← Адаб

Адаб · id 630

تزيين الأسواق في أخبار العشاق

داود الأنطاكي

Полный текст (204 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

يا قلب ويحك كم تخا ... دع بالغرور وكم تغر والام تكلف بالأغن ... من الظباء وبالأغر ريم يفوّق إن رما ... ك بسهم ناظره النظر تركتك أعين تركها ... من بأسهنّ على خطر ورمت فأصمت عن ... قسيء لا يناط بها وتر جرحتك جرحاً لا ... يخيط بالخيوط ولا الابر تلهو وتلعب بالعقو ... ل عيون أبناء الخفر وكأنهنّ صوالح ... وكأنهنّ لها أكر تخفي الهوى وتسرّه ... وخفي سرك قد ظهر أفهل لوجدك من مدى ... يفضي إليه فينتظر نفسي الفداء لشادر ... أنا من هواه على خطر عذل العذول وما رآ ... هـ فحين عاينه عذر قمر يزين ضوء الصب ... ح جبينه ليل الشعر ترمي اللواحظ خده ... فيرى لها فيه أثر هو كالهلال ملثماً ... والبدر حسناً إن سفر ويلاه ما أحلاه في ... قلبي الشقي وما أمر نومي المحرّم بعده ... وربيع لذاتي صفر بالمشعرين وبالصفا ... والبيت أقسم والحجر وبمن سعى فيه وطا ... ف به ولبى واعتمر لئن الشريف الموسوي ... ابن الشريف أبي مضر أبدى الجحود ولم ... يردّ إلى مملوكي تتر واليت آل أمية الط ... هر الميامين الغرر وجحدت بيعة حيدر ... وعدلت عنه إلى عمر وإذا جرى ذكر الصحا ... بة بين قوم واشتهر قلت المقدّم شيخ تيم ... ثم صاحبه عمر ما سل قط ظبى على ... آل النبي ولا شهر كلا ولا صدّ البتو ... ل عن التراث ولا زجر وأثابها الحسنى ولا ... شق الكتاب ولا بقر وبكيت عثمان الشهيد ... بكاء نسوان الحضر وشرحت حسن صلاته ... جنح الظلام المعتكر وقرأت من أوراق مص ... حفه براءة والزمر ورثيت طلحة والزبير ... بكل شعر مبتكر وأزور قبرهما وأز ... جر من لحاني أو عذر وأقول أم المؤمنين ... عقوقها إحدى الكبر ركبت على جمل لتص ... بح من بنيها في زمر وأتت لتصلح بين جي ... ش المسلمين على غرر فأتى أبو حسن وسل ... حسامه وسطا وكرّ وأذاق اخوته الردى ... وبعير أمهم عقر ما ضره لو كان كف ... وعف عنهم إذ قدر وأقول إن أمامكم ... ولى بصفين وفر وأقول إن أخطأ معا ... وية فما أخطأ القدر هذا ولم يغدر معا ... وية ولا عمرو مكر بطل بسوءته يقا ... تل لا بصارمة الذكر وجنيت من رطب النوا ... صب ما تتمّروا ختمر وأقول ذنب الخارج ... ين على عليّ مغتفر لا ثائر بقتالهم ... في النهر وان ولا أثر والأشعريّ بما يؤو ... ل إليه أمرهما شعر قال انصبوا لي منبراً ... فأنا البريء من الخطر فعلا وقال خلعت صا ... حبكم وأوجز واختصر وأقول أن يزيد ما ... شرب الخمور ولا فجر ولجيشه بالكف عن ... أبناء فاطمة أمر والشمر ما قتل الحسين ... ولا ابن سعد ما غدر وحلقت في عشر المحرّم ... ما استطال من الشعر ونويت صوم نهاره ... وصيام أيام أخر

стр. 142

ولبست فيه أجل ثو ... ب للملابس يدّخر وسهرت في طبخ الحبو ... ب من العشاء إلى السحر وغدوت مكتحلاً أصا ... فح من لقيت من البشر ووقفت في وسط الطر ... يق أقص شارب من عبر وأكلت جرجير البقو ... ل بلحم جونيّ الجفر وجعلتها خير المآ ... كل والفواكه والخضر وغسلت رجلي كله ... ومسحت خفي في السفر وأمين أجهر في الصلا ... ة كمن بها قبلي جهر وأسنّ تسنيم القبو ... ر لكل قبر محتفر وإذا جرى ذكر الغدير ... أقول ما صح الخبر ولبست فيه من الملا ... بس ما اضمحل وما اندثر وسكنت جلق واقتديت ... بهم وإن كانوا بقر وأقول مثل مقالهم ... بالفاشريا قد فشر مصطيحتي مكسورة ... وفطيرتي فيها قصر بقر ترى برئيسهم ... طيش الظليم إذا نفر وخفيفهم مستثقل ... وصواب قولهم هذر وطباعهم كجبالهم ... خبثت وقدت من حجر ما يدرك التشبيب تغر ... يد البلابل في السحر وأقول في يوم تحا ... ر له البصيرة والبصر والصحف ينشر طيها ... والنار ترمي بالشرر هذا الشريف أضلني ... بعد الهداية والنظر ما لي مضل في الورى ... إلا الشريف أبو مضر فيقال خذ بيد الشر ... يف فمستقرّ كما سقر لواحة تسطو فما ... تبقي عليه ولا تذر والله يغفر للمسيء ... إذا تنصل واعتذر فاخش الاله بسوء فعلك ... واحتذر كل الحذر وإليكها بدوية ... رقت لرقتها الحضر شامية لو شامها ... قس الفصاحة لافتخر ودرى وأيقن أنني ... بحر وألفاظي درر حبرتها فغدت كزهر ... الروض باكره المطر وبديعة كبديعة ... عذراء ترفل في الحبر وإلى الشريف بعثتها ... لما قراها وانبهر ردّ الغلام وما استمر ... على الجحود ولا أصر وأثابني وجزيته ... شكراً وقال لقد صبر فلما وصلت القصيدة إلى الشريف ضحك وقال قد أبطأنا عليه فهو معذور وجهز الملوك مع هدايا حسنة فمدحه مهذب الدين فقال: إلى المرتضى حثّ المطيّ فإنه ... إمام على كل البرية قد سما ترى الناس أرضاً في الفضائل عنده ... ونجل الزكيّ الهاشمي هو السما وذكر ابن حجة أن مهذب الدين حين هادى الشريف كان ببغداد قوله وأقول مثل مقالهم يفسره ما بعده من الكلمات المهملة التي تستعملها أهل دمشق في الخلاعة المصطيحة خشبة في الأصل تجعل تحت دود القز، وأهل دمشق يسمون الصولجان المنقوش مصطيحة ويكون معهم في المواسم وقد تظرف في المبالغة والمجون والخلاعة حيث اللفظ فنسب القصر إلى الفطيرة والكسر إلى المصطيحة والمستعمل العكس فإنهم يضعون الصوالج قائمة في لعبة، فمن جاء صولجانه قصيراً أخرج من اللعبة فيقول مصطيحتي قصيرة وكذا في لعب الفطير يرد من فطيرته مكسورة وقوله وإلى الشريف بعثتها إلى آخر القصيدة قد يتوهم أنه ملحق بعد رد المملوك وليس كذلك وإنما قاله تفاؤلاً وحسن ظن بالشريف واعتماداً على شهامته وهذا من مكر مهذب الدين لعلمه بسجايا الشريف. القسم الرابع في ذكر من منعه الزهد والعبادة أن يقضي من محبوبه مراده قد رأينا أن نجعل هذا القسم كالاستغفار بعد الذنوب، والكفارة لمن عزم أن يتوب لاشتماله على ذكر أقوام عصمهم الله من الوقوع في الخطأ وأسبل عليهم الغطا، وهو نوعان:

стр. 143

الأول فيمن سلم من القضاء الجاري فعصم عن الجواري في الصحيحين عنه ﷺ قال بينما ثلاثة نفر ممن كان قبلكم يمشون إذا أصابهم مطر فأووا إلى غار فانطبق عليهم فقال بعضهم لبعض أنه والله يا هؤلاء لا ينجيكم إلا الصدق فليدع كل رجل منكم بما يعلم أنه قد صدق فيه فقال واحد منهم اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أجير عمل لي على فرق من أرز فذهب وتركه وإني عمدت إلى ذلك الفرق فزرعته فصار من أمره أني اشتريت منه بقراً وراعيها وأنه أتاني يطلب أجره فقلت أعمد إلي تلك البقر فسقها. فقال لي عندك فرق من أرز. فقلت له أعمد إلى تلك البقر فإنها من ذلك الفرق فساقها فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا فانساخت عنهم الصخرة، فقال الآخر اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أبوان كبيران وكنت آتيهما كل ليلة بلبن غنم لي فأبطأت عنهما ليلة فجئت وقد رقدا وأهلي وعيالي يتضاغون من الجوع وكنت لا أسقيهم حتى يشرب أبواي فكرهت أن أوقظهما وكرهت أن أدعهما فيستكنا لشربتهما فلم أزل أنتظر حتى طلع الفجر فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا فانساخت عنهم الصخرة حتى نظروا إلى السماء، فقال الآخر اللهم إن كنت تعلم أنه كانت لي ابنة عم من أحب الناس إلي وإني راودتها عن نفسها فأبت إلا أن آتيها بمائة دينار فطلبتها حتى قدرت عليها فأتيتها بها فدفعتها إليها فأمكنتني من نفسها. فلما قعدت بين رجليها قالت اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه فقمت وتركت المائة دينار فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا ففرج الله عنهم فخرجوا. وحكى أن رجلاً افتتن براهبة فتسور إليها وراودها فلم تمكنه إلا بعد جهد، فلما قدر عليها جعلت يدها في مجمرة فاحترقت. فقال لأي شيء فعلت هذا؟ قالت خفت أن أشاركك في اللذة فأشاركك في المعصية فحلف لا يعصي الله بعدها وتاب. وحكى أن رجلاً عشق جارية فزاد حبه لها ولم يتمكن منها وأن أهلها أرسلوها لحاجة فتبعها وراودها. فقالت إني أحب لك منك لي، ولكني أخاف الله. فقال أتخافينه ولا أخافه، ورجع فناله عطش كاد أن يأتي عليه، فلقيه رسول لبعض الأنبياء فشكا ذلك إليه فقال له هلم ندعو الله أن تظلنا سحابة حتى نصل القرية. قال ليس لي عمر فقال الرسول أنا أدعو وأنت آمن وفعلا فأظلتهما سحابة حتى انتهيا إلى القرية فدعاه الرسول إلى بيته فتبعتهما السحابة. فقال له تقول ما لي عمل وقد تبعتك أخبرني ما فعلت فأخبره فقال إن التائب عند الله أحسن من العابد. وحكى أن عمر بن عبد العزيز عشق جارية لزوجته فاطمة بنت عبد الملك وزاد فيها غرامه فطلبها منها فأبت عليه، فلما أفضت إليه الخلافة زينتها بأنواع الزينة، ثم قالت يا أمير المؤمنين قد كنت أمسكت هذه عنك والآن فقد وهبتا لك فسر بها سروراً بالغاً. ثم قال اخلعي ثيابك فحين همت أجلسها، ثم قال لها من أين جيء بك في الأصل قالت اغتصب الحجاج مال عامل فاصطفاني منه وأرسلني لعبد الملك فوهبني لأبنته فقال أحي هو؟ قالت لا. قال هل له ورثة؟ قالت ولد، فأحضره وأمره أن يذكر ما أغرم الحجاج أباه وأعطاه عمر ﵁ ذلك الجارية وقال له احذر أن يكون أبوك نالها. فقال هي لك يا أمير المؤمنين فأبى فقال أتبيعها؟ فأبى، فقالت الجارية أين وجدك بي؟ قال قد زاد ولكني أنهي النفس عن الهوى وحكى أن امرأة كانت في بني إسرائيل قد حازت ثلث الحسن، وكانت لا تمكن من نفسها إلا بمائة دينار، فأعجبت شخصاً فمضى فجمع مائة دينار وجاء إليها فقالت ادفعها إلى الجهبذ يعني الناقد ففعل، فلما نقدها تهيأت وجلست على سرير من ذهب فحين تمكنها منها أخذته الرعدة فقالت خل عنك ولك المائة فقال أجبتك. فجمعت المال وجاءت به وقالت لئن صدقت فليس لي زوج غيرك فخرج فباعت متاعها وجاءته فحين رآها شهق شهقة فمات. فقالت أما هذا فقد مات فهل له أحد قالوا أخ فتزوجت به إكراماً له. قال ابن عباس فجاء منها سبعة أنبياء.

стр. 144

وأما قصة بشر وهند فقد آلت بها الشهر إلى أن أفردت بالتأليف وحاصلها أن بشراً رجل من أسد ذكره الحافظ ابن حجر في القسم الأول من الاصابة، وهند جهنية قيل ذكرت في حديث ساقط وكانت بالمدينة في ممر بشر إلى رسول الله ﷺ فعلقته وتعرضت إليه بمراسلات بأشعار أظنها موضوعة لاهمالها فلذلك حذفتها، فلما رأى بشر الحاحها هجر الممر وصار يأتي من غيره فلزمت الوساد وهم زوجها أن يدعو لها الأطباء فنهته وقالت أنا أعرف علتي، فلما علمت الطريق التي يمر منها بشر أخبرت زوجها أنها رأت في نومها أنها متى سكنت في موضع كذا شفيت فنقلها من وقتها فكانت تنظر إليه فبرئت وأطلعت عجوزاً على أمرها فوعدتها أن تجمعها به، ثم وقفت له فسألته أن يقرأ لها كتاباً أو يكتبه ففعل وهند تسمع، ثم قالت له العجوز أراك مسحوراً وما قلت لك إلا عن يقين ثم وعدته أن يأتيها يوماً لتنظر له فيما يصلح له وقالت لهند قد سمعت فنهيء. فلما خرج زوجها إلى بعض القرى وقد وعدت العجز بشراً فجاء حين جلس أدخلت هنداً عليه وأغلقت الباب فجاء زوجها فحين رآه، طلقها ثم مضى به إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله سل هذا لم دخل بيتي فقال بشر والذي بعثك بالحق ما كفرت منذ أسلمت، ولا زنيت مذ عرفتك، ولكن القصة كذا وكذا فأدب العجوز وقال أنت أصل البلية وانصرفوا فلم يمكث بشر حتى ابتلى بحب هند وراسلها فامتنعت فلم يزل حتى مات، فجاءت فحين رأته سقطت ميتة ودفنا معاًن فجاءت العجوز إلى النبي ﷺ معتذرة فأخلصت توبتها. وفي امتزاج النفوس عن رجل من أصحاب الحديث قال دخلت ديراً كنت أعرف فيه راهباً معروفاً بالأخبار فوجدته مسلماً وجميع من في الدير، فسألته عن السبب فقال عشقت جارية منا غلاماً عابداً وافتتنت به ودعته إليها فأبى، فلما زاد بها الوجد أعطت مصوراً مالاً فنقش لها صورته فكانت تقبلها وتبكي كل يوم إلى الغروب وتنصرف فبلغها موت الغلام فعملت مأتمه ثم التزمت لثم الصور، فلما أصبحنا وجدنا ميتة إلى جانبها وعلى يدها مكتوب: يا موت دونك روحي بعد سيدها ... خذها إليك فقد أودت بما فيها أسلمت وجهي للرحمن مسلمة ... ومت موت حبيب كان يعصيها لعلها في جنان الخلد يجمعها ... يوم الحساب ويوم البعث باريها مات الحبيب وماتت بعده كمداً ... محبة لم تزل تشفي محبيها قال فشاع ذلك حتى بلغ المسلمين فأخذوها ودفنوها إلى جانبه فرأيتها في النوم فقلت ما فعل الله بك فأنشدت: أصبحت في راحة مما جنته يدي ... وبت جارة فد واحد صمد محا الإله ذنوبي كلها وغدا ... قلبي خلياً من الأحزان والكمد لما قدمت على الرحمن مسلمة ... وقلت أنك لم تولد ولم تلد أثابني رحمة منه وأسكنني ... مع من هويت جناناً آخر الأبد فعلمت أن الإسلام حق فأسلمت وأسلم أهل الدير بسببها. وحكى الشيزري في روضة العشاق عن راهب أسلم، وكان اسمه عبد المسيح، قال سئل عن سبب إسلامه؛ فحكى أنه كان عندهم جارية نصرانية تبيع الخبز أحبها شاب مسلم واشتد حاله في حبها فسلطت عليه الصغار فضربوه، فلما علمت صدقه عرضت عليه نفسها في الحرام فأبى، فعرضت عليه التنصر فأبى فأمرت الصغار بضربه حتى مات وهو يقول: اللهم اجمع بيننا في الجنة فرأته في النوم وقد انطلق بها إلى الجنة فمنعت لأجل الاسلام فأسلمت، ودخل بها فأراها قصر من اللؤلؤ، وقال هذا لي ولك وستأتي بعد خمس ليال، فاستيقظت فأسلمت ولزمت قبره حتى ماتت بعد خمس ليال فأسلمت لذلك. وحكى ابن عاصم قال: قال لي بعض أصحابي بالكوفة هل لك أن تنظر إلى عاشق فقلت نعم. فإني أسمع الناس يذكرون العشق فمضى بي إلى دار فرأيت شاباً مطرقاً ساكتاً يكلمه الناس ولا ينطق وعلى يده وردة حمراء فقال صاحبي كأن فلانة أرسلتها إليك فحين سمع ذكرها رفع رأسه وأنشد: جعلت من وردتها ... تميمة في عضدي أشمها من حبها ... إذا علاني كمدي فمن رأى مثلي فتى ... بالحزن أضحى مرتدي أسقمه الحب وقد ... صار حليف الأود وصار سهواً دهره ... مقارناً للكمد

стр. 145

فنهضنا فما بلغنا الباب حتى مات فرجعنا لنشهده فحين دفناه أقبلت جارية مسفرة ما رأيت أحسن منها، فما تركت تراباً على القبر حتى جعلته على رأسها فجاء قوم فجروها فقلت ارفقوا بها فقالت دعهم يبلغوا همتهم، فوالله لا ينتفعون بي، فما انقضى اليوم حتى ماتت فسألت عن القصة فقالوا أنه كان يعشقها فبذل في شرائها ملكه فأبوا عليه حسداً أن يكون عنده مثلها فأرسلت إليه تقول مرني بما شئت، فأرسل إليها أن الزمي طاعة ربك ومولاك وأقبل على الزهد وهو مع ذلك لا يفتر عن ذكرها حتى بلغ إلى ما رأيت. النوع الثاني في ذكر من بغله زهده الأمان فعصمه عن الغلمان وهؤلاء قوم جرت عليهم خصال البشر حتى افتتنوا باستحسان بعض الصور ثم عند إرادة النزوع ومقاربة الوقوع كشفت لهم حقائق الأحوال عن قبيح عواقب الأفعال فرجعوا إلى أنفسهم فذكروها خشية الله فزجر كل نفسه حتى غلب على هواه. قال بعضهم مررت بمدائن قوم لوط فأخذت منها حجر الحاجة فحين نزلت في دار جعلته في طبقة، فجاء رجل ومعه غلام ولم يشعر بي فقضى منه وطراً فسقط الحجر عليه فمات فتعجبت من ذلك. فمن المذكورين صوفي يسمى المهرجان كان مجوسياً ثم حسن إسلامه قال من شهده رأيته ببيت المقدس ومعه غلام جميل ينام إلى جانبه ثم يقوم فزعاً فيصلي ما شاء وينام وكان يفعل ذلك مراراً كل ليلة فإذا طلع الفجر قال اللهم أنت تعلم أن الليل قد مضى علي سليماً لم أقترف فيه فاحشة ولا كتبت الحفظة علي فه معصية وإن الذي أضمره في قلبي لو حملته الجبال لتصدعت أو كان بالأرض لتدكدكت، ثم يا ليل اشهد بما كان مني فيك فقد منعني خوف الله عن طلب الحرام والتعرض للآثام ثم يقول سيدي أنت جمعت بيننا على تقى فلا تفرق بيننا يوم تجمع الأحباب، فقلت له قد سمعتك تقول كذا وكذا فما الذي يدعوك إلى عشرة من تخاف على نفسك منه فبكى وذكر أن مقصوده بذلك امتحان نفسه. وعالج بعضهم نفسة في صحبة الأحداث بالهجر، قال أبو حمزة رأيت صوفياً يصحب غلاماً دهراً طويلاً ثم هجره، فسألته عن ذلك فقال وجدت نفسي عند الخلوة به تحدثني بما يسقطني من عين الله ففارقته ليثيبني الله ثواب الصابرين عن محارمه ويجمع بيننا في دار الكرامة. قال ورأيت أيضاً رجلاً ومعه غلام يصحبه فمات الرجل فلم يبرح الفتى محزوناً فقلت له ما أراك تسلو عن صاحبك، فقال كيف أسلو عن شخص أحسن تأديبي وعصمتي من الفسق. وحكى أبو حمزة الصوفي قال نظر رجل صوفي إلى غلام جميل فافتتن به فأقعد فكنا نأتيه ونسأله عن حاله فلا يخبر به، وبلغ الغلام حاله فعاده فهش له وضحك فأكثر من زيارته، فقام وذهب مرضه فعزمه الفتى يوماً فأبى أن يذهب معه فقلت له لأي شيء امتنعت، فقال لست معصوماً، وأخاف أن تحدثني نفسي عند الخلوة بما يحجبني عن الله. وحكى أيضاً، قال صحب محمد بن قطن الصوفي غلاماً زمناً طويلاً، فلما مات الغلام نحل حتى بدا عظمه، فرأيته يوماً وقد وقف على قبره يبكي والسماء تمطر فما برح حتى جئت في الغد فوجدته ميتاً فدفنته إلى جانبه. وصحب أبو الحسن غلاماً كأنما خلق الحسن على صورته أو خلق من نفس من ينظر إليه فكان يأتي به إلى بيته فتحدث الناس فيهما فمنع الغلام أهله من صحبة أبي الحسن فنحل حتى شارف الموت فأنشد: يا من بدائع حسن صورته ... تثنى إليه أعنة الحدق لي منك ما للناس كلهم ... نظر وتسليم على الطرق لكنهم سعدوا بأمنهم ... وشقيت حين أراك بالفرق ولم يزل حتى مات وغالب هذا الباب من رواية أبي حمزة عنهم والكل متقارب مكرر. انتهى ما أردنا تحريره من أحوال العشاق على اختلاف أنواعهم. خاتمة في ذكر ما عولج به العشق من الدوا وقصد به السلو عن الهوى وهو الباب الرابع من الكتاب، قد سبق في صدر الكتاب أنه لا علاج للعشق على الأصح إلا دوام الوصال ما لم يتمكن أو يوقع الحبال، فمن العلاج ما ذكر عن عمر ﵁ أنه عالج بالتغريب وتشويه الخلقة وذلك أنه مر ليلة في المدينة فسمع امرأة تقول: هل من سبيل إلى خمر فأشربها ... أو من سبيل إلى نصر بن حجاج إلى فتى ما جد الاعراق مقتبل ... سهل المحيا كريم غير ملجاج نمته اعراق صدق حين تنسبه ... أخي حفاظ عن المكروب فراج

стр. 146

فقالت لها امرأة معها من نصر، قالت رجل أود لو كان معي طول ليلة ليس معنا أحد فدعا بها عمر فخفقها بالدرة ودعا بنصر فحلق شعره فعاد أحسن ما كان فقال له لا تساكني في بلدة يتمناك النساء بها، وأخرجه إلى البصرة وخافت المرأة فكتبت إلى عمر تستعطفه: قل للإمام الذي تخشى بوادره ... ما لي وللخمر أو نصر بن حجاج إني غنيت أبا حفص بغيرهما ... شرب الحليب وطرف غيره ساجي إن الهوى ذمه التقوى فقيده ... حتى أقرّ بالجام واسراج أمنية لم أطر فيها بطائرة ... والناس من هالك فيها ومن ناجي لا تجعل الظن حقاً أو تبينه ... إن السبيل سبيل الخائف الراجي وكان عمر قد سأل عنها فوصفت له بالعفاف، فأرسل إليها قد بلغني عنك خير فقري، ومضى على نصر مدة بالبصرة فأزار عاملها ارسال بريد إلى المدينة فدس نصر بن حجاج كتاباً يستعطف فيه عمر ويسأله العود وفيه يقول: لعمري لئن سيرتني أو حرمتني ... وما نلت من شتمي عليك حرام أئن غنت الذلفاء يوماً بمنية ... وبعض أمانيّ النساء غرام ظننت بي الظن الذي ليس بعده ... بقاء فما لي في النديّ كلام فأصبحت منفياً على غير ريبة ... وقد كان لي في المكتين مقام ويمنعني مما تظن تكرمي ... وآباء صدق سالفون كرام ويمنعها مما تظن صلاتها ... وحال لها في قومها وصيام فهذان حالانا فهل أنت راجعي ... فقد جب مني كاهل وسنام فقال عمر أما ولي سلطان فلا، وبعث إليه فاقطعه بالبصرة ما يعيش به، وقيل نزل نصر على مجاشع بن مسعود السلمي من بني عمه فأكرمه ورفع محله وسمى نصر بها المتمنى، وكان تحت مجاشع شميلة بنت أبي حياء بن أبي بهر، وكانت من أجمل النساء فتولعت بنصر وتولع بها وزاد حبهما فأخفياه، وكان مجاشع آمناً فكتب لها نصر يوماً في الأرض أحبك حباً لو كان فوقك لأظلك أو تحتك لأقلك. فكتبت هي وأنا، وقيل قالت ذلك بلفظ حفي، فقال مجاشع ما قال قالت يقول ما أحسن داركم، فقلت وأنا قال ما هذا لهذا، وجعل على الكتابة صحفة فحين أصبح دعا غلاماً فقرأها، فقال هي طالق ألفاً يا ابن أخي. فقال نصر وهي طالق إن تزوجت بها. وقيل ضعف نصر من حبها فأرسلها مجاشع إليه بطعام فمضت به فضمت نصراً إلى صدرها وأطعمته بيدها فشفي من وقته فقال بعض الحاضرين قاتل الله الأعشى حيث يقول: لو أسندت ميتاً إلى صدرها ... عاش ولم ينقل إلى قابر وقيل لما عادت عنه مات وعاشت شميلة طويلاً وقتل مجاشع يوم الجمل، وقيل اسمها خضراء وأنها من بجيلة وأنها أول من لبست الشفوف وقيل أن مجاشعاً حين طلقها أخبر أبو موسى بالقصة وكان عاملاً على البصرة، فقال لنصر ما أخرجك أمير المؤمنين من خير أخرج عنا فأتى فارس فعلقت دهقانة فبلغ عثمان بن أبي العاص، فقيل أخرجه إلى الشام وقيل أنه حين عزم على إخراجه قال إن أخرجتموني لحقت بالشرك فكاتبوا عمر فأمر بجز شعره وتشمير ثيابه والزامه المسجد والمتمنية هي فريعة بنت همام كانت إذ ذاك تحت المغيرة بن شعبة ثم تزوج بها يوسف الثقفي فأولدها الحجاج وبها كان يضرب المثل فتقول العرب أصبأ من المتمنية وأدنف منها. ومن السلو عن الهوى استعمال الحساب والخوض في المشاجرات ونحو ذلك مما سبق ومنه رقوات وكتابات قيل وجد على قبر الملوك حميراً صحفة ذهب مكتوب عليها: ما أحسنت سلمى إليك صنيعها ... تركت فؤادك بالفراق مروعا قيل استخبرت كاهنة عن البيت قالت كانوا يكتبونه مقلوباً ويسقونه العاشق فيسلو، ومن الشائع بين العرب أن تراب قبر العاشق إذا شرب منة في خشب الطزفاء يوم الأربعاء قبل طلوع الشمس أحدث السلو.

стр. 147

وأخبرني من أثق به بدمشق سنة خمس وستين وتسعمائة بالجامع الأموي، قال عشق صديق لنا امرأة وازداد ولوعه بها حتى أنفد ما معه، وهي تكثر التجني عليه، ومرض من حبها حتى أيس من حياته وعزم على أن يشرب السم ليموت، فشكا ذلك إلى صاحب له في كفه يوم الثلاثاء عشر صادات وأربع عينات وثلاث ياآت وخمس هاآت وعشرين كافاً وأمره أن يلحس ذلك وكرر الفعل ثلاثاً فكان الله لم يخلق حبها عنده. ورأيت في كتاب للبوني سماه خزائن الأسرار في علم الحروف والأصفار أنه من كتب سورة يس في نحاس ومحاها بماء المطر وشرب البعض واغتسل بالبعض سلا. وقيل إن عين البوم اليسار، وأظفار الخفاش إذا جعلت في جلد حمار وحش وحملت على العضد الأيسر أحدثت السلو، ويقال إن حجر الجزع إذا علق فعل ذك ولكن قد جرب أن حمله يورث الهم. الباب الرابع في ذكر ما سوى البشر وما القوا من العبر وهو نوعان: الأول في الجنة أسند المصنف عن الحافظ ابن حجر العسقلاني يرفعه إلى البيهقي، أنه قال تزوج سعد بن أبي وقاص امرأة فرأى عندها على الفراش ثعباناً فهم بقتله، فقالت هذا كان يتبعني وأنا في بني عذرة عند أهلي. فقال له سعد هذه امرأتي تزوجتها على كتاب الله وسنة نبيه فماذا تريد منها، فانساب حتى دخل مسجد النبي ﷺ وصعد في السقف فلم ير بعدها. ويحكى عن الربيع بنت معوذ ابن عفراء من طرق مختلفة كثيرة حكاية حاصلها أن جنياً أتاها في هيئة ثعبان أسود فعالجها فأتى بكتاب أو قال رق أو نحاس فيه بسم الله الرحمن الرحيم من رب الكير إلى الكبر أو قال من رب كعب إلى كعب ليس لك على بنات الصالحين أو قال على أمتي بنت عبدي الصالح السبيل فقرصها قرصة بقيت إلى الموت، أو قالت جعل يده في حلقي فاسود وأخبرت بذلك عائشة. وحكى عن رجل أنه سافر فجاء جني إلى زوجته في زيه، فلما جاء قال له لك ليلة ولي ليلة وإلا قتلتك فإني أحبها، فاتفقا على ذلك فجاء الجني ليلة فقال أنا نسترق السمع بالثوية وهذه ليلتي فهل لك أن تكون معي قال نعم، قال فحملني حتى لصق بالسماء فسمع قائلاً يقول ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فوقع وراءك، فصرت أقولها إذا جاء، فيذهب إلى أن مضى ولم أره، وعندي في هذه بعد لأنه كان راكبه فكيف جاء إلى أهله حين سقط الجني في الخراب. وأما حكاية الديك فقد أورد المصنف بعضها، وأصل ذلك أن رجلاً خرج لحاجة له فرأى شخصاً يمشي فتحادثا إلى أن قربا من القرية، فقال الشخص للرجل أنا جني وقد صار بيننا صحبة، ولي إليك حاجة فهل تقضيها لي؟ قال نعم، فقال امض إلى بيت فلان فإن عندهم ديكاً أبيض معشراً، فاشتره بما عساه أن يكون واذبحه، فقال له كرامة ولكن أيضاً لي إليك حاجة فقال وما هي؟ قال تخبرني إذا لبستم الانس ما الذي يخرجكم. فقال الجني إني مقيدك ذلك بشرط أن تكتمه. فلما وافقه قال له خذ عني من أخذ من بين عيني حمار وحش قطعة كالسير فجعلها في عضده الشمال ولبس من حافره خاتماً لم يقربه جني، فمضى الانسي فاشترى الديك وكان عنده جارية لم ير أحسن منها، فحين ذبح الديك صرعت فجاؤا إليه وتعلقوا به، فقال علي برؤها فمضى وصنع لها الخاتم والسير، فحين دنا بهما منها صاح الجني وقال له أو على نفسي علمتك والله إن فارقتها مت فلم يلتفت إليه وألبسها ذلك فذهب عنها. النوع الثاني في ذكر من كلف وهو غير مكلف وأوهن العشق قواه حتى تلف أو كاد أن يتلف

стр. 148

قد أسلفت لك في صدر الكتاب كيفية ارتباط العالمين في التكاليف وتداخل اللطيف في الكثير واختلاف القوابل والفواعل، وقد رؤي استعداد كل لصاعد أو نازل، وأن العشق سر يودعه الله في الأرواح عند صفائها وسهولة انقيادها، ثم يختلف باختلاف البواعث والدواعي وميل النفوس بحسب مرادها فعلى هذا لا يخص نوعاً دون نوع من أحد الأجناس كما ترشد إليه أدلة التجربة والقياس، غير أنه مختلف الرتب كما لا يخفى على ذوي الأدب، وقد صح كما سبق أن الإنسان أفضل الموجودات لعلمه بأحكام الأحوال المختلفات فلذلك كان واسطة نظام هذا الشأن ثم ما يليه الأقرب فالأقرب من أنواع الحيوان حتى ينتهي القول إلى الأجرام العنصرية وما بينهما وبين الطبقات السماوية وحيث أنهينا الكلام في هذا المقام على ما يتعلق بالانسان فلنبين كيفية دخول العشق في باقي أنواع الأعيان فنظم هذا النوع في خمسة أصناف. الصنف الأول في الطيور هي ألطف الحيوان مزاجاً لانحلال كثيفها بخرق الهوا وذهاب فضلاتها في نحو الريش، فلذلك داخلها التألم بالنوى. حكى الحافظ عن بعض الثقات أنه تفرد في معبد منقطع فوجد فيه حمامتين يبيتان فإذا برق الفجر ذهبتا فلا يأتيان إلى الليل، قال وكنت أشهد إحداهما تتخلف فتأتيها الأخرى بقوتها وداما على ذلك مدة. فلما كان يوم من الأيام خرجتا فإذا بباشق انقض فأخذ الواحدة، فرأيت الأخرى تتبعه حتى غاب وأيست فعادت إلى المبيت وفي ريش فلقد رأيتها تتميز ريش المخطوفة حتى جمعته وجعلت تضرب بجناحها الأرض وتتمرغ على الريش وتضرب نفسها حتى نتفت ما أمكنها من ريش نفسها فقدمت لها أكلاً وماء، فلم تلتفت لشيء. فلما طلع الصبح رأيتها ميتة والريش في فمها. ورأيت في كتاب لا أعلم مؤلفه سماه لطائف الأسرار وكيفية جريان الأقدار، طالعته في سنة تسع وخمسين ولم يكن لي إذ ذاك اعتناء بهذه الأشياء، أن غراباً كان يأوي إلى حائط فيقيم به فجاء يوماً فوجد حية قد استولت على محله فذهب فجاء بحجر صغير فرماه عليها فماتت، فقال من رآه أنه رمى به، وأخذ الحجر فتبعته فمضى حتى ألقاه في عش خطاف ثم صار يأخذ الماء والأكل فيمضي بهما إلى أفراخ الخطاف مدة طويلة ولم أشعر يوماً إلا وقد أقبل ومعه اثنان من الخطاطيف فباتا معه ودام على ذلك أياماً فبينا أنا يوماً إذا بالواحد منهما سقط فنزل الغراب فحمله فسقط فحمله عشر مرات فلم يستقر ساعة حتى رأيت الغراب يمزق نفسه حتى مات فقمت إلى العش فرأيت الخطاف ميتاً والآخر إلى جانبه يضطرب فمات وأنا أنظره قلت ولم أزل أفكر في هذا الحجر حتى وقفت على خواص الأحجار فرأيت أن داخل الصين أغواراً يسيل الماء فيها فينعقد حجراً إذا ترك مد وغزل وخيوطاً كالحرير تنسج منه أهل تلك البقعة ثياباً إذا اتسخت القيت في النار فيذهب ما فيها وأنه قبل أن ينغزل إذا أخذ نفع من اليرقان والحصى وسائر السموم وأنه يقتل الحيات بمجرد الرؤية وحذاق الحكماء تعمد إلى أعشاش الخطاطيف فتدهن فراخها بالزعفران فتظن أمهاتها أن اليرقان اعتراها فتمضي إلى أماكن هذه الأحجار فتأتي بها فتأخذه الحكماء فسبحان من ألهم كل شيء رشده. وفي الكتاب المذكور أن رجلاً اشترى زوج بط، فلما ذبح الواحد جعل الآخر يضطرب تحت المكبة حتى رفعت عنه فجاء إلى الدم فلم يزل يتمرغ فيه حتى مات. وقالوا أن أوفى الطيور في المحبة القمري والشفني أعني الفاخت وأنه إذا مات أحد الزوجين تعذب الآخر فلم يأنس حتى يموت، وكثيراً ما سمعنا عن البلبل والشحرور الحنين إلى الغناء والملاهي والأصوات الحسنة وأن بعض الطيور نزل على يد بعض الوعاظ حتى مات. وحكى عن سفيان أن بلبلاً كان لولده وأنه أقام يرعى ويأتي البيت حتى قيل أنه مضى مع الناس يوم موته إلى القبر ورجع فاضطرب حتى مات. وأما قصه الزاغ فمشهورة جداً وهي أن السعدي قال وجه إلي يحيى بن أكثم بالمثلثة، فدخلت وإذا عن يمنه قمطر جلد يعني قفصاً، فقال اكشفه فكشفته، فخرج شخص نصفه الأعلى انسان والأسفل زاغ، فقال لي كلمه فأستسميته فأنشد: أنا الزاغ أبو عجوه ... أنا ابن الليث واللبوه أحب الراح والريحا ... ن والنشوة والقهوه فلا عدوان لي يخشى ... ولا يحذر لي سطوه ولي أشياء تستظر - ف يوم العرس والدعوه

стр. 149

فمنها سلعة في الظ ... هر لا تسترها الفروه وأما السلعة الأخرى فل ... وكانت لها عروه لما شكت جميع النا ... س فيها أنها ركوه ثم قال يا كهيل انشدني غزلاً، فقال يحيى قد استنشدك فأنشده فأنشدته: أغرك إن أذنبت ثم تتابعت ... ذنوب فلم أهجرك ثم ذنوب وأكثرت حتى قلت ليس بصارمي ... وقد يصرم الانسان وهو حبيب فجعل يقول زاغ زاغ ونزل القمطر فقلت ليحيى أصلحك الله أو عاشق أيضاً ثم سألته عنه فقال لا أعرف منه إلا ما رأيت وقد وجه به صاحب اليمن إلى أمير المؤمنين ولم يره بعد ومعه كتاب لم أفضه أظن فيه أمره، ورويت هذه القصة عن سوى السعدي وأنه كان عند أحمد بن أبي داود وإن الأبيات التي أنشدها للزاغ هي: وليل في جوانبه فضول ... من الاظلام أطلس غيهبان كأن نجومه دمع حبيس ... ترقرق بين أجفان الغواني الصنف الثاني في ذكر بعض ما وقع للحيوان من أمور العشق في اختلاف الأزمان حكى الشيخ قدس الله سره أن أعظم الحيوان إدراكاً من ذوات الأربع الخيل وأنها أقرب من غيرها إلى مزاج الانسان وقد بسطنا أحوال الحيوانات وما بينها من الاختلاف والاتفاق والقرب والبعد في كتب الزردقة. والخيل أحسن الحيوانات مزاجاً وإدراكاً حتى أنها لا تنزو على محرم أبداً، قال الشيخ جيء لحصان بأخته مبرقعة فلما نزل عنها انكشف الثوب فعرفها فجعل يجري حتى ألقى نفسه من جبل شاهق فتقطع. وفي لطالف الأسرار أن رجلاً من أصفهان ولدت عنده فرس حصاناً وأخرى أنثى فأتلفا فكان إذا فرق بين واحدة وأخرى لا تمشي كل منهما ولا تأكل ولا تشرب وتصيح حتى تجتمعا، قال وربما كان يطرح الأكل للواحدة قبل الأخرى فلم تذقه حتى يطرح للأخرى، قال وشاهدت إحداهما تدفع بيدها حشيشاً إلى الأخرى، وأن إحداهما مغلت فقصدها البيطار، فلما رأت الأخرى الدم قطعت الرباط فجاءت فمرغت نفسها فيه حتى سقطت ميتة، فلما رأتها المقصودة طرحت نفسها عليها فإذا هي ميتة. وحكى فيه أيضاً أن ملك الهند بعث إلى صاحب بخاري بفيل فأحسن خدمته، فلما كان يوم حرب بينه وبين قندهار وهم يركبون الأفيال يقاتلون على ظهورها. خرج به فحين اصطفوا نظر الفيل إلى فيل آخر في ذلك العسكر فغلم حتى طرح ما عليه واخترق الصفوف حتى جاءه فانطرحا إلى الأرض وجعل كل منهما فنطيسته على الآخر وجاء الناس ليفرقوا بينهما فإذا هما ميتان. وفي اللطائف أيضاً أن غزالاً كان يأوي إلى محل في جبل وأن شخصاً رآه يتردد إلى ذلك المحل فتبعه فرأى وعلاً في غار وبيده ألم لا يمكنه المشي ورأى مع الغزال قطفاً من عنب وهو يلقيه في فم الوعل فانصرف عنهما. وحكى فيه أيضاً عن شخص بغدادي خرج في بعض أسفاره فبينما هو جالس في القيلولة وقد بسط سفرة ليأكل وإذا بكلب أقبل فأخذ رغيفاً فقام وتبعه حتى انتهى إلى غار فإذا فيه كلبة قد عطلت عن الحركة فجعل يكسر الرغيف ويضع في فمها ويترضاها فتعجب التاجر وانصرف. وحكى الجاحظ أن ملكاً من أقيال اليمن اعتنى بكلب فكان يلبسه الحرير ويطوقه الذهب ويجعله معه حيث كان فألفه الكلب حتى كان إذا غاب لا يستقر فاعتراه يوماً ضعف فخرج الملك إلى الصيد وتركه في المطبخ وكان قد أوصى أن يطبخ له أرز بلبن، فجعل الطباخ اللبن في القدر وخرج ليأتي بالأرز فخرجت حية من السقف فسقطت في اللبن والكلب ينظر وجاء الطباخ فرمى الأرز ولم يشعر حتى تهرت وخشي الطباخ سطوة الملك وقد فاجأه بطلب الأرز ونذل وطلب أن يأكل في المطبخ فحين شرعوا في وضع الطعام جعل الكلب يصرخ ويضطرب، فقال الملك ما له؟ فقالوا لا نعلم فقدم له طعام فامتنع وجيء بالأرز إلى الملك فصاح الكلب واشتد وجده حتى قطع السلسلة، وعاجل الملك قبل أن يأكل فوضع فمه في الطعام وأكل فتفزر جلده لوقته ومات، فضرب الملك الطباخين واستنهرهم فأقروا فعلم أن الكلب فداه بنفسه فكفنه في حرير وبنى عليه قبة. قال الجاحظ وهي الآن باليمن تسمى قبة الكلب.

стр. 150

وحكى عن أبي العيرانه، كان عنده حمار فمات فرآه في النوم ينشده شعراً يقول فيه أنه مات عاشقاً فسأله المتوكل ما الذي كان من شأنه، قل يا أمير المؤمنين كان أعقل من القضاة ليس له هفوة ولا زلة فاعتل على حين غفلة فمات فرأيته في النوم فقلت له ألم أنق لك الشعير وأبرد لك الماء فما سبب موتك فقال أتذكر إذ وقفت بي على الصيدلاني يعني العطار قلت نعم قال مرت إذ ذاك أتان فافتتنت بها ومت، فقلت وهل قلت في ذلك شيئاً قال نعم وأنشد: هام قلبي بأتان ... عند باب الصيدلاني تيمتني يوم رحنا ... بثناياها الحسان وبخد ذي دلال ... مثل خد الشيقران فيها مت ولو عشت ... إذا طال هواني فقلت له يا أبا معاذ وما الشيقران فقال أنا مشغول بما أنا فيه وهذا كلام تعرفه الحمير فإذا رأيتم حماراً ومن كان أولاً فسألوه فضحك المتوكل حتى سقط وأمر له بعشرة آلاف درهم وتنسب القصة فيما حكاه صاحب نديم المسامرة إلى بشار فهذا ما أردنا تلخيصه من أمور الحيوانات. الصنف الثالث في ذكر ما جرى من القوة العاشقية والمعشوقية بين الأنفس النباتية نقل في لطائف الأسرار وبه جزمت الحكماء إن أصح النبات وأعدله وأكمله خلقاً جمع أمور تسعة الورق والعود والثمر والنوى والصمغ والدهن والليف والقشر والأصول، وقد كمل في النخل ذلك، فهذا أعدل النبات وفي الأخبار أنه من طينة آدم وورد أكرموا عماتكم النخل، وفي الصحيحين أتعرفون شجرة هي كالرجل المسلم الحديث، وفي الفلاحة النبطية أن النخلة تخاف وتفرح وتعشق نخلة أخرى، فقد صح أن النخلة إذا لم تحمل ضرب في أصلها بفاس، ويقول شخص آخر لأي شيء هذا فيقول الضارب دعني أقطعها فإنها لم تحمل فيقول دعها في ضماني العام فإن لم تحمل فاقطعها، فإنها تحمل وقد جرب ذلك. وحكى في النفائس، قال زرع شخص أربع نخلات متقابلات فحسن ثمرهن سنين ثم أصيبت واحدة فيبست فلم تحمل التي في مقابلتها. وحكى أيضاً أن شخصاً كان له نخل وكانت واحدة منهن تزهر وتسقط قبل الانعقاد وربما تثمر ويسقط قبل البلوغ فشكا ذلك إلى حاذق فجاء حتى نظرها فقال إنها عاشقة، ثم دعا برصاص فصنع شريطاً وربطه منها إلى نخلة أخرى هناك فحسن ثمرها تلك السنة، ودامت كذلك وإن صاحب البستان قطع الشريط لينظر فأسقطت الزهر فأعاده فصلحت. وحكى بعض ذلك في الخريدة وأما ما بين الفلفل والكافور والتين والنفط والزنجبيل والازدارخت فأشهر من أن يحكى وغايه الأمر أن يدعى الخواص، فيقال إن شدة الائتلاف بين العاشق والمعشوق، من قبيل الخواص. الصنف الرابع فيما بث من الأسرار بين أصناف الأحجار اعتلاق المغناطيس والحديد مما لا يشك في وجوده، وهذا لكثرة وجود المغناطيس وإلا فسائر المتطرقات أحجار من الجمادات تجذبها المشاكلة بينهما في الزئبقية والكبريتية وهذا ظاهر التعليل. وأغرب منه ما حكي في اختصار الكائنات للمعلم أن بالبحر دابة كالأرنب يتولد في رأسها حجر إذا أخذ وأشير به إلى اللحم أو الحيوان انجذب حتى يلصق بالحجر وفيه أيضاً أن شخصاً نزل بأرض اللؤلؤ مما يلي جزيرة رامهرام فوجد الشمس إذا أشرقت على أرضها ترتفع منها أشعة، ثم تتراقص أحجارها وتضطرب حتى تجتمع فإذا غربت الشمس افترقت الأحجار. الصنف الخامس فيما بث من الأسرار الملكية بين الأجسام والأجرام الفلكية وهذا منتهى الكائنات وسر الموجودات ومن حيث بدىء الشيء عاد عند مفارقة الفساد

стр. 151

أعلم أن الأيام والأجرام والبروج والكواكب والأجسام والدوائر متطابقة التأليف متوافقة التكييف قد تربعت جهة وريحاً وأقطاباً وطبعاً، وتشعبت قوى وجوانب ونقصاً وزيادة إلى غير ذلك فمثالها في الانسان اثنا عشر مخرجاً عينان وأذنان وقم ومنخران وسرة وثديان وسبيلان قد قيست بالبروج ونفس بالشمس إذ لا تزيد ولا تنقص وعقل بالقمر في قبول الحالتين والخمس الحواس بالخمس البواقي وهكذا إلى درج في العروق ومفاصل بالجو زهرات والكلم خدمة بلسان الشرع ملائكة ولسان الحكمة نفوس وعقول مجردة، وفرع أهل الرياضة والروحانيات والارصاد على ذلك الاستخدام واستنزال الكواكب وتكليمها والطيران إليها وتحريك الجمادات إلى غير ذلك مما بسطناه في كتبنا الحكمية وجارينا فيه أهل كل فن على مقتضى قواعدهم مما لا يليق بهذا المحل وهل ذلك إلا قوة عاشقية فليعتبر أولوا الأبصار وليتذكر أولو الألباب فسبحان من أوجد ذلك واستغنى عنه واتر فيه ومنه لا تغيره الأزمان ولا تفنيه الأوقات ولا يعجزه اختلاف الأكوان. الباب الخامس في تتمات يفتقر إليها الناظر في هذا الكتاب ويحسن موقعها عند أولي الألباب فذلك هو المشروع الجامع لما ذكر في المصارع وينحصر في فصول مختلفة وإن كانت في الجنس مؤتلفه. فصل في تحقيق معنى الحسن والجمال وما استلطاف في ذلك من الأقوال الأصل في المحاسن والمطلوب عند العقلاء في كل المواطن إنما هو إصلاح السرائر وتهذيب البواطن لا الظواهر وإنا ضم إصلاح الظاهر إلى ما ذكر طلباً لتحصيل الكمال ودلالة في الأغلب على الاعتدال ويتم الأول بتحسين المقاصد وإصلاح العقائد وقصر القلب على عتبات الحق في ذلك المواقف مستمداً بالمراصد مستعداً للأوامر الالهية وتلقى ما في تلك الصحائف وذلك كما قال محقق المقول ومهذب الفروع والأصول وجامع المراتب الباطنة والظاهرة، وقطب دائرة الكائنات في الدنيا والآخرة. إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب وصلاحه استعداده لقبول ما يجب فعله وترك ما يجب تركه وذلك متعذر إلا بعد الأخذ بالحظ الأوفر من أمهات الأخلاق، وهي الحكمة والشجاعة والمروءة والعدالة، فإنها لهذا المورد كالاخلاط للمزاج افراطاً واعتدالاً، وخير الأمور سلوك الاعتدال للسلامة من الافراط والتفريط اللاحقين لكل من هذه كالتهور والجبن ولازم مما ذكرنا التخلق بالعفاف والزهد والصدق والورع والتسليم إلى غير ذلك وعد قوم العفة أصلاً بدل المروءة لأنها تندرج في العدالة وبعض المتصوفة جعلى التسليم أصلاً أيضاً، وبالجملة فهذه الخصال الداعية إلى حفظ ما به النظام من النفس والعقل والعرض والمال، فإن المتخلق بها محال أن يقنع منه قتل أو أخذ ما يزيل عقله أو زناً أو تناول غير ما هو له فهذه أصول السياسة ونظام المدنية وموضع بسطها الحكمة بل ملازمة الشريعة المطهرة فقد أغنت عنها فهذه الأخلاق التي لا أجدر من وصف المتخلق بها بالحسن والجمال. وأما المحاسن الظاهرة اللائق ذكرها بهذا المحل وإليها إشارة المترسمين، وفيها غالب النثر والنظم. فالعبارات عنها كثيرة، والألفاظ فيها غزيرة، قال بعضه الحسن الصريح ما استنطق بالتسبيح أو هو تناسب الخاتمة واعتدال البشرة وصفاء المادة أو مركب من الوضاءة والتناسب والصباحة. وقيل الحسن بياض اللون وسواد الشعر وكل منهما شطره، والصباحة كالملاحة، والبياض والجمال ما أخذ بالبصر أو هو السمن اشتقاقاً من اسم الشحم. والصحيح أنه معنى لا يدرك ويختلف باختلاف الأشخاص ودقة الأنظار وصحة التأدي إلى الأفكار وهذا معنى قوله الحسن ما زين الزينة واستحسن دونها وإلى ذلك كله أشرت بقولي: جميلة الأوصاف لطيفة منظر ... مليحة عطف طاب منها المغارس يدق عن الألباب إدراك حسنها ... وجلت فزلت عن علاها المقايس منعمة لم تلبس الوشي زينة ... ولكن أحبت أن تزان الملابس غرست بلحظي الورد في وجناتها ... ومن دمي المسفوك تسقي الغرائس وجئت لأجني ما غرست فصدني ... من الجفن أسياف هناك وحارس

стр. 152

فلو لم يكن الحسن في نفس الأمر كذلك، ولكل ذي نظر دقيق مالك ما اختلفت فيه العبارات ولا كثرت فيه الاستعارات، ولا بالغ كل في تحصيله بجده واعتقد التقصير عن حده، والخلاف إنما هو بالألفاظ والمعنى المطلوب واحد كما هو رأي أهل التحقيق من سائر الموارد، ومن ثم قال بعضهم: عباراتنا شتى وحسنك واحد ... وكل إلى ذاك الجمال يشير ولله در أستاذ عطر الوجود فيض وجوده، واستمدت الكائنات من بحر فضله وجوده حيث حقق هذا المعنى وسبكه في أحسن مبنى بقوله: فكم بين حذاق الجدال تنازع ... وما بين عشاق الجمال تنازع هذا هو الحسن العام وقد خصوا كل عضو بصفة، فقالوا الحلاوة في العين والملاحة في الفم والجمال في الأنف، والظرف في اللسان. وقالوا إذا حسنت العين فتمامها الدعج والفم فتمامه الفلج يعني في الثغر وطلاوة الجبين البلج، وبريق الوجنة الضرج. وأحسن ما تكون المرأة إذا طال منها الأطراف والعنق والشعر والقامة وقصر منها العين واللسان واليد والرجل، والمراد بالقصر القصر المعنوي كعدم الطموح بالعين وأخذ شيء فوق الحاجة والخروج من بيتها وأبيض منها اللون والفرق والثغر وبياض العين، والمراد بالثغر الاسنان، أما اللثة فقد مدحت العرب سوادها، وإلى ذلك أشار طرفة بقوله: سقته أيات الشمس إلا لثاته ... أسف ولم تكدم عليه باثمد واسود منها الهدب والعين والحاجب والشعر، واحمر منها اللسان والشفة مع اللعس يعني يسير السواد والخد وتشريب البياض بيسيرها، ودق منها الحاجب والأنف والسنان والخصر، وغلظ منها المعصم والعجيزة والفرج والساق، واتسع منها الجبين والجبهة والعين والصدر وضاق منها المنخر والاذن والفم والفرج، فهذه أوصاف بها جماع الحسن إذ كل ما خرج عن ذلك كجعودة الشعر واستدارة الوجه ونعومة البدن راجع إليها، وإنما العبارات الكثيرة تفنن في الأوصاف وأهل الفراسة تجعل الجمال الظاهر دليلاً على اعتدال المزاج. وقال بعض الحكماء من نعم الله على العبد تحسين خلقه، وخلقه واسمه. قيل وصوته. حكى بعض المفسرين في قوله تعالى يزيد في الخلق ما يشاء يعني حسن الصوت. وقال سقراط إذا حسن الله وجهك فلا تصف إليه قبيح المعاصي أو قبحه فلا تجمع بين قبيحين. وقال ﵊ إن الله جميل يحب الجمال وكان يختار لحاجته صبيح الوجه حسن الاسم طلباً لاجتلاب القلوب ومن ثم كانت الأنبياء ﵈ أكمل الناس لأن غاية بعثتهم الاتباع وعدم النفور فيجب انتقاء موجبهما فيهم. وأوتي يوسف شطر الحسن، وأما نبينا ﷺ محاسن الأخلاق والشيم وهذا هو المطلب الذي تكل عنه البصائر ويقصر عنه كل ذي حد جائر وإذا لم يتفق للعبد حسن السيرة والخلقة فالأولى الأول فإنه من مطالب الحكمة التي غايتها السعادة وهي من الاعراض اللازمة، والثاني من مطالب الشهوة وقد توقع في المحنة ولا بد وأن تفارق. تنبيه قد وقع لهم تشبيه بعض الأعضاء بالحروف كالحاجب بالنون والعين بالعين والصدغ بالواو والفم بالصاد والميم والثنايا بالسين والطرة بالشين والقامة بالألف وربما شبهوا العين بالصاد أيضاً وبالفواكه كالخدود بالتفاح والشفة بالعناب والثدي بالرمان وبالمشومات كالوجنة بالورد والعين بالنرجس والعذار بالآس وبالمعادن كالشفة بالعقيق والاسنان باللؤلؤ، وقد وقع تشبيه الشفة بالمرجان أيضاً وبأشياء مختلفة كالوجه بالبدر والفرق بالصبح والشعر بالليل ومرسله بالحيه والصدع بالعقرب والوجنة بالماء والنار والرق بالخمر والثدي والسرة بحق العاج إلى غير ذلك. وللشعراء في ذلك على اختلاف مراداتهم وتخيلهم المقدمات الشعرية كلام كثير فمن أبدع ما رأيت في التشبيه بالحروف وبعض الأشياء كلام الأديب الحاذق علاء الدين الشاهيني من قصيدة طويلة كلها محاسن أولها: فمّ العذار بعارضيه وسللا ... وتضمنت تلك المراشف سلسلا ومنها وقد حذف أداة التشبيه قصد المبالغة وهو من أساليبهم المشهورة قوله: صبحا مع الجوزاء لاح لناظري ... متبلجاً فأزاح ليلاً اليلا من لي بغصن نقا تبدي فوقه ... قمر تغشى جنح ليل فانجلى ومنها: كتب الجمال على صحيفة خده ... بيراع معناه البهيج ومثلا

стр. 153

فبدا بنوني حاجبيه معرفاً ... من فوق صادي مقلتيه واقفلا ثم استمد فمد أسفل صدعه ... ألفاً ألفت به العذاب الاطولا فأعجب له إذ هم ينقط نقطة ... من فوق حاجبه فجاءت أسفلا فتحققت في حاء حمرة خده ... خالا فعم هواه قلبي المبتلى قسماً بفاء فتور جيم جفونه ... لأخالفن على هواه العذلا وللشعراء من الأسلوب المذكور وقد جمع الحيوان والحروف بقوله: أرسل فرعاً ولوى هاجري ... صدغاً فأعيا بهما واصفه فخلت ذا من خلفه حية ... تسعى وهذا عقرباً واقفه ذى ألف ليست بوصل وذى ... واو ولكن ليست العاطفة وقال آخر: لا تقولي لا فمكتوب على ... وجهك المشرق بالنور نعم بحروف خلقت من قدرة ... ما جرى قط عليها من قلم نوتها الحاجب والعين بها ... طرفك الفتان ثم الميم فم نكتة. اعلم أن الأساليب في هذا الباب دائرة التشبيه المجرد وبين جعل الحرف ونحوها من المشبه في العادة مشبهاً ومقابله في المحبوب مشبهاً به وفي كل ذلك أما أن تبقى الاداة أو تحذف وفي كل أما أن يرشح المعنى بأوصاف تزيده حسناً أولاً وأرفع الكل جعل الممدوح مسبهاً به محذوف الاداة مرشحاً بلطائف الأوصاف وقل سالكه وعكسه معلوم ولي من الفن الثاني. بروحي أقي من خلتها حين أقبلت ... على أثر حزن تنثر الدمع في الخد قضينا من الكافور يمطر لؤلؤاً ... من النرجس الوضاح في فرش الورد ومنه وقد زدته على ما يلزمه التحسين الرد على أهل الأسلوب الأول. شمس الضحى كجبينك الوضاح ... أف لمن جعلوه كالمصباح يا قدها ما الغصن لولا الميل مع ... داعي الهوى كالغصن بالأرياح أنا فيك سكران الفؤاد معذب ... أبداً وإن أظهرت فعل الصاحي فدع الملام وعذل من لم يستمع ... قول النصيح وخلني يا صاح ومما لم يعرج فيه على ذكر تشبيه بل أشعر فيه باجتباح المشبه به في العادة إلى المشبه ما قلت: يهناك يا قلب من زارتك في السحر ... ولم تحف ثم من واش ولا ضرر حسناء لو لم تعاين نور طلعتها ... شمس الضحى ما بدت يوماً على بشر ووجهها لو رآه البدر واحتجبت ... عنه ذكا لم تخف نقصاً على القمر فصل في خفقان القلب والتلوين عند اجتماع المحبين أعلم أن مدار تلون البدن أما على الخلط أو شدة الحرارة أو ما تركب منهما والأول يلزم حالة واحدة أما البياض في البلغم أو الحمرة في الدم أو الصفرة في الصفراء أو السواد في السواد وما تركب بحسبه مع مراعاة الطواريء كقرب الشمس أو جبل أو سد جهة وهذا المبحث هو المعروف عند الأطباء بالألوان وعند العامة بالسحنة وموضع تحقيقه الطب والثاني يلزم السمرة وإن أغلب البلغم وأما الثالث فهو الذي تناط به أمثال هذه الأحكام وحاصل القول فيه أن الجلد شفاف يحكى ما تحته وأن الباعث إليه الاخلاط هو الحرارة فهي كالنار إن اشتدت صعدت ما لاقته وموضعها القلب ومحركاتها مختلفة ما بين غضب وحياء وقهر وغيرها أما إلى داخل دفعة أو تدريجياً أو إلى خارج كذلك أو إليهما وموضع بسطه الحكمة والذي يخصنا من ذلك هنا أن نقول أن استيلاء سلطان المحبة والعشق من المعشوق على العاشق أعظم استيلاء من سلطان القهر والعظمة والناموس السلطاني حتى قال بعض الحكماء لكل مرتبة من مراتب المحبة حد إلا محبة العشق فلا حد لها وقال بعضهم إن تعلق روح العاشق ببدنه كتعلق النار بالشمعة إلا أنه لا يطفئها كل هواء إذا تقرر هذا وجمع إلى ما قررناه من مراتب تحريك الحرارة ظهر علة اصفرار لون العاشق وارتعاد مفاصله وخفقان قلبه لأن الاستبشار بالاجتماع الموجب للفرح المنتج لحركة الحرارة إلى خارج لتؤثر الحمرة وصفاء اللون يعارضه لشدة الشفقة الخوف من نحو واش وسرعة تفريق واليأس الموجب لاخماد الحرارة أو جذبها إلى داخل المنتج لصفرة اللون أو الموت فجأة ومن ثم إذا أمن من ذلك لم يقع تغير كما قيل.

стр. 154

فلا تحسبن كل اجتماع مغيراً ... فإن اجتماعي بالأمان أماني وأما حمرة المعشوق فهي إما حياء وإما خجل وكل منهما باعث للحرارة إلى خارج ونتيجته احمرار الألوان وصفاؤها فأفضل الألوان الأحمر الصافي المشرق مطلقاً حتى في الثياب كالحلل والمشروب والمشموم كالورد والشقيق والحيوان كالخيل والمعادن كالذهب والياقوت إلى غير ذلك ومنه أهلك الرجال الأحمر أن يعني الخمر واللحم والنساء والاحامر الذهب والزعفران والخمر واللحم ولبعض الشعراء. إن الأحامرة الثلاثة ضيعت ... مالي وكنت بهن قدماً مولعا الخمر واللحم السمين كذا الطلا ... بالزعفران فلا أزال مروّعا وقال المتنبي: من للجآذر في زيّ الأعاريب ... حمر الحلى والمطايا والجلابيب وأحب ما يكون إليهم منه ما كان في الوجنات والشفاه قال أبو نواس. يا قمر أبصرت في مأتم ... تندب شجواً بين أتراب تبكي فتذري الدر من نرجس ... وتلطم الورد بعناب وأما وصفهم الموت بالاحمرار والدمع الناشيء عن شدة الحرقة بالحمرة فليس طعناً فيهما بل مدح لأنهم أرادوا أنهما من المطالب التي لا تنال إلا بالمشاق والصعوبة ومن ألطف ما وصف به الدمع قول عماد الدين. أرى العقد في ثغره محكماً ... يرينا الصحاح من الجوهر وتكملة الحسن إيضاحها ... رويناه عن وجهك الأزهر ومنثور دمعي غدا أحمرا ... على آس عارضك الأخضر وبعت رشادي بغيّ الهوى ... لأجلك يا طلعة المشتري ومن ألطف ما يعجبني في وصف المعشوق بالاحمرار والعاشق بالاصفرار قول ابن أبي الحديد من قصيدته التي أولها. الصبر إلا عن فراقك يجمل ... والصعب إلا من ملالك يسهل يصفر وجهي حين أنظر حسنه ... خوفاً ويدركه الحياء فيخجل فكان ما بخدوده من خمرة ... ظلت إليها من دمي تنتقل وقال بعض المتأذبين لم يقع في هذا المعنى ألطف من البيتين المنسوبين إلى أبليس وهما: وحمراء قبل المزج صفراء بعده ... بدت بين ثوبي نرجس وشقائق حكمت وجنة المعشوق صرفاً فسلطو ... اعليها مزاجاً فاكتست لون عاشق وقيل أنشدهما لابن دريد في النوم فاعترضه بأنهما من اللف والنشر المشوش فقال له وما هذه المشاحنة في هذا الوقت يا بغيض تنبيه قد توسع الناس في هذا المبحث فخرجوا منه إلى التفضيل بين السمر والبيض وخاضوا بسبب ذلك في كلام عريض فمن قائل بتفضيل السمر مطلقاً وقوم البيض وآخرون فصلوا فقالوا إن كلاً يميل عكس لونه وهذا تحكم وحكم على الطبائع والأمزجة بلا دليل والصحيح إن الميل أما بداعية الشهوة أو النفع ولا ضبط للأول لاختلافه باختلاف الأشخاص وأما الثاني فألقوا فيه أما بحسب معتدل المزاج فالروميات حينئذ في نحو الحجاز أنفع كما أن الحبشيات في نحو الروم أجود لأن حرارة الأبدان تختبيء في الأغوار زمن البرد بالعكس وأما بالعكس وأما بحسب المرضى فالسود للمبرودين أجود والبيض للمحرورين كذلك وعندي أن عكس هذا أجود لما سمعت من التعليل والصحيح أن الحبشة ألطف مما عداهم مزاجاً وأرق بشرة وأعدل حرارة فلذلك هن أوفق مطلقاً ولكنهن في معرض التغيير وموضع تحقيق ذلك في الطبيعيات وأما الحكم على المصريين بأنهم إلى السمر أميل فمن قبيل ما قررناه من التحكم ومن ألطف الأشعار المقولة في التفضيل قول علي بن الجهم. وعائب للسمر من جهله ... مفضل للبيض ذى محك قولوا له عني أما تستحي ... من جعلك الكافور كالمسك وقال أبو جعفر الشطرنجي: أشبهك المسك وأشبهته ... قائمة في لونه قاعده لا شك إذ لونكما واحد ... أنكما من طينه واحده وقلت في ذلك: أرى السمر أشهى منظراً عند عارف ... وأشرف مطلوباً سما في المطالب فقل للذي قد فضل البيض جاهلاً ... رويدك لا ترغب لغير مناسب فكم بين قيراط من المسك قيمة ... وقنطار ثلج بارد من مراتب وقلت في عكس ذلك:

стр. 155

بيضاء تجلو الهم عن ناظري ... بعين حق لا بعين انتقاص فقل لمن يغرب في أسمر ... ما الفضة البيضاء مثل الرصاص وإذا أحكمت ما قررناه من علة اصفرار الألوان علمت أن خفقان القلب عند الاجتماع أو الرؤية من لازم ذلك الشأن وقد لهج الشعراء بالاعتذار عن ذلك وأكثروا فيه من التشعب والمسالك فمن ألطف ما قيل فيه قول الوراق. يقول لي حين وافى ... قد نلت ما ترتجيه فما لقلبك قد جا ... بخفقة تعتريه فقلت وصلك عرس ... فالقلب يرقص فيه وألطف منه قول البها زهير لا تنكروا خفقان قلبي ... والحبيب لدي حاضر ما القلب إلا داره ... دقت له البشائر وتظرف ابن عنين بزياد ظرافة على الاعتذار عن الخفقان حيث قال: إن كان لا بدّ من رقادي ... فأضلعي هاك كالوساد فنم على خفقها هدوّا ... كنومة الطفل في المهاد وكثيراً ما تتبعت كلامهم فلم أر من جمع بين الاعتذار عن تغير اللون والخفقان فقلت في ذلك: قالت أراك إذا عاينتني وجلا ... عديم لون بهيج كنت تملكه والقلب منك خفوق لا يسكنه ... شيء فيا ليت شعري ما يحرّكه فقلت ما تدر إن الشمس إن جمعت ... بالبدر بعد تمام النور تنهكه والطير إن ألف الغصن الرطيب وقد ... مادت به الريح هل يخفى تحرّكه وفي الأبيات مع ما ذكر وصفها بالشمس فتكون هي المفيدة للمحاسن والآخذة لها كما بين الشمس والبدر ثم جعلها أغصاناً يميل مع الهواء والقلب طائراً عليه وكل ذلك زيادة على المطلوب وأما وصف خفقان القلب من غير نظر إلى الاعتذار عن فكثير قال ابن سنا الملك. أما والله لولا خوف سخطك ... لهان عليّ ما ألقي برهطك ملكت الخافقين فتهت عجباً ... وليس هما سوى قلبي وقرطك وقال معين الدين: لم أنسه إذ قال أين تحلني ... حذراً عليّ من الخيال الطارق فأجبت في قلبي فقال تعجباً ... أرأيت عمرك ساكناً في خافق وقد نسب ابن تقي إلى الجفوة في قوله: ومهفهف مالت به سنة الكرى ... زحزحته شيئاً وكان معانقي أبعدته عن أضلع تشتاقه ... كي لا ينام على وساد خافق فقل أنه لو قال باعدت عنه أضلعاً لكان أولى بالمقام. فصل في مراتب الغيرة وما توقعه بالمحب من الحيرة وهي باعثة نفسية مادتها المروأة والمحبة ثم تزيد وتختلف بحسب الدواعي والأشخاص والمحمود منها ما كان واقعاً عند مشاهدة نقص في ناموس الهي وحكم ديني ونمط شرعي فتبعث المتانة في الدين والمروأة على اصلاح ما نقص باليدان ما أمكن ثم اللسان ثم القلب وهذا هو الذي ترجمه الشاعر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثم توسع الناس فيها فأضافوا إليها سوء الظن فوقعوا بذلك في مفاسد كثيرة كنهي بعض جهلة المتصوفة عن ذكر الله غيرة عليه والحج والصلاة وغير ذلك مدعياً أنه ليس بأهل لها وقتل بعض العشاق من يتوهم منه ميلاً إلى محبوبه بل نفسه بل معشوقه ولهم فيها كلام كثير في قوالب شتى فبعضهم يغار من السواك والشربة والثوب وأمثال ذلك غير أني لم أر من غاص على لطائف هذا المعنى وتظرف في هذا المبنى ألطف من بهاء الدين زهير حيث غار من التلفظ بالحروف التي في اسم محبوبه فالله دره من غائص على نفائس الجواهر الفكرية ومستخرج لها من بحور الأذهان إلى بحور الألفاظ الرسمية. وذلك قوله: وأنزه اسمك أن تمر حروفه ... من غيرتي بمسامع الجلاس فأقول بعض الناس عنك كناية ... خوف الوشاة وأنت كل الناس إلا أن فيه بحسب ما يظهر مناقشة فإن ظهر كلامه أنه يجوز التلفظ بأسمها من فم نفسه بمسامع الجلاس وذلك غير جيد وأدق منه وأسلم وإن كان هذا أسجم قول يزيد بن معاوية. ألا فأمل لي كاسات خمر وغنّ لي ... بزكر سليمى والرباب وتنعم وإياك ذكر العامرية إنني ... أغار عليها من فم المتكلمي أغار على أعطافها من ثيابها ... إذا لبستها فوق جسم منعم

стр. 156

واحسد كاسات تقبل ثغرها ... إذا وضعتها موضع اللثم في الفم ومن ليطف كلام ابن أبي الحديد في هذا المعنى. فيا رب بغضها إلى كل صاحب ... سواي وقبحها إلى كل ناظر وبغض إليها الناس غيري كما أرى ... قبيحاً سواها كل باد وحاضر فيا جنة فيها العذاب ولم أخف ... حلول عذاب في الجنان النواضر ومما ينسب إلى قيس أرى الازار على اليلى فأحسده ... إن الازار على ما ضم محسود وقال أبو تمام بنفسي من أغار عليها منى ... وتحسد مقلتي نظري إليه ولو أني قدرت طمست عنه ... عيون الناس من حذري عليه حبيب بث في قلبي هواء ... وامسك مهجي رهناً لديه فروحي عنده الحسم خال ... بلا روح وقلبي في يديه ومما سنج لي في ذلك قولي نظرت إليها والسواك قد ارتوى ... بريق عليه الطرف مني باكي تردده من فوق در منضده ... سناه لأنوار البروق يحاكي فقلت وقلبي قد تفطر غيره ... أيا ليتني قد كنت عود أراك فقالت أما ترضى السواك أجبتها ... وحقك مالي حاجة بسواك فصل في أحكام أسرار المحبة وما فيها من اختلاف آراء الأحبة قد اختلفت آراء الحذاق وتشعب مرادات العشاق فمن ذاهب إلى أن الأفضل خزن الأسرار وإن ذلك من فعل الأحرار ومن قائل أن إفشاءها يسر القلب ويسري الكرب ومن قائل بالتفصيل وإن الاذاعة إلى المحبوب مطلوبة إذ هو الطبيب وكتم العلة عنه تعذيب وأما الاباحة لغيره فغير جائزة في مذهب المحبين وفاعلها ممقوت ومن أكبر المذنبين وهذا الطريق قد ادعى في ديوان الصبابة أنه الكاشف عن وجهه نقابة ولا والله ماله فيه ذرة ولم يكن ارتضع من هذا اللقح دره وأنا أنبه على من استنتج هذه الآراء المحررة ودون هذه المذاهب المحبرة فأقول أعلم أن الطرق الثلاث موجودة في كلام صاحب النفحات القدسية والألطاف الربانية المعطر بنفثات فيه الأقطار القائم بأعباء المحبة والأسرار قطب دائرة الوجود على رغم كل معاض سيدي عمر بن القارض أفاض الله علينا من امداداته وشملنا بألطاف عناياته فمن كلامه في المذهب الأول وهو الحقيق بالنصرة وعليه المعول. وللحب أقوام كرام نفوسهم ... منزهة عما سوى الحب يا خلي إذا أودعوا سراً رأيت صدورهم ... قبور الأسرار تنزه عن نقل ومن قوله في المذهب الثاني وهو صريح في استيفاء الشروط المذكورة. وابثثتها ما بي ولم يك حاضري ... رقيب بغى سري بخلوة جلوتي ومن قوله في المذهب الثالث بل هو أعم من هذا المشرب وقابل لكل مطلب. ويحسن إظهار التجلد للعدا ... ويقبح غير العجز عند الأحبة ثم لهج الناس بهذه الطرق فمن قول بعضهم في المذهب الأول. باح مجنون عامر بهواه ... وكتمت الهوى فمت بوجدي فإذا كان في القيامة نودي ... من قتيل الهوى تقدمت وحدي وأما كلام السهروردي فكأنه وقف عن كلا الطرائق وتردد وحيرة للعاشق وهو: وارحمة للعاشقين تحملوا ... سر المحبة والهوى فضاح بالمر إن باحوا تباح دماؤهم ... وكذا دماء العاشقين تباح وإذا هم كتموا تحدث عنهم ... عند الوشاة المدمع السفاح وللوثائق في المذهب الثاني ظهر الهوى وتهتكت أستاره ... والحب خير سبيله إظهاره فاعص العواذل في هواك مجاهراً ... فألذ عيش المستهام جهاره ولبعضهم فيه فبح باسم من تهوى ودعني من الكنى ... فلا خير في اللذات من دونها ستر ولبعضهم في المذهب الثالث يا موقد النار إلهاباً على كبدي ... إليك أشكو الذي بي لا إلى أحد إليك أشكو الذي بي من هواك فقد ... طلبت غيرك للشكوى فلم أجد ومن ظريف قول بعضهم وقائلة ما بال جسمك لا يرى ... سقيماً وأجسام المحبين تسقم فقلت لها قلبي بحبك لم يبح ... لجسمي فجسمي بالهوى ليس يعلم

стр. 157

وللمعري في نصرة الأول فظنّ بسائر الاخوان شراً ... ولا تأمن على سر فؤادا وألطف منه قول أبي جعفر الشطرنجي فلا تخبر بسرك بل أمته ... وصير من حشاك له حجابا فما أودعت مثل النفس سراً ... ولا أغلقت مثل الصدر بابا ولقد أحسن بعضهم وتلطف وأبدى ما هو أدق وألطف حيث قال: ومستودعي سراً تقصيت سره ... فأودعته من مستفرّ الحشا قبرا وما السر في قلبي كميت بحفرة ... لأني أرى المدفون ينتظر الحشرا ولكنني كنت أخفيه حتى كأنه ... من الدهر يوماً ما أحطت به خبرا ولبعضهم يا ذا الذي أودعتني سره ... لا ترج أن تسمعه مني لم أجره بعدك في خاطري ... كأنه ما مرّ في ذهني فهذا وأمثاله من أكبر الدوال على أن المذهب الأول هو الصحيح المعتبر وما اتهم به بعض الشراح عارف الزمان ولسان الحضرة الالهية وموضع الأسرار الربانية سيدي عمر ابن الفارض من أنه نصر المذهب الثاني بقوله. وليسوا بقومي ما استعابوا تهتكي ... فأبدوا قلي واستحسنوا فيك جفوتي وأهلي في دين الهوى أهله وقد ... رضوا فيك عاري واستباحوا فضيحتي فممنوع لأن التهتك الذي أراده هو الاشتهار بالعشق لا إذاعة الأسرار بدليل قوله رضوا فيك عاري يعني أن أهل الهوى عندهم هم الراضون بعشقه العادون وعاره في ذلك خصلة حميدة فأين هذا مما نحن فه وقد أسلفت في المقدمة أن دقائق هذا الاستاذ ليس في طوق البشر من حيث هو بشر الاحاطة بها فإذا استدلينا بشيء منه فهو استئناس لأهل الترسم في مشربهم وفيما ذكرت من قصة المنام كفاية للمتأمل وبالجملة فإفشاء السر بلاء عظيم ومذلة لا يرتضيها عاقل وأغرب بعضهم ففسر قول بعضهم وكل حديث جاوز اثنين شائع بأن المراد بالاثنين الشفتان وقلت من الأول. لقد أودعتني سرها فكتمته ... ولا والهوى ما غير البعد خاطري ولكن جوي الكتمان صعد مهجتي ... وقطرها دمعاً جرى من محاجري فشف لطول السقم جسمي من الذي ... كتمت فأبدته هناك سرائري فنم به الواشون بيني وبينها ... فصدّت وقالت لا وفاء لغادري فقلت وقد ضاقت هناك مذاهبي ... ومن كان قد ماعا ذلي صار عاذري فمن شافعي يوماً إليها ومالكي ... هواها وعن سرّي يحدث ظاهري ومن الثالث يا معشر العشاق أوصيكم ... بكتم أسرار الهوى والغرام إلا مع المحبوب في خلوة ... فثم كتم السر عندي حرام ومنه أيضاً بوصلك والودّ الذي كان بيننا ... حلفت ولا والله ما أنا غادر لأنت أعز الناس عندي وسرك ... بقلبي باق يوم تبلى السرائر فإن لم يجد لي الدهر منك بخلوة ... ففي الحشر تشكوه إليك الضمائر فصل في ذكر المغالطة والاستعطاف واستدراك ما صدر عن المحبوب من الانحراف وهو عبارة عن احتيال بلطافة على المحبوب يبلغ من الحكمة غاية المطلوب وموضوعه عود الالفة بعد النفور ومادته قيسة شعرية غالبها الزور وغايته الوصول إلى المطلوب واستمالة قلب المحبوب وألطف ما قيل فيه لابن الأحنف. كان لم يكن بيني وبينكم هوى ... ولم يك موصولاً بحبلكم حبلى وإني لاستحي لكم من محدثي ... يحدّث عنكم بالملالة والمطل وقال آخر: أتنسب لي ذنباً ولم أك مذنباً ... وحملتني في الحب مالي أطيقه وما طلبي للوصل حرص على البقاء ... ولكنه أجر إليك أسوقه وقال ابن أبي حجلة: لم أطلب الوصل من أجلي فديتك يا ... من زاد قثبي سواداً منه شامات لكن خشيت بأن تبلى بحب رشا ... يقتص لي منك والدنيا مكافأة وقال جميل: وماذا عسى الواشون أن يتحدثوا ... سوى أن يقولوا أنني لك عاشق نعم صدق الواشون أنت حبيبة ... إليّ وإن لم تصف منك الخلائق وقال ابن سنا الملك:

стр. 158

وغانية لم تعد عشرين حجة ... أقول لها قولاً لديه صواب عليك زكاة فاجعليها وصالنا ... لأنك في العشرين وهي نصاب وقال بعضهم: قم بنا يا نور عيني ... نجعل الشك يقينا فإلى كم يا حبيبي ... يأثم القائل فينا وقلت: تملكت أوصاف المحاسن والبها ... وزينت أرباب اللطافة والعقل فمذ أعجز الحساد شيء تقوله ... رموك بأوصاف القطيعة والبخل فلا تثبتي بالهجر زور كلامهم ... ولكن صليني وابطلي الزور بالنقل ولا تمطلي بالوعد قلباً معذباً ... وإن صح أن الشيء يعذب بالمطل فصل في ذكر الرسل والرسائل وتلطف الأحباب بالوسائل وهو باب قد لهج به لسان كل عاشق وترجمه كل رائق وموضوعه الاستعطاف بالانصاف ومادته زخرفة القول وغايته طلب الائتلاف ومن ألطف ما وقع فيه كلام الواوي الدمشقي. بالله ربكما عوجا على سكني ... وعاتباه لعل العتب يعطفه وحدّثاه وقولا في حديثكما ... ما بال عبدك بالهجران تتلفه فإن تبسم قولاً في ملاطفة ... ما ضر لو بوصال منك تسعفه وإن بدا لكما في وجهه غضب ... فغالطاه وقولا ليس نعرفه وقال آخر: ألا يا نسيم الريح بلغ رسالتي ... سليمى وعرض بي كأنك مازح فإن أعرضت عني فموّه مغالطاً ... بغيري وقل ناحت بذاك النوائح وقال القاضي مجد الدين: شكراً لنسمة أرضكم ... كم بلغت عني تحية كم قد أطالت بل أطابت ... في رسائلها الذكية لا غرو أن حفظت أحاديث ... الهوى فهي الذكية وهو مأخوذ من كلام الصلاح الصفدي يا طيب نشر هب لي من أرضكم ... فأثار كامن لوعتي وتهتكي أهدي تحيتكم وأشبه لطفكم ... وروى شذاكم إن ذا ريح ذكي ويجب اختيار الرسول وأن يكون ذا عفة وصيانة ومروأة وديانة لئلا ينقلب عند مشاهدة المحبوب عاشقاً ويخلص من سلطان المحبة والمطلوب أن يكون بالحجة ناطقاً وللعشاق في هذا المساق كلام لا تحصره الأوراق قال ابن سنا الملك. راح رسولاً فجاءني عاشقاً ... وعاقه عن رسالتي عائق وعادلاً بالجواب بل بجوى ... أخرسه والهوى به ناطق وقال أيضاً: راح الرسول إليه وهو مفند ... رجع الرسول إليّ وهو متيم وما ألطف قول الأرجاني في هذا المعنى. قسماً لقد رجع النسيم عليلاً ... لما سرى مني إليك رسولا ودرى بحبك أنه قد خانني ... فغداً يجر من الحياء ذيولا ومن ألطف ما وقع في الرسائل من النكت العجيبة والطرف الغريبة الناشئة عن فرط الذكاء الذي يغلب نوره على ابن ذكاء إن ابن السلطان صلاح الدين افتتن بقينة حتى تملك حبها قلبه فعلم أبوه أمره فمنعه عنها فازداد غمه فأرسلت إليه كرة عنبر فلما كسرها وجد فيها زراً من ذهب فلم يدر ما أرادت بذلك فأطلع على سره القاضي الفاضل فقال: أهدت لك العنبر في وسطه ... زر من التبر قليل اللحام فالزر والعنبر معناهما ... زر هكذا مختفياً في الظلام ومثله أن رجلاً دعا محبوبته إلى النزهة فأرسل إليها بمروحة وباقة نرجس وسكر نبات وشرابة وعود فأرسلت إليه بخيط أحمر وصبارة وثلاث كمونات سود وغاسول وزر وفي ذلك من لطيف الاشارة ما يدق عن الافهام فأنه أراد بالمروحة نروح وبالنرجس إلى الزهر وبالسكر النبات نبيت ليله وبالشراب نشرب وبالعود الغناء وأرادت بالخيط الأحمر أنها حائض وبالصبارة أن تصبر وبالثلاث كمونات ثلاث ليال وبالغاسول الاغتسال وبالزر الزيارة بعد ذلك وقلت ولم أسبق إلى هذا المعنى فيما أظن. رسولي تلطف واجر ذكري لها فإن ... رأيت الرصافي وجهها فأبسط الشكوى وإن أعرضت فاطو الذي قد نشرته ... ودعني بنيران الهوى في الهوى أكوى فقد صرت أرضى كل ما ترضى به ... واستعذب التعذيب في السر والنجوى

стр. 159

فعاد رسولي بعد عقل وحكمة ... بأضعاف ما عندي من العشق والبلوى ولم أرض ارسال النسيم لأنه ... يرى البث في التدبير من سائر الادوا فخفت عليه عشقها أن يعله ... فأحمل وزر ألست في حمله أقوى ويمكن تنزيل كلام عارف الوقت في هذا المنوال وسبكه في قالب هذا المثال حيث يقول: وتلطف واجر ذكرى عندهم ... علهم أن ينظروا عطفاً إليّ فإن في قوله تلطف غاية الخضوع المستجلب لرضا المحبوب بعد نفور القلوب وما أحسن قوله وأجرى ذكرى فإنه ألطف من واذكرني لهم لأنه طلب مطلق اجراء الذكر وهو يحتمل معاني كثيرة وكذا قوله عندهم أي ولو على سبيل الهذيان أو محادثة غيرهم فإني لست أهلاً لمقابلتهم بذكر ولهذا لم يقل واجر ذكرى لهم إلى غير ذلك مما لو أخذنا في بيان دقائقه لم تسعه دفاتر ولم تقم بحمله خواطر وما من مشرب للعشاق باطن أو ظاهر إلا ويوجد في مطاوي كلامه ولكن بلسان أهله. فصل في ذكر الاحتيال على طيف الخيال وهو أمر مهم عند أهل الغرام يتوصل إليه بالمنام وإنما تدعو الحاجه إليه عند طول الهجر وشدة الدجر ومقاساة نار الملل والسهر ولم أر فيه ألطف من كلام أستاذ الوجود وقطب مراتب أهل الشهود سيدي عمر بن الفارض نفعنا الله بمدده بل أظنه السابق إلى هذا المنوال والفاتح فيه باب الاحتيال حيث قال: نصبت على عيني لتحصيل غمضها ... لزورة زور الطيف حيلة محتال فما أسعفت بالغمض لكن تعسفت ... عليّ بدمع دائم الصب هطال ففي البيتين مع ما طلبه من التحسين البديعي ما لا يخفي. وقال ابن النقيب في المعنى نصبت جفوني للخيال حبائلاً ... لعل خيالاً في الكرى منه يسنح وكيف إذا أغمضتهن أصيده ... ومن عادة الاشراك للصيد تفتح وتلطف ابن نباتة في أخذه فقال واقسم لو جاد الخيال بزورة ... لصادف باب الجفن بالفتح مقفلا وتلطف ابن السروجي بقوله انعم بوصلك فهذا وقته ... يكفي من الهجران ما قد ذقته أنفقت عمري في هواك وليتني ... أعطي وصالاً بالذي أنفقته يا من شغلت بحبه عن غيره ... وسلوت كل الناس حين عشقته أنت الذي جمع المحاسن وجهه ... لكن كنز تصبري فرقته قال العواذل يدّعي بك نسبة ... فسررت لما قلت قد صدقته بالله إن سألوك عني قل لهم ... عبدي ومملوكي وما أعتقته أو قيل مشتاق إليك فقل لهم ... أدري بذا وأنا الذي شوّقته يا حسن طيف من خيالك زارني ... من فرحتي بلقاك ما حققته فمضى وفي قلبي عليه حسرة ... لو كان يمكنني الرقاد لحقته وابن السروجي هذا ذكره مما في منازل الأحباب في عشاق الغلمان وفي ثمرات الأوراق سماه تقي الدين ونقل عنه بعض هذا الشعر ولم يسم معشوقه والشاهد من شعره هنا البيتان الأخيران وإنما ذكرناه كله لحسنه ومن المكثرين من ذكر الخيال حتى ضربت به الأمثال البحتري ومن قوله فيه: ولم أنس اسعاف الكري بدنوّها ... وزورتها بعد الهدوّ ولم تدري إذا الليل أعطانا من الوصل بلغة ... ثنتنا تباشير الصباح من الفجر وقوله وليلة هوّ منا على العيش أقبلت ... بطيف خيال يشبه الحق باطله فلولا بياض الصبح طال تشبثي ... بعطفي غزال بنت وهنا أعازله فكم من يد لليل عندي حميدة ... وللصبح من خطب تذم هوائله وقال عبد الصمد واصل النوم بيننا بعد هجر ... فاجتمعنا ونحن مفترقان عير أن الأرواح خافت رقيباً ... فطوت سرها عن الأبدان منظر كان لذة القلب إلا ... أنه منظر بغير عيان وقال ابن القظان زار الخيال نحيلاً مثل مرسله ... فما شفاني منه الضم والقبل ما زارني قط إلا كي يواقفني ... على الرقاد فينفيه ويرتحل وقد أنشدهما يوماً عند الوزير الزيني وادعى أنه لا يمكن تثليثهما فأنشد الحيص بيض بديهة.

стр. 160

وما درى أن نومي حيلة نصبت ... لطرفه حين أعيا اليقظة الحيل وقال ابن العفيف يا حبذا طيفك من قادم ... يا أحسن العالم في العالم طيف تجلى نوره ساطعاً ... حتى رأته مقلة النائم يا غائباً يحكم في مهجتي ... عليّ طابت غيبة الحاكم عار على حسنك أن يشتكي ... خطي منه أنه ظالمي وأحسن كشاجم حيث قال لقد بخلت حتى بطيف خيالها ... عليّ وقالت رحمة لنحيبي أخاف على طيفي إذا جاء طارقاً ... وسادك أن يلقاه طيف رقيب وقال آخر وزارني طيف من أهوى على حذر ... من الوشاة وداعي الصبح قد هتفا فكدت أوقظ من حولي به فرحاً ... وكاد يهتك ستر الحب بي شغفا ثم انتبهت وآمالي تجنبني ... نيل المنى فاستحالت غبطتي أسفا وقال ابن المعتز أبصرته في المنام معتذراً ... إليّ مما جناه يقظانا ولان حتى إذا هممت به ... أنبهت عند الصباح لا كانا وقلت مليكة الحسن ما شيء يقال له ... نوم فإن جفوني ليس تعرفه هل تسمحين بشيء منه يطرقني ... فيه خيالك أن القلب يألفه يحيا به ميت عشق لا حراك به ... لطول هجرك كاد الشوق يتلفه ثم تشعبت آراءهم في التفنن في الخيال فمنهم من رده مللاً وضجراً ويشبه هذا ما سبق من حمله الضجر على ترك من هجر فمنهم طرفة ويقال أنه أول من ذكر الخيال وفي ديوان الصبابة أن أول من ذكره عمر بن قمئة وإن طرفه أول من طرده فقال: فقل لخيال الحنظلية ينقلب ... إليها فإني واصل حبل من وصل وتلاه جرير فقال طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... وقت الزيارة فارجعي بسلام وسيأتي لهذا البيت حكاية في الخاتمة تذكر هناك من رد عليه ومنهم من اعتذر عن عدم بعث الخيال بقوله: سامحت كتبك في القطيعة عالماً ... أن الصحيفة أعوذت من حامل وعذرت طيفك في الجفاء لأنه ... يسرى فيصبح دوننا بمراحل ومنهم من ذم النوم في قالب الاعتذار عن طيف الخيال كأنه يقول أن المنغصات في الدنيا لا تنفك عن الانسان حتى في النوم ألا ترى أن من يحلم بمحبوبه أو شيء من مطلوبه ينتبه فلا يرى إلا الأسف والقلق وزيادة الحرق وأن حلم أنه أحدث أو ضرب رأى ذلك في الصباح ولما كان خيال المحبوب من التلذذات لم يأت النوم به جرياً على عوائد الزمان في الاتيان بغير الملائم للانسان وما أحسن قول المتنبي في هذا المعنى: وأحسب أني إذ هويت فراقكم ... أفارقكم والدهر أخبث صاحب فيا ليت بيني وبين أحبتي ... من البعد ما بيني وبين المصائب ومن ذم المنام والرؤية فيه قول بعضهم: أرى في منامي كل شيء يسوءني ... ورؤياي بعد الصبح أدهى وأقبح فإن كان خيراً فهو أضغاث حالم ... وإن كان شراً جاءني قبل أن أصبح وقال المعري إلى الله أشكو أنني كل ليلة ... إذا نمت لم أعدم خواطر أوهام فإن كان شراً فهو لا شك واقع ... وإن كان خيراً فهو أضغاث أحلام وقال الأحنف العكبري وأحلم في المنام بكل خير ... فأصبح لا أراه ولا يراني ولو أبصرت شراً في منامي ... لوافى الشر من قبل الأذان وقلت لك الحمد إني لم أبت ليلة ... من الدهر خلواً من أليم الغوائب وفي النوم أن أحلم بشيء يسوءني ... من الصبح يأتيني بسوء العواقب وإن كان خيراً لا أرى منه ذرّة ... لسوء مزاج أو قران كوكب ومنهم من تطرف فوصف النوم وإبليس بالقيادة قال ابن المعتز: ألم الخيال بلا حمده ... وأبدلني الوصل من صدّه وكم نومة لي قوّادة ... أتت بالحبيب على بعده وقال آخر تركت هجا إبليس ثم مدحته ... وذاك لأمر عز عندي سلوكه يقرّب من أهواه حيناً فإن أبى ... حكاه خيالاً في الكرى فأنيكه

стр. 161

ومما يصلح إيراده هنا للمناسبة أن بعض المغفلين أحب امرأة وأجهد نفسه حتى اجتمع بها فنام فقالت له: لم لم تفعل ذلك قال: من شوقي إليك لعلي أراك في النوم فقالت: أنا عندك بنفسي فقم فانظرني. فصل في أحكام الليل والنهار وذم قصرهما عند الوصل وطولهما عند الهجر والنفار وتمني طول زمن الوصل والرضا وقصر الهجر وقطعه أسرع من القضا وما تشعب في ذلك بين العشاق وذهبوا كل مذهب على اختلاف الأذواق فمما قال متحمسهم بعد الجهد والغلبة ومرارة الصبر بعد فراق الأحبة: يا ليل طل أو لا تطلّ ... لا بد لي أن أسهرك لو بات عندي قمري ... ما بتّ أرعى قمرك وما ألطف قول بعضهم في طول الليل وهجر المحب: رقدت ولم ترث للساهر ... وليل المحب بلا آخر وقال آخر مات الظلام بليل ... أحييته حين عسعس لو كان لليل صبح ... يعيش كان تنفس وقال ابن منقذ لما رأيت النجم ساه طرفه ... والقطب قد ألقى عليه ثباتا وبنات نعش في الحداد سوافره ... أيقنت أن صباحهم قد ماتا وقال بعضهم وصل الحبيب جنان الخلد أسكنها ... وهجره النار يصلينا بها النارا فالشمس بالقوس أمست وهي نازلة ... إن لم يزرني وبالجوزاء إن زارا حكي أن محدثاً سئل عن معنى هذين البيتين فقال هذا راجع النجوم وقام مستحياً وآلى على نفسه أن لا يجس في حلقة حتى ينظر في النجوم وقال بعضهم في قصر ليل الوصال: يا ليلة كاد من تقأصرها ... يعثر فيها العشاء بالسحر وقال بعضهم وقد جمع وصف الزمانين: عهدي بنا ورداء الليل مشتمل ... والليل أطوله كاللمح بالبصر والآن ليلى مذ بانوا فديتهم ... ليل الضرير فصبحي غير منتظر وقال الشريف ابن الهبارية: لقد ساهرتني عيون الدجى ... وقد نام عني عيون الملاح إذا اشتكى الليل هجر الصباح ... شكوت إلى الله هجر الصباح وقال الفاضل في زمن الوصل بتنا على حال يسرّ الهوى ... وريما لا يمكن الشرح بوّابنا الليل وقلنا له ... إن غبت عنا هجم الصبح وقال الأرجاني معتذراً عن طول ليل الهجر: لا أدعي جور الزمان ولا أرى ... ليلي يزيد على الليالي طولا لكن مرآة الصباح تنفسي ... للهم اصدأ وجهها المصقولا وقال امرؤ القيس وليل كموج البحر أرخى سدوله ... علي بأنواع الهموم ليبتلى وقال المتنبي كم زورة لك في الأعراب خافية ... أزهى وقد رقدوا من زورة الذيب أزورهم وسواد الليل يشفع لي ... وأنثني وبياض الصبح يغري بي في هذا البيت من الأنواع حسن المقابلة وفيه مقابل خمسة بخمسة ولكن نقد عليه في مقابلة الصبح بالليل لأن الجزء لا يقابل بالكل فلو قال النهار كان أولى وللمتنبي دقائق لطيفة أرى ترى إلى قوله: وكم لظلام الليل عندي من يد ... تخبر أن المانوية تكذب فإن المانوية فرقة تقول أن الآلهة اثنان إله الظلمة وإله النور والأول لا يفعل إلا الشر والثاني لا يفعل إلا الخير فنقول أن زيارة المحب أعظم خير فعلته الظلمة وقد كذبوا في قولهم. وقال ابن رشيق: أيها الليل طل بغير جناح ... ليس للعين راحة في الطباح كيف لا أبغض الصباح وفيه ... بان عني نور الوجوه الملاح وإنما أكثر وامن ذكر الليل دون غيره لأنه محل سكون الحواس وهدو الانفاس وخلو النفس بعد انطباق مسالك التشعبات عنها فتستجلب الأفكار الخفيات فيما مضى وما هو آت وأما النهار فالأفكار فيه منتشرة والشواغل مستكثرة فهو محل الاستغراق وقلة الاعتلاق ومحل التسلية عن الأشواق اللهم إلا شخصاً قد ملك الحب قياده فلا يلهيه شيء ولا ينسيه مراده وقلت جامعاً لغالب هذه المعاني. يذكرك يا من هواها ضنى حالي ... شغلت فما منه أرى أبداً خالي فنيت عن الأغيار فيك صبابة ... فغيرك لم يخطر مدى الدهر في بالي

стр. 162

ولو زارني طيف الخيال لقال لي ... ألا أنعم صباحاً أيها الطلل البالي سوى قصر أعوام الوصال وصداها ... دقيقة هجران تقطع أوصالي فيا من لها بالحسن يوسف قد حبا ... ووالده بالحزن في الدهر أوصى لي متى تنعمي والشمس بالقوس ليلة ... وفي ضدّه يوماً على رغم عذالي وقلت أيضاً مخترعاً فيما أظن ألوم جميع العاشقين لذمهم ... ضيا الصبح في تفريق شمل الحبائب وما الصبح بل ما الشمس لولا جبينها ... يفيض الضيا في شرقها والمغارب وهلا سألتم شعرها ستر وجهها ... إذا شئتم طول احتباك الغياهب فصل فيما ذكر واشتهر على ألسنتهم من لوم العذول وسوء عقله الذي أوقعه في الفضول وكيف أدخل نفسه بين الأحباب حتى انتقمت منه أهل الآداب فوجهوا إليه سنان اللسان والأقلام فامتحن طعناً بكل نتي ونظام فقد قيل ليس من العدل كثرة العذل ومن تكلم بما لا يعنيه سمع ما لا يرضيه ومن لم يمسك عما استغني عنه من الكلام فهو أحق بالملام وليس هذا الباب ألطف من كلام سيدي عمر بن الفارص نفعنا الله ببركاته حيث قال: دع عنك تعنيفي وذوق طعم الهوى ... فإذا عشقت فبعد ذلك عنف وقال بعضهم يا عاذلي في هواه ... إذا بدا كيف أسلو يمر بي كل وقت ... وكلما مر يحلو وقال الشيخ جمال الدين بن نباتة: يا من إذا باعت الأبصارا أسودها ... بجبت فوق خديه فقد ربحت يزيد في العذل تبريحاً أسر به ... فليت عذال حبي فيك ما برحت وقال ابن العفيف التلمساني: أسرفت في اللوم ولم تقتصر ... وزدت في عذلك يا ذا العذول قد رضيت نفسي بمحبوبها ... وإنما المولى كثير الفضول وقال والده ولي على عاذلي حقوق هوى ... شكري عليها من بعض ما يجب لام فلما رآه هام به ... فكنت في عشقه أنا السبب وقال بعضهم قد اقتصر الملاحي وجاء يلومني ... وزخرف لي زور الكلام بمينه وقال أسل عن هذا وعد عن غرامه ... فقلت له هذا الفضول بعينه وأنشد ابن وكيع وقد عشق غلاماً نصرانياً ولامه عليه صاحبه فمر بهما المعشوق ولم يدر العاذل أنه هو فقال له لو عشقت هذا ما لمثلك عليه فأنشد. أبصره عاذلي عليه ... ولم يكن قلبها رآه فقال لي لو عشقت هذا ... ما لامك الناس في هواه قل لي إلى من عدلت عنه ... فليس أهل الهوى سواه فظل من حيث ليس يدري ... يأمر بالحب من نهاه وقال شيخ الشيوخ بحماة: زعموا أنني هويت سواكم ... كذبوا ما عرفت إلا هواكم قد علمتم بصدق مرسل دمعي ... فسلوه إن كان قلبي سلاكم قال لي عدلي متى تبصر ... الرشد وتسلو فقلت يوم عماكم وقال بعضهم إن قوماً يلحون في حب سعدى ... لا يكادون يفقهون حديثاً سمعوا وصفها فلاموا عليها ... أخذوا طيباً وأعطوا خبيثا وقال آخر من منصفي من عاذل جاهل ... يخون باللوم لمن لا يخون إن قلت ما نصحك إلا أذى ... قال وما عشقك إلا جنون وقال محمد بن شرف الدين القيرواني: يقول لي العاذل في لومه ... وقوله زور وبهتان ما وجه من أحببته قبلة ... قلت ولا قولك قرآن وقال الشيخ جمال الدين بن نباتة: أيها العاذل الغبي تأمل ... من غدا في صفاته القلب ذائب وتعجب لطرّة وجبين ... إن في الليل والنهار عجائب وقال ابن عبد الظاهر كم على عاذلي وكم لحبيبي ... ذاك تكبيرة وذا تهليلة يا ثقاتي وأين مني ثقاتي ... أين من يبتغي إليّ الوسيلة أنا إن مت قبلوني إليه ... فحياتي وحقه تقبيله وقال قابوس من عاذري في عاذل ... يلوم في حب رشا

стр. 163

إذا طلبت وصله ... قال كفى بالدمع شاهدا وقال الوداعي يا لأثمي في هواه ... أفرطت في اللوم جهلا ما يعلم الشوق إلا ... ولا الصبابة إلا وقال البها زهير وظبي حكى ريم الفلا في نفاره ... فما باله لم يحكه في التلفت يدافعني عن وصله بتهجم ... فيا ليته لو كان يدفع بالتي وقال شيخ الشيوخ بحماة أبغض العشاق منه أنني ... لم أبع في حبه رشدي بغيّ قلت قد أضنيت جسمي قال قد ... قلت كي تذهب روحي قال كي وقال أيضاً إليكم هجرتي وقصدي ... وفيكم الموت والحياة أمنت أن توحشوا فؤادي ... فآنسوا مقلتي ولاتو حشوا وقال ابن مطروح والله ما خطر السلو بخاطري ... ما دمت في قيد الحياة ولا إذا وقال آخر لو رأى وجه جبيني عاذلي ... لتفارقنا على وجه جميل وقال آخر قل للعذول أطلت اللوم في قمر ... يزيد في كل يوم حسنه نورا إن كنت تزعم ما في حسنه عجب ... قم فانظر الورد في خديه منشورا وقال محيي الدين البغدادي إن لامني من لا رآه فقد ... جار على الغائب بالحكم وإن نهاني من رآه فقد ... أضله الله على علم وقال البها زهير أنت الحبيب الأوّل ... ولك الهنا المستقبل عندي لك الودّ الذي ... هو ما عهدت وأكمل القلب فيك مقيد ... والدمع فيك مسلسل يا من يهدد بالصّدود ... نعم تقول وتفعل قد صح عذرك في الهوى ... لكنني أتعلل قل للعذول لقد أطلت ... لمن تقول وتعذل عاتبت من لا يرعوى ... وعذلت من لا يقبل غضب العذول أخف من ... غضب الحبيب وأسهل وقال ابن أبي حجلة وعاذل بالغ في عذله ... وقال لما هاج بلبالي بعارض المحبوب ما تنتهي ... قلت ولا بالشبب والوالي وقال آخر وشادن مبتسم عن شنب ... مورّد الخدّ مليح الشنب يلومني العاذل في حبي له ... وما درى شعبان أني رجب المراد بشعبان العاذل ورجب الأصم وهي أسماء كانت مشهورة في الجاهلية. وقال السراج الوراق قلت إذ جرد لحظا ... حده يدنى الأجل يا عذولي كف عني ... سبق السيف العذل هذا مثل سائر أصله أن سعداً وسعيداً ابني ضبة خرجا لحاجة فرجع سعدون أخيه فكانت العرب إذا عاد الرجل منهم من سفر يقولون له سعد أم سعيد فيقول سعد أن رجع بفرصة وإن عاد بدون فرصة يقول سعيد وإن أباهما خرج مع رجل حتى بلغا موضعاً فقال له الرجل قد قتلت هنا رجلاً وأخذت منه هذا السيف وناوله ضبة فعرفه فجرده وضرب الرجل فعذل فقال ضبة سبق السيف العذل. وقال شيخ الشيوخ بحماة أعاذلي ليس مثلي من تفنده ... وليس منك مأموناً على عذل ما دمت خلواً فما تنفك متهماً ... أعشق فقولك مقبول عليّ ولي وقلت لقد ضلت العشاق عن سننن الهوى ... للومهم العذال وهو عجيب أما عذر المجنون مع ذى جهالة ... لدى الشرع حتى يرعوى ويتوب وما عاقل ذاق الهوى فيذمه ... ويعذل صبا أن جفاء حبيب فصل في أحكام الزيارة وما جاء في فضلها من البراعة والعبارة وتفنن العشاق في فضل زيارة الحبيب وايثار أنفاسه على نفائس الطيب قيل كان الشافعي ﵁ يكثر من زيارة أحمد وكان أحمد يقل من زيارته هيبة له فقيل للشافعي أنك لتزوره أكثر وهو المحتاج إليك فأنشد: قالوا يزورك أحمد وتزوره ... قلت الفضائل لا تفارق منزله إن زارني فبفضله أو زرته ... فلفضله فالفضل في الحالين له وقد أبدع لسان الحقيقة وواسطة عقد الطريقة سيدي عمر بن الفارض أفاض الله علينا من مدده في هذا الباب حيث يقول: ولما توافينا عشاء وضمنا ... سواء سبيلي دارها وخيامي

стр. 164

فرشت لها خدي وطاء على الثرى ... فقالت لك البشرى بلثم لثامي جعل الزيارة تفضلاً منها ثم أشار إلى أخذه في إسباب السعي إليها بل شروعه في ذلك رفعاً لجانبها عن التكليف الكلي كأنه يقول أنه ليس أهلاً لها ثم فرش خده في مقابلة السعي ولم يقل لها فقط بل أطلق في جعله على الثرى المحتمل أنها وطئته وأنها لم تطأه وفي ذلك غاية رفع شأنها لمن يتأمل فلذلك عقبه أيضاً بغاية رفع شأنه منها بأكثر مما كان يؤمله ولذلك لم تسمح نفسه بما سمحت له به غيرة كما صرح به هضماً لجانبه عن هذا المقام كما أشار إليه ولما أعطى المقام حقه ونقلته العنايات إلى محل الكرامات والحظوة بنيل المرادات أشار إلى ذلك بقوله بعد البيت الذي تضمن ما ذكرنا. عتبت ولم تعتب كأن لم يكن قلى ... وما كان إلا أن أشرت وأومت فانظر إلى هذا الانتقال وصريح هذا المقال بعد ما قال: ومنت وما ضنت عليّ بوقفة ... تعادل عندي بالمعرّف وقفتي حيث عد زيارتها منة عليه لئلا يتوهم مما يأتي هضم جانبها ثم نفى عنها البخل ثم عتب بعد ذلك فأين هذا مما سبق فسبحان واهب الفضل لمن أحسن في خدمته وقام بحقوق محبته ومن ألطف ما قيل في الزيارة والعجلة قول العكوك. بأبي من زارني مكتتما ... خائفاً من كل شيء فزعا زائر نمّ عليه عرفه ... كيف يخفى الليل بدراً طلعا رصد الغفلة حتى أمكنت ... ورعى الساهر حتى هجعا ركب الأخطار في زورته ... ثم ما سلم حتى ودّعا وقال ابن المعتز زارني والدجى أحم الحواشي ... والثريا في الغرب كالعنقود وكان الهلال طوق عروس ... بات يجلى عن غلائل سود ليلة الوصل ساعدينا بطول ... طوّل الله فيك غيظ الحسود وقال آخر زارت على غفلة الرقيب ... كظبية روّعت بطيب وكان وقت الوصال منها ... أقصر من جلسة الخطيب وقال عبد العزيز ويقال أنه أصدق ما قالت الأواخر. يقولون لي بالله ما أنت فاعل ... إذا زارك المحبوب قلت أنيكه وقال ابن النبيه قلت لليل إذ حباني حبيبي ... بعتاب يسبي النهي وعقارا أنت يا ليل حاجبي فامنع الص ... بح وكن أنت يا دجى برد دارا وقال أن العفيف ومليح كالبدر زار بليل ... فجلى حسنه الدجى إذ تجلى ما درى منزلي ولكن قلبي ... بلهيب الجرى هواء ودلا وعجيب منه فقيه ذكي ... بمحل النزاع كيف استدلا وقال بشار يا أطيب الناس ريقاً غير مختبر ... ألا شهادة أطراف المساويك قد زرتنا زورة في الدهر واحدة ... عودي ولا تجعليها بيضة الديك إنما قال ذلك لأنه قد اشتهر أن الديك يبيض في عمره مرة ولم يذكر الطبيعيون ذلك وأقول أن القياس لا يأباه لما تقرر في الطبيعة من أن البيض الربحي فضلات غليضة هيأتها الحرارة والذكور يتوفر فيها ذلك على نحو المني الفاضل ولولا الحرارة الحلالة لكثر ذلك فيهم والممنوع بيض يولد النوع لعدم الزرع النامي ومن له يد في الفلسفة سهل عليه علم هذا وقال ابن أبي حجلة. زار الحبيب ووجه الورد خجلان ... فأصفرّ حين تثنى قدّه البان قد كان ما كان من هجرانه زمناً ... وقد وفى الآن فالعذال لا كانوا ما ضرني ضيق عيشي حين واصلني ... سم الخياط مع الأحباب ميدان وقال ابن سكرة أهلاً وسهلاً بمن زارت بلا عدة ... تحت الظلام ولم تحذر من الحرس تسترت بالدجى عمداً فما استترت ... وناب إشراقها ليلاً عن القبس ولو طواها الدجى عنا لأظهرها ... برق الثنايا وضوء البرق في الغلس ومما تدرجوا إليه من ذكر زيارة الحبيب وصف ممره بالطيب قال ابن النبيه. إن جاء من يبغي لهم منزلاً ... فقل له يمشي ويستنشق وقال الطغرائي فسربنا في ظلام الليل معتسفاً ... فنفحة الطيب تهدينا إلى الحلل وقال آخر

стр. 165

لو كان يوجد ريح مسك فائحاً ... لوجدته منهم على أميال وقال المتنبي ويفوح من طيب الثناء روائح ... لهم بكل مكانة تستنشق ومما ينخرط في سلك الزيارة وينتظم في عقد الاشارة ذكر العيادة وما ينجز إلى المحب فيها من الافادة وهي في الحقيقة زيارة بحيلة تستعطف بها النفوس البخيلة قال الطغرائي: خبروها أني مرضت فقالت ... أضنى طارقاً شكا أم تليدا وأشاروا بأن تعود وسادي ... فأبت وهي تشتهي أن تعودا وأتتني في خفية وهي تشكو ... ألم الشوق والمزار البعيدا ورأتني كذا فلم تتمالك ... إن أمالت عليّ عطفاً وجيدا وقال الشيخ جمال الدين بن نباتة وملولة في الحب لما أن رأت ... أثر السقام بعظمي المنهاض قالت تعيرنا فقلت لها نعم ... أنا بالسقام وأنت بالأعراض وقال آخر لا تهجروا من لا تعوّد هجركم ... وهو الذي بلبان وصلكم غذي ورفعتموا مقداره بالابتداء ... حاشاكم أن تقطعوا صله الذي وعلى ذكر الذي والصلة قيل كتب ابن عنين وقد مرض إلى الملك المعظم: أنظر إلي بعين مولى لم يزل ... يولي الندى وتلاف قبل تلافي أنا كالذي أحتاج ما يحتاجه ... فاغنم ثوابي والثناء الوافي فحضر إليه وصحبته ثلثمائة دينار فقال أنت الذي وهذه الصلة وأنا العائد وما ألطف قول البهاء زهير في المعنى يقولون لي أنت الذي شاع ذكره ... فمن صادر يثني عليه ووارد فقلت له هبني الذي ذكرته ... فأين صلاتي منكم وعوائدي وقال ابن عباد مرضت فأشفقت الزيارة عامداً ... وما عن قلى أمسكتها لا ولا هجر ولكنني أشفقت من أن أزوركم ... فأبصر آثار الكسوف على البدر الشهاب محمود رأتني وقال نال مني النحول ... وفاضت دموعي على الخد فيضا فقالت بعيني هذا السقام ... فقلت صدقت وبالخصر أيضا وقال الأرجاني غالطتني إذا كسا جسمي الضنى ... كسوة أعرت من اللحم العظاما ثم قالت أنت عندي في الهوى ... مثل عيني صدقت لكن سقاما ابن أبي حجلة شكوت إلى الحبيبة سوء حظي ... وما قاسيت من ألم البعاد فقالت أنت حظك مثل عيني ... فقلت نعم ولكن في السواد ابن النقيب وما بي سوى عين نظرت لحسنها ... وذاك لجهلي بالعيون وغرّتي وقالوا به في الحب عين ونظرة ... فقلت نعم عين الحبيب ونظرتي والكل مأخوذ من قوله وجاؤا إليه بالتعاويذ والرقي ... وصبوا عليه الماء من ألم النكس وقالوا به من أعين الجنّ نظرة ... ولو عقلوا قالوا به نظرة الأنس شمس الدين بن العفيف اسم حبيبي وما يعاني ... قد حير خاطري ولبي قالوا عليّ فقلت قدراً ... قالوا كوافي فقلت قلبي ابن الوكيل وبي من قسا قلباً ولان معاطفاً ... إذا قلت أدناني يضاعف تبعيدي أقرّ برق إذ أقول أنا له ... وكم قالها أيضاً ولكن لتهديدي ومما أورده صاحب الدمية له عذيري من شاطر أغضبوه ... فجرّد لي مرهفاً فاتكاً وقال أنا لك يا ابن الوكيل ... وهل لي رجاء سوى ذلكا وتشبيهاته في نوع الزيارة كثيرة ذكرنا منها ما سمعت إلا لا يمكن استيعاب ذلك. وقلت في أصل الزيارة زارت وقد أخفى نهار جبينها ... ليل الشعور مخافة الرقباء فوثبت إجلالاً أقبل نعلها ... بل تر به للبرء من أدوائي قالت لك البشرى فطب نفساً بما ... أوليت من نعم وحسن وفاء بتنا وكل جوارحي تشكو لها ... شوقي وما صنع الهوى بحشائي فسكرت من ألفاظها ورضابها ... مع لينها ومحاسن الحسناء ونسيم أنفاس لقلبي أرسلت ... سحراً فأحيا ميت الأحياء لله من وطر قضيت مؤازراً ... معها بثوبي عفة وحياء

стр. 166

يا ليلة غلط الزمان بها ولو ... عوّضتها بالعمر كان منائي وقلت أيضاً أفدي التي زارت بلا موعد ... في غفلة الواشين والجاني والوجه منها روضة أينعت ... ما لمستها راحة الجاني قمت لأجني الورد من خدها ... وهي بسيف اللحظ ترعاني فقلت ما هذا وقد راعني ... قالت حديد يمنع الجاني وأما كلام سيدي عمر بن الفارض في وصف طيب الحبيب فغاية لا يدركها اللبيب وذلك قوله: ولو عبقت في الشرق أنفاس طيبها ... وفي الغرب مزكوم لعادله الشم فإنه مع ذكر البعد فيما بين الجهتين مرصع بلطائف لا يهتدى إليها إلا من خص بالعناية ألا ترى إلى وصفه الشام بالزكام المانع من الشم عادة وجعله في الغرب الذي يكثر الهواء منه لا إليه كما في القرينة الثانية وجعل المحبوبة في القطر الحار الذي تفنى فيه الرائحة إذا عبقت لشدة تحليل الشمس لما يحمله الهواء من تصعيد البخار ومع ذلك يشم ومنه أخذت فقلت: لو اشتاقها في الغرب فاقد شمه ... وكانت بأقصى الشرق شم نسيمها وقلت في العيادة أقول لها هل تسعفي بعيادة ... مريضاً كواه البين بالهجر والسقم فقالت إذا ما فارق الروح زرته ... لأن محال جمع روحين في جسم ومما يتخرج على الزيارة تخريج الفروع على الأصول ويهتدي إلى الحاقه بها أهل العقول ما جرى على ألسنة الأحباب من أحوال العتاب وانقسام الناس فيه إلى مادح له لتأكيده المحبة وذام له بين الأحبة والصحيح إنما كذب الناقل وميز الحق من الباطل وأكد الصحبة بعد النفور وبين للحبيب الزور فهو أحق بأن ينصر ومنه يستكثر قال في إحياء علوم الدين ما معناه إن العتاب شأن أولي الألباب وقاطع لقطيعة الإخلاء والأصحاب وكان الرجل إذا وقع في نفسه من أخيه شيء لم يهجره حتى يوضح له ذلك فإن انتهى وإلا هجره وأما عتاب يفضي إلى المقاطعة ويحدث الهجر والممانعة فتقريع يجب اجتنابه عقلاً ونقلاً وتركه فصلاً ووصلاً وفيه قيل من سوء الآداب كثرة العتاب ومن أمثالهم في الأول العتاب مفتاح الوصال قاطع للهجر والملال وإلى سلوك الطريقة الحسنة فيه أشار من أمر بقتله وهو سعيد الكاتب بقوله: أقلل عتابك فالبقاء قليل ... والدهر يعدل تارة ويميل ولعل أيام الحياة قصيرة ... فعلام تكثر عتبنا وتطيل وقال آخر وبعض العتاب إذا ما رفقت ... يباعد هجر أو يدني وصالا فعاتب أخاك ولا تجفه ... فإن لكل مقام مقالا وإلى مكثر التقاطع أشار بالترك من قال لا تقر عن سماع من ... تهوى بتعداد الذنوب ما ناقش الأحباب إلا ... من يعيش بلا حبيب وإلى تأييد الأول أشار من قال فلا عيش كوصل بعد هجر ... ولا شيء ألذ من العتاب فلا هذا يمل حديث هذا ... ولا هذا يمل من الجواب وقال آخر وأحسن أيام الهوى يومك الذي ... تروّع بالهجران فيه وبالعتب إذا لم يكن في الحب سخط ولا رضا ... فأين حلاوات الرسائل والكتب ابن سنا الملك وأملي عتاباً يستطاب فليتني ... أطلت ذنوبي كي يطول عتابه ومن غرتي ذكر العذيب وبارق ... وما هو إلا ثغره ورضا به أبو نواس أساء فزادته الإساءة خطوة ... حبيب على ما كان منه حبيب تعد عليّ الواشيات ذنوبه ... ومن أين الموجه المليح ذنوب الحكم بن قنبر كأنما الشمس في أعطافه طبعت ... حسناً أو البدر من أزراره طلعا مستقبل بالذي يهوي وإن عظمت ... منه الإساءة معذور بما صنعا في وجهه شافع يمحو إساءته ... من القلوب وجيه حيثما شفعا أبو فراس قل لإحبابنا الجناة علينا ... درجونا على احتمال الملال أحسنوا في عتابكم أو أسيئوا ... لاعدمناكم على كل حال وقال آخر إذا مرضنا أتيانكم نعودكم ... وتذنبون فنأتيكم فنعتذر وقال آخر حججي عليك إذا خلوت كثيرة ... وإذا حضرت فإنني مخصوم

стр. 167

لا أستطيع أقول أنت ظلمتني ... الله يعلم أنني مظلوم وقال آخر ولو كان هذا موضع العتب لاشتفى ... فؤادي ولكن للعتاب مواضع ابن المعتز أقبل معاذير من يأتيك معتذراً ... إن برّ عندك فيما قال أو فجرا فقد أطاعك من يرضيك ظاهره ... وقد أجلك من يعصيك مستترا وقد قيل إن أفضل العتاب ما غرس العفو وأثمر المحبة وعتب يوجب العفو والصفاء أفضل من ترك يعقب الجفاء. وجاء في تفسير قوله تعالى فاصفح الصفح الجميل عن علي يعني أعف وأصفح بلا عتاب. وورد عنه ﷺ من لم يقبل من متنصل عذراً صادقاً أو كاذباً لم يرد على الحوض. وما أحسن قول القائل ذنبي إليك عظيم ... وأنت أعظم منه فجد بحقك أولاً ... واصفح بفضلك عنه إن لم أكن في فعالي ... من الكرام فكنه وقال آخر ما أحسن العفو من قادر ... لا سيما عن غير ذي ناصر يا غاية القصد وأقصى المنى ... وخير مرعى مقلة الناظر إن كان لي ذنب ولا ذنب لي ... فما له غيرك من غافر أعوذ بالودّ الذي بيننا ... أن يفسد الأول بالآخر وقال آخر وزعمت أني ظالم فهجرتني ... ورميت في قلبي بسهم نافذ ونعم ظلمتك فاغفر لي زلتي ... هذا مقام المستجير العائذ ابن زيدون يا قمراً مطلعه المغرب ... قد ضاق في حبك المذهب ألزمتني الذنب الذي جثته ... صدقت فاصفح أيها المذنب فإن من أغرب ما مرّ بي ... أن عذابي فيك مستعذب وقلت رأيت أساليب للعتاب كثيرة ... وألطفها ما أكد الحب في القلب إذا ما خلونا لم أجد ما أقوله ... يلذ سوى الشكوى إليها مع العتب ومن ذكر المحبوب شيأ منفراً ... عقوبته الهجران في مذهب الحب ومن ير ذنباً من حبيب فمدع ... وما الحب إلا أن تنعم بالذنب وهذا مستمد من قطب هذا الوجود وانسان عين أهل هذا الشهود سيدي عمر بن الفارض حيث قال وكل الذي ترضاه البيت السابق. وقد قال بعضهم عتاب المحبين الذلة في الأعتاب وخدمة الأبواب وقال بعضهم كن إذا قابلت الحبيب مرآة ينتقش فيك ذنبه فتراه منك وتطلب صفحه عنك ولم يوضح هذا الطريق أحد أجل من لسان العارفين وترجمان المحبين سيدي عمر بن الفارض حيث يقول: ولو عزّ فيها الذل ما لذ لي الهوى ... ولم تك لولاك الذل في الحب عزّتي فصل مما يلحق بالعتاب ويصلح أن يكون معه في باب الصبر على تعنت المعشوق وتجني على الصب المشوق والصفح عن التجني حين يذوق جناه ونسخ سخطه وظلمه بظلمه ورضاه وهو أهل عند العشاق يبنى عليه ويرجع في قواعد مذهب المحبين إليه كما قيل: شرط المحبة عند أرباب الهوى ... إن المليح على التجني يعشق لا يصدهم صد ولا يقفون من سيوف اللحظ عند حد ولا تأخذهم فيه لومة لائم ولا يعدون جور ما يرد من الظلم من المظالم. ابن النبيه من لم يذق ظلم الحبيب كظلمة ... حلواً فقد جهل المحبة وادّعى ولقد تلطفت عليه بنت المهدي في هذا المعنى حيث تقول: جبل الحب على الجور فلو ... أنصف المحبوب فيه أسمج ليس يستحسن في شرع الهوى ... عاشق يحسن تأليف الحجج وقال بعض الأعراب: شكوت فقالت كل هذا تبرما ... بحبي أراح الله قلبك من حبي فلما كتمت الحب قالت تعنتا ... صبرت وما هذا بفعل شجى القلب وأدنو فتقصيني فأبعد طالباً ... رضاها فتعتد التباعد من ذنبي فشكواي يؤذيها وصبري يسوءها ... وتنفر من بعدي وتجزع من قربي فيا قوم هل من حيلة تعرفونها ... أشيروا بها تستوجبوا الأجر من ربي

стр. 168

ولما كان التجني من المحبوب وتعنته الذي يكاد أن يفوت الغرض المطلوب يشتبه بالهجر والقطيعة ويعسر التفريق بينهما على من لم يخض لجة هذه الشريعة وجب بعد إذ أشرنا إلى حقيقة الأول أن نشير إلى الثاني ونذكر ما له من الأقسام والمباني سالكين في ذلك مسلك ديوان الصبابة إذ لا مزيد في هذا المحل على تقسيماته المستطابة فنقول: وقد قسم الهجر عند أهل المحبة بعد الاستقصاء إلى أربعة أقسام. القسم الأول هجر الدلال وهو الممدوح الصفات المقصود بالذات وسببه علم المحبوب بمكانته عند المحب وأنه يتلذذ بالاساءة كما يتلذذ بالحسنة ولا تغيره الحوادث على اختلاف الأزمنة ولهذا إذا صفت مرآة أهل المحبة اتحدوا في كل رتبة فيقع لأحدهم بعد المبالغة في هذا الصفاء أن يعتقد ارتفاع الخلاف واتصاف كل أحد بما عنده من الأوصاف فانظر إلى قول بهاء الدين زهير في قوله: عتب الحبيب فلم أجد ... سبباً لذاك العتب حادث ما كنت أعلم أنه ... ممن تغيره الحوادث فهو وإن لم يقع منه ما يوجب التغير كما أفهمه البيت الأول لم يعتقد تغير المحبوب بما يقع منه لأنه هو كذلك وفي هذا الأصل كلام للعارفين وكل يأخذ ما يناسبه من الاشارات والبهاء زهير لا يكثر عليه مثل هذا فلقد سمعت مولانا عارف الوقت الشيخ شمس الدين البكري أدام الله سدده يقول أنه كان إماماً عارفاً أو ذا لسان عارف وعلامة هذا القسم الأسعاف بالمطلوب وإن لم يكن كل آن والتلطف بالعاشق ورفع محله في غصون الهوان وهم يرون اليسير خطيراً والقليل كثيراً قال أستاذ الوجود في هذا المعنى: ففي نظرة منها ولو عمر ساعة ... ترى الدهر عبداً طائعاً ولك الحكم وفوق ذلك قوله ﵁: وإن لم أفز يوماً إليها بنظرة ... لعزتها حسبي افتخاراً بتهمتي ودون اتهامي إن قضيت أسى فما ... أسأت بنفس بالشهادة سرت فانظر كيف ارتضى بأن يموت محباً وإن لم يعلم به أحد ويكون شهيداً مع ذلك فائزاً بالسعادة في غاية الرضا بذلك بعد إذ سأل الوصل أولاً ثم نظرة ما في يوم ما ثم التهمة بالمحبة الصادقة على العدم ثم هذه الرتبة وما أحسن التكميل بعزة النظرة في هذا المقام وعلاج هذا القسم ينحصر في الصبر المقرون بالرضا ثم التسليم الخالي عن الشوائب المكدرة ومعنى قوله ﵁ ولو عز فيها الذل يحقق ذلك، وأما قوله: ونفس ترى في الحب أن لا ترى عنا ... متى ما تصدّت للصبابة صدت فزجر ينفي ويمنع غير النفوس الزكية والهمم العلية عن سلوك هذه المرتبة السنية رجع إلى كلام المترسمين قال بعضهم هجر الدلال أعذب من الوصال. ويدل هجركم على ... أني خطرت ببالكم وقال آخر لئن ساءني أن نلتني بمساءة ... لقد سرت أني خطرت ببالك ويستحب لمن وسم بالجمال وأخذ بقلوب النساء والرجال أن يكون كثير الدلال قليل التبذل فإن ذلك ادعى للسلامة وأبعد عن الملامة ابن وكيع. قالوا عشقت كثير التيه ممتنعاً ... فقلت هيهات عنكم غاب أطيبه لو جاد هان وقلت الجود عادته ... وإنما عز لما عز مطلبه العباس بن الأحنف يا قوم لم أهجركم لملالة ... مني ولا لمقال واش حاسد لكني جربتكم فوجدتكم ... لا تصبرون على طعام واحد وقلت عدي واضمري خلفاً يلذ بخاطري ... كوصلك وعدمنك غايته الخلف فعندي موتي في هواك وعلمك ... بذلك وصف لا يعادله وصف القسم الثاني هجر الملال هو هجر منشؤه الملازمة مع اختلاف الخصال وتكون المحبة فيه عريقة بل منشؤها علة على الحقيقة وسببه ما ذكر من الاختلاف وتحري النفس طلب الاعتساف وعلامته تأثير مباعدة المكان وطول الأزمان وعلاجه التحبب والتخلق بخلق المراد وسلوك كل ما أراد وربما محته الهدية والملاطفة بالأخلاق المرضية والصفح مع حسن الصبر والمجاوزة عن الزلة وإن عظم الأمر وبعض العشاق من المترسمين صرح في علاجه بتباعد المكان والغيبة الممتدة إلى مدة من الزمان وفيه أنشد. سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا ... وتسكب عيناي الدموع لتجمدا

стр. 169

هذا لا يحسن على اطلاقه إلا بعد تحقيق وثاقه وهو أن يكون للمحبة أمل وإنما ضعف بالملازمة وإلا فالبعد مع عدم ذلك غاية مطلوبه وصفة محبوبه. القسم الثالث الهجر المعروف بهجر الجزاء والمعاقبة هو هجر سببه وقوع في ذنب ولو خطأ وعلامته قبول الأوبه عند صدق التوبة وعلاجه تصديق الحبيب في دعواه والنزول على حكمه والرضا بما يهواه والاعتراف بالذنب وإن لم يكن صدر والطلب العفو ممن قدر وإلى هذا المشرب وسلوك هذا المأرب أشار سيدي عمر بن الفارض ﵁ بقوله: عبد رق مارق يوماً لعتق ... لو تخليت عنه ما خلاكا فقد حقق في هذا الباب أن لا محيص له عن هذا الجناب وأنه يطلبه بكل حال لا ينحيه عنه في سائر الأحوال سوى طلب أو منع أو جلب أو دفع ثم دل على صدق كلامه وانعقاد قلبه على مطاوعته في مرامه فقال: وبما شئت في هواك أختبرتني ... فاختياري ما كان فيه رضاك ثم ارتفع عن هذه المرتبة ايضاحاً لمراتب السالكين ودلالة على التنقل الموصل للناسكين حيث قال: وقد صرت مستدع قضاك وما به ... رضاك ولا أختار تأخير مدتي فإنه أبلغ من قوله: وإن هددوا بالهجر مانوا مخافة ... وإن أوعدوا بالقتل حنوا إلى القتل خلافاً لبعض الشراح لعموم ما في الأول بالنسبة إلى هذا وبيانه يستدعي طولاً وأما قوله: وما غدرت في الحب إذ هدرت دمي ... بشرع الهوى لكن وفت إذ توفت فاصرح من جميع ذلك فيما نحن فيه بل ربما تمشى على القسم الأول أو هو له حقيقة. الهجر الرابع الهجر الخلقي وسماه بعض الصوفية الأزلي يقال أن الجنيد ﵁ فسر قوله ﷺ الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف بأن الله حيث أخرج عالم الذر جعله في كفه ثم أخذ العهد عليه ثم بذره فوقع بعضه متقابلاً وهؤلاء هم المشتركون في نسب أوجبت الصحبة وحققت المحبة وتدابر الآخر فحقت بين أفراده المقاطعة وجبلوا على الممانعة وهذا التقابل والتدابر يجوز حله على حقيقته ويجوز أن يراد به أمر معنوي غايته الاختلاف وأسباب هذا كثيرة أعظمها عند المتمسكين بالشرائع اختلاف الأديان وعند مطلق العالم يستند إلى الارادة الالهية حيث صرح بعجز أكمل مخلوقاته وعين أعيان سر صفاته عن قيام الناموس بدونها فقال من قائل " لو أنفقت ما في الأرض جميعاً الآية " وهذا القسم والذي قبله لا تعلق للعشاق بهما على ما اخترناه وبعضهم يرى أن الثلاثة الأول من متعلقات العشق ويجمع بين الكلامين بتفاوت المراتب فإن من بلغ إلى قول الاستاذ ﵁ وكل الذي ترضاه البيت لم يكن القسم الثاني فضلاً عن الثالث مكن متعلقاته وإذا عرفت ما قررناه ثبت عندك أن هذا القسم لا علاج له أصلاً إلا بالارادة الالهية ثم الهجر من المحب الصادق قد يؤل الأمر فيه بالعاشق إلى أن يخرج كلامه مخرج الدعاء عليه ويكون في الحقيقة ثناء لديه وقد يستخير عند تمادي الهجر وحكم الغرام حلول رمسه فيجعل ذلك الدعاء على نفسه وألطف ما سطر في الأول وعليه عند الظرفاء يعول قول الشاب الظريف المعروف بابن العفيف. أعز الله أنصار العيون ... وخلد ملك هاتيك الجفون وضاعف بالفتور لها اقتداراً ... وإن تك أضعفت عقلي وديني وخلد دولة الأعطاف فينا ... وإن ثنت الفؤاد إلى الشجون وأسبغ ظل ذاك السعد يوماً ... على قدّ به هيف الغصون وصان حجاب هاتيك الثنايا ... وإن جارت على الفذ الطعين وقال أيضاً: أدام الله أيام الوصال ... وخلد عمر هاتيك الليالي وأسبغ ظل أغصان التداني ... وزاد قدودها حسن اعتدال ولا زالت ثمار الأنس تجني ... تزيد لطافة في كل حال ولا برحت لنا فيها عيون ... تغازل مقلتي خشف الغزال وقال آخر: يا رب إن قدرته لمقبل ... غيري فللمسواك أو للأكؤس وإذا قضيت لنا بصحبة ثالث ... يا رب فليك شمعة في المجلس وإذا حكمت لنا بعين مراقب ... يا رب فلتك من عيون النرجس وقال شهاب الدين بن العائم:

стр. 170

والله ما أدعو على هاجري ... إلا بأن يمحن بالعشق حتى يرى مقدار ما قد جرى ... منه وما قد تم في حقي وقال آخر: أيها المعرض صفحاً ... عن خطابي وجوابي لا أرك الله عمري ... أو يريني بك ما بي ربّ فاجعله دعاء ... خائباً غير مجاب رق قلبي أن يرى ... قلبك في مثل عذابي وقال آخر: كم جفاني فرمت أدعو عليه ... فتوقفت ثم ناديت ذاهل لأشفى الله طرفه من سقام ... وأراني عذاره وهو سائل ابن وكيع: إن كنت تعلم ما بي ... وأنت بي لا تبالي فصار قلبك قلبي ... وصرت في مثل حالي بل عشت في طيب عيش ... تفديك نفسي ومالي دعوت إذ ضاق صدري ... عليك ثم بدا لي وقال آخر: ولما بدا لي أنه غير رائدي ... وأن هواه ليس عني بمنجلي تمنيت أن يهوى ويحيا لعله ... يذوق مرارات الهوى فيرق لي قالت: لي طلعة الحسن واللطف ناضرة ... أرى كل أرباب المحاسن ناظره لقد بطنت في كل معنى وصورة ... من الكون لما أصبحت فيه ظاهره تضن على العشاق بالقتل في الهوى ... فما طلبي للوصل إلا مكابرة ولكنني أرجو تبدل ما بنا ... من الميل واستكشاف حجب المساتره فتطلبني من بعد ما أنا طالب ... لها وتحييني بحسن المحاضره فيا رب خذ منها بحقي وانتصر ... لنفس غدت في أبحر الشوق حائره ولا تستجب مني وسلطان عزها ... أدمه وإن كانت على الناس جائره ثم قد يتمادى الهجر ولا يسمع الدعاء ويعز الوصل ويصعب الرضا فيأخذ العاشق في مسح الدموع والانحطاط من أوج الارتفاع إلى حضيض الخضوع. ولقطب هذه الدائرة وبدر سماء هذه الكواكب السائرة ذي المرتقة التي لا تلحق وقصب السبق التي لا تدرك والجواد الذي لا يسبق قوله: ومن درجات العز أمسيت مخلداً ... إلى دركات الذل من بعد نخوتي فلا باب لي يغشى ولا جاه يرتجى ... ولا جار لي يحمي لفقد حميتي فقد أشار في هذين البيتين إلى طرح حطوط نفسه التي قد تكون مانعة من الوصول إشارة يدق إدراك كنهها عن العقول فقد أثبت له رتبة رفيعة بين أن تركها بعد علاج عظيم ومن ثم كان تدريجاً لعدم إمكان طرحها دفعة كما أفهمته الدرجات والإضافة إلى العز وعكس الحكم في الطرف الآخر لأنه في غاية المقابلة وأكد ذلك بالاشارة إلى غاية المحو الذي به حقق إثباته كما أشار بعده بقوله والفقد مثبتي وأما إشارته إلى الدموع وفنسكابها فالغاية التي لا يدرك منها الناس إلا القشور فمنها قوله: فسهدي حي في جفوني مخلد ... ونومي بها ميت ودمعي له غسل فانظر إلى غرابة هذه الاستعارات ولطف هذا التركيب وصحة هذا السبك الخالص من الزيف مع بلوغ المقصود ثم بالغ في تحقيق هذا المرام وارتقى في مسالك هذا المقام بقوله: وامع هملت لولا التنفس من ... نار الجوى لم أكد أنجو من اللجج وأبلغ منه قوله فطوفان نوح عند نوحي كاد معي ... وإيقاد نيران الخليل كلوعتي فلولا زفيري أغرقتني مدامعي ... ولولا دموعي أحرقتني زفرتي لعكس التشبيه كما سبق في صدر هذا الباب وتكافؤ الضدين هنا ومن قال بتساوي المعنيين في القصيدتين لم يعرف معنى الطوفان بالنسبة إلى اللجج في الأول لأنه انقلاب العناصر كلها إلى واحد وهذا في الدقة كقوله ﵁ وإن لم يكن مما نحن فيه. وتحفت أخفافها فهي تمشي ... من جواها في مثل جمر الرماد حيث نسب تحفية الاخفاف إلى حراره الجوى التي شأنها الصعود عكس الإخفاف فكأنه يقول لشدة هذه الحرارة استوعب الأحباز كلها وأما قوله: فلو بكى في قفار خلتها لججا ... وإن تنفس عادت كلها يبسا وغيره فكثير لا يمكننا إدراك أقله وأني للبشر من حيث أنه بشر إدراك دقائق الفيوضات الإلهية والكرامات التي خلفت المعاجز النبوية كما صرح به ﵁ حيث قال:

стр. 171

فعالمنا منهم نبي ومن دعا ... إلى الحق منا قام بالرسلية وأصرح منه قوله: فما كان منه معجز أصار بعده ... كرامة صديق له أو خليفة رجع إلى كلام المترسمين قال القاضي الفاضل: قد استخدمت بالأفكار سري ... وما أطلقت لي بالوصل أجره ولم أرها على الأيام إلا ... عقدت مودة وحللت صره ولا استمطرت سحب العين إلا ... وصرت بأدمعي في الشمس عصره ابن عبد الظاهر لا تسلني عن أول العشق إني ... أنا فيه قديم هجر وهجره من دموعي ومن جبينك ... أرخت غرامي بمستهل وغره المتنبي أتراها لكثرة العشاق ... تحسب الدمع خلقة في الأماقي وله أيضاً: وهبت السلو لمن لا منى ... وبت من الشوق في شاغل كأن الجفون على مقلتي ... ثياب شققن على ثاكل وقال آخر ولم أنس لا أنس ذاك الخضوع ... وفيض الدموع وغمز اليد وخدي يضاف إلى خدها ... قياماً إلى الصبح لم نرقد إبراهيم بن المعمار وبي غضبان لا يرضيه إلا ... دموع ساكبات مستمره فما عطفت معاطفة بوصل ... وفي عينيّ بعد الهجر قطره وقال آخر وقال ما بال عينيك مذ رأت ... محاسن هذا الظبي أدمعها هطل فقلت زنت عيني بنظرة طلعة ... فحق لها من فيض أدمعها غسل السري الرفاء بروحي من رد التحيه ضاحكاً ... فجدّد بعد اليأس في الوصل مطمعي وحالت دموع العين بيني وبينها ... كأن دموع العين تعشقة معي وقال آخر وقائلة ما بال دمعك أسودا ... ولونك مصفراً وأنت نحيل فقل لها أن الدموع تجففت ... وهذا سواد المقلتين يسيل ابن وكيع وسحاب إذا همي الماء فيه ... ألهب الرعد في حشاء البروقا مثل ماء العيون لم يجر إلا ... ظل يذكي على القلوب الحريقا المسعودي شارح المقامات قالت عهدتك تبكي ... دماً حذار التنائي فلم تعوّضت عنها ... بعد الدماء بمائي فقلت ما ذاك مني ... ولم يكن بمنائي لكن ضلوعي شابت ... من طول عمر التنائي وقال آخر كانت دموعي حمراً يوم بينهم ... فمذ نأوا قصرتها بعدهم حرقي قطفت باللحظ ورداً من خدودهم ... فاستقطر البين ماء الورد من حدقي ابن الناشيء الأكبر بكيت الفراق وقد راعني ... بكاء الحبيب لفقد الديار كأن الدموع على خدها ... بقية طل على جلنار وقلت ومحجوبة مذ كلمتني كلمت ... فؤادي وألقت بين سمعي وناظري إلى أن رأتها مقلتي فاض دمعها ... على الأرض أمثال البحور الزواخر فقالت عقيقاً ما أرى قلت بل د ... مي جرى عندما من هجرك المتواتر فصل في نفي كدر الهم والصدود باستجواب الأماني والوعود والتعلل بالأماني والطمع في التهاني وهو أصل انقسمت فيه العشاق إلى قسمين قسم وفي له محبوبه وحصل له بعد الوعد مطلوبه وهو العزيز النادر وغير الوافي الوافر وقسم مات بغصته وحالت المنية بينه وبين أمنيته وانتهاز فرصته وأعجب ما فيه أن الراضون به مع العلم بزوره أكثر العشاق وأغلب من نودي عليه في هذه الأسواق وقد كشف عن غامض هذه الطريقة واستثنى الرضا بزور هذه الحقيقة الأستاذ ﵁ فقال: عديني بوصل وأمطلي بنجازه ... فعندي إذ أصح الوفا حسن المطل وما الصد إلا الود ما لم يكن قلي ... وأصعب شيء دون اعراضكم سهل ثم تجرد من ثياب هذه الطريقة وانغمس في بحار الحقيقة فانطوت نفسه الأبية في مطاوي الحقائق القدسية فقال: إن لم يكن وصل لديك فعد به ... أملي وماطل إن وعدت ولا تفي وأما المترسمة فقد أكثروا في هذا الباب الأقوال واختلفوا باختلاف الأحوال قال بعضهم: أعلل بالمني قلبي لعلي ... أروح بالأماني ألهم عني

стр. 172

وأعلم أن وصلك لا يرجى ... ولكن لا أقل من التمني وقال آخر وما بلوغ الأماني في مواعدها ... إلا كاشعب يرجو وعد عرقوب ومن كلام أفلاطون الأماني حلم المستيقظ وسلوة المحروم وقال غيره التمني مؤنس إن لم ينفعك فقد ألهاك. قيل لأعرابي ما أمتع لذات الدنيا قال ممازحه الحبيب ومحادثة الصديق وأماني تقطع بها أيامك. ياقوت الرومي لله أيام تقضت بكم ... ما كان أحلاها وأهناها مرت فلم يبقى لنا بعدها ... شيء سوى أن نتمناها ابن الوردي وشادن قلت له ... هل لك في المنادمه فقال كم من عاشق ... سفكت في المني دمه الحسين بن الضحاك وصف البدر حسن وجهك حتى ... خلت أني وما أراك أراك وإذا ما تنفس النرجس الغض ... توهمته نسيم شذاك خدعات المني تعللني فيك ... باشراق ذوا بهجة ذاك ابن أبي حجلة رقي لصب غدا مما يكابده ... من دمعه الصب يجري في مجاريه لم يبق فيه سوى روح يرددها ... لولا المني مات يا أقصى أمانيه وقلت عدى فتى شفت الأسقام مهجته ... بزورة منك يا أقصي تمنيه فالهجر منك لكاس الموت بسلمه ... والوعد منك ولو بالزور يحييه وقد ذم قوم الرضا بالوعد والأماني وعدوا ذلك جنوناً ومشى على ذلك جمع كثير. الخالدي ولا تكن عبد المني فالمني ... رؤوس أموال المفاليس ابن المعتز لا تأسف من الدنيا على أمل ... فليس باقيه إلا مثل ماضيه قال علي كرم الله وجهه اجتنبوا المنى فإنها تذهب ما خولتم وتصغر المواهب التي رزقتم وقال رجل لابن سيرين أني رأيت كأني أسبح في غير ماء وأطير بغير جناح فقال أنت رجل تكثر الأماني وسمع الحجاج ليلة لبانا يقول أبيع اللبن بكذا وأشتري بضاعة فأكسب فيها كذا فيكثر مالي فأتزوج ابنة الحجاج وتلد لي ولداً وآمرها يوماً بشيء فلم تطع فارفسها هكذا ورفع رجله فكب اللبن فدخل الحجاج فضربه خمسين سوطاً وقال ألست تفجعني في ابنتي لو فعلت بها هذا. وقال آخر لما بدا العارض في خده ... بشرت قلبي بالنعيم المقيم وقلت هذا عارض ممطر ... فجاءني فيه العذاب الأليم وأما الرضا بالدون من المحبوب والقناعة باليسير من المطلوب وإن طال الوعد وكثر الخضوع وامتد البعد وانسكبت الدموع فصفة العاشق القانع الملقى عن نفسه المطامع المنزه محبوبه عن التكليف. المشفق عليه من نحو التعنيف وقد اتصف به جم غزير عدوا فيه أقل القليل أكثر الكثير وليس في هذا النمط ألطف من جميل في قوله وإني لأرضى من بثينة الأبيات السابقة في قصته. وقوله ألست أرى النجم الذي هو طالع ... عليها فهذا للمحبين نافع عسى يلتقي في الأفق طرفي وطرفها ... فيجمعنا إذ ليس في الأرض جامع وقال بعض الأعراب أليس الليل يجمع أم عمرو ... وابانا فذاك لنا تدانى نعم وأرى الهلال كما تراه ... ويعلوها النهار كما علاني وقال بعضهم إلى الطائر النسر انظري كل ليلة ... فإني إليه بالعشية ناظر عسى يلتقي طرفي وطرفك عنده ... فنشكو إليه ما تكن الضمائر وقال بعض الأعراب وما نلت منها وصلها غير أنني ... إذا هي بالت بلت حيث تبول وقال بعضهم وكن قنوعاً فقد جرى مثل ... إن فاتك اللحم فاشرب المرقه هذه إشارة إلى مثل يضرب للقناعة باليسير وأصله أن الهدهد قال لسليمان ﵇ أنت في ضيافتي بجميع عسكرك في جزيرة كذا فلما حضروا أخذ جراده ورمى بها في البحر وقال يا نبي الله من فاته اللحم فليشرب المرق فكان سليمان ﵇ يضحك من ذلك إذا ذكره وعكس هؤلاء من مد إلى المحبوب باعه وأوسع آماله وأطماعه فلم يرض إلا بامتزاج الأشباح فضلاً عن الأرواح والتأليف الذي لا يمكن تمييزه كالماء والراح حتى يراهما واحداً في العين الأحوال الذي يرى الشيء اثنين. قال بعضهم وكدت وهو ضجيعي أن أقول له ... من شدة الحب قد أبعدت فاقترب

стр. 173

ابن الرومي أعانقه والنفس بعد مشوقة ... إليه وهل يعد العناق تداني وألثم فاه كي تزول حرارتي ... فيشتد ما ألقى من الهيماني كان فؤادي ليس يشفي غليله ... تشفيه مما ترشف الشفتان ولم يشف مقدار الذي بي من الجوى ... سوى أن ترى الروحان يمتزجان خالد الكاتب كأنني عانقت ريحانة ... تنفست في ليلها البارد فلو ترانا في قميص الدجى ... حسبتنا في جسد واحد نفطويه النحوي ولما التقينا بعد بعد بمجلس ... نغازل فيه أعين النرجس الغض جعلت اعتمادي ضمه وعناقه ... فلم نفترق حتى توهمته بعضي أبو بكر الأربلي هم الرقيب ليسعى في تفرقنا ... ليلاً وقد بات من أهواه معتنقي عانقته فاتحدنا والرقيب أتى ... فلما أتانا ما رأى غير واحد أبو الفضل سقيا لعيش مضى والدهر يجمعنا ... ونحن نحكي عناقاً شكل تنوين فصرت إذا علقت كفى حبائلكم ... بسهم هجرك تنوي ثم تنويني ابن سنا الملك وليلة بتنا بعد سكري وسكره ... نبذت وسادي ثم وسدته يدي وبتنا كجسم واحد في عناقنا ... وكالحرف في لفظ الكلام المشدد قيل اعترض هذا بكون العروضيين تعد الحرف المشدد بحرفين فلو قال في الخط لحسن مطلوبه. واجتمع ابن الجهم وابن عروس في سفينة فتذاكر الشعر فقال ابن الجهم أنا أشعر منك حيث أقول: الأرب ليل ضمنا بعد هجعة ... وأدني فؤاداً من فؤاد معذب وبتنا جميعاً لو تراق زجاجة ... من الخمر فيما بيننا لم تشرب فقال أحسنت ولكني أشعر منك حيث أقول: لا والمنازل من نجد وليلتنا ... بعيد إذ جسدانا بيننا جسد كم رام فينا الكرى من لطف مسلكه ... نوماً فما انفك لا خد ولا عضد بشار بن برد ومرتجة الأعطاف مهضومة الحشا ... تمور بسحري عينها وتدور إذا نظرت صبت عليك صبابة ... وكادت قلوب العاشقين تطير خلوت بها لا يخلص الماء بيننا ... إلى الصبح دوني حاجب وستور وكلام بشار وإن كان في الحقيقة أصلاً للبيتين إلا أن ابن الجهم تلطف حيث أبدل الماء بالخمر لأنه أشد نفوذاً وأما ابن عروس فلا ألطف منه إذ لا شيء أشد سرياناً من النوم وحاصله أنه يمكن الجمع بين أهل القناعة باليسير من المحبوب ومن لا يقف على غاية في المطلوب باختلاف الأمكنة وصفاء الأيام والخلو من نحو واش ونمام ومجالس الورد والنمام فإن من الحزم انتهاز الفرص ومن الحمق الوقوع في ضيق القفص ومن صفا له الزمان فجبن عن مطلوبه فهو زاهد في محبوبه ومن رأى العوائق دون مرامه فالحزم تقييد غرامه وقلت من الأول. لقد صار يشفيني الهواء لمزجه ... بأنفاسها مع أن دائي من الهوى ويفرحني ما جد في الصبح والمسا ... لأني وإياها بمدركة سوا ومن الثاني رب ليل ضممتها فيه حتى ... لو فرقنا كنا هيولي وصورة مع أني سألتها القرب مني ... بخضوع وإن تمن بزوره وهو معنى فوق ما قصد من لطف الخمر والكري إذ لا يتصور افتراق الهيولي والصورة بوجه وقد جعلت ذلك كالحال وقت الفرقة فلا أبلغ منه. فصل في ذكر مكابدة الأمور الصعاب عند طلب رضا الأحباب وخوض الأهوال واستهلال قضاء الآجال فضلاً عن بذل الأموال ليحصل من محبوبه على مطلوبه ويرضى باليسير كما سلف ولو كان ذلك يفضي إلى التلف وقد فتح للفريقين هذا المجال ونسج على هذا المنوال من شيد هذه الشريعة كلامه وصار بدر سمائها بل شمس آفاقها نظامه سيدي عمر بن الفارض نفعنا الله ببركاته وهدانا إلى إدراك دقائق نفحاته فقال: وافس ببذل النفس فيها أخا الهوى ... فإن قبلتها منك يا حبذا البذل ومن لم يجد في حب نعم بنفسه ... وإن جاد بالدنيا إليه انتهى البخل فانظر كيف أضرب عن ذكر ما سوى النفس وأن عز وأمر ببذلها من بادىء الرأي فكم طوى في ذلك من المراتب وهذا في الحقيقة اجمال بالنسبة إلى قوله:

стр. 174

بكل قبيل كل قتيل بها قضى ... أسى لم يفز يوماً إليها بنظرة فإنه أشار إلى قطع كل رتبة بحيث ينتهي السالك إلى ذهاب النفس وليس ذلك بشيء إذ قال أنه لم يفز ولا بنظرة مع ذهاب نفسه وشرح ذلك واضحاً قوله: بحيث ترى أن لا ترى ما عددته ... وإن الذي أعددته غير عدة فإنه يقول إن هذا المرام لا يعظم عنده شيء ومتى عدا لشخص بذلا لنحو نفس فقد جعل له شيئاً بالنسبة إلى المحبوب وهو خلاف المطلوب ودقائقه في هذا الباب معجوز عن حصرها كما تشهد به أولو الألباب فلنرجع إلى كلام المترسمة: الطغرائي: لا أكره الطعنة النجلاء قد شفعت ... برشفة من نبال الأعين النجل ولا أهاب الصفاح البيض تسعدني ... باللمح من خلل الأستار والكلل ابن خفاجة: وليل طرقت المالكية تحته ... أجد على حكم الشباب مزارا فخالطت أطراف الأسنة أنجما ... ودست بهالات البدور ديارا ابن بسام لقد صبرت على المكروه أسمعه ... من معشر فيك لولا أنت ما نطقوا وفيك داريت قوماً لأخلاق لهم ... لولاك ما كنت أدري أنهم خلقوا وقال آخر: يغوص البحر من طلب اللالي ... ومن طلب العلا سهر الليالي تروم المجد ثم تنام عنه ... لقد أطعمت نفسك بالمحال وأعظم من ذلك الملازمة على ذكر المحبوب عند نزول البلاء وتلف النفس وشدة الابتلاء وأمام هذا الشأن والمنفرد بالسبق في هذا الميدان الطغرائي قيل أنه علق مملوكاً لمؤيد الدين كان يهواه فحين بلغه نقم على الطغرائي فأراد قتله وأشهر شفقة على المملوك من الألسنة أن الطغرائي ملحد فشده إلى شجرة وأمر أن تفوق إليه السهام وأن لا يرموا حتى يأمرهم المملوك أمام الكل ثم أمر رجلاً يسمع ما يقول الطغرائي وهو لا يشعر فإذا هو يقول: ولقد أقول لمن يسدد سهمه ... نحوي وأطراف المنية شرع والموت في لحظات أحور طرفه ... دوني وقلبي دونه يتقطع بالله فتش في فؤادي هل ترى ... فيه لغير هوى الأحبة موضع أهون به لو لم يكن في طيه ... عهد الحبيب وسره المستودع فأطلقه ورفع شأنه: أبو عطاء السدفي: ذكرتك والخطى يحظر بيننا ... وقد نهلت مني المثقفة السمر فوالله ما أدري وإني لصادق ... بنا فتكت تلك اللواحظ أم سحر عنترة العبسي: ولقد ذكرتك والرماح نواهل ... مني وبيض الهند تقطر من دمي فوددت تقبيل السيوف لأنها ... لمعت كبارق ثغرك المبتسم الطغرائي: إني لاذكركم وقد بلغ الظما ... مني فاشرق بالزلال البارد وأقول ليت أحبتي عاينتهم ... قبل الممات ولو بيوم واحد وقال بعضهم: ذكرت سليمى وحر الوغى ... بقلبي ساعة فارقتها فشبهت سمر القنا قدها ... وقد ملن نحوي فعانقتها ابن رشيق: ولقد ذكرتك والطبيب معبس ... والجرح منغمس به المسبار وأديم وجهي قد فراه حديده ... ويمينه حذراً علي يسار فشغلتني عما يليق وأنه ... ليضيق عن برحائها الأقطار الشريف البياضي: ولقد ذكرتك في السفينة والردي ... متوفع بتلاطم الأمواج والجو يهطل والرياح عواطف ... والليل مسود الذوائب داجي وعلى السواحل اللاعادي عسكر ... يتوقعون لغارة وهياج وعلت لأصحاب السفينة ضجة ... وأنا وذكرك في ألذ نتاج أبو الثناء محمود: ولقد ذكرتك والسيوف لوامع ... والموت يرقب تحت حصن المرقب والحصن في شفق الدروع تخاله ... حسناء ترفل في رداء مذهب سامي السماء فمن تطاول نحوه ... للسمع مسترقاً رماه بكوكب والموت يلمع بالنفوس خاطري ... يلهو بطيب ذكرك المستعذب الصفي الحلي: ولقد ذكرتك والعجاج كأنه ... مطل الغنى وسوء عيش المعسر والشوس بين مجدل في جندل ... مناوبين معفر في معفر

стр. 175

فظننت أني في صباح مسفر ... بضياء وجهك أو مساء مقمر وتعطرت أرض الكفاح كأنما ... فتقت لنا أرض الجلاد بعنبر وقلت: لقد رد روحي عندا رام نزعها ... ملائكة ذكراك حين تلوته فلو لم يكن موت البرية لازماً ... إذا فرغت آجالهم ما نسيته تتمة تشتمل على ذكر مقاطيع فائقة وأبيات رائقة يشير مجموعها إلى جميع الأصول السابقة وتترجم عندهم بالغزل والنسيب لإعراب مضمونها عن نحو محاسن الحبيب وتهييجها الأشواق المستقرة حيث يذكر الشعر والطرة وتفصيلها لتلك الجملة من حيث وصف الحاجب والمقلة وإثارة ما قر من البلبال عند ذكر الوجنة والخال واستمالتها نفوس الأحباب عند ذكر الثغر والرضاب وإتيانها بأعذب الموارد بعد ما حال الصدر إذ اذكر النهد والصدر ونشر مطاوي الأشواق إذا سمع مدح الخلخال والساق إلى غير ذلك مما اقترحته أفكارهم الدقيقة اللطيفة وتخيرته في هذا الباب أذهانهم الشريفة وبها نختم هذا المورد اللطيف وما يتعلق بالعشق من هذا التأليف ذكروا أن أعزل بيت للمتأخرين قول بشار: أنا والله أشتهي سحر عينيك ... وأخشى مصارع العشاق شمس الدين بن العفيف: يحكي الغزال مقلة ولفتة ... من ذا رآه مقبلاً ولا افتتن أحسن خلق الله وجهاً وفما ... إن لم يكن أحق بالحسن فمن في ثغره وشكله وخده ... الماء والخصرة والوجه الحسن ولما وصلت هذه الأبيات إلى القاهرة والشاعر المشهور يومئذ بها الحلي اقترح عليه بعض أعيان الدولة محاكاتها فقال: كم قد سفكنا من دموع ودماً ... على ربوع للديار ودمن وكم قضينا للبكاء منسكاً ... لما تذكرنا بهن من سكن وكم أقمنا بالبكاء مأتماً ... إذ بعتهم روحي بغير ما ثمن فاستحسن الجل أبيات الحلى ودامت الناس مدة طويلة مفترقين في ذلك والغزل كما سمعت كثير الفنون والشعب وقد توسعت فيه أهل الأدب فمن الأول قول ابن نباتة. أيها العاذل الغبي تأمل ... من غدا في صفاته القلب ذائب وتعجب لطرة وجبين ... إن في الليل والنهار عجائب وله أيضاً قلت وقد أبدي جبيناً واضحاً ... وفوقه ليل دلال قد سجا أفدي الذي جبينه وشعره ... طرة صبح تحت أذيال الدجى ابن مطران ظباء أعارتها المها حسن مشيها ... كما قد أعارتها العيون الجآذر فمن حسن ذاك الشيء جاءت وقبلت ... مواطىء من أقدامهن الغدائر اسمعيل السكندري لم أر قبل شعره وجهه ... ليلاً على صبح نهار عسعسا والسكر في وجنته وطرفه ... يفتح ورداً ويغض نرجساً حسام الدين الجابري ومهفهف من شعره وجبينه ... تغدوا الورى في ظلمة وضياء لا تنكروا الخال الذي في خده ... كل الشقيق بنقطه سوداء ابن الصائغ مشى غصناً ومد عليه فرعاً ... كحظي حين أطلب منه وصلا وبلبله على الأرداف منه ... فلم أر مثل ذاك الفرع أصلا السراج الوراق ذو طرة يعيذ هارب الدجى ... وطلعة يعيذ هارب القلق الماء والنار معاً في خده ... أما ترى الماء طغى ثم احترق شمس الدين بن العفيف بدا وجهه من فوق أسمر قده ... وقد لاح من سود الذوائت في جنح فقلت عجيباً كيف لم يظهر الدجى ... وقد طلعت شمس النهار على رمح المتنبي كشفت ثلاث ذوائب من شعرها ... في ليلة فأرت ليالي أربعاً وأستقبلت قمر السماء بوجهها ... فأرتني القمرين في وقت معاً آخر برزت فقابل ناظري من وجهها ... مرآة حسن بالجمال صقيل ابن المعتز سقتني في ليل شبيه بشعرها ... شبيهة خديها بغير رقيب فأمسيت في ليلين للشعر والدجى ... وشمسين من خمر وخد حبيت البجلي رقت محاسنها ورق أديمها ... فتكاد تبصر باطناً من ظاهر

стр. 176

تندى بماء الورد مسبل شعرها ... كالطل يسقط من جناح الطائر الخيزراني رأيت الهلال ووجهه الحبيب ... فكانا هلالين عند النظر فلم أدر من حيرتي منهما ... هلال الدجى من هلال البشر فلولا التورد في الوجنتين ... وما راعني من سود الشعر لكنت أظن الهلال الحبيب ... وكنت أظن الحبيب القمر التهامي وفي كتابك فاعذر من يهيم به ... من المحاسن ما في أجمل الصور الطرس كالخدّ والنونات دائرة ... مثل الحواجب والسينات كالطرر آخر أرى سهم لحظ تحت عقرب سالف ... وكيف نجاتي بين سهم وعقرب والحظ ما طلته باللحظ من دمي ... على وجنتيها والبنان المخضب وقلت لله بالناس لطف في معايشهم ... لولاه لم تر موجوداً من البشر إذ كف شعرك عنهم يوم حاجتهم ... للشمس في نحو نضج الحب والثمر وعند حاجة ليل يسكنون به ... من المتاعب أبدي مسبل الشعر ومن الثاني قول ابن نباتة واغيد جارت في القلوب لحاظه ... وأسهرت الأجفان أجفانه الوسنى أجل نظراً في حاجبيه وطرفه ... ترى السحر منه قاب قوسين أو أدنى الواوا الدمشقي يا من هو الماء في تكوين خلقته ... ومن هو الخمر في أفعال مقلته ومن بن رقة سيف اللحظ طل دمي ... والسيف ما فخره إلا بذرقته علمت انسان عيني أن يعود فقد ... جارت سباحته في بحر دمعته علاء الدين الوداعي رمتني سود عينيه ... فاصمتني ولم تبطى وما في ذاك من بدع ... سهام الليل لا تحظى الصلاح الصفدي بسهم أجفانه رماني ... فذبت من هجره وبينه إن مت مالي سواه خصم ... لأنه قاتلي بعينه ابن نباتة نسبوه حسناً للهلال وحسنه ... للبدر ينسب لا بليت ببينه فإذا بدا فإلى هلال أصله ... وإذا رنا فهو الغزال بعينه الشيخ برهان الدين القيراطي: بأبي سلطان حسن حسنه ... لقتال القلب في الحب نوى صال في العشاق منه ناظر ... هو والسيف على حد سوا ابن نباتة: ويح قلبي من كاسر الطرف أضحى ... فيه قلبي كما ترى مكسورا قد حمى ثعره بعينيه عني ... وكذاك السيوف تحمي الثغورا الصلاح الصفدي: سيوف ألحاظه المرضى سفكن دمي ... ولم يطق دفعها حولي ولا حيلي لولا السقام الذي فيها لما فتكت ... وربما صحت الأجسام بالعلل الفرزدق: ومقلة شادان أودت بنفسي ... كأنّ السقم لي ولها لباس يسل اللحظ منها مشرفياً ... لقتلي ثم يغمده النعاس بدر الدين بن حبيب: عيناه قد شهدت بأني مخطىء ... وأتت بخط عذاره تذكارا يا حاكم الحب اتئد في قتلتي ... فالخط زور والشهود سكارى جلال الدين بن خطيب داريا: شهدت جفون معذبي بملاله ... مني وإن ودادة تكليف لكنني لم أنأ عنه لأنه ... خبر رواه الجفن وهو ضعيف أمين الدين كاتم سر الشام: إن كان قيد هواك أطلق أدمعي ... فوكيل شوقي عاجز عن حبسه أو كان منك الطرف أسهر ناظري ... فلكل شيء آفة من جنسه الصلاح الصفدي: غزال من الأتراك ما ضاق لحظه ... لحظي إلا كي تضيق مذاهبي كان الحشا طير وكاسر لحظه ... تصيدها من جفنه بالمخالب ابن أسد الدين: إلى الله أشكو حب أهيف فاتن ... وقعت فما لي من يديه خلاص جرحت بلحظي خده وهو جارح ... بلحظيه قلبي والجروح قصاص وقلت: يقولون إن الشمس تحرق كل ما ... تجاسده من كانسات الكواكب فها خذها المريخ مع شمس وجهها ... قد اقترنا في سمت قوس الحواجب نعم قضيا لي بالشقاوة منهما ... بسهم لحاظ عاقني عن مطالبي

стр. 177

ومن الثالث قول ابن قلاقس: فوق خديك دليل ... أن نهديك ثمار ما اختفى الرمان إلا ... وتبدى الجلنار الصنوبري: ذات خد يكاد يدميه وهم ... من مشير بالجد أو بالمزاح في بياض وحمرة فكان قد ... صيغ حسناً من ماء مزن وراح محمد بن ياقوت: ما لي بجور الحبيب من قبل ... هل حاكم عادل فيحكم لي حمرة خديه من دمي صبغت ... ويدعى أنها من الخجل علاء الدين المدني: يا حسن ورد طفا في ماء وجنته ... فزاد أهل الهوى في حبه شغفا وراح يجني ثمار الوصل عاشقه ... لما تمكن من خديه واقتطفا وقال آخر: وأغيد تدمي وجنتاه من اللمح ... تخلق إلا من صدودي بالشح غدا قاتلي إن ظلت أجرح خده ... متى صار بالقتل القصاص من الجرح كمال الدين بن النبيه: صنعة الكيمياء صحت لعيني ... حين يزداد أدير إني احمرار فإذا ما ألقيت أكسير لحظي ... في لجين الخدود عاد نضارا مظفر الأعمى: قبلته فتلظى جمر وجنته ... وفاح من عارضيه العنبر العبق وحال بينهما ماء ومن عجب ... لا ينطفي ذا ولا ذا منه يحترق وقال بعضهم: فتنت بتركي حماني عناقه ... عقارب صدغيه على خده صرعى ألم تراني كما رمت لثمه ... تخيل لي من سحرها أنها تسعى عز الدين الموصلي: كالزرد المنظوم أصداغه ... وخده كالورد لما ورد بالغت في اللثم وقبلته ... في الخد تقبيلاً يفك الزرد ابن الوردي: قال من أهواه صف صدغي بما ... فيه توجيه وحببه إلي قلت إن الصدغ لام قد كوى ... نصبها قلبي فهذى لام كي برهان الدين القيرطي: عنقود صدغ الذي أهواه يتمنى ... وقال لي ريقه لما رأى وصبى إن كان في الصدغ عنقود فتنت به ... فإن في الخمر معنى ليس في العنب وقال آخر: وبين الخد والشفتين خال ... كزنجي أتى روضاً صباحا يحير في الرياض فليس يدري ... أيجني الورد أم يجني الأقاحا الصلاح الصفدي: بروضة خده المحمر أضحت ... عليه شامة شرط المحبه كأن الحسن يعشقه قديماً ... فنقطه بدينار وحبه وهذا مأخوذ كما ذكره ابن حجة من قول ابن نباتة: بروحي فاتر الألحاظ ألمى ... ملّى الحسن حالي الوجنتين له خال على دينار خد ... تباع له القلوب بحبتين العفيف التلمساني: أدنته لي سنة الكرى فلثمته ... حتى تبدل بالشقيق السوسن ما راعني إلا بلال الخال من ... خديه في صبح الجبين يؤذن شهاب الدين الخيمي: وعذولي لج في عذلي إذ ... لم ير الخال على الخد الأسيل لو رأى وجه حبيبي عاذلي ... لتفارقنا على وجه جميل شمس الدين الصائغ: بروحي أفدي خاله فوق خده ... وما أنا ذو مال فأفديه بالمال تبارك من أخلى من الشعر خده ... وأسكن كل الحسن في ذلك جمال الدين بن نباتة: لله خال على خد الحبيب له ... بالعاشقين كما شاء الهوى عبث أورثته حبة القلب القتيل به ... وكان عهدي بأن الخال لا يرث الصلاح الصفدي: أفدي حبيباً له في كل جارحة ... مني جراح بسيف اللحظ والمقل تقول وجنته من تحت شامته ... لي أسوة بانحطاط الشمس عن زحل ابن الوردي: لحبيبي شامة في خده ... لا علاشان حسود شانها رب عين دهشت منه فقد ... نسيت في خده إنسانها وقال آخر: يا سالباً قمر السماء جماله ... ألبستني في الحزن ثوب سمائه أشعلت قلبي فارتمى بشرارة ... علقت بخدك فانطفت في مائه ابن تميم: رأيت حبة قلبي حين لاح لها ... محبوبها نفرت من حر أفكاري

стр. 178

ثم استجارت بخد منه فهي به ... كالمستجير من الرمضاء بالنار وقال بعضهم: له على حاجبه شامة ... تنزهت في الحسن عن عائب مثل طواشي زاد في حمقه ... يعلو على الناظر والحاجب تقي الدين بن حجة: قلت للخال إذ بدا ... في نقا جيده السعيد فزت يا عبد قال لي ... أنا عبد لكل جيد وقال آخر: غدا خاله ربل الجمال لأنه ... على عرش كرسي الخدود قد استوى وأرسل في الأصداغ رسلاً أعزة ... على فترة تدعو القلوب إلى الهوى وقال آخر: يريك بوجنتيه الورد غضا ... ونور الأقحوان من الثنايا تأمل منه تحت الصدغ خالاً ... لتعلم كم خبايا في الزوايا وقال آخر: أبو طالب في كفه وبخده ... أبو لهب والقلب منه أبو جهل وبنتا شعيب مقلتاه وخاله ... إلى الصدغ موسى قد تولى إلى الظل وقال آخر: لهيب الخد حين رآه طرفي ... هوى قلبي عليه كالفراش فأحرقه فصار عليه خالاً ... وها أثر الدخان على الحواشي القيراطي: أنظر إلى سطر عذار بدت ... من فوقه الشامات مثل النقط صحت به نسخة حسن وكم ... قد راحت الأرواح فيها غلط وقال آخر: ومهفهف يحمي ورود رضابه ... بصور أم سلت من الأجفان كتب العذار بليقة مسكية ... في خده سطراً من الريحان أبو غالب: سأصنع في ذم العذار بدائعاً ... فمن شاء فليقض الدليل كما أقضي إلا أنه كاللام واللام شأنها ... إذا الصقت بالاسم صار إلى الخفض البدر الدماميني: تحدث ليل عارضه بأني ... سأسلوه وينصرم المزار فقال جبينه لما تبدى ... حديث الليل يمحوه النهار سيدي أبو الفضل بن وفاء: على وجنتيه جنة ذات بهجة ... ترى لعيون الناس فيها تزاحما حمى ورد خديه حماة عذاره ... فيا حسن ريحان العذار حمى حما ابن النبية: جنت بمنظره البديع عيوننا ... فتسلت بمدامع الأجفان واخضر فوق الخد آس عذاره ... فعجبت للجنات في النيران تاج الدين اليماني: بخلت لواحظ من رآني مقبلاً ... برموزها ورموزهن سلام فعذرت نرجس مقلتيه لأنه ... يخشى العذار لأنه نمام الصلاح الصفدي: عذارك والطرف يا قاتلي ... يحاكيهما الآس والنرجس وقد صار بينهما نسبة ... فهذا يدب وذا ينعس الطنبغا الجاولي: عذارك والطرف قد أظهرا ... جميع الذي فيهما يرمز وأنى يُصان الهوى عنهما ... وهذا ينم وذا يغمز وله أيضاً: من قال عما قد بدا في خد من ... أحببته شعراً به ما أنصفا هذاك نمل رام شهده ريقه ... فرأى تلهب خده فتوقفا محمد بن الرعاد: أعد نظراً فما في الخد نبت ... جماه الله من ريب المنون ولكن رقّ ماء الخد حتى ... أراك خيال أهداب الجفون عز الدين الموصلي: لقد كنت لي وحدي ووجهك جنتي ... وكنا وكانت للزمان مواهب فعارضني في ورد خدك عارض ... وزاحمني في ورد ريقك شارب ابن نباتة: وأحر يا من هوى رشيق ... معتدل كالقضيب مائل عذراه لا يجيب دمعي ... وسائل لا يجيب سائل الشهاب الحجازي سال العذار بخده فإذا ... المبيض في خديه سود ولسان حال الخد ينشدها ... هل بالطلول لسائل رد الزين المصري إن ماس فالغصن بالأوراق مستتر ... أو لاح فالبدر بالأنواء محتجب عذراه بسواد القلب منتقش ... وخده بدم العشاق مختضب وقلت يا وجنة من تحت أصداغها ... لأنفس العشاق كم تجذبي وهاجة كاد سنا برقها ... يذهب الأبصار لم يحجب

стр. 179

أهل المجسطي لو رأوها قضوا ... بشرف المريخ في العقرب وقالت يا عجباً للخال في خدها ... كيوا بالمريخ يستمسك نحسان دلا في اقتران على ... أن دم الصب هنا يسفك يا مطلب طلسمه مانع ... هل مطلب الإله مهلك وقلت سألتها عن بياض ... في وجنتيها وحمره إذا طريق اجتماع ... قالت وراية نصره وقلت في العذار جرى الخلف في نبت العذار فذاهب ... إلى أنه مسك على الورد منثور ومن قائل آس فقلت كلاهما ... غدا مصلحاً للورد إذ فيه كافور ولبعضهم ولا تحسبن الخال في الشفة التي ... يتيه بها المحبوب نقصاً ولا خلل ولكنه ختم على ما بثغره ... من الدر والياقوت والخمر والعسل ومن الرابع قول بعضهم سألته في ثغره قبلة ... فقال ثغري لم يجز لثمه فهاكها في الخد واقنع بها ... ما قارب الشيء له حكمه وقال آخر وموعدي بقبلة ... أرشفها من مبسمه سوّف بي ولم يزل ... يوعد لكن بفمه وقال آخر ذكرت ريق حبيبي ... يشرب راح معطر وليس ذا بعجيب ... فالشيء بالشيء يذكر جمال الدين بن نباتة وأغيد في فيه المدام ولحظه ... وفيّ وفي أعطافه نشوة السكر تداويت من ألحاظه برضا به ... كما يتداوى شارب الخمر بالخمر وقال آخر نقل ألا رآك بأن ريقة ثغره ... من قهوة مزجت بماء الكوثر قد صح ما نقل إلا رآك لأنه ... يرويه حقاً عن صحاح الجوهري الصلاح الصفدي يا ثغره ليس الثنايا التي ... تضيء غير الأنجم الغر فليقل المسواك ما عنده ... فهو عن الضحاك والزهري ابن قلاقس جمعت نكهته في ثغره ... عبقاً في نسق يسبي الحدق وبدت خجلته في خده ... شفقاً في فلق تحت غسق وقال آخر خد وثغر فجل رب ... بمبدع الحسن قد تفرد فذا عن الواقدي يروي ... وذاك يروي عن المبرد شمس الدين بن الصائغ بروحي من ولى فولى بمهجتي ... وولى منامي فهو كالوصل شارد حمى ثغره عني بسيف لحاظه ... وحتام يحمي ريقه وهو بارد الصلاح الصفدي رشفت ريقك حلواً ... فلم يكن لي صبر وسوف أحظى بوصل ... وأول الغيث قطر إبرهيم بن المعمار عزمت على رقيا محاسن وجهه ... بأوار آيات الضحى حين أقبلا فلما بدا يفتر عن نظم ثغره ... بدأت ببسم الله في النظم أولا الصلاح الصفدي أحببته كالغصن كم شاعر ... له عليه نوح ورقاء وثغره الصادي من حسنه ... يحار في تشبيهه الطائي يوسف بن مسعود رأى ثغر من أهوى عذولي فلامني ... ولم يدر أن اللوم في حبه يغري شغلت بهذا وارتبطت بحسنه ... وأحسن ما كان الرباط على الثغر النواجي لله ثغر للحبيب تجمعت ... في ضمنه للعاشقين نفائس فيه الرحيق وخاله المسك الختام ... وفيه فليتنافس المتنافس الصلاح الصفدي قد شبه الخال على ثغره ... تشبيه من لا عنده شك بسبحة من جوهر أودعت ... حق عقيق ختمه مسك ابن ريان لاحت على مبسمه المشتهى ... ثلاث شامات غدت في التئام لا تعجبوا إن كثرت حوله ... فالمنهل العذب كثير الزحام ابن الوليد أريقاً من رضا بك أم رحيقاً ... رشفت فلست من سكرى مفيقاً وللصهباء أسماء ولكن ... جهلت بأن في الأسماء ريقا شيخ الشيوخ بحماة سألته من ريقه شربة ... أشفى بها من كبدي حره فقال أخشى يا شديد الظمأ ... أن تتبع الشربة بالجرّه الحريري نفسي الفداء لثغر راق مبسمه ... وزانه شنب ناهيك من شنب

стр. 180

يفتر عن لؤلؤ رطب وعن برد ... وعن أقاح وعن طلع وعن حبب ابن عنين يا غزالاً أرى الغواية رشداً ... في هواه وأحسب الرشد غيا ما رأينا قبل ابتسامك بدر التم ... يفترّ عن نجوم الثريا ابن ثنا الملك له فم يمنعه ضيقه ... أن يخرج اللفظ بتقويم ولفظه سكران من ريقه ... فهو لهذا غير مفهوم ما فمه ميم ولكنه ... علامة الجزم على الميم وقال آخر كان على أنيابها الخرمجه ... بماء الندى في آخر الليل عابق وما ذقته إلا بعيني تفرساً ... كما شيم من أعلى السحابة بارق ابن الرئيس لئن كان من لؤلؤ ثغرها ... فإن له صدفاً من عقيق وإن كان من اقحوان النبات ... فإن مشاربه من رحيق أبو العشائر ثغر كلمع البرق حسن بريقه ... يشفي فؤاد المستهام بريقه قد بت ألثمه وأرتشف المني ... من دره ورحيقه وعقيقه وقار آخر بأبي فم شهد الضمير له ... قبل المذاق بأنه عذب كشهادتي الله خالصة ... قبل العيان بأنه رب والعين لا تعبأ بنظرتها ... حتى يكون دليلها القلب أبو عبادة ويعزى إلى يزيد بن معاوية وهو الصحيح واستمطرت لؤلؤاً من نرجس وسقت ... ورداً وعضت على العناب بالبرد وهو من قصيد كلها ملح وعيون سأذكرها في الغزل المطلق وأما بيت أبي عبادة الذي بنى عليه الحريري المقامة الحلوانية فهو. كأنما تبسم عن لؤلؤ ... منصداً وبرد أو أقاح الحريري سألتها حين زارت نضو برقعها الق ... اني وإيداع سمعي أطيب الخبر فزحزحت شفقاً غشى سنا قمر ... وساقطت لؤلؤاً من خاتم عطر وأقبلت يوم جدّ البين في حلل ... سود تعض بنان النادم الحصر وقلت أقول لمن بالطب أصبح جاهلاً ... مقالاً صحيحاً قيما غير ذى عوج يرى ثغرها خصراً على ذى حرارة ... لأن به شهداً مع الخمرة امتزج أغرق أن الخمر أنى مذجتها ... بشهد أتت بالحرفي رابع الدرج أما اعتدلت إذ جاورت برداً به ... تنضد والجريال في ذلك الفلج وهبك جهلت الطبع ماذا تقدل في ... عقيق وبلور فيه قد نتج وبينهما خلف طويل مفصل ... بكتب أرسطو والذي قبله درج وقلت أرى ريقها عند الشفاء لكل ما ... تعذر من داء عن البرء أو فسد عليك به فهو النجاة لشارب ... وإن جاوز القانون فيه أو اقتصد فهذي إشارات كفت كل عاقل ... وإن قيل شيء غيرها ليس يعقد وقلت عجبت من المسواك يرشف ريقها ... مدى الدهر لا يحميه من ذاك مانع ويبقى جماداً كيف لم يحى بالحيا ... وتفنى الليالي وهو أخضر يانع رضاب يقوم الميت إن شم عرفه ... ولو قطعت أوصاله والاضالع فقال خشيت الهجر منها فعاقني ... فحسبك عذر في جوابي قاطع بنفسي ثغر قلت إذ لاح نوره ... أبرق بدا من جانب الغور لامع وبرد رضاب قلت عند وداعه ... زمان اللقا بالخيف هل أنت راجع وقد أكثروا من هذا النمط أعني التشبيب بالوجه وأعضائه البسيطة والمركبة لكونه أشرف وأبهج وأعلى وألطف وأما ما عداه فنادر أن تيسر لشاعر بيت أو بيتان أو أكثر في عضو يعينه أما في ضمن غيره فكثير سنورد منه ما تيسر حسبما شرطنا وأما مطلق القامة بما فيها فأكثر من أن يحصى ما فيه وما قيل من أن أول من وصف الندى عمرو بن كلثوم. وثدي مثل حق العاج رخص ... مصان عن أكف اللامسينا فأمر يحتاج إلى مزيد استقصاء وإحاطة لأن العرب تغزلت كثيراً غاية الأمر أن المتأخرين ألطف فمن وصفهم الجيد في ضمن غيره قول بعضهم: لها جيد أمّ الخشف ريعت فأقبلت ... ووجه كفر الشمس ريان مشرق
следующие страницы →