن لذلك فقال كأنك تعجب منا قلت إي والله وأي العجب قال أحدثك بوصولها إلي قلت ما أشوقني إلى ذلك قال أعلم إني كنت سابع سبعة أخوة إذا رأيتني ظننتني عبدهم وكانوا يطرحوني للرعي ونحوهن فضل لنا بعير فقالوا امض في طلبه، فقلت ما أنصفتموني فقال أبي اذهب يا لكع وإلا جعلته آخر أيامك وتهددني بالضرب فمضيت وأنا على أسوأ حالة من البرد والجوع، فدفعني المساء إلى عجوز عليها سمة الخير والشرف، وإلى جانبها هذه العزبة، فجعلت تسخر بي وتقول: هل لك إذا نام الناس أن تدخل علي فأتحدث معك فإني لم أر أحسن منك فقلت دعيني من هذا، وأقبل أبوها واخوتها سبعة فناموا بإزاء الخيمة فأغراني الشبع والدفء فدخلت الستر، فلما شعرت بي قالت من تكون؟ قلت الضيف، قالت أخرج لا حياك الله ولا صبحك، فخرجت فزعاً، فتلقاني كلبهم يريد أن يأكلني وأنا أرده بعصاي حتى علق بجبة صوف علي فتجاذبنا حتى سقطت أنا وإياه في حفرة لا ماء فيها وكانت الصبية شعرت بذلك فأقبلت حتى إذا بصرت بي قالت: وددت والله أن أجعلها قبرك لولا خشية الضرر، ثم أدلت لي حبلاً وقالت لي أرق، فحين قاربت فم الحفرة انهارت من تحت أقدامها، فسقطنا جميعاً.
فلما كان الصباح وافتقدوها فلم يجدوها وكان أبوها عارفاً بما حصل فأقبلوا بالسيوف والأحجار على قتلنا. فقال أبوها إني لاعرف من ابنتي ما لا ريبة فيه، فأمسكونا وأخرجونا فأقبل علي أبوها فقال أفيك خير لأزوجك بها اتقاء الشهرة، فقلت حين شممت الحياة وهل عندي إلا الخير، فزوجني بها على خمسين بكرة وأمة وعبداً، ورجعت إلى أبي فأخبرته بذلك فأحضرها وأقبلت بها إليهم فأخذوها وبنيت بها وها هي تسمع ما أقول.
ومن الصنف الثاني ما حكى عن علي ﵁ أنه كان له مؤذن شاب وكان عنده جارية، وكان إذا رآها المؤذن يقول لها إني أحبك فأخبرت علياً بذلك فقال لها قولي له وأنا أيضاً أحبك، فماذا تريد؟ فقالت له ذلك فقال إذاً نصبر حتى يوفينا أجورنا من يوفي الصابرين أجرهم. ومضت وأخبرت علياً فدعا به وزوجه منها.
стр. 107
وحكى عن عبد الله بن جعفر أنه كان يحب جارية فبلغه أنها تهوى عبداً من عبيده، فقال لها في ذلك فقالت أعيذك بالله من هذا فأقسم عليها أن تصدقه فأطرقت ساكتة فزوجها منه ثم داخله من حبها ما كاد أن يذهب عقله، فدعا الغلام فقال له هل تنزل عنها بعشرة آلاف درهم. فقال ولا مائة ألف. فقال بارك الله لك فيها، فلم يكن إلا قليل ومات العبد فأعادها ابن جعفر، وقيل أنه حين دخل بها أنشد:
رضيت بحكم الله في كل أمره ... وسلمت أمر الله فيه كما مضى
بلاني وأبلاني بحب دنية ... وصبرني حتى انمحى الحب فانقضى
لعمري ما حب بحب ملالة ... ولا كان حبي زائلاً فتنقضا
ولكن حبي معه دل يزينه ... ويعرض أحياناً إذا الحب أعرضا
حكى الرياشي قال اشترى بصري جارية على أرفع ما يكون من الجمال والفصاحة، فكلف بها وكان مثرياً، فأنفق عليها ما في يده حتى إذا أملق ولم يبق معه شيء أشارت عليه ببيعها شفقة عليه.
فلما حضر بها السوق أخذت إلى ابن معمرة، وكان عاملاً على البصرة، فاشتراها بمائة ألف درهم، فلما قبض المال وهم بالانصراف أنشدت:
هنيئاً لك المال الذي قد حويته ... ولم يبق في كفي غير التذكر
أقول لنفسي وهي في غشى كرية ... أقلى فقد بان الحبيب أو أكثرى
إذا لم يكن للأمر عندي حيلة ... ولم تجدي شيئاً سوى الصبر فاصبري
فاشتد بكاء مولاها وأنشد:
فلولا قعود الدهر بي عنك لم يكن ... يفرقنا شيء سوى الموت فاصبري
أروح بهم في الفؤاد مبرح ... أناجي به قلباً طويل التفكر
عليك سلام لا زيارة بيننا ... ولا وصل إلا أن يشاء ابن معمر
فقال ابن معمر للبصري خذها ولك المال فانصرفا راشدين، فوالله لا كنت سبباً لفرقة محبين.
وحكى عن ابن دأب أنه مرض مرضاً شديداً وطال به الأمر فدعوا له أطباء الروم فعالجوه بضروب من العلاج فلم يؤثر فيه شيء فأمروا أهله أن يوكلوا به امرأة تسقيه من الخمر دون السكر لعله يبوح بما عنده، فأرسل إليه عمه جارية، فلما سقته وغنت عنده، أنشد يخاطب الجارية المغنية وحاضنة كانت له يقول:
دعوني لما بي وانهضوا في كلاءة ... من الله قد أيقنت أني لست باقيا
وإذ قد دنا موتي وحانت منيتي ... وقد جلبت عيني إليّ الدواهيا
أموت بشوق في فؤاد مبرح ... فيا ويح نفسي من به مثل ما بيا
فأعلموا عمه بذلك فرحمه، وبعث إليه بجارية ظريفة كثيرة الأدب فاستخرجت ما عنده بلطف، فأخبرها أنه رأى جارية أخته في نومه فعشقها وأصابه هذا الحال، فأعلمت أخته فوهبت له الجارية فبرىء من علته.
وحكى رجل، قال عشق عبد أسود لصديق لي بالمدينة جارية لرجل أيضاً، وكان يواصلها سراً، فلما علم مولاها جاء إلى مولى العبد فأخبره بذلك فضرب العبد وسجنهن فتوله وطار عقله فدخلت عليه يوماً فقلت له ما هذا الحال قد فضحتنا بهذه السوداء فهل عندها ما عندك فبكى وأنشد:
كلانا سواء في الهوى غير أنها ... تجلد أحياناً وما بي تجلد
نخاف وعيد الكاشحين وإنما ... جنوني عليها حين أنهي وأوعد
فخرجت وأعلمت مولاه فحلف لا يبيتن حتى يجمع بينهما فاشتراها باثني عشر ديناراً وزوجها منه.
وحكى عن ابن جعفر أيضاً أن أحب جارية عنده اسمها عمارة وحباً شديداً فكان لا يستطيع فراقها سفراً ولا حضراً، فقدم على معاوية سنة من السنين لأخذ حقه فزاره يزيد فغنت الجارية بحضرتهن فأخذت بمجامع قلبه وتمكن حبها من نفسه وكان ذا دهاء فكتم أمرها.
فلما أفضت إليه الخلافة استشار أهل سره في أمرها، وأنه لا يهنأ له قرار دونها. فقالوا له ابن جعفر عند الناس بمنزلة، وتعرف ما كان عليه مع أبيك، ولا نأمن عليك في ذلك، فالزم المهلة واجتهد في الحيلة فأخذ في تدبير ذلك حتى ظهر له، فأحضر رجلاً عراقياً معروفاً بالدهاء والحيل، وأطلعه على أمره، فقال له مكني مما أريد، ولك علي أن آتيك بها، فقال لك ذلك وسترى مني ما يسرك، ثم أعطاه مالاً وثياباً وجواهر.
стр. 108
وخرج العراقي كبعض التجار حتى نزل بساحة عبد الله بن جعفر وبلغه، فأحسن ملتقاه، وأخذ العراقي في التودد إليه، فأرسل إليه بقماش وجواهر وهدايا تزيد على ألف دينار وساله قبولها، فقبلها ونقله إلى خواصه، فزاد في الهدايا إلى أن صار من ندمائه.
فأحضر الجارية، فلما غنت أعجب بها العراقي حتى قال ما ظننت أن في الدنيا مثل هذه، فقال له كم تساوي عندك؟ قال الخلافة. قال عبد الله تقول ذلك لتزين لي شانها وتطلب بذلك سروري. قال يا سيدي أنا تاجر جمع الدرهم إلى الدرهم ولو بعتنيها بعشرة آلاف دينار لأخذتها، قال قد بعتك. قال اشتريت، وقام العراقي فرحاً بما ظفر به، وبات ابن جعفر متفكراً.
فما أصبح إلا وقد جاء العراقي بالمال، فقال له ابن جعفر أنا كنت مازحاً فقال له يا سيدي أنت تعلم أن المزح في البيع جد وهذا لا يليق بمثلك وأنت معروف بالكرم والصلات، فكيف ترضى أن يشيع عنك مثل هذا.
وطال بينهما الكلام إلى أن خدعه، فأخرجها له وهو كالمجنون لا يملك نفسه، فرحل بها من يومه، وأقام ابن جعفر حزيناً باكياً لا يقر له قرار. فلما دخل العراقي الشام وجد يزيد قد مات، فاجتمع بولده معاوية، فقص عليه الخبر وكان صالحاً، فقال له اخرج عني بها فلا ترني وجهك.
فخرج العراقي وكان قد قال للجارية، أنا لست من رجالك، وإنما أخذتك للخليفة فاستترت فلم ير لها وجهاً، فلما قال له معاوية ما قال جاء إليها وقال قد صرت لي، ولكن استتري فإني معيدك إلى مولاك، ثم رحل بها حتى دخل على ابن جعفر.
فلما تلاقيا أخبره بالقصة وأنه لم يكن تاجراً ولكن كان مطلوبه الجارية ليزيد وأنه حين رآه قد هلك لم ير نفسه أهلاً لها، فأعادها إليه ولم ير لها وجهاً ثم أخذها فسلمها إليه، فلما تلاقيا وتعانقا خرا مغشيين ساعه، ثم أدخلها ورفع منزلة العراقي حتى صار أعظم الناس عنده ووهب له المال، وانصرف وأقاما على ما كانا عليه.
وحكى في الأغاني عن ابن أبي مليكة عن جده، قال كان في المدينة رجل ناسك كثير العبادة، فمر يوماً بجارية تغني شعر أعشى بني قيس وهو:
بانت سعاد فأمسى حبلها انقطعا ... واحتلت العود فالحدين فالفرعا
وأنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصلعا
فهام حتى كاد أن يخرج عقله وذهب إليه عطاء وطاوس يلومانه في ذلك فأنشد:
يلومني فيك أقوام أجالسهم ... فما أبالي اطار اللوم أم وقعا
وسمع ابن جعفر بذلك فاشترى الجارية بأربعين ألف درهم، ثم احضر الناسك وكان الصوت الذي سمعه من الجارية بتلحين عزة الميلاء فأحضرها وقال له تحب أن تسمع الصوت من صاحبته، قال نعم فأمرها فغنت فسقط مغشياً عليه.
فقال ابن جعفر قد أثمنا فيه الماء الماء، فأتى بالماء فجعل ينضحه حتى أفاق، فقال له اسمعه من الجارية، قال قد رأيت ما وقع لي منه مع من لا أحبها فكيف منها فقلل أتعرفها؟ قال وهل أعرف غيرها، فأخرجها له وسلمها إليه وقال هي لك والله ما رأيتها، فقبل يديه ورجليه وقال قد أعدت عقلي وأحييت نفسي ودعا له، فقال يا غلام احمل معه مثل ثمنها مالاً وثياباً وطيباً يتطيب به فأخذ ذلك وانصرف.
وحكى أنه كان ببغداد رجل من ذوي النعم، فعشق قينه على أوفر ما تكون من الجمال والمعرفة بالغناء والضرب، فأنفق عليها ما معه حتى ضاق حاله، فأشار عليه بعض أصدقائه أن يأذن لها في الغناء عند الناس فإنها مطلوبة ويحصل له بذلك الثروة، فغم لذلك وأخبره أن الموت عنده أسهل من ذلك وقالت له الرأي أن تبيعني فتحصل من ثمني على غناك أو أكون أنا في ثروة فإنه لا يشتري مثلي إلا غني.
стр. 109
فحضر بها السوق فاشتراها هاشمي من أهل البصرة بألف وخمسمائة ديناراً فلما قبض المال وتفارقا صار كل منهما على أقبح حال من البكاء، واجتهد في الإقالة، قال فخرجت لا أدري إلى أين أذهب إذ لا يمكنني الدخول إلى البيت وقد أوحش منها، فدخلت مسجداً فجعلت الكيس تحت رأسي، فما انتبهت إلا وشاب قد أخذ الكيس فقمت لأعدو خلفه، فإذا رجلي مشدودة فما تخلصت إلا وقد ذهب فاشتد ما بي فجئت فلففت وجهي وألقيت نفسي في دجلة طالباً أن أغرق، فأنقذني الحاضرون ظانين أني وقعت غلطاً، فلما أخبرتهم بقصتي فمنهم من عنف، ومنهم من رحم، فخلا بي شيخ منهم فوعظني، وقال لست أول من افتقر بعد غنى، أما كفاك ذهاب مالك حتى تذهب نفسك وتصير في النار، فسكن ما بي قليلاً ثم عاودني القلق، فأخبرت صديقاً لي فأعطاني خمسين درهماً، وأشار على أن أخرج من بغداد فعسى أن أجد من أكتب عنده من الأكابر لحسن خطي.
فعزمت على واسط لأن لي بها صديقاً من الكتاب فجئت فرأيت زلالاً مهيأ، فطلبت النزول معهم فقالوا نحملك بدرهمين ولكن الزلال لهاشمي لا يريد معه غريباً فتزيا بزينا كأنك بعض الملاحين فوقع بقلبي أن الزلال للذي اشترى جاريتي فأتسلى حينئذ بصوتها فاشتريت الجبة ولبستها كالملاحين فما وقفت إلا وجاريتي قد أقبلت ومولاها فضربت لها ستارة، فلما انحدروا وجاء العشاء وأكلوا وشربوا، قال للجارية إلى كم هذا الحزن والمدافعة عن الغناء أأنت أول من فارقت مولاها، وأحلوا عليها فأخذت العود وغنت:
بان الخليط بمن علمت فادلجوا ... عمداً لقتلك ثم لم يتحرجوا
وغدت كان على ترائب نحرها ... جمر الغضى في ساعة يتأجج
ثم غلب عليها البكاء ونهضت، فانتفضت وصرعت فنضحوا علي الماء، وأذنوا في أذني فأفقت ولم يزالوا يتلطفون بها حتى عادت فغنت:
فوقفت أنشد بالذين أحبهم ... وكان قلبي بالشفار يقطع
فدخلت دارهم أسائل عنهم ... والدار خالية المنازل بلقع
فشهقت فكادت تتلف وصرعت، فقالوا كيف حملتم مجنوناً اطرحوه، فلحقني أمر عظيم فتصبرت، فلما شارف القوم المنزل في بعض الطريق، أوقفوا الزلال وصعدوا يتنزهون، وخلا الزلال فعمدت على غفلة إلى العود فأصلحته على طريقة معروفة بيني وبينها.
فلما رجعوا وكان الوقت مقمراً تلطفوا بها، وقالوا ترين ما نحن عليه في هذا الوقت فبالله عليك إلا ما انشرحت معنا، فأخذت العود فشهقت شهقة منكرة، ثم قالت هذا العود على طريقة كان يحبها مولاي ويضرب معي، وأنه لمعنا فقالوا لها والله لو كان معنا ما امتنعنا عن عشرته ليخف ما بك، فقالت هو معنا لا محالة، فقالوا للملاحين هل حملتم أحداً، وأشفقت أن ينقطع السؤال.
فقلت أنا يا سيدي فاحضرني، وقال إني والله ما وطئتها وأنا رجل قد وسع الله علي ما أخذتها إلا لسماع غنائها فكن معنا إلى منزلنا فأعتقها، وأزوجك بها ولا أريد منك إلا أن تحضرها كل ليلة وراء ستارة فسمع غناءها وننصرف.
فقلت كيف أمنع ذلك عنك وأنت سبب حياتي، فقال للجارية أرضيت بذلك؟ قالت نعم، وشكرته وزاد سرورها فجعلت تغني وأنا أقترح عليها الأصوات فتضاعف سرور الرجل ودمنا على ذلك حتى بلغنا نهر معقل ليلاً ونحن ثملون، فصعدت حتى ربطت الزلال لقضاء الحاجة، فأخذني النوم ولم يدروا بي حتى سافر، فأفقت بحر الشمس فلم أجدهم، وعدت إلى المحنة، فجاز بي سمارية فنزلت معهم إلى البصرة فدخلتها لم أعرف بها موضعاً ولا أحداً ولم أكن سألت الرجل عن اسمه ولا موضعه.
فرأيت رجلاً من بغداد ماراً فقمت لأشكو إليه حالي، فقال اتبعني فتبعته حتى عرفت موضعهن وجئت به إلى بقال فأخذت منه ورقة لأكتب عن حالي إلى الرجل فاستحسن البقال خطي واسترث حالي وسألني عنه، فلم أشرح له أكثر من أنه لم يبق في يدي شيء، فقال هل لك أن تكتب عندي في كل يوم بنصف درهم وما تحتاج إليه فتضبط مالي، فأجبته فرأى بعد شهر الزيادة بضبطي وحفظي ما كان يسرق له فزاد في إكرامي، فزوجني بعد حول بابنته وأشركني في ماله غير إني في خلال ذلك منكسر النفس حزين القلب.
стр. 110
فلما كان ذات يوم رأيت الناس مجتازين بأنواع الزينة فسألت عن ذلك فقيل عيد الشعانين للنصارى، والناس تخرج للفرجة فوقع في نفسي أن أخرج معهم وأن عسى أن أظفر بأصحابي، فاستأذنت الرجل فأصلح لي ما أحتاج إليه، وخرجت فما وصلت إلا والزلال بعينه في أوساط الناس، فلم أملك إن طرت إليهم فحين رأوني فرحوا بي وقالوا نحن منذ فقدناك ما شككنا أنك غرقت.
فخرجت الجارية من ثيابها وكسرت العود وجزت شعرها. فلما وصلنا البصرة خيرناها فيما تريد، فاختارت لبس السواد وتمثيل قبر تجلس عنده تبكي، ثم أخذوني وأدخلوني عليه وهي على تلك الحالة، فلما رأتني شهقت شهقة ما شككت في موتها.
فلما أفاقت قال مولاها قد وهبتها لك، قلت لا ولكن افعل ما تقدم من العتق والتزويج، ففعل بالشروط السابقة وأعطاني ثياباً وخمسمائة دينار، وقال هذا مقدار ما كنت أجريه عليك إلى اليوم وهو مستمر لك فجئت إلى البقال فأعلمته بذلك وطلقت ابنته وأقمت مع الجارية في أحسن حال.
وحكى أن جعفر بن يحيى حين قدم البصرة مع الرشيد، قال لاسحاق بن إبراهيم قد بلغني أن هنا جارية لم ير مثلها لكن لا يريها مولاها إلا في بيته فاخرج بنا ننظر إليها، فخرجنا والنخاس مستخفين حتى طرقنا الباب فخرج شاب متغير اللون في ثوب خشن فأدخلنا داراً خربة، ففرش لنا حصيراً وأجلسنا ورحل، فخرجت جارية بذلك الثوب إلا أنها تفوق الشمس حسناً وجمالاً فأخذت العود وغنت:
أن يمس حبلك بعد طول تواصل ... خلقاً وبيتك موحشاً مهجورا
فلقد أراني والجديد إلى البلا ... دهراً بوصلك راضياً مسرورا
كنت المنى وأعز من وطىء الحصى ... عندي وكنت بذاك منك جديرا
ثم غلبها البكاء حتى منعها الغناء، فنهضت إلى البيت تعثر في القميص، فسمعنا لهما بكاء وشهيقاً، ثم خفيت أصواتهما حتى ظننا أنهما قبضا، ثم خرج الشاب بالثوب بعينه، وقال أشهدكم أنها حرة وأريد أن تزوجوني بها ففعلوا وغم جعفر لفواتها، وقال له ما حملك على هذا قال حديثي طويل إن شئت حدثتك به، قال قل فقال أنا ابن فلان، وقد كنا من ذوي العلم وهذا يعرف ذلك وأشار إلى النخاس.
ثم قال وكانت هذه الجارية لأمي فنشأت أنا وإياها فادخلنا المكتب فبرعنا في الأدب وأخرجت هي لتعليم الغناء فلم أطق فراقها فصرت معها، فلما برعت فيه طلبت أمي بيعها فأيقنت بالموت فصدقتها الخبر فوهبتها لي وجهزوها لي ودخلت بها بعد أن امتنعت من تزويج بنات الأكابر وأظهرت الزهد والعفة كل ذلك لقصور شهوتي عليها، والناس يظنونه عفة. فأقمنا في أرغد عيش إلى أن مات أبي فلم أحفظ النعمة، فأنفقت الأموال وأكثرت من الهبة وأسرفت حتى لم يبق عندي إلا هذا الثوب أتناوبه أنا وإياها، فأشفقت عليها فقلت لها حين دخل الخليفة الرأي أني أبيعك واعلم أني هالك أثر ذلك، ولكني أختار أن تعيشي بخير.
فلما عرضت عليكم ودخلت إلي، قالت لو كان عندك مني ما عندي منك ما ذكرت بيعاً، فقالت أتحبين أن أعتقك وأتزوج بك وتقيمي معي على هذا الحال. فقالت إن كنت صادقاً في الحب فافعل، فخرجت وفعلت ذلك، فعذره جعفر، قال إسحاق: فلما ركبنا قلت له أنت تبزل الأموال وتغني المحاويج أفلا ترق لهذا؟ قال بلى. ولكن قد غبت لفوت الجارية، ثم التفت إلى النخاس وقال كم صحبت من المال؟ قال ثلثمائة ألف دينار، قال أدفعها إليه وأمره أن يأتيني غداً وفلما أعطاه النخاس المال وأخبره أن الذي كان عنده جعفر وأنه يدعوك إليهن كاد أن يطير فرحاً وأقبل إليه من الغد وقد تزين فأخبر به الخليفة، فأجرى عليه رزقاً وجعله من الكتاب، لما رأى عنده من الظرف والأدب وأمر كلاً من العسكر أن يهاديهه ففعلوا وأقام في النعم.
وأغرب من ذلك، ما حكى أن أندلسياً كان مغرماً بجارية يحبها حباً شديداً وأنه أراد بيعها لوحشة، فلما حقت الصفقة كاد أن يطير عقله فحكم المشتري في ماله فأبى فتشفع عنده بأكابر بلدته فلم يجب، فمضى إلى الملك وأخبره بحاله، فأحضر المشتري وشفع عنده وبذل له مالاً كثيراً فامتنع وادعى محبتها.
стр. 111
فلما رأى الأندلسي اليأس منها ألقى نفسه من شاهق فأبهت الملك وأمر أن يتلقى فقدر أنه لم يصب بشيء وجيء به إلى الملك، فقال الله أكبر قد ظهر الحكم في ذلك، ثم قال للمشتري قد رأيت ما فعل هذا من حبها فإن كنت تحبها كما تقول فافعل كفعله فإن عشت فأنت أحق بها، فقال أفعل ثم هم بذلك ورجع فأمر أن يلقي غصباً، فلما حقق ذلك قال أعطيته إياها فأخذت منه وأعيدت إلى مالكها.
وحكى أن المأمون افتتن بجارية من جواري أبيه الرشيد، وكان يكتم أمره وكانت من خواص الخدمة، فبينا هي يوماً تصب على يديه وقد التفت إذ أشار لها المأمون بقبلة فغمزته مشيرة بحاجبها إلى أنها خائفة ففترت بصب الماء ففطن الرشيد فحلف إن لم تخبره ليفتكن بها، فأعلمته فنظر إلى المأمون وقد كاد أن يقضي من الخوف فضمه وسكن ما به ثم قال له أتحبها؟ قال نعم. قال قم فاختلي بها في هذه الخلوة ففعل، فلما خرج قال له أنشد في هذه فأنشد:
ظبي كنيت بطرفي ... عن الضمير إليه
قبلته من بعيد ... فاعتل من شفتيه
وردّ أخبث ردّ ... بالكسر من حاجبيه
فما برحت مكاني ... حتى قدرت عليه
وحكى أن إبراهيم بن المهدي زمن اختفائه من المأمون مكث عند عمه عليه بنت المنصور، وكان عندها جارية قد أحسنت تأديبها وتعليمها حتى صارت من الطف أهل زمنها فوكلتها بخدمة إبراهيم فعلقها وزاد به الوجد وهو يكتمه حياء حتى سكر يوماً فغنى:
يا غزالاً لي إليه ... شافع من مقلتيه
والذي أجللت خد ... يه فقبلت يديه
بأبى وجهك ما ... أكثر حسادي عليه
أنا ضيف وجزاء ... الضيف إحسان إليه
ففطنت للطفها بما أراد فأخبرت مولاتها فوهبتها له، فلما رآها مقبلة أعاد الصوت فقبلت رأسه فنهاها فأخبرته أنها له فقرت عينه.
وحكى أن رجلاً مكياً كان عنده جارية وكانت على أحسن صورة، وألطف هيئة قد كملت فوق حسنها بالبراعة بالغناء والضرب، حتى أن الناس كانوا يقصدون الحج لينظروا إليها لأنه كان لا يخرجها إلا زمن الموسم يطلب فيها الزيادة.
وأنه كان بمكة فتى ناسك قد عرف عند الناس بالعبادة فوقع عنده من حب الجاريه ما غير حاله وهيج بلبابه وانحل بدنه وأهاج شجنه، فكان يقنع في كل سنة بالنظر إليها زمن الموسم، ثم يمكث باقي السنة عليلاً في بيته. فدخل عليه صديق له فعاين من حاله ما حير قلبه، وأطار لبه، فتلطف به حتى عرف أمره، وما هو عليه من أمر الجارية.
ورغب إليه أن لا يفشي سره، فخرج حتى اجتمع بمولاها فحدثه القصة فزينها وخرج بها كيوم الموسم، فلما اجتمع الناس، قال أشهدكم أني وهبت هذه الجارية لهذا الفتى، فقيل له كيف تفعل هذا وقد بذل لك فيها الأموال. قال دعوني إني أحييت كل من على الأرض، لأن الله يقول: " ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً ".
وحكى عن الحرث بن سليمان، قال كنا بمجلس سليمان بن عبد الملك، فأتاه سعيد بن خالد فقال له أنا شاك إليك من ظلمني وانتقص حرمتي. قال من قال موسى شهوات، قال علي به فاحضر، فقال له أنت شتمت هذا؟ قال لا وأيد الله أمير المؤمنين إنما مدحت ابن عمه فاغتاظ، فقال سليمان وعلام مدحته. قال موسى يا أمير المؤمنين عشقت جاريه حتى كادت نفسي تتلف في حبها ولم أكن أقدر على ثمنها فشكوت حالي إلى أصدقائي فلم يجبني أحد فشكوت إليه فاستمهلني ثلاثاً وأتيته وهو جالس فقال لغلام عنده، أخرج الوديعة فإذا بالجارية، فقال هذه طلبتك. قلت نعم، فقال تسلمها ثم قال للغلام أخرج ما عندي من النفقة فأخرجها فإذا هي مائة دينار فصرها مع طيب في ملحفة ودفع الكل إلي، فقال سليمان وما قلت فيه فأنشد:
أبا خالد أعني سعيد بن خالد ... أخا العرف لا أعني ابن بنت سعيد
ولكنني أعني ابن عائشة الذي ... أبو ابويه خالد بن أسيد
عقيد الندى ما عاش يرضى به الن ... دى فإن مات لم يرض الندى بعقيد
دعوه دعوه إنكم قد رقدتم ... وما هو عن إحسانكم برقود
стр. 112
فأحضره سليمان وقال أحق ما يقول عنك موسى، قال قد كان ذلك. فقال كم عليك من الديون؟ قال ثلاثون ألفاً. قال هي لك ومثلها وثلث مثلها قال موسى فلقيته صبيحة اليوم فقلت كم عندك من المال قال والله لم يبق منه شيء. قلت ففيم أنفقته؟ قال في تفريج عن صديق واعطاء محتاج وصلة رحم.
وحكى عن الربيع، قال سمعت الشافعي ﵁ يقول اشتريت جارية وكنت أحبها فأقول لها:
ومن السعادة أن تحب ... وأن يحبك من تحبه
ومن الشقاوة أن تحب ... ولا يحبك من تحبه
فتقول:
ويصدّ عنك بوجهه ... وتلح أنت فلا تغبه
وحكى عن إبراهيم بن ميمون، قال حججت فإذا أنا بسوداء قائمة ساهية فأنكرت حالها فمكثت ساعة ثم أنشدت:
أعمر وعلام تجنبتني ... أخذت فؤادي وعذبتكم
فلو كنت يا عمرو وأخبر ... تني أخذت حذاري فما نلتني
فقلت لها ومن عمرو؟ قالت زوجي أوهمني أنه يحبني حتى تزوجه، وعندي من الحب له ما عنده لي، فتركني ومضى إلى جدة. فقلت له لك أن أجمع بينكما؟ قالت ومن لي بذاك، فمضيت حتى وقفت بالساحل فصرت أنادي من يخرج من المركب يا عمرو وكانت قد وصفته لي بأنه أحسن ما أرى فإذا أنا بفتى على ما وصفت فأنشدته الشعر فقال قد رأيتها. قلت فما يمنعك منها؟ قال والله عندي أضعاف ما عندها وإنما منعني الاكتساب. قلت فكم يكفيك في كل سنة؟ قال ثلثمائة درهم فأعطيته ثلاثة آلاف درهم، وقلت هذه بعشر سنين، فإذا فنيت أو قاربت فاتني أوجه إليه بمثلها، ثم جمعت بينهما فكان أعظم عندي من الحج.
وحكى أن بعض التجار قدم لأصدقائه طعاماً وفيه ديك، وقال ابن الجوزي سكباج وأبى أن يكأل معهم فامتنعوا لأجله، فقال كلوا فلولا أذى يلحقني منها لأكلت ثم عاود نفسه، وقال أتحمل وآكل.
فلما فرغو وجيء بالغسول غسل يديه أربعين، فقالوا له أبك وسواس؟ قال لا، ولكن هذا الأذى الذي قلت لكم وله حديث عجيب قالوا وما هو؟ قال أوصاني أبي وكان من ذوي النعم ولا وارث له غيري أن أحسن الانفاق والتكسب وأن أسبق إلى السوق وأتجر فيه فحفظت ما قال. فبينا أنا يوماً في السوق سحراً، وقد عرفني الناس بذلك فكان ربما يأتي ذو حاجة في وقت لا يجد غيري فأقضيها فاكتسبت بذلك مالاً وجاهاً.
فبينا أنا يوماً جالس إذا بامرأة على حمار وخادم يمسكه فنزلت عندي، فرحبت بها فرأيت نغمة وشكلاً بهرني، فقلت ماذا تريدين؟ قالت ثياباً صفتها كذا. فقلت إجلسي حتى يتكامل الناس وقد أذهبت عقلي وأطارت لي، فجمعت لها ثياباً بخمسة آلاف درهم، فأخذتها وانصرفت ولم تعطني شيئاً ولم أفق من دهشتي أن أقول لها في ذلك، ووقع عندي أنها محتالة. فقلت أبيع ما عندي وأعطي الناس وألزم بيتي.
فمضى على ذلك أسبوع، فبينا أنا جالس إذ أقبلت على العادة فقمت وأجلستها ونسيت ما كان عندي. فقالت قد أبطأنا عليك، فقلت رفع الله قدرك عن هذا فأخرجت المال جميعه فأعطيته لأربابه مع ما ربحت في ذلك ثم طلبت ثياباً بألف دينار فأخذها ومضت، فعاودني ما مضى فأبطأت فقلت والله هذه حيلة أوفت خمسة آلاف درهم وأخذت ألف دينار، ثم طالت غيبتها شهراً وطالبني الناس فعزمت على بيع عقاري وما لي أو قال بعت وأوفيت، وإذا هي قد أتت على العادة ونزلت عندي فأنسيت ذلك فأخرجت المال جميعه وطلبت غيره.
فشاغلتها بإحضار التجار. فقالت هل لك زوجة، قلت لا والله وطمعت فيها فأخذت خادمها على خلوة وأرغبته في أن يكلمها فضحك وقال هي والله أعشق منك لها فرجعت وكلمتها في ذلك فضحكت وقالت الخادم يأتيك برسالتي.
ومضت ولم تأخذ شيئاً إذ لم يكن بها حاجة من الأصل إلا العشق، فما كان بعد أيام حتى جاء الخادم فأكرمته وشرح لي أنها مملوكة لأم المقتدر، وقد رغبت في جعلها قهرمانة. فلما تألفت بك مضت فشكت إليها حبك ورغبت إليها أن تزوجها بك، فأبت دون أن تراك وقد أخذوا في حيلة يدخلونك بها إليها فإن تمت تم أمرك وهي أن تجلس الليلة بمسجد كذا فمضيت إلية، فما كان السحر أقبل خدام ومعهم صناديق فوضعوها وإذا أنا بالخادم والجارية فأدخلوني في صندوق منها وجعلوا في الباقي ثياباً وحملوها إلى الدار فكلما جاروا بطبقة من البوابين يريدون أن يفتشوا ذلك فتمنعهم، حتى عارض خادم وقال لا بد من تفتيش هذا الصندوق.
стр. 113
فأدركني الخوف حتى انساب معه البول مني، فصاحت أفسدت المتاع، وكسرت عليه أواني ماء الورد. فقال اذهبي فمضوا حتى أخرجوني في خلوة وجعلت تطعمني وتسقيني حتى أتتني يوماً فعرضتني على السيدة فرضيتني لها، فاحتالت في خروجي وأمرتني بأن أتزين في أحسن زينة إلى باب الخلافة، ففعلت فأخذوني وأجلسوني في بيت وجعلوا يدخلون ويخرجون ويذكرون أن هذا وقت زفاف فلانة على البزاز ويذكرون صاحبتي ففرحت فرحاً أطار عقلي غير أني جعت جوعاً أحرق أحشائي، واستطعمت الخدام فلم يطعموني لأنهم لم يعرفوني حتى جاء خادم يعرفني فشكوت إليه الجوع فقدم لي ديك فأكلت وغسلت يدي غسلاً ظننت معه النقاء.
فلما خلوت بها رفستني وقالت عجبت كيف تفلح وأنت عامي سفلة، وهمت بالخروج فتعلقت بها وأخبرتها القصة، ثم قلت يلزمني صوم الأبد والحج ماشياً والطلاق والعتاق وصدقة مالي أن لا آكلها بعد اليوم إلا وأغسل يدي أربعين مرة فضحكت.
ودعت بطعام وشراب فأكلنا وشربنا، ولما مضى أسبوع أعطتني مالاً وأمرتني أن أشتري به داراً فاشتريت وتحولنا وقد صحبت نعمة عظيمة فأقمنا على أحسن حال.
وحكى التنوخي في المستجاد ونقله في نديم المسامرة، قال حمل المأمون من البصرة عشرة قد رموا بالزندقة، فلما اجتمعوا للنزول في السفينة، جاء طفيل فنزل معهم، وقال ما أظن هؤلاء اجتمعوا إلا لوليمه، فلما قيدوا ندم وعلم أن لا خلاص له. فحين ضربت أعناقهم وكان المأمون يعرفهم سأل عنه فقالوا لم نعرفه. فسأله فقال زوجتي طالق إن كنت أعرفهم أو أحوالهم، وإنما رأيتهم مجتمعين فظننت أنها وليمة.
فقال المأمون يبلغ التطفل بأصحابه إلى هذا، عزروه لئلا يعود إلى مثلها فقال ابن المهدي هبه لي يا أمير المؤمنين وأحدثك عن التطفل بحديث عجيب قال وهبته لك فحدثني قال يا أمير المؤمنين ركبت يوماً حتى مروت بموضع فشممت رائحة طعام وأبازير ما شممت مثلها قط، ورأيت معصماً من الشباك أخذ بقلبي أيضاً فاشتهيت أن آكل منه وأخذت في الحيلة إذ لم أكن أعرف أحداً من أهل المكان، فجئت إلى خياط قريب من المنزل فسألته عن اسم صاحب المكان فقال لي عن اسمه، وأنه تاجر يحب عشرة مثله، أيشرب الخمر؟ قال نعم. وأظن عنده اليوم جماعة من أصحابه.
فمكثت ساعة فإذا هم مقبلون، فقال لي هؤلاء أصحابه، فحركت دابتي حتى لحقت بهم فقلت قد أبطأتم وفلان ينتظركم. ثم دخلنا وهم يظنون أني من جماعة صاحب المنزل وهو يظن أني معهم فأكرمني كل منهم، وقدم الطعام فأكلنا فقلت في نفسي هذا الطعام قد قضيت منه شهوتي وبقي الكف والمعصم، ثم رفع الطعام ووضع الشراب وجاءت جارية ومعها عود فغنت:
توهمها طرفي فأصبح خدّها ... وفيه مكان الوهم من نظري أثر
وصافحها كفي فآلم كفها ... فمن ضم كفي في أناملها عقر
فهيجت بلابلي وطربت لحسن شعرها ثم غنت أيضاً:
أشرت إليها هل عرفت مودتي ... فردّت بطرف العين أني على العهد
فحدث عن الاظهار عمداً لسرها ... وحادت عن الاظهار أيضاً على عمد
فصحت وطربت وطرب القوم حتى لم نملك نفوسنا ثم غنت أيضاً:
أليس عجيباً أن بيتاً يضمني ... وإياك لا نخلو ولا نتكلم
سوى أعين تبدي سرائر نفس ... وتقطيع أنفاس على النار تضرم
إشارة أفواه وغمز حواجب ... وتكسير أجفان وكف تسلم
فحسدتها على الحذق والاصابة غير أني قلت بقي عليك شيء، فرمت العود وقالت متى كنتم تحضرون في مجالسكم البغضاء فتألموا مني فقلت قد فاتني ما أملت أن لم اتلاف قلوبهم. فقلت هل عندكم عود؟ قالوا نعم، وأحضروه فأحكمت إصلاحه وغنيت:
ما للمنازل لا تجيب حزينا ... أصممن أم قدم البلا فبلينا
لا بل بلين فهجن داء ساكناً ... لمتيم واثرن منه دفينا
راحوا العشية روحة مذكورة ... إن متن متنا أو حيين حيينا
فقبلت عند ذلك يدي وقالت معذرة إليك، وزاد القوم في إكرامي، فلما رأيت مزيد بسطهم اندفعت أيضاً فغنيت:
أفي العدل أن تمسين لا تذكرينني ... وقد سجمت عيناي من ذكراك الدما
إلى الله أشكو بخلها وسماحتي ... لها عسل مني وتبذل علقما
стр. 114
فردّي مصاب القلب أنت سلبته ... ولا تتركيه ذاهل العقل مغرما
إلى الله أشكو أنها أجنبية ... وأني لها ما عشت بالود محرما
فرأيت من طرب القوم ما فارقوا به عقولهم، فأمسكت عنهم خشية أن يتلفوا ساعتئذ ثم غنيت:
هذا محبك مطوي على كمده ... وجدا مدامعه تجري على جسده
له يد تسأل الرحمن راحته ... مما به ويد أخرى على كبده
يا من رأى كلفاً في حبه دنفاً ... كانت منيته في عينه ويده
فقالت الجارية هذا والله الغناء لا ما نحن فيه وسكر القوم حتى غابوا، إلا المنزل لجودة شربه، فأمر بحملهم إلى منازلهم وخلاني، فسألني من أنا فأخذت أروي فأقسم علي إلا ما عرفته بنفسي، وقال قد ذهب أكثر عمري هدراً إذا لم أعرف مثلك.
فلما عرفته بنفسي وثب قائماً، وقال لا أقضي باقي ليلتي في جدمتك إلا قائماً، فأقسمت عليه أن أجلس، فجلس وأخذ يستخبرني عن سبب مجيئي، فأخبرته القصة حتى انتهيت إلى أنه لم يبق علي إلا المعصم، فقال تناله إن شاء الله تعالى.
وعرض علي جواريه فلم أر الغرض، فقال يا سيدي لم يبق عندي إلا أمي وأختي، ابدأ باختك فأتى بها فإذا هي الغرض، فقلت ها هي، فقال والله أقررت عيني، ثم دعا بالشهود من ليلته فعقد لي عليها وأدخلني بها، فلما أصبحنا حول معها متاعاً لا يوجد مثله إلا عندك يا أمير المؤمنين، وهذا ولدي فلان منها.
القسم الخامس
في ذكر من وسموا بالفساق من العشاق
وهؤلاء هم الذين وقعوا في المعاصي أو هموا بها فسموا الفساق لجلالة العشق وعظمته عند أهله، فإنهم يرون تصور السلو معصية بل تصور خطور غير المحبوب في الذهن كذلك ولا نعلم أحداً حقق هذا المناط للسالكين، وبينه حتى البيان للمتمسكين أجل من العارف الجامع لحقائق المعارف سيدي عمر بن الفارض أعاد الله علينا من مدده حيث يقول:
ولو خطرت لي في سواك إرادة ... على خاطري سهواً قضيت بردّتي
فإن الخطور مجرد جوار الميل على القوى من غير أن يتمسك منه بشيء، هذا عند العقلاء قسري لعدم احتياجه إلى مقدمات والارادة مجرد الميل والخاطر باب الحدس والسهو استيلاء الطبيعة الثانية على المزاج البشري، وهو صفة للخطور قسرية أيضاً، ومن ثم لم يحكم الشرع مع غاية شرفه واحتياطه في الاصلاح على الخارج به بشيء رحمة وتخفيفاً، فقد بان أن الأستاذ يقول أن شرح المحبة مبني على المراقبة المخالطة للقوى العقلية مخالطة نزل السهو فيها منزلة العمد فكأن المحبوب قو قوى المحب التي بها يعقل كما أشار إليه أيضاً في الدلالة على غاية المرتبة بقوله:
فلم تهوني ما لم تكن فيّ فانيا ... ولم تفن ما لم تجتلي فيك صورتي
وهذا القسم هو الباب السادس من الكتاب وهو أصناف.
الصنف الأول في ذكر من حمله هواه على أذية من يهواه وهؤلاء أم نساء أو رجال وكل من القسمين أما بالغ مناه أو مكفوف أذاه
فمن الأول ما حكى عن مرثد أنه شغف بصحبة عمرو بن قمئة حتى صار يأكل معه ومع زوجته، فعلقته المرأة فأرسلت إليه على حين عقله من مرثد تقول أن عمك يدعوك، فجاء فلم يجده فقامت إليه فراودته عن نفسه فأبى، فقالت لئن لم تفعل ما آمرك لأوذينك.
فقال إن الأذى أن أفعل ما تحبين، وخرج فأمرت بجفنة فوضعت على موضع قدمه وكان ملتصق الأصابع. فلما جاء مرثد أخبرته أن رجلاً من أقرب ما يكون إليك ساومني نفسي، فامتنعت فجهد في أن تخبره، فأبت وقالت أنا لا أصرح باسمه ولكن هذا قدمه فعرفه وهجره فأنشد في ذلك:
لعمرك ما نفسي بجدّ رشيدة ... تؤامرني شر الأصرم مرثدا
عظيم رماد القدر لا متعبس ... ولا مؤبس منها إذا هو أخمدا
فقد ظهرت منه بوائق جمة ... وأفرع من لومي مراراً وأصعدا
على غير ذنب أن أكون جنيته ... سوى قول باغ جاهد فتجهدا
وقيل أنه حلف ليضربنه بالسيف، فهرب إلى الحيرة وأرسل بهذين البيتين.
رمتني بنات الدهر من حيث لا أدري ... فما بال من يرمي وليس برامي
فلو أنها نبل إذ الا تقيتها ... ولكنما أرمي بغير سهام
стр. 115
انتهى ما ذكره، وفي النزهة أن مرثداً أتى يوماً من سفره في الليل، وكان الظلام شديداً فسمع زوجته وهي لا تشعر به تقول:
لعمرك إن القلب شط به النوى ... ولم تسعف الأيام للمدنف الصبّ
بلت بمن لم يدر حالي بحبه ... ألا أن عمراً في الهوى قاسي القلب
فعلم أنها مولعة به وأن ذلك كان كيداً منها فقتلها وأرسل إليه فأصلح أمره معه فعلى هذا تكون هذه الحكاية من الرابع.
ومن الثاني قصة سوسن المشهورة وللناس فيها كلام كثير غير أن المصنف ﵀ لشدة معرفته باختلاف الألسن واللغات، نقلها من نصل الله عليها في التوراة.
فذكر أن في سفر دانيال ﵇، من هذه القصة ما ترجمته لما كان في السنة الثالثة من ملك يواكيم ملك يهوذا قدم بختنصر ملك بابل إلى أورشليم يعني بيت المقدس بالعربية. وأسلمها الرب في يده ثم نزل ببيت صنمه بشنغار وهو موضع مشهور ببيت المقدس.
ولما استقرت آراؤهم على الشريعة الناموسية الموسوية حكم شخصين قاضيين عرفا بالعبادة والزهد في بني إسرائيل، فكانا يحكمان في الشعب ويأويان إلى بيت يواكيم.
وكان له زوجة يقال لها سوسن، وكانت في أرفع رتبة من الجمال والحسن وبهجة المنظر والصلاح لأن والديهما كانا صديقين في بني إسرائيل، وكانت في كل يوم تنزل إلى بستانها تمشي للنزهة. ورآها القاضيان فوقعت منهما واشتغلا بها عن النظر في الحكومات، وكتم كل عن الآخر حتى إذا كان منتصف النهار من يوم شديد الحر، قال كل منهم لصاحبه قد اشتد الحر فليذهب كل منا فيستريح.
وخرجا مضمرين العود رجاء الظفر بالجارية، فلما التقيا فحص كل عن عود الآخر فأظهرا ما عندهما من حبها واتفقا عليها وأنها دخلت مع جاريتين البستان، فعزمت على الحموم وقد استخفيا، فأرسلت الجاريتين ليأتياها بزيت وغسول، فظهرا وأغلقا الأبواب وقالا لها لئن لا تجيبينا، وإلا قلنا إنا وجدنا معك شاباً، ومن أجل ذلك أرسلت الجاريتين وأنت تعلمين مكاننا من بني إسرائيل.
قالت سوسن والله لا أغضب الرب أبداً وصرخت، فصرخ القاضيان ومضى أحدهما ففتح الباب، وجاء العبيد فأخبراهم بالقصة، فبقوا مبهوتين لأنهم لا يعلمون عليها سوء، ثم أتى يواكيم فأعملوه بالأمر وأنهما لم يقدرا على مسك الشاب، فجمع الشعب وتقدم الشيخان فكشفا عن سوسن وقالا نشهد على هذه أنها دخلت البستان ومعها جاريتان فأرسلتهما وأغلقت الأبواب، فجاء حدث من وراء شجرة فضاجعها، فحين رأينا المعصية صحنا فانفلت الشاب.
فبكت سوسن ورفعت طرفها إلى السماء، وقالت يا الله يا دائم يا عالم الخفيات أنت تعلم أنهما كذبا علي. ثم أقاماها للقتل وكان دانيال ﵇ شاباً عمره ثلاث عشرة سنة، فجاء وصاح عليهم أن قفوا فإنها بريئة مما رميت به، ثم أمر بالتفريق بينهما، فقال لأحدهما من تحت أي شجرة جاء الحدث، فقال من تحت شجرة بطم فقال كذبت وهذا ملاك الله شاهد عليك بالكذب. ثم أخره وقدم الآخر وقال له من تحت أي شجرة جاء الحدث، فقال من تحت شجرة زيت فقال كذبت وأقامهما فنشرا ونزلت نار فأحرقتهما وحفظ الله الدم الزكي وعظم أمر دانيال ﵇.
ومن الرابع ما حكى في نديم المسامرة أنه كان بالبصرة رجل اسمه عباد، وكان يدعى بالمخنث لما كان يظهر من التزيي بزي النساء، فاجتمع ليلة مع قوم، وتذاكروا الشجاعة.
فقالوا له هازئين به هل تقدر أن تذهب فتدق هذا الوتد بالضريح الفلاني وكان معروفاً بالوحشة بعيداً عن العمارة. فمضى حتى صار فيه فحين شرع يدق الوتد سمع صرير سلسلة تدنو كلما دق حتى صار عنده، فإذا هو قرد قد ذهب من صاحبه، فأخذه وهم ليخرج إذ سمع امرأة تخاطب رجلاً فتقول ما الذي صنعت حتى تقتلني، فيقول أقتلك وأموت خير من أن تصيري إلى زوجك وأموت غماً.
فخرج عباد حينئذ عليهما وصرخ على القرد فتعلق بالرجل فظنها جناً، فرمى السلاح فأخذه عباد وفك المرأة واستخبرها، فأخبرته بأبيها فعرفه وأن هذا ابن عمه كان يهواها فخطبها إلى أبيها فأبى وهم بتزويجها من غيره وأنها خرجت لمفترج فكبسها هذا مع جماعة فتفرق النساء اللواتي كن معها وأخذها هو فصيرها إلى هذه الحالة، فأخذها عباد إلى أهلها وأخبر أصحابه بالقصة فكذبوه فأرهم ذلك فصار يعد من الشجعان.
стр. 116
ومن الثالث ما حكى عن حبوبة بن حباب الطابخي أنه حين قتل أبوه رجلاً من كلب من فخذ وبرة ووجبت عليه الدية رهنه صغيراً مع أمه، وخرج ليجمعها فمات فأقاما عندهم وأنه كان شاباً حسناً جميلاً فولع به النساء حتى شاع أمره فطردوه فوقع بعدما قتل أخا امرأة اشتهر بها إلى بلقين، فأجاروه ففعل عندهم ما فعل في كلب واشتدوا عليه فجاء إلى أمه ليلاً فأخفته وأخبرت ظئراً لها، فقالت ادفعه إلي فأخذته فجعلته في متاع لها خارج البيت ومر عدي رئيس بني كلب فقال ما هذا قالت متاعي وأنا على سفر وأريد أن تجيره، فقال قد أجرته وحمله إلى بيته وقد أنكره ففتش فرآه فقال لا حياك الله، وخرج فأقام عنده زماناً فعلق ابنته وطال بينهما الأمر فأنشد فيها:
ما زلت أطوي الحي أسمع حسهم ... حتى وقفت على ربيبة هودج
فوضعت كفي عند مقطع خصرها ... فتنفست صعداً ولما تنهج
وتناولت رأسي لتعلم مسه ... بمخضب الأطراف غير مشنج
قالت وعيش أبي وحرمة والدي ... لأنبهنّ الحيّ إن لم تخرج
فخرجت خيفة أهلها فتبسمت ... فعلمت أنّ يمينها لم تحرج
وبلغ عدي بن أوس ذلك فقتله.
ومن الثالث قصة وضاح اليمن المشهورة واسمه إسمعيل أو عبد الله أو عبد الرحمن ابن كلال وكان من أمره أنه كان يبرقع وجهه خوف الفتنة بحسنه، وأنه نشأ مع أم البنين بنت عبد العزيز صغيرين فكان لا يصبر أحدهما عن الآخر.
فلما بلغت حجبت فازداد شوقهما، فحين أفضت الخلافة إلى الوليد بن عبد الملك. وقيل ليزيد والصحيح الأول لما سبق في قصة حبابة، وذكر زوجات يزيد حجبها فازداد بوضاح الأمر حتى نحل، فخرج إلى الشام فكان يطوف بالقصر إلى أن ظفر بجارية لأم البنين فأخبرها بمكانه وأنه ابن عم مولاتها فأخبرتها فأدخلته في صندوق، فكانت إذا أمنت تمكث معه وإذا خافت أدخلته الصندوق وجيء للوليد بجوهر نفيس فأمر خصياً بحمله إليها فحين دخل الخصي وجد وضاحاً فأدخلته الصندوق واستوهبها الخادم لؤلؤة فأبت فمضى وأخبر الوليد.
فدخل عليها فمازحها واستوهب الصندوق فأبت فراجعها فوهبته إيه، واحتمله إلى مجلسه. فلما جاء الليل أمر غلمانه فحفروا إلى الماء ثم قال مشافها للصندوق خفية قد بلغنا عنك أمر فإن كان صحيحاً فقد كافأناك، وإلا فما علينا في دفن الخشب ورماه ورمي الخصي حياً، وقيل ضرب عنقه حين أخبره وأهال التراب ولم يبين لها غيظاً، وقيل فارقها وأنها كانت تأتي المكان فتبكي فوجدت ميتة فيه.
وقيل أنه لم يقتله بذلك وإنما شبب بها حين رآها في طريق الحاج فبلغه تشبيبه بها فاستشار فيما يفعل به فقيل له أكرمه كما فعل معاوية بأبي دهبل حين شبب بأخته فأبى إلا قتله.
ومنه أيضاً سحيم وهو حبشي نشأ في بني الحسحاس، وكان أعجمياً غليظاً ثم تخرج في الشعر وشاع ذكره حتى اشتري لعثمان فقال لا حاجة لي بن إذا شبع شبب بالنساء، وإذا جاع هجا فرده فاشتراه رجل منهم اسمه أبو معبد فعلق ابنته وأنهم خرجوا إلى سفر فتشوق أبو معبد إلى ابنته فكان يتمثل بهذا البيت:
عميرة ودع إن تجهزت غادياً ... كفى الشيب والاسلام للمرء ناهيا
فأكمل العبد القصيدة بما يزيد على مائة بيت فمنها في التشبيب بابنة مولاه:
وبتنا وسادانا إلى علجانة ... وحقف تهاداه الرياح تهاديا
توسدني كفاً وتثني بمعصم ... عليّ وتحوي رجلها من ورائيا
وهبت شمال آخر الليل قرة ... ولا ثوب إلا درعها وردائيا
فما زال ثوبي طيباً من نسيمها ... إلى الحول حتى أنهج الثوب باليا
فذهب جندل به ليبيعه فأنشد:
وما كنت أخشى جندلاً أن يبيعني ... بشيء ولو أمست أنامله صفرا
أخوكم ومولى مالك وربيبكم ... ومن قد ثوى فيكم وعاشركم دهرا
أشوقاً ولما يمض بي غير ليلة ... فكيف إذا سار المطي بنا عشرا
فرق له فرده ولامه قومه وأرادوا قتل العبد فضن به ثم رفعه الحاكم فعزره ثمانين وانصرف به فأنشد:
أبا معبد بئس العزاضة للفتى ... ثمانون لم تترك لحلفكم جلدا
كسوني غداة البين سمراً كأنها ... شياطين لم تترك قراراً ولا عهدا
стр. 117
فما السجن إلا ظلّ بيت دخلته ... وما السوط إلا جلدة خالطت جلدا
أبا معبد والله ما حلّ حبها ... ثمانون سوطاً بل يزيد بها وجدا
فإن يقتلوني يقتلوا ابن وليدة ... وأن يتركوني يتركوا أسدا وردا
غداً يكثر الباكون منا ومنكم ... وتزداد داري من دياركم بعدا
فلما علم مولاه اصراره أحرقه.
ومن الأول المتجردة وهي امرأة المنذر بن ماء السماء، وكانت من أعظم نساء العرب جمالاً، فلما مات عنها أخذها ولده النعمان فكان يجلسها مع نديميه النابغة والمنخل، فشغفت بالمنخل وامتزجا فأمر النعمان يوماً النابغة أن يصفها، فقال:
وإذا طعنت طعنت في مستهدف ... رابي المجسة بالعبير مقرمد
وإذا نزعت نزعت عن مستحصف ... نزع الحزّور بالرشاء المحصد
فقال المنخل هذا وصف معاين، وحرض النعمان على قتله فهرب وكان عفيفاً، فلما خرج النعمان إلى الصيد رجع بغتة فوجد المتجردة مع المنخل قد ألبسته أحد خلخاليها وشدت رجله إلى رجلها وله فيها:
إن كنت عاذلتي فسيري ... نحو العراق ولا تحوري
ولقد دخلت على الفتا ... ة الخدر في اليوم المطير
والكاعب الحسناء تر ... فل في الدمقس وفي الحرير
فدفعتها فتدافعت ... مشي القطاة إلى الغدير
ولثمتها فتنفست ... كتنفس الظبي البهير
فرثت وقالت هل بجس ... مك منخل من فتور
ما شف جسمي غير حب ... ك فاهتدى وعني وسير
وأحبها وتحبني ... ويحب ناقتها بعيري
ولقد شربت من المدا ... مة بالصغير والكبير
فإذا سكرت فإنني ... رب الخورنق والدير
وإذا صحوت فإنني ... رب الشويهة والبعير
يا هند هل من ناهل ... يا هند للعاني الأسير
ومن الرابع ما يحكى عن سليمان بن عبد الملك، وكان شديد الغيرة أنه خرج لغرض ومعه سنان وكان فارساً معروفاً بالشجاعة والمحبة لسليمان، وكان حسن الغناء وكان يتركه كثيراً لمعرفته بغيرة سليمان، فزاره ضيوف فأكرمهم فقالوا يا سنان لم تكرمنا ما لم تسمعنا الغناء وكان قد أخذت منه الخمر فأنشد:
محجوبة سمعت صوتي فأرقها ... في آخر الليل لما بلها السحر
تثني على فخذها مثنى معصفرة ... والحلى منها على لباتها حصر
لم يحجب الصوت احراس ولا غلق ... فدمعها الطروق الصوت منحدر
في ليلة النصف ما يدري مضاجعها ... أوجهها عنده أبهى أم القمر
لو خليت لمشت نحوي على قدم ... يكاد من رقة المشي ينفطر
فلما سمع سليمان الصوت خرج فزعاً يتفهمه، وكانت عنده جارية اسمها عوان، وكان يحبها حباً شديداً وهي مشهورة بالجمال. فجاء إليها فرآها على صفة الأبيات، وكانت يقظانه، فلما فطنت به قالت يا أمير المؤمنين قالت الله الشاعر حيث قال:
ألا رب صوت جاءني من مشوّه ... قبيح المحيا واضع الأب والجدّ
قصير نجاد السيف جعد بنانه ... إلى أمة يدعى معاً وإلى عبد
فسكن ما به وقال: قد راعك صوته، قالت صادف مني يا أمير المؤمنين فحلف ليقتلنه فأرسلت عبداً يحذره، وقالت إن لحقته قبل فلك ديته وأنت حر، فسبقت رسل سليمان فجاؤا به فنظر غله ملياً، ثم قال أنت المجترىء ويلك؟ فقال أنا فارسك فاستبقني، فقال لا أقتلك ولكن أزيل تفحلك، وأمر به فخصي وألقي في دير الخصيان.
قالوا وفي ذلك الوقت بلغ سليمان كثرة المخنثين المغنين بالمدينة، فكتب إلى عامله أن أحصهم يعني أضبطهم لننظر في أمرهم. فسبقت نقطة على الحاء فأمر العامل بخصيهم، فقال كل عند خصيه كلمة سارت مثلاً، فقال طوبس ما هذا إلا ختان أعيد علينا. وقال دلال بل هو الختان الأكبر، وقال نسيم السحر بالخصي صرت مخنثاً حقاً. وقال نومة الضحى بل صرنا نساء حقاً، وقال ابن الفؤاد استرحنا من حمل ميزاب البول معنا. وقال ظل الشجر ما نصنع بسلاح لا يستعمل.
стр. 118
ويروى أن الذي سمعه سليمان لم يكن سناناً الكلبي بل كان سميراً الأيلي وفي الرواية بدل محجوبة وعادة سمعت وبدل قوله في ليلة النصف في ليلة البدر وهو أليق في هذا المقام لأن القمر وإن لم ينقص ليلة النصف، فهو في ليلة البدر أبهج ولم يلهج الشعراء إلا به وأن سليمان قال حين روجع في خصيه أن الفرس يصهل فتستودق الحجرة، والفحل يخطر فتضبع الناقة والتيس ينب فتستحرم العنز والرجل يغني فتشبق المرأة.
ومن الثاني ما حكي أنه كان في بني إسرائيل رجل صالح يعمل بالمسحاة لفقره، وكان عنده امرأة مفرطة في الجمال، وكان إذا قدم قامت لخدمته من فرش وتقديم طعام ونحوه. وأن عجوزاً دخلت عليها فتأملت حسنها، وذهبت فوصفتها للملك فعشقها ووعد العجوز بمال كثير على أن تخلصها له، فقالت لها كيف تذهبين هذا الجمال مع رجل يعمل بالمسحاة، ولو طاوعتني لزوجتك بالملك وأمرتها أن تعصيه وترجع عن خدمته.
فجاء فلم تقم إليه على العادة، ولم تقدم له شيئاً، فقال ما هذا يا هناه؟ قالت هو ما تراه. فقال أطلقك، قالت نعم. ففعل وتزوج بها الملك فحين نظر إليها كف ومد يده فشلت، فرفع الأمر إلى نبي ذلك الزمان، فجاءه الوحي أن يعبني ما فعل بصاحب المسحاة وقد ساق هذه الحكاية في النزهة في باب من عشق بالسماع وذكر أن المرأة أيضاً فلجت وأنها ماتت بعد سبعة أيام.
ومنه الزرقاء جارية ابن راميين كانت من المشاهير بالجمال والحسن والغناء، وافتتن بها غالب أهل زمانها، وكان الناس يقصدونها لسماع صوتها ويبذلون لها مالاً خطيراً. فاشتد ولوع يزيد بن عون الصيرفي بها، فدخل عليها ومعه لؤلؤتان، فقال لها قد بذل لي فيهما أربعون ألف درهم. فقالت هبهما لي. فقال افعل إن شئت. قالت شئت فحلف لا يعطيهما لها إلا من فمه إلى فمها.
فغمزت الخادم فخرج، وكان يزيد واقفاً منكسراً بين يديها، يعني كاتفاً يديه. فجلس مقعياً يعني على رؤوس أصابعه وتقدم إليها فأقبلت لتتناولهما فجعل يزوغ بفمه ليستكثر من مقابلتها فانقضت عليه فأخذتهما وقالت المغلوب في استه عود فقال أما أنا والله لا يزال طيب هذه الرائحة في أنفي وفمي ما حييت أبداً وأنها أفضت إلى جعفر بن سليمان وأبوه عامل المنصور، فدخل على ابنه يعتبه على شرائها واشتغاله بها في هذه الأيام.
وقد خرج عليهم خارجي فغمز جعفر الخادم فأخرجها إليه فقبلت رأسه واجتلبته فرضي ولم يعتب بعدها وأن جعفراً قال للزرقاء يوماً هل تمكن أحد من مجيئك يوماً منك بشيء فخشيت أن تكتمه ما عساه أن يكون بلغه فأخبرته بموافقة الصيرفي فاحتال عليه حتى واعترف بما نسب إليه فضربه حتى مات.
ومن الثاني ما حكي أنه كان في بني إسرائيل، رجل اسمه عبود كلف بابنة عمه حتى كان لا يصبر عنها ساعة، فتزوج بها وأقاما مدة فماتت فاشتد وجده وطار عقله.
فمضى إلى المسيح ﵇ وسأله أن يحييها له، فقال لا يتيسر إلا أن تهبها من عمرك شيئاً، فقال قد وهبتها نصف عمري، فأحياها له ومضيا وقد لحق عبوداً تعب شديد فجلسا يستريحان فوضع رأسه على ركبتها فنام، فمر ملك الناحية فرآها فعلقت بقلبه وهو أيضاً فعرض عليها أن تكون معه فأجابته فحملها في قبة وانتبه عبود فلم يجد أحداً فقام مرعوباً، فوجد قوماً من المارة ينعتون حسنها. فسألهم فأخبروه بأنها مع الملك فلحقها وجعل يذكرها بما صنع وهي ساكتة.
فقال لها قد كنت مت وسألت المسيح في احيائك، ووهبتك نصف عمري على أن تكوني معي، فحيث لم ترضي فردي علي ما وهبتك، فقالت قد رددته، فما خرجت الكلمة حتى ماتت.
ومن الثالث ما حكي عن لقمان بن عاد الذي كان يضبط عمره بأن يمسك النسر من حين خروجه من البيضة إلى أن يموت فيؤتي بالآخر كذلك حتى عاش عمر سبعة كل واحد على ما قيل مائة عام أنه كان مغرماً بالنساء ومع طول عمره وكثرة تزوجه كان شديد الاحتراس وهن يخنه.
стр. 119
فتزوج جارية صغيرة وجعلها في بيت نقره في جبل لا يصعد عليه إلا بالسلاسل، وأن عمليقاً نظرها فوقعت من قلبه، فأمر قومه فشدوه في حزمة سيوف واستودعوها لقمان مدة فوضعها في بيته، فلما خرج تحرك العملي فحلته الجارية فكان يكون معها إلى أن يأتي لقمان فتجعله في السيوف حتى انقضت المدة وطلبوا سيوفهم فدفعها، ثم جلس فنظر إلى نخامة في سقف بيته، فسألها عن فعلها. قالت أنا فأمرها تفعل فقصرت لأن النساء لا يقدرون على رفع النخامة إلى الأعلى لضعف مزاجهن.
فقال يا ويلتاه والسيوف دهتني، ثم رمى المرأة من أعلى الجبل ونزل فلقيته ابنته فضربها بحجر فكسر رأسها. فضربت العرب أمرها مثلاً لمن يؤخذ بلا ذنب فكان يقول المظلوم منهم، ما أذنبت إلا ذنب صخر يعني ابنة لقمان.
ومن الثاني ما حكي أن رجلاً عشق ابنة عمه حتى فني في حبها، فتزوج بها فكان لا يصبر عنها ساعة، وكان يجالس الناس فلم يصبر إلى انقضاء غرض المجالس حتى يدخل فينظرها ثم يرجع.
وأن ابن عم لها غيره اكترى داراً إلى جانبها وراسلها فوقع حب كل عند الآخر. فنزلت إليه ودخل زوجها فلم يجدها وسأل أمها فقالت تقضين حاجة فطلبها مكان الحاجة فلم يجدها، وإذا هي قد أتت من الدار فعزم عليها أن تصدقه أين كانت.
فقالت أما إذا عزمت علي فإنني أصدقك، وحدثته القصة فرمى عنقها وعنق أمها وهرب، فكان كثيراً ما يتمثل عند ذكر ذلك بشعر ديك الجن الآتي.
الصنف الثاني في ذكر من اشتدت به الغيرة إلى أن خامرته الحيرة فجرته إلى تهمة محبوبه فآثر قتله على نيل مطلوبه
حكي أن عبد الله بن رغبان الكلبي، وقيل عبد السلام المشهور بديك الجن الحمصي، كان أديباً حاذقاً، شاعراً لبيباً كأنما تنطق قريحته بالرقة واللطافة، والغزل والظرافة إلا أنه كان من أعظم الفساق بين العشاق، وأجمعهم للقساوة والاشتياق.
وأنه عشق جارية وغلاماً واشتد بهما كلفه وتهالك في حبهما حتى حان تلفه فاشتراهما، وكان يجعل الجارية عن يمينه، والغلام عن شماله ويجلس للشرب فيلثمها ويشرب من يدها تارة والغلام أخرى، ولم يزل كذلك إلى أن أحسن نفسه من شدة الحب أنه سيموت ويصيران إلى غيره فذبحهما وحرقهما، وعمل من رمادهما برنيتين، فكان يشرب فيهما ويقبلهما عند الاشتياق وأشعاره في ذلك متظافرة، ومن أحسن ما كان ينشده عند تقبيل برنية الجارية قوله:
يا طلعة طلع الحمام عليها ... فجنى لها ثمر الردى بيديها
حكمت سيفي في مجال خناقها ... ومدامعي تجري على خديها
روّيت من دمها الثرى ولطالما ... روّى الهوى شفتيّ من شفتيها
فوحق عليها لما وطىء الحصى ... شيء أعز عليّ من نعليها
ما كان قتيلها لأني لم أكن ... أبكي إذا سقط الذباب عليها
لكن بخلت على العيون بلحظها ... وأنفت من نظر العيون إليها
ومن لطيف شعره أيضاً:
جاءت تزور فراشي بعدما قبرت ... فظللت الثم نحراً زانه الجيد
وقلت قرة عيني قد بعثت لنا ... فكيف ذا وطريق القبر مسدود
قالت هناك عظامي فيه مودعة ... تعيث فيها بنات الأرض والدود
وهذه الروح قد جاءتك زائرة ... هذي زيارة من في القبر ملحود
وعند تقبيل برنية الغلام:
أشفقت أن يرد الزمان بغدره ... أو ابتلى بعد الوصال بهجره
قمرقد استخرجته من دجنه ... لبليتي وأثرته من خدره
فقتلته وله عليّ كرامة ... فلي الحشا وله الفؤاد بأسره
عهدي به ميتاً كأحسن نائم ... والطرف يسفح دمعتي في نحره
لو كان يدري الميت ماذا بعده ... بالحيّ منه بكى له في قبره
غصص يكاد تفيض منها نفسه ... ويكاد يخرج قلبه من صدره
ومن لطيف شعره في الدعاء على المحبوب:
كيف الدعاء على من جار أو ظلما ... ومالكي ظالم في كل ما حكما
لا آخذ الله من أهوى بجفوته ... عني ولا اقتصّ لي منه ولا ظلما
стр. 120
ومما أرخه الفرس عن أردشير ملك الطوائف، أنه لما حضر ثرثار، وهي قلعة في بر سنجار من مدن الشرق استعصم بها ملكها المعروف بالساطرون وطال الأمر فصعدت ابنته يوماً على القلعة فرأت أردشير فعلقته فرمت إليه بكتاب في نشابة فيه أن أنت شرطت لي أن تتزوجني عرفتك كيف تأخذ القلعة فراجعها أني شرطت لك ذلك فدلته.
فلما أخذ القلعة وتزوج بها وأقاما مدة ضجرت ذات ليلة من شيء يؤلمها في الفراش فكشفوا فإذا هي باقة نرجس فتفكر في رقة جلدها فقال لها ما كان يطعمك أبوك قالت الشهد ومخ العظم والزبد. فقال إذا كنت غدرت بمن هو عليك بهذه الصفة من الشفقة والدلال فكيف بي واشتد عنده التخيل والغيرة والحساب فقتلها.
وحكى صاحب محاسن البلدان ونزهة الأزمان. أن لكل اقليم اختصاصاً بصفة وتمييزاً بحالة تغلب عليه من قبله ما تتغير به الكائنات الفاسدة من العلويات وغيرها.
أن مصر وضعت في طالع الجوزاء وهي تعرف عندهم بالتوأمين، والعذراء والمؤنسة ومقتضاها الرقة وسرعة التأليف، واللطف وعدم الانضباط على حالة وقلة الغيرة وكثرة الغفلة. وقد ظهر أثر ذلك في أفعالهم.
قال ألا ترى إلى لطف العزيز وتغافله، وقد رأى زوجته متهيئة للخلوة من غلق الباب ونحوه ولم يكن عالماً بعصمة يوسف ﵇ ليقال أنه استند إلى ذلك ومع هذا قال للرجل أعرض عن هذا، وقال للمرأة استغفري لذنبك.
وعكس ذلك الاقليم الخامس فقد وضع في طالع المريخ ومقتضاه الغلظة واليبس والقسوة وسفك الدم. ألا ترى أن ملكاً من ملوك الأندلس كان شديد الكلف بجاريه عنده حتى أنه كان لا يستطيع عنها صبراً. فجلس مع ندمائه يوماً وغنت الجارية فاستعاد منها بعض خواصه صوتاً.
فلما انقضى المجلس جيء بطست فوضع بين يدي مستعبد الصوت، وقال له الملك اكشفه، فإذا فيه رأس مقطوع، فقال له استعد الصوت منها فقام مريضاً وقد نقل الحكاية أبو حيان في تفسيره ملخصاً.
الصنف الثالث في ذكر من عانده الزمان في مطلوبه حتى شورك في محبوبه فصنع من الحيل ما أفضى إلى قتله وقتل من شاركه في فعله
حكى لي رجل بحب سنة ثلاث وستين وتسعمائة، أن رجلاً موصلياً علق امرأة فزاد بها وجده، فكان يصبر عنها ساعة وتلطف بها حتى فارقت زوجها وتزوج بها وأقاما مدة. وجاء يوماً فوجدها تأكل في طعام لم يكن جاء به هو، فسألها عنه فقالت من بعض أهلي.
فداخله من ذلك شيء وقوى عنده وتجسس عن أمرها فلم يقع على شيء فمضى وركب دواء سمياً، ثم جاء به إليها فقال احتفظي بهذا فإنه باهي، فقالت كل منه فأكل ورفعت الباقي ومضى فعالج نفسه من السم وعاودها بعد يوم متمرضاً فوجدها والرجل ميتين. فخرج وقد اتفق عليه الغم وباقي السم فمات من ليلته.
ورأيت في الشهنامة الفارسية ما ترجمته أن أبرويز أحد ملوك الفرس تزوج امرأة صغيرة بديعة في الحسن وقد بلغ ثمانين سنة فوجد بها وازداد عشقه لها هي تظهر حبه وتخفي بغضه، وعلقت ولده واشتد ميلها إليه، وأن الملك دخل فرآهما على الحالة المنكرة فكادت نفسه أن تزهق.
وعلم أنه إن أظهر أنه رآهما، أمرت المرأة ولده بقتله فرجع وأخذ في تدبير الحيلة فأخذ كتاباً وسم ورقه وجلده بالذهب ورصعه بالجواهر وأودعه صندوقاً وجاء به إلى المرأة فقال لها قلد علمت ما حوت يدي من الذخائر والنفائس.
غير أنه لم يكن يعدل نفسي إلا هذا الصندوق فاحتفظي به وعلم أنها ستطلع عليه. فلما خلت به أخبرته القصة فقال علي بالصندوق فأحضرته ففضه فلم يجد إلا الكتاب مطبوقاً، فحاول فتحه فوجد ورقه معتلقاً بعضه ببعض، فجعل يبل أصبعه من ريقه ويتصفح الأوراق فلعب السم فيه وعلم بالحيلة، فأخذ السيف وخرج فضرب أباه فسقطا ميتين.
ووقفت في سنة خمس وستين وتسعمائة بمحروسة دمشق على كتاب لم أعرف مؤلفه، سماه درر الأفكار في التحريض على تزويج الأبكار، ذكر فيه ما ملخصه.
أن قدماء الفرس كانوا يمنعون التزوج بالثيب لأن حكماءهم يقولون أن المرأة لا تلقي مقاليد طاعتها ولا تصدق لطائف شهوتها ولا تظهر حسن مودتها إلا لمن يفض ختام بكارتها لأنه القاطف لزهر محاسنها والمجتلي على أول مطالع بدر مواطنها فإن وقع منها الغيرة ودفنا در لا يعتديه ونزر لا ينبغي التمسك بسببه. ولم تزل هذه الوصايا عندهم محفوظة وبعين الكمال ملحوظة.
стр. 121
وأن ملكاً تجاوز الستين ولم يرزق ولداً وكان ذا ملك عظيم، ومال ورزق جسيم، فكان يتأسف على خروج ذلك منه وانتقاله عنه. فجمع أهل التنجيم والخطوط وأمرهم بالنظر في ذلك فرأوا أنه إن تزوج من الحبشة رزق ولداً يكون له الملك.
فأرسل فجيء له ببنت فاختاروا له طالعاً يبني بها فيه وواقعها، فحملت وجاءت بذكر صحيح سوى حسن الخلقة، فأولم الملك أربعين صباحاً ونشأ الولد فحفظ الأدب والحكمة، وأن أباه طلب تزوجيه ونادى بعرض البنات عليه، فوقع اختياره على واحدة ليست بالشريفة المناسبة للملك، فأرادوا تحويله عنها فأبى فزوجه بها على غضاضة في نفسه.
ودخل فوجدها ثيباً، فكتم أباه ذلك لشدة عشقه وشغفه بها، وأن أمه ودهاة النساء من خدمتها جعلن ينظرن في حب كل منهما لصاحبه فيجدنه أعظم حباً لها، فكن يخبرن الملك فيقول إن صدق الحدس فإنها ثيب ولا يستطيع أحد أن يكلمه في أمرها.
فلما أقضى الملك إليه بعد والده دخل يوماً فوجدها كالتي فرغت من الجماع وكان له مدة لم يتغشاها، وكان إذا جامعها تدوم حمرة وجهها مصفرة يوماً وهذه والتي تغيب حال الفعل تسمى الربوخ. فسألها عن العلة، فأجابت أنها تشكو صداعاً وكان عارفاً بالطب فلم يرض بذلك ولكن كره أن يغضبها، فأمسك وتكرر منه رؤيتها كذلك وكان قد برع في الدهاء فصنع قارورة طيب نفيسة وأتى بها إلى بيتها فوضعها في صندوق محرز في خزانة سره، وأخذ مفتاحها وجعل كلما جامعها أخرج من الطيب ودهن مذاكيره وسرته وأمرها فتدهن فرجها وأخبرها أن ذلك ذخيرة لم يظفر بها سواه وأنه يقوي الأعضاء ويعين على الفعل ويحفظ الصحة والصبا والقوة.
وخرج عنها فجاء صاحبها فكانت تطيبه من الطيب إلى أن علم ثبوت ذلك عندها فجاء بسم قاتل لوقته فأوهمها الأخذ من الدهن ووضع ذلك فيه وأعملها أنه خارج في شغل يقيم فيه سبعة أيام، وخرج بعسكره من البلد، ثم عاد من الغد على غفلة مستخفياً، فدخل عليها فوجدها والرجل فيهما رمق الحياة فرمى عنقهما وسأل عن الرجل فإذا هو جارها نشأ معها صغيراً، فعلم أنه الذي أزال بكارتها، ثم أقام مدة فكان يعاوده من حبها وهو على سرير ملكه ما يذهب عقله فيقوم إلى الخلوة ويذكر عشقها للسوقة عليه وإيثارها الأرذال فيسكن ما به ويعود فلم يزل أياماً على ذلك حتى غلب الحب على التآسي فمات.
الصنف الرابع في ذكر من عوقب بالفسق ولم يشتهر بالعشق
قد خلط المصنف هؤلاء بالعشاق وعقد للكل باب عقوبة الفساق، وأهل العشق الصحيح بريؤون من الاثم خارجون عن التسمية بهذا الاسم.
فمن أهل هذا الصنف ما حكي عن عمر بن الخطاب ﵁، أنه آلى أن لا يهدر دم مسلم. فأتى يوماً بشاب أمرد مقتول، فعرف المكان الذي وجد فيه واستكتم من جاء به أمره وقال أرجو أن لا يفوتني، فلما كان بعد حول رأى طفلاً ملقى موضع الشاب فقال قد أدركت ما أطلب وأخذه فسلمه إلى من ترضعه وأجرى عليها ما تحتاج إليه، وقال لها إذا رأيت امرأة تقبله وتضمه فاعلميني بها.
فجاءت جارية يوماً إلى المرأة، فقالت إن سيدتي تطلب الغلام ساعة فمضت به إليها فرشفته وضمته ثم دفعته إلى المرأة. فجاءت إلى عمر فأعلمته بذلك فأخذ سيفه ومضى إلى الباب فإذا أبوها شيخ من الأنصار قد كبر فقال أين ابنتك فقال بالبيت فقال كيف سيرتها فقال على أحسن حال من طاعة الله ورسوله والقيام بحقي فقال مكانك حتى أدخل عليها وأعظها فقال افعل فاستأذن عليها فحين صار عندها قال أصدقيني ما فعلت وإلا رميت عنقك فقالت يا أمير المؤمنين إني والله محدثتك بما كان لا أكذبك شيئاً، اعلم أن عجوزاً كانت تدخل علي من الصغر وتخدمني إلى أن صرت كما ترى وأنا أظنها صالحة فقالت لي يوماً قد عزمت على مكة وعندي ابنتي ولا آمن أن أتركها في البيت فأريد أن أجعلها عندك حتى أعود فقلت كرامة فمضت وأحضرت شخصاً مؤزراً مبرقعاً. فلما كان الليل ونمت آمنة وثب على صدري فنال مني فعمدت إلى شفرة بالقرب مني، ففجرت بها بطنه وجعلناه حيث رأيت.
فبعد مدة رأيت أني حامل، فلما وضعت جعلته مكانه، فدعا لها وجزاها خيراً وأوصى أباها بها.
ومنهم أعرابي من أسد
стр. 122
خرج لحاجة فنزل على باهلة عند امرأة، فقدمت له ما يحتاج إليه فلما لم ير عندها أحد أسامها نفسها، فقالت على رسلك لأصلح من شأني وغابت، ثم جاءت وقد أخفت مدية فوثب ليعانقها فضربته بها في نحره فخر ميتاً، وسقطت حين رأت الدم.
وجاء بعض أهلها وهي على تلك الحالة، فأجلسها حتى سكن ما بها وحدثته القصة فشاعت حتى قال فيها شاعرهم قيل جعفر بن أبي علية وقيل صيفي بن سعيد الباهلي وقيل غيرهما هذه الأبيات:
لعمري لقد أخفت معاداة ضيفها ... وسوت عليه مهده ثم برت
فلما بغاها نفسها غضبت لها ... عروق نمت وسط الثرى فاستقرت
وشدت على ذي مدية الكف معصماً ... وضيئاً وعزت نفسها فاستمرت
فأمت بها في نحره وهو يبتغي النك ... اح ومرت في حشاه وجرت
فنح كان الغيل في جوف صدره ... وأدركها ضعف النساء فخرت
ويقرب منه ما حكى أن رجلاً أضاف بني هذيل، فحين خرج من البيت رأى جارية منهم فراودها عن نفسها فتعاسفا فأخذت حجراً فضربته به ففضت كبده، وبلغ عمر فقال هو قتيل لا يودى. وغزا رجل فخرج جاره فرأى في بيته مصباحاً وأنصت فسمع قائلاً يقول:
وأشعث غره الاسلام مني ... خلوت بعرسه ليل التمام
أبيت على ترائبها ويضحى ... على جرداء لاحقة الحزام
كان مواضع الربلات منها ... فئام ينتمين إلى فئام
فدخل فقتله، وكان في عهد عمر أيضاً. فلما أصبح أعلمه فنشد عمر عن سيرة الرجل فلم يقل إلا خيراً، فقال له أقتله. فقال قد فعلت فجزاه خيراً واقتدى به في عدم ايداء الفاسق عبد الملك بن مروان وقد حمل إليه رجل راود امرأة عن نفسها فأغلقت بينها وبينه، فأدخل رأسه فشدخته وقال لا بودي.
وأما مصعب بن الزبير فأخذ دبة رجل وجده مع زوجته فقتله.
ومنهم ما حكى عن عبد الله بن سيرة
أن امرأة مغيبة يعني غاب عنها زوجها أرسلت إليه، فلما جاء أخبرته أن رجلاً يسومها نفسها، فقال ابعثي إليه واختفى. لما جاء قام فقتله، وأمر الجارية فحفرت حفرة وألقاه فيها، وقتل الجارية وجعلها معه وأعطى المرأة سبعين ديناراً، وقال اشتري بها خادماً وقال: وكل حديث جاوز اثنين شائع وكان عبد الله هذا من أعظم الناس مروءة حتى قيل أن شامياً اسمه فيروز خرج إلى العرب ببيع العطر فوضع يده على عجيزة امرأة فقالت يا عبد الله بن سبرة وبلغه فخرج من أذربيجان في طلب العصار إلى الشام حتى قتله:
ومنهم ما حكى عن جويرية بن أسماء عن عمه
قال خرجنا نريد الحاج فبتنا ليلة وبالقرب منا امرأة، فلما أصبحنا إذا حية قد التفت على عنقها، فخفنا من ذلك فلم تزل إلى أن دخلنا الحرم فانسابت.
فلما قضينا المناسك سمعنا الغريض يقول للمرأة أي شقية أين حيتك؟ فقالت في النار. فقال ستعلمين من في النار، فلما أردنا الخروج عزمت على صديق لي وبينه وبين الغريض صداقة أن يمضي بنا إليه لنسمع من غنائه. فلما سرنا عنده أكرمنا وسأله صاحبي الغناء فغنى:
مرضت فلم تحفل عليّ جنوب ... وأدنيت والممشى إلى قريب
فلا يبعد الله الشباب وقولنا ... إذا ما صوبنا صبوة سنتوب
واستعدناه الصوت فغنى قول المجنون عفا الله عن ليلى الأبيات السابقة، فتخيلنا أن الجبال ترقص طرباً، ثم استزدناه عند الوداع، فغنى أبيات أبي الأسود الدؤلي التي أوصى بها ابنته عند الزفاف:
خذي العفو مني تستديمي مودتي ... ولا تنطقي في ثورتي حين أغصب
فإني رأيت الحب في الصدر والأذى ... إذا اجتمعا لم يلبث الحب يذهب
فلما رجعنا إذا بالمرأة وقد جاءت الحية حيث انسابت فانطوت عليها، وإذا بالوادي كله حيات فأقبلن ينهشنها حتى ماتت. فسألت جاريتها فقالت بغت ثلاث مرات كل مرة تلد ولداً فتحرقه.
القسم السادس
في ذكر من حل عقد المحبة وخالف سنن الأحبة
وهو بالنسبة إلى من استدرك الغلط واستقال ما فرط وإلى من تمادى على نقض العهد واخلاف الوعد، ينحصر في صنفين أردفهما بثالث من هذا الكتاب، إذا لم يكن مناسباً للباب.
стр. 123
قد سبق لك في الخطبة أن المؤلف ﵀ قد أكثر في كتابه من التخليط في تبويبه، وذكر غير المناسب لمطلوبه، ولكن لعمر لم يقع له بهدة الأوصاف أكثر من الباب السابع حيث ترجمه بمن استخفه الملل والضجر لطول الزمان فغدر المحبوب وهجر، فإن الوقف على هذه الترجمة يفهم منها أنه يذكر متحابين نكث أحدهما عهد الآخر، ولم يذكر من ذلك إلا قصة التي ترجم لها في الباب بمن تاب عن عقوقه ورجع إلى معشوقه فمات في نادي الهوى وسوقه. وها أنا أذكر ما وقع لي من ذلك على الشرط المتقدم إن شاء الله تعالى.
الصنف الأول في كر من تاب عن الخلاف ورجع إلى حسن الائتلاف وكان محبوبه في الوجود فتراضيا على ضم شمل العهود
حكى المسعودي في جزء لطيف سماه اقتداح زناد الأشواق واسترجاع شوارد العشاق.
أن المجنون أخبر بعد توحشه بزواج ليلى، فجاء ولبس أثوابه وأقام مدة يظهر انحلال العشق وأنه لم يبق له فيها أرب. لما كان قد عاهدها وعاهدته أنها تدوم معه على المحبة ولا تنقض لعهد الصحبة.
فبينما هو ليلة نائم إذ رآها باكية فدنا منها فولت وجهها وقالت أي غادر لو ملكت من أمري ما تملكه أنت من أمرك ما فعلت وأيم الله إني لم أكن معه إلا كمفترش النار في الهواجر أو متوسد السعدان عارياً فانتبه مرعوباً باكياً، ثم نزع ما عليه وعاد إلى التوحش.
وفيه أيضاً أن قيس بن ذريح حين تزوجت لبنى خرج متصفحاً أحياء العرب حتى ظفر بامرأة اسمها لبنى فتزوج بها، وقال عشق بعشق وامرأة بامرأة وأقام معها، والصحيح أن ذلك لم يكن باختياره، وإنما وقع بحيلة ولم يقم معها وقد بسطت الخبر في قصته.
وفيه ونقله المصنف هنا أن عزة أرادت أن تعلم ما لها عند كثير فتنكرت ومرت به متعرضة، فقام إليها وكلمها فقالت أين حبك لعزة؟ قال جعلت فداءك لو أنها أمة لوهبتها لك. قالت لا تفعل فقد بلغني أنها لك مخلصة وفي المحبة صادقة. فقال دعيني منها فهل لك في المخالاة؟ قالت وكيف تصنع بما قلت فيها؟ قال أديره فيك، ثم أنشد يقول:
ما وصل عزة إلا وصل غانية ... في وصل غانية عن وصلها خلف
فكشفت عن وجهها فبهت، إلى هنا يا فاسق فهلا كنت مثل جميل حيث يقول:
لحا الله من لا ينفع الوعد عنده ... ومن حبله أن مد غير متين
ومن هو ذو وجهين ليس بدائم ... على العهد خلاف بكل يمين
ثم لم يزل يعتذر ويتنصل إلى أن قبلته ولا مناقضة بيت هذا وبين ما تقدم من أنه أثبت من جميل لقوله هينئاً مريئاً البيت وقول جميل رمى الله في عيني بثينة الأبيات لأن تلك أدل على الأشفق وهذه على الأعشق.
وأما قصة ذي الرمة حيث عابت عليه المرأة تشبيهه محبوبته بالعنز في الأبيات التي منها:
أيا ظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النقا أأنت أم أم سالم
فتنصل واعترف حتى وهبها الراحلة فأعادتها وصفحت فليس من هذه القبيل إذ ليس بنقض عهد وإنما هو غفلة عن مقام الحبيب المحبوب قاد إليه التوغل في التشبيب ونظيرها ما سبق في قصة كثير من اعتراض العجوز عليه في قوله: فما روضة بالحزن البيتين، وأما من رجع نادماً على الهفوات فوجد الحبيب قد فات فجرعته الغصص من ذلك كأس الممات فقليل.
ومنهم ما حكاه في النزهة ونقله هنا مجهولاً
أن كعب بن مسعدة الغفاري، قال خرجت أنا ومالك بن غفيلة العذري نمشي في القمر إذا بنسوة تقول إحداهن أي والله هو، ثم قربن منا فقالت إحداهن قل لصاحبك:
ليست لياليك في حاج بعائدة ... كما عهدت ولا أيام ذي سلم
فقالت قد سمعت فأجب قال قد انقطعت فأجب أنت فقلت ولم يحضرني غيره:
فقلت لها يا عز كل مصيبة ... إذا وطنت يوماً لها النفس ذلت
وانصرفنا فما استقريت إلا وجارية تقول أجب المرأة التي كلمتك، فلما صرت إليها، قالت أنت المجيب. قلت نعم، قالت فما أقصى جوابك قلت لم يحضرني غيره فقالت لم يخلق الله أحب إلي من الذي كان معك فقلت علي أن أحضره إليك، فقالت هيهات فضمنته في الليلة القابلة ورجعت فرأيته في منزلي فأخبرني بالقصة كالمكاشف فقلت له قد ضمنت لها حضورك الليلة القابلة فلما كان الوقت مضيناً فإذا بالمجلس قد طيب وفرش فجلسنا فتعاتبا فأنشدته أبيات أميمة امرأة ابن الدمينة.
стр. 124
وأنت الذي أخلفتني ما وعدتني ... وأشمت بي من كان فيك يلوم
وأبرزتني للناس ثم تركتني ... لها غرضاً أرمي وأنت سليم
فلو كان قول يكلم الجسم قد بدا ... بجسمي من قول الوشاة كلوم
فأجابها:
غدرت ولم أغدر وخنت ولم أخن ... وفي بعض هذا للمحب عزاء
جزيتك ضعف الودّ ثم صرمتني ... فحبك في قلبي إلى اذاء
فالتفتت إلي وقالت ألا تسمع فغمزته فكف ثم أنشدت:
تجاهلت وصلي حين لاحت عمايتي ... فهلا صرمت الحبل إذ أنا أبصر
ولي من قوى الحبل الذي قد قطعته ... نصيب ولي رأي وعقل موفر
ولكنما آذنت بالصرم بغتة ... ولست على مثل الذي جئت أقدر
فأجابها:
لقد جعلت نفسي وأنت احترمتها ... وكنت أعز الناس عنك نطيب
وفي روضة القلوب بدل هذا البيت:
لقد كنت أنهي النفس عنك لعلها ... إذا وعدت بالنأي عنك تطيب
وفيها أنه قبلها وأنشد:
دمعي عليك من الجفون سكوب ... والقلب منك مروع مكروب
لا شيء في الدنيا ألذ من الهوى ... إن لم يخن عهد الحبيب حبيب
فأجابته:
خلوتم بأنواع السرور هناكم ... وأفردتموني للصبابة والحزن
وعذبتموني بالصدود وإنني ... لراض بما ترضونه لي من الغبن
والمشهور أنهما لم يأتلفا بعد بل حين أنشد لقد كنت أنهي النفس البيت، قالت له أو كنت تفعل ما فيك خير بعدها وافترقا، فقالت لكعب ما قلت لك أنك لا تفي بضمانك، ولكن إذا كان السحر فأتني. قال كعب فجئت فإذا أنا بالصباح فسألت جارية فقالت حين خرجتما جعلت في عنقها انشوطة وخنقت نفسها، فلحقناها فخلصناها فجلست ساعة تحادثنا وتفتكره فتقول إنه لقاسي القلب، ثم شهقت فماتت.
وبلغ الشاب فلزم قبرها فجاء به في النوم، فقالت هلا كان هذا قبل، فمات من وقته.
قال في النزهة وأصل هذه الحكاية، أن هذه المرأة كانت من عذرة، واسمها سعدى وكانت وهذا الفتى على أعظم رتبة من شدة تعلق كل منهما بصاحبه، وكان في الحي رجل يحبها وهي لا تحبه فغار منهما فوشي به إلى أهلها فحجبوها منه فتراسلا بالمحبة وبلغه فأرسل زوجته عن لسانها إلى مالك بشتم وقطيعة ولم يعرف أنها زوجة ذلك الرجل، ولم تدر الزوجة تفصيل الأمر، وكانت عند مالك أنفة.
فخرج إلى مكة ناقضاً للعهد، فلما بلغ زوجة ذلك الرجل وجه الحيلة، وما أخفاه زوجها أخبرت سعدى بما تم فخرجت على وجهها إلى مكة حتى اجتمعت به وتم بينهما ما سمعته.
الصنف الثاني في ذكر من تمادى على نقض العهد ومات على اخلاف الوعد
أخرج في اقتداح زناد الأشواق عن الأصمعي، قال نزلت على رجل من بني هذيل فأكرمني وأطرفني بلطائف الأخبار، فكان يوم أقصر ما يكون بالسرور.
فلما كان الليل فرش لي موضعاً لطيفاً موطئاً ونمت وجلس، فقلت هل بقي لك ارب في السهر؟ قال لا وعافاك الله ثم ودعني لما بي فحدثت أن له شأناً فأوهمته النوم فقام وفتح مخدعاً فأخرج منه كلبة عليها الحرير وأطواق الذهب. فقدم لها طعاماً وشراباً، فلما اكتفت غسلها بماء الورد وبخرها بالعود، ثم مكث ساعة ونزع ما كان عليها ورشها بالرماد والزيت وعاقبها طويلاً وهو مع الفعلتين يبكي بشهيق أخال فيه أن نفسه زهقت ثم أعاد عليها وأدخلها المخدع وجلس يبكي وينشد:
أأحبابنا لو تعلمون بحالنا ... لما كانت اللذات تشغلكم عنا
تشاغلتم عنا بصحبة غيرنا ... وأبديتم الهجران ما هكذا كنا
وآليتم أن لا تخونوا عهودنا ... فقد وحياة الحب خنتم وما خنا
غدرتم ولم نغدر وخنتم ولم نخن ... وحلتم عن العهد القديم وما حلنا
وقلتم ولم توفوا بصدق حديثكم ... ونحن على صدق الحديث الذي قلنا
ودام كذلك حتى طلع الفجر، فجاء ليوقظني فرآني منتبهاً، فلما ودعته تفرس أن في وجهي كلاماً، فقال أنشدك الله هل رأيت من حالتي شيئاً أنكرته. قلت اللهم نعم، قال أو تحب أن أطرفك به قلت أي والله فتنفس الصعداء وكفكف دمعه فلم يملك ذلك وخنقته العبرة فأرسلها وأنشد:
стр. 125
أكفكف جفن العين والدمع سافح ... كشبه غدير فوق خدي جاريا
فيا ليت شعري ذا البكاء إلى متى ... وحتى متى ذا الحزن والجسم باليا
ثم غيض دمعه، وقال يا أخا العرب كانت لي ابنة عم لا أملك الصبر عنها فتزوجت بها فكانت بي أبر من أمي، وأقمنا مدة لم آل جهداً في الاتفاق عليها، فتعاهدنا على عدم التفرق والاستبدال. فلما أملقت أنفقت مني فأخذت في التحامل والتجنب فقلت لها ماذا تريدين؟ قالت أو فاعل أنت ما أقول؟ قلت نعم، قالت تطلقني فخامرني حبها فقلت قد فعلت. فاعتزلتني وعاودني القلق فألمت طويلاً وجئت وشكوت إليها ذلك وذكرتها العود والمواثيق، فطيبت نفسي وحلفت أنها لا تتزوج ولا تتزين لغيري.
فقمت وجئتها يوماً فوجدتها على أحسن ما يكون من أنواع الزينة فكلمتها فلم تجب، فسألت فقيل لي تزوجت فحلفت لها أن لا آخذ بدلها للبسها وزينتها التي عندي إلا كلبة وفعلت فأنا الآن أمثلها بتذيين هذه الكلبة وأذكر غدرها فأسلبها وأعاقبها كما رأيت.
قلت فهل وقع بينكما بعد ذلك مراسلات قط. قال نعم قد كلفها الذي تزوج بها شططاً وسلمها نقصاً، فندمت فراسلتني فلم أجب مع أنه لم يكن على البسيطة أعز علي منها ولكنها الغيرة تمنعني.
قال الأصمعي فلم أر أغرب منها.
وأخرج في النزهة عن الرياشي، قال اتجر صديق لنا فحمل الصندل إلى شهرزور وقد بلغه أنه نافق. فلما حل بها صادف كساداً، فمكث مغموماً فبينا هو كذلك إذ مرت به عجوز فسلمت عليه بلطف وسألته عن حاله، فشكى إليها ما يجد من الغربة والوحدة وكساد متجره.
فقالت أما الكساد فسيزول ولم تزل الناس على هذا، وأما وحدتك وغربتك فلا أرى لما دواء إلا أن تتزوج بمن تحفظك إذا غبت، وتؤنسك إلى حضرت وتفرج عنك إذا حزنت.
قلت ومن أين لي بما ذكرت؟ قالت أنا الضامنة لك ما تطلب ابتغاء لوجه الله تعالى، فشكرت صنيعها وأمرتها أن تفعل. فما مضت عني إلا وقد جاءت الدلالون فاشتروا البضاعة بأحسن ربح إلى أجل فتوسمت فيها الخير، وجاء فقالت قد هيأت لك ما تطلب فقم لتنظرها.
فمضينا إلى دار لطيفة وقد فرش لي قطيفة بزة، فجلست وجاءت امرأة تسر القلب وتملأ العين إلا أن عليها آثار الحزن وشعار الفرقة، فسلمت بحشمة وجلست فقالت العجوز ها هي فتراضينا ودخلت بها ودمت أسبوعاً في أنعم حال غير أني أجدها تقوم من الصباح فتجلس في موضع يشرف على الأشجار وتبكي حتى ترتفع الشمس، فلم أسألها عن ذلك.
فلما كان يوم وقد أخذها النوم حتى طلعت الشمس، انتبهت مرعوبة ترتعد، ثم ذهبت إلى المشرف وعادت ومزقت أثوابها وجلست تبكي فلم تلهج يومها كله إلا بهذه الأبيات:
أيا عين نوحي بالدموع السواجم ... على طامس بالشرق خافي المعالم
وسحى دماً إن سح دمعك واسعفي ... حليف الهوى من قبل حمل التمائم
إذ ناحت الورقا على فقدانها ... ولم تك ذا عقل فما حال عالم
حرام عليّ النوم إذ فاتني به ... زمان البكا والنوح قبل الحمائم
فضاق صدري لحالها، وراجعت نفسي في سؤالها، ثم غلب علي عدم التصبر بعد أيام وهي تجالسني كالمشغولة وتقوم بما أحتاجه حتى إذا نمت مكثت جالسة حتى يسفر الفجر فتروح إلى المكان الذي يشرف على الشجر كعادتها. فقلت يا سيدتي قد ضاق صدري لحالك. وأنا أعزم عليك إلا ما أخبرتني بما أنت فيه.
فقالت أو لا بد، قلت أي والله. قالت قد كان أبي ذا ثروة وعزة، وكان لي ابن عم قد كفله أبي صغيراً فنشأت وإياه ليس عند أحدنا أعز من الآخر فزوجني منه، فأقمنا لا نستطيع صبراً.
وكان في هذا البستان زوج حمام يبيت فيه ويصبح ويغرد بأنواع التغريد فإذا اختفت واحدة في شجرة دارت الأخرى عليها حتى تكاد أن تموت، فإذا التقينا تعانقا وغردا.
فلما كان يوم مر بهما حمام فطارت إحداهما إليه ومضت فلم ترجع فأقامت الأخرى تغرد كل صباح إلى ارتفاع الشمس، ثم تلقي نفسها كالميتة حتى ذهبت نضارتها وذوى ريشها.
стр. 126
فقلت له يوماً لئن فارقتني لأكونن كهذه. فقال أنا لا أفارقك أو أموت فقلت له قد تجد أحسن مني. قال معاذ الله أن يكون في الدنيا مثلك فأردت أن أعرف صدقه، وكانت لي صديقة قد احتوت على أرفع رتبة من الجمال، فاستحضرتها وأريته إياها من خلاف السجف، فوقعت بقلبه فراسلها فأجابته فتزوج بها فلم توافقه.
فرجع يطلب مني ما كنت عليه فأبت نفسي أن تطيع كما كانت وتشفع فلم يفد. فقال أطلقك مرة، قلت نعم ففعل وخرج، فلم أعرف خبره.
وإنما أخذتك لأنك غريب تفارقني، فإن رضيت هذا الحال وإلا فشأنك قلت فلأي شيء هجرك النوم قالت كفارة لنومي عن مناوحة الحمامة وسبقها لي.
الصنف الثالث في ذكر من أشبه العشاق في محبته وشاكلهم في مودته فتعاهدا لشدة كلفه بالمحبوب على عدم الفراق فنكث أحدهما عهد الآخر بعد التلاق
وهذا هو الذي عقد له المصنف الباب، ووعدنا بزيادته لأن الترجمة له خلاف الصواب. وقصة عاتكة مع عبد الله وإن كان لها بهذا الباب اعتلاق إلا أنها بما مضى الصق.
فمنهم صخر بن عمرو
وكان من أشجع العرب وأكرمهم وأجملهم، وكانت تحبه سلمى بنت عوف بن ربيعة بن حارث الرياحي، وصخر هذا هو أخو الخنساء المشهورة فيه بالشعر.
وكان عاهد سلمى على أن لا تتزوج بعده وهو كذلك عاهدها، وكان يقول إذا نظر إليها لا أكره الموت إلا أنه يفرق بيني وبين هذه. فلما كان اليوم المشهور بيوم الكلاب وهو الذي تحارب فيه بنو عوف وبنو الحرث، التقى صخر مع ربيعة بن ثور العوفي الأسدي بعدما غلبت بنو الحرث على بني أسد ونهبتهم فطعن ربيعة صخراً، وكان رمح صخر قصيراً فأصاب ربيعة في بطنه حلقاً من الدرع فمرض صخر سنة بالطعنة، فكانت أمه تلاطفه وقصرت سلمى في خدمته، فسمع يوماً امرأة تقول لأمه كيف حال صخر؟ فقالت نحن بخير ما دمنا نرى وجهه، وسألت امرأته أخرى فقالت لا حي فيرجى ولا ميت فينعى، فغم لذلك وأنشد:
فأي امرىء ساوى بأم حليلة ... فلا عاش إلا في عنا وهوان
وحكى في النزهة أنه جلس يوماً ليستريح وقد رفع سجف البيت فرأى سلمى واقفة تحدث رجلاً من بني عمها وقد وضع يده على عجيزتها فسمعه يقول لها أيباع هذا الكفل فقالت عن قريب.
فقال صخر لأمه علي بسيفي لأنظر هل صدىء أم لا فأتته به فجرده وهم بقتل سلمى، فلمى دخلت رفع السيف فلم يستطع حمله فبكى وأنشد:
أهم بأمر الحزم لو أستطيعه ... وقد حيل بين العير والنزوان
وهذا مثل يضرب للعجز والبيت والذي قبله من قصيدة لصخر وأولها:
أرى أم صخر لا تمل عيادتي ... وملت سليمى مضجعي ومكاني
وما كنت أخشى أن أكون جنازة ... عليك ومن يغتر بالحدثان
آهم بأمر الحزم لو أستطيعه ... وقد حيل بين العير والنزوان
لعمري لقد نبهت من كان نائماً ... وأسمعت من كانت له أذنان
فلو مت خير من حياة كأنها ... محلة يعسوب برأس سنان
فأي امرىء ساوى بأم حليلة ... فلا عاش إلا في شقي وهوان
ولما اشتد غمه وطال مرضه نتأت قطعة موضع الطعنة، فقيل له اقطعها فحموا له حديدة فأدخلوها فيها فقيل كيف صبرك فأنشد:
فإن تسأليني هل صبرت فإنني ... صبور على ريب الزمان أريب
ثم مات فتزوجت سلمى بعده، وقيل سبب موته أنه سكر مع بلعاء بن ربيعة، وكان الآخر جميلاً عند يهودي فحسدهما على الحسن فسقاهما في الشارب سماً والصحيح الأول.
ومن لطيف شعر الخنساء في صخر قولها:
قذى بعينك أم بالعين أعوار ... أم اقفرت إذ خلت من أهلها الدار
كأن عيني لذكراه إذا خطرت ... فيض يسيل على الخدين مدرار
تبكي لصخر هي العبر أو قد ثكلت ... ودونه من جديد الترب أستار
تبكي خناس على صخر وحق لها ... إذ رابها الدهر إن الدهر ضرار
وما عجول على بويحنّ له ... لها حنينان اعلان وأسرار
ترتع ما غفلت حتى إذا ذكرت ... فإنما هي اقبال وادبار
يوماً بأوجع مني حين فارقني ... صخر وللدهر أحلاه وأمرار
стр. 127
لا بد من ميتة في صرفها غير ... والدهر في صرفه حول وأطوار
يا صخر وراد ماء قد تبادره ... أهل الموارد ما في ورده عار
يمشي السبنتي إلى هيجاء معضلة ... له سلاحان أنياب وأظفار
وأن صخراً لمولانا وسيدنا ... وإن صخراً إذا يشتو لنحار
وأن صخر التأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار
لم تره جارة يمشي بساحتها ... لريبة حين يخلي بيته الجار
ولا تراه وما في البيت ياكله ... لكنه بارز بالصخر مهمار
طلق اليدين بفعل الخير ذو فخر ... ضخم الدسيعة بالخيرات امار
وقالت أيضاً:
ألا يا صخر إن أبكيت عيني ... فقد ضحكتني زمناً طويلا
بكيتك في نساء معولات ... وكنت أحق من أبدى العويلا
رفعت بك الخطوب وأنت حي ... فمن ذا يرفع الخطب الجليلا
إذا قبح البكاء على قتيل ... رأيت بكاءك الحسن الجميلا
وأدركت الخنساء الاسلام، وحسن إسلامها، فقالت لها عائشة يوماً أتبكين صخراً وهو في النار، فقالت هو أشد لجزعي عليه وادعي للبكاء فعد من الأجوبة المسكتة.
ومنهم هدية بن الخشرم
وكان معروفاً بالشجاعة والنجدة والجلادة والصبر والمروءة، وله أخ اسمه حوط وأخت اسمها سلمى تزوج بها زيادة بن اليزيد الذبياني، وهو رئيس قومه فراهنه أخو هدبة يوماً على اطلاق جملين يوماً وليلة في القيظ وحملوا الماء، فأخذت أخت هدبة ماء زوجها إلى أخيها فقصرت لذلك ابل زيادة فسبها فغضب حوط فثار بينهما شر.
وعلم هدبة فبيت زيادة فقتله ورفع الأمر إلى سعيد بن العاص عامر معاوية على المدينة وقد هرب هدبة فحبس عمه، فجاء وسلم نفسه ومضى أخو زيادة فشكا إلى معاوية فأرسل إلى سعيد أن يقود هدبة إن قامت البينة، فكره الحكم وأرسلهم إلى معاوية فسال هدبة عن الخبر فقال تريده نثراً أو نظماً فقال نظماً فأنشد:
ألا يا قومي للنوائب والدهر ... للمرء يردي نفسه وهو لا يدري
وللأرض كم من صالح قد ترا ... كمت عليه فوارته بلماعة قفر
إلى أن ذكر القصة التي ذكرناها، وأنه قتله. فقال معاوية قد أقررت فهل للمقتول ولد قالوا نعم. قال ردوه حتى يبلغ فحبس ثلاث سنين. فلما كانت الليلة التي قتل في صبيحتها أرسل إلى زوجته، وكانت من أجمل النساء وكان بها مغرماً، فحضرت إليه في طيب وثياب فاخرة، فحادثها ليلة، وراودها عن نفسها فأجابت فحين تمكن وسمعت الحديد اضطربت فتنحى عنها وأنشد:
أأدنيتني حتى إذا ما جعلتني ... لدى الخصر أو أدنى استقلك راجف
رأت ساعدي غول وتحت ثيابه ... جآجيء يدمي حزها والحراقف
وحين أخرج للقتل مر على زوجة مالك بن عوف، فقالت في سبيل الله شبابك وصبرك وشعرك فأنشد ارتجالاً:
تعجب حبي من أسير مكبل ... صليب العصا باق على الرسفان
فلا تعجبي مني حليلة مالك ... كذلك يأتي الدهر بالحدثان
ونظر إلى زوجته فجزع وأنشد:
أقلي عليّ اللوم يا أم بو زعا ... ولا تجزعي مما أصاب فاوجعا
ولا تنكحي إن فرق الدهر بيننا ... اغم القفا والوجه أليس بانزعا
كليلاً سوى ما كان من حد ضرسه ... لدى الزاد مبطان العشيات أروعا
ضروبا بلحييه على عظم زوره ... إذا الناس هشوا للفعال مقنعا
وتحلى بذي أكرومة وحمية ... وصبراً إذا ما الدهر عض فأسرعا
وكوني حبيباً أو لأروع جاهد ... إذا ضنّ أعشاش الرجال تبرعا
وجعل الناس يستخبرون خبره وهو يجيب كلاً عن سؤاله وينشد الأشعار وهم يتعجبون، فقال له عبد الرحمن بن حسان أتزوج هذه بعدك يريد زوجته فقال إن كنت بالشروط التي ذكرتها لها وأنشد أقلى على اللوم الأبيات ثم نظر إلى زوجة مالك وقد قالت له كيف تصبر عن هذه فأنشد:
وجدت بها ما لم تجد أم واحد ... ولا وجد حبي بابن أم كلاب
стр. 128
رأته طويل الساعدين شمردلا ... كما اشترطت من قوة وشباب
فمالت إلى شفرة جزار فجدعت بها أنفها وشفتيها، قال ابن عساكر وأذنيها وأقبلت عليه، فقالت أهذا حال من تتزوج قال لا الآن طاب الموت ثم التفت إلى أبويه فرآهما في أسوأ حال قد تهيآ للحزن فأنشدهما.
أبلياني اليوم صبراً منكما ... إن حزناً إن بدا بادىء شر
لا أراني اليوم إلا ميتاً ... إن بعد الموت دار المستقر
اصبر اليوم فإني صابر ... كل حي لقضاء وقدر
وأراد سعيد أن يفديه بمائة ناقة حمراء سليمة، فقال أخو زيادة لو ملت لي قبتك هذه مالاً ما فديته لقوله:
لنجدعن بأيدينا أنوفكم ... ويذهب القتل فيما بيننا هدرا
فسلمه إليه، فلما أراد قتله أرسل إلى عائشة لتستغفر له ثم صلى ركعتين وأقبل على الناس وقال لولا أن يقال جزع لأطلتهما.
قال السيوطي في شرح الشواهد ثم قال للقاتل أحد سيفك وثبت جنانك وباعد بين قدميك وأجد الضربة، ثم قال بلغني أن القتيل يعقل فإن كان كذلك فإني قابض رجلي وباسطهما ثلاثاً. فلما رمى عنقه فعل ذلك.
وفي شرح الشواهد أنه أول قتيل في الاسلام قوداً وخطبت بعد ذلك زوجته على ما بها من التشويه فتزوجت وتزينت ورؤيت ولها ولدان قد قاربا الترعرع.
ومنهم
حمزة بن عبد الله بن الزبير
تزوج بفاطمة بنت القاسم بن جعفر بن أبي طالب، وكانت ذات جمال ففتن بها، فلما حضرته الوفاة أظهر أنه لم يكن جازعاً على شيء غير تزويجها بعده بطلحة بن عمرو، فحلفت له بصدقة ما لها وعتق رقيقها إن تزوجت، فلما مات خطبها طلحة فأخبرته، فقال إن حنثت وفيت عنك بضعف ما عليك. فتزوجته فوفى لها فولدت له إبراهيم وكان أوجه الناس ورمله فزوجها بمائة ألف دينار فقيل له أنت أتجر الناس تزوجت فاطمة بأربعين ألف دينار وكفرت عنها بعشرين فربحت إبراهيم وأربعين ألفاً.
ومنهم
الحسن بن الحسن
خيره عمه الحسين بين إحدى بنتيه سكينة وفاطمة فاستحيا وكان يحب فاطمة لأنها كانت منقطعة القرين في الجمال. فقال الحسين ﵁ قد اخترت لك فاطمة لأنها أشبه بأمي فزوجه بها.
فلما حضرته الوفاة جزع جزعاً شديداً فقيل علام هذا، وإنما تقدم على جدك وآبائك. فقال هو كذلك ولكني أجد كرباً غير الموت، ثم قال لبعض أصحابه كأني بعبد الله بن عمرو بن عثمان، وقد جاء في كبكبة يظهر جزعاً علي، وما هو إلا ليخطب فاطمة.
فلما سمعت حلفت أن لا تتزوجه فإن فعلت لزمها عتق ما تملك، فما كان إلا أن مات، فأقبل عبد الله كما قال، فرأى فاطمة تضرب وجهها فأرسل إليها أن أبقى عليك، فإن لنا فيك رأياً.
فلما خطبها ضمن لها التكفير بضعف ما عليها، وقيل أن أمها التي أجبرتها أن تتزوجه، بأن وقفت في الشمس وحلفت لا تدخل حتى تجيب.
ومنهم
غسان بن جهضم
وكان مفتوناً بابنة عمه أم عقبة لأنها كانت من أجمل النساء وأحياهن وأفضلهن خصالاً. حضرته الوفاة فجعل ينظر إليها ويبكي، ثم قال لها إني منشدك أبياتاً أسألك فيهن عمن تصنعين بعدي، وأعزم عليك أن تصدقيني. فقالت قل فوالله لا أكذبك فأنشد:
أخبري بالذي تريدين بعدي ... ما الذي تضمرين يا أم عقبه
تحفظيني من بعد موتي لما قد ... كان مني من حسن خلق وصحبه
أم تريدين ذا جمال ومال ... وأنا في التراب في سجن غربه
فأجابته:
قد سمعنا الذي تقول وما قد ... خفته يا خليل من أم عقبه
أنا من أحفظ النساء وارعاً ... هن ما قد أوليت من حسن صحبه
سوف أبكيك ما حييت بشجو ... ومراث أقولها وبندبه
فقال:
أنا والله واثق بك لكن ... ربما خفت من غدر النساء
بعد موت الأزواج يا خير من عو ... شر فارعي حقي بحسن وفاء
إنني قد رجوت أن تحفظي العهد ... فكوني إن مت عند رجائي
فلما مات خطبت من كل جانب فقالت:
سأحفظ غساناً على بعد داره ... وأرعاه حتى نلتقي يوم نحشر
وإني لفمي شغل عن الناس كلهم ... فكفوا فما مثلي من الناس يغدر
стр. 129
سأبكي عليه ما حييت بعبرة ... تجول على الخدين مني فتكثر
فلما طالت الأيام قالت من مات فقد فات، وأجابت الخاطب، فلما كانت الليلة التي زفت فيها جاءها في النوم فأنشد:
غدرت ولم ترعي لبعلك حرمة ... ولم تعرفي حقاً ولم تحفظي عهدا
ولم تصبري حولاً حفاظاً لصاحب ... حلفت له يوماً ولم تنجزي وعدا
غدرت به لما ثوى في ضريحه ... كذلك ينسى كل من سكن اللحدا
فانتبهت مرعوبة كأنما كان معها، فقالت النساء لها ما فقالت دهاك ما ترك غسان في الحياة ارباً ولا في السرور رغبة. أتاني في المنام فأنشدني هذه الأبيات ثم جعلت ترددها وتبكي فشاغلنها بالحديث، فما غفلن أخذت شفرة فذبحت نفسها فتعجبن منها وقد نقل هذا في مجلس هشام حتى تذاكروا غدر النساء فقضى منه عجباً.
ومثل هذا ما حكاه عن موسى الهادي
أنه كان مفتوناً بجارية من جواريه اسمها غادر فرؤي يوماً يبكي، فقيل علام تبكي يا أمير المؤمنين؟ فقال كأني بي وقد مت وأخذ أخي هرون الخلافة، فتزوج بغادر. فقيل له حاشاك من هذا الخاطر. فزاد في البكاء وبلغ هرون فحضر وحلف له بالطلاق أنه لا يتزوج بها. وحلفت هي أيضاً فلم يمض شهر حتى مات وأفضت الخلافة إلى الرشيد فكفر عنه وعنها، وتزوجها فلما كان ذات ليلة انتبهت من منامها مرعوبة وذكرت أنه أتاها فعاتبها وأنشدها:
أخلفت عهدي بعدما ... جاورت سكان المقابر
ونكحت غادرة أخي ... صدق الذي سماك غادر
لا يهنك الالف الجديد ... ولا تدر عنك الدوائر
ولحقت بي قبل الصباح ... وصرت حيث غدوت صائر
فقال لها الرشيد لا بأس عليك، إنما هو أضغاث أحلام، وجعل يغمزها وهي تضطرب في يده حتى ماتت.
تم طبع الجزء الأول ويليه الجزء الثاني وأوله الباب الثالث في كر عشاق الغلمان الخ
الجزء الثاني
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الباب الثالث
في ذكر عشاق الغلمان
وأحوال من عدل إلى الذكور عن النسوان وتفصيل ما جرى عليهم من تصاريف الزمان
أعلم أن أصل هذا قد نشأ في قوم لوط زينه لهم الشيطان فأخرجهم به إلى العدوان.
وحكى بعضهم أن أصل ذلك من ياجوج ومأجوج ونقله بعض المفسرين في قوله أن ياجوج وماجوج مفسدون في الأرض فيجب على كل ذي نفس شريفة وهمة منيفة الزجر والردع عن هذه الفعلة الخبيثة التي شجت الملائكة إلى الله منها وحسم المادة الموصلة إلى ذلك كالنظر، فلذلك حرمه النووي رحمه الله تعالى مطلقاً وقد ورد أنه قدم على رسول الله ﷺ وفد وفيهم أمره فأجلسه وراء ظهره ونهى أن يحد الرجل النظر إلى وجه الأمرد وعن ابن المسيب إذا رأيتم الرجل يلح بالنظر إلى وجه الأمرد فاتهموه، وأخرج الخطيب عن أنس موقوفاً لا تجالسوا أولاد الملوك فإن الأنفس تشتاق إليهم ما لا تشتاق إلى الجواري العواتق. وحرض النخعي والثوري على عدم مجالستهم.
وعن الخدري قال رأيت إبليس في النوم، فقلت له تعال. فقال لا حاجة لي بمن رمى الدنيا وإن لي فيكم لطيفة فقلت وما هي؟ قال مجالسة الأحداث فأخذت العصا لأضربه قال أنا لا تخوفني العصا وإنما يخوفني نور القلب.
وعن الموصلي قال نهاني ثلاثون من الابدال عن صحبة الأحداث وعن بعضهم قال نظرت إلى شاب جميل، فقلت أيعذب الله هذه الصورة فقال لي أستاذي أورأيته سوف ترى غبها، فأنسيت القرآن بعد عشرين سنة والآثار في هذا المعنى كثيرة ولله در من قال في المتصفين بهذا الشأن من هذا الزمان:
فإن لم تكونوا قوم لوط حقيقة ... فما قوم لوط منكم ببعيد
وإنهم في الخسف ينتظرونكم ... على مورد من جهلكم وصديد
يقولون لا أهلاً ولا مرحباً بكم ... ألم يتقدّم ربكم بوعيد
فقالوا بلى لكنكم قد سننتم ... صراطاً لنا في الفسق غير حميد
أتينا به الذكران من عشقنا بهم ... فأوردنا ذا العشق شر ورود
فأنتم بتضعيف العذاب أحق من ... يتابعكم في ذاك غير رشيد
فقالوا وأنتم رسلكم أنذرتكم ... بما قد لقيناه بصدق ووعيد
стр. 130
فما لكم فضل علينا فكلنا ... نذوق عذاب الهون غير مزيد
كما كلنا قد ذاق لذة وصلهم ... ويجمعنا في النار غير بعيد
وقد انتظم شمل هذا الباب بما يتبعه من الأحكام منقسماً في ثلاثة أقسام.
القسم الأول
فيمن استلب الهوى والعشق نفسه حتى أسلمه رمسه
وهو نوعان الأول فيمن عرف اسمه، واشتهر في العشاق رسمه.
أخبار محمد بن داود وصاحبه محمد الصيدلاني
هو أبو بكر محمد بن داود بن علي المعروف بالفقيه الأصفهاني، كان لبيباً حاذقاً وفقيهاً شاعراً، وله في فقه الظاهرية والأحاديث والتواريخ اليد الطولى.
قال الخطيب أنه كان ملازماً للهو ومتعلقاته منذ دخل المكتب، وأنه شرع في كتاب جمع فيه ظرائف العشاق ولطائفهم وسماه كتاب الزهره وساير به عمره وصاحبه.
هذا هو محمد بن جامع الصيدلاني كان يبيع العطر ببغداد، وكان من أجمل أهل زمنه فعلقه محمد بن داود فكان له ألوفاً وعليه عطوفاً وبه رؤوفاً، واشتهر أمرهما فلم ينكراه واتضح فلم يخفياه. وقيل أنه لم يعمل الكتاب المذكور إلا بسبب عشق هذا، وأن إليه الاشارة في أول الكتاب المذكور بقوله وننكر من تغير الزمان وأنت أحد مغيريه ومن جفاء الاخوان وأنت المقدم فيه، ومن عجب ما يأتي الزمان ظالم يتظلم، وغابن يتندم ومطاع يستظهر وغالب يستنصر، ومن أدلة عطفه عليه أنه خرج من الحمام يوماً فنظر في المرآة فأعجبه وجهه فبرقعه، وأتى ابن داود فلما رآه غشي عليه، فقال له لا بأس عليك إنني لم أبرقع وجهي لسوء أصابه، ولكن رأيته غب حمام فأعجبني فأحببت أن لا أمتع به أحداً قبلك فغداه وسر بذلك، قالوا ولم يعلم فيما سلف معشوق ينف على عاشق سوى ابن جامع، ومن لطف ابن داود ورقته أنه كان يدخل الجامع من باب الوراقين فهجره أياماً فسئل في ذلك، فقال دخلت يوماً فرأيت متحابين يتحادثان فتفرقا مذ رأياني فآليت أن لا أدخل مكاناً فرقت فيه بين محبين.
وكان يجتمع مع ابن شريح الشافعي في مجلس الوزير بن عيسى فسبقه ابن داود يوماً فسأله حدث من الشافعية عن العود الموجب لكفارة في الظهار فقال هو إعادة القول ثانياً فطالبه بالدليل ودخل ابن شريح، فحين وقف على القصة قال لأبي بكر قول من هذا من المسلمين غيركم. فقال له وقد استشاط غضبه غاية أمرنا أن نعد قول من خالفنا خلافاً، فغضب ابن شريح وقال له أنت أعزك الله بكتاب الزهره أمس من غيره فقال أبكتاب الزهرة تعيرني والله لا تصلح للنظر فيه ألم أقل فيه:
أنزه في روض المحاسن مقلتي ... وأمنع نفسي أن تنال المحرّما
وأحمل من ثقل الهوى ما لو أنه ... على جامد الصلد الأصم تهدّما
ويظهر سري عن مترجم خاطري ... فلولا اختلاس الطرف عنه تكلما
رأيت الهوى دعوى من الناس كلهم ... وما أن أرى حباً صحيحاً مسلما
فقال له ابن شريح بم تفتخر علي ولو شئت لقلت:
ومسامر بالشهد من نغماته ... قد بت أمنعه لذيذ سناته
صبابه وبحسنه وحديثه ... وأنزه اللحظات في وجناته
حتى إذا ما الصبح لاح عموده ... ولي بخاتم ربه وبراته
فقال ابن داود ليحفظ مولانا الوزير قوله حتى يقيم بينة بالبراءة، فقال يلزمني في ذلك ما يلزمك في قولك أنزه في روض المحاسن فقال الوزير لقد حويتما ظرفاً وعلماً. وقيل كانت المناظرة في مسئلة في الايلاء وأن ابن شريح قال أنت بقولك من كثرت لحظاته دامت حسراته أحذق ومن لطف ابن داود أنه سئل يوماً:
يا ابن داود يا فقيه العراق ... أفتنا في فواتك الأحداق
هل عليها القصاص في القتل يوماً ... أم مباح لها دم العشاق
فأجاب:
عندي جواب مسائل العشاق ... فاسمعه من قلق الحشى مشتاق
لما سألت عن الهوى أهل الهوى ... أجريت دمعاً لم يكن بالراقي
أخطأت في نفس السؤال وإن تصب ... بك في الهوى شفقاً من الاشفاق
لو أن معشوقاً يعذب عاشقاً ... كان المعذب أنعم العشاق
стр. 131
وقيل له وهو في مرض موته ماذا تشكو فقال حب من تعلم صيرني إلى ما ترى فقيل ما منعك وقد كنت قادراً على ذلك فقال التمتع أما نظر مباح وقد أخذت منه بحظ، وأما تلذذ بالمحرم فمنعني منه قوله ﵊ من عشق الحديث السابق في المقدمة وأنشد:
ما لهم أنكروا سواداً بخديه ... ولا ينكرون ورد الغصون
إن يكن عيب خده بذر الشعر ... فعيب العيون شعر الجفون
فقيل له أنكرت القياس في الفقه وأثبته في الشعر فقال غلب الحب وتوفي نهار الاثنين تاسع رمضان أو لأيام بقين منه أو سابع شوال سنة سبع وتسعين ومائتين، ومن لطيف أشعاره في محبوبه.
يا يوسف الحسن تمثيلاً وتشبيهاً ... يا طلعة ليس إلا البدر يحكيها
من شك في الحور فلينظر إليك فما ... صيغت معانيك إلا من معانيها
ما للبدور للتحريف يا أملي ... نور البدور عن التحريف يغنيها
إن الزنانير لا تجلى وإن عتقت ... ولا تزاد على النقش الذي فيها
ومنها:
أشكو عليل فؤاد أنت متلفه ... شكوى عليل إلى ألف يعلله
سقمي تزيد مع الأيام كثرته ... وأنت في عظم ما ألقى تقلله
الله حرّم قتلي في الهوى سفهاً ... وأنت يا قاتلي ظلماً تحلله
ومنها:
حملت جبال الحب فيك وإنني ... لا عجز عن حمل القميص وأضعف
وما الحب من حسن ولا من سماحة ... ولكنه شيء به النفس تكلف
ومنها:
سقى الله أياماً لنا ولياليا ... لهن بأكناف الشباب ملاعب
إذا العيش عض والزمان بغزة ... وشاهد آفات المحبير عاثب
ومنها:
انظر إلى السحر يجري في لواحظه ... وانظر في دعج في طرفه الساحي
وانظر إلى شعرات فوق عارضه ... كأنهن نميل دب في عاج
أخبار القاضي شمس الدين بن خلكان وصاحبه المظفري
هو قاضي القضاة أبو عبد الله شمس الدين محمد بن خلكان، وصاحبه أحمد بن مسعود بن الملك المظفر وصاحب حماة وله معه حكايات غريبة وهو ما اشتهر به أن أباه دعاه ليلة فجلسا يتحادثان، وخرج الغلام وعليه ثوب أسود وقد د وسطه بمنديل مطرز بالذهب، وفي يده شمعة ومعه دينار فجلس ليتناول من أبيه سكرجة كانت معه فسقط الدينار فأقام الشمعة لينظره، فانطفأت الشمعة فنظر إلى وجهه فرأى الدينار تجاهه في الأرض فالتهبت نار عشقه في قلبه، وخرج فكتم ذلك أياماً فمرض واشتد به الحال، فبينا هو كذلك إذ أرسل المظفر ولده يعوده، فحين رآه وثب قائماً كأن لم يكن به مرض، وكان الغلام حاذقاً فعرف ذلك منه فأخبر أباه بذلك فحجبه، فقال من رأى القاضي بعد ذلك أنه كان يبيت الليالي إلى الصباح لا يعرف النوم وهو يقول:
أنا والله هالك ... آيس من سلامتي
أو أرى القامة التي ... قد أقامت قيامتي
وقيل مات وهو ينشدهما، وحكى أنه كان بعد حجبه لا يركب إلا يوم الموكب، وأن القاضي كان يقصده مستخفياً فينظر إليه فبلغ أباه فمنعه الموكب فكتب إليه ابن خلكان:
يا سادتي إني قنعت وحقكم ... في حبكم منكم بأيسر مطلب
إن لم تجردوا بالوصال تعطفاً ... ورأيتم هجري وفرط تجنبي
لا تمنعوا عيني القريحة أن ترى ... يوم الخميس جمالكم في الموكب
لو كنت تعلم يا حبيبي ما الذي ... ألقاه من كمد إذا لم تركب
لرحمتني ورثيت لي من حالة ... لولاك لم يك حملها من مذهبي
قسماً بوجهك وهو بدر طالع ... وبليل طرتك التي كالغيهب
وبقامة لك كالقضيب ركبت من ... أخطارها في الحب أصعب مركب
لو لم أكن في رتبة أرعى لها الع ... هد القديم صيانة للمنصب
لهتكت سري في هواك ولذ لي ... خلع العذار ولو ألح مؤنبي
لكن خشيت بأن يقول عواذلي ... قد جن هذا الشيخ في هذا الصبي
فارحم فديتك حرقة قد قاربت ... كشف القناع بحق دياك النبي
لا تفضحن بحبك الصب الذي ... جرعته في الحب أكدر مشرب
стр. 132
أخبار أحمد بن كليب وصاحبه أسلم
هو أحمد بن قزمان الشهير بابن كليب الكاتب كان أندلسياً شاعراً نحوياً متفقهاً قرأ على محمد بن خطاب النحوي واجتمع بالمزني وبأبي عبد الله محمد بن الحسن وغيرهما.
وأسلم هذا هو ابن سعيد بن خلف، كان جده وزير السلطان المظفر المعروف بالناصر. ولي أسلم القضاء بالأندلس بعدما كان حاجباً وله يد في الأدب وديوان شعر معروف ترجمه في الاحاطة بتاريخ غرناطة معروف بالرياسة والفضل والعرافة، فعشقه من مجلس ابن خطاب واشتد به كلفه فنظم فيه الأشعار الكثيرة وهو يكتم ذلك.
فلما غلب عليه حبه فشا أمره واشتهر فيه على ألسنة شعره، وقيل إن أول ما اشتهر من ذلك وسمع زامر السلطان يغني به قوله:
أيسلمني في هوا ... ء أسلم هذا الرشا
غزال له مقلة ... يصيب بها من يشا
وشى بيننا حاسد ... سيسئل عما وشا
ولو شاء أن يرتشي ... على الوصل روحي وارتشى
فحين بلغ أسلم هذا الأمر انقطع في داره عن جميع الأشياء فصار يجلس على بابه أحياناً فجعل أحمد لا يمر إلا على بابه فانقطع وصار يجلس ليلاً عند العشاء فمضى أحمد وأخذ دجاجاً وبيضاً وتزيا بزي بعض فلاحي أسلم وأقبل فقبل يده وتسلم الهدية وجعل يسأله على الضياع فاستلغاه فحين عرفه، قال أما يكفيك قطعي عن الطلب والخروج حتى تبعتني إلى هنا، ثم حلف لا يخرج من بيته.
ومضى أحمد حزيناً فكان يماجن، فيقال له ذهب دجاجك وبيضك، فيقول أود لو قبلت يده قبلة وأذهبت كل ليلة مثل هذا. ولما طال عليه الأمر انقطع. قال ابن خطاب فعدته فوجدته مشرفاً على التلف، فقال لو سعيت في أن تجمع بيني وبينه لاثابك الله على ذلك ثواباً عظيماً. فمضيت إليه فقلت له تعلم حرمتي عليك وحرمة ما ضمك مع ابن كليب من الطلب، فقال نعم ولكن قد رأيت ما فشا من أمرنا قلت ما عليك أن تزوره فتنقذه من التلف.
فامتنع فلم أزل به حتى أجاب أن يمضي من الغد، فلما جاء الميعاد ذهبنا حتى صرنا بأزاء بيته فتغير وقال: في هذه الساعة أموت، ورجع بعدما جاذبته الرداء وقطع منه في يدي قطعة، ودخلت على أحمد وقد بشره غلامه بقدومه، فلما لم يجده معي تغير واختلط عقله فقمت عنه فآبت نفسي إليه، فقال لي اسمع وأنشد:
أسلم يا راحة العليل ... رفقاً على الهائم النحيل
وصلك أشهى إلى فؤادي ... من رحمة الخالق الجليل
فقلت له استعذ من ذلك، فقال قد كان فلم أخرج عنه إلا وقد قام الصراخ عليه، ومن شعره فيه وقد أهدى له فصيح ثعلب:
هذا كتاب الفصيح ... بكل لفظ مليح
وهبته لك طوعاً ... كما وهبتك روحي
ومنه وقد كتب إلى ابن خطاب شعراً في أسلم يعرضه عليه، فقال إنه ملحون فراجعه ابن خطاب فكتب:
ألحق لي التنوين في مطمع ... فإنني أنسيت الحاقه
لا سيما إذا كان في وصل من ... كدّرني في الحب أخلاقه
أخبار مدرك وصاحبه عمرو
هو مدرك بن علي الشيباني نسبة إلى بني شيبان عرب ببادية البصرة، دخل بغداد صغير ونشأ بها، فتفقه وأحسن العربية والأدب والخط.
وعمرو هذا هو ابن يوحنا النصراني البغدادي، كان بدير الروم من الجانب الشرقي، وكان لمدرك مجلس علم لا يحضره فيه إلا الأحداث وكان إذا دخله شيخ يخرجه وكان عمر يحضره، فعشقه وزاد فيه وجده فألقى إليه يوماً رقعة فيها:
بمجالس العلم التي ... بك تم حسن جموعها
ألا رثيت لمقلة ... غرقت بماء دموعها
بيني وبينك حرمة ... الله في تضييعها
فاطلع الحاضرون عليها فاستحيا عمرو من ذلك وانقطع المجلس فكان مدرك يلزم دار الروم ويتبع عمراً، وزاد به الوسواس حتى اختلط عقله ولزم الفراش، ودخل الناس عليه يعودونه، فقال أما بينكم وبيني حرمة وعشرة، أما فيكم من يرحمني بالنظر إلى عمرو. فمضوا إليه، فلما أعلموه بحاله وما صار إليه من أجله مضى معهم، فحين سلم عليه أغمي عليه، ثم أفاق وأخذ بيده وأنشد:
أنا في عافية إلا من الشوق إليك
أيها العائد ما بي منك لا يخفى عليك
لا تعد جسماً وعد قلباً رهيناً في يديك
كيف لا يهلك مرشوق بسهمي مقلتيك
стр. 133
ثم شهق شهقة فمات، ومن أشعاره المشهورة قصيدته المعروفة بالمزدوجة وللطفها بتخميس الحلى لها أوردناه معها غير أن المصنف أبدل أبياتاً يسيرة من التخميس وزاد آخر زعم أن الحلى لم يقف عليها، وهذه القصيدة بالشرط المذكور غير أني أقول في أبيات المصنف له وهي هذه:
من عاشق ناء هواه دان ... ناطق دمع صامت اللسان
موثق قلب مطلق الجثمان ... معذب بالصد والهجران
طليق دمع قلبه في أسر
من غير ذنب كسبت يداه ... غير هوى نمت به عيناه
شوقاً إلى رؤيه من أشقاه ... كأنما عافاه من أضناه
إذ كان أصل نفعه والضر
يا ويحه من عاشق ما يلقى ... من أدمع منهلة ما ترقا
له
ناطقة وما أجادت نطقاً ... تخبر عن حب له استرقا
أخبار من يعلم أخفى السر
لم يبق منه غير طرف يبكي ... بأدمع مثل نظام السلك
تطفيه نيران الهوى وتذكى ... كأنما قطر السماء يحكى
هيهات هل قيس دم بقطر
له
إلى غزال من بني النصارى ... عذار خديه سبى العذارى
وغادر الأسد به حيارى ... في ربقة الحب به أساري
تنشد قول مدرك في عمرو
له
ريم بدار الروم رام قتلي ... بمقلة كحلاء لا عن كحل
وطرّة بها استتار عقلي ... وحسن وجه وقبيح فعل
وعظم ردف ونحيل خصر
ريم به أي هزبر لم يصد ... يقتل باللحظ ولم يخشى القود
متى يقل ها قالت الألحاظ قد ... كأنه ناسوته حين اتحد
أفديه من ريم ومن هزبر
ما أبصر الناس جميعاً بدراً ... ولا رأوا شمساً وغصناً نضرا
أحسن من عمرو فديت عمراً ... ظبي بعينيه سقاني خمرا
فما أفقت ساعه من سكرى
ها أنا ذا بقده مقدود ... والدمع في خدي له أخدود
ما ضر من فقري به موجود ... لو لم يقبح فعله الصدود
فديته لقد أطال هجري
إن كان ذنبي عنده الإسلام ... فقد سعت في نقصه الآثام
واختلت الصلاة والصيام ... وجاز في الدين له الحرام
يا خيبتي إن لم أفز بغفر
يا ليتني كنت له صليباً ... أكون معه أبداً قريبا
أبصر حسناً وأشم طيباً ... لا واشياً أخشى ولا رقيبا
ولا أخاف أبداً من غدر
يا ليتني كنت له قرباناً ... الثم منه الثغر والبنانا
أو جاثليقاً كنت أو مطراناً ... كيما يرى الطاعة لي إيمانا
فلا يزال الدهر طوع أمري
يا ليتني كنت لعمر ومصفحاً ... يقرأ مني كل يوم أحرفا
أو قلما يكتب بي ما ألفا ... من أدب مستحسن قد صنفا
ويجعل الريق بديل الحبر
يا ليتني كنت لعمرو عوده ... أو حلة يلبسها مقدودة
أو بركة باسمه محدودة ... أو بيعة في داره مشهودة
يدلج في أرجائها ويسري
يا ليتني كنت له زناراً ... يديرني في الخصر كيف دارا
حتى إذا الليل طوى النهارا ... صرت له حينئذ ازارا
أضمه إلى طلوع الفجر
قد والذي يبقيه لي أفناني ... وابتز عقلي والضنى كساني
ظبي على البعاد والتداني ... حل محل الروح من جثماني
فليس لي عن قربه من صبر
واكبدي من خده المضرج ... واكبدي من ثغره المفلج
لا شيء مثل الطرف منه الأدعج ... اذهب للنسك وللتحرج
الا جمال ثغرة بالدر
إليك أشكو يا غزال الأنس ... ما بي من الوحشة بعد الأنس
يا من هلالي وجهه وشمسه ... لا تقتل النفس بغير النفس
وجد بوصل لسقام يبري
جد لي كما جدت بحسن الود ... وارع كما أرعى قديم العهد
واصدد كصدي عن طويل العهد ... فليس وجد بك مثل وجدي
وليس ذكر لك مثل ذكري
ها أنا في بحر الهوى غريق ... سكران من حبك لا أفيق
стр. 134
محترق ما مسني حريق ... يرثي لي العدوّ والصديق
من حر صدري وعظيم ضري
فليت شعري فيك هل ترثي لي ... من سقم لي وضنى طويل
أم هل إلى وصلك من سبيل ... لعاشق ذي جسد نحيل
انحلة حبك طول الدهر
في كل عضو منه سقم وألم ... ومقلة تبكي بدمع وبدم
شوقاً إلى بدور شمس وصنم ... منه إليه المشتكى إذا ظلم
أفديه من شمس ضحى وبدر
أقول إذ قام بقلبي وقعد ... يا عمرو يا عامر قلبي بالكمد
أقسم بالله يمين المجتهد ... إن أمر أو أصلته لقد سعد
وكان من أشفيته في حر
يا عمرو ناشدتك بالمسيح ... ألا سمعت القول من فصيح
يخبر عن قلب له جريح ... باح بما يلقي من التبريح
كسير قلب ما له من جبر
يا عمرو بالحق من اللاهوت ... والروح روح القدس والناسوت
ذاك الذي في مهده المنحوت ... عوّض بالنطق من السكوت
وأنشر الميت ببطن القبر
بحق ناسوت ببطن مريم ... حل محل الريق منها في الفم
ثم استحال في قنوم الأقدم ... فكلم الناس ولما يفطم
مصرحاً عن أمه بالعذر
بحق من بعد الممات قمصا ... ثوباً على مقداره ما قصصا
وكان لله تقياً مخلصاً ... يشفي ويبري أكمها وأبرصا
بما لديه من خفي السر
بحق محيي صورة الطيور ... وباعث الموتى من القبور
ومن إليه مرجع الأمور ... يعلم ما في البر والبحور
وما به صرف القضاء يجري
بحق من في شامخ الصوامع ... من ساجد لربه وراكع
يبكي إذا ما نام كل هاجع ... خوفاً من الله بدمع هامع
ويهجر اللذات طول العمر
بحق قوم حلقوا الرؤوسا ... وعالجوا طول الحياة بوسا
وقرعوا في البيعة الناقوسا ... مشمعلين يعبدون عيسى
قد أخلصوا في سرهم والجهر
بحق ماري مريم وبولس ... بحق شمعون الصفا وبطرس
بحق دانيل بحق يونس ... بحق حزقيل وبيت المقدس
وكل أواب رحيب الصدر
ونينوى إذ قام يدعو ربه ... مطهراً من كل سوء قلبه
ومستقيلاً فأقيل ذنبه ... ونال عند الله ما أحبه
إذ رام من مولاه شد الازر
بحق ما في قلة الميرون ... من نافع الأدواء للمجنون
بحق ما يؤثر عن شمعون ... من بركات الخوص والزيتون
خصب البلاد في السنين الغبر
بحق أعياد الصليب الزهر ... وعيد أشموني وعيد الفطر
وبالشعانين العظيم القدر ... وعيد مر ماري الرفيع الذكر
مواسم تمنع حمل الاصر
وعيد شعياء وبالهياكل ... والدخن اللاتي بكف الحامل
يشفي بها من خبل كل خابل ... ومن دخيل السقم في المفاصل
لكونها من كل داء تبرى
بحق سبعين من العباد ... قاموا بدين الله في البلاد
وأرشدوا الناس إلى الرشاد ... حتى اهتدى من لم يكن بهادي
وحقق الحق بكشف الستر
بحق إثنتي عشرة من الأمم ... ساروا إلى الأقطار يتلون الحكم
حتى إذا صبح الدجى جلا الظلم ... ساروا إلى الله ففازوا بالنعم
ثم استداموها بفرط الشكر
بحق ما في محكم الانجيل ... من محكم التحريم والتحليل
وخبر ذي نبا جليل ... يرويه جيل قد مضى عن جيل
يسند زيد علمه عن عمرو
بحق مر عيد الشفيق الناصح ... بحق لوقا ذي الفعال الصالح
بحق تمليخا الحكيم الراجح ... والشهداء بالفلا الصحاصح
الراغبين في عظيم الأجر
بحق معمودية الأرواح ... والمذبح المشهور في النواحي
ومن به من لابسي الامساح ... وعابد باك ومن نواح
ينثر عقداً من دموع حمر
стр. 135
بحق تقريبك في الأجساد ... وشربك القهوة كالفرصاد
بما بعينيك من السواد ... وطول تقطيعك للأكباد
وسلبك العشاق حسن الصبر
بحق ما قدس شعيا فيه ... بالحمد لله وبالتنزيه
بحق نسطور وما يرويه ... عن كل ناموس له فقيه
متبع في نهيه والأمر
شيخان كانا من شيوخ العلم ... وبعض أركان التقى والحلم
لم ينطقا قط بغير فهم ... موتهما كان حياة الخصم
وعنهم أخبر كل حبر
بحرمة الأسقف والمطران ... والجاثليق العالم الرباني
والقس والشماس والديراني ... والبترك الأكبر والرهبان
والمغرباني ذي الخصال الزهر
بحرمة المحبوس في أعلى الجبل ... ومار قولا حين صلى وابتهل
وبالكنيسات القديمات الأول ... وبالسليح المرتضى بما فعل
وما أتاه من فعال البر
بحرمة الأسقوفيا والبيرم ... وما حوى مغفر رأس مريم
بحرمة الصوم الكبير الأعظم ... وحق كل بركة ومحرم
من شرف سام عظيم الفخر
بحق يوم الذبح ذي الاشراق ... وليلة الميلاد والتلاقي
والمذهب المذهب للنفاق ... والفصح يا مهذب الأخلاق
وكل ميقات جليل القدر
بكل قداس على قداس ... قدسه القس مع الشماس
وقربوا يوم الخميس الناسي ... وقدموا الكاس لكل حاسي
توقد في راحته كالجمر
ألا رغبت في رضا أديب ... باعده الحب عن الحبيب
فذاب من شوق إلى المذيب ... أعلى مناه أيسر التقريب
من بسط أخلاق وحسن بشر
فانظر إلى أميري في صلاح أمري ... محتسباً فيّ عظيم الأجر
مكتسباً فيّ جميل الشكر ... في نثر ألفاظ ونظم شعر
ففيك نظمي أبداً ونثري
قلت قد أودعت هذه القصيدة غالب مصطلحات دين النصرانية، لكن باعتبار مطلق الملة النصرانية لم يسلك فيها مصطلح الفرقة التي عمرو منها وظاهر أنه كان رومياً، ولكن مدرك لم يكن خبيراً بتفاصيل فرقهم وأقل منه معرفة بذلك من خمس حيث تسلقوا على مناسبة الشعر دون زيادة الأحكام، ولولا وجود هذا الباب في الأصل والتزامي ذكر ما فيه لحذفته أصلاً لعدم الرغبة إليه، لكن سأذكر لك البعض المناسب في فصل المناسبة قول عن حب له استرقا بتشديد القاف أي جعل الناس رقاً والفاعل الحب.
قوله في ربقة بكسر الراء والموحدة النحتية في الأصل حبل يجعل فيه حلق صغار يدخل فيه رقاب صغار الضأن فاستعاره تخييلاً كأن رتبة العشق جعلت المحبين في سنن الاستقامة كالمنتظمين في هذه الرقة.
وقوله ريم يعني غزلاً، والروم الفرقة الأصلية من النصارى التي تلقت عن المسيح ﵇ ورئيسهم شمعون ﵇. وفي البيت من البديع التجنيس في ريم ورام والروم ويسمى الاشتقاق والهزبر الأسد يقول إن أشجع الوحوش الأسد، فلو كان العاشق أسداً لصاده هذا الغزال مع أنه خلاف القياس والناسوت واللاهوت ألفاظ وقعت في الانجيل فتأولها لوقا وهو البترك الأكبر الناقل عن بولس عن يوحنا عن شمعون عن المسيح ﵇ وهو أول من قسم الفرق وتأول الرسائل والانجيل وذكر الآب والابن وروح القدس وقسم المثلثات. فقال أن عيسى ترع الناسوت يعني الحصة البشرية وأخذ اللاهوت يعني الحصة الالهية في ناسوته كالمصباح في الزجاجة وهذا جيد لولا أنه قال فيستحيل تارة إلى اللاهوت لأن حصة العذراء يعني مريم تغنى، وفي هذا كلام طويل ذكرناه في الفرق.
والصليب شيء ذو خطوط أربع تخرج على استقامة يجمع أصلها المحور وأصل تبرك النصارى به أنهم لعنهم الله فاعتقدوا أن الذي أخذته اليهود بصقلية وصلبته هو المسيح وكان صلبه على شيء هذه صفته وأنهم سقوه الخمر في حنك الخنزير.
стр. 136
فلما قام بعد ثلاث حلل الخمرة ولحم الخنزير وحرض على حمل الصليب وقد كذبوا في ذلك كله خصوصاً ومدلول هذا أن الخمر حرام في الانجيل وقد ذكر نسطوريون في كتاب سماه تقسيم الصفائح وهو مرجع المتفقهة في الملة النصرانية وقد طالعته أن الخمر حلال في الأصل والقربان رغيف مستدير عليه صلبان كثيرة يخبز في كل بيت كل يوم أحد من الصوم الكبير ويحمل إلى الكنيسة فإذا فرغت الصلاة أخذ القسيس بعضه وفرق بعضه فتنصرف به النصارى فيفطرون عليه كل يوم إلى الجمعة.
وهكذا والجاثليق الرئيس بالنسبة إلى السلطنة الظاهرة وأما المطران فهو الفقيه الورع المستصحب للبس الصوف الأسود، وأصل هذا الترتيب عندهم أن القارىء للانجيل من أول وهلة شماس فإن تأوله وأتقن حفظه صار قسيساً ويدوم كذلك ما دام عنده زوجة، وإن بلغ في العلم ما بلغ فإن ماتت زوجته وتزوج خرج عن مراتب العلم ويسمى سالخ القسوسية وإلا صار مطراناً فإن تنزه عن الذفر وما يخرج من الأرواح صار يتركا في مذهب الأرمن.
وأما الروم واليعاقبة والنسطورية فيرون أنه لا يجوز أن يكون بتركاً إلا من تنزه عن النساء وأكل الأرواح وما يخرج منها من أول عمره إلا العسل والسمك، لأن خليفة المسيح وطاعة هؤلاء فرض على النصارى. وأما الاسقف والميرون والراهب فأسماء للمتعبدين خاصة فالماكث في القلة ميرون وكثير السياحة أسقف وتارك النساء فقط راهب وشرط الروم ملازمته لبس المسوح وخدمة الدير وأن لا يصلي خارج كنيسة ولو خمس قوله كيما يرى الطاعة لي إيماناً بقوله يكشف الرأس إذاً ويجري لكان أليق لما فيه من ذكر الحكم الديني الواجب فعله مع المذكورين.
والمصحف المراد به المعنى اللغوي والبيعة معبد صغير عير مرتفع والدير المعبد الكبير الكثير المرافق والمحاريب والكنيسة ما اشتملت على عواميد الأناجيل ولم يرتفع بناؤها طبقات، والصومعة مكان رفيع رقيق الأسفل والقلة مثلها إلا أنها لا تسع أكثر من واحد والزنار منطقة تشد في الخصر وقت الصلاة مشتملة على صليب إذا شدت كانت على السرة.
ومن هنا إلى آخر ما شرح مؤخر والمغرباني الخادم الملازم للبترك وباقي البيت تقدم استطراداً. والمحبوس في رأس الجبل هو الراهب نقولا وكان بأنطاكية في بيعه البرتز فأرسله لوقا نذير الأهل السد فحبسه شعياء اليهودي في جبل الغمام وضربه على أن يرجع عن النصرانية، فأبى ومات جوعاً عند الأرمن.
واليعاقبة تقول أن المسيح أخذه واصطفاه وتوقفت فيه الروم، ومرقولا أول بترك بعد لوقا وهو الذي قسم الكنائس بين الأرمن والروم والسليه بالمهملة رجل أقامه مرقولا في خدمة الكنيسة الرومية ولو أحسن المخمس لقال ووضعه البخور فوق الجمر لأنها وظيفته، والاسقوفيا هو الاسقف وقد تجوز فيها مدرك كما زاد الالف في مرقولا والبيرم الفراش في الدير وأشار بمغفرة رأس مريم إلى بولس الذي نحر عن مريم يوم صورت في القمامة ألف رأس وفرض خمسة عشر يوماً صوماً مبدوءها خامس عشر أيلول وهو تاسع عشر توت، والصوم الكبير هو الصوم الذي تستفتح به السنة اليونانية وأوله من أول آذار يعني برمهات وقد يتقدم أو يتأخر بخمسة عشر يوماً، وأصله في الانجيل ثلاثون يوماً ثم زاده لوقا عشرة أيام لأجل خلاص النصارى من ولاية اليهود بافرنجة، ثم زاده الوزير بولس عشرة لسلامة ابنته، وكانت زمنة فأصبحت صحيحة وزعمت أن المسيح مسح عليها وكان ذلك ليلة العيد فأمر بزيادة عشرة ففرضها على النصارى فكمل خمسين إلى الآن.
والبركة محل ماء الغطاس والمحرم تكميل ولو أحسن المخمس لقال وبلسان عندها وعطر لأن بركة الغطاس لا بد أن يحضر عندها القسيس ومعه شيء من دهن البلسان وأنواع الطيب لأنهم يقولون أن مريم كانت تصنع ذلك في تغسيل عيسى.
ويوم الذبح يريدون به يوم فراغ بختنصر اليهود وذبحهم على دم يحيى بن زكريا وهو يفور حتى سكن.
وليلة الميلاد هي ليلة ميلاد المسيح وهي سابع كانون الأصم أعني ثالث عشر طوبة.
стр. 137
والفصح بالمهملة وبعدها معجمة العيد الأكبر وهو ختام الصوم الكبير المعروف في مصر بالخماسين. والقداس هو المولود يأخذه القسيس حين يولد فيقدسه في المعمودية يعني يحطه في الماء، ومن هنا إلى عند ما تقدم مقدم. والاقنوم لفظة رومية ويراد بها المعنى وعندهم الأقانيم ثلاثة الله والمسيح ومريم ويعنون بها الآلهة وهو اصطلاح كازردشت عند المجوس وخاخان عند اليهود وأزدان عن الثنوية وآل شلع عند الصابئة إلى غير ذلك مما استقصيناه في الفرق والذي قمص بعد الموت المسيح كما سبق، والذين حلقوا الرؤوس وتشمعلوا يعني اتبعوا شمعون وهم لوقا ويوحنا وامليخا وجرجس وروبيل وبنيائيل وبولس ولهم قصة طويلة ذكرناها في الفرق وحاصلها أنهم تعاهدوا على مدارسة الانجيل والانفراد في رؤوس الجبال بالعبادة، ولقد رأيت بعض بيعهم بالدير الكبير في الجبل البحري بالقرب من أنطاكية وللنصارى فيهم أقوال عجيبة لا يساعها هذا المحل، وما بعد ذلك أسماء أنبياء من بني إسرائيل.
والدواء الذي في قلة الميرون هو دهن البلسان وغسالة أرجل البتاركة في القمامة ليلة الغطاس يجمعها البترك ويجعلها في الزجاجات عند أهل القلل فيبرىء به المصروع والمبرسم وصاحب الماليخوليا فإن صح ذلك، فلما فيها من دهن البلسان وكذلك عدم تغيره مدة الدهر ولقد قلت للبترك يوماً أنا أغسل رجلي بالماء وأرفعه فلا يتغير أبداً فتبطل مزيتكم، ثم ذكرت له العلة فاعترف والمأثور عن شمعون من الخوص والزيتون. هو أن شمعون دخل الكنيسة يوم أحد خامس من يوم الصوم الأكبر ومعه غصن من شجرة الزيتون وشيء من خوص النخل. فلما فرغ من الصلاة وعنده جماعة منكرون في الباطن رفع إليهم من ذلك شيئاً وأمرهم بادخاره فبقي رطباً إلى القابل فدانوا للملة العيسوية فاتخذ ذلك سنة فيهم يأتون به الآن في اليوم المذكور، ويطرح في الكنائس، فإذا فرغت الصلاة توزعوه فيكون عندهم إلى القابل ولو عرف المخمس لقال وخالص الكندر والمقر يعني الميعة بلسانهم فإنهم يأخذون من الكندر والميعة وورق الزيتون ويعجنون الكل بخور للكنائس وغيرها، ويداوون به أمراضاً كثيرة كالحميات، نعم يأخذون ورق الزيتون ليلة عيد الصليب فيدفنونه في الأرض أسبوعاً ثم يخرجونه فإن وجد أخضر حكموا أن السنة مخصبة وإن كان غير هذا فالبعكس وله أحكام طويلة ذكرناها في كتاب الفلاحة.
وعيد الصليب معروف، وعيد اشمونا عاشر نيسان، وعيد الشعانين هو الذي يأتي في الصوم الكبير ويعقبه عيد الفطر السعيد وعيد مارماري هو الذي يأتي بعد صوم بولس وقد سبق، وعيد شعياء يكون في صوم الميلادة بشباط يعني أمشير والأرمن تسمى عيد الشعانين عيد شعياء.
واليعاقبه تسمى يوم الزيتون أيضاً كذلك، والعمدة على كلام الروم، والهياكل والأماكن التي فيها قبور مثل البتاركة والمطارنه والدخن المراد بها حصى اللبان الذكر، والسبعين من العباد هم المختارون من القوم الذين أكلوا المائدة والاثنا عشر من الامم المراد بهم السبعه السابقة، وشمعون وسمعان وبطرس ودانيال ويحيى وهؤلاء حواريون واتباع افترقوا للدعوة لما اختصوا به وعملوه ولسبب خروجهم أحكام ليس هذا محلها وبسطناها في الفرق.
ومر عيبد عابده كان بدير سمعان وشعياء ونسطورون شيخا التفسير أول من حل الانجيل، ولهما كتاب ذكرا فيه الصحف المنزلة على الأنبياء وعددها مائة وثمانية عشر وجمعا بين أحكامها وأحكام الانجيل والزبور والتوراة، ومواعظ وجعلاه قسمين وهو كتاب عزيز الوجود وقفت عليه وطالعته إلى هنا انتهى الغرض منه.
النوع الثاني في
ذكر من جهل حاله
وكان إلى الموت في الحب مآله وقد رأينا أن نبدأ منهم بعشاق النصارى تبعاً للقصة المشهورة
فمنهم
سعد الوراق
وكان بالرها يبيع الورق، يجلس إليه الشعراء وأهل الأدب فيتحدثون عنده في الشعر كالصنوبري والمعري وغيرهما فلازمهم غلام نصراني اسمه عيسى يكتب ما عندهم من الأدب فعلقه سعيد وزاد به وجده فأنشد يوماً:
اجعل فؤادي دواة والمداد دمي ... وهاك فابري عظامي موضع القلم
وصير اللوح وجهي وامحه بيدي ... فإن ذلك لي برء من السقم
ترى المعلم لا يدري بمن كلفي ... وأنت أشهر في الصبيان من علم
стр. 138
ثم اشتهر أمرهما، فلما شب الغلام طلب الترهب فأجابه أهله بعد جهد إلى دير زنكي وأقام به، وكان سعيد يأتيه ويجلس معه فكره الرهبان ذلك وتوعدوا الغلام بالخروج من الدير فمنعة، أي صارت الرهبان تغلب باب الدير في وجه سعيد إذا أتى.
فلما أيس مضى فأحرق داره وثيابه وخرج عارياً ينشد الأشعار ويطوف بالدير ويبيت في ظله وأن الصنوبري أتاه يوماً وقد طال شعره وتشوهت خلقته فعنفه. فقال يا أبا بكر ألا ترى إلى هذا الطائر الذي على شرفة الدير قلت نعم. قال لي اسأله حمل رسالتي إلى عيسى فأبى ثم قال هل عندك لوح قلت نعم، فدفعته إليه فكتب:
بدينك يا حمامة دير زنكي ... وبالانجيل عندك والصليب
قفي وتحملي مني سلاماً ... إلى قمر على غصن رطيب
حماه جماعة الرهبان عني ... فقلي ما يقرّ من الوجيب
وقالوا رابنا إلمام سعد ... ولا والله ما أنا بالمريب
وقولي سعدك المسكين يشكو ... لهيب جوى أحر من اللهيب
فصله بنظرة لك من بعيد ... إذا ما كنت تمنع من قريب
وإن أك مت فاكتب حول قبري ... محب مات من هجر الحبيب
رقيب واحد تنغيص عيش ... فكيف بمن له الفا رقيب
ولم يزل كذلك حتى وجد عند الدير ميتاً فأراد العامل يومئذ وهو العباس بن وكيع البطش بالرهبان وحرق الغلام فافتدوه بمائة ألف درهم وصار الغلام إذا دخل المدينة لزيارة أهله تضربه الصبيان بالأحجار ويقولون له يا قاتل سعيد فانتقل إلى دير سمعان.
ومنهم شرف العلاء علق غلاماً نصرانياً فلبس المسوح لأجله وتبعه إلى الكنائس والبيع، وهام به فبلغ ذلك الظاهر بن أيوب فاستحضره، فلما دخل عليه تلقاه بقدح من خمر فشربه وأنشد:
جمعت بالكأس شملي ... الله يجمع شملك
بحق رأسك دعني ... حتى أقبل نعلك
وصار على ذلك هائماً حتى مات.
ومنهم ما أخرجه ابن الجوزي عن سعيد قال كنت بخان التجار بالبصرة إذا بغلام يصيح وفي يده مدية فاجتمع الناس إليه فأنشد:
يوم الفراق من القيامة أطول ... والموت من ألم التفرق أجمل
قالوا الرحيل فقلت لست براحل ... لكن مهجتي التي تترحل
ثم بقر بطن بمديته فسألته عنه، فقيل عشق غلاماً لبعض الملوك فحجب عنه يوماً واحداً ففعل هذا.
ومنهم ما حكاه الثوري في روضة القلوب قال كان بحمص مؤدب يقال له ابن الجوزي عشق غلاماً وكلف به، فلما علم أبوه بذلك نقله إلى مؤدب آخر عدو له فضعف واشتد غمه، فكتب إلى أبي الغلام يستعطفه فأجابه بأنه إن لم يرجع رفع أمره إلى الحاكم فتغير من وقته وتقايى الدم، وحمل إلى بيته وجاءه الطبيب فأخبر أن كبده تفطرت فمات في الرابع.
ومنهم ما حكاه في ديوان الصبابة وهو نظير العشق المسلسل السابق في الباب الثاني قال عشق شاب بدمشق غلاماً، فلما اشتد به وجده قتله فحمل إلى الحاكم فأنكر فهدد بالضرب، فجاء شاب كان يعشقه فقال إن هذا لم يقتل الغلام وإنما أنا قتلته فكتبوا عليه ذلك وخرجوا ليقتلوه فحدث الحاكم بباطن القصة وكان متأدباً فأمسك عن قتله وحبسه لينظر فعزل بعد أيام وكان أول ما حكم الحاكم الجديد أن شنق الشاب المذكور وقال شهاب الدين الحاجبي، كان شاباً لطيفاً جيد القريحه ذا نثر ونظم من العجائب الدالة على أن له اليد الطولى في الأدب، وكان من أولاد الجند عشق شاباً من أولاد الحسينية وأفرط في حبه حتى كان لا يصبر عنه ساعة، فمرض الشاب وانقطع فمرض الحاجبي لمرضه فدخل أصحابه عليه ليعودوه، فقال أريد من يوصل هذه الدراهم إلى فلان يعني صاحبه فقيل له قد مات فتغير من وقته واختلط عقله وجعل يقول قد مات، ثم قال احملوني من هنا وألح عليهم فأخذوه من حارة بهاء الدين إلى قناطر السباع فمات بها من يومه والتقت جنازته وجنازة محبوبه فصلى عليهما معاً، ومن شعره:
ملأت فؤادي من محبة شادن ... أميل إليه وهو كالظبي رائع
وقلت لقلبي قم لنعشق شادناً ... سواه فقال القلب ما أنا صانع
ومنها:
إن السيوف كلها ... قاطعة إذا انجلت
إلا سيوف لحظه ... إذا تصدّت قتلت
ومنها:
стр. 139
وصفت خصره الذي ... أخفاه ردف راجح
قالوا وصف جبينه ... فقلت ذاك واضح
ومنها:
له عين لها غزل وغزو ... مكحلة ولي عين تباكت
وحاكت في فعائلها المواضي ... فيا لك مقله غزلت وحاكت
ومنها:
عودا لصب بكى عليكم ... يا جيرة ودّعوا وساروا
فدمع عينيه صار بحراً ... وقلبه ما له قرار
ومنها:
لا تبعثوا غير الصبا بتحية ... ما طاب في سمعي حديث سواها
حفظت أحاديث الهوى وتضوّعت ... نشراً فيا الله ما أذكاها
ومنها:
لم أنس ليلة بتنا ... والحب قد غاب عنا
وقد روى عنه لفظ ... حتى حسبناه معنا
وقال:
لم أنس أيام الصبا والهوى ... لله أيام النجا والنجاح
ذاك زمان مرّ حلو الجنى ... ظفرت منه بحبيب وراح
ومنها وهي من قصيدة طويلة ذكر ابن حجة في شرح بديعيته أنه مدح بها صاحب حماة:
ثاني المعاطف كنت أول عاشق ... في حبه ولكل ثان أول
يدنو فيحلو للمتيم لحظه ... إذ ذاك لحظ بالنعاس معسل
وتميس منه شمائل لم أدر من ... مشمولة أو حرّكتها شمأل
متلوّن الأوصاف سيف لحاظه ... ماض ولكن هجره مستقبل
القسم الثاني
فيمن اشتهر في العشق حاله ولم يدر مآله
فمنهم ما حكاه من له اعتناء بظرائف الأخبار، قال نزلت داراً فوجدت مكتوباً على حائط:
دعوا مقلتي تبكي لفقد حبيبها ... ليطفىء برد الدمع حرّ كروبها
ففي حبل خيط الدمع للقلب راحة ... فطوبى لنفس متعت بحبيبها
بمن لو رأته القاطعات أكفها ... لما رضيت إلا بقطع قلوبها
فسألت فقيل كان بها تاجر يهوى غلاماً وأنه أنفق عليه ثلاثين ألف دينار حتى نفد ما معه فلم يدر ما تم من أمرهما.
ومنهم ما حكاه بعضهم، قال دخلت درب الزعفراني ببغداد فرأيت غلاماً قد طرح شيخاً على التراب وهو يعضه ويضربه، فقلت لا تفعل ذلك بأبيك وأنا أظن أنه أبوه، فقال حتى أفرغ أكلمك. فلما فرغ أقبل علي وقال هذا الشيخ يزعم أنه يهواني وله ثلاث ما رآني.
ومنهم ما حكاه الأصمعي عن أبي نواس، قال رأى غلاماً بمكة فعلقه وقال لأقبلنه عند الحجر، قلت اتق الله في ذلك قال لا بد منه فدنا وقبله حين أراد أن يلثم الحجر وأنا أنظره، فلما عنفته قال إن الله رحيم وأنشد:
وعاشقان التف خداهما ... عند استلام الحجر الأسود
فاشتفيا من غير أن يأثما ... كأنما كانا على موعد
ومنهم رجل بأفريقية كان يهوى غلاماً وازدادت محبته له حتى استغرقه الحال وأنه انفرد ليلة يشرب فذكر تجني الغلام عليه وهجره له، فأخذ قبساً فأحرق بابه ورآه بعض جيرانه فحين أصبحوا رفعوه إلى القاضي وكان لطيفاً، فقال لأي شيء فعلت هذا، فأنشد:
لما تمادى على بعادي ... وأضرم النار في فؤادي
ولم أجد من هواه بداً ... ولا معيناً على السهاد
حملت نفسي على وقوفي ... ببابه حملة الجواد
فطار من بعض نار قلبي ... أكبر في الوصف من زناد
فأحرق الباب دون علمي ... ولم يكن ذاك من مرادي
فاستظرفه القاضي وحمل عنه ما أفسده.
القسم الثالث
في ذكر من ساعده الزمان في المراد حتى بلغه ما أراد
فمنهم ما حكى أنه كان ببغداد رجل صوفي معروف بالزهد والعبادة فهوى غلاماً جندياً حتى امتزج حبه بلحمه ودمه واشتهر أمره عند غالب غلمان الغلام لأن الصوفي كان يتقصده في الطرق والمواكب لينظره، فبينما الصوفي ليلة يصلي على سطحه إذ سمع صوت الغلام ماراً فسقط من على السطح فرآه الغلمان فضحكوا. فقال مولاهم ما لكم؟ فقالوا لا شيء فأقسم عليهم فتقدم إليه بعضهم وأسر الخبر إليه وأعلمه أنه يهواه فقال منذ كم قالوا من زمان طويل فقال بئس المرء الذي لا يعرف من أحبه ثم نزل فأقعده ونفض عنه التراب فنقطت الشمعة على وجه الشيخ ففتح عينيه فرأى صاحبه فأنشد:
يا محرقاً بالنار وجه محبه ... رفقاً فإن مدامعي تطفيه
стр. 140
حرق بها جسدي وكل جوارحي ... وأشفق على قلبي فإنك فيه
فحمله إلى بيته ولم يفارقه بعدها وساق الحجازي في روض الآداب الحكاية عن الخياط الدمشقي.
ومنهم البحتري المشهور كان يهوى غلاماً اسمه نسيم فاشتراه حين اشتد به بلاؤه. فلما اشتهر حاله مازحه أبو الفضل يوماً وقال هل تبيعه قال لا قال خذ فيه ألف دينار فأبى وكان لا يساوي أكثر من مائة فقال خذ الفين فقال أحضرهما فأحضرهما واشتراه ومضى به فلم يلبث البحتري أكثر من يوم حتى ذهب عقله وأكثر التردد إلى أبي الفضل فلم يجبه وزاد به الوجد فكتب إليه.
أبا الفضل في تسع وتسعين نعجة ... غني لك عن ظبي بساحتنا فرد
أتأخذه مني وقد أخذ الهوى ... فؤادي له فيما أسرّ وما أبدى
وتغدو عليه صبوتي وصبابتي ... ولم يعده وجدي ولم يأله جهدي
وقلت اسل عنه فالمنية دونه ... وكيف بسلوان الظمآن عن الورد
فقال أبيعك إيهاه بجميع ما تملك في سائر البلاد فقال افعل فباعه بذلك فلما أصبح أقاله وقال إياك وهجر الأحرار فإن لهم مكائد.
ومنهم ما حكى عن الصاحب بدر الدين وزيز اليمن أنه كان له أخ جميل فاختار له معلماً ذا هيبة ووقار وأدب فكان يعلمه في بيته فامتحن الشيخ بحب الغلام وزاد به الحال فشكا يوماً إلى الغلام أمره فقال ما أصنع وأخي لا يفارقني ليلاً ولا نهاراً فقال الشيخ إن داري ملاصقة لحائطكم فإذا كان الليل أتناولك فتجلس معي لحظة لطيفة ثم تعود فأجاب فلما كان الليل أظهر الشاب أن نائم فنام أخوه ففتح باب النافذ إلى الحائط فوجد الشيخ واقفاً فأخذه ومضى فرآه قد هيأ مجلساً لطيفاً ما بين فرش وسماط ومشروب ومشموم فجلسا يتعاطيان الكأس وكانت ليلة البدر وأفاق الوزير فلم ير أخاه ورأى الباب مفتوحاً فاطلع فرآهما على تلك الحالة والكأس في يد الشيخ وهو ينشد:
سقاني شربة من خمر فيه ... وحيا بالعذار وما يليه
وبات معانقي خد الخد ... مليح في الأنام بلا شبيه
وبات البدر مطلعاً علينا ... سلوه لا ينم على أخيه
فكان من لطفه أن قال ولله لا أنم عليكما وانصرف. وذكر الحجازي بذكر هذا الاتفاق مناسبة لطيفة وذلك أن شخصاً كان يهوى غلاماً فمات فجلس يبكيه فطلع البدر فنظر إليه فلم يقدر أن يملأ عينه منه فأنشد:
شقيقك غيب في لحده ... وتطلع يا بدر من بعده
فهلا خسفت وكان الخسوف ... لباس الحداد على فقده
فخسف من وقته.
ومنهم الشيخ مهذب الدين بن منير الطرابلسي وكان أديباً ظريفاً عارفاً بالشعر والأدب وكان شيعياً وكان السيد المرتضى الموسوي نقيب الأشراف بالعراق والشام وغالب الممالك وكان بينه وبين مهذب الدين مودة قال ابن سعد في الطبقات لأن السيد كان رئيس أهل هذا المذهب وغيرهم وكان مهذب الدين من أجلاء طرابلس فبعث إلى الشريف بتحف مع عبد أسود فأرسل الشريف يعاتبه في ذلك وكان معروفاً بالشهامة فمما قال له أما رأيت شراً من السواد حتى ترسله إلينا وحكى قاضي القضاة ابن البراج أن مهذب الدين لم يرسل إلى الشريف إلا العبد فقط فكتب إليه أما بعد فلو علمت عدداً أقل من الواحد أو لوناً أشر من السواد لبعثت به إلينا والسلام وكان مهذب الدين يهوى مملوكاً له اسمه تتر وكان لا يفارقه في نوم ولا يقظة وكان إذا اشتد غمه أو رمى بمحنة نظر إليه فزال ما به فحلف لا يرسل إلى الشريف الهدايا إلا مع أعز الناس عنده فجهزها مع مملوكه وأخذ يقاسي مشاق فرقته.
فلما المملوك إلى الشريف توهم أنه من جملة الهدايا تعويضاً من ذنب العبد فأمسكه وطال الأمر فلم ير ما ينكي به الشريف ويبعثه على ارسال المملوك إلا إظهار التورع عن التشيع والدخول في مذهب أهل السنة وأن دليل ذلك أمر عظيم أخرجه عن العقل حتى فارق مذهبه فأرسل إليه بهذه القصيدة يذكر فيها وجده بالمملوك وخروجه من المذهب وتلبسه بالتستر وهي
عذبت طرفي بالسهر ... وأذبت قلبي بالفكر
ومزجت صفو مودتي ... من بعد بعدك بالكدر
ومنحت جثماني الضني ... وكحلت جفني بالسهر
وجفوت صباً ما له عن ... حسن وجهك مصطبر
стр. 141
يا قلب ويحك كم تخا ... دع بالغرور وكم تغر
والام تكلف بالأغن ... من الظباء وبالأغر
ريم يفوّق إن رما ... ك بسهم ناظره النظر
تركتك أعين تركها ... من بأسهنّ على خطر
ورمت فأصمت عن ... قسيء لا يناط بها وتر
جرحتك جرحاً لا ... يخيط بالخيوط ولا الابر
تلهو وتلعب بالعقو ... ل عيون أبناء الخفر
وكأنهنّ صوالح ... وكأنهنّ لها أكر
تخفي الهوى وتسرّه ... وخفي سرك قد ظهر
أفهل لوجدك من مدى ... يفضي إليه فينتظر
نفسي الفداء لشادر ... أنا من هواه على خطر
عذل العذول وما رآ ... هـ فحين عاينه عذر
قمر يزين ضوء الصب ... ح جبينه ليل الشعر
ترمي اللواحظ خده ... فيرى لها فيه أثر
هو كالهلال ملثماً ... والبدر حسناً إن سفر
ويلاه ما أحلاه في ... قلبي الشقي وما أمر
نومي المحرّم بعده ... وربيع لذاتي صفر
بالمشعرين وبالصفا ... والبيت أقسم والحجر
وبمن سعى فيه وطا ... ف به ولبى واعتمر
لئن الشريف الموسوي ... ابن الشريف أبي مضر
أبدى الجحود ولم ... يردّ إلى مملوكي تتر
واليت آل أمية الط ... هر الميامين الغرر
وجحدت بيعة حيدر ... وعدلت عنه إلى عمر
وإذا جرى ذكر الصحا ... بة بين قوم واشتهر
قلت المقدّم شيخ تيم ... ثم صاحبه عمر
ما سل قط ظبى على ... آل النبي ولا شهر
كلا ولا صدّ البتو ... ل عن التراث ولا زجر
وأثابها الحسنى ولا ... شق الكتاب ولا بقر
وبكيت عثمان الشهيد ... بكاء نسوان الحضر
وشرحت حسن صلاته ... جنح الظلام المعتكر
وقرأت من أوراق مص ... حفه براءة والزمر
ورثيت طلحة والزبير ... بكل شعر مبتكر
وأزور قبرهما وأز ... جر من لحاني أو عذر
وأقول أم المؤمنين ... عقوقها إحدى الكبر
ركبت على جمل لتص ... بح من بنيها في زمر
وأتت لتصلح بين جي ... ش المسلمين على غرر
فأتى أبو حسن وسل ... حسامه وسطا وكرّ
وأذاق اخوته الردى ... وبعير أمهم عقر
ما ضره لو كان كف ... وعف عنهم إذ قدر
وأقول إن أمامكم ... ولى بصفين وفر
وأقول إن أخطأ معا ... وية فما أخطأ القدر
هذا ولم يغدر معا ... وية ولا عمرو مكر
بطل بسوءته يقا ... تل لا بصارمة الذكر
وجنيت من رطب النوا ... صب ما تتمّروا ختمر
وأقول ذنب الخارج ... ين على عليّ مغتفر
لا ثائر بقتالهم ... في النهر وان ولا أثر
والأشعريّ بما يؤو ... ل إليه أمرهما شعر
قال انصبوا لي منبراً ... فأنا البريء من الخطر
فعلا وقال خلعت صا ... حبكم وأوجز واختصر
وأقول أن يزيد ما ... شرب الخمور ولا فجر
ولجيشه بالكف عن ... أبناء فاطمة أمر
والشمر ما قتل الحسين ... ولا ابن سعد ما غدر
وحلقت في عشر المحرّم ... ما استطال من الشعر
ونويت صوم نهاره ... وصيام أيام أخر
стр. 142
ولبست فيه أجل ثو ... ب للملابس يدّخر
وسهرت في طبخ الحبو ... ب من العشاء إلى السحر
وغدوت مكتحلاً أصا ... فح من لقيت من البشر
ووقفت في وسط الطر ... يق أقص شارب من عبر
وأكلت جرجير البقو ... ل بلحم جونيّ الجفر
وجعلتها خير المآ ... كل والفواكه والخضر
وغسلت رجلي كله ... ومسحت خفي في السفر
وأمين أجهر في الصلا ... ة كمن بها قبلي جهر
وأسنّ تسنيم القبو ... ر لكل قبر محتفر
وإذا جرى ذكر الغدير ... أقول ما صح الخبر
ولبست فيه من الملا ... بس ما اضمحل وما اندثر
وسكنت جلق واقتديت ... بهم وإن كانوا بقر
وأقول مثل مقالهم ... بالفاشريا قد فشر
مصطيحتي مكسورة ... وفطيرتي فيها قصر
بقر ترى برئيسهم ... طيش الظليم إذا نفر
وخفيفهم مستثقل ... وصواب قولهم هذر
وطباعهم كجبالهم ... خبثت وقدت من حجر
ما يدرك التشبيب تغر ... يد البلابل في السحر
وأقول في يوم تحا ... ر له البصيرة والبصر
والصحف ينشر طيها ... والنار ترمي بالشرر
هذا الشريف أضلني ... بعد الهداية والنظر
ما لي مضل في الورى ... إلا الشريف أبو مضر
فيقال خذ بيد الشر ... يف فمستقرّ كما سقر
لواحة تسطو فما ... تبقي عليه ولا تذر
والله يغفر للمسيء ... إذا تنصل واعتذر
فاخش الاله بسوء فعلك ... واحتذر كل الحذر
وإليكها بدوية ... رقت لرقتها الحضر
شامية لو شامها ... قس الفصاحة لافتخر
ودرى وأيقن أنني ... بحر وألفاظي درر
حبرتها فغدت كزهر ... الروض باكره المطر
وبديعة كبديعة ... عذراء ترفل في الحبر
وإلى الشريف بعثتها ... لما قراها وانبهر
ردّ الغلام وما استمر ... على الجحود ولا أصر
وأثابني وجزيته ... شكراً وقال لقد صبر
فلما وصلت القصيدة إلى الشريف ضحك وقال قد أبطأنا عليه فهو معذور وجهز الملوك مع هدايا حسنة فمدحه مهذب الدين فقال:
إلى المرتضى حثّ المطيّ فإنه ... إمام على كل البرية قد سما
ترى الناس أرضاً في الفضائل عنده ... ونجل الزكيّ الهاشمي هو السما
وذكر ابن حجة أن مهذب الدين حين هادى الشريف كان ببغداد قوله وأقول مثل مقالهم يفسره ما بعده من الكلمات المهملة التي تستعملها أهل دمشق في الخلاعة المصطيحة خشبة في الأصل تجعل تحت دود القز، وأهل دمشق يسمون الصولجان المنقوش مصطيحة ويكون معهم في المواسم وقد تظرف في المبالغة والمجون والخلاعة حيث اللفظ فنسب القصر إلى الفطيرة والكسر إلى المصطيحة والمستعمل العكس فإنهم يضعون الصوالج قائمة في لعبة، فمن جاء صولجانه قصيراً أخرج من اللعبة فيقول مصطيحتي قصيرة وكذا في لعب الفطير يرد من فطيرته مكسورة وقوله وإلى الشريف بعثتها إلى آخر القصيدة قد يتوهم أنه ملحق بعد رد المملوك وليس كذلك وإنما قاله تفاؤلاً وحسن ظن بالشريف واعتماداً على شهامته وهذا من مكر مهذب الدين لعلمه بسجايا الشريف.
القسم الرابع
في ذكر من منعه الزهد والعبادة أن يقضي من محبوبه مراده
قد رأينا أن نجعل هذا القسم كالاستغفار بعد الذنوب، والكفارة لمن عزم أن يتوب لاشتماله على ذكر أقوام عصمهم الله من الوقوع في الخطأ وأسبل عليهم الغطا، وهو نوعان:
стр. 143
الأول فيمن سلم من القضاء الجاري فعصم عن الجواري في الصحيحين عنه ﷺ قال بينما ثلاثة نفر ممن كان قبلكم يمشون إذا أصابهم مطر فأووا إلى غار فانطبق عليهم فقال بعضهم لبعض أنه والله يا هؤلاء لا ينجيكم إلا الصدق فليدع كل رجل منكم بما يعلم أنه قد صدق فيه فقال واحد منهم اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أجير عمل لي على فرق من أرز فذهب وتركه وإني عمدت إلى ذلك الفرق فزرعته فصار من أمره أني اشتريت منه بقراً وراعيها وأنه أتاني يطلب أجره فقلت أعمد إلي تلك البقر فسقها. فقال لي عندك فرق من أرز. فقلت له أعمد إلى تلك البقر فإنها من ذلك الفرق فساقها فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا فانساخت عنهم الصخرة، فقال الآخر اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أبوان كبيران وكنت آتيهما كل ليلة بلبن غنم لي فأبطأت عنهما ليلة فجئت وقد رقدا وأهلي وعيالي يتضاغون من الجوع وكنت لا أسقيهم حتى يشرب أبواي فكرهت أن أوقظهما وكرهت أن أدعهما فيستكنا لشربتهما فلم أزل أنتظر حتى طلع الفجر فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا فانساخت عنهم الصخرة حتى نظروا إلى السماء، فقال الآخر اللهم إن كنت تعلم أنه كانت لي ابنة عم من أحب الناس إلي وإني راودتها عن نفسها فأبت إلا أن آتيها بمائة دينار فطلبتها حتى قدرت عليها فأتيتها بها فدفعتها إليها فأمكنتني من نفسها.
فلما قعدت بين رجليها قالت اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه فقمت وتركت المائة دينار فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا ففرج الله عنهم فخرجوا.
وحكى أن رجلاً افتتن براهبة فتسور إليها وراودها فلم تمكنه إلا بعد جهد، فلما قدر عليها جعلت يدها في مجمرة فاحترقت. فقال لأي شيء فعلت هذا؟ قالت خفت أن أشاركك في اللذة فأشاركك في المعصية فحلف لا يعصي الله بعدها وتاب.
وحكى أن رجلاً عشق جارية فزاد حبه لها ولم يتمكن منها وأن أهلها أرسلوها لحاجة فتبعها وراودها. فقالت إني أحب لك منك لي، ولكني أخاف الله. فقال أتخافينه ولا أخافه، ورجع فناله عطش كاد أن يأتي عليه، فلقيه رسول لبعض الأنبياء فشكا ذلك إليه فقال له هلم ندعو الله أن تظلنا سحابة حتى نصل القرية. قال ليس لي عمر فقال الرسول أنا أدعو وأنت آمن وفعلا فأظلتهما سحابة حتى انتهيا إلى القرية فدعاه الرسول إلى بيته فتبعتهما السحابة. فقال له تقول ما لي عمل وقد تبعتك أخبرني ما فعلت فأخبره فقال إن التائب عند الله أحسن من العابد.
وحكى أن عمر بن عبد العزيز عشق جارية لزوجته فاطمة بنت عبد الملك وزاد فيها غرامه فطلبها منها فأبت عليه، فلما أفضت إليه الخلافة زينتها بأنواع الزينة، ثم قالت يا أمير المؤمنين قد كنت أمسكت هذه عنك والآن فقد وهبتا لك فسر بها سروراً بالغاً. ثم قال اخلعي ثيابك فحين همت أجلسها، ثم قال لها من أين جيء بك في الأصل قالت اغتصب الحجاج مال عامل فاصطفاني منه وأرسلني لعبد الملك فوهبني لأبنته فقال أحي هو؟ قالت لا. قال هل له ورثة؟ قالت ولد، فأحضره وأمره أن يذكر ما أغرم الحجاج أباه وأعطاه عمر ﵁ ذلك الجارية وقال له احذر أن يكون أبوك نالها. فقال هي لك يا أمير المؤمنين فأبى فقال أتبيعها؟ فأبى، فقالت الجارية أين وجدك بي؟ قال قد زاد ولكني أنهي النفس عن الهوى وحكى أن امرأة كانت في بني إسرائيل قد حازت ثلث الحسن، وكانت لا تمكن من نفسها إلا بمائة دينار، فأعجبت شخصاً فمضى فجمع مائة دينار وجاء إليها فقالت ادفعها إلى الجهبذ يعني الناقد ففعل، فلما نقدها تهيأت وجلست على سرير من ذهب فحين تمكنها منها أخذته الرعدة فقالت خل عنك ولك المائة فقال أجبتك.
فجمعت المال وجاءت به وقالت لئن صدقت فليس لي زوج غيرك فخرج فباعت متاعها وجاءته فحين رآها شهق شهقة فمات. فقالت أما هذا فقد مات فهل له أحد قالوا أخ فتزوجت به إكراماً له. قال ابن عباس فجاء منها سبعة أنبياء.
стр. 144
وأما قصة بشر وهند فقد آلت بها الشهر إلى أن أفردت بالتأليف وحاصلها أن بشراً رجل من أسد ذكره الحافظ ابن حجر في القسم الأول من الاصابة، وهند جهنية قيل ذكرت في حديث ساقط وكانت بالمدينة في ممر بشر إلى رسول الله ﷺ فعلقته وتعرضت إليه بمراسلات بأشعار أظنها موضوعة لاهمالها فلذلك حذفتها، فلما رأى بشر الحاحها هجر الممر وصار يأتي من غيره فلزمت الوساد وهم زوجها أن يدعو لها الأطباء فنهته وقالت أنا أعرف علتي، فلما علمت الطريق التي يمر منها بشر أخبرت زوجها أنها رأت في نومها أنها متى سكنت في موضع كذا شفيت فنقلها من وقتها فكانت تنظر إليه فبرئت وأطلعت عجوزاً على أمرها فوعدتها أن تجمعها به، ثم وقفت له فسألته أن يقرأ لها كتاباً أو يكتبه ففعل وهند تسمع، ثم قالت له العجوز أراك مسحوراً وما قلت لك إلا عن يقين ثم وعدته أن يأتيها يوماً لتنظر له فيما يصلح له وقالت لهند قد سمعت فنهيء.
فلما خرج زوجها إلى بعض القرى وقد وعدت العجز بشراً فجاء حين جلس أدخلت هنداً عليه وأغلقت الباب فجاء زوجها فحين رآه، طلقها ثم مضى به إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله سل هذا لم دخل بيتي فقال بشر والذي بعثك بالحق ما كفرت منذ أسلمت، ولا زنيت مذ عرفتك، ولكن القصة كذا وكذا فأدب العجوز وقال أنت أصل البلية وانصرفوا فلم يمكث بشر حتى ابتلى بحب هند وراسلها فامتنعت فلم يزل حتى مات، فجاءت فحين رأته سقطت ميتة ودفنا معاًن فجاءت العجوز إلى النبي ﷺ معتذرة فأخلصت توبتها.
وفي امتزاج النفوس عن رجل من أصحاب الحديث قال دخلت ديراً كنت أعرف فيه راهباً معروفاً بالأخبار فوجدته مسلماً وجميع من في الدير، فسألته عن السبب فقال عشقت جارية منا غلاماً عابداً وافتتنت به ودعته إليها فأبى، فلما زاد بها الوجد أعطت مصوراً مالاً فنقش لها صورته فكانت تقبلها وتبكي كل يوم إلى الغروب وتنصرف فبلغها موت الغلام فعملت مأتمه ثم التزمت لثم الصور، فلما أصبحنا وجدنا ميتة إلى جانبها وعلى يدها مكتوب:
يا موت دونك روحي بعد سيدها ... خذها إليك فقد أودت بما فيها
أسلمت وجهي للرحمن مسلمة ... ومت موت حبيب كان يعصيها
لعلها في جنان الخلد يجمعها ... يوم الحساب ويوم البعث باريها
مات الحبيب وماتت بعده كمداً ... محبة لم تزل تشفي محبيها
قال فشاع ذلك حتى بلغ المسلمين فأخذوها ودفنوها إلى جانبه فرأيتها في النوم فقلت ما فعل الله بك فأنشدت:
أصبحت في راحة مما جنته يدي ... وبت جارة فد واحد صمد
محا الإله ذنوبي كلها وغدا ... قلبي خلياً من الأحزان والكمد
لما قدمت على الرحمن مسلمة ... وقلت أنك لم تولد ولم تلد
أثابني رحمة منه وأسكنني ... مع من هويت جناناً آخر الأبد
فعلمت أن الإسلام حق فأسلمت وأسلم أهل الدير بسببها.
وحكى الشيزري في روضة العشاق عن راهب أسلم، وكان اسمه عبد المسيح، قال سئل عن سبب إسلامه؛ فحكى أنه كان عندهم جارية نصرانية تبيع الخبز أحبها شاب مسلم واشتد حاله في حبها فسلطت عليه الصغار فضربوه، فلما علمت صدقه عرضت عليه نفسها في الحرام فأبى، فعرضت عليه التنصر فأبى فأمرت الصغار بضربه حتى مات وهو يقول: اللهم اجمع بيننا في الجنة فرأته في النوم وقد انطلق بها إلى الجنة فمنعت لأجل الاسلام فأسلمت، ودخل بها فأراها قصر من اللؤلؤ، وقال هذا لي ولك وستأتي بعد خمس ليال، فاستيقظت فأسلمت ولزمت قبره حتى ماتت بعد خمس ليال فأسلمت لذلك.
وحكى ابن عاصم قال: قال لي بعض أصحابي بالكوفة هل لك أن تنظر إلى عاشق فقلت نعم. فإني أسمع الناس يذكرون العشق فمضى بي إلى دار فرأيت شاباً مطرقاً ساكتاً يكلمه الناس ولا ينطق وعلى يده وردة حمراء فقال صاحبي كأن فلانة أرسلتها إليك فحين سمع ذكرها رفع رأسه وأنشد:
جعلت من وردتها ... تميمة في عضدي
أشمها من حبها ... إذا علاني كمدي
فمن رأى مثلي فتى ... بالحزن أضحى مرتدي
أسقمه الحب وقد ... صار حليف الأود
وصار سهواً دهره ... مقارناً للكمد
стр. 145
فنهضنا فما بلغنا الباب حتى مات فرجعنا لنشهده فحين دفناه أقبلت جارية مسفرة ما رأيت أحسن منها، فما تركت تراباً على القبر حتى جعلته على رأسها فجاء قوم فجروها فقلت ارفقوا بها فقالت دعهم يبلغوا همتهم، فوالله لا ينتفعون بي، فما انقضى اليوم حتى ماتت فسألت عن القصة فقالوا أنه كان يعشقها فبذل في شرائها ملكه فأبوا عليه حسداً أن يكون عنده مثلها فأرسلت إليه تقول مرني بما شئت، فأرسل إليها أن الزمي طاعة ربك ومولاك وأقبل على الزهد وهو مع ذلك لا يفتر عن ذكرها حتى بلغ إلى ما رأيت.
النوع الثاني في ذكر من بغله زهده الأمان فعصمه عن الغلمان
وهؤلاء قوم جرت عليهم خصال البشر حتى افتتنوا باستحسان بعض الصور ثم عند إرادة النزوع ومقاربة الوقوع كشفت لهم حقائق الأحوال عن قبيح عواقب الأفعال فرجعوا إلى أنفسهم فذكروها خشية الله فزجر كل نفسه حتى غلب على هواه.
قال بعضهم مررت بمدائن قوم لوط فأخذت منها حجر الحاجة فحين نزلت في دار جعلته في طبقة، فجاء رجل ومعه غلام ولم يشعر بي فقضى منه وطراً فسقط الحجر عليه فمات فتعجبت من ذلك.
فمن المذكورين صوفي يسمى المهرجان كان مجوسياً ثم حسن إسلامه قال من شهده رأيته ببيت المقدس ومعه غلام جميل ينام إلى جانبه ثم يقوم فزعاً فيصلي ما شاء وينام وكان يفعل ذلك مراراً كل ليلة فإذا طلع الفجر قال اللهم أنت تعلم أن الليل قد مضى علي سليماً لم أقترف فيه فاحشة ولا كتبت الحفظة علي فه معصية وإن الذي أضمره في قلبي لو حملته الجبال لتصدعت أو كان بالأرض لتدكدكت، ثم يا ليل اشهد بما كان مني فيك فقد منعني خوف الله عن طلب الحرام والتعرض للآثام ثم يقول سيدي أنت جمعت بيننا على تقى فلا تفرق بيننا يوم تجمع الأحباب، فقلت له قد سمعتك تقول كذا وكذا فما الذي يدعوك إلى عشرة من تخاف على نفسك منه فبكى وذكر أن مقصوده بذلك امتحان نفسه.
وعالج بعضهم نفسة في صحبة الأحداث بالهجر، قال أبو حمزة رأيت صوفياً يصحب غلاماً دهراً طويلاً ثم هجره، فسألته عن ذلك فقال وجدت نفسي عند الخلوة به تحدثني بما يسقطني من عين الله ففارقته ليثيبني الله ثواب الصابرين عن محارمه ويجمع بيننا في دار الكرامة.
قال ورأيت أيضاً رجلاً ومعه غلام يصحبه فمات الرجل فلم يبرح الفتى محزوناً فقلت له ما أراك تسلو عن صاحبك، فقال كيف أسلو عن شخص أحسن تأديبي وعصمتي من الفسق.
وحكى أبو حمزة الصوفي قال نظر رجل صوفي إلى غلام جميل فافتتن به فأقعد فكنا نأتيه ونسأله عن حاله فلا يخبر به، وبلغ الغلام حاله فعاده فهش له وضحك فأكثر من زيارته، فقام وذهب مرضه فعزمه الفتى يوماً فأبى أن يذهب معه فقلت له لأي شيء امتنعت، فقال لست معصوماً، وأخاف أن تحدثني نفسي عند الخلوة بما يحجبني عن الله.
وحكى أيضاً، قال صحب محمد بن قطن الصوفي غلاماً زمناً طويلاً، فلما مات الغلام نحل حتى بدا عظمه، فرأيته يوماً وقد وقف على قبره يبكي والسماء تمطر فما برح حتى جئت في الغد فوجدته ميتاً فدفنته إلى جانبه.
وصحب أبو الحسن غلاماً كأنما خلق الحسن على صورته أو خلق من نفس من ينظر إليه فكان يأتي به إلى بيته فتحدث الناس فيهما فمنع الغلام أهله من صحبة أبي الحسن فنحل حتى شارف الموت فأنشد:
يا من بدائع حسن صورته ... تثنى إليه أعنة الحدق
لي منك ما للناس كلهم ... نظر وتسليم على الطرق
لكنهم سعدوا بأمنهم ... وشقيت حين أراك بالفرق
ولم يزل حتى مات وغالب هذا الباب من رواية أبي حمزة عنهم والكل متقارب مكرر. انتهى ما أردنا تحريره من أحوال العشاق على اختلاف أنواعهم.
خاتمة في ذكر ما عولج به العشق من الدوا
وقصد به السلو عن الهوى
وهو الباب الرابع من الكتاب، قد سبق في صدر الكتاب أنه لا علاج للعشق على الأصح إلا دوام الوصال ما لم يتمكن أو يوقع الحبال، فمن العلاج ما ذكر عن عمر ﵁ أنه عالج بالتغريب وتشويه الخلقة وذلك أنه مر ليلة في المدينة فسمع امرأة تقول:
هل من سبيل إلى خمر فأشربها ... أو من سبيل إلى نصر بن حجاج
إلى فتى ما جد الاعراق مقتبل ... سهل المحيا كريم غير ملجاج
نمته اعراق صدق حين تنسبه ... أخي حفاظ عن المكروب فراج
следующие страницы →