Полный текст (204 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
قال ابن النحاس وأصل ذلك أن البدوي كان أكثر ما يكون مع راعيه ورفيقه أو أن نزل ابنتيه منزلة الجمع تعظيماً، ثم عاد إلى أصله وقد حكى في شرح العبدونية هذه القصة عن المهلهل، وقال في صدر البيت الأول من مبلغ الأقوام أن مهلهلاً والباقي على حكمه.
أخبار عتبة بن الحباب وصاحبته ريا
هو عتبة بن الحباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري.
وصاحبته هي ريا بنت الغطريف السللي. علقها بمسجد الأحزاب يوم منتزه، وأصل ذلك أن عبد الله بن معمر القيسي حين دخل المدينة قال بينما قد زرت رسول الله ﷺ ليلاً وجلست إذا أنا بشخص ينشد بصوت شجي ولا أراه:
أشجاك نوح حمائم السدر ... فاهجن منك بلابل الصدر
يا ليلة طالت على دنف ... يشكو الفراق وقلة الصبر
أسلمك من تهوى لحرّ جوى ... متوقد كتوقد الجمر
ما كنت أعلم أنني كلف ... حتى تلفت وكنت لا أدري
فالبدر يشهد أنني كلف ... مغري بحب شبيهة البدر
وفي رواية صاحب الأصل تقديم هذا وصدر الذي قبله ما كنت أحسب إنني شجن فتبعت الصوت فرأيت شاباً حرقت الدموع خده، فقال لي اجلس أحدثك أنا فلان كنت يوماً بمسجد الأحزاب إذا بنسوة يتنزهن، فيهن جارية لم أر مثلها، وقفت علي وقالت ما تقول في وصل من يطلب وصلك، ثم مضت فلم أعرف خبرها، ثم غشي عليه ساعة فلما أفاق أنشد:
أراكم بقلبي من بلاد بعيدة ... تراكم تروني في القلوب على البعد
فؤادي وطرفي يأسفان عليكم ... وعندكم روحي وذكركم عندي
ولست ألذ العيش حتى أراكم ولو ... كنت في الفردوس أو جنة الخلد
فشرعت في تسليته، فقال هيهات أو يؤب القارظان مثل مشهور أصله أن أخوين خرجا يجتنيان القرظ نبت معروف فلم يعلم لهما خبر، قال عبد الله فلما طلع الصبح قلت له قم بنا إلى مسجد الأحزاب فأنشد:
يا للرجال ليوم الأربعاء أما ... ينفك يحدث لي بعد النوى طربا
ما أن يزال غزال فيه يظلمني ... يهوى إلى مسجد الأحزاب منتقبا
يخبر الناس أن الأجر هيمه ... أو أنه طالب للأجر محتسبا
لو كان يبغي ثواباً ما أتى ظهراً ... مضمخاً بفتيت المسك مختضبا
فمضينا إلى المسجد فحيناً صلينا الظهر أقبل النسوة ولم نر الجارية فيهن، فقلن له ما ظنك بمطالبة وصالك، فقال وأين هي، قلن له مضى بها أبوها إلى السماوة فأنشد:
خليليّ ريا قد أجدّ بكورها ... وسارت إلى أرض السماوة عيرها
خليليّ قد غشيت من كثرة البكى ... فهل عند غيري عبرة استعيرها
فقلت له قد وردت بمال جزيل أريد به الحج، وقد عزمت على أن أبذله في حاجتك فهل لك أن تسير معي إلى قومها وأبيها، فقال نعم فسافرنا إلى أن وافينا أباها، ففرش لنا الانطاع ونحر لنا النحائر، فحلفنا ألا نأكل له طعاماً أو يقضي حاجتنا، فقال اذكروها فأعلمناه بخطبة عتبة، فقال من عتبة، فقلنا من الأنصار، قال ذاك إليها فقلنا له أخبرها، فدخل عليها وأعلمها فشكرت عتبة فقال قد نمى إلي أمرك معه وأقسم لا أزوجك به، فقالت إن الأنصار لا يردون رداً قبيحاً فإن كان ولا بد فاغلظ عليهم المهر، فقال نعم ما أشربت به، ثم خرج فقال قد أجبت ولكن على ألف دينار وخمسة آلاف درهم هجرية ومائة ثوب من الابراد والخز وخمسة أكراس من العنبر، فضمنا له ذلك وقلنا له إذا أحضرناها أجبت قال فاحضرنا ذلك، فأولم أربعين يوماً ثم أخذناها ومضينا، فحين قاربنا المدينة خرج علينا خيل كثيرة حسبنا وهم بأمر أبيها فقاتلناهم زماناً، فجاءت طعنة في نحر عتبة فسقط ودمه يفور، فجاءتنا النجدة فإذا هو ميت فحين علمت الجارية بموته جاءت حتى انكبت عليه وأنشدت:
تصبرت لا إني صبرت وإنما ... أعلل نفسي أنها بك لاحقه
ولو انصفت روحي لكانت إلى الردى ... أمامك من دون البرية سابقه
فما أحد بعدي وبعدك منصف ... خليلاً ولا نفس لنفس موافقه
стр. 72
ثم شهقت شهقة فماتت فواريناهما معاً. قال عبد الله فأقمت سبع سنين ثم رجعت إلى زيارة النبي ﷺ فقلت لا أبرح أو أزور عتبة، فجئت فإذا أنا بشجرة عليها ألوان من الورق قد نبتت على القبر، فسألت عنها فقالوا شجرة العريسين.
أخبار الصمة وصاحبته ريا
هو أبو مالك الصمة بن عبد الله بن مسعود بن رقاش القشيري التغلبي من بني ربيعة، كان أديباً شجاعاً عارفاً بأيام العرب ووقائعها ومواضعها وكثيراً ما يسند إليه ابن دريد والأصمعي، قال ابن الفوار والوزير أنه أدرك أوائل الاسلام.
وريا هي بيت مسعود بن رقاش أيضاً، كانت ذات ظرافة وفراسة ومعرفة وحسن نشأت مع الصمة صغيرين وكانا يتذاكران الأدب وملح الأشعار فأعجب بها وتمكنت منه ولم يكن عندها منه مقدار ما عنده منها، فلما شكا ما يجد منها إلى بعض أصدقائه أرشده إلى تزوجها، فخطبها إلى عمه، فأنعم على مائة من الابل، فمضى الصمة إلى أبيه فأعطاه تسعاً وتسعين فأبى مسعود إلا التمام وعد الله إلا ذلك وحلف كل على ما قال وأقفوا الأمر فحملت الصمة الانفة على أن خرج عنهما إلى العراق.
فقالت الريا ما رأيت رجلاً أضاعه أبوه وعمه ببعير إلا الصمة لما عندهما من العلم بحبه لها، فلما طال عليه الأمر وتنازعه الشوق والشهامة المانعة له من العود بلا طلب مرض حتى أضناه السقم، وقيل أتى كاهناً بالعراق فسأله عما أضمر فأخبره أنه لا يتزوج بها أبداً فضعف، والصحيح كما حكاه صاحب قوت القلوب في أخبار المحب والمحبوب أنه قدم رجل يقال له غاوي بن رشيد بن طلابة المذحجي على مسعود فخطب منه ريا وأمهرها ثلثمائة ناقة برعائها، فزوجه بها فحملها إلى مذحج فبلغ الصمة ذلك فلزم الوساد وطال أمره، فدخل عليه رجل كان يألفه فعنفه وسلاه فأنشد:
أمن ذكر دار بالرقاشين أعصفت ... به بارحات الصيف بدأ ورجعا
حننت إلى ريا ونفسك باعدت ... مزارك من ريا وسعياً كما معا
فما حسن أن يأتي الأمر طائعاً ... وتجزع أن داعي الصبابة أسمعا
كأنك لم تسمع وداع مفارق ... ولم تر شعبي صاحبين تقطعا
بكت عيني اليمنى فلما زجرتها ... عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا
الرقاشين اسم واد بين نجد واليمن كانت تنزله بنو ربيعة، والبارحات رياح معلومة صيفية تستبشر بها العرب والضمير يعود على الوادي.
وفي قوت القلوب أعصفت بها سانحات الصيف يريد بالدار، والسانحات أيضاً رياح لكنها لا تخص الصيف فيشكل التعيين هنا وقوله وسعياً كما معطوف على قوله ونفسك باعدت يريدان السعي والنفس أبعداه عن المحبوبة وغلط في قوت القلوب حيث أعرب وسعييكما نصباً بالياء على أنه معمول باعدت عطفاً على مزارك.
وقوله فما حسن أن يأتي الأمر وبكت عيني اليمنى البيتين قد استعارهما المجنون وباقي الشعر واضح ويقال إن في القصيدة طولاً:
ولما رأيت البشر أعرض دوننا ... وجالت بنات الشوق تحتي نزعا
تلفت نحو الحي حتى وجدتني ... رجعت من الاصغاء الوي وأجزعا
وأذكر أيام الحمى ثم أنثنى ... على كبدي من خشية أن تصدعا
فليست عشيات الحمى برواجع ... عليك ولكن خل عينيك تدمعا
أما وجلال الله لو تذكرينني ... كذكراك ما كففت للعين مدمعا
فقالت بلى والله ذكرى لو أنه ... تضمنه صم الصفا لتصدعا
ولما طالت عليه دعا له صاحبه العراقي بطبيب حاذف، فلما تأمله قال إنما يشكو العشق لا غيره وأرى أن يلزم النزهة والفرح بنحو البساتين ليتشاغل عما هو فيه فأخرجه صاحبه مع بعض الخدم إلى الثغور، فبينا هو يوماً على شاطىء نهر وقد وجد به الكرب إذ سمع امرأة تنادي ابنتها يا ريا فسقط مغشياً عليه فاحتملوه إلى بستان هناك وأضجعوه، فلما أفاق أنشد:
تعز بصبر لا وجدك لا ترى ... سنام الحمى إحدى الليالي الغوابر
كان لساني من تذكري الحمى ... وأهل الحمى يهفو به ريس طائر
ولم يزل يرددها حتى قضى، ولما وصل خبره إلى الريا داخلها من الوجد ما أمسكت معه عن الطعام والشراب وجعلت تبكي حتى ماتت، ومن لطيف شعره قوله:
стр. 73
ألا من لعين لا ترى قلل الحمى ... ولا جبل الآثال الا استهلت
ألا قاتل الله الحمى من محلة ... وقاتل دنيانا بها كيف ولت
غنينا زماناً باللوى ثم أصبحت ... براق الهوى من أهلها قد تخلت
فما وجد أعرابية قذفت بها صرو ... ف اللوى من حيث لم تك ضنت
تمنت أحاليب الرغاء وخيمة ... بنجد ولم يقدر لها ما تمنت
إذا ذكرت نجد وطيب ترابها ... وبرد الحصى من أرض نجد أرنت
ومنه:
أرى الدهر بالتفريق والبين مولعاً ... وللجمع ما بين المحبين آبيا
فأف عليه من زمان كأنني ... خلقت وإياه نطيل التعاديا
أخبار كعب وصاحبته ميلاء
هو أبو خثعم كعب بن مالك أو عبد الله أو خثعم بن لابي بن رباح بن ضمرة طائي من عرب الحجاز يعرف بالمخبل، وكان جواداً سخياً شجاعاً، مألوف الصورة.
وميلاء هي بنت لابي بن رباح أصغر أخواتها كانت أجمل نساء الحجاز وكان كعب قد خطب إلى عمه أخت ميلاء، وكانت تسمى أم عمرو فزوجه بها فشغف بها شديداً وألفها طويلاً وأنه دخل عليها يوماً فوجدها قد نضت ما عليها وهي عريانة فسرته حين نظر إليها، فقال أنشدك الله هل تعلمين امرأة أحسن منك فقالت نعم أختي ميلاء فقال ومن لي بأن أنظرها فأخبأته وأرسلت إليها فحضرت، فلما رآها وقعت من قلبه موقعاً أدى إلى زوال عقله من العشق فانطلق في طلبها فاستعرضها وشكا إليها ما لقي من حبها، فأعملته أنها أعظم من ذلك في حبه، وشعرت أختها فتبعتها فرأتهما يتشاكيان المحبة فمضت إلى اخوتها وكانوا سبعة فأخبرتهم بذلك، وقالت إما أن تزوجوا كعباً من ميلاء، أو تغيبوها عني.
فلما علم بمعرفة اخوتها به هرب إلى الشام فمكث بها أياماً، وأن شامياً خرج يريد الحج فضلت به الطريق فاسترشد امرأة وكانت بالتقدير المحتوم ميلاء وإلى جانبها أختها فأنشد الشامي متمثلاً:
أفي كل يوم أنت من بارح الهوى ... إلى الشمّ من أعلام ميلاء ناظر
بعمشاء من طول البكاء كأنما ... بها حرّ نار طرفها متحادر
تمنى المنى حتى إذا قلت المنى ... جرى واكف من دمعها متبادر
كما أرفض سلك يعد ما ضم ضمة ... بخيرط الفتيل اللؤلؤ المتناثر
قلت وهذا الشعر قاله كعب حين علق ميلاء قبل وقوعه إلى الشام والمصنف تبع الشيزري في أنه قاله بالشام وأصل الحال غلط الشيزري في قوله الشم فإنه قرأها إلى الشام بدليل أن الشامي لما أنشد الشعر سألته ممن الرجل قال من الشام قالت أو تعرف صاحب الشعر. قال هو أعرابي اسمه كعب أنه يحتمل إلى معرفتها من ذكر اسمها ويكون ما ذكر صحيحاً. ولما أخبرها باسم الأعرابي أقسما عليه أن لا يبرح حتى بنظره أخوتها فإنهم يكرمونه ثم سألاه هل تروي له غير ذلك، قال نعم وأنشد:
خليليّ قد رضت الأمور وقستها ... بنفسي وبالفتيان كل مكان
ولم أخف يوماً للرفيق ولم أجد ... خلياً ولاذا البث يستويان
من الناس إنسانان ديني عليهما ... مليان لولا الناس قد قفياني
منوعان ظلامان ما ينصفانني ... بدلهما والحسن قد خلباني
يطيلان حتى يعلم الناس أنني ... قضيت ولا والله ما قضياني
خليليّ أما أم عمرو فمنهما ... وأما عن الأخرى فلا تسلاني
بلينا بهجران ولم ير مثلنا ... من الناس إنسانان يهتجران
أشد مصافاة وأبعد عن قلى ... وأعصى لواش حين يكتنفان
يبين طرفانا الذي في نفوسنا ... إذا استعجمت بالمنطق الشفتان
فوالله ما أدري أكل ذوي هوى ... على شكلنا أم نحن مبتليان
فلا تعجبا مما بي اليوم من هوى ... فبي كل يوم مثل ما ترياني
خليليّ عن أيّ الذي كان بيننا ... من الوصل أو ماضي الهوى تسلاني
وكنا كريمي معشر حم بيننا ... هوى فحفظناه بحسن صيان
نذود النفوس الحائمات عن الهوى ... وهن بأعناق إليه ثواني
стр. 74
سلاه بأم العمر يشفي فقد بدا ... به السقم لا يخفى وطول هوان
فما زادنا بعد المدى نقص حده ... ولا رجعنا عن عملنا ببيان
خليليّ لا والله ما لي بالذي ... تريدان من هجر الصديق يدان
ولا لي بالهجر اعتلاق إذا بدا ... كما أنتما بالبين معتلقان
ولا لاهياً يوماً إلى اليوم كله ... ببيض لطيفات الخصور رواني
يمنيننا حتى يرعن قلوباً ... ويخلطن مطلاً ظاهراً بليان
أعينيّ يا عينيّ حتام أنتما ... بهجران أم العمر تختلجان
فما أنتما إلا عليّ طليعة ... على قرب اعتدائي كما ترياني
فلو أن أم العمر أضحت مقيمة ... بمصر ودوني الشحر شحر عمان
إذن لرجوت الله يجمع بيننا ... وأنا على ما كان ملتقيان
من البيض نجلاء العيون كلاهما ... مقيم وعيشي ضارب بجران
أفي كل يوم أنت رام بلادها ... بعينين إنساناً هما غرقان
إذا ذرفت عيناي قالت صحابتي ... لقد ولعت عيناك بالهملان
ألا فاحملاني بارك الله فيكما ... إلى حاضر الروحاء ثم ذراني
هذا ما نقله الجل، واخرج هنا عن الأغاني من قوله ولا لاهياً يوماً إلى آخر القصيدة لم ينشده الشامي قلت وقوله ففي كل يوم أنت رام وقوله ألا فاحملاني البيتان مسروقان من كلام عروة بن حزام.
ثم نزل وجاء اخوتهما فأكرموه ودلوه على الطريق بعد أن استخبروا منه عن كعب وموضعهن ثم توجهوا في طلبه وضعفت ميلاء على ما رواه في نهاية الأدب بصداع أصابها.
فلما حضروا بكعب نزل ناحية، وصادف وقت وفاتها فرأى الناس عند عند البيت مجتمعين، فأحس قلبه بالشر. فقال لصبي بإزاء البيت الذي هو فيه من أبوك.
قال كعب وكان تركه صغيراً حين مضى إلى الشام فقال له ما اجتماع الناس على طنب هذا البيت قال على خالتي ميلاء ماتت الساعة. فلما سمع ذلك وضع يده على قلبه واستند إلى طنب البيت، وحرك فوجد ميتاً فدفنوه إلى جانبها رحمة الله عليهما.
القسم الثاني
فيمن جهل اسمه أو اسم محبوبته أو شيء من سيرته أو مآل حقيقته
ختمناه بصنف لطيف القوانين في ذكر عقلاء المجانين، ونحن وإن كنا قد ذكرنا من هذا النوع فيما سلف بعضاً، لكنهم إنما نقصوا شيئاً مما ذكرنا بالنسبة إلى هذا الكتاب لقلة فحصه وإلا فهم مشهورون كثيراً بخلاف من يأتي بعد، وستقف على كثي منهم كامل النسب.
والأسباب أذكره إن شاء الله تعالى لكنه غير قوي الشهرة ولم أتبعه في التنويع بأن أقول نوع فيمن نزل به الحال ونحو ذلك إذ لا طائل فيما صنع، ولا فائدة فيما نوع ووضع وإنما كان الأولى أن يذكر المشاهر ثم أهل الجاهلية وهكذا كما وقع ترتيبه هنا وهؤلاء القوم كثيرون.
فمنهم
سامة بن لؤي بن غالب القرشي مشهور
قال في النزهة نحر يوماً لضيوف مائة من الابل فأكلوا قليلاً وبقي الغالب فعاتبه أخوه كعب في ذلك وقال له لو بقيت عليها الحاجة كان أولى فغضب منه ورحل مستخفياً فنزل عن أزيد فنظرت إليه زوجته فوقع من قلبها، وهي من قلبه وزوجها يرصدهما فلم يستطيعا أن يعرف كل منهما الآخر ما عنده فاستاك أسامة ورمى السواك فأخذته وامتصته ففطن زوجها لذلك فعزم على قتله فسم له قدحاً من لبن وقدمه إليه فغمزته فأراقه ثم ركب وسار فهوت ناقته في الخميلة إلى عرفجة لترعاها فلما جذبتها خرجت حية فضربت ساق سامة فمات لوقته وبلغه الأزدية فلم تزل تبكيه حتى ماتت ولولا ما في هذه الحكاية من الاعتبار بمصادفاة الأقدار لم أوردها إذ لا مناسبة لها بهذا المعيار.
ومنهم
عمرو بن عوف وبيا
стр. 75
هوى جارية اسمها بيا فشغف بها طويلاً فخطبها إلى أهلها فلمخ يجيبوه وزوجوها من غيره فلما شعر زوجها بحال عمرو معها رحل بها حتى نزل اليمن ببني الحرث بن كعب وطال الحال على عمرو فطاش عقله وطار لبه فأشار عليه أصدقاؤه أن يقصد مكة فيتعلق بأستار الكعبة ويسأل الله أما جمعه عليها أو صرف قلبه عنها ففعل فبينما هو يطوف في الموسم إذ رآه شخص من بني الحرث فوقعت بينهما ألفة فأخبره بالحال وغياب المرأة فأعلمه بمكانها منهم فقال عمرو هل لك في صنيعة يحسن شكرها قال نعم قل فقال عمرو ليتخلف كل منا عن أصحابه بعد النفر ثم نسير إلى مكان يقرب منها وتمضي أنت فتعلمها بمكاني ففعلا ومضى به الرجل حتى جعله في بيته وذهب فأعلم بيا فكانت تأتيه فيتحادثان ويتشاكيان ما لقيا من الوجد فأنكر زوجها غشيانها المنزل من غير عادة وحسن حالها بعد ما كانت فيه من الضجر فأظهر لها سفراً يتيب فيه عشراً ثم عاد بعد ليلتين وقد فرشت لعمرو بساطاً أمام البيت وتحادثا فنام كل على طرف من البساط آمناً فنبه عمراً فثاب عليه بالسيف فقال من ينجيني منك يا عمرو وأنا لم أهرب هنا إلا منك فقال يا ابن العم والله لم يكن بيننا أكثر من الحديث وإنما غلب علي حبها من الصغر فقال زوجها حيث تحققت أن لا ريبة فلا بأس عليك فأقاما جميعاً حتى مات عمرو من العشق والعفة والوجد.
وحكى أنها عمرت بعده فسئلت عن أي شيء مات عمرو وجداً بك مع أنه لأحسن عندك فقالت ما كنت بالقبيحة ولد كنت أروي الشعر وأحسن الأدب.
ومنهم
بشير الشهير بالاشتر وجيداء
هوى جارية من قومه اسمها جيداء فاشتد بها كلفه وزاد في حبها تلفه فمنعها أهلها عنه فثار بينهما شر وخصومة عظيمة، فلما طال شوقه واضمحل حاله جاء إلى صديق له يقال له نمير فقال له: هل عندك صنيع تمن به علي عسى أن تعود روحي إلي، قال أشر بما شئت فإني فاعل قال له: تمضي إلى حي جيداء فإذا صادفت جاريتها فأخبرها بحالي فعسى أن تأخذ لي موعداً، قال نمير فمضيت حتى لقيت الجارية فأخبرتها فمضت إلى مولاتها فأخذت منها موعداً بأن تأتي بعد العشاء عند شجيرات هناك.
فلما كان الليل أقبلت فقام إليها بشير وهممت بالإنصراف عنهما فقالا: والله ما بيننا أكثر مما ترى فمكانك فجلسنا حتى مضى شطر من الليل فعزمت على الذهاب فكادت نفس بشير أن تزهق ثم سألها الإقامة معه بقية الليلة فقالت لا سبيل إلى ذلك إلا أن يكون في صاحبك هذا خير. فقلت فيم شئتم؟ فرمت بثيابها إلي وقالت إذهب إلى خدري كأنك أنا فسيجيء زوجي ويطلب القدح للحلب فلا تعطه حتى تطيل نكده ثم ارم به إلي فإني أفعل ذلك فإذا عاد باللبن فلا تأخذه حتى يضعه بنفسه أو يطول وقوفه فإنه بعد ذلك لا يأتيك بقية الليلة.
قال نمير ففعلت ذلك غير أني بعد أن طال وقوفه باللبن وأراد وضعه وأردت أخذه فاختلفنا فكب القدح وقال هذا طماح ثم عمد إلى سوط مفتول فضربني حتى زايلتني نفسي وهممت أن أوجره بالسكين فخلصوني وردوا علي الستر وجاءت أمها تعنفني وتوصيني بأن لا أخالف زوجي ظناً أنني ابنتها وتقول مالك وللأشتر ثم قامت عني على أن ترسل لي ابنتها الأخرى تؤنسني. فلما جاءت جعلت تبكي وتدعو على من ضربني واضطجعت إلى جانبي فوضعت يدي على فمها ثم قلت أن أختك مع بشير في موضع كذا وقد جرى لي من جهتها ما علمت وأنت أولى بالستر على أختك فارتعدت ساعة ثم أنست فبت معها في أطيب ليلة من اللطف والعفة حتى إذا جاء الصباح وأقبلت أختها فأنكرت من معي فقلت هي أختك وستخبرك بما كان ثم مضيت إلى بشير فأعلمته بالخبر فلما رأى تأثير السوط في بدني وخروج الدم قال لقد عظمت صنيعك ووجب شكرك.
قال ابن طاهر فلم يقم بعدها بشير إلا دون شهر وجاءه شخص فقصد مما جنتة فقال له وهو يتناول عنباً أتتفكه وجيداء قد قضت الساعة فلم يسمع منه إلا شهقة وحرك فإذا هو ميت فبلغ الخبر الجارية فهتكت سترها وجزت شعرها وألقت نفسها في بئر هناك فماتت.
ومنهم
مسعدة بن واثلة الصارمي
стр. 76
قال في تسريح النواظر وكان غلاماً حسن الوجه سخي الكف شجاعاً وأن أباه توفي فاختلف مع عمه على بكرات فرحل مغضباً حتى نزل على بني باهلة فأقام عندهم برهة فورد الماء يوماً فصادف جارية على بعير تشد عقاله وهمت بالنزول فلما رأته قالت هل لك في أن تكفيني كلفة التعب. قال وفيم تتعبين وماذا تطلبين قالت ملء هذه السقاية ورمت بها إلي فلما ملأتها وهمت أن تتناولها شمرت عن زندين كأنما حجبت عظامهما بالبلور الصافي ثم تناولت القربة فانكشف البرقع عن وجه كأنما تستعير منه الشمس الضياء فداخلني ما خشيت معه زهاق نفسي قال ثم مضى متغير الحال فشكا إلى صديق له ما جرى له وسأله عن اسم الجارية فقال هي رملة بنت أثيلة بن مصقع وأعلمه بمكانها فكان يمضي في كل يوم فيقف حتى يراها فيشكو إليها ما عنده من حبها. قال الشيزري فداخلها من العشق ما داخله فلما علم أهلها بذلك حجبوها وبلغه علمهم فخرج حياء وخوفاً فرأى حمامات على أراكة ينحن فهاجت بلابله فأنشد:
دعت فوق أغصان من الايك موهناً ... مطوقة ورقاء في أثر آلف
فهاجت عقابيل الهوى إذ ترنمت ... وشبت ضرام الشوق بين الشراسف
ثم أدركه الليل قريباً من حي خشي أن يكونوا من قومها فنزل قريباً منهم فسمع قائلاً يقول:
تمتع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشية من عرار
وكان يرى الطير فارتابت نفسه من ذلك وراجعه القلق ثم أخذته سنة فإذا هو بقائل ينشد:
ولا شيء بعد اليوم إلا تعلة ... من الطيف أو تلقى بها منزلاً قفرا
فزاد قلقه ثم عاودته السنة فسع قائلاً يقول:
لن يلبث القرناء أن يتفرقوا ... ليل بكر عليهم ونهار
لم يبق يوماً عاشقان بحالة ... إلا وقد جاءتهم الأغيار
كل وإن طال المدى متصرم ... حكم الإله وسارت الأقدار
فقام فركب متفكراً وسار فلما برق الفجر إذا هو براع ينشد:
كفى بالليالي مخلقات لجدة ... وبالموت قطاعاً حبال القرائن
فعرف صوته فقال فلان قال نعم فقال له ما دهاك؟ قال قد ضاجعت رملة الثرى فسقط مغشياً عليه فلم يفق حتى حميت الهاجرة وحمل إلى بيته فأنشد:
يا راعي الضأن قد ألقيت لي كمدا ... يبقى ويقلقني يا راعي الضان
نعيت نفسي إلى روحي فكيف إذا ... أبقى ونفسي في أثناء كفاني
لو كنت تعلم ما أسررت في كبدي ... بكيت مما تراه اليوم أبكاني
فلم يزل يردده حتى مات:
ومنهم
زرعة بن خالد العذري
كان غلاماً حسن الوجه عذب المنطق سخي الكف راوية عارفاً بأيام العرب وأشعارها خرج يوماً للصيد فما ورد المشرعة وجد النساء يغترفن الماء ودونهن جارية قد انفردت تمشط شعرها على جانب الغدير وقد أسبلته كأنه الليل المظلم ووجهها من خلاله كأنه البدر في تمه فحين أبصرها سقط مغشياً عليه فقامت إليه فرشت عليه الماء فلما أفاق وأبصرها قال وهل مقتول يداويه قاتله قالت كفيت ما تشكو وحادثته فثابت نفسه إليه وقد داخله من الحب ثم رجع وهو يقول خرجنا لنصيد فاصطدنا ثم أنشد:
خرجت أصيد الوحش صادفت قانصاً ... من الريم صادتني سريعاً حبائله
فلما رماني بالنبال مسارعاً ... رقاني وهل ميت يداويه قاتله
ألا في سبيل الحب صب قد انقضى ... سريعاً ولم يبلغ مراداً يحاوله
стр. 77
قال ابن الفرات ثم أنه لزم الوساد أياماً وأن أمه أقسمت عليه حين سمعته يكرر الأبيات الا ما أخبرها بحاله فأظهرها على الأمر فعرفت الجارية فإذا هي ظريفة بنت صفوان بن واثلة العذري فمضت إليها وأعلمتها القصة وقبلت رجليها على أن تزور بيتهم فعسى أن يشفى ولدها فقالت أن الوشاة كثيرون ولكن خذي هذا الشعر إليه فإن أمسكه فإنه يشفى ثم جزت لها شيئاً من شعرها فلما ذهبت إليه جعل يتنشقه فتراجعت نفسه شيئاً فشيئاً حتى اشتهى ما يأكل فقدم إليه فتناوله وقام فكان يأتي قريباً من الأبيات فيسارقها النظر وتخالسه هي أيضاً إلى أن فطن أهلها فآلوا على قتله وبلغه فوقع إلى اليمن وكان كلما اشتد شوقه قبل الشعر وجعله على وجهه فيستريح لذلك فلما كان يوم من الأيام وقد خرج لبعض حاجاته سقط منه الشعر فلما أيس منه عزم على العود فعنف فقال دعوني فإني أرجو أن أظفر أو أموت فصحبه غلام.
قال أبو شراعة فرأيته في الطريق وعليه بردان وهو يعلم الصبي الأبيات ويقول له إذا حاذيت موضع كذا فأنشدها رافعاً صوتك ولك أحد هذين البردين فتبعتهما حتى بلغ الموضع فأنشد:
مريض بأفناء البيوت مطرح ... به ما به من لاعج الشوق يبرح
وقالوا لأجل اليأس عودي لعل ما ... تشكاه من آلام وجدك يمسح
وليس دواء الداء إلا بحيلة ... أضربنا فيها غرام مبرح
إذا ما سألناها نوالاً تنيله ... فصم الصفا منها بذلك اسمح
فتبعت الصبي وهو لا يشعر بي فلما حاذاها رفع عقيرته بالأبيات ينشدها فسمعت من بعض الأبيات قائلاً يقول:
رعى الله من هام الفؤاد بحبه ... ومن كدت من شوقي إليه أطير
لئن كثرت بالقلب أتراح لوعة ... فإن الوشاة الحاضرين كثير
فيمشون يستشرون غيظاً وشرة ... وما منهم إلا أب وغيور
فإن لم أزر بالجسم رهبة مصدر ... فللقلب آت نحوكم فيزور
وفي النزهة فإن لم أزر بالجسم خيفة معشر وهو أحسن ثم رجع الصبي فأنشد أبياتها فأغشى عليه ساعة ثم أفاق وهو ينشد:
أظن هوى الخود الغريرة قاتلي ... فيا ليت شعري ما بنو العم صنع
أراهم وللرحمن در صنيعهم ... تراكى دمي هدراً وحاب المضيع
ثم مضى متنكراً حتى دخل بيته ولزمه أياماً إلى أن زفت ظريفة إلى رجل منهم يقال له ثعلب فلما بلغه الخبر اضطرب ساعة ثم أغمي عليه فحرك فإذا هو ميت وبلغها فلزمت البكاء أياماً ولم تمكن الرجل من نفسها فما كانت ذات ليلة خرجت من بعد انتصاف الليل فتعبها حتى انتهت إلى نهر فألقت بنفسها فيه فأخرجها وليس بها حراك ثم احتملها إلى الخيمة، فلما أصبح الصبح جاءت أمها فوجدت بها رمقاً ولكنها لم تفقه كلاماً فأشارت أن تسقى الماء فسقوها فقضت من وقتها. وفي روضة القلوب أنها غرقت ولم تخرج إلا ميتة.
ومنهم شخص
قال التوزي مسنداً عن بعضهم أنه رآه وقد تهيأ إلى الحج فلما دخل بغداد رآه وقد أقبل تحت قصر ومعه تفاح فجعل يرشق به إلى القصر وجوار تناوله بأيديها فقال له ويحك ألم ترد الحج فأنشد:
ولما رأيت الحج قد آن وقته ... وأبصرت برك العيس بالركب يعسف
رحلت مع العشاق في طلب الهوى ... وعرّفت من حيث المحبون عرفوا
وقد زعموا أن الجمار فريضة ... فزعفر لي بعض وبعض مغلف
وقمت حيال القصر ثم رميته ... فظلت له أيدي الملاح تلقف
وإني لا أرجو أن تقبل حجتي ... وما ضمني للحج سعي وموقف
стр. 78
ومنهم رجل من بني كندة. فحذ من بني عذرة أورده مجهولاً وكذا ابن أبي الأصبغ في الطبقات في ترجمة الحرث بن كلدة وفي النزهة قال لا نعلم اسمه وحكايته مشورة وهي أن أخاه استخلفه على بيته وخرج لغرض فصادف يوماً أن دخل وزوجة أخيه سافرة فرآها فلما علمت بذلك سترت وجهها بيديها فكان ما لقيه من رؤية معصميها أضعاف ما لقيه من وجهها فخرج وقد اشتعل الحب في قلبه فأقام أياماً يكابد العناء حتى لزم الوساد وجاء أخوه فأبصره وقد ذوت أعضاؤه وذهبت محاسنه وتغير جسمه فلم يترك عرافاً ولا طبيباً حتى دعاه له فلم ينجح شيئاً فوصف له الحرث بن كلدة، وكان أحذق أهل زمنه فلما رآه قال ليس به إلا العشق. فقالوا وما السبيل إلى معرفة ذلك قال تسقوه الخمر فعساه أن يصرح ففعلوا ثم غدا عليهم فقالوا له قد ذكر العشق ولكن لم يصرح باسم المحبوبة فقال زيدوه ففعلوا فصرح بريا زوجة أخيه فقال أخوه أشهدكم أنها طالق ثلاثاً لأني أعتاض عنها ولا أعتاض عن أخي فبشروه فقال هي علي كأمي إن تزوجتها، ومات بعد قليل. وقيل خرج هائماً ولم يدر أين مات، وأن أخاه حين فقده مات أسفاً ولما سقوه الخمر غنى أبياتاً حذفتها هنا وفي مختصر الطبقات لسخافتها فاختلف في أيهما أكرم.
ونظير ذلك في السماحة ما وقع للحكم بن المطلب المخزومي فإنه هوى جارية فاشتراها بمال عظيم وأراد الدخول بها فلبس أفخر ثيابه ومضى ليعلم أباه، وكان أبوه يحب أخاه عتبة أكثر منه فأقسم عليه أن يهب الجارية لأخيه ففعل فأبى أخوه فأعتقها حتى قيل أنه مات بحبها وله عطايا مشهورة قيل أن رجلاً حجازياً لزمه دين ثلاثة آلاف دينار فقصد خالد بن عبد الله القسري بهدايا فصادف الحكم وكان جابياً فلما وقف على قصته وهب له أربعة آلاف دينار وقال له وفر عليك المشاق.
ومنهم غلام
قال في النزهة هذلي واسمه راشد بن صفوان الهذلي قال الجلال السيوطي في شرح الشواهد عن ابن عساكر أن اسمه غاوي وكان له كلب اسمه راشد وكان له صنم يأتي إليه كل صبيحة فيسجد له ويذهب إلى الصيد فجاء يوماً فرأى الثعالب قد بالت على رأس الصنم فكسره وأنشد:
أرب يبول الثعلبان برأسه ... لقد ذل من بالت عليه الثعالب
ثم أقبل إلى رسول الله ﷺ فقص عليه الخبر فأسلم فقال له ما اسمك؟ قال غاوي. قال وكلبك؟ قال راشد. قال لا أنت راشد وكلبك غاوي ثم ذهب وكان يعدو على بني عامر لالفة بينه وبين رجل منهم فلمح جارية منهم يقال لها هيفاء بنت عبد الله بن عامر وكانت من أجمل نساء العرب فغادره من حبها ما كاد أن يأتي على نفسه ثم أن الجارية تزوجت بشخص من جهينة فلما حملها إلى حيه وطال على الغلام الشوق وانقطاع الأخبار ذهب عقله فكان يسيح عارياً فصادف صياداً قد اصطاد خشفاً فوقف ينظر إليه ويبكي ثم أنشد:
وذكرني من لا أبوح بذكره ... محاجر ظبي في حبالة قانص
فقلت ودمع العين يجري بحرقة ... ولحظى إلى عينيه لحظة شاخص
ألا أيهذا القانص الظبي حله ... وإن كنت تاباه فعشر قلائص
خف الله لا تحبسه أن شبيهه ... حبيبي فقد أرعدت فيه فرائصي
فقال له الصياد دونك فحله فتقدم إليه وقبله وأطلقه واتبعه نظره حتى غاب ثم قال للصياد ائتني غداً في موضع كذا، وأقبل يسوق عشراً من الإبل فأبى الصياد قبولها فأقسم عليه إلا ما أخذها فقبلها وانصرف.
ومنهم قيس بن منقذ بن مالك الكناني المشهور
ابن الحدادية
كان يهو نعمى الخزاعية وكانت كنانة وخزاعية يتقاربون في المنزل لأن بينهم نسباً لم ترم فيه العصا فكان قيس يجلس إلى نعمى فيتحادث معها فدخل بينهم الهوى وقيل أنها رأته وقد ركب يوماً في ملعب وزينة ففخر على أكثر من حضر بالشجاعة فدعته للمحادثة وقد نزلت مع أتراب لها على منتزه فنزل وتحادثت معه ساعة فأقبل داع يسوق غنماً فاشترى قيس منه عنزة وذبحها للنساء فلما أكلن وقمن ترك الفاضل منها على الأرض ثم تمثل بهذا البيت ويقال أنه لحاتم الطائي:
إذا لم يكن للطير في زاد عزوة ... نصيب فليسوا في الورى بكرام
стр. 79
وفي النزهة إذا لم يكن للوحش والمعنى قريب فانتشأ الود بينهما ولم يزالا على ذلك برهة إلى أن أجدبت سنونهم فارتحلوا منتجعين وافترقت القبيلتان فلما كان يوم من الأيام نظت كنانة إلى موضع ديارها فوجدوا البروق ملية والسحب فضية فعلموا أن الغيث عما فارتحلوا إلى أن نزلوا بها فنظر قيس في مواضع خزاعة فتذكر اجتماعهم فتنفس الصعداء وأنشد:
إذا ما نأت نعمى فهل أنت جازع ... قد اقتربت لو أن ذلك نافع
قد اقتربت لو أن في قرب دارها ... نوالاً ولكن كل ما صين مانع
فإن تلق لي نعمى هديت فحيها ... وسل كيف ترعى بالمغيب الودائع
وظني بها حفظ لغيبي ورعية ... لما استرعيت والظن بالغيب واسع
وقد يلتقي بعد الشتات أولو النوى ... ويسترجع الحي السحاب اللوامع
وما ذات جيد نازعت حبل حابل ... لتنجو ثم استسلمت وهي طائع
بأحسن منها ذات يوم لقيتها ... لها نظر نحوي كذى البث خاشع
كأن فؤادي بين شقين من عصا ... حذار وقوع البين والبين واقع
فقلت لها يا نعم خلي محلنا ... فإن الهوى والشمل يا نعم جامع
فقالت وعيناها يفيضان عبرة ... بأهلي بين لي متى أنت راجع
فقلت لها تالله يدري مسافر ... إذا أضمرته الأرض ما الله صانع
وإني لعهد الود راع وإنني ... لوصلك ما لم يطوني الموت طامع
ثم لم يزلا متعللاً بالأماني يعتوره الخيال أياماً إلى أن بلغه خزاعة بجبل بالشم من اليمن فارتحل حتى وقع بهم فقيل أنه عند رؤيتها سقط ميتاً.
وقال في النزهة أقام عندهم إلى أن أغارت عليهم بنو فزارة فقتل يومئذ.
ومنهم
توبة بن حمير بن أسيد الخفاجي
وكان شجاعاً مبرزاً في قومه، فصيحاً مشهوراً بمكارم الأخلاق ومحاسنها، وخفاجة على ما ذكر في النزهة فخذ من قحطان، وكانت تنزل ببني الأخيل كعب بن معاوية ويغزون معهم ويتحدثون في المسرح. وكان رئيس بني الأخيل حذيفة بن شداد بن كعب. وكان له ابنة قد شاع في العرب ذكرها بالحسن، والفصاحة من توبة التفاتة وقد برزت النساء بالبشر والاسفار للقاء القادمين من الغزو.
فرأى ليلى فافتتن بها فجعل يعاودها فيتحادث معها إلى أن أخذت قلبه، وأطارت لبه، فشكا لها يوماً ما نزل به منها فأعلمته أن بها منه أضعاف ذلك فأقاما على التزاور إلى أن حجبها زوجها، فقلق توبة لذلك حتى خامره الجزع، فكان يذهب بعقله أحياناً فأشاروا عليه بتعاطي الأسفار والخوض في المحادثات فعزم على الشام فمر بجميل فأنزله وأحسن خدمته، ثم تداعيا الصراع وكانا في موقف تشرف منه بثينة عليهما، فصرعه جميل، ثم نضله ثم قهره على ظهر الفرس ولم يكن له كفؤاً.
فقال له توبة كأنك تسحب ذلك منك ولم تدر أنه بربح هذه الجالسة، وأشار إلى بثينة ثم دعاه إلى واد يخفى عنها وتصارعا فيه، فصرعه توبة ثم مضى في طريقه، فمر سحراً بأشجار في وادي الغيل وعليها حمائم تغرد فعاودته الأشجان فأنشد:
نأتك بليلى دارها لا تزورها ... وشطت نواها واستمر مريرها
وخفت نواها من جنوب عفيرة ... كما خف من نيل المرامي جفيرها
يقول رجال لا يضرك نأيها ... بلى كل ما شق النفوس يضيرها
أليس يضر العين أن تكثر البك ... ى ويمنع منها نومها وسرورها
لكل لقاء نلتقيه بشاشة ... وإن كان حولاً كل يوم نزورها
خليليّ روحا راشدين فقد أبت ... ضرية من دون الحبيب ونيرها
يقرّ بعيني أن أرى العيس تعتلي ... بنا نحو ليلى وهي تجري صقورها
وما لحقت حتى تقلقل عرضها ... وسامح من بعد المرام صقورها
وأشرف بالأرض اليفاع لعلتي ... أرى نار ليلى أو يراني بصيرها
فناديت ليلى والحمول كأنها ... مواقير نخل زعزعتها دبورها
فقالت أرى أن لا تفيدك صحبتي ... لهيبة أعداء تلظى صدورها
стр. 80
فمدت لي الأسباب حتى بلغتها ... برفقي وقد كاد ارتفاقي يضيرها
فلما دخلت الخدر أطت نسوعه ... وأطراف عيدان شديد سيورها
فأرخت لنضاخ الذفاري منصة ... وذي سيرة قد كان قدماً يسيرها
وإني ليشفيني من الشوق أن أرى ... على الشرف النائي المخوف أزورها
وإن أترك العيش الحسير بأرضها ... يطيف بها عقبانها ونسورها
حمامة بطن الواديين ترنمي ... سقاك من الغر الغوادي مطيرها
أبيني لنا لا زال ريشك ناعمة ... ولا زلت في خضراء دان بريرها
وقد تذهب الحاجات يسترها الفتى ... فتخفي وتهوى النفس ما لا يضيرها
وكنت إذا ما زرت ليلى تبرقعت ... فقد رابني منها الغداة سفورها
وقد رابني منها صدود رأيته ... واعراضها عن حاجتي وقصورها
أرتك حياض الموت ليلى وراقنا ... عيون نقيات الحواشي تديرها
ألا يا صفي النفس كيف بقولها ... لو أن طريداً خائفاً يستجيرها
تجير وإن شطت بها غربة النوى ... ستنعم ليلى أو يفادى أسيرها
وقالت أراك اليوم أسود شاحباً ... وإني بياض الوجه جر جرورها
وغيرني إن كنت لما تغيرت ... هواجر لا أكتنها وأسيرها
إذا كان يوم ذو سموم أسيره ... وتقصر من دون السموم ستورها
وقد زعمت ليلى بأني فاجر ... لنفسي تقاها أو عليها فجورها
فقل لعقيل ما حديث عصابة ... تكنفها الأعداء ناء نصيرها
فإن لا تناهوا يركب اللهو نحوها ... وخفت برجل أو جناح يطيرها
لعلك يا قيساً ترى في مريرة ... معذب ليلى إن رآني أزورها
وادماء من حر الهجان كأنها ... مهاة صوار غير ما مس كورها
من الناعبات المشي نعباً كأنما ... يناط بجذع من أراك جريرها
من العر كنانيات حرف كأنها ... مريرة ليف شد شداً مغيرها
قطعت بها موماة أرض مخوفة ... ردأها حين يستن مورها
ترى الضعفاء القوم فيها كأنهم ... دعاميص ماء نس عنها غديرها
وقسورة الليل التي بين نصفه ... وبين العشا قد ريب منها أسيرها
أبت كثرة الأعداء أن يتجنبوا ... كلابي حتى يستشار عقورها
وما يشتكي جهلي ولكنّ عزتي ... تراها بأعدائي لبيثاً طرورها
أمخترمي ريب المنون ولم أزر ... جواري من همدان بيضاً نحورها
تنوء بإعجاز ثقال واسوق ... جدال واقدام لطاف شعورها
أظن بها خيراً وأعلم أنها ... ستنفك يوماً أو يفك أسيرها
أرى اليوم يأتي دون ليلى كأنما ... أتت حجة من دونها وشهورها
عليّ دماء البدن إن كان بعلها ... يرى لي ذنباً غير أني أزورها
وإني إذا ما زرتها قلت يا اسلمي ... ويا بأبي قول اسلمي ما يضيرها
وهذه القصيدة قال صاحب النزهة أنشدها كلها حين سجع الحمائم وقيل أنشدها متقطعة بحسب الوقائع وإنما جمعتها الشعراء وها أنا أورد ذكر غريبها وما وقع لبعض أبياتها من الحكايات قيل لما وقفت ليلى على قوله ولما دخلت الخدر غضبت غضباً شديداً ثم أمسكت عن كلامه برهة فتوسل إليها وعرض عليها أنه يريد أن يسقي نفسه السم إن لم تكلمه، فجمعت ثلاثة من أهلها بحيث يخفون عليه واستحضرته فلما آنسته قالت أي خدر دخلت معي حتى تقول ما تقول؟ فقال هذا استرسال الشعراء ثم ذكر لها أمثال ذلك وتنصل ففرحت بسماع أهلها ذلك. وقوله منصة يريد بها الستر وقوله حمامة بطن الوديين ترنمي هو أول بيت تفوه به من القصيدة إلى قوله وكنت إذا ما زرت ليلى ثم ضم الباقي.
стр. 81
وأما قوله وكنت إذا ما زرت ليلى فالحقه بعد اكمالها وسبب انشاده أنه كان يزورها على خيفة وخفية، فلما اشتد التحريج عليه جعلت بينها وبينه أمارة فقالت إذا مررت فوجدتني مبرقعة فاجلس مطمئناً فلا حرج حينئذ، فلما قوي حرصهم وتوعدهم لها وأجمعوا أن يفتكوا به إذا رآها خرجت يوم ميعاد سافرة على كثيب بحيث يراها على البعد، فلما أقبل ورآها سافرة مضى في طريقه منتكباً وهو يقول: وكنت إذا ما زرت ليلى الأبيات. ثم دخل الشام فأقام بها يسيراً فلم يأخذه قرار وتاقت نفسه إلى العرب فكان يخرج إلى الربوة ليسلي نفسه فلم يكن له دأب إلا البكاء فأقام أياماً لا يلذ له حال ولا ينعم له بال فخرج يريد البادية فمر حين قابل حيها بصغير يلعب فقال له هل أنت عارف بليلى؟ قال نعم. قال امض إليها وأنشد: وكنت إذا ما زرت ليلى تبرقعت وعد إلي فسأحسن منقلبك.
فمضى الغلام فأنشد البيت لليلى فعلمت أن توبة قد ورد الحي فقالت للغلام قل له أنها الآن مبرقعة فمضى الغلام إليه وأعمله بذلك فأعطاه دينارين وأقبل فجدد زيارتها ثم قال لها مكنيني من تقبيل يدك، وفي الروض النضير أنه سألها قبلة فأنشدت:
وذي حاجة قلنا له لا تبح بها ... فليس إليها ما حييت سبيل
لنا صاحب لا ينبغي أن نخونه ... وأنت لأخرى صاحب وخليل
ففطن أنها استرابت منه فحلف أنه لم يرد سوءاً وأن نفسه قد حدثته بأن يجربها فاستشاطت شوقاً ثم ودعها على استحياء ومضى، فما استقر به المنزل حتى عزمت خفاجة على غزو الهذليين، فخرج فقتل في الوقعة، ولما وقع به رمق أدركه ابن عمه فقال له هل لك حاجة؟ قال نعم تبلغ ليلى هذه الأبيات وأنشد:
ألا هل فؤادي من صبا اليوم طافح ... وهل ماوأت ليلى به لك ناجح
وهل في غد إن كان في اليوم علة ... سراح لما تلوى النفوس الشحائح
ولو أن ليلى الأخيلية سلمت ... علي ودوني جندل وصفائح
لسلمت تسليم البشاشة أوزقا ... إليها صدى من جانب القبر صائح
ولو أن ليلى في السماء لأصعدت ... بطرفي إلى ليلى العيون الكواشح
ولو أرسلت وحياً إلي عرفته ... مع الريح في موارها المتناوح
أأغبط من ليلى بما لا أناله ... إلا كل ما قرت به العين صالح
سقتني بشرب المستضاف فصرت ... كما صرد اللوح النطاف الصحاصح
وهل تبكين ليلى إذا مت قبلها ... وقام على قبري النساء النوائح
كما لو أصاب الموت ليلى بكيتها ... وجاد لها جار من الدمع سافح
وفتيان صدق قد وصلت جناحهم ... على ظهر مغبر التنوفة نازح
بمائرة الضبعين معقورة النسا ... أمين القرى مجترة غير جانح
وما ذكرتي ليلى نأى دارها ... بنجران إلا الترهات الصحاصح
قوله ولو أن ليلى البيتين قد سبق الكلام عليهما في قصة المجنون وزقا بالزاي وقوله: وهل تبكين ليلى، يعني وهل هي باكية إذا مت فليلى في البيت فاعل حذراً مما توهم هنا، وفي النزهة وما ذكر تنبيه على بعد دارها وقيل أن هذه القصيدة أنشدها حين خرج قبل ورود الوقعة، وإنما أنشد عند موته قوله:
عفا الله عنها هل أبيتن ليلة ... من الدهر لا يسري إلى خيالها
وإن ابن عمه حين جاء أنشدها الأبيات أو هذا البيت فأجابته:
وعنه عفا ربي وأحسن حاله ... فعزت علينا حاجة لا ينالها
وقيل مات عشقاً وكيف كان لما بلغ نعيه ليلى خلعت الزينة وأقامت على الحزن حتى ماتت بعده لكن بعده بسنين كثيرة فقد قيل أن وفاة توبة كانت سنة سبعين وقيل إحدى وسبعين ووفاة ليلى كانت إحدى ومائة.
قيل مرت بقبر توبة فقال زوجها هذا قبر توبة الكذاب فقالت لم يكن والله كذاباً فقال لها أليس يقول ولو أن ليلى الأخيلية البيتين، سلمي عليه لننظر فامتنعت فأقسم عليها أن تفعل فلما سلمت خرج من طاقة القبر بومة فأجفلت الناقة فوقعت ليلى ميتة فدفنت إلى جانبه.
стр. 82
وقيل طير كانت العرب تزعم أنه يقيم في هامة المقتول حتى يؤخذ بثاره وحكى أنها هي التي قصدت ذلك وهذه القصة رواها في النزهة عن متفرقين ووثقها وأما هنا فقد حكى ما قررناه إلا السبب عن ليلى نفسها وأنها حكت ذلك للحجاج حين قدمت عليه تجتديه من جدب الزمان فوهب لها مائة من الإبل برعاتها وذلك فيما أخرجه المدائني عن مولى عنبسة قال كنت مع استاذي عند الحجاج إذ قال له الحاجب أن بالباب امرأة فقال أدخلها فلما رآها الحجاج طأطأ رأسه إلى الأرض واستجلسها ثم استنسبها فانتسبت فقال ما جاء بك قالت اخلاف النجوم وقلة الغيوم وكلب البرد وشدة الجهد وكنت لنا بعد الله الرفد فقال لها صفي لنا الفجاج فقالت الفجاج مغبرة والأرض مقشعرة والبرك معقل وذي العيال مجشل والهالك المقل والناس مسنتون رحمة من الله يرجون وأصابتنا سنون مجحفة مبطلة لم تدع لنا هبعاء ولا ربعاء ولا عافطة ولا نافطة أذهبت الأموال وفرقت الرجال وأهلكت العيال فانظر إلى هذه الفصاحة والبلاغة ولذلك انقاد لها مع تجبره فقولها خلاف النجوم تريد به الأنواء فإن العرب يعرفون بمساقط النجوم لانواء يستدلون بها على صحة السنة وخصبها وكثرة الأمطار فكأنها تعد بذلك فإذا لم تأت بذلك فقد أخلفت وقلة الغيوم تريديه لازمها الغالب وهو المطر وفيه عطف الأخف على الأعم وكلب البرد شدته والعرب تطلق هذا الاسم على أيام مخصوصة من تاسع كانون أعني كيهك إلى ثامن عشر شباط أعني امشير والفجاج هنا الأرض وغبرتها كناية عن عدم نداوة الأرض فإن ذلك يثير الغبار واقشعرار الأرض عدم نباتها والبرك الايل وعقلها كناية عن عدم ما تحمله والأجشال اليبس والاملاق والهبعاء الحسنة والربعة السيئة وعن الأصمعي الهبعاء ما يزرع في سوى الربيع والربعاء ما يزرع فيه أو هما مطران أو الابل والغنم ضعيف وفي تهذيب الاصلاح للتبريزي هما كلمتان يراد بهما الاخبار عن نفاد ما في اليد مثل ما عنده سبد ولا لبد والعافطة العنز والنافطة النعجة.
ويقال أيضاً الاثا غية ولا راغية أي لا غنم ولا ابل ثم مدحته حتى استعفى وقال لم يصب وصفي منذ دخلت العراق غيرها ثم قال لخازنه اقطع لسانها فأراد ذلك فقالت ويحك إنما أراد بالعطاء فراجعه فغضب وأمر بعودها ثم قال لجلسائه هذه ليلى التي مات توبة من حبها. ثم قال أنشدينا ما قال فيك، فأنشدت حمامة بطن الواديين، فقال وما قلت أنت فيه فقالت كثيراً أيها الأمير فقال هات فأنشدت:
نظرت ومن دوني عماية منكب ... وبطن الركايا نظرته النواظر
أونس إن لم يقصر الطرف دونهم ... فلم تقصر الأخبار والطرف قاصر
وهي قصيدة ترثيه فيها بكلام حسن غير أن فيها طولاً ومن محاسنها في توبة:
أتته المنايا بين زعف حصينة ... واسمر خطى وجرداء ضامر
على كل جرداء السراة وسابح ... دوان بشباك الحديد زوافر
عوابس تغدو التغلبية ضمرا ... فهن سراح بالشكيم الشواجر
فلا يبعدنك الله يا توب إنما ... لقاك المنايا دارعاً مثل حاسر
فإن لم يكن بالقتل برّ فإنكم ... ستثقون يوماً ورده غير صادر
فتى لا تخطاه الرفاق ولا برى ... لقدر عيالاً دون جار مجرور
ولا تأخذ الابل المهاري رماحها ... لتوبة من صرف السري في الصنابر
إذا ما رأته قائماً بسلاحه ... نفته الخفاف بالثقال البهاذر
إذا لم يجز منها برسل فقصره ... ذرى المرهفات والقلاص التواجر
قرى سيفه منها مشاشاً وضيفه ... سنام المهاري السباط المشافر
وتوبة أحيى من فتاة حيية ... وأجرأ من ليث بخفان خادر
ونعم الفتى إن كان توبة فاجراً ... وفوق الفلى إن كان ليس بفاجر
فتى ينهل الحاجات ثم يعلها ... فتطلعه عنها ثنايا المصادر
كأن فتى الفتيان توبة لم ينخ ... قلائص يفحصن الحصى بالكراكر
ولم يثن ابراداً عتاقاً لفتية ... كرام ورحل قيل في الهواجر
ولم ينجل الضيفان عنه وبطنه ... خميص كطي السبت ليس بخادر
стр. 83
فتى كان للمولى سناء ورفعة ... وللطارق الساري قرى غير فاتر
ومنها:
فأقسمت أبكي بعد توبة هالكاً ... وأحفل ما نالت صروف المقادر
على مثل همام وكابن مطرف ... تبكي البواكي أو كبشر بن عامر
غلامان كانا استوردا كل سورة ... من المجد ثم استوثقا في المصادر
ربيعي حياً كانا يفيض نداهما ... على كل مغمور نداء وغامر
كان سنا ناريهما كل شتوة ... سنا البرق يبدو للعيون النواظر
ومن مراثيها فيه أيضاً:
أيا عين بكى توبة بن حمير ... بسح كفيض الجدول المتفجر
لتبكي عليه من خفاجة نسوة ... بماء شؤن العبرة المتحدر
سمعن بهيجا أضلعت فذكرنه ... وما يبعث الأحزان مثل التذكر
كان فتى الفتيان توبة لم يسر ... بنجد ولم يطلع مع المتغوّر
ولم يرد الماء السدام إذا بدى ... سنا الصبح في بادي الحواشي منوّر
ولم يغل بالجود الجياد يقودها ... أسرته يوم المشان فاقسر
ولم يغلب الخصم الصحاح ويملأ الجف ... ان سديفاً يوم نكباء صرصر
وصحراء موماة يحاربها القطا ... قطعت على هول الجبان بمنسر
يقودون قبا كالسراحين لاحها ... سراهم وسير الراكب المتهجر
فلما بدت أولى العدوّ سقيتها ... بصياب مسكوب المزاد المقير
ولما أهابوا بالنهاب حويتهم ... بخاطي البضيع كره غير أعسر
بمرّ ككرّ الأندري مثابر ... إذا ما ونينا مخصف الشد محضر
وألوت بأعناق طوال وراعها ... صلاصل بيض سابغ ومسوّر
ألم تر أن العبد يقتل ربه ... فيظهر جدّ العبد من غير مظهر
قتلتم فتى لا يسقط الروع رمحه ... إذا الخيل جالت في القنا المتكسر
فيا توب للهيجا ويا توب للندى ... ويا توب للمستنج المتنوّر
ويا رب مكروب أجبت ونائل ... بذلت ومعروف لديك ومنكر
وأنشدته غير ذلك مما لا حاجة لنا إلى ذكره، إذ ليس على شريعتنا فانعم عليها فوق ما سألت، ثم قال لها هل بقي لك حاجة. قالت نعم تدفع إلي النابغة أحكم فيها بما أرى، وكان يتهاجى هو وإياها.
فلما سمع بذلك هرب إلى الشام فتبعته، ثم استأذنت عبد الملك فيه فأذن لها وأظنه الذي سألها عن توبة أكان كما يقول الناس. فقالت يا أمير المؤمنين كان والله سبط البنان حديد السنان عفيف المئزر جميل المنظر لا معاوية كما قيل هنا ثم أنها لم تزل في طلب النابغة حتى توفيت بقومس بلدة من أعمال بغداد على جانب الفرات، وقيل بحلوان والمدى بينهما قريب، وهذا يعارض ما سبق من موتها عند قبر توبة وظاهر تطار الروايات صحة الأول.
ومنهم
عامر بن سعيد بن راشد
وينسب إلى كعب بن الأميل الطائي، كان يهوى ابنة عمه جميلة بنت واثلة بن راشد.
قال في النزهة إن ولادتهما كانت في ليلة واحدة ونشآ غير متفرقين حين بلغا الحلم وقد اشتد كلف كل منهما بصاحبه وكان سعيد ذا ثروة وكان أخوه واثلة قد اتفق معه على تزويج ابنته من عامر فاتفق أن وقع بين تميم ومزينة فانتهبت مزينة فلم يترك لسعيد ثنية ولا ناب ووقع فيه جراح كثيرة، فمات أثر الوقعة بأيام وقد أملق أهله فامتنع وائلة من تزويج عامر وحجبت جميلة عنه فاختبل واعتوره الجنون وقال الشيزري لم يمنعه منها لاملاقه، وإنما كان أبوه يمنعه عن أن يشيع عشقها.
فلما مات أشاعه في العرب وشبب بها فامتنع عمه لما سبق لك بيانه من عادة العرب ولما اشتد به الحال أشار النساء على والدته ان تعرض عليه العذريات. فكان كلما رأى واحدة يشكرها ثم يتنفس الصعداء، ويقول ماء ولا كصداء المثل السابق. فلما كان بعد مدة قدم رجل من طيء على واثلة فخطب جميلة منه وذكر النسب فزوجها منه، فلما زفت إليه وقع عامر على الوساد فاعتزلت به أمه عن العرب لئلا يرى الزفاف.
стр. 84
قال الأخفش سعيد بن مسعدة، خرجت في طلب ضالة لي، فوقفت على هذا البيت أو قال نزلنا على ما لطيء فإذا أنا بخيمة منفردة فقصدتها، وأخرج الحكاية في نديم المسامرة عن أبي عمرو بن العلاء عن تميمي، فأسندها إلى الأصمعي، وأخرج الدقاق عن لاسدي أن المباشر للحكاية هو الأصمعي، وعلى كلا التقديرين، فمحل الاتفاق أن الرجل حين انتهى إلى البيت رأى عجوزاً عليها بقية الجمال ساهية متفكرة، وفي كسر البيت شخص كالخيال مسجى عليه قطيفة. قال فسألتها عنه، فقالت هو ولدي وشأنه كذا وأعادت القصة ثم قالت هل لك أن تعظه، فوعظته وزهدته حتى قلت له أنها امرأة كغيرها ألا ترى كيف يقول كثير:
هل وصل عزة إلا وصل غانية ... في وصل غانية من وصلها خلف
فقال هو مائق يعني أحمق، وأنا وامق يعني صادق الألفة، فلست كهو إنما أنا كأخي تميم يعني جميل حيث يقول:
ألا لا يضير الحب ما كان ظاهراً ... ولكن ما أخفى الفؤاد يضير
ألا قاتل الله الهوى كيف قادني ... كما قيد مغلول اليدين أسير
ثم أنشد:
ألا ما للملحة لا تعود ... أبخل بالمليحة أم صدود
مرضت فعادني عوّاد قومي ... فما لك لم ترى فيمن يعود
فقدتك بينهم فبكيت شوقاً ... وفقد الالف يا أملي شديد
فلو كنت المريضة لا تكوني ... لعدتكم ولو كثر الوعيد
ولا استبطأت غيرك فاعلميه ... وحولي من ذوي رحمي عديد
ثم فاضت نفسه فجزعت، فقالت العجوز لا تخف فقد استراح مما كان فيه ولكن إن أحببت كمال الصنيعة فانعه إلى الأبيات ففعلت، فخرجت جارية عليها أثر العرس وهي أجمل من رأيت فتخطت رقاب الناس حتى وقفت عليه فقبلته وأنشدت:
عداني أن أزورك يا منايا ... معاشر كلهم واش حسود
أذاعوا ما علمت من الدواهي ... وعابونا وما فيهم رشيد
فأما إذ حللت ببطن أرض ... وقصر الناس كلهم اللحود
فلا بقيت لي الدنيا فواقا ... ولا لهم ولا أثري عديد
ثم خرت مية فخرج شيخ وهو يقول لئن لم أجمع بينكما حبين لأجمعن بينكما ميتين ودفنهما في قبر.
هذا ما اتفق عليه سوى الوعظ فلم يرو عن الأخفش وبعض تغيير في الأبيات فإن الأخفش لم يرو الثالث وروى التميي لم تعدني أي بدل لا تعود.
ومرضت فعادني أهلي جميعاً. وفي النزهة فما استبطأت غيرك وهو الأقعد وفي قولها عن التميمي: عداني أن أعودك يا حبيبي. معاشر فيهم وفيها أنها قالت له حين نعى بفيك الحجر المصلت من تنعي. قلت فلاناً. قالت أو قد مات. قلت نعم. وعن الأصمعي أنه حين سأله عن حاله لم ينطق فقال له من حوله أذكر له الشعر فأنشد:
سبق القضاء بأنني لك عاشق ... حتى الممات وأين منك مذاهبي
فأنشد:
أخلو بذكرك لا أريد محدثاً ... وكفى بذلك نعمة وسرورا
أبكي فيطربني البكاء وتارة ... يأتي فيأتي من أحب أسيرا
فإذا أتى سمج بفرقة بيننا ... أعقبت منه حسرة وزفيرا
وفيها قال أنه عامر بن غالب وجميلة بنت أميل:
ومنهم ما حكى الأصمعي
قال بينما أنا أسير إذ فاجأني الليل فأويت إلى جبانة فتوسدت قبراً فإذا أنا بهاتف منه يقول:
أنعم الله بالخيالين عيناً ... وبمسراك يا سعاد إلينا
وحشة ما لقيت من خلل القبر ... عسى أن نراك أو أن ترينا
فدخلت حين طلع الصبح إلى الحي، فإذا أنا بجنازة فتبعتها حتى جاؤا بها فدفنت إلى جانب القبر الذي سمعت منه الصوت فحدثتهم بذلك فأخبروني أن هذا الرجل منهم أحب ابنة عمه هذه فتزوج بها فلم تقم إلا قليلاً.
فلما حضرته الوفاة تعاهدا على أن لا تتزوج بعده، فاشتد بها الوجد حتى ماتت الليلة. قلت وهذا جائز أن يقع من النفوس المجردة إذا تصادق اعتلاقها فإن اللذات بعد مفارقة الهياكل الجسمانية أعظم.
ومنهم فتى أسدي
أحب ابنة عمه وكان اسمها سعدى فمنعه أبوه أن يتزوج إلا بأرفع منها، وأبى الغلام إلا هي، فلما أيس أبوها زوجها من رجل، فاشتد وجد الغلام وأنه لقيها يوماً فأنشد:
لعمري يا سعدى لطال تأيمي ... ومعصيتي شيخي فيك كلاهما
стр. 85
وتركي للحيين لم أبلغ منهما ... سواك ولم يربع هواي عليهما
فقالت الجارية:
حبيبي لا تعجل لتفهم حجتي ... كفاني ما بي من بلاء ومن جهد
ومن عبرات تعتريني وزفرة ... تكاد لها نفسي تسيل من الوجد
غلبت على نفسي جهاراً ولم أطق ... خلافاً على أهلي بهزل ولا جد
ولن يمنعوني أن أموت بزعمهم ... غدا خوف هذا العار في جدث وحدي
فلا تنس أن تأتي هناك فتلتمس ... مكاني فتشكو ما تحملت من جهد
فقد أوضحت له أنها هالكة من الغد بعشقه. فلما كان الموعد جاء فوجدها ميتة فاحتملها إلى شعب بذرى جبل يقال له عرفات بفتح المهملة، وضمها ملتزماً لها، فمات واختفى أمرهما حولاً حتى مر شخص من العرب فسمع هاتفاً على الجبل يقول:
إنا الكريمان ذو التصافي ... الذاهبان بالوفاء الصافي
والله ما لقيت في تطوافي ... أبعد من غدر ومن اخلاف
من مبتين في ذرى اعراف فصعد الناس فوجدوهما على تلك الحالة فواروهما.
ومنهم عمرو بن كعب بن النعمان ابن المنذر بن ماء السماء ملك العرب المشهور
قال ابن عساكر وكان من فرسان العرب وحماتها وكرمائها وشجعانها، وان جده النعمان صاحب الخورنق هو الذي كفله حين مات أبوه وهو صغير فلما زهد النعمان في الملك كما هو مشهور، ضاع أمر الغلام. قال في الشامات فأخذه عمه أبو النجاد، فلما بلغ عنده وكان له بنت تعرف بالعقيلة، وهي من أجمل نساء العرب وأعلمهن بالأدب وأحوال العرب أياماً ووقائع، فعلقت نفس عمر بها واشتد ولوعه وزاد غرامه، خطبها إلى عمه فطلب منه مهراً يعجز عنه، فأشار عليه بعض أصحابه بالخروج إلى ابرويز بن كسرى، لما كان بين جدودهما من الوصلة.
فلما ذهب في الطريق مر بعراف، فبات عنده فاستعلم منه الأمر، فأخبره أنه ساع فيما لا يدرك، فعاد فوجد عمه قد زوج العقيلة لفزاري، فهام على وجهه إلى اليمامة، فلما بنى بها الفزاري وكان عندها من العشق لعمرو أضعاف ما عنده لها فكانت تشد الفزاري إذا جن الليل إلى كسر البيت وتبيت في الخدر، فإذا أصبح الصبح تطلقه فيستحي أن يخبر العرب بذلك، فأقام على هذا الحال سبعين ليلة.
فلما كثر توبيخ العرب له واختلاف ظنونهم به، خرج لا يدري أين ذهب، وأقامت العقيلة ببيت أبيها لا تتناول إلا الأقل مما يمسك الرمق ودأبها البكاء على عمرو وهو كذلك ولم يمكنهما الاجتماع قال الغريابي في عجيب الانفاق في تطابق أحوال القامة فمرض عمرو مرضاً كاد أن يأتي على نفسه فكان لا يرى إلا شاخصاً إلى السماء متمسكاً بسبب قد علقه بيديه من العشاء إلى الصباح وهو ينشد:
إذا جن ليلى فاضت العين أدمعا ... على الخد كالغدران أو كالسحائب
أودّ طلوع الفجر والليل قائل ... لقد شدت الأفلاك بعد الكواكب
فما أسفي إلا على ذوب مهجتي ... ولم أدر يوماً كيف حال الحبائب
فلما كان بعد أيام دخل عليه صديقه فوجده غاصاً بالضحك مستبشراً، فسأله فقال:
لقد حدثتني النفس أن سوف نلتقي ... ويبدل بعد بيننا بتداني
فقد آن للدهر الخؤون بانه ... لتأليف ما قد كان يلتثمان
ثم شهق شهقة فاضت نفسه فيها، قال الفريابي فضبط اليوم الذي مات فيه فوجد موت عقيلة في ذلك اليوم أيضاً.
وأخرج المصنف عن ابن دريد عن الفرزدق، قال خرجت في طلب غلام آبق، فلما صرت على ماء لبني حنيفة جاءت السماء بالأمطار فلجأت إلى بيت من جريد النخل فيه جارية سوداء، فأنزلتني فلم ألبث إلا ريثما أخذت الراحة وقد دخلت لي جارية كأنها القمر، فحيت ثم قالت ممن الرجل قلت تميمي. قالت من أيها قبيلة، قلت من نهشل بن غالب، فقالت إذاً أنتم الذين يقول فيكم الفرزدق:
إن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتاً دعائمه أعز وأطول
بيتاً زرارة محتب بفنائه ... ومجاشع وأبو الفوارس نهشل
قلت نعم، قالت قد هدمه جرير بقوله:
أخزى الذين سمك السماء مجاشعاً ... وأحل بيتك بالحضيض الأوهد
قال فأعجبتني فلما رأت ذلك في عيني قالت أين تؤم قلت اليمامة فتنفست الصعداء ثم قالت:
стр. 86
تذكرت اليمامة أن ذكرى ... بها أهل المروءة والكرامه
ألا فسقي المليك أجش جوناً ... تجود بصحة تلك اليمامه
أحيى بالسلام أبا نجيد ... فأهل للتحية والسلامه
قال فأنست بها فقلت أذات خدر أم ذات بعل فقالت:
إذا رقد النيام فإن عمراً ... تؤرقه الهموم على الصباح
تقطع قلبه الذكرى وقلبي ... فلا هو بالخلى ولا بصاح
سقى الله اليمامة دار قوم ... بها عمرو يحن إلى الرواح
فقلت لها من عمرو فأنشدت:
إذا رقد النيام فإن عمراً ... هو القمر المنير المستنير
وما لي في التبعل من براح ... وإن ردّ التبعل لي أسير
ثم سكتت كأنها تسمع كلاماً ثم أنشأت تقول:
يخيل لي أبا كعب بن عمرو ... بأنك قد حملت على سرير
فإن يك هكذا يا عمرو إني ... مبكرة عليك إلى القبور
ثم شهقة شهقة فماتت.
ومنهم ما حكاه الأصمعي
وقد قال له الرشيد حدثني بأعجب ما رأيت. قال أخبرني السميدع بن عمرو الكلابي وقد جاوز المائة. قال كنت كثير الأسفار فمررت قاصداً اليمامة ببيت يلوح، وقد قرب الليل فأردت المبيت عند، فقالت لي امرأة منه أضيف أنت، قلت نعم فقالت على الرحب والسعة، ولكن تنحى حتى يأتي رب المنزل فعدلت إلى طوى هناك فسقيت ناقتي وجلست وإذا بسوداء تحمل جفنة تريد معها تمر ورطب، فقالت تعلل بهذا فقلت في دونه كفاية فأكلت وأخرجت دقيقاً فأطعمت ناقتي وتوسدت ذراعها وإذا بقيم قد حال بيني وبين البيت، ثم غفت عيني فلم أفق إلا وشاب على أحسن ما يكون، ومعه عبيد قد أقبلوا بحطب ونار فأضرموها وجاؤا بكبش فذبح وكشط وطبخوا وثردوا وقدم إلينا فأكلنا، ثم قال لي كن هنا حتى آتيك الصباح فلما أشرف الصبح جاء ففعل كما فعل ليلته. فلما أكلنا قال لم أقض حقك فأقم عندي يومك.
فقلت سمعاً وطاعة، فركب ومكثت ساعة وإذا الجارية تقول لي أجب ابنة عمك، فقلت كيف أكلمها وقيمها غائب. قالت من وراء حجاب فأقبلت فسلمت، فقالت يا ابن العم أتريد اليمامة، قلت نعم. قالت فاحفظ عني هذه الرسالة وأعد إلي جوابها، وأنشدت:
أعلى العهد مالك بن سنان ... أم سقاه أفاوق الغدر ساق
أن يكن خان أو تناءى فإني ... لعلى العهد ما استناع رماقي
ما ألم الرقاد مذ بنت إلا ... بجفون قريحة الآماق
فعليك السلام ما لألأ النور وم ... ادب في الثرى عرق ساق
ثم قالت ليكن انشادك الأبيات بالحضرمة، فلما خرجت في اليوم الثاني خرج الشاب فقال يا ابن عمي هل أنت مبلغ عني رسالة وعائد إلي بجوابها؟ قلت نعم. فقال قف بقران بني سحيم وأنشد:
أيا سر حتى قرّان بالله خبراً ... عن البكره العيساء كيف نزاعها
فلو أن فيها مطمعاً لمتيم ... نأت دارها عنه وخيف امتناعها
لهان عليه جوب كل تنوفة ... يخاف عليه جورها وضياعها
تغرّبت عن نفسي وأيقنت أنها ... تريد وداعاً يوم جدّ وداعها
فلما دخلت اليمامة وقفت حيث وصف وأنشدت الأبيات، وإذا بجارية حاسرة كأنها مهرة تنشد:
تحمل هداك الله مني تحية ... إليه جديد كل يوم سماعها
وخبر عن العيساء إن قد توح ... مت مراعيها وطال نزاعها
لقد قطع البين المشتت ألفة ... عزيز علينا أن يحم انقطاعها
ثم شهقت شهقة فماتت، فلما أردت الانصراف وقفت بالحضرمة وأنشدت أبيات المرأة فأجابني فتى:
لم يحل عن وفائه ابن سنان ... لا ولا غاله انتشاء الفراق
إن بين الحشا لهيب اشتياق ... ليس يطفي جواه إلا التلاقي
إنما أبقت الهموم خيالاً ... بالياً ممسكاً بماء الرماق
ثم شهق شهقة فمات، فلما رجعت إلى الحي أخبرت المرأة بجوابها فشهقت شهقة فارقت نفسها، وعلت الأصوات فأقبل الشاب فقال لي ما شأنها؟ فأعلمته الخبر ثم أنشدته جواب أبياته، فقال فها أنا أيضاً ميت فاضطجع فكأنما كانت نفسه بيده.
стр. 87
وهذه الحكاية أخرجها في نديم المسامرة والشهاب في منازل الأحباب. والحافظ مغلطاي في الواضح وأمثال هذه عندهم يعرف بالعشق المسلسل ونظيره ما حكاه الشيزري عن العتبي قال تذاكرنا العشق يوماً وبيننا شيخ ساكت فقلنا له ألا تحدثنا بما عندك في هذا، فقال جلسنا يوماً للشرب ومعنا قينة فغنت:
علامة ذل الهوى ... على العاشقين البكا
ولا سيما عاشق ... إذا لم يجد مشتكى
فقال شاب كان في المجلس أحسنت والله يا سيدتي، أتأذني لي أن أموت فقالت مت راشداً إن كنت عاشقاً، وكان يهوى القينة فاضطجع فإذا هو ميت فتنغص مجلسنا، ثم دخلت إلى أهلي فأخبرتهم بالقصة، وكان لي ابنة تهوى الشاب ونحن لا ندري. فلما سمعت الخبر قامت إلى خلوة وأنكرت قيامها، فدخلت إليها فإذا هي متوسدة كما وصفت لها الشاب ميتة، فلما خرجنا بجنازتها وبالشاب وجدنا جنازة ثالثة وإذا هي القينة ماتت حين بلغها موت ابنتي لأنها كانت تهواها.
ومنهم ما أخرج الحافظ عن ابن دريد عن عبيد النعالي غلام أبي الهذيل
قال رجعت من تشييع جنازة وقد اشتدت الهاجرة فملت إلى ظل أتفيأ به، فسمعت صوتاً مطرباً فطرقت الباب أستسقي الماء، فخرج شاب على أحسن صورة غير أن العلة لم تبق إلا رسمه فأدخلني إلى موضع أنيق بالفرش، وجاءت جارية فغسلت رجلي ثم بعد يسير جاءت بالطست فقلت قد غسلت قالت نعم، ولكن اغسل يديك للغداء، فغسلت وجاءوا بطعام فأقبل يضاحكني ويأكل متغصصاً والعبرة تخنقه، ثم جاء بشراب فسقاني وشرب، ثم قال قم بنا إلى نديم إلي، فدخلت معه إلى بيت لطيف فيه قبر قد صب حوله الرمل، فجلسنا فشرب وسقاني ثم أنشد يقول:
أطأ التراب وأنت رهن حفيرة ... هالت يداي على صداك ترابها
إني لا غدر من مشى إن لم أطأ ... جفون عيني ما حييت جنابها
لو أن حشو جوانحي متلبس ... بالنار اطفأ حرها وأذابها
ثم أكب على القبر مغشياً عليه، فجاءه خادم فرش عليه الماء فأفاق، وسقاني وأنشد:
اليوم ثاب لي السرور لأنني ... أيقنت أني عاجلاً بك لاحق
فغدا أقاسمك البلا ويسوقني ... طوعاً إليك من المنية سائق
ثم قال قد وجب عليك حقي، فاحضر غداً جنازتي فدعوت له بطول البقاء وانصرفت فقال عققتني إن لم تقل:
جاور خليلك مسعداً في رمسه ... كيما ينالك في البلا ما ناله
فانصرفت عنه فلم أعرف نوماً حتى أصبحت فأتيته فإذا هو قد مات، فدفن إلى جانبها قلت نقل في عجيب الاتفاق وليس من شأنه هذا إن هذا الشاب كان يهوى ابنة عمه ومنع عنها زماناً، ثم مات أبوها فتزوج بها فأقام معها ثلاث ليال ثم حمت ساعة من نهار فجلس وأخذ رأسها على ركبته، فشربت الماء فشهقت وماتت فدفنها في بيته، وأقام يبكي وقد هجر الطعام والشراب واللبس والنوم، فكانت مدته إلى أن لحق بها ثلاثة عشر يوماً.
وأيضاً من نظير المسلسل ما روي عن يونس النحوي، قال نزلت بصديق لي ببادية يقال له مالك العذري فإذا نحن بامرأة تقول قد تكلم فاستبشر النساء بذلك، فسألت صديقي عن الخبر، فقال رجل منا أجب ابنة عمه وتزوجها رجل وحملها إلى الحجاز فصار ملقى على فراشه من نحول لا ينطق، فقلت أحب أن أنظره فقمنا حتى وقفنا عليه، فقالت أمه يا ولدي هذا عمك مالك ففتح عينيه وأنشد:
ليبكني اليوم أهل الود والشفق ... لم يبق من مهجتي إلا شفا رمق
اليوم آخر عهد بالحياة فقد ... أطلقت من ربقة الأحزان والقلق
ثم تنفس فإذا وميت فقمنا عنه، فلما رجعنا إذا نحن بشابة بيضاء ناعمة الثياب تبكي بحرقة وجزع فسألناها عن السبب فأنشدت:
اليوم أبكي لصب شف مهجته ... طول السقام وأضنى جسمه الكمد
يا ليت من خلف القلب المقيم به ... عندي فأشكو إليه بعض ما أجد
انشر تربك أسرى لي النسيم به ... أم أنت حيث يناط السحر والكبد
ثم شهقت شهقة وماتت، فإذا هي تهوى الشاب قلت. قال في النزهة عن الرياشي عن يونس هذا، قال اجتمعت بصديق بعد ذلك اليوم، بمدة لا تزيد عن شهرين.
стр. 88
فقال لي أتعرف الشاب الذي مات يوم كذا. قلت نعم، قال قدم علينا الحجازي زوج ابنه عمه فأخبر أن المرأة من لدن حملها لم تنفك عن المرض، حتى قضيت يوم كذا فإذا هو اليوم الذي مات فيه الشاب.
ومنهم ما حكاه الكاتب
قال، كنا في منتزه وقد أقبل ابن عائشة يسوس غلاماً لا يستطيع أن يملك نفسه، فسألناه عن أمره فقال من العشق، فتذاكرنا أخبار العشاق فقلت ألا أحدثكم بأعجب من هذا، قالوا هات قلت أخبرني بعض العرب. قال مررنا بماء وعليه صبية يتغاطسون وقريب منهم شاب عليه أثر الجمال، إلا أنه كالمنتحل من علة، فسلمت عليه فقال مما الراكب قلت من الحمى، فقال من كم عهدك به قلت قريباً فتنفس الصعداء وأنشد:
سقى بلداً أمست سليمى تحله ... من المزن ما يروي به ويشيم
وإن لم أكن من قاطنيه فإنه ... يحل به شخص عليّ كريم
ألا حبذا من ليس يعدل قربه ... لديّ وإن شط المزار نعيم
ومن لا منى فيه حبيب وصاح ... ت فردّ بغيظ صاحب وحميم
ثم أغشي عليه فصببا عليه الماء فأفاق ثم أنشد:
إذا الصب الغريت رأى خضوعي ... وأنفاسي تزين بالخشوع
ولي عين أضر بها التفاني ... إلى الأجزاع مطلقة الدموع
إلى الخلوات يأنس فيك قلبي ... كما أنس الغريب إلى الجميع
فقلت له إن كان لك حاجة فيها شفاء نفسك فمرني بها فإني مطيع فقال أعلم أنك محل ولكن لم تدرك مني إلا صبابة لا تتلافى ففارقته فبلغني أنه لم يبت تلك الليلة.
ومنهم ما حكاه في منازل الأحباب
قال، كان في بني عذرة فتى ظريف يهوى محادثة النساء، فعلق جارية فأضنته حتى لزم الوساد وسئلت في أمره فامتنعت حتى إذا بلغ الموت، جاءته فحين رآها أنشد:
أريتك إن مرّت عليك جنازتي ... تمر على أيدي طوال وشرّع
أما تتبعين النعش حتى تسلمي ... على رمس ميت في الحفيرة مودع
فحلفت أنها لم تعلم أنه بلغ به الحب إلى هذا الحال وأخذت تستعطفه، فتمثل بقول بشر بن حضرم الكلاعي:
أتت وحياض الموت بيني وبينها ... وجادت بوصل حين لا ينفع الوصل
ثم أغشي عليه وانكبت تقبله، فإذا هو ميت فلم تمكث بعده إلا قليلاً.
ومنهم ما حكاه ابن الجوزي
أن رجلاً علق جارية نصرانية وأخذ هواها منه حتى أزال عقله فحمل إلى البيمارستان فأقام به مدة، وكان له صديق يتعاهده فقال له يوماً وقد أشرف على التلف قد أيست من ملاقاة فلانة في الدنيا، وأخاف أن لا ألقاه في الآخرة إن مت مسلماً. ثم تنصر ومات فخرج من عنده فوجدها عليلة، وهي تقول قد أيست من فلان في الدنيا فأنا أسلم لألقاه في الآخرة، ثم أسلمت وماتت.
ومنهم الحرث المشهور بابن الفرند من خزاعة
وقال في الشامل أنه من قحطان نشأ وابنة عمه عفراء بنت الأحمر ممتزجين بالألفة إلى أن بلغا فتزوج بها فأقاما مدة ينمو الهوى بينهما إلى أن عزمت يوماً على أن تزور أباها فجهزها إليه فأقامت مدة وكل منهما يأبى أن يجيء بنفسه، وزادت الوحشة بينهما وحلف أبواهما على أن يأتي أحدهما الآخر مخافة أن تزري العرب به. فمرض الحرث فكتب إليها:
صبرت على كتمان حبك برهة ... ولي منك في الأحشاء أصدق شاهد
هو الموت إن لم تأتني منك رقعة ... تقوم لقلبي في مقام العوائد
فأجابته:
كفيت الذي تخشى وصرت إلى المنى ... ونلت الذي تهوى برغم الحواسد
ووالله لولا أن يقال تظنناً ... بي السوء ما جانبت فعل العوائد
فلما قرأ ما في الرقعة وانتشق ريحها وكانت أعطر زمانها غشي عليه فإذا هو ميت فقيل لها ما كان عليك لو أحييته بزورة، قالت خشيت أن يقال صبت إليه ولكني قاتلة نفسي عن قريب فلم يشعر بها إلا وهي ميتة.
ومنهم
عياش الكناني
قال هشام: خرجنا في حاجة وهو معنا فمررنا ببني حنيفة فرأى جارية منهم فوقعت من قلبه موقعاً عظيماً فتخلف عنا، وراسلها فأبت وكان لا يخطىء سهمه إذا رمى فسحب قوساً، وأقبل في الليل وهي نائمة بين أخواتها فأيقظها، فلما شعرت به قالت لئن لم تذهب لأوقظنهم فيقتلونك فحلف إن أعطته يدها يضعها على فؤاده تسكيناً لما به، لينصرف ففعلت فانصرف.
стр. 89
فلما كان من قابل أتى وفعل كفعلته، فقالت له كالأول فحلف إن أمكنته من رشفة مضى. ففعلت وشعر به الحي فتبعوه، فخرج على جبل وأعقب الوقت سماء، فرجع النساء وأخذ الجارية من الوجد أضعاف ما عنده، فخرجت مع جارية من الحي وقد زهر القمر فرآها على بعد، وقد أسبلت شعرها من الندى فحبسها بعض من يطلبه فرماها بسهم فلم يخط قلبها ونزل فوجدها تتخبط بدمها وقد أشرفت على الهلاك فقتل نفسه.
و منهم ما رواه أعرابي أو هو جبلة بن الأسود
قال خرجت في طلب ضالة لي فوقعت على راع عنده غنم يرعاها، وقد اتخذ بيتاً في كهف هناك، فسألته القرى فرحب بي وأنزلني، ثم جاء بشاة فذبحها وجعل يشوي ويقدم إلي ويحادثني حتى اكتفيت.
فلما جن الليل إذا بفتاة كأحسن ما يكون من النساء قد أقبلت إليه، فجلسا يتحادثان حتى طلع الفجر فمضت وسألته الذهاب فأبى، وقال الضيافة ثلاث فأقمت، فلما جاء الليل رأيته يقوم ويقعد متضجراً ثم أنشد:
ما بال مية لا تأتي كعادتها ... أعاجها طرب أم صدها شغل
لكنّ قلبي عنكم ليس يشغله ... حتى الممات وما لي غيركم أمل
لو تعلمين الذي بي من فراقكم ... لما اعتذرت ولا طابت لك العلل
نفسي فداؤك قد أحللت بي سقماً ... تكاد من حرّة الأعضاء تنفصل
لو أنّ غادية منه على جبل ... لما دوا نهد من أركانه الجبل
فسألته عن شأنه فقال هذه ابنة عمي وأنا أحبها فخطبتها من عمي فأبى علي لفقري وزوجها من رجل وقد حملها إلى هذا الحي فخرجت عن مالي، وعملت راعياً لهم، فهي تأتيني على غفلة من زوجها، فأنظر إليها ونتحادث ليس غيره، والآن قد قلقت لفوات ميعادها، وفي الطريق أسد قد كسر وأخاف أن يكون أصابها، فعلى رسلك حتى أعود وأخذ السيف ومضى قليلاً ثم عاد يحملها وقد أصابها الأسد فطرحها ثم غاب ورجع يجر الأسد مقتولاً، فطرحه وانكب يقبلها ويبكي، ثم قال لي أسألك بالذمة إلا ما دفنتني وإياها في هذا الثوب.
وكتبت على القبر هذا الشعر فإني لا بقاء لي بعدها، ثم انكب عليها، فإذا هو ميت، وقيل انكب على السيف فخرج من ظهره. وفي رواية ونمنا إلى الصباح فوجدته ميتاً فلففتهما ودفنتهما وكتبت على القبر الشعر الذي أوصى به وهو:
كنا على ظهرها والدهر في مهل ... والعيش يجمعنا والدار والوطن
ففرّق الدهر بالتصريف الفتنا ... فاليوم يجمعنا في بطنها الكفن
ثم فرقت الغنم ومضيت إلى عمه فأخبرته بذلك فكاد أن يقضي أسفاً، على عدم الجمع بينهما.
منهم
كامل بن الرضين
وكان يحب ابنة عم له يقال لها أسماء، فافتتن بها حتى أنحله السقم ولزم الوساد فسأله أبوه أباها أن يزوجها منه فقال له أحمله إلي لأزوجه بها ففعل، فلما علم بذلك قال أو أنا بموضع تسمعني به. قالوا نعم فشهق شهقة فمات، فقالت قد كنت قادرة على زيارة فتركتها خوف الريبة فلأتبعنه، ثم مرضت فقالت لأخص نسائها صوري لي صورته ففعلت، فلما اعتنقتها فارقت نفسها فدفنت إلى جانبه وكتب على قبريهما:
بنفسي من لم يمتعا بهواها ... على الدهر حتى غيبا في المقابر
أقاما على غير التزاور برهة ... فلما أصيب قرّبا بالتزاور
فيا حسن قبر زار قبراً يحبه ... ويا زورة جاءت بريب المقادر
ومنهم
مرة النهدي
وكان قد شغف بابنة عمه ليلى، وكانت أوحد نساء زمانها حسناً، فكتم حبه لها حتى تزوجها، فأقاما مدة لا يزداد حالهما إلا شغفاً إلى أن أمره الخليفة بالتجهيز إلى غزو خرسان. فشكا إليها عدم القدرة على فراقها، فقالت اصنع ما شئت، فحملها معه حتى أودعها عند صاحب له، وتعجل الغزو.
فلما رجع كره أن يدخل ابتداء، فجلس بإزاء القصر، فخرجت جارية فسألها ما صنعت المرأة التي خلفتها عندكم، قالت ذاك القبر الجديد قبرها فتردد حتى خرجت أخرى فأخبرته مثل ذلك، فمضى إلى القبر فجعل يتمرغ عليه ويبكي، ثم أنشد:
أيا قبر ليلى لو شهدناك أعولت ... عليها نساء من فصاح ومن عجم
ويا قبر ليلى ما تضمنت قبلها ... شبيهاً لليلى في عفاف وفي كرم
ويا قبر ليلى أكرمنّ محلها ... يكن لك ما عشنا علينا بها نعم
стр. 90
ويا قبر ليلى إنّ ليلى غريبة ... براذن لم يشهدك خال به وعمّ
ولم يزل كذلك حتى مات ودفن إلى جانبها.
ومنهم رجل من ولد عبد الرحمن بن عوف
تزوج ابنة عمه، فشغف بها حتى لم يستطع فراقها فنفد ما معه، وضاق حاله، ولم يكتسب شيئاً يقتات به، فقالت له يوماً لو خرجت إلى هشام بن عبد الملك فسألته شيئاً لما منعك، فجهز نفسه، فلما صار قرب الرصافة أغمي عليه ساعة، ثم أفاق وأنشد:
بينما نحن بالملاكت بالقا ... ع سراعاً والعيس تهوى هويا
خطرت خطرة على القلب من ... ذكراك وهنا فما استطعت مضيا
قلت لبيك إذ دعاني لك الشو ... ق وللحاديين ردّ المطيا
فكررنا صدور عيس عتاق ... مضمرات طوين بالسير طيا
ذاك مما لقين من دلج السير ... وقول الحداة بالليل هيا
ثم قال للجمال ارجع، قال يا سبحان الله قد وصلت إلى الرصافة فاقسم لا يخطى إلا راجعاً، فلما عاد صادفه رجل من بني عمه فأخبره أن زوجته قد ماتت فلم يسمع منه إلا شهقة وفارقته نفسه.
فصل فيمن أناخ به الحب ثقله ... حتى أذهب عقله
وهؤلاء المعروفون عند أهل القوانين بعقلاء المجانين، وقد أفردوا كثيراً بالتأليف وجعلتهم من المجاهيل لاشتباههم بهم فيما قدمت من الشروط.
فمنهم ما أخرجه مغلطاي عن الأديب
قال عشق فتى عندنا جارية، فلم يزل يزداد ولعه بها حتى ذهب عقله، فكان آونة يسكن إلى الناس وأخرى يسكن الخربات ويتوحش، فمررت به يوماً في خربة يثير التراب على وجهه، فسألته عن حاله فأنشد:
يتمني حبها وأضناني ... وفي بحار الهموم ألقاني
كيف احتيالي وليس لي جلد ... في دفع ما بي وكشف أحزاني
يا رب اعطف بقلبها فعسى ... ترحم ضعفي وطول أشجاني
ففارقته ومضيت، فلما كان بعد مدة إذا أنا به يتمرغ على الأرض، فلما أبصرني قال يا عم أنا الليلة ميت، فدعوت له ومضيت، فلما أصبحت غدوت عليه فإذا هو قد قبض.
ومبهم ما ذكره ابن المرزباني في الذهول والنحول عن سعيد بن ميسرة
قال صحبنا شاب فكان لا يلهج إلا بهذه الأبيات:
الا إنما التقوى ركائب ادلجت ... وأدركت الساري بليل فلم ينم
وفي صحبة التقوى غناء وثروة ... وفي صحبة الأهواء ذل مع العدم
فلا تصحب الأهواء واهجر محبها ... وكن للتقي الفاتكن في الهوى علم
فسألناه لمن الأبيات قال لأخ لي كنت أحبه شديداً ولم أر أمزح منه مع التقوى، فسألته: الدنيا تلهج بهذه أم لأخرى، فقال لأمر لا أخبرك به حتى ينفذ من يدي.
ودام على ذلك حتى لزم الفراش فكانت الأطباء تختلف إليه ولم تؤثر معه شيئاً وكان يصرخ الليل كله فأجمعنا على أن ندعه وشأنه، فكان يجلس نهاره على الباب، وكلما مر به شخص يسأله إلى أين يذهب فيقول إلى موضع كذا فيقول لو مررت على من نريد لحملناك حاجة، فقال له صاحب له أنا مار حيث تريد فقال:
تقر السلام على الحبيب تحية ... وتبثه بتطاول الأسقام
وتفيده أنّ التقى ذم الهوى ... لما غدا مستغولاً بزمام
قال نعم، فلما كان بأسرع من أن رجع، فقال بلغتهم رسالتك فقالوا:
لئن كان تقوى الله ذمتك أن تنل ... أمور أنهى عنها بنهي حرام
فزرنا لنقضي من حديث لبانة ... ونشفي نفوساً آذنت بسقام
قال فوثب قائماً ثم أنشد يقول:
سأقبل من هذا وفيه لذي الهوى ... شفاء وقد يسلو الفتى جد وامق
إذا اليأس حل القلب لم ينفع البكى ... وهل ينفع المعشوق دمعة عاشق
قال ومضى، فقمت خلفه وحدي حتى أتى منزل رجل من أهل الفضل والرأي والدين، وكانت له ابنة من أجمل النساء، فوقف على الباب وقال:
فها أنا قد جئت أشكو صبابتي ... وأخبركم عما لقيت من الحب
وأظهر تسليماً عليكم لتعلموا ... بأنّ وصولي ثم ذا منكم حسبي
قال فلما فهمت القصة وخشيت أن يظهر أمره قلت له ما جلوسك على باب القوم ولم يأذنوا لك، قال بلى قلت كيف وهم يقولون:
стр. 91
بالله ربك لا تمر ببابنا ... أنا نخاف مقالة الحساد
فقال يا صالح أقد قالوا هذا؟ قلت نعم، فجعل يهذي ويقول:
إن كان قد كرهو زيارة عاشق ... فلرب معشوق يزور العاشقا
ثم رجع فلزم الوساد حتى مات.
ومنهم ما حكاه الوراق عن الصوفي
قال حدثني صديق لي، قال دخلت البيمارستان ببغداد، فرأيت شاباً نظيف الثياب قد شد إلى سارية ووراءه وسادة وبيده مروحة، فسلمت عليه وقلت لها ماذا تريد، فقال قرصين وفالوذج فأحضرتهما فلما فرغ قلت له هل تطلب غير هذا؟ قال وما أظنك تقدر عليه قلت أذره، فلعل الله أن يساعدني عليه. فقال تمضي إلى زقاق الغفلة فتقف بباب كذا وتقول مجنونكم من ذا أنحله فمضيت وفعلت ما قال، فخرجت إلي عجوز فقالت قل له عليكم من ذا أعله، فرجعت إليه وأخبرته بذلك فشهق شهقة فمات فرجعت إلى الباب فوجدت الصراخ وقد ماتت الجارية.
ومنهم ما حكاه السامري
قال مررت أنا وصديق لي بدير هرقل، فقال هل لك أن تدخل فتنظر إلى ما فيه من ملاح المجانين، فدخلنا وإذا بشاب نظيف الثياب حسن الهيئة جميل المنظر، فحين بصر بنا قال مرحباً بالوفد قرب الله بكم بابي، من أين أقبلتم؟ فقلنا جعلنا فداءك ومتسع الله بك أقبلنا من كذا، ثم قلنا له ما أجلسك ههنا وأنت لغير هذا المكان أهل وهو لغيرك محل، فتنفس الصعداء وهو مشدود إلى الجدار في سلسلة وصوب طرفه إلينا وأنشد:
الله يعلم أنني كمد ... لا أستطيع أبث ما أجد
روحان لي روح تضمنها ... بلد وأخرى حازها بلد
أما المقيمة ليس ينفعها ... صبر وليس يقرها جلد
وأظن غائبتي كشاهدتي ... بمكانها تجد الذي أجد
قلت وسيأتي منه أنه ينسب هذا الشعر لخالد الكاتب ولا يمكن أن يقال إن هذا المحكى عنه هو لأن خالداً لم يحبس وإنما كان سائحاً، كما سيأتي فلم يبق إلا استعارة أحدهما من الآخر قال الراوي، ولما فرغ من شعره التفت إلينا فقال هل أحسنت فقلنا نعم ثم ولينا، فقال بأبي ما أسرع ذهابكما أعيراني سمعكما فعدنا إليه فأنشد:
لما أناخوا قبيل الصبح عيسهم ... ورحلوها وسارت بالهوى الابل
وقلبت من خلاف السجف ناظرها ... ترنو إليّ ودمع العين منهمل
فودعت ببنان عقدها عمن ... ناديت لا حملت رجلاك يا جمل
ويلي من البين ماذا حلّ بي وبها ... يا نازح الدار حلّ البين وارتحلوا
يا حادي العيس عرج كي أودعها ... يا حادي العيس في ترحالك الأجل
إني على العهد لم أنقض مودتهم ... فليت شعري وطال العهد ما فعلوا
فقلنا له مجوناً لننظر ما يفعل ماتوا فقال أقسمت عليكم ماتوا، قلنا نعم فجذب نفسه في السلسلة جذبة دلع منها لسانه وبرزت عيناه وانبعث الدم من شفتيه وشهق فإذا هو ميت. فما ندمنا على شيء أعظم منه.
وحكاها المبرد كما هي وزاد، إن قال فوجدنا في الدير مجانين ليس فيهم أنظف من شاب عليه بقايا ثياب ناعمة فدنونا منه فقال أنشدوني شيئاً من الشعر أو أنا أنشدكم فقلنا له أنشد، فأنشد الشعرين فلما قال ما فعلوا قال رجل بغيض معنا ماتوا فقال وأنا أيضاً أموت فقال له افعل ما شئت فتجدب حتى مات وأخرج الزجاج في آماليه، عن المبرد الحكاية أيضاً لكنه قال فقال لنا أنشدوني فقلت لرفيقي أنشده فأنشد:
قبلت فاها على خوف مخالسة ... كقابس النار لم يشعر من العجل
ماذا على رصد في الدار لو غفلوا ... عني فقبلتها عشراً على مهل
غضي جفونك عني وانظري أمما ... فإنما افتضح العشاق بالمقل
فقال أنا وهذا القائل على طرفي نقيض فإنه يرى محبوبه وأنا مقصي، فقلنا له أنت عاشق قال نعم. قلنا لمن قال أنت سؤل، قلت محسن إن أخبرت قال عقد لي أبي على ابنة عم لي ثم توفي وترك مالاً كثيراً فاستولى عمي على المال ونسبوني إلى الجنون.
قال المبرد هذا كله والقيم يقول احذروه فإنه يتغير ثم التفت إلي فقال: أنشدني أنت فإنك من أهل الأدب فلم يحضرني إلا قول الشاعر:
قال سكينة والدموع زوارف ... تجري على الخدين والجلباب
стр. 92
ليت المغيري بالذي لم أجزه ... فيما أطال تبصري وطلابي
كادت تردّ لنا المنى أيامه ... إذ لا ألام على هوى وتصابي
خبرت ما قالت فقلت كأنما ... ترمي الحشا بصوائب النشاب
اسكين ما ماء الفرات وطيبه ... مني على ظما وحب شراب
بالذ منك وإن نأيت وقلما ... يرعى النساء أمانة الغياب
ومنهم ما حكاه الأسدي عن أبيه
قال دخلت دير هرقل فوجدت شاباً حسن الهيئة مكبلاً بالحديد فقلت له من الذي أوجب لك هذه الحالة فأنشد:
نظرت إليها فاستحلت بنظرتي ... دمي ودمي غال فأرخصه الحب
وغاليت في حبي لها ورأت دمي ... رخيصاً فمن هذين داخلها العجب
ومنهم ما حكاه ابن غنيم
قال مررت بخربة فرأيت مجنوناً مصفداً بالحديد يتمرغ في التراب ويقول:
ألا ليت أنّ الحبّ يعشق مرة ... فيعرف ماذا كان بالناس يصنع
يقولون فز بالصبر إنك هالك ... وللصبر مني ألف مرة أجزع
ومنهم ما حكاه أبو الحسن المؤدب
قال انحدرت من بالس أريد العراق، فبينما أنا في بعض أزقة الموصل إذ سمعت ضجة فسألت فقيل دار المجانين فدخلت فإذا أنا بشاب في الحديد قد تضرج بالدم، فلما بصر بي قال من أين قلت من بالس. قال وأين تريد قلت العراق. قال أتعرف بني فلان قلت نعم، قال هم الذين صيروني إلى ما ترى في عشقهم وأنشد:
زموا المطايا واستقلوا ضحى ... ولم يبالوا قلب من تيموا
ما ضرّهم والله يرعاهم ... لو ودّعوا بالطرف أو سلموا
ما زلت أذري الدمع في أثرهم ... حتى جرى من بعد دمعي دم
ما أنصفوني يوم بانوا ضحى ... ولم يفوا عهدي ولم يرحموا
ومنهم للفويرك وهو من المشاهير في عقلاء المجانين
قال الأبلي رأيته والصبيان يرمونه بالحجارة، فلما رآني قال: أما ترى ما صنع هؤلاء بي مع ما أنا فيه من العشق والجنون، قال بلى والله وبي عشق شديد قلت فما أنشدت فيه شيئاً قال بلى وأنشد:
جنون وعشق ذا يروح وذا يغدو ... فهذاله حدّ وهذاله حدّ
هما استوطنا جسمي وقلبي كليهما ... فلم يبق لي قلب صحيح ولا جلد
وقد سكنا تحت الحشا وتحالفا ... على مهجتي أن لا يفارقها الجهد
فأيّ طبيب يستطيع بحيلة ... يعالج من داءين ما منهما بدّ
وقال يوماً وقد لقيته وفي عنقه حبل يقودونه يا أبا بكر بماذا يعذب الله عباده قلت بجهنم فقال صفها فقلت له ومن الذي يقدر أن يصف عذاب الله فقال أنا والله في عذاب أعظم منه وكشف عن جسم نحيل وعظام بالية، وأنشد:
أنظر إلى ما صير الحبّ ... لم يبق لي جسم ولا قلب
انحل جسمي حبّ من لم يزل ... من شأنه الهجران والعتب
ما كان أغناني عن حبّ من ... من دونها الأستار والحجب
وقال له ابن الزيات متى حدث بك العشق قال من زمان طويل، ولكن كنت أكتمه حتى غلب فقال أنشدني ما قلت فيه فأنشد:
كتمت جنوني وهو في القلب كامن ... فلما استوى والحب أعلنه الحبّ
وخلى والجسم الصحيح يذيبه ... فلما أذاب الجسم ذل له القلب
فجسمي نحيل للجنون وللهوى ... فهذاله نهب وهذاله نهب
ومنهم خالد بن يزيد
يكنى أبا القاسم ويعرف بالكاتب خراساني الأصل بغدادي المنشأ أحد كتاب الجيش في الدولة العباسية والمشهورين باللطف والرقة وحسن الشعر، ثم اعتراه الجنون قيل من السوداء.
نقله في النزهة وقال أنها كانت تعتريه زمن الباذنجان فإذا جاء الشتاء، حسن حاله وحكى في امتزاج الأرواح ورياض اللطائف أنه خرج إلى بعض الأعمال بأذربيجان فشهد مجلساً وفيه قينة فأعجب بها وطلب أن يصطحبها فامتنعت فداخله حبها حتى خامر عقله، فكان يصحو أحياناً ويغمر أحياناً فترك العمل مدة ثم استعمله محمد بن عبد الملك في كتابه بعض الأعمال فمر بماجنة تغني:
من كان ذا شجن بالشام يطلبه ... ففي سوى الشام أمسى الأهل والشجن
стр. 93
فسقط مغشياً عليه حين سمع ذلك وتذكر به حال الماجنة وأنها أخبرته أنها تطلب الشام، ثم أفاق ورجع ورمى العمل وكان يركب قصبة ويطوف ببغداد وأهلها يطلبونه خصوصاً أرباب الدواوين ليسمعوا شعره، قيل قال له ابن الجهم يوماً هب لي قولك:
ليت ما أصبح من رقة حدّيك بقلبك
فقال من الذي يهب ولده، ورآه يوماً والصبيان يضربونه، فأدخله بيته ثم قال له بعدما أخذ الراحة، ماذا تريد قال هريسة ورطباً فأحضرهما، فلما أكل قال أسمعني شيئاً من شعرك فأنشد:
تناسيت ما أودعت سمعك يا سمعي ... كأنك بعد الضر خال من النفع
فإن كنت مجبولاً على الصد والجفا ... فمن أين لي صبر فاجعله طبعي
هل الحب تجنيه عليّ التفاتة ... فافرح بعد اليأس مني ومن نفعي
علام الجفايا من كلفت بحبه ... أتتلفني بالهجر منك وبالقطع
لئن كان أضحى فوق خديك روضة ... فإن على خدي غديراً من الدمع
فقال له أحسنت والله ووجد لذلك وجداً عظيماً، ثم قال له أسمعني شيئاً غير هذا قال حسبك لن ينالك بهريستك ورطبك أكثر مما سمعت، وخرج من عنده، وله أيضاً:
يا تارك الجسم بلا قلب ... إن كنت أهواك فما ذنبي
يا مفرداً بالحسن أفردتني ... منك بطول الهجر والحب
إن تك عيني أبصرت قينة ... فهل على قلبي من عتب
حسيبك الله لما بي كما ... أنك في فعلك بي حسبي
ودخل على ابن عباد فرفع مجلسه فقال ابن الأعرابي من هذا فقال أو ما تعرفه قال لا. قال هو خالد الكاتب فقال له ابن الأعرابي، أسمعنا من شعرك فأنشد:
لو كنت من بشر لم يفتن البشرا ... ولم يفق في الضياء الشمس والقمرا
نور تجسم منحلاً ومنعقداً ... سلك تضمن في تنظيمه دررا
فقال له ابن الأعرابي كفرت هذه صفة الخالق لا المخلوق أنشدنا غير هذا فقال:
أراك لما لججت في غضبك ... تترك ردّ السلام في كتبك
حتى أتى على قوله:
أقول للسقم عد إلى بدني ... حباً لشيء يكون من سببك
فقال له إنك لفوق ما وصت به ووقف عليه إبراهيم بن المهدي عشية وقد تلفع برداء أسود فقال له أنت القائل:
قد بكى العاذل لي من رحمة ... فبكائي لبكاء العاذل
قال نعم، قال يا غلام ادفع له ما معك، فقال خالد وما ذاك؟ قال ثلثمائة دينار، قل لا أقبلها أو تعرفني من أنت؟ قال أنا ابن المهدي، فأخذها وانصرف إبراهيم، فلما بويع له بالخلافة طلبه فقال له أنشدني من شعرك فأنشد:
عش فحبيك سريعاً قاتلي ... والضني إن لم تصلني واصلي
قد طغى الشوق بقلب دنف ... فيك والسقم بجسم ناحل
فهما بين اكتئاب وضنى ... تركاني كالقضيب المائل
وحكى عن حمزة الشاعر نحو ما سبق عن ابن الجهم من رؤيته مع الصبيان وادخاله وإطعامه لكنه قال: فأطعمه رطباً فقط واستنشدته فأنشد:
قد حاز قلبي فصار يملكه ... فكيف أسلو وكيف أتركه
رطيب جسم كالماء تحسبه ... يخطر في القلب منك مسلكه
يكاد يجري من القميص ... من النعمة لو القميص يمسكه
فصل في ذكر من جرع كأس الضنى وصبر على مكابدة العنا واتصف بذلك كله من النساء وثبت بعد فراق محبوبه على النوى أو كان منها داعية الاعتداء
حكى صاحب النزهة، قال نشأ ببني حران شاب لبعض التجار يدعى واصفاً وكان كامل الحسن والظرف واللطافة والعفة، وكان له ابنة عم تسمى لطيفة، وكانت على أرفع ما يكون من مراتب الجمال ومحاسن الأخلاق والخصال. فتوفي أبوها وتركها صغيرة فكلفها عمها حتى بلغت، فكانت تنظر إلى ابن عمها فيعجبها إلى أن تمكن حبه منها، فمرضت وهي تكتم أمرها.
стр. 94
وكانت امرأة عمها فطنة مجربة للأمور فامتحنتها فوجدتها تغيب عن حسها أحياناً. فإذا دخل الغلام صحت والتمست ما تأكل فأخبرت أباه، فقال يا لها نعمة، ثم زوجه منها فأوقع الله حبها في قلبه فأقاما على أحسن حال مدة، وهو يأمرها أن تكون دائماً متزينة متطيبة، ويقول لها لا أحب أن أراك إلا كذا فلم يزالا على ذلك حتى ضعف الشاب ومات، فحزنت عليه وفقدت عقلها، فكانت تتزين بأنواع زينتها كما كانت وتمضي وتمكث على قبره باكية إلى الغروب.
قال الأصمعي مررت أنا وصاحب لي بالجبانة فرأيتها على تلك الحالة فقلنا لها علام ذا الحزن الطويل فأنشدت:
فإن تسألاني فيم حزني فإنني ... رهينة هذا القبر يا فتيان
وإني لاستحييه والترب بيننا ... كما كنت أستحييه حين يراني
فعجبنا منها ثم جلسنا بحيث لا ترانا لننظر ما تصنع فأنشدت:
يا صاحب القبر من كان يؤنسني ... وكان يكثر في الدنيا موالاتي
قد زرت قبرك في حلى وفي حلل ... كأنني لست من أهل المصيبات
لزمت ما كنت تهوى أن تراه وما ... قد كنت تألفه من كل هيآتي
فمن رآني رأى عبرى مولهة ... مشهورة الزي تبكي بين أموات
ثم انصرفت فتبعناها حتى عرفنا مكانها فلما جئنا إلى الرشيد، قال حدثني بأعجب ما رأيت فأخبرته بأمر الجارية. فكتب إلى عامله على البصرة أن يمهرها عشرة آلاف درهم ففعل وأتي بها إليه وقد أنهكها السقم فتوفيت بالمدائن.
قال الأصمعي فلم يذكرها الرشيد إلا ذرفت عيناه. وحكى بعض أهل المدينة، قال دعاني صاحب لي لسماع جارية تغني، فدخلنا عليها فإذا هي منخرطة الوجه متغيرة تكثر من السهر والاطراق كأنها مشغولة فعزمت عليها أن تخبرني بما بها، فقالت برح الذكر ودوام الفكر وخلو النهار وتشوقي إلى من سار، والذي ترى مما وصفت لك فإن كنت ذا أرب صرفت العتب عن ذي الكرب، واجتهدت في طلب الدواء لمن أشرف على العطب وأخذت العود فغنت تقول:
سيوردني التذكار خوض المهالك ... فلست لتذكار الحبيب بتارك
أبى الله إلا أن أموت صبابة ... ولست لما يقضي الإله بمالك
كأن بقلبي حين شط به النوى ... وخلفني فرداً صدور التيازك
تقطعت الأخبار بيني وبينه ... ليعد النوى واستد سبل المسالك
فوالله لقد خفت أن تسلب عقلي بغنائها، فقلت جعلني الله فداءك وهذا الذي صبرك إلى ما أرى يستحق ذلك مع أن الناس كثير فلو تسليت بغيره فلعل ما بك يسكن ويخف فقد قال الأول:
صبرت على اللذات لما تولت ... وألزمت نفسي صبرها فاستمرت
وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى ... فإن أطعمت تاقت وإلا تولت
فقالت قد رمت ذلك فكنت كما قال قيس ولما أبى إلا جماحا البيتين، فأسكتتني حجبها عن المحاورة، وما رأيت كمنطقها وحسنها وأدبها.
وحكى الزبير بن بكار قد دخلت على الأمير بن طاهر حين قدم من الحجاز فتبسم في وجهي ثم قال:
لئن باعدت بيننا الأنساب ... فقد قربت بيننا الآداب
وأن أمير المؤمنين اختارك لتأديب ولده، فأمر لك بعشرة آلاف درهم وعشر نحوت وبغال تحمل عليها أمتاعك، فشكرت فضله.
فلما عزمت على الانصراف قال زودنا أيها الشيخ حديثاً نذكرك به فقلت أحدثك بما رأيت أبو بما سمعت قال بما رأيت أو بما سمعت. قال بما رأيت قلت بينما أنا بين المسجدين أو قال على اثاوة الأعرج، إذا أنا برجل صاد ظبياً وهم ليذبحه فنشب الظبي بقرنيه في الرجل فدخلا في جوفه فسقط الصياد والظبي ميتين أو قال رأيت حبالة منصوبة وظبياً مذبوحاً ورجلاً ميتاً فجاءت امرأة حسارة وهي تقول:
يا حسن يا بطل لكنه أجل ... على الاساءة ما أودي بك البطل
يا حسن قلقل أحشائي وأزعجها ... وذاك يا حسن عنيد كله جلل
أمست فتاة بني نهد علانية ... وبعلها في أكف القوم يبتذل
قد كنت راغبة فيه أضن به ... فحان من دون ضن الرغبة الأجل
стр. 95
ثم شهقت فماتت، فلم أرى أعجب من الثلاثة. وفي رواية وبعلها فوق أيدي القوم محتمل فوهب له عشرة آلاف درهم، ثم قال أتدرون ما استفدنا من الشيخ قالوا لا، قال قوله علانية يعني ظاهرة وهذا حرف لم أسمعه من العرب.
وحكى أن امرأة أحبت رجلاً وكان متمنعاً عنها زماناً فراسلته أن يتزوج بها ففعل وكانت بينهما ألفة شديدة فمكثا على ذلك مدة، فمرض ومات فجعلت المرأة تتردد إلى قبره ولزمته يوماً تبكي وتنشد:
كفى حزناً إلى أروح بحسرة ... وأغدو على قبر ومن في لا يدري
فيا نفس شقي جيب عمرك عنده ... ولا تبخلي بالله يا نفس بالعمر
فما كان يأبى أن يجود بنفسه ... لينقذني لو كنت صاحبة القبر
ثم زادت في النحيب وانكبت على القبر فإذا هي ميتة. وحكى الربيع قال مررت بجارية على قبر تقول:
بنفسي فتى أوفى البرية كلها ... وأقواهم في الموت صبراً على الحب
قال فقلت لها بم صار كذلك قالت كان إذ أعنف في حبي يصبر وإذا لحى عليه يسكت وإذا زاد به الغرام ينشد هذين البيتين:
يقولون إن جاهرت قد عضك الهوى ... وإن لم أبح بالحب قالوا تصبرا
فما للذي يهوى ويكتم حبه ... من الأمر إلا أن يموت فيقبرا
ولم يزل يكررهما حتى مات فها أنا مقيمة على حفظ عهده لا أبرح حتى يتصل القبران ثم صرخت وسقطت فاجتمع النساء فحركنها فإذا هي ميتة، فدفنت إلى جانبه.
وحكى رجل من تميم قال ضلت لي ابل فخرجت في طلبها فإذا أنا بجارية كأنها قمر تغشى بصر من ينظر إليها، فما رأتني قالت مالك؟ قلت ضلت لي ابل فلم أعرف خبرها. فقالت هل أدلك على من عنده علمهن. قلت بلى قالت إن الذي أعطاكهن هو الذي أخذهن وهو أحق بردهن فسله من طريق التيقن لا من طريق الاختبار فأعجبني كلامها ووقفت أنظر إليها ثم راودتها عن نفسها فقالت هبك ليس لك مانع من أدب أمالك زاجر من الحياء فقلت لن يرانا إلا الكواكب. فقالت أين مكوكبها؟ فقلت ألك بعل قالت قد كان ولكن دعي إلى ما خلق له فصار إلى ما خلق منه ثم أنشدت:
إني وإن عرضت أشياء تضحكني ... لموجع القلب مطوي على الحزن
إذا دجا الليل أحياني تذكره ... وزادني الصبح أشجاناً على شجني
وكيف ترقد عين صار مؤنسها ... بين التراب وبين القبر والكفن
ابلي الثرى وتراب الأرض جدّتة ... كأن صورته الحسناء لم تكن
أبكي عليه حنيناً حين أذكره ... حنين والهة حنت إلى وطن
أبكي على من حنت ظهري مصيبته ... وطير النوم عن عيني وأرقني
والله لا أنس حبي الدهر ما سجعت ... حمامة أو بكى طير على فنن
فقلت لها عندما رأيت من جمالها وفصاحتها هل لك في زوج لا تذم خلائقه وتؤمن بوائقه فأطرقت ملياً ثم أنشدت تقول:
كنا كغصنين في أصل غذاؤهما ... ماء الجداول في روضات جنات
فاجتث خيرهما من جنب صاحبه ... دهر يكر بفرحات وترحات
وكان عاهدني إن خانني زمني ... أن لا يضاجع أنثى بعد مثواتي
وكنت عاهدته أيضاً فعالجه ... ريب المنون قريباً من سنيات
فاصرف عنك عمن ليس يردعه ... عن الوفاء خلاف في التحيات
وحكى إبراهيم الموصلي، قال كان كثيراً ما يصف في زلزل جارية عنده فلما مات مولاها وسمعت عرضها للمبيع ركبت حتى دخلت عليها فإذا هي جاريه كاد الغزال أن يكونها لولا ما تم منها ونقص منه فسألتها أن تغني، فأخذت العود وغنت:
اقفر من أوتاره العود ... فالعود للاقفار معمود
وأوحش المزمار من صوته ... فما له من بعدك تغريد
من للمزامير ولذاتها ... وعارف اللذات مفقود
فالخمر تبكي في أباريقها ... والقينة الخمصانة الرود
فركبت إلى أمير المؤمنين فأعلمته بها، فاستحضرها فلما وقعت من قلبه، قال لها هل لك أن أشتريك؟ فقالت أما إذا اشتريتني فلا خير لك فيّ، فرحمها وأعتقها وأجرى عليها مؤونة.
стр. 96
ومن وفاء النساء أن كسرى أبرويز ترك جارية كانت حظية فطلب ولده أخذها فعالجت ناوس كسرى ففتحته ودخلت فمصت خاتماً مسموماً كان في أصبعه فماتت.
القسم الثالث
فيمن خالسته عيون الاماء فأسلمته إلى الفناء وكادت أن تقضي عليه لولا المداركة بالوفاء
ومما ينبغي ذكره هنا مصدر الحكاية المشهورة عن حبابة، وهي جارية في الأصل للأحوص، وقيل لرجل مدني، وأنها كانت تسمى العالية، وأنه دخل بها على يزيد بن عبد الله في خلافة أخيه وعليها ازار له ذنبان وبيدها دف فغنته:
ما أحسن الجيد من ملكية ... واللبات إذ زانها ترائبها
يا ليتني ليلة إذا هجع ... الناس ونام النيام صاحبها
في ليلة لا يرى بها أحد ... يسعى علينا إلا كواكبها
فاشتراها بأربعة آلاف دينار، فبلغ أخافه فعزم على أن يحجر عليه فردها فاشتراها رجل من أفريقية. وقد تولعت بها نفس يزيد وكان قد تزوج سعدى بنت عبد الله بن عثمان وزنجية بنت عبد الله بن جعفر وأمهر كلاً منهما عشرين ألف دينار، فخاف من سليمان الحجر فلم يزل ينتظر حتى انتقلت إليه الخلافة، فأرسلت سعدى مولى لها في طلب حبابة، فبلغه أنها في المدينة فمضى إليها فقيل بمصر، فمضى إليها فقيل بافريقية، فمضى حتى اجتمع بمولاها فاشتراها منه بمائة ألف درهم بعد امتناعه من بيعها، لولا أني أخبرته بأن الخليفة سيأخذها منه قهراً، ولما ارتحل بها مولى سعدى أنشد الافريقي وقد تبعتها نفسه:
أبلغ جبابة أسقي ربعها المطر ... ما للفؤاد سوى ذكراً كم وطر
إن سار صحبي لم أملك تذكركم ... أو عرسوا تستهيم النفس والفكر
ولما مر بها على مكة شيعها الناس، وقيل من المدينة وكانوا مائتي رجل إلى ذي خشب، وسألوها أن تزودهم صوتاً فأنشدت:
سلكوا بطن مخيض ... ثم ولوا راجعينا
أورثوني حين ولوا ... طول حزن وأنينا
ثم كتبت أسماءهم حتى عرضتهم على يزيد فوهب كلاً ألف درهم، ولما وصل بها إلى سعدى ألبستها حللاً ووبهتها جواهر وطيباً كثيراً، ثم قالت للخليفة قد وهبك الله الملك فهل بقي عليك شيء، وهي تعلم ما في نفسه، فقال لا. فقالت بل أنا أعلم فاخبرني عسى أن أوصلك إليه، فقال العالية يعني حبابة. فقالت أوتعرفها إذا رأيتها؟ قال نعم فأخذت بيده حتى أدخلته عليها فسر وعظمت منزلة سعدى عنده، وكان عاهدت حبابة أن لا تدع لها حاجة عند الخليفة إلا فضتها، وأن يجعل الخلافة لولدها ففعلت، وكانت ربيحة قد اشترت سلامة وهي أيضاً جارية كانت لمدني وكان قد رآها يزيد فوقعت من نفسه موقعاً عظيماً، فلما اجتمعنا عنده، قال أنا الآن كما قيل:
فألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عيناً بالاياب المسافر
وأول ما عظمت به عنده أن دخل يوماً فسمعها تغني من وراء الستر ولا علم لها به:
كان لي يا يزيد حبك حيناً ... كاد يقضي عليّ حين التقينا
فكشف الستر فوجدها مستقبلة الجدار فعلم أنها لم تشعر به فألقى نفسه عليها وارتفعت منزلتها عنده وكانت حبابة أجمل نساء زمانها قد حوت اللطافة والمعرفة بالأدب والآلات والغناء وأخذته عن أهله مثل معبد وجميلة وأم عوف وغيرهم وكان يزيد قبل خلافته يختلف إلى أم عوف ويقترح عليها أن تغني:
متى أجر خائفاً تسر مطيته ... وإن أخف آمناً تنبو به الدار
سيروا إليّ وأرخوا من أعنتكم ... إني لكل امرىء من وتره جار
فسأل حبابة أن تغنيه ولم يمكنها الطعن على أم عوف فبكت يزيد بحبه لها بأن غنت أثر الصوت:
أبى القلب إلا أم عوف وحبها ... عجوزاً ومن يحبب عجوزاً يفندا
فضحك وقال لمن هذا فقالت لمالك فكان كثيراً ما يسألها أن تغنيه، فغنت يوماً:
لعمرك أنني لا حب سلعا ... لرؤيتها ومن بجنوب سلع
تقر بقربها عيني وإني ... لأخشى أن تكون تريد فجعي
حلفت برب مكة والهدايا ... وأيدي السابحات غداة جمع
لأنت على التنائي فأعلمته ... أحبّ إليّ من بصري وسمعي
стр. 97
ولما أنشدته البيت الأول تنفست الصعداء، فقال يزيد مالك وله والله لو أردته حجراً حجراً لجئت به إليك فقالت ما أصنع به إنما أريد صاحبه أو ساكنه واقترح عليها وعلى سلامة يوماً أن يغني كل منهما ما في نفسه، ومن أصابت فلها ما تطلب فغنت سلامة فلم تصب وغنت حبابه:
خلف من بني كنانة حولي ... بفلسطين يسرعون الركوبا
فأصابت به ما في نفسه فقال احتكمي، فقالت تهب لي سلامة وما لها، فأبى وقال اطلبي عيرها فأبت إلا هي، فقال أنت أولى بها وبما لها فغمت سلامة لأنها كانت أرفع منها زمن التعليم عند معبد، حتى كان يأمرها أن تدرب حبابة، فذكرتها ذلك فقالت لا ترين إلا خيراً. ثم طلب يزيد شراءها فأعتقتها وزوجتها منه، واختلفتا يوماً في صوت لحنه معبد من شعر لجرير وهو قوله:
ألا حيّ الديار بسعداني ... أحبّ لحب فاطمة الديارا
أراد الظاعنون ليحزنوني ... فهاجوا صدع قلبي فاستطارا
فاستحضره يزيد ليقضي بينهما وقد أخبر أنه إلى حبابة أميل، فقضى لها فقالت سلامة إنما قضيت للمنزلة ولكن ائذن لي يا أمير المؤمنين في صلته لما له علي من الحق فأذن لها فمضى معبد فوجد سلامة قد سبقت حبابة بالضلة ولم تزل تفتقده حتى رجع.
وهذان البيتان غنتهما قينة للفرزدق عند الأحوص، فقال الفرزدق ما أرق أشعاركم يا أهل الحجاز، فقال الأحوص إنما هو لجرير يهجوك به، فقال ويل ابن المرارة ما كان أحوجه مع عفافه إلى صلابة شعري وأحوجني مع شهواتي إلى رقة شعره، وقيل أن معبداً حين حضر عند الخليفة غنى قول كثير:
ألم يأن لي يا قلب أن أترك الهوى ... وإن يحدث الشيب الملم لي العقلا
على حين صار الرأس مني كلما ... علت فوقه نذافة العطب أعزلا
فيا عزان واش وشى بي عندكم ... فلا تكرميه أن تقولي له أهلا
كما لو وشى واش بودّك عندنا ... لقلنا تزحزح لا قريباً ولا سهلا
فأهلاً وسهلاً بالذي شدّ وصلنا ... ولا مرحباً بالقائل أصرم لنا حبلا
فطرب يزيد حتى جعل الوسادة على رأسه، ودار في الدار وهو يقول: السمك الطري أربعة أرطال عند بيطار حيان. فلما رجع إلى مجلسه ذكر اختلافهما السابق لمعبد، فرجع لحبابة كما سبق، فقالت له سلامة يا ابن الفاعلة تعلم أن الحق معي ولكن قضيت للمنزلة، فضحك يزيد وأحسن صلته وكان البيدق من المهرة في الغناء وكان يختلف إلى حبابة. فلما علت عند يزيد قصدها ليستعطيها وسمعت به فأدخلته وقد جلست مع الخليفة، فقالت له إن هذا أبي وشكرت من صوته وأشارت إليه أن يقرأ فقرأ حتى بكي يزيد ثم أومأت أن يغن فغنى شعر سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بتلحين بن شريح.
من لقلب مصفد ... هائم القلب مكمد
أنت زوّدته جوى ... بئس زاد المزوّد
ثاوياً تحت تربة ... وهي رمس بفدفد
غير إني أعلل النف ... س باليوم أو غد
فطرب يزيد فضربه بمدهن من ذهب مفصص بالياقوت، فأشارت إليه أن يأخذه فأدخله في كمه.
فقال يزيد لحبابة انظري إلى أبيك كيف أخذ مدهننا فقالت ما أحوجه إليه، ثم خرج فأمر له بثمانين ديناراً وغنته يوماً الشعر السابق أول القصه، بتلحين ابن شريح فطرب وقال هل رأيت أطرب مني، فقالت نعم معاوية بن عبد الله بن جعفر، فغضب وأحضره فأرسلت حبابة فأعلمته أن لا يطرب إلا عندما تغني الصوت المذكور، فلما غنته رقص وطرب، وجعل يقول الدخن بالنوى فأمر له يزيد بثمانية آلاف دينار.
وقال لها مرة أخرى من أطرب مني، فقالت مولاي الذي باعني فاستحضره مقيداً، فلما دخل عليه وقد أرسلت من عرفه القصة أيضاً غنت فألقى نفسه على الشمعة حتى حرقت لحيته، وهو يقول الحريق يا أولاد الزنا فضحك الخليفة وأكرمه بألف دينار. ثم لم يزل منعكفاً على الاقامة معها، والمحافظة على اللهو والطرب والشرب، وقيل أنه جعل فسقية من الخمر في مجلسه وكان إذا طرب سقط فيها ومزق حلة قيمتها ألف دينار.
стр. 98
قيل ذكر أخوه سليمان بحضرة الرشيد فقال الأصمعي، كان رجلاً نهماً، إذا قدم إليه السماط لا يصبر حتى يبرد بل يتناول اللحم بكمه، وأما أخوه يزيد فكان يسقط في الخمر بثيابه، فقال الرشيد للأصمعي ما أعلمك بالناس، والله إن ثيابهما عندي وإن الدهن في أكمام سليمان وأثر الخمر في ثياب يزيد، ولما استمر على حاله وكان قد ولى الخلافة أثر عمر بن عبد العزيز ﵁ وقد اعتاد الناس العدل والاصلاح ثقل عليهم حاله وتعطلت الحاجات فضجوا فدخل عليه مسلمة أخوه فعنفه ولامه ووعظه وذكره عدل عمر. وقيل أنه قال من نفسه، والله ما عمر بأحوج إلى الله مني فهجر الجواري والشراب أياماً.
وقال لمسلمة أرجو أن لا تعتبني بعد اليوم، ثم جلس للناس فثقل ذلك على حبابة فأرسلت إلى الأحوص فعمل شعراً واستحضرت معبداً فلحنه ثم احتالت على أسماعه الخليفة قيل عارضته وهو خارج إلى الصلاة، وقيل رشت خادماً مقرباً منه فأوقفها بحيث يسمع وأنشدته فطرب وقال مروا مسلمة أو قال صاحب الشرط فليصل بالناس ولعن من يلومه في ذلك وعاد فاعتكف على ما كان عليه، وقيل إن الذي أمره بالكف عن ذلك مولى خراساني، كان ذا رتبة عنده، وأنه قال له سأحضرك معهن وأقول أنك عمي، فإن عنفتني رجعت وفعل فشعرن به وقمن يضربنه فوقاه يزيد ثم قال له أدوم على ذلك أم لا فقال دم فاستمر والشعر الذي أنشده الأحوص هو هذا:
ألا لا تلمه اليوم أن يتلبدا ... فقد غلب المحزون أن يلجلدا
بكيت الصبا جهدي فمن شاء لامني ... ومن شاء آسى في البكاء وأسعدا
وإني وإن فندت الصبا في طلب الصبا ... لا علم أني لست في الحب أوحدا
إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى ... فكن حجراً من يابس الصخر جلدا
فما العشق إلا ما تلذ وتشتهي ... وإن لام فيه ذو الشنان وفندا
وعهدي بها صفراء رود كأنما ... نضى عرق منها على اللون عسجدا
مهفهفة الأعلى وأسفل خلقها ... جرى لحمه من دون أن يتخددا
من المدمجات اللحم خدّا كأنها ... عنان صناع مدمج الفتل عضدا
كأن ذكيّ المسك منها وقد بدت ... وريح الخزامى عرفه ينفح الندا
وإني لأهواها وأهوى لقاءها ... كما يشتهي الصادي الشراب المبردا
فقلت ألا يا ليت أسماء أصقبت ... وهل قول ليت جامع ما تبدّدا
علاقة حب كان في زمن الصبا ... فأبلى وما يزداد إلا تجدّدا
نظرت رحاب الموقرات فكم أرى ... أكاريس يحتلون خاخاً فمنشدا
فأوفيت في نشز من الأرض يافع ... وقد يسعف الايفاع من كان مقصدا
كريم قريش حين ينسب والذي ... أقرت له بالملك كهلاً وأمردا
وليس عطا من كان منه بمانع ... وإن جل عن أضعاف أضعافه غدا
أهان تلاد المال في الحمد أنه ... أمام هدى يجري على ما تعوّدا
تردّى بمجد من أبيه وجدّه ... وقد أورثا بنيان مجد مشيدا
ولو كان بذل المال والجود مخلدا ... من الناس إنساناً لكنت المخلدا
فأقسم لا انفك ما عشت شاكراً ... لنعماك ما طار الحمام وغردا
стр. 99
هكذا وجدت القصيدة وإن بترها المصنف إلا أن في بعض أبياتها تغييراً ففي نسخة بدل إذا لم تكن تعشق. إذا كنت عزهاة عن اللهو والصبا. يعني بالعزهاة بالمهملة فالزاي محب اللهو والطرب وبدل قوله وإني وإن فندت أغرقت، وبدل قوله لكنت المخلدا لكان ولما سمعه قال لحبابة من يقول هذا قالت الأحوص فاستحضره وأحسن صلته وتراسات فيه يوماً هي وسلامة، فغنيتا إلى أن قالت حبابة كريم قريش، فقال يزيد من يعني قالت أنت، فقالت سلامة أسمع باقيه وأكملته فأجزل صلة الأحوص وكانت إذا غنته حبابة الشعر يطرب حتى يقول أحسنت يا حبيبتي أتأمرين أن أطير فتقول له إلى من تكمل الأمة فيقول إليك واشتد طربه بها يوماً فقال لها قد استخلفتك واستعلمت فلاناً عنك، فقالت قد عزلته فقال أوليه وتعزلينه، وقام مغضباً فلم تكترث به وارتفع النهار فدعا خادماً لها فقال له ما تصنع حبابة؟ قال قد اتزرت بازار خلوقي وهي تلعب بلعبها، فقال هل تقدر أن تمر بها علي، ولك حكمك.
فمضى فلاعبها ساعة واستل لعبة وفر فانطلقت في طلبه تخطر حتى مرت عليه فوثب واعتنقها وهو يقول وليته وهي تقول عزلته، واصطلحا وأقاما على ذلك إلى أن قال يزيد يوماً قد بلغني إن السرور لم يصف لشخص يوماً كاملاً وإني مجرب ذلك، ودعا بحجابه فأوصاهم أن لا يدخلوا عليه أحداً واحتجب معها ببستان له بمقربة من الغوطة تسمى ببيت رأس علي.
زعم المؤرخون أن يزيد بن معاوية وضع رأس الحسين بها حين قدموا به فلم يزل معها على عادتهما حتى انتصف النهار وأنه ضاحكها ثم رشقها بعنبة أو حبة رمان، وقيل هي ابتلعتها فشرقت بها فماتت، واشتد غم يزيد وحزنه وأقام ثلاثاً يرشفها ويضمها ولم يقم أحداً لدفنها حتى ضج به القوم وعذلوه فأذن في تجهيزها ثم لم يستطع النهوض إلى الصلاة عليها، فقيل حمل على رقاب الناس، وقيل قال له مسلمة أنا أكفيك مع أنه لم يحضر ثم ضم جويرية كانت تخدم حبابة فأنس بها فقال لها يوماً ههنا كنا نجلس، قالت نعم، فأنشدك
كفى حزناً للهائم الصب أن يرى ... منازل من يهوى معطلة قفرا
وخرج إلى قبرها فبكى طويلاً، ثم تمثل بقول كثير:
فإن تسل عنك النفس أو تدع الهوى ... فباليأس تسلو عنك لا بالتجلد
وكل خليل زارني فهو قائل ... من أجلك هذا ميت اليوم أو غد
ثم مكث خمسة عشر يوماً وعاوده القلق فأمر بنبشها، فقيل منعه أخوه وقال له الناس أنك أتيت في عقلك فيخلعونك فرجع وقيل استخرجها وجعل يقبلها، فقيل له قد تغيرت. فقال أراها أحسن منها اليوم وإنه مات حينئذ وقيل أقام أربعين يوماً ثم مات ودفن في جانبها. قالوا ولم يسبق أن خليفة مات عشقاً سواه، وأما سلامة فأقامت بعدهما حتى توفيت ما قيل في عهد المنصور.
وحكى عن رجل أنه قال دخل علي غلامي ومعه كتاب ففتحته وإذا فيه:
تجنبك البلاء ونلت خيراً ... ونجاك المليك من التموم
فعندك لو مننت شفاء نفس ... وأعضاء فنين من الكلوم
فعلمت أنه عاشق وأمرت بإدخاله فلم يجدوه، فعرضت الكتاب على جواري وقلت من عرفت منكن أمر صاحب هذا فهي له ومائة دينار، فحلفن أنهن لم يعرفن ذلك وبقي الكتاب والدراهم سنة في جانب البيت، فبينا أنا يوماً جالس إذ دخل علي غلامي بكتاب مثل الأول وفيه:
ماذا أردت إلى روح معلقة عند ... التراقي وحادي الموت يحدوها
حبست حاديها ظلماً فجدّ بها ... في السير حتى تخلت في تراقيها
والله لو قيل لي تأتي بفاحشة ... وإن عقباك دنيانا وما فيها
لقلت لا والذي أخشى عقوبته ... ولا بأضعافها ما كنت آتيها
لولا الحياة لبحنا بالذي كتمت ... بنت الفؤاد وأيدينا أمانيها
стр. 100
فطلبته فلم أجده أيضاً فغمني أيضاً أمره، وقلت للخادم لا يأتيك أحد بكتاب إلا قبضت عليه حتى أراه، وكان قد قرب الحاج فلما وقفت بعرفة إذا بشاب على ناقة إلى جانبي وقد أخذ منه النحول والسقم إلا أن عليه آثار الجمال والأدب فسلم علي وقال هل تعرفني قلت زدني قال أنا صاحب الكتابين قلت قد وهبت لك الجارية ومائة دينار فامض وأعرفها وتسلمها فقد تعبت من أمرك. قال لم أطلب شيئاً مما تقول فعرفني اسمها لا كرمها من أجلك، قال ما كنت بالذي يبوح بشيء وانصرف بعد أن أنشد:
لعمرك ما استودعت سري وسرها ... سواها حذار أن تضيع السرائر
أصون الهوى خوفاً عليك من العدا ... مخافة أن يغري بذكراك ذاكر
ومنهم أبو عبد الله الخبشاني عشق جارية سوداء يقال لها صفراء، ومرض من حبها حتى لزم الوساد فقيل لمولاه لو أرسلت بها إليه فعساه أن يجد الشفاء فلما دخلت عليه قالت كيف أصبحت قال بخير ما رأيتك قالت ما تشتهي، قال قربك قالت مما تشتكي؟ قال هجرك قالت فيم توصي؟ قال بك إن سمع لي قالت إني أريد الانصراف، قال لا تعجلي ثواب الصلاة علي، فلما رآها ولت شهق شهقة فمات.
ومنهم شاب بصري قال في النزهة اسمه ظريف بن نعيم الغفاري كان بأعظم حالة من الجمال وأمكن رتبة من المال، وأنه اقترح على أبيه وكان من أكابر تجار البصرة أن يرسله بمتجر إلى بغداد، فمانعه زماناً وكان يقول له نحن غير محتاجين إلى اكتساب بالأسفار فلا تفجعني فيك، فأبى إلا السفر فجهز له حملاً وسار حتى دخل بغداد، فأقام بها مدة يتنزه ويسرح في ملاذها ناظره ويشرح بمنازهها خاطره إلى أن أشار عليه بعض ندمائه بحضور الدكة يعني المكان الذي تباع به الجواري فحضر مع خواص التجار وجيء بجارية بهرت الحاضرين وأشغلت الناظرين.
فكانت كلما أراد أحد تقليبها لم تمكنه من النظر إلى أكثر من عضو واحد وكانت كلما أراد أحد شراءها عابته حتى وقعت عينها على البصري فأحبته وأطعمته بنفسها فساوم مولاها حتى أخذها بمائة ألف درهم ثم انطلق بها إلى منزله.
فلما كان الليل إذا بطارق فخرج فإذا هو صاحب شرطة الحجاج فأخذوه حتى دخلوا به عليه فقال له علي بالجارية التي اشتريتها، فقال أصلح الله الأمير إنها روحي فلا تكن سبب هلاكي. فأمر بالقبض عليه وأرسل من جاء بالجارية، فلما رآها علم أنها لم تبق له إن عرف الخليفة ذلك فوجه بها إلى الشام من ليلتها إلى عبد الملك وحبس الشاب، فلما زال عقله أطلقه وأخذ ماله، فتوجه الشاب إلى دمشق فأقام بها مدة متنغص الحياة، فأراد أن يحتال للاجتماع بالجارية فلم يمكن فوقع في قصة أنه رأى أمير المؤمنين يأمر جاريته نعمى أن تغني لي ثلاثة أصوات اقترحها، ثم يفعل ما شاء. فلما سمع القصة اشتد غضبه ثم عاوده الحلم فلما انصرف الناس أحضر الشاب والجارية، وقال مرها بما شئت، فقال لها غني لي قول قيس بن ذريح لقد كنت حبس النفس إلى أربعة أبيات فغنت فمزق أثوابه، ثم قال لها غني قول جميل:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة
إلى ستة أبيات فغنت فغشي عليه، ثم أفاق فقال غني قول المجنون:
وفي الحيرة الغادون من بطن وجرة
إلى أربعة أبيات فلما غنت قام والقي نفسه من علو شاهق فمات.
فقال عبد الله لقد عجل على نفسه أيظن أني أخرجت جارية وأعود بها خذها يا غلام فاعطها لورثته أو فتصدقوا بها عليه، فلما نزلوا بها نظرت إلى حفيرة معدة للسيل فجذبت يدها من الغلام وهي تقول:
من مات عشقاً فليمت هكذا ... لا خير في عشق بلا موت
وألقت نفسها في الحفيرة فماتت وسأل القوم عن الغلام فقيل أنه قدم من كذا وكذا يوماً ورؤي في الأسواق وهو يقول:
غداً يكثر الباكون منا ومنكم ... وتزداد داري من دياركم بعدا
وقيل إن القصة وقعت بين يدي سليمان بن عبد الملك وأنه اقترح في الصوت الأول قول امرىء القيس:
أفاطم مهلاً بعض هذا التدلل
إلى ثلاثة أبيات وفي الثاني:
غداً يكثر الباكون منا ومنكم
البيتين وفي الثالث:
تألق البرق نجدياً فقلت له ... يا أيها البرق إني عنك مشغول
يكفيك مني عدوّ ثائر حنق ... بكفه كحباب الماء مصقول
وأنه كان يطلب كل مرة النبيذ فيسقي.
стр. 101
ومنهم الشريف البياضي عشق جارية لبنت فخر الملك فأحبها حباً عظيماً وتطاول أمره حتى شاع في الناس ذكره ولم يزل حتى مرضت فمرض أيضاً هو، فلما توفيت طاش عقله وبقي شهراً فما دون ثم لحق بها وله فيها أشعار كثيرة منها:
خليليّ مرّ بالعراق منادياً ... إلا من رأى قلباً من الوجد باليا
وإن أنتما أعييتما في ابتغائه ... ولم تجداه فابغيا لي ناعيا
ومنها:
دع الوقوف على الأطلال والدمن ... فليس ينفع مسكون بلا سكن
أما تراني لا أثني على طلل ... بعد الفراق ولا آوي إلى وطن
وكيف يأنس قلبي بالديار وقد ... أصاب فيها الردى من كان يؤنسني
إن الذين أذاقوني فراقهم ... أفنيت بعدهم دمعي من الحزن
لله من لعبت أيدي المنون به ... ضنا بما فيه أن يبقى على الزمن
جعلت روحي له من روحه عوضاً ... مقيمة معه في ذلك الكفن
فصار كالحي إذ روحي تحل به ... وصرت كالميت إذ لا روح في بدني
وكيف تصحب روحي بعده جسدي ... وكان إن غاب تأبى أن تصاحبني
ومنهم ما أخرجه ابن الجوزي في تنوير العيش عن التنوخي والثوري يرفعانه إلى إسماعيل بن جامع، قال وقع بيني وبين أبي وحشة فذهبت إلى خالي باليمن فكنت عنده في غرفة تشرف على نهر فنظرت يوماً إلى سوداء قد أقبلت تملأ قربة فوضعتها واستراحت ثم أنشدت
إلى الله أشكو بخلها وسماحتي ... لها عسل مني وتبذل علقما
فداوي مصاب القلب أنت قتلته ... ولا تتركيه هائم القلب مغرما
ثم ملأت القربة ومضت فنزلت أعدو حتى لحقتها استعيد الصوت فأبت وقالت إني لفي شغل عن ذلك قلت بماذا قالت علي درهمان فأعطيتها إياهما واستعدت الصوت حتى حفظته، فلما أصبحت فإذا هو قد ذهب مني، وأقبلت السوداء على عادتها فاستعدته منها، فقالت كأنك تستكثره بأربعة دراهم، وقد أخذت عليه أربعة آلاف دينار.
فلما كنا عند الرشيد أو قال عند المأمون وبين يديه أربعة أكياس كل واحد ألف دينار، قال من أطربني فله ألف دينار فغنيته البيتين فرماني بكيس واستعاد الصوت فرماني بالآخر حتى أعطاني الأربعة فحدثته القصة، فقال لم تكذب السوداء.
ومنهم ما أخرجه ابن إسحاق قال انحدرت مع محمد بن إبراهيم من سر من رأى، ودجلة في طغيانها، فأحضر الشراب فاندفعت جارية تغني:
وارحة للعاشقينا ... ما إن أرى لهم معينا
كم يشتمون ويضربو ... ن ويهجرون فيصبرونا
فقالت لها مغنية أخرى فيصنعون ماذا قالت هكذا ورمت بنفسها في الماء وكان على رأس محمد غلام اشتراه بألف دينار فحين رأى فعل الجارية، ألقى بنفسه وهو يقول:
أنت التي عرّفتني ... كيف الهوى لو تعلمين
لا خير بعدك في البقاء ... والموت زين العاشقينا
فدفع من طلبهما فقيل وجدا متعانقين، وقيل استخرجا ودفنا. وفي رواية الحافظ أن القصة وقعت في بيت محمد المذكور وكان على الدجلة، وأن الغلام هو الذي ألقى نفسه حين سمع الجارية فتبعته وأنها غنت هذا الصوت:
يا قمر القصر متى تطلع ... أشقى وغيري بك يستمتع
إن كان ربي قد قضى كل ذا ... منك على راسي فما أصنع
ومنهم شخص كان يهوى مغنية عند عبد الله بن جعفر فشغف بها حتى كان يأتي الباب لسماع صوتها، فلما فطن به زينها ونزل بها إليه فوجده نائماً فنبهه وقال له دونكها فامض بها إلى منزلك، فلما رآها فحص برجله وحرك فإذا هو ميت، وكانت هذه الجارية قد طلبها يزيد فأبى عبد الله أن يدفعها إليه، فقيل أنها ماتت بعد ذلك بيسير وأن موتها كان عشقاً.
القسم الرابع
في ذكرى من حظى بالتلاق بعد تجرع كأس الفراق
وهذا القسم هو الذي ترجمه بمن ساعده الزمان بمطلوبه حتى ظفر بمحبوبه وذلك إما لشفاعة أو جاه حيلة أو عناية أزلية وهم أيضاً بالنسبة إلى النساء أما متعلق بالأحرار أو مرمي بالعشق من جهة الجوار.
стр. 102
فمن الصنف الأول عبد الله بن أبي بكر الصديق عشق عاتكة فكلف بها حتى كاد أن يطير عقله، فلما تزوج بها أقام سنة لا يشتغل بسواها ثم قدم عليه تجارة من الشام فخرج ليتعاطى أمرها، فخيل له حين خرج أنه لم ينظر إلى عاتكة، فعاد في الأثر فجلس معها وترك التجارة، فلما كان يوم جمعة وهو معها إذ فاتته الصلاة وهو لا يدري وجاء أبوه فوجده عندها فقال له أجمعت، فقال وهل صلى الناس، فقال قد ألهتك عاتكة عن التجارة فلم نهتم في ذلك ولم نقل شيئاً وقد ألهتك عن الصلاة طلقها فطلقها طلقة واعتزلت ناحية، فلما كان الليل قلق قلقاً شديداً فأنشد:
أعاتك لا أنساك ما ذر شارق ... وما ناح قمري الحمام المطوّق
لها منطق جزل ورأي ومنصب ... وخلق سوى في حياء ومصدق
فلم أرى مثلي طلق اليوم مثلها ... ولا مثلها في غير شيء يطلق
وكان أبو بكر على سطح يصلي فسمعه فرق له، فقال ارجعها، فقال قد أرجعتها، ثم أشرف على غلام له، فقال له أنت حر وأشهد أني أرجعت عاتكة ثم ضمها إليه وأعطاها حديقة على أن لا تتزوج بعده فلما قتل بالطائف رثته بأبيات منها:
وآليت لا تنفك عيني حزينة ... عليك ولا ينفك جلدي أغبرا
فالله عيناً من رأى مثله فتى ... أكرّ وأحمى في الهياج وأصبرا
إذا شرعت فيه الأسنة خاضها ... إلى الموت حتى يترك الجون أشقرا
وتزوجها عمر بعد أن استفتى علياً في ذلك، فأفتى بأنها ترد الحديقة إلى أهله وتتزوج ففعلت فذكرها علي بقولها، وآليت لا تنفك البيت، ثم قال كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون، ثم تزوجت بعده بالزبير وبعده بالحسين بن علي، حتى قال ابن عمر من أراد الشهادة فليتزوج عاتكة وخطبها علي فقالت إني لأضن بك عن القتل وخطبها مروان بعد الحسين، فقالت ما كنت متخذة حموا بعد رسول الله ﷺ .
ومنهم ما حكاه معبد المغني
قال بينما أنا جالس إذ طرق بابي فقلت للغلام أخرج فانظر من بالباب، فخرج وعاد مستأذناً، فأذنت فدخل غلام فوضع بين يدي ثلثمائة دينار وقال غن لي:
بالله يا طرفي الجاني على كبدي ... لتطفئن بدمعي لوعة الحزن
لا لا أبو حنّ حتى يحجبوا سكني ... فلا أراه ولو أدرجت في الكفن
فعملت لهما لحناً شجياً وغنيته به فأغمى عليه فنضحت عليه الماء، فلما أفاق جعل يقبل يدي ورجلي على أن أعيد الصوت فقلت أخشى أن تموت فقال من لي بذلك فغنيته الصوت فخر مغشياً عليه فلم أزل أنضجه بالورد والطيب حتى أفاق فوضعت الدنانير بين يديه، وقلت خذها وامض عني، فقال لك مثلها إن أعدته فشرهت عيني، فقلت له إن أقمت عندي وأكلت طعامي حتى تقوي نفسك وأخبرتني بقصتك أعدته ففعل وحدثني أنه خرج غب سماء وقد سال العقيق مع فتية إلى منتزه فإذا هم بنسوة بينهن فتاة قد فضحت الشمس بعينين لا يرتدان إلا باقتناص النفس فأوقعت به وعاد مسلوب العقل فأقام لا يعرف لها خبراً حتى كاد أن يقضي عليه فقالت له قرابته، لا بأس عليك إذا أربع الوقت خرجنا بك ولا نعود إلا بخبرها، قال فلما جاء الابان خرجنا إلى المنتزه، فإذا نحن والنسوة كفرسي رهان فقلت لبعض قرابتي قولوا لهذه الجارية لقد أحسن من قال:
رمتني بسهم أقصد القلب وانتنت ... وقد غادرت جرحاً به وندوبا
فقالت الجارية قد أحسن من أجاب:
بنا مثل ما نشكو فصبراً لعلنا ... نرى فرجاً يشفي السقام قريبا
فأمسكت عن الجواب وتبعتها حتى عرفت المنزل فكنا نجتمع ونتحادث إلى أن علم أهلها فحجبوها وخطبتها فامتنعوا محتجين بالشهرة فها أنا على ما ترى. قال معبد فغنيته الصوت، ومضى فلما حضرت مع جعفر غنيته إياه فطرب وسأل عنه فأخبرته القصة فأمرني بإحضاره فأحضرته إليه فطيب قلبه وذهب إلى الخليفة فحدثه بالحديث، فاستحضرتا جميعاً وطلب أن أغنيه الصوت فغنيته فطرب وكتب إلى عامله على الحجاز بإحضار الرجل وأهله، فلما حضروا أمهرها الخليفة وزوجها منه.
ومنهم رجل عذري دخل على معاوية في جمع، فلما أخذ كل مجلسه قام فأنشد:
معاوي يا ذا الحلم والفضل والعقل ... وذا البر والاحسان والجود والبزل
стр. 103
أتيتك لما ضاق في الأرض مسلكي ... وأنكرت مما قد أصيب به عقلي
ففرج كلاك الله عني فإنني ... لقيت الذي لم يلقه أحد قبلي
وخذ لي هداك الله حقي من الذي ... رماني بسهم كان أهونه قتلي
وكنت أرجى عدله إذا أتيته ... فأكثر تردادي مع الحبس والكبل
فطلقتها من جهد ما قد أصابني ... فهذا أمير المؤمنين من العدل
فاستدناه وقال له ما شأنك، قال تزوجت ابنة عمي وكانت من المبررات في الجمال والحياء، فأنفقت عليها إلى أن أملقت، فرفع أبوها القصة إلى ابن أم الحكم فضيق علي السجن والقيود حتى طلقت كارهاً، فأعطى أباها عشرة آلاف درهم وتزوج بها فأتيتك مستغيثاً بعدلك، فكتب معاوية إليه يغلظ عليه ويأمره بالتخلي عنها، ويقول في آخر الكتاب:
ركبت ذنباً عظيماً لست أعرفه ... فاستغفر الله من جور أمرىء زاني
قد كنت تشبه صوفياً له كتب ... من الفرائض أو آيات فرقان
حتى أتاني الفتى العذري منتحباً ... يشكو إليّ بحق غير بهتان
أعطى الإله عهوداً لا أخيس بها ... أولاً فبرئت من ديني وإيماني
إن أنت راجعتني فيما كتبت به ... لأجعلنك لحماً بين عقبان
طلق سعاد وفارقها بمجتمع ... واشهد على ذاك نصر أو ابن ظبيان
فما سمعت كما بلغت من عجب ... ولا فعالك حقاً فعل إنسان
فلما وقف عليه، قال وددت لو خلي بيني وبينها سنة، ثم عرضني على السيف ثم طلقها فأخرجها، فلما وصلت إلى معاوية وقد تعجب الناس من حسنها، وقالوا هذه لا تصلح لأعرابي، إنما تكون لأمير المؤمنين فعجب بها ثم استنطقها، فإذ هي فتنة فقال له هل لك عوض عنها، قال نعم إذا بان رأسي عن بدني، ثم أنشد:
لا تجعلني والأمثال تضرب بي ... كالمستجير من الرمضاء بالنار
أردد سعاد على حران مكتئب ... يمسي ويصبح في همّ وتذكار
قد شفه قلق ما مثله قلق ... وأشعر القلب منه أي أشعار
والله والله لا أنسى محبتها ... حتى أغيب في رمس وأحجار
كيف السلو وقد هام الفؤاد بها ... وأصبح القلب عنها غير صبار
فغضب معاوية من ذلك وخيرها بينه وبين ابن أم الحكم وبين ابن عمها، فأنشدت:
هذا وإن أصبح في اطمار ... وكان في نقص من اليسار
أكبر عندي من أبي وجاري ... وصاحب الدرهم والدينار
أخشى إذا غدرت حر النار ... خل سبيلي ما به من عار
لعلنا نرجع للديار ... وإن عسى نظفر بالأوطار
فقال خذها لا بارك الله لك فيها وأمر أن تقيم إلى تمام العدة، فلما انقضت دفعها إليه مع ناقة وعشرة آلاف دينار.
ومنهم ما حكاه في منازل الأحباب عن بعض الحمدونية، قال صحبت المتوكل إلى الشام، وكنت مغرماً بالفراديس لظرفها، فحين بلغناها قال المتوكل هل لك في أن تتصفح الكنائس والرياض فتتنزه فيها، فقلت نعم، فأخذ بيدي وجعلنا نستقري الأماكن ونشاهد ما فيها من العجائب، وحسن ثياب النصارى، حتى خلوت براهب الكنيسة فجعل الخليفة يسأله عن كل من يمر، حتى أقبلت جارية لم يرمق أحسن منها، وبيدها مجمرة تبخر فسأله عنها فقال هي ابنتي، قال ما اسمها قال شعانين، فقال لها المتوكل يا شعانين اسقني ماء، فقالت يا سيدي ليس هنا إلا ماء الغدران، وأنا لا أستنظفه لك ولو كانت حياتي ترويك لجدت بها، وأسرعت بكوز فضة فأومأ إلي أن أشربه فشربته، ثم قال لها إن هويتك تساعديني، فقالت أنا الآن بإمرتك وأما إذا صدق المحب في المحبة فما أخوفني من الطغيان أما سمعت قول الشاعر:
كنت لي في أوائل الأمر حباً ... ثم لما ملكت صرت عدوّا
أين ذاك السرور عند التلاقي ... صار مني تجنباً ونبوأ
стр. 104
فطرب حتى كاد يشق ثوبه، ثم قال لها هبيني نفسك اليوم فصعدت به إلى غرفة مشرفة على الكنائس، وجاء الراهب بخمر لم ير مثله وعاف المتوكل طعامهم فاستحضر أطعمة من عنده، فلما أخذ منه الشراب أحضرت آله وغنت:
يا خاطباً مني المودة مرحباً ... روحي فداؤك لا عدمتك خاطبا
أنا عبدة لهواك فاشرب واسقني ... واعدل بكأسك عن جليسك إذ أبى
قد والذي رفع السماء ملكتني ... وتركت قلبي في هواك معذبا
فأرغبها حينئذ فأسلمت وتزوجها فكانت من النساء عنده.
ويقرب من ذلك ما حكي عن الوليد بن يزيد أنه عشق نصرانية، وراسلها فأبت عليه فكاد أن يطيش عقله فتنكر يوم عيد للنصارى، وبايع صاحب بستان تتنزه فيه بناة النصارى فأدخله، فلما رأته قالت للبواب من هذا؟ قال لها مصاب، فجعلت تمازحه حتى اشتفى بالنظر إليها، فقيل أتدرين من هذا؟ قالت لا، قالوا لها هو الخليفة، فأجابت حينئذ وتزوج بها وفيها يقول:
أضحى فؤادك يا وليد عميداً ... صباً قديماً للحسان صيودا
من حب واضحة العوارض طفلة ... برزت لنا نحو الكنيسة عيدا
ما زلت أرمقها بعيني وامق ... حتى بصرت بها تقبل عودا
عود الصليب فويح نفسي من ... رأى منكم صليباً مثله معبودا
فسألت ربي أن أكون مكانه ... وأكون في لهب الجحيم وقودا
وفي ذلك يقول أيضاً لما اشتهر أمره بها:
ألا حبذا سعدى وإن قيل إنني ... كلفت بنصرانية تشرب الخمرا
يهون علينا أن نظل نهارا ... إلى الليل لا أولى نصلي ولا عصرا
وكان يقال لم يبلغ مدرك هذا المبلغ لأنه لم يطلب إلا أن يكون صليباً في الزنار.
ومثل ذلك ما حكي عن ابن العباس بن المفضل أنه عشق نصرانية، بدير سرماجيس فكان لا يفارق البيع شغفاً بها، فوجدها يوماً في بستان فجلست معه أسبوعاً فقال في ذلك:
رب صهباء من شراب المجوس ... قهوة بابلية خندريس
قد تجليتها بناي وعود ... قبل ضرب الشماس بالناقوس
وغزال مكحل ذي دلال ... ساحر الطرف سامري عروس
قد خلونا بظبية نجتليه ... يوم سبت إلى صباح الخميس
بين ورد وبين آس جنى ... وسط بستان دير سرماجيس
يتثنى في حسن جيد غزال ... في صليب مفضض أبنوس
كم لثمت الصليب في الجيد منها ... كهلاك مكلل بشموس
وبقرب من ذلك ما حكاه الصلاح الصفدي في تاريخه، قال رأيت بحماة رجلاً وافر الحظ من الخط وقد أوثقه المؤيد ليكتب عنده، فكان لا يمكنه من الخروج فحكى أنه علق نصرانية بشيزر فكان يكتب إلى المغرب بحماة ثم يذهب إليها فيجلس معها إلى الصباح ويأتي وأقام على ذلك طويلاً، وأنها قالت له يوماً أن أحببتني فاكو على رأسك صليباً ففعل وأنا رأيته.
ومنهم الشحمي وهو رجل من فزارة أو هو على زبالة، عشق ابنة عمه وكلف بها وأبى عمه أن يزوجه بها فتسور عليها ليلة فأحس به، فقبض عليه وأتى به إلى خالد القسري فأقام جماعة فشهدوا أنه سارق وسأله فأقر ليسترها فأمر بقطع يده فرفع أخوه إلى خالد رقعة يقول فيها:
أخالد قد وطئت والله عشوة ... وما العاشق المظلوم فينا بسارق
أقر بما يأته المرء أنه ... رأى القطع خير من فضيحة عاتق
ولولا الذي قد خفت من قطع كفه ... لألقيت في أمر له غير ناطق
إذا مدت الكعبان في السبق للعلا ... فأنت ابن عبد الله أول سابق
فتجسس خالد على الأمر فلما استصحه أحضر أباها وأمره أن يزوجها من الغلام فأبى، فأجبره ودفع المهر من عنده.
ومنهم
محمد بن صالح العلوي
стр. 105
قال لما خرجنا على المتوكل أخذت أنا وأصحابي قافلة الحاج فجمعنا مالاً ومتاعاً لا يحصى، وكنت قد جلست على كرسي وأصحابي يجمعون إلي المال إذا أنا بامرأة قد رفعت سجاف هودج فأضاء منها الموضع ولا أضاءته بالشمس فقالت أين الشريف صاحب السرية فلي إليه حاجة قلت انه يسمع كلامك، فقالت أنا حمدونية بنت عيسى ابن موسى تعلم مكاننا عند الخليفة، وأنا أسألك أن تأخذ مني ثلاثين ألف دينار مع أني أعطيتك ما في يدك، ولكن أسألك بفضلك أن لا يكشف لي أحد وجهاً.
فناديت أصحابي، فلما اجتمعوا قلت من أخذ منكم من هذه القافلة عقالاً آذنته بحرب، فردوا حتى الأطعمة وخفرتهم إلى المأمن. فلما ظفر بي الخليفة وحبسني بسر من رأى دخل على السجان يوماً، فقال إن بالباب امرأتين من أهلك يريدان الدخول عليك، ولولا أن دفعتا إلي دملج ذهب ما أذنت لهما، فقد منع الخليفة أن يدخل عليك أحد.
فخرجت فإذا أنا بها مع امرأة وجارية تحمل شيئاً، فلما بصرت بي قالت أي والله هو، وبكت لما أنا فيه ثم قبلت قدمي وقالت لو استطعت أن أفديك بنفسي لفعلت، ولكني لا أقصر في خلاصك ودونك هذه النفقة، ورسولي يأتيك في كل يوم بما تريد حتى يفرج الله عنك، ودفعت إلي خمسمائة دينار وثياباً وطيباً وطعاماً، وانصرفت وقد أضرمت بقلبي نار أقدحتها النظرة الأولى، فأنشدت:
طرب الفؤاد وعاودت أحزانه ... وتشعبت بشعابه أشجانه
وبدا له من بعدما اندمل الهوى ... برق تألق موهناً لمعانه
يبدوا كحاشية الرداء ودونه ... صعب الذرى متمنعاً أركانه
فبدا لينظر أين لاح فلم يطق ... نظرا إليه وصده سجانه
فالنار ما اشتملت عليه ضلوعه ... والماء ما سحت به أجفانه
يا قلب لا يذهب بحلمك باخل ... بالنيل باذل تافه منانه
واقنع بما قسم الاله فأمره ... ما لا يزال على الفتى اتيانه
والبؤس ماض لا يدوم كما مضى ... عصر النعيم وزال عنك أوانه
ولم يزل رسولها يعاودني بالإحسان وملاطفة السجان إلى أن خرجت وعظم أمري عند الخليفة، فخطبتها فامتنع فكان سجن هواها أعظم علي من السجن فلم أر إلا أن أتيت إبراهيم بن المقتدر فأخبرته بذلك وكان أبوها صنيعته، فركب إليه فلم يفارقه حتى زوجني بها ولابن صالح فيها وفي إبراهيم مدائح كثيرة تركتها.
ومنهم
جعد بن مهجع العذري
قال عمرو بن أبي ربيعة أنه كان فتى مغرماً بمحادثه النساء، وحفظ طرف الأخبار وملح الأشعار مع أنه غير عاهر الخلوة ولا سريع السلوة، وكان يحضر الموسم فتقصده الناس لتسمع منه. فانقطع سنة، فسألت عنه العذريين، فقال لي رجل تريد أبا المسهر؟ قلت نعم إياه أعني، فتنفس الصعداء، ثم قال قد أصبح والله كما قال:
لعمرك ما حبي لا سماء تاركي ... صحيحاً ولا أقضي به فأموت
قلت وما به؟ قال مثل ما بك من تيهكما في الضلال. قلت فمن أنت؟ قال أخوه، قلت كأنك وإياه على طرفي نقيض ثم انطلقت أقول:
أرائحة حجاج عذرة روحهم ... ولما يرح في القوم جعد بن مهجع
خليلان نشكو ما نلاقي من الهوى ... متى ما أقل يسمع وإن قال اسمع
فلا يبعدنك الله خلا فإنني ... سألقى كما لاقيت في الحب مصرعي
فلما كان الموسم من قابل وأنا بعرفة رأيت شاباً لم تبق إلا رسومه، فعرفته بناقته فسلمت عليه وسألته عن حاله، فشكا إلي ما به فقلت له إن هذا دعاء فادع الله أن يزيل ما بك، فلم يزل يدعو حتى الغروب فسمعته يقول:
يا رب كل غدوة وروحه ... من محرم يشكو الضحى ولوحه
أنت حسيب الخصم يوم الدوحه
فقلت له وما الدوحة قال. إذا انصرفنا حدثتك، فلما انصرفنا حدثني أن له أخوالاً من كلب وأنه حول ما له إليهم خشية التلف، فأقام معهم وأنه خرج يوماً على فرس وقد صحب شراباً فاشتد الحر ورفعت له دوحة فقصدها ونزل تحتها، فلما استقر حتى بان له شخص عليه درع أصفر وعمامة سوداء، يطرد منحلة وأتانا فقتلهما، وقصد الدوحة ونزل بها فحادثته فخلب عقلي لفظه فدعوته إلى الشراب فشرب وقام ليصلح من شأن فرسه فتزحزح الدرع عن ثدى كحق العاج فقلت امرأة أنت؟
стр. 106
قالت نعم، ولكن شديد العفاف حسنة الأخلاق والمفاكهة فتحادثنا ساعه وأخذها النوم. فوالله لقد هممت بهجر العفة لما داخلني، ثم راجعت المروءة فلما انتبهت وعزمت على الذهاب سألتها عن الزيارة فذكرت أن لها اخوة شرسة وأب كذلك، ثم مضيت وها أنا كما ترى فقلت ثبت نفسك، فإني موصلك إلى مطلوبك، ثم قمت فشددت على ناقتي وصحبت ألف دينار ومطرف ذو قبة خضراء من أدم، ومضينا حتى نزلنا بالشيخ فأحسن ملقانا فقلت له قد أتيتك خاطباً قال فوق الكفاءة أنت والمرغوب في مثله فقلت لم أخطب إلا لصاحبي هذا هو ابن أختكم فقال الحسيب الكريم ولكن أخيرها بينكما قلت ما أنصفتني فأومأ صاحبي إلى أن أدعه، فقلت افعل فخيرها ففوضت الأمر إلي فحمدت الله فزوجتها من صاحبي وأمهرتها ألفاً وكسوت الشيخ المطرف وسألته أن يبني بها من ليلته ففعل وجئته من الغد فقلت كيف كانت ليلتك وكيف وجدت صاحبتك قال أبدت لي كثيراً مما أخفته عني قديماً وسألتها عن ذلك فأنشدت:
كتمت الهوى أني رأيتك جازعاً ... فقلت فتى بعد التصديق يريد
فإن تطرحني أو تقول فتية ... يضير بها برح الهوى فتعود
فوريت عنما بي وفى الكبد والحشا ... من الوجد برح فاعلمن شديد
ومنهم ما حكاه أسدي وهي من العجائب المستلطفة
قالت ضلت لي ابل فطلبتها في قضاعة حتى إذا دهمني الليل أمسيت في بيت تفرست أن كفؤ للضيف فناديت أهله فلبتني امرأة كالشمس جمالاً، وقالت انزل على الرحب، وأجلستني عند نار فاصطليت وأتتني بعشاء كثير فأكلت وهي تحادثني وإذا ابل كثيرة قد أقبلت إلى البيت وقد أقبل شخص فبادرت إليه ومعها ولد تلاعبه فتناوله وجعل يلثمه وأنا أظنه عبداً لقباحته حتى جلس إلى جانبها فقال لها ممن الضيف قالت أسدي فعلمت أنه زوجها، فجعلت أتأمل ما بينهما من المباينة ففطن لذلك فقال كأنك تعجب منا قلت إي والله وأي العجب قال أحدثك بوصولها إلي قلت ما أشوقني إلى ذلك قال أعلم إني كنت سابع سبعة أخوة إذا رأيتني ظننتني عبدهم وكانوا يطرحوني للرعي ونحوهن فضل لنا بعير فقالوا امض في طلبه، فقلت ما أنصفتموني فقال أبي اذهب يا لكع وإلا جعلته آخر أيامك وتهددني بالضرب فمضيت وأنا على أسوأ حالة من البرد والجوع، فدفعني المساء إلى عجوز عليها سمة الخير والشرف، وإلى جانبها هذه العزبة، فجعلت تسخر بي وتقول: هل لك إذا نام الناس أن تدخل علي فأتحدث معك فإني لم أر أحسن منك فقلت دعيني من هذا، وأقبل أبوها واخوتها سبعة فناموا بإزاء الخيمة فأغراني الشبع والدفء فدخلت الستر، فلما شعرت بي قالت من تكون؟ قلت الضيف، قالت أخرج لا حياك الله ولا صبحك، فخرجت فزعاً، فتلقاني كلبهم يريد أن يأكلني وأنا أرده بعصاي حتى علق بجبة صوف علي فتجاذبنا حتى سقطت أنا وإياه في حفرة لا ماء فيها وكانت الصبية شعرت بذلك فأقبلت حتى إذا بصرت بي قالت: وددت والله أن أجعلها قبرك لولا خشية الضرر، ثم أدلت لي حبلاً وقالت لي أرق، فحين قاربت فم الحفرة انهارت من تحت أقدامها، فسقطنا جميعاً.
فلما كان الصباح وافتقدوها فلم يجدوها وكان أبوها عارفاً بما حصل فأقبلوا بالسيوف والأحجار على قتلنا. فقال أبوها إني لاعرف من ابنتي ما لا ريبة فيه، فأمسكونا وأخرجونا فأقبل علي أبوها فقال أفيك خير لأزوجك بها اتقاء الشهرة، فقلت حين شممت الحياة وهل عندي إلا الخير، فزوجني بها على خمسين بكرة وأمة وعبداً، ورجعت إلى أبي فأخبرته بذلك فأحضرها وأقبلت بها إليهم فأخذوها وبنيت بها وها هي تسمع ما أقول.
ومن الصنف الثاني ما حكى عن علي ﵁ أنه كان له مؤذن شاب وكان عنده جارية، وكان إذا رآها المؤذن يقول لها إني أحبك فأخبرت علياً بذلك فقال لها قولي له وأنا أيضاً أحبك، فماذا تريد؟ فقالت له ذلك فقال إذاً نصبر حتى يوفينا أجورنا من يوفي الصابرين أجرهم. ومضت وأخبرت علياً فدعا به وزوجه منها.
стр. 107
وحكى عن عبد الله بن جعفر أنه كان يحب جارية فبلغه أنها تهوى عبداً من عبيده، فقال لها في ذلك فقالت أعيذك بالله من هذا فأقسم عليها أن تصدقه فأطرقت ساكتة فزوجها منه ثم داخله من حبها ما كاد أن يذهب عقله، فدعا الغلام فقال له هل تنزل عنها بعشرة آلاف درهم. فقال ولا مائة ألف. فقال بارك الله لك فيها، فلم يكن إلا قليل ومات العبد فأعادها ابن جعفر، وقيل أنه حين دخل بها أنشد:
رضيت بحكم الله في كل أمره ... وسلمت أمر الله فيه كما مضى
بلاني وأبلاني بحب دنية ... وصبرني حتى انمحى الحب فانقضى
لعمري ما حب بحب ملالة ... ولا كان حبي زائلاً فتنقضا
ولكن حبي معه دل يزينه ... ويعرض أحياناً إذا الحب أعرضا
حكى الرياشي قال اشترى بصري جارية على أرفع ما يكون من الجمال والفصاحة، فكلف بها وكان مثرياً، فأنفق عليها ما في يده حتى إذا أملق ولم يبق معه شيء أشارت عليه ببيعها شفقة عليه.
فلما حضر بها السوق أخذت إلى ابن معمرة، وكان عاملاً على البصرة، فاشتراها بمائة ألف درهم، فلما قبض المال وهم بالانصراف أنشدت:
هنيئاً لك المال الذي قد حويته ... ولم يبق في كفي غير التذكر
أقول لنفسي وهي في غشى كرية ... أقلى فقد بان الحبيب أو أكثرى
إذا لم يكن للأمر عندي حيلة ... ولم تجدي شيئاً سوى الصبر فاصبري
فاشتد بكاء مولاها وأنشد:
فلولا قعود الدهر بي عنك لم يكن ... يفرقنا شيء سوى الموت فاصبري
أروح بهم في الفؤاد مبرح ... أناجي به قلباً طويل التفكر
عليك سلام لا زيارة بيننا ... ولا وصل إلا أن يشاء ابن معمر
فقال ابن معمر للبصري خذها ولك المال فانصرفا راشدين، فوالله لا كنت سبباً لفرقة محبين.
وحكى عن ابن دأب أنه مرض مرضاً شديداً وطال به الأمر فدعوا له أطباء الروم فعالجوه بضروب من العلاج فلم يؤثر فيه شيء فأمروا أهله أن يوكلوا به امرأة تسقيه من الخمر دون السكر لعله يبوح بما عنده، فأرسل إليه عمه جارية، فلما سقته وغنت عنده، أنشد يخاطب الجارية المغنية وحاضنة كانت له يقول:
دعوني لما بي وانهضوا في كلاءة ... من الله قد أيقنت أني لست باقيا
وإذ قد دنا موتي وحانت منيتي ... وقد جلبت عيني إليّ الدواهيا
أموت بشوق في فؤاد مبرح ... فيا ويح نفسي من به مثل ما بيا
فأعلموا عمه بذلك فرحمه، وبعث إليه بجارية ظريفة كثيرة الأدب فاستخرجت ما عنده بلطف، فأخبرها أنه رأى جارية أخته في نومه فعشقها وأصابه هذا الحال، فأعلمت أخته فوهبت له الجارية فبرىء من علته.
وحكى رجل، قال عشق عبد أسود لصديق لي بالمدينة جارية لرجل أيضاً، وكان يواصلها سراً، فلما علم مولاها جاء إلى مولى العبد فأخبره بذلك فضرب العبد وسجنهن فتوله وطار عقله فدخلت عليه يوماً فقلت له ما هذا الحال قد فضحتنا بهذه السوداء فهل عندها ما عندك فبكى وأنشد:
كلانا سواء في الهوى غير أنها ... تجلد أحياناً وما بي تجلد
نخاف وعيد الكاشحين وإنما ... جنوني عليها حين أنهي وأوعد
فخرجت وأعلمت مولاه فحلف لا يبيتن حتى يجمع بينهما فاشتراها باثني عشر ديناراً وزوجها منه.
وحكى عن ابن جعفر أيضاً أن أحب جارية عنده اسمها عمارة وحباً شديداً فكان لا يستطيع فراقها سفراً ولا حضراً، فقدم على معاوية سنة من السنين لأخذ حقه فزاره يزيد فغنت الجارية بحضرتهن فأخذت بمجامع قلبه وتمكن حبها من نفسه وكان ذا دهاء فكتم أمرها.
فلما أفضت إليه الخلافة استشار أهل سره في أمرها، وأنه لا يهنأ له قرار دونها. فقالوا له ابن جعفر عند الناس بمنزلة، وتعرف ما كان عليه مع أبيك، ولا نأمن عليك في ذلك، فالزم المهلة واجتهد في الحيلة فأخذ في تدبير ذلك حتى ظهر له، فأحضر رجلاً عراقياً معروفاً بالدهاء والحيل، وأطلعه على أمره، فقال له مكني مما أريد، ولك علي أن آتيك بها، فقال لك ذلك وسترى مني ما يسرك، ثم أعطاه مالاً وثياباً وجواهر.
стр. 108
وخرج العراقي كبعض التجار حتى نزل بساحة عبد الله بن جعفر وبلغه، فأحسن ملتقاه، وأخذ العراقي في التودد إليه، فأرسل إليه بقماش وجواهر وهدايا تزيد على ألف دينار وساله قبولها، فقبلها ونقله إلى خواصه، فزاد في الهدايا إلى أن صار من ندمائه.
فأحضر الجارية، فلما غنت أعجب بها العراقي حتى قال ما ظننت أن في الدنيا مثل هذه، فقال له كم تساوي عندك؟ قال الخلافة. قال عبد الله تقول ذلك لتزين لي شانها وتطلب بذلك سروري. قال يا سيدي أنا تاجر جمع الدرهم إلى الدرهم ولو بعتنيها بعشرة آلاف دينار لأخذتها، قال قد بعتك. قال اشتريت، وقام العراقي فرحاً بما ظفر به، وبات ابن جعفر متفكراً.
فما أصبح إلا وقد جاء العراقي بالمال، فقال له ابن جعفر أنا كنت مازحاً فقال له يا سيدي أنت تعلم أن المزح في البيع جد وهذا لا يليق بمثلك وأنت معروف بالكرم والصلات، فكيف ترضى أن يشيع عنك مثل هذا.
وطال بينهما الكلام إلى أن خدعه، فأخرجها له وهو كالمجنون لا يملك نفسه، فرحل بها من يومه، وأقام ابن جعفر حزيناً باكياً لا يقر له قرار. فلما دخل العراقي الشام وجد يزيد قد مات، فاجتمع بولده معاوية، فقص عليه الخبر وكان صالحاً، فقال له اخرج عني بها فلا ترني وجهك.
فخرج العراقي وكان قد قال للجارية، أنا لست من رجالك، وإنما أخذتك للخليفة فاستترت فلم ير لها وجهاً، فلما قال له معاوية ما قال جاء إليها وقال قد صرت لي، ولكن استتري فإني معيدك إلى مولاك، ثم رحل بها حتى دخل على ابن جعفر.
فلما تلاقيا أخبره بالقصة وأنه لم يكن تاجراً ولكن كان مطلوبه الجارية ليزيد وأنه حين رآه قد هلك لم ير نفسه أهلاً لها، فأعادها إليه ولم ير لها وجهاً ثم أخذها فسلمها إليه، فلما تلاقيا وتعانقا خرا مغشيين ساعه، ثم أدخلها ورفع منزلة العراقي حتى صار أعظم الناس عنده ووهب له المال، وانصرف وأقاما على ما كانا عليه.
وحكى في الأغاني عن ابن أبي مليكة عن جده، قال كان في المدينة رجل ناسك كثير العبادة، فمر يوماً بجارية تغني شعر أعشى بني قيس وهو:
بانت سعاد فأمسى حبلها انقطعا ... واحتلت العود فالحدين فالفرعا
وأنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصلعا
فهام حتى كاد أن يخرج عقله وذهب إليه عطاء وطاوس يلومانه في ذلك فأنشد:
يلومني فيك أقوام أجالسهم ... فما أبالي اطار اللوم أم وقعا
وسمع ابن جعفر بذلك فاشترى الجارية بأربعين ألف درهم، ثم احضر الناسك وكان الصوت الذي سمعه من الجارية بتلحين عزة الميلاء فأحضرها وقال له تحب أن تسمع الصوت من صاحبته، قال نعم فأمرها فغنت فسقط مغشياً عليه.
فقال ابن جعفر قد أثمنا فيه الماء الماء، فأتى بالماء فجعل ينضحه حتى أفاق، فقال له اسمعه من الجارية، قال قد رأيت ما وقع لي منه مع من لا أحبها فكيف منها فقلل أتعرفها؟ قال وهل أعرف غيرها، فأخرجها له وسلمها إليه وقال هي لك والله ما رأيتها، فقبل يديه ورجليه وقال قد أعدت عقلي وأحييت نفسي ودعا له، فقال يا غلام احمل معه مثل ثمنها مالاً وثياباً وطيباً يتطيب به فأخذ ذلك وانصرف.
وحكى أنه كان ببغداد رجل من ذوي النعم، فعشق قينه على أوفر ما تكون من الجمال والمعرفة بالغناء والضرب، فأنفق عليها ما معه حتى ضاق حاله، فأشار عليه بعض أصدقائه أن يأذن لها في الغناء عند الناس فإنها مطلوبة ويحصل له بذلك الثروة، فغم لذلك وأخبره أن الموت عنده أسهل من ذلك وقالت له الرأي أن تبيعني فتحصل من ثمني على غناك أو أكون أنا في ثروة فإنه لا يشتري مثلي إلا غني.
стр. 109
فحضر بها السوق فاشتراها هاشمي من أهل البصرة بألف وخمسمائة ديناراً فلما قبض المال وتفارقا صار كل منهما على أقبح حال من البكاء، واجتهد في الإقالة، قال فخرجت لا أدري إلى أين أذهب إذ لا يمكنني الدخول إلى البيت وقد أوحش منها، فدخلت مسجداً فجعلت الكيس تحت رأسي، فما انتبهت إلا وشاب قد أخذ الكيس فقمت لأعدو خلفه، فإذا رجلي مشدودة فما تخلصت إلا وقد ذهب فاشتد ما بي فجئت فلففت وجهي وألقيت نفسي في دجلة طالباً أن أغرق، فأنقذني الحاضرون ظانين أني وقعت غلطاً، فلما أخبرتهم بقصتي فمنهم من عنف، ومنهم من رحم، فخلا بي شيخ منهم فوعظني، وقال لست أول من افتقر بعد غنى، أما كفاك ذهاب مالك حتى تذهب نفسك وتصير في النار، فسكن ما بي قليلاً ثم عاودني القلق، فأخبرت صديقاً لي فأعطاني خمسين درهماً، وأشار على أن أخرج من بغداد فعسى أن أجد من أكتب عنده من الأكابر لحسن خطي.
فعزمت على واسط لأن لي بها صديقاً من الكتاب فجئت فرأيت زلالاً مهيأ، فطلبت النزول معهم فقالوا نحملك بدرهمين ولكن الزلال لهاشمي لا يريد معه غريباً فتزيا بزينا كأنك بعض الملاحين فوقع بقلبي أن الزلال للذي اشترى جاريتي فأتسلى حينئذ بصوتها فاشتريت الجبة ولبستها كالملاحين فما وقفت إلا وجاريتي قد أقبلت ومولاها فضربت لها ستارة، فلما انحدروا وجاء العشاء وأكلوا وشربوا، قال للجارية إلى كم هذا الحزن والمدافعة عن الغناء أأنت أول من فارقت مولاها، وأحلوا عليها فأخذت العود وغنت:
بان الخليط بمن علمت فادلجوا ... عمداً لقتلك ثم لم يتحرجوا
وغدت كان على ترائب نحرها ... جمر الغضى في ساعة يتأجج
ثم غلب عليها البكاء ونهضت، فانتفضت وصرعت فنضحوا علي الماء، وأذنوا في أذني فأفقت ولم يزالوا يتلطفون بها حتى عادت فغنت:
فوقفت أنشد بالذين أحبهم ... وكان قلبي بالشفار يقطع
فدخلت دارهم أسائل عنهم ... والدار خالية المنازل بلقع
فشهقت فكادت تتلف وصرعت، فقالوا كيف حملتم مجنوناً اطرحوه، فلحقني أمر عظيم فتصبرت، فلما شارف القوم المنزل في بعض الطريق، أوقفوا الزلال وصعدوا يتنزهون، وخلا الزلال فعمدت على غفلة إلى العود فأصلحته على طريقة معروفة بيني وبينها.
فلما رجعوا وكان الوقت مقمراً تلطفوا بها، وقالوا ترين ما نحن عليه في هذا الوقت فبالله عليك إلا ما انشرحت معنا، فأخذت العود فشهقت شهقة منكرة، ثم قالت هذا العود على طريقة كان يحبها مولاي ويضرب معي، وأنه لمعنا فقالوا لها والله لو كان معنا ما امتنعنا عن عشرته ليخف ما بك، فقالت هو معنا لا محالة، فقالوا للملاحين هل حملتم أحداً، وأشفقت أن ينقطع السؤال.
فقلت أنا يا سيدي فاحضرني، وقال إني والله ما وطئتها وأنا رجل قد وسع الله علي ما أخذتها إلا لسماع غنائها فكن معنا إلى منزلنا فأعتقها، وأزوجك بها ولا أريد منك إلا أن تحضرها كل ليلة وراء ستارة فسمع غناءها وننصرف.
فقلت كيف أمنع ذلك عنك وأنت سبب حياتي، فقال للجارية أرضيت بذلك؟ قالت نعم، وشكرته وزاد سرورها فجعلت تغني وأنا أقترح عليها الأصوات فتضاعف سرور الرجل ودمنا على ذلك حتى بلغنا نهر معقل ليلاً ونحن ثملون، فصعدت حتى ربطت الزلال لقضاء الحاجة، فأخذني النوم ولم يدروا بي حتى سافر، فأفقت بحر الشمس فلم أجدهم، وعدت إلى المحنة، فجاز بي سمارية فنزلت معهم إلى البصرة فدخلتها لم أعرف بها موضعاً ولا أحداً ولم أكن سألت الرجل عن اسمه ولا موضعه.
فرأيت رجلاً من بغداد ماراً فقمت لأشكو إليه حالي، فقال اتبعني فتبعته حتى عرفت موضعهن وجئت به إلى بقال فأخذت منه ورقة لأكتب عن حالي إلى الرجل فاستحسن البقال خطي واسترث حالي وسألني عنه، فلم أشرح له أكثر من أنه لم يبق في يدي شيء، فقال هل لك أن تكتب عندي في كل يوم بنصف درهم وما تحتاج إليه فتضبط مالي، فأجبته فرأى بعد شهر الزيادة بضبطي وحفظي ما كان يسرق له فزاد في إكرامي، فزوجني بعد حول بابنته وأشركني في ماله غير إني في خلال ذلك منكسر النفس حزين القلب.
стр. 110
فلما كان ذات يوم رأيت الناس مجتازين بأنواع الزينة فسألت عن ذلك فقيل عيد الشعانين للنصارى، والناس تخرج للفرجة فوقع في نفسي أن أخرج معهم وأن عسى أن أظفر بأصحابي، فاستأذنت الرجل فأصلح لي ما أحتاج إليه، وخرجت فما وصلت إلا والزلال بعينه في أوساط الناس، فلم أملك إن طرت إليهم فحين رأوني فرحوا بي وقالوا نحن منذ فقدناك ما شككنا أنك غرقت.
فخرجت الجارية من ثيابها وكسرت العود وجزت شعرها. فلما وصلنا البصرة خيرناها فيما تريد، فاختارت لبس السواد وتمثيل قبر تجلس عنده تبكي، ثم أخذوني وأدخلوني عليه وهي على تلك الحالة، فلما رأتني شهقت شهقة ما شككت في موتها.
فلما أفاقت قال مولاها قد وهبتها لك، قلت لا ولكن افعل ما تقدم من العتق والتزويج، ففعل بالشروط السابقة وأعطاني ثياباً وخمسمائة دينار، وقال هذا مقدار ما كنت أجريه عليك إلى اليوم وهو مستمر لك فجئت إلى البقال فأعلمته بذلك وطلقت ابنته وأقمت مع الجارية في أحسن حال.
وحكى أن جعفر بن يحيى حين قدم البصرة مع الرشيد، قال لاسحاق بن إبراهيم قد بلغني أن هنا جارية لم ير مثلها لكن لا يريها مولاها إلا في بيته فاخرج بنا ننظر إليها، فخرجنا والنخاس مستخفين حتى طرقنا الباب فخرج شاب متغير اللون في ثوب خشن فأدخلنا داراً خربة، ففرش لنا حصيراً وأجلسنا ورحل، فخرجت جارية بذلك الثوب إلا أنها تفوق الشمس حسناً وجمالاً فأخذت العود وغنت:
أن يمس حبلك بعد طول تواصل ... خلقاً وبيتك موحشاً مهجورا
فلقد أراني والجديد إلى البلا ... دهراً بوصلك راضياً مسرورا
كنت المنى وأعز من وطىء الحصى ... عندي وكنت بذاك منك جديرا
ثم غلبها البكاء حتى منعها الغناء، فنهضت إلى البيت تعثر في القميص، فسمعنا لهما بكاء وشهيقاً، ثم خفيت أصواتهما حتى ظننا أنهما قبضا، ثم خرج الشاب بالثوب بعينه، وقال أشهدكم أنها حرة وأريد أن تزوجوني بها ففعلوا وغم جعفر لفواتها، وقال له ما حملك على هذا قال حديثي طويل إن شئت حدثتك به، قال قل فقال أنا ابن فلان، وقد كنا من ذوي العلم وهذا يعرف ذلك وأشار إلى النخاس.
ثم قال وكانت هذه الجارية لأمي فنشأت أنا وإياها فادخلنا المكتب فبرعنا في الأدب وأخرجت هي لتعليم الغناء فلم أطق فراقها فصرت معها، فلما برعت فيه طلبت أمي بيعها فأيقنت بالموت فصدقتها الخبر فوهبتها لي وجهزوها لي ودخلت بها بعد أن امتنعت من تزويج بنات الأكابر وأظهرت الزهد والعفة كل ذلك لقصور شهوتي عليها، والناس يظنونه عفة. فأقمنا في أرغد عيش إلى أن مات أبي فلم أحفظ النعمة، فأنفقت الأموال وأكثرت من الهبة وأسرفت حتى لم يبق عندي إلا هذا الثوب أتناوبه أنا وإياها، فأشفقت عليها فقلت لها حين دخل الخليفة الرأي أني أبيعك واعلم أني هالك أثر ذلك، ولكني أختار أن تعيشي بخير.
فلما عرضت عليكم ودخلت إلي، قالت لو كان عندك مني ما عندي منك ما ذكرت بيعاً، فقالت أتحبين أن أعتقك وأتزوج بك وتقيمي معي على هذا الحال. فقالت إن كنت صادقاً في الحب فافعل، فخرجت وفعلت ذلك، فعذره جعفر، قال إسحاق: فلما ركبنا قلت له أنت تبزل الأموال وتغني المحاويج أفلا ترق لهذا؟ قال بلى. ولكن قد غبت لفوت الجارية، ثم التفت إلى النخاس وقال كم صحبت من المال؟ قال ثلثمائة ألف دينار، قال أدفعها إليه وأمره أن يأتيني غداً وفلما أعطاه النخاس المال وأخبره أن الذي كان عنده جعفر وأنه يدعوك إليهن كاد أن يطير فرحاً وأقبل إليه من الغد وقد تزين فأخبر به الخليفة، فأجرى عليه رزقاً وجعله من الكتاب، لما رأى عنده من الظرف والأدب وأمر كلاً من العسكر أن يهاديهه ففعلوا وأقام في النعم.
وأغرب من ذلك، ما حكى أن أندلسياً كان مغرماً بجارية يحبها حباً شديداً وأنه أراد بيعها لوحشة، فلما حقت الصفقة كاد أن يطير عقله فحكم المشتري في ماله فأبى فتشفع عنده بأكابر بلدته فلم يجب، فمضى إلى الملك وأخبره بحاله، فأحضر المشتري وشفع عنده وبذل له مالاً كثيراً فامتنع وادعى محبتها.
следующие страницы →