Полный текст (428 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
مَا عَارضه من الْقيَاس فأفهم أَنه عِنْد الْأَقَل غير مُبْطل وَإِذا كَانَ لَا يُبطلهُ فَهُوَ مَعْمُول بِهِ فَهَذَا حكم الْخَبَر الآحادي إِذا خَالف الْقيَاس وَأما حكمه إِذا خَالف الْأُصُول فَهِيَ مَسْأَلَة أُخْرَى تضمنها قَوْله ... ورد مَا خَالف مَا قد قررا ... من الْأُصُول فاستمع مَا حررا ...
اعْلَم أَن معنى رد الحَدِيث عدم الْعَمَل بِهِ فِي غير مورده لَا الحكم بكذبه وَيكون مَا أَفَادَهُ مِمَّا فعله ﷺ قَضِيَّة عين مَوْقُوفَة على محلهَا لَا تتعداها وَهَذِه مَسْأَلَة ذكرت فِي الأَصْل وَذكرهَا فِي الْفُصُول وَجعلُوا الآحادي هُنَا قسمَيْنِ مَا خَالف الْأُصُول نَفسهَا وفسروها بِالْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع الْمَعْلُومَة لَا المنظونة فَإِن المنظون لَيْسَ بِأَصْل وَمُخَالفَة الآحادي لَهَا بِأَن يقْضِي بِخِلَاف مقتضاها كَأَن تقضي بالتحليل لعين مَا قَضَت فِيهِ بِالتَّحْرِيمِ وَهُوَ الأول وَالثَّانِي أَن يُخَالف مقتضاها فان يقْضِي فِيمَا لم يُوجد فِيهَا حكم بِعَيْنِه بِخِلَاف حكم نَظِيره قَالُوا فَالْأول يرد فِيهِ خبر الْآحَاد إِذْ لَا يقوى على مقاومة الْقطعِي وَهَذَا هُوَ الَّذِي تضمنه النّظم فَلِذَا قُلْنَا من الْأُصُول بَيَان لما قد قرر وَأما مَا خَالف مقتضاها فَقَالَ فِي الْفُصُول إِنَّه يقبل وَوَقع الْخلاف فِي أَحَادِيث آحادية وَردت بِأَحْكَام هَل هِيَ مُخَالفَة لِلْأُصُولِ نَفسهَا أَو لمقتضاها كَخَبَر الْقرعَة الَّذِي أخرجه مُسلم وَغَيره فِي إقراعه ﷺ بَين السّنة العبيد الَّذين أعتقهم من لَا يملك غَيرهم فَأعتق صلى
стр. 107
الله عَلَيْهِ وَآله وَسلم اثْنَيْنِ وأرق أَرْبَعَة وَخبر الْمُصراة الْمُتَّفق عَلَيْهِ بِأَن من ابتاعها وفسخها بعد أَن حلبها ردهَا وصاعا من تمر ذهبت طَائِفَة إِلَى قبُول هَذِه الْأَخْبَار لِأَنَّهَا إِنَّمَا خَالَفت مقتضي الْأُصُول لَا الْأُصُول نَفسهَا وَقَالَ أَبُو عبد الله الْكَرْخِي إِنَّهَا خَالَفت الْأُصُول أَنْفسهَا فَلَا تقبل قَالَ لنقل الأول الْحُرِّيَّة عَن الثُّلُث الَّذِي ينفذ فِي كل وَاحِد لِأَن الْعتْق فِي مرض الْمَوْت حكمه حكم الْوَصِيَّة وَعَن الثُّلثَيْنِ الباقيين بعد الثُّلُث أَيْضا إِذْ الْعتْق قد تسرى إِلَيْهِمَا وَالْإِجْمَاع مُنْعَقد على أَنه لَا يطْرَأ عَلَيْهَا الرّقّ ولمخالفة الثَّانِي أَي خبر الْمُصراة مَا أجمع عَلَيْهِ من ضَمَان الْمُتْلف بِمثلِهِ إِن كَانَ مثلِيا أَو قِيمَته إِن كَانَ قيميا ثمَّ مثل لما خَالف مُقْتَضى الْأُصُول بِمَا لَا حَاجَة بِنَا إِلَى ذكره إِذْ النّظم لم يشر إِلَّا إِلَى الْقسم الأول وَنقل أَن الشَّافِعِي جعل الْحَدِيثين مِمَّا خَالف مُقْتَضى الْأُصُول فقبلهما وَقَالَ بحكمهما قلت وَهُوَ الْحق وَقد أوضحناه فِي منحة الْغفار حَاشِيَة ضوء النَّهَار وَفِي الْعدة حَاشِيَة شرح الْعُمْدَة وَإِنَّمَا اقتصرنا عِلّة مَا ذكرنَا لِأَن النّظم تَابع للْأَصْل كَمَا قد نبهنا عَلَيْهِ على أَن فِي الْأَمْثِلَة كَمَا قَالَ فِي نظام الْفُصُول بحثا وَهُوَ أَن الأَصْل الَّذِي خُولِفَ فِيهَا هُوَ الْإِجْمَاع وَالْإِجْمَاع لم يكن فِي عصره ﷺ حجَّة وَبعده يسْتَلْزم نسخ الْحَدِيثين بِالْإِجْمَاع وَالْإِجْمَاع لَا ينْسَخ بِهِ كَمَا علم قلت إِلَّا أَنا
стр. 108
نمْنَع تحقق الْإِجْمَاع هُنَا كَيفَ وَهَذَا الشَّافِعِي يُخَالف فِي مَحل النزاع فَالْحق أَن الْآحَاد من الْأُصُول وَكَون الْكتاب ومتواتر السّنة قَطْعِيّ الْمَتْن فَهُوَ ظَنِّي الدّلَالَة فَهُوَ الْآحَاد فِيهَا وَاعْلَم أَنه اخْتلف الْأَئِمَّة فِي جَوَاز الرِّوَايَة للْحَدِيث بِالْمَعْنَى فأشرنا إِلَيْهِ بقولنَا ... هَذَا وَقد جوزت الرِّوَايَة ... للفظ بِالْمَعْنَى لذِي الدرايه ...
فَهَذِهِ مَسْأَلَة رِوَايَة الحَدِيث بِالْمَعْنَى وَهِي مَسْأَلَة خلاف فالجمهور على جَوَاز رِوَايَة الحَدِيث بِالْمَعْنَى من عَارِف بأساليب الْكَلَام يُمكنهُ تأدية المُرَاد وَالْوَفَاء بِهِ كَمَا قَالَ لذِي الدِّرَايَة وَالْمرَاد بِهِ الْعدْل الْعَارِف الضَّابِط أما الْعَدَالَة فشرطها قد عرف من حَيْثُ أَنه خبر وَلَا يقبل إِلَّا من عدل وَأما الْعرْفَان بمعاني الْأَلْفَاظ وضبطها فكامل الدِّرَايَة لَا يتم وَصفه بهَا إِلَّا بهما وَقد دلّ للْجُوَاز مَا أخرجه الْخَطِيب فِي الْكِفَايَة عَن يَعْقُوب بن عبد الله بن سُلَيْمَان اللَّيْثِيّ عَن أَبِيه عَن جده قَالَ أَتَيْنَا رَسُول الله ﷺ فَقُلْنَا بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتنَا إِنَّا لنسمع مِنْك الحَدِيث وَلَا نقدر على تأديته كَمَا سمعناه فَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا لم تحلوا حَرَامًا وَلم تحرموا حَلَالا وأصبتم الْمَعْنى فَلَا بَأْس وَقد أخرجه الْحَكِيم وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن عَسَاكِر وَأخرجه الْحَكِيم أَيْضا عَن أبي هُرَيْرَة فقد نبه ﷺ على أَن الملاحظ هُوَ إِصَابَة الْمَعْنى وَقد اسْتدلَّ أَيْضا بِإِجْمَاع الصَّحَابَة فَإِنَّهُ كَانَ يروي من يروي
стр. 109
مِنْهُم حَدِيث الْوَاقِعَة الْوَاحِدَة بِأَلْفَاظ مُخْتَلفَة من غير مناكرة وَلَا ريب أَن الأولى هُوَ الْمُحَافظَة على اللَّفْظ النَّبَوِيّ مَا أمكن إِلَّا أَن هَذَا الْإِطْلَاق مَخْصُوص بِمَا ورد من أَلْفَاظ الصِّفَات الإلهية فَإِنَّهُ لَا يجوز تبديلها بِلَفْظ آخر وَقد نبهنا عَلَيْهِ فِي كتَابنَا إيقاظ الفكرة وَكَذَلِكَ مَا كَانَ من جَوَامِع الْكَلم وَكَذَلِكَ الْأَدْعِيَة فَإِنَّهُ يتحَرَّى فِيهَا الْأَلْفَاظ الْوَارِدَة لِأَن أَلْفَاظ الدُّعَاء مَقْصُودَة والإخلال بهَا إخلال بِالْمَعْنَى وَهُوَ اللَّفْظ الَّذِي قصد وَلِأَن الْأَدْعِيَة مِمَّا تتوفر الدَّوَاعِي إِلَى حفظهَا والحرص عَلَيْهَا وَالْغَالِب على الْأَدْعِيَة النَّبَوِيَّة الإيجاز فِي ألفاظها أَي فَلَا يعسر حفظهَا وَيدل على الْمَنْع فِي الْأَدْعِيَة مَا أخرجه جمَاعَة من الْأَئِمَّة أَحْمد وَالْبُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث الْبَراء بن عَازِب قَالَ كَانَ النَّبِي ﷺ يَقُول قُولُوا هَذِه الْكَلِمَات عِنْد المضطجع ويعلمناهن اللَّهُمَّ إِنِّي وجهت وَجْهي إِلَيْك الحَدِيث وَفِيه قَالَ فرددتهن لأستذركهن فَقلت وَآمَنت برسولك الَّذِي أرْسلت فَقَالَ قل آمَنت بنبيك الَّذِي أرْسلت فَرد عَلَيْهِ وَقد كَانَ ﷺ علمه لفظ نبيك وَغَيره هُوَ بِلَفْظ رَسُولك فَرد عَلَيْهِ وَأخذ مِنْهُ أَنه لَا يُؤْتِي فِي الْأَدْعِيَة النَّبَوِيَّة إِلَّا بِاللَّفْظِ
وَلما اخْتلف الْعلمَاء فِي بعض الروَاة مِمَّن جمع صِفَات الْقبُول إِلَّا أَنه نقل عَنهُ اعْتِقَاد يلْزم مِنْهُ كفره أَو فسقه تَأْوِيلا قُلْنَا ... وَاخْتلفُوا فِي كَافِر التَّأْوِيل ... وفاسق التَّأْوِيل فِي الْقبُول ...
هَذِه مَسْأَلَة قبُول فساق التَّأْوِيل كفاره فِي الرِّوَايَة وَاعْلَم أَن كَافِر التَّصْرِيح وفاسقه كشارب الْخمر لَا يقبلان فِي الرِّوَايَة بالِاتِّفَاقِ وَإِنَّمَا الْخلاف فِي
стр. 110
كَافِر التَّأْوِيل وَهُوَ من أَتَى من أهل الْقبْلَة مَا يُوجب كفره غير مُعْتَمد كَذَا قَالَه فِي الْفُصُول وَمثله بالمشبه فَإِنَّهُ يتَضَمَّن رد الْقُرْآن وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ قلت وَيَنْبَغِي أَن يُرَاد بالمشبه من جزم بِهِ فِي قَوْله كمن قَالَ إِنَّه تَعَالَى جسم صفته كَذَا مثله كَذَا لَا أَنه من أَتَى بقول فألزمه خَصمه التَّشْبِيه فَإِن التَّحْقِيق أَن لَازم الْمَذْهَب لَيْسَ بِمذهب وَاعْلَم أَنه قد تساهل النَّاس فِي هَذِه الْمَسْأَلَة تساهلا كَبِيرا وَهُوَ أَمر خطير على أَنا وَجَمَاعَة الْمُحَقِّقين لَا نثبت كفر التَّأْوِيل وَقد أوضحناه فِي غير هَذَا الْموضع فِي رِسَالَة مُسْتَقلَّة وَلذَا قُلْنَا ... وَالْحق عِنْدِي أَنه مَقْبُول ... وَقَالَهُ الْأَئِمَّة الفحول ...
إِذا عرفت هَذَا فَإِنَّهُ قَالَ الْمَنْصُور بِاللَّه وَالْإِمَام يحيى وَغَيرهمَا إِنَّهَا تقبل رِوَايَة كَافِر التَّأْوِيل وَادّعى الْإِجْمَاع على ذَلِك وَعند جمَاعَة من أهل الْبَيْت والمعتزلة وَغَيرهم وَآخَرين أَنَّهَا لَا تقبل رِوَايَته وَادّعى الْإِجْمَاع على هَذَا كَمَا ادعِي على خِلَافه وَاسْتدلَّ الْأَولونَ بِأَنَّهُ ﷺ حكم بِإِيمَان الْجَارِيَة الَّتِي قَالَت إِن الله تَعَالَى فِي السَّمَاء أخرجه مُسلم وَغَيره وَهُوَ مُسْتَلْزم للجهة الَّتِي تَسْتَلْزِم الجسمية والعرضية وَلِأَن الأَصْل فِي من علم قِيَامه بفرائض الْإِيمَان عدم مَا يرفع الْإِيمَان وَاسْتدلَّ المانعون لقبوله بقياسه على كَافِر
стр. 111
التَّصْرِيح وَأجِيب بِأَنَّهُ قِيَاس مَعَ الْفَارِق وَأي فَارق أعظم من الْقيام بِالْإِيمَان ووظائفه وَأما فَاسق التَّأْوِيل فَهُوَ من أَتَى من اهل الْقبْلَة مَا يُوجب فسقه غير متعمد وَمثلهمْ فِي الْفُصُول بالخوارج قَالَ الْجلَال فِي شَرحه وَأَشَارَ بالتمثيل بالخوارج إِلَى مَا أَشَارَ بالمشبهة فِي كفر التَّأْوِيل لِأَن معنى كفر التَّأْوِيل كَمَا قدمْنَاهُ لَك استلزام القَوْل عدم الْإِيمَان بدين ضَرُورِيّ وَمعنى فسق التَّأْوِيل استلزام الِاجْتِهَاد عدم الْعَمَل بدين ضَرُورِيّ وَإِن كَانَ مُؤمنا بشرعيته فالخوارج مُؤمنُونَ بِحرْمَة أَمْوَال الْمُسلمين وَدِمَائِهِمْ وَإِنَّمَا انتهكوها لشُبْهَة عرضت لَهُم هِيَ توهم أَن الْمعاصِي كفر الشّرك انْتهى
قلت وَفِي فتح الْبَارِي ذكر أَقْوَال فِي حكم الْخَوَارِج على أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ ﵇ وَمِنْهُم كفرهم تكفيرا صَرِيحًا والأدلة مستوفاة هُنَاكَ
وَاعْلَم أَنه نقل السَّيِّد مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم فِي العواصم وَالرَّوْض الباسم وَفِي التَّنْقِيح نقل الْإِجْمَاع على قبُول فساق التَّأْوِيل عَن عشرَة من أَئِمَّة الْإِسْلَام وعلماء الدّين من أهل الْبَيْت وَغَيرهم وَأطَال النَّفس فِي الاستدال لذَلِك مَا يُقَارب أَرْبَعِينَ دَلِيلا وَقد وَفينَا الْمقَام حَقه فِي شرحنا لتنقيح الأنظار وَأول الْأَدِلَّة لَهُ إِجْمَاع الصَّحَابَة فَإِنَّهُ لما ظَهرت فيهم الْفِتَن وَتَفَرَّقُوا وتحزبوا وانْتهى أَمرهم إِلَى الْقَتْل والقتال لم يعلم من أحد مِنْهُم الرَّد لرِوَايَة وَهَذَا ناهض على قبُول رِوَايَة فساق التَّأْوِيل لَا كفاره لِأَنَّهُ لم يَقع التَّكْفِير بالتأويل فِي عصر الصَّحَابَة وَلَكِن قد نقل الْإِجْمَاع على قبُول كفار
стр. 112
التَّأْوِيل الْمَنْصُور بِاللَّه وَالْقَاضِي زيد وَجَمَاعَة ثمَّ إِن الْأَدِلَّة الدَّالَّة على قبُول خبر الْآحَاد لم تفصل فَهِيَ شَامِلَة لأهل التَّأْوِيل ثمَّ إِن الِاعْتِمَاد عندنَا على صدق الرواي بعد تحقق إِسْلَامه كَمَا قَرَّرْنَاهُ فِي ثَمَرَات النّظر وَغَيرهمَا وَلما كَانَ الصَّحَابَة ﵃ هم أول الروَاة للشريعة النَّبَوِيَّة وعنهم تلقاها الْأمة احْتِيجَ إِلَى بَيَان حَقِيقَة الصَّحَابِيّ وعدالته فَقُلْنَا
وَمن يطلّ للمصطفى المجالسة
مُتبعا لشرعه مذ جالسه ... فَهُوَ الصَّحَابِيّ وهم عدُول
إِلَّا الَّذِي يأيى وهم قَلِيل
اشْتَمَل البيتان على مَسْأَلَتَيْنِ
الأولى فِي حَقِيقَة الصَّحَابِيّ وَالْمرَاد بِهِ هُنَا من صحب النَّبِي ﷺ وَثبتت لَهُ أَحْكَام الصُّحْبَة وَلَفظ الصَّحَابِيّ قد صَار عِنْد الْإِطْلَاق كَالْعلمِ بالغلبة لَا يتَبَادَر مِنْهُ إِلَّا من صَحبه ﷺ فَالْمُرَاد بالصحابي فِي النّظم الشَّخْص الْمَنْسُوب إِلَى صحبته ﷺ فَيشْمَل الْمَرْأَة الصحابية وَلما صَار كَالْعلمِ بالغلبة فَلَا بُد من اعْتِبَار طول المجالسة والملازمة إِذْ الْغَلَبَة إِنَّمَا تكون بِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال فِي الشَّيْء حَتَّى إِنَّه يصير مُخْتَصًّا بِهِ من بَين أَفْرَاد مَا يُطلق عَلَيْهِ وَلَا يحْتَاج إِلَى قرينَة عِنْد الْإِطْلَاق فَهُوَ كالإضافة وَلَا عهد إِلَّا لمن طَالَتْ مُجَالَسَته لَهُ ﷺ فقولك صَاحب رَسُول الله عَلَيْهِ وَآله وَسلم وصحابي مستويان فِي أَنه يشْتَرط فيهمَا طول الْمُلَازمَة بِحَيْثُ لَا يحْتَاج إِلَى قرينَة عِنْد الْإِطْلَاق فَظهر بِهَذَا صِحَة اشْتِرَاط طول الْمُلَازمَة فِي الصَّحَابِيّ كَمَا هُوَ نَص النّظم وَهَذَا الْكَلَام كُله لفظ الصاحب فَإِنَّهُ لُغَة يُطلق لأدنى مُلَابسَة وَلَو بَينه وَبَين الجماد نَحْو يَا صَاحِبي السجْن وَكَذَلِكَ
стр. 113
أَصْحَاب الْجنَّة وَأَصْحَاب النَّار وَقيل إِنَّه لَا بُد من اشْتِرَاط طول الْمُلَازمَة فَإِنَّهُمَا إِنَّمَا سمى صَاحِبي السجْن لطول الْمُلَازمَة وَإِلَّا لسمي يُوسُف صَاحب السجْن وَكَذَلِكَ أَصْحَاب الْجنَّة وَأَصْحَاب النَّار فالملازمة مُعْتَبرَة فِي لُغَة وَفِي اشْتِرَاطهَا هُنَا خلاف فالمحدثون لَا يشترطونها قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر فِي نخبة الْفِكر إِن الصَّحَابِيّ من لَقِي النَّبِي ﷺ مُؤمنا بِهِ وَمَات على الْإِسْلَام وَلَو تخللت ردة فِي الْأَصَح انْتهى
وَأما اشْتِرَاط أَن يروي عَنهُ وَأَن يَغْزُو مَعَه فمما لَا يدل عَلَيْهِ الْمَعْنى اللّغَوِيّ وَإِن كَانَ اصْطِلَاحا فَلَا مشاححة فِيهِ لَكِن مَعَ تَحْقِيق الْأَدِلَّة وتحرير مَحل النزاع تَجِد فِي الْبَحْث خبطا وَقد وضحه فِي الفواصل وَقد نقل ابْن الصّلاح عَن أبي المظفر السَّمْعَانِيّ أَن اسْم الصَّحَابِيّ من حَيْثُ اللُّغَة وَالظَّاهِر يَقع على كل من طَالَتْ صحبته للنَّبِي ﷺ وَكَثُرت مُجَالَسَته على طَرِيق التبع لَهُ
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة عَدَالَة الصَّحَابِيّ قد أَفَادَ النّظم أَن كل الصَّحَابَة عدُول وَهَذَا هُوَ الأَصْل إِلَّا من أبي وَهَذَا اللَّفْظ اقتباس من الحَدِيث النَّبَوِيّ وَهُوَ مَا أخرجه البُخَارِيّ مَرْفُوعا كل أمتِي يدْخلُونَ الْجنَّة إِلَّا من أَبى قَالُوا وَمن يَأْبَى قَالَ من أَطَاعَنِي دخل الْجنَّة وَمن عَصَانِي فقد أَبى انْتهى
وَالصَّحَابَة داخلون تَحت عُمُوم اللَّفْظ وَقد ثَبت أَحَادِيث أَنه يذاد جمَاعَة مِنْهُم عَن الْحَوْض كَمَا قَالَ السَّيِّد مُحَمَّد ﵀ فِي العواصم إِن الْأَحَادِيث
стр. 114
فِي أَنه يذاد عَن الْحَوْض جمَاعَة من الصَّحَابَة وَردت من طرق صَحِيحَة مُتعَدِّدَة متكاثرة أَو متواترة انْتهى
وأئمة الحَدِيث وَإِن أطْلقُوا بِأَن الصَّحَابَة كلهم عدُول فقد بينوا أَنه من الْعَام الْمَخْصُوص وَخَرجُوا جمَاعَة مِنْهُم مثل الْوَلِيد بن عقبَة وَغَيره كَمَا بَينه السَّيِّد مُحَمَّد فِي التَّنْقِيح وزدناه توضيحا فِي شرحنا فِي التَّوْضِيح وَأما الْأَدِلَّة على عَدَالَة الصَّحَابَة فكثيرة جدا قد اسْتَوْفَيْنَاهُ فِي التَّوْضِيح أَيْضا من آيَات قرآنية وَأَحَادِيث نبوية
وَاعْلَم أَن الَّذِي نختاره أَن الأَصْل عَدَالَة الصَّحَابَة إِلَّا من ظهر
стр. 115
اختلالها مِنْهُ بارتكاب مفسق وهم قَلِيل كَمَا أَفَادَهُ النّظم وَهَذَا الَّذِي ذهب إِلَيْهِ أَئِمَّة أهل الْبَيْت والمعتزلة وَاخْتَارَهُ الْمهْدي فِي شرح المعيار وَهُوَ كَلَام الباقلاني من الأشعرية وَلَفظ الْفُصُول أَئِمَّتنَا والمعتزلة وهم عدُول إِلَّا من ظهر فسقه
وَهَذَا بِعَيْنِه هُوَ مَذْهَب الْمُحدثين كَمَا قَرَّرَهُ السَّيِّد مُحَمَّد فِي العواصم والتنقيح لما كَانَت الرِّوَايَة للأحاديث لَهَا طرق مُتعَدِّدَة ألم بهَا النّظم جملَة فِي قَوْلنَا ... هَذَا هُوَ الْمُخْتَار فِيمَا قد مضى ... وللرويات طَرِيق ترتضى ...
الْإِشَارَة بقوله هَذَا هُوَ الْمُخْتَار إِلَى مَا مضى إِلَى مَسْأَلَة الصَّحَابِيّ رسما وَحكما كَمَا قَرَّرْنَاهُ فِي الشَّرْح لَا أَنه يعود إِلَى جَمِيع مَا سلف فِي بَاب الْأَخْبَار فقد عرفت أَنا أخترنا فِي الشَّرْح أَشْيَاء تخَالف مَا فِي النّظم فَتذكر وَهَذِه مَسْأَلَة طرق الرِّوَايَات أَشَرنَا إِلَيْهَا بقولنَا وللروايات طَرِيق تَرْتَضِي إِفْرَاد الطَّرِيق لإِرَادَة الْجِنْس وَإِلَّا فلهَا طرق وَالطَّرِيق لُغَة مَا يُوصل إِلَى محسوس وَاسْتعْمل فِيمَا يُوصل إِلَى الْمَعْقُول وَهَذِه الْمَسْأَلَة تحقيقها فِي عُلُوم الحَدِيث ولنذكر هُنَا مَا يُفِيد النَّاظر
فَاعْلَم أَنهم جعلُوا للصحابي سبع مَرَاتِب فِيمَا يرويهِ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 116
الأولى سمعته يَقُول أَو حَدثنِي أَو أَخْبرنِي أَو قَالَ لي مِمَّا يدل على الِاتِّصَال وَلَا يتَطَرَّق إِلَيْهِ الِاحْتِمَال
الثَّانِيَة قَوْله قَالَ رَسُول الله ﷺ أَو خطب أَو وعظ وَهَذِه تحْتَمل الْوَاسِطَة فَيكون مُرْسل صَحَابِيّ
الثَّالِثَة أَمر رَسُول الله عَلَيْهِ وَآله وَسلم أَو رخص وَنَحْوهمَا فَهَذِهِ دون الثَّانِيَة لِأَنَّهُ يزِيد مَعَ احْتِمَال الْإِرْسَال احْتِمَال أَنه ظن الصَّحَابِيّ أَن مَا لَيْسَ بِأَمْر أمرا
الرَّابِعَة قَوْله أمرنَا بِكَذَا أَو امْر بِصِيغَة الْبناء للْمَفْعُول أَو نهينَا عَن كَذَا فَإِنَّهُ يحْتَمل أَن الْأَمر غير رَسُول ﷺ من أحد الْخُلَفَاء أَو أَنه استنباط من الصَّحَابِيّ وَأَنه سمع النَّهْي فاستنبط مِنْهُ الْأَمر بِنَاء على أَن النَّهْي عَن الشَّيْء أَمر بضده
الْخَامِسَة قَوْله من السّنة كَذَا فَإِنَّهُ يحْتَمل أَنَّهَا سنة الْخُلَفَاء أَو طَرِيق الْمُسلمين فَكل هَذَا خلاف الظَّاهِر عِنْد الْجُمْهُور
السَّادِسَة قَوْله عَن رَسُول الله ﷺ فَإِنَّهُ يحْتَمل عدم السماع مِنْهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 117
السَّابِعَة كَانُوا يَفْعَلُونَ وَكُنَّا نَفْعل فَإِنَّهُ قَيده بِعَهْد رَسُول الله ﷺ فالمختار أَنه مَرْفُوع كَمَا أَن الْمُخْتَار فِي الطَّرِيقَة الأولى وَالَّتِي بعْدهَا ذَلِك على تَفْصِيل فِي بعضهما مَعْرُوف فِي مطولات الْفَنّ وَقد استوفى ذَلِك التلميذ ﵀ فِي الفواصل وَقد جَمعنَا هَذِه الطّرق فِي قَوْلنَا
لفظ الصَّحَابِيّ إِذا روى خَبرا
عَن البشير النذير خير بشر ... حَدثنَا ثمَّ قَالَ ثمَّ أَمر
ثمَّ أمرنَا وقيت كل ضَرَر ... ثمَّ من السّنة ثمَّ عَنهُ وَقل
كُنَّا وَكَانُوا مُقَيّدا بِخَبَر
وَلم يتَعَرَّض لهَذِهِ الطّرق بخصوصها فِي النّظم إِلَّا أَنَّهَا قد دخلت فِيهِ إِجْمَالا كَمَا تعرفه من قَوْلنَا
جملَة مَا فِي الأَصْل مِنْهَا أَربع
قِرَاءَة الشَّيْخ على من يسمع
أَي قِرَاءَة الشَّيْخ هُوَ الْمُبْتَدَأ وَخَبره تقدم وَهُوَ قَوْله مِنْهَا وَهُوَ الْجَار وَالْمَجْرُور وَاعْلَم أَن هَذِه الْأَرْبَع بِاعْتِبَار صَنِيع الْأَدَاء تسمى مَرَاتِب وَتسَمى بِاعْتِبَار الْأَخْذ عَن الشُّيُوخ طَرِيقا
فَالْأولى من الْأَرْبَع قِرَاءَة الشَّيْخ والرواي يسمع سَوَاء كَانَت قِرَاءَته من حفظه أَو من كِتَابه قَاصِدا للتحديث أَولا وَهنا يَقُول الرَّاوِي حَدثنَا وَأخْبرنَا وَقَالَ لنا إِذا كَانَ مَعَه غَيره وَإِن كَانَ مَعَه غَيره وَإِن كَانَ مُنْفَردا بِالسَّمَاعِ أفرد الضَّمِير
الثَّانِيَة قَوْله
أَو من روى أَو غَيره لَدَيْهِ
أَي أَو قِرَاءَة من روى عَن الشَّيْخ وَهُوَ التلميذ أَو قِرَاءَة غَيره أَي غير التلميذ مَعَ كَون الرَّاوِي حَاضرا لَدَى الشَّيْخ أَي حَاضرا فِي سَماع قِرَاءَة ذَلِك الْغَيْر فقيد لَدَيْهِ قيد لمحضره وبحضرته الَّذِي أَتَى بِهِ فِي الأَصْل وَغَيره وشرطوه لتحقيق سَمَاعه لما قَرَأَهُ ذَلِك الْغَيْر على الشَّيْخ إِذْ لَيْسَ مُجَرّد قِرَاءَة الْغَيْر
стр. 118
مَعَ عدم تحقق السماع كَافِيَة ويسمون هَذِه الطَّرِيقَة عرضا ويختارون أَن يَقُول الرَّاوِي بهَا حَدثنَا قِرَاءَة أَو اُخْبُرْنَا قِرَاءَة عَلَيْهِ أَو نَحوه بِشَرْط التقيد بِالْقِرَاءَةِ إِذْ نِسْبَة الْأَخْبَار والتحديث إِلَيْهِ بِدُونِ ذَلِك الْقَيْد كذب إِذْ لَا تحديث من الشَّيْخ وَلَا إِخْبَار فَإِنَّهُ لَا يشْتَرط فِي هَذِه الطَّرِيقَة تَقْرِير من الشَّيْخ بِاللَّفْظِ وَلَا بتحريك رَأسه بل يَكْفِي سُكُوته من غير إِكْرَاه لَهُ وَلَا غَفلَة إِذْ سُكُوته تَقْرِير لَا يجوز إِلَّا مَعَ صِحَة مَا قرىء عَلَيْهِ وسلامته من التحريف والغلط وَلَو كَانَ كَذَلِك كَانَ قادحا فِي عَدَالَته
الثَّالِثَة من الطّرق قَوْلنَا ... أَو ناول المسموع من يَدَيْهِ ...
ضمير ناول للشَّيْخ أَي إِذا كَانَ طَرِيق الرِّوَايَة أَن الشَّيْخ ناول تِلْمِيذه مَا سَمعه أَو قوبل على مَا سَمعه وَكَذَلِكَ يدْخل فِيهِ مَا إِذا أَتَاهُ التلميذ بنسخة فتأملها بِلَا غلفة وَلَا إِكْرَاه ثمَّ يَقُول هَذَا مسموعي من طَرِيق كَذَا وَالتَّقْيِيد بقوله من يَدَيْهِ يخرج مَا إِذا أَشَارَ إِلَى كتاب معِين وَقَالَ أجزت لَك رِوَايَة هَذَا عني وَهُوَ سَمَاعي من فلَان فَهَذَا يكون خُرُوجًا عَن هَذِه الطَّرِيق إِلَى طَرِيق الْإِجَازَة كَمَا يرَاهُ أهل الحَدِيث فَإِن اشْتِرَاط المناولة من الْيَد هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ أَئِمَّة الحَدِيث وَقد خَالف الْغَزالِيّ وَغَيره وَقَالُوا لَا تشْتَرط المناولة وَالْأولَى مَا قَالَه المحدثون لِأَن هَذَا قسم يُسمى المناولة فَلَا بُد مِنْهَا بِالْيَدِ وَإِذا لم تكن بِالْيَدِ خرج مِنْهَا إِلَى قسم الْإِجَازَة وَهَذِه الطَّرِيق خَالف فِي جَوَازهَا بعض أهل الْعلم وَالْمُخْتَار الْجَوَاز وَبِه قَالَ الْجُمْهُور وَادّعى
стр. 119
القَاضِي عِيَاض الْإِجْمَاع على جَوَازهَا وَيَقُول التلميذ فِي الرِّوَايَة بهَا أخبرنَا مناولة أَو ناولني وَنَحْوهَا
الرَّابِعَة من الطّرق أَشَارَ إِلَيْهَا قَوْلنَا
كَذَا إِذا أجَاز مَا يرويهِ
وَالْأول الْأَقْوَى وَمَا يَلِيهِ
وَهَذِه آخر الطّرق الْمَذْكُورَة هُنَا وَهِي الْإِجَازَة مصدر أجزت إجَازَة أَي سوغت لَهُ وأبحت وَالْإِجَازَة أَنْوَاع إِمَّا الْخَاص فِي خَاص كأجرت لَك أَو لكم رِوَايَة الْكتاب الْفُلَانِيّ أَو خَاص فِي عَام كأجزت لَك أَو لكم جَمِيع مسموعاتي وَإِمَّا عَام فِي خَاص نَحْو أجزت للْمُسلمين أَو لمن أدْرك حَياتِي رِوَايَة الْكتاب الْفُلَانِيّ وَإِمَّا عَام فِي عَام نَحْو أجزت لأهل الْعَصْر رِوَايَة جَمِيع مسموعاتي وَلها أَنْوَاع عديدة قد بيناها فِي شرح تَنْقِيح الأنظار وَفِي جَوَازهَا أقاويل وتفاصيل هُنَالك مستوفاة وَالأَصَح جَوَازهَا من الْمَوْجُود للموجود وَعَلَيْهَا النَّاس قَدِيما وحديثا وَيَقُول التلميذ أَخْبرنِي فلَان بِالْإِجَازَةِ أَو أجازني أَو نَحْوهَا وَبَقِي طَرِيقَانِ الوجادة وَالْمُكَاتبَة وَقد استوفاهما فِي الفواصل وهما مستوفاتان مَعَ بَقِيَّة الأبحاث فِي عُلُوم الحَدِيث
وَجَاز أَن يروي من تَيَقنا
سَمَاعه أَي كتاب عينا ... وَإِن أضاع ذهنه التفصيلا
стр. 120
الرَّاوِي إِمَّا أَن يتَيَقَّن سَمَاعه تَفْصِيلًا لكتاب على شيخ فَلَا كَلَام فِي جَوَاز الرِّوَايَة لذَلِك عَن شَيْخه كَمَا أَنه لَا خلاف فِي عدم جَوَازهَا إِذا تَيَقّن عدم سَمَاعه وَإِنَّمَا الْكَلَام فِيمَا إِذا تَيَقّن السماع جملَة لَا تَفْصِيلًا فَهَذَا مَحل الْخلاف فَإِنَّهُ نقل الْخلاف فِي جَوَازه عَن أبي حنيفَة وَفِي الْفُصُول حكى الْإِجْمَاع على جَوَازه وَأما إِذا ظن السماع جملَة مَعَ سَلامَة النُّسْخَة من التَّغْيِير فَهَذَا فِيهِ الْخلاف كَمَا حَكَاهُ ابْن الصّلاح قَالَ بِجَوَازِهِ أَكثر أهل الحَدِيث بِشَرْط أَن يكون السماع بِخَطِّهِ أَو بِخَط من يوثق بِهِ وَالْكتاب مصون من تطرق التحريف وَلَا بُد من كَون النُّسْخَة مُعينَة كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ النّظم لِأَنَّهُ يُقَوي الظَّن بذلك وَالأَصَح مَا ذهب إِلَيْهِ الْجُمْهُور فَإِنَّهُ إِذا وجد سَمَاعه بِخَطِّهِ أَو بِخَط من يَثِق بِهِ وَحصل لَهُ ظن جَازَت الرِّوَايَة وَالْعَمَل وَدَلِيله عمل الصَّحَابَة بكتبه ﷺ ككتاب عَمْرو بن حزم وَغَيره فَإِنَّهُم عمِلُوا بهَا ورووها عَنهُ لحُصُول الظَّن بنسبتها إِلَيْهِ ﷺ إِذْ مدَار ذَلِك على حُصُول الظَّن للمجتهد فِي ذَلِك
فَائِدَة هَل يجوز النَّقْل من الْكتب الْمَوْجُودَة المنسوبة إِلَى مؤلفيها نِسْبَة اشتهار لمن لَا إجَازَة لَهُ فِيهَا وَلَا قِرَاءَة أَن ينْقل مِنْهَا وينسب مَا نقل إِلَيْهَا وَأَن هَذَا قَول فلَان أَعنِي مؤلف الْكتاب وَقد تكلم فِي هَذَا الْبَحْث الإِمَام الْمهْدي فَقَالَ مَا لَفظه اعْلَم أَن لنا كلَاما فِي جَوَاز الْأَخْذ عَن الْكتب الْمَوْضُوعَة وَالرِّوَايَة عَنْهَا لم يذكرهُ غَيرنَا وَهَا نَحن ذاكروه لِأَن هَذَا مَوْضِعه فَنَقُول اعْلَم أَن الْكتب الْمَوْضُوعَة فِي الْإِسْلَام لَا تَخْلُو إِمَّا أَن تكون فِي الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة أَو النقلية
أما الَّتِي فِي الْعَقْلِيَّة فَلَا كَلَام أَنه يجوز الْأَخْذ عَنْهَا وَإِن لم تقْرَأ على مصنفها بِشُرُوط ثَلَاثَة
الأول أَن يحصل للنَّاظِر فِيهَا الْعلم اليقيني بِمَا نظر فِيهِ مِنْهَا من تَصْحِيح أَو فَسَاد وَله أَن يحكيه عَن منصفه إِن تَيَقّن أَنه الْمُؤلف لَهُ أَو غلب فِي ظَنّه
стр. 121
مَا لم يغلب فِي ظَنّه أَنه قد حصل فِيهِ تَحْرِيف أَو تَصْحِيف أَو زِيَادَة أَو نُقْصَان إِذْ الأَصْل السَّلامَة وَقد صَحَّ لَهُ أَنه كِتَابه فَجَاز لَهُ الْإِضَافَة إِلَيْهِ وَلَيْسَ لَهُ أَن يحكيه مذهبا لمصنفه إِلَّا حَيْثُ علم أَو غلب فِي ظَنّه أَنه لَا قَول لَهُ سواهُ
الثَّانِي أَن لَا يجوز على نَفسه تَصْحِيف مَا يحكيه وَمَعْرِفَة ذَلِك مُمكنَة لَا سِيمَا فِي العقليات
الثَّالِث أَن لَا يغلب فِي ظَنّه أَن المُصَنّف لَا يرضى بحكاية ذَلِك القَوْل عَنهُ بل يكره ذَلِك لغَرَض ديني أَو دُنْيَوِيّ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يكون بِمَنْزِلَة من استودع أَخَاهُ سرا فأذاعه اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون فِي كتمه مفْسدَة أَو تَدْلِيس أَو أَي وَجه من وُجُوه التلبيس المخلة بِالدّينِ فَإِنَّهُ لَا يجوز حِينَئِذٍ كِتْمَانه
وَأما الْكتب الْمَوْضُوعَة فِي الْعُلُوم النقلية فَاعْلَم أَن كل من تصدى لتصنيف كتاب فِي الْعُلُوم الدِّينِيَّة فَإِنَّمَا يُرِيد بتصنيفه إِفَادَة الْمُسلمين وهدايتهم فَإِذا كَانَ كَذَلِك فإمَّا أَن يعلم من قَصده أَنه لم يحْجر أحدا من الْمُسلمين عَن رِوَايَته عَنهُ بل أَرَادَ مِنْهُم أَن يَأْخُذُوا بِهِ ويرووه عَنهُ فَهُوَ فِي حكم الْمُجِيز لكل الْمُسلمين أَن يرووه عَنهُ بِشَرْط أَمَان التَّصْحِيف والتحريف فَإِذا عرفت ذَلِك فَلِكُل أحد أَن يَأْخُذ عَن ذَلِك الْكتاب بِشُرُوط ثَلَاثَة
الأول أَن يكون النَّاظر فِيهِ من أهل البصيرة الوافية فِيمَا تضمنه الْكتاب من الْفُنُون ليأمن من الْغَلَط فِي نَقله للمعنى الْمَأْخُوذ
الثَّانِي أَن لَا يروي مَا أَخذه من ذَلِك الْكتاب على وَجه التحديث عَنهُ بل يَقُول قَالَ فِي الْكتاب الْفُلَانِيّ أَو رَوَاهُ فلَان فِي كِتَابه الْفُلَانِيّ وَله أَن يرويهِ مذهبا لَهُ حَيْثُ تَيَقّن أَنه المُصَنّف وَلَو جوز أَن لَهُ قولا آخر مَا لم يغلب فِي ظَنّه أَنه قَول الْقَدِيم
الثَّالِث أَن يكون آمنا فِيمَا نَقله من ذَلِك الْكتاب إِذا رَوَاهُ من كَون غَيره قد ضبط تِلْكَ الْأَلْفَاظ ضبطا يخرج بِهِ عَن مُرَاد المُصَنّف وَذَلِكَ لَا يخفي على ذِي
стр. 122
البصيرة الوافية فِي ذَلِك الْفَنّ فَمَا تردد فِي بعض أَلْفَاظه أَو فِي بعض مقاصده فَلَيْسَ لَهُ أَن يرويهِ عَنهُ إِلَّا أَن يشْعر بالترديد وَالِاحْتِمَال فَحصل من الْمَجْمُوع مَا ذَكرْنَاهُ أَنه لَا حجر عَن الْأَخْذ عَن الْكتب الْمَوْضُوعَة فِي الْإِسْلَام وَالرِّوَايَة عَنْهَا على الْوَجْه الَّذِي لخصناه مهما عرف من تنْسب إِلَيْهِ وَلم يكن من الْكتب الَّتِي لم يتواتر تعْيين مصنفها وَلَا اشْتهر وَلَا نَقله عدل وَلم يظْهر الْخلَل فِي نقلهَا وضبطها وَيَكْفِي الْمُقَلّد فِي جَوَاز التَّقْلِيد لمصنفها مَا نَقله الْآخِذ الْجَامِع للشروط الَّتِي ذَكرنَاهَا فَهَذَا هُوَ الَّذِي يتَرَجَّح لنا فِي ذَلِك إِذْ لَا دَلِيل على تَحْرِيمه وَلَا أَمارَة تثمر الظَّن وَلَا يُنكر ذَلِك إِلَّا جَاهِل أَو متجاهل وَإِنَّمَا ذكرنَا هَذَا لِئَلَّا يُقَال إِن من جمع مصنفا من كتب لَهُ فِيهَا سَماع وَلَا إجَازَة فَلَا يوثق بِمَا جمعه انْتهى بِأَكْثَرَ أَلْفَاظه وَهُوَ كَلَام حسن وَعَلِيهِ عمل النَّاس قَدِيما وحديثا وَهَذَا عِنْد الْفَرَاغ من مبَاحث السّنة وَمَا يتَعَلَّق بهَا اخذنا فِي بَيَان تَعْرِيف الْخَبَر وَبَيَان أَحْكَام يعرف بهَا صِحَة الدَّلِيل وفساده فَقُلْنَا ... ودونك التَّنْبِيه يَا نبيلا ...
اخْتلف الْعلمَاء فِي تَعْرِيف الْخَبَر كاختلافهم فِي تَعْرِيف الْعلم فَقيل لَا يعرف لِأَن الْعلم بِهِ ضَرُورِيّ والضروري لَا يحد إِذْ الْحَد إِنَّمَا هُوَ لتعريف الْمَجْهُول وَالْفَرْض أَنه ضَرُورِيّ وَقيل لَا يحد لعسر تحديده وَاخْتَارَ الْجُمْهُور تَعْرِيفه وَمنعُوا دَعْوَى ضَرُورِيَّة معرفَة حَقِيقَته وعرفوه بتعاريف اخترنا فِي النّظم مَا أَفَادَ قَوْلنَا ... وَالْخَبَر الْكَلَام ذُو الْإِسْنَاد ... حَيْثُ لَهُ من خَارج مفَاد ...
стр. 123
فقولنا ذُو الاسناد أَي الْكَلَام الَّذِي يحسن من الْمُتَكَلّم السُّكُوت عَلَيْهِ فصل يخرج المركبات النَّاقِصَة فَإِن المُرَاد بِالْإِسْنَادِ الْإِسْنَاد الأصلى الْمَقْصُود لذاته وَهُوَ النِّسْبَة الْوَاقِعَة بَين طرفِي الْجُمْلَة بإفادة تَامَّة وَقَوْلنَا حَيْثُ لَهُ من خَارج مفَاد قيد يخرج بِهِ الْكَلَام فِي الإنشائي ومفاد صفة لخارج أَي خَارج مفَاد عَن النِّسْبَة من غير نظر إِلَى وجودهَا فِي الْخَارِج حَقِيقَة أَو لَا وَالْمرَاد بالخارج أَن يكون للنسبة من حَيْثُ هِيَ وجود خارجي مفَاد عَنْهَا ثمَّ إِنَّه يَنْقَسِم الْخَبَر إِلَى الصدْق وَالْكذب فأشرنا إِلَى ذَلِك بقولنَا
يكون صدقا إِن هما تطابقا
مَا لم فكذب إِن هما تفارقا
ضمير يكون عَائِد إِلَى الْخَبَر وَضمير هما عَائِد إِلَى الْإِسْنَاد وَالْخَارِج وَالْمرَاد أَنه إِذا تطابق الْإِسْنَاد وَالْخَارِج كَانَ الْخَبَر صدقا وَإِن تفارقا بِأَن لم يتطابقا كَانَ كذبا وَذَلِكَ بِأَن تكون النِّسْبَة على خلاف مَا فِي الْخَارِج وَقَوْلنَا كذب بِكَسْر الْكَاف وَسُكُون الذَّال قَالَ فِي الْقَامُوس كذب يكذب كذبا كذبا كذبة انْتهى فَهِيَ أحد اللُّغَات فِيهِ وأشرنا إِلَى أَنَّهَا تخْتَلف أسماؤه بقولنَا
وسمه قَضِيَّة وجمله
فَإِن أَتَى جُزْءا من الْأَدِلَّة ... فَإِنَّهَا عِنْدهم مُقَدّمَة
فِي التَّلْوِيح أَن الْمركب التَّام من حَيْثُ اشتماله على الحكم قَضِيَّة وَمن حَيْثُ احْتِمَاله الصدْق وَالْكذب خبر وَمن حَيْثُ إفادته إِخْبَار وَمن حَيْثُ كَونه جُزْءا من الدَّلِيل مُقَدّمَة وَمن حَيْثُ يطْلب الدَّلِيل نتيجة فالذات وَاحِدَة وَاخْتِلَاف الْعبارَات باخْتلَاف الاعتبارات وَهنا أُشير إِلَى بعض الإطلاقات
стр. 124
وَهِي أَنَّهَا إِذا كَانَت جُزْءا من الدَّلِيل سميت مُقَدّمَة وَهُوَ عرف أهل الْمنطق فِي الْقيَاس الاقتراني والاستثنائي فَتَقول فِي مثل قَوْلك الْعَالم متغير وكل متغير حَادث أَن كل جملَة تسمى مُقَدّمَة الأولى يُقَال لَهَا الصُّغْرَى وَالثَّانيَِة يُقَال لَهَا الْكُبْرَى والتقاسيم هُنَا كَثِيرَة لَا حَاجَة إِلَى استيفائها وَلما ذكر فِي الأَصْل من أَحْكَام الْأَخْبَار التَّنَاقُض أَشَرنَا إِلَيْهِ بقولنَا
هَذَا وَمن أَحْكَامه المترجمة
المُرَاد بالترجمة مَا سمي باسم خَاص كالتناقض وَالْعَكْس وَنَحْو ذَلِك وَقَوله من أَحْكَامه خبر مقدم بقوله
تنَاقض القضيتين أَن يختلفا
نفيا وإثباتا وَأَن يأتلفا ... فِي وحدات قدرت ثَمَانِي
وراجح الْأَقْوَال فِي الْمِيزَان ... بِحَيْثُ يَأْتِي صدق كل مِنْهُمَا
عَن كذب الْأُخْرَى فَخذ مَا رسما
هَذَا من تَمام حد التَّنَاقُض فَقَوله بِحَيْثُ يتَعَلَّق بقوله أَن يختلفا وَالْمرَاد بقوله يَأْتِي يلْزم وَهُوَ اللُّزُوم الذاتي كَمَا قَالَ فِي الْغَايَة بِحَيْثُ يلْزم لذاته من صدق كل كذب الْأُخْرَى وَإِنَّمَا قيدوه بقَوْلهمْ لذاته احْتِرَاز عَن اخْتِلَافهمَا لأجل وَاسِطَة نَحْو زيد إِنْسَان زيد لَيْسَ بناطق فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَقْتَضِي صدق إِحْدَاهمَا وَكذب الْأُخْرَى بِوَاسِطَة أَن كل إِنْسَان نَاطِق وَإِنَّمَا الَّذِي يكون لذاته زيد إِنْسَان زيد لَيْسَ بِإِنْسَان وَاعْلَم أَن هَذَا الْبَيْت كَانَ يَنْبَغِي أَن يتَقَدَّم على قَوْله فِي وحدات الخ ليتصل بِمَا يتَعَلَّق بِهِ لَكِن اقْتضى النّظم تَأْخِيره ثمَّ عبارَة التَّهْذِيب وَلَا بُد من اخْتِلَاف فِي الكيف والكم والجهة والاتحاد فِيمَا عَداهَا وَالْمُصَنّف فِي أصل النّظم اقْتصر على الِاخْتِلَاف نفيا وإثباتا
стр. 125
فَتَبِعَهُ النَّاظِم فِي ذَلِك وَزَاد النَّاظِم الائتلاف فِي الثمان الوحدات وَهَذَا ابْتِدَاء كَلَام فِي بعض أَحْكَام القضايا وَهُوَ التَّنَاقُض فقولنا نفيا وإثباتا يخرج اخْتِلَافهمَا بالاتصال والكلية والجزئية وَنَحْو ذَلِك فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ اخْتِلَافا فَلَا يُسمى تناقضا والتناقض الْمُحَقق فِي مثل قَوْلك زيد إِنْسَان زيد لَيْسَ بِإِنْسَان وَلَكِن لَا بُد من الِاتِّفَاق فِي وحدات ثَمَان كَمَا ذكرنَا بقولنَا وَإِن يأتلفا أَي يتَّفقَا وَهَذِه الوحدات تحقيقها فِي علم الْمِيزَان وَهُوَ الْمنطق فَهَذِهِ الأبحاث دخيلة هُنَا وَهِي من مباحثه لَا من مبَاحث أصُول الْفِقْه وَحَاصِله أَنه لَا بُد فِي تَحْقِيق التَّنَاقُض من اتِّحَاد اخْتِلَاف فالاختلاف يكون فِي الْكمّ أَي الْكُلية والجزئية والكيف أَي الْإِيجَاب وَالسَّلب والجهة أَي الضَّرُورَة والإمكان مثلا وَغَيرهمَا من الْجِهَات والاتحاد فِيمَا عَداهَا وَبعد ذكرنَا التَّنَاقُض أَشَرنَا إِلَى الْعَكْس المستوى وَعكس النقيض فَإِنَّهُمَا من أَحْكَام الْخَبَر المترجمة فَقُلْنَا
وَالْعَكْس أعنى المستوى لَك البقا
تَحْويل جزئي جملَة مَعَ بقا ... صدقهما وَالْعَكْس للنقيض
تَحْويل كل مِنْهُ بالتعريض ... فتجعل الْمُقدم الموخرا
من بعد أَن تنقض كلا ظَاهرا
المُرَاد بجزئي الْجُمْلَة الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر على اصْطِلَاح النُّحَاة والموضوع والمحمول على عرف أهل الْمنطق وَمن التَّحْوِيل أَن يَجْعَل الْمَوْضُوع مَحْمُولا والمحمول مَوْضُوعا نَحْو كل إِنْسَان حَيَوَان عَكسه مستويا بعض الْحَيَوَان إِنْسَان وَإِنَّمَا قُلْنَا بعض لأَنا قد شرطنا بَقَاء الصدْق وَلَا يصدق إِلَّا فِي بعض الْحَيَوَان إِنْسَان وَلَو قلت كل حَيَوَان إِنْسَان لَكَانَ كذبا وَذَلِكَ لِأَن عكس الْقَضِيَّة لَازم لَهَا ويستحيل صدق الْمَلْزُوم بِدُونِ لَازمه وتحقيقه فِي علم الْمِيزَان وَأما عكس النقيض فإليه الْإِشَارَة بقولنَا وَالْعَكْس للنقيض أَي من أَحْكَامه المترجمة عكس النقيض وَضمير مِنْهُ عَائِد على جزئي الْجُمْلَة كَمَا يُنَادي لَهُ
стр. 126
السِّيَاق وإفراده بِاعْتِبَار كل جُزْء مِنْهَا أَي تَحْويل كل وَاحِد من جزئي الْجُمْلَة بنقيضه وَزِيَادَة نقيضه تفهم من قَوْلنَا من بعد أَن تنقض كلا وَالْمرَاد من التَّحْوِيل أَن تجْعَل نقيض الْمَوْضُوع مَكَان الْمَحْمُول وَبِالْعَكْسِ كَمَا يفِيدهُ قَوْله فتجعل الْمُقدم الْمُؤخر وَحذف من النظام تَمام التَّعْرِيف وَهُوَ قَوْلهم على وَجه يصدق اكْتِفَاء بِمَا سبق من ذكره بِالْعَكْسِ المستوى لاشْتِرَاكهمَا فِي شَرْطِيَّة بَقَاء الصدْق فِي الجزئين وَلم يَأْتِ إِلَّا بِمَا تخالفا فِيهِ وَهُوَ تَحْويل نقيض كل مِنْهُمَا ومثاله كل إِنْسَان حَيَوَان ينعكس إِلَى كل مَا لَيْسَ بحيوان لَيْسَ بِإِنْسَان وَله تفاصيل فِي علم الْمِيزَان باعتبارات فِي السُّور والجهات وَإِنَّمَا أَشَارَ فِي الأَصْل إِلَى العكسين بِاخْتِصَار فتبعناه فِي ذَلِك وَبعد اسْتِيفَاء الْكَلَام على الْكتاب وَالسّنة أَخذ فِي ذكر الدَّلِيل الثَّالِث وَهُوَ الْإِجْمَاع فَقَالَ ... فصل وَأما ثَالِث الْأَدِلَّة ... فَهُوَ اتِّفَاق الْعلمَاء الجلة ...
بِالْجِيم الْمَكْسُورَة قَالَ فِي الْقَامُوس وَقوم جلة بِالْكَسْرِ عُظَمَاء سادة ذَوُو أخطار انْتهى
... مجتهدي الْعُدُول مِنْهُم لَا سوى ... فِي أَي عصر بعد عصر الْمُصْطَفى ...
فَقَوله اتِّفَاق هُوَ جنس الْحَد وَقَوله الْعلمَاء فصل يخرج بِهِ اتِّفَاق الْعَامَّة وَقَوله مجتهدي الْعُدُول يخرج بِهِ من لم يبلغ رُتْبَة الِاجْتِهَاد من الْعلمَاء وَالْفَاسِق وَالْكَافِر المجتهدان وَفِي أَي عصر بَيَان لتحقيق معنى الِاتِّفَاق وَبعد عصر الْمُصْطَفى لإِخْرَاج اتِّفَاق مجتهدي الصَّحَابَة فِي حَيَاته ﷺ على فرض وُقُوعه وَقد خرج بِهِ الْإِجْمَاع الْوَاقِع بالأمم السالفة فَإِنَّهُ على فرض وُقُوعه وَكَونه حجَّة إِنَّمَا كَانَ قبله صلى الله عَلَيْهِ وَآله
стр. 127
وَسلم ولعلماء الْأمة خلاف كثير طَوِيل شهير فِي الْإِجْمَاع مِنْهُم من قَالَ بِعَدَمِ إِمْكَان وُقُوعه وَإِن من يَدعِيهِ كَاذِب وَمِنْهُم من قَالَ بِإِمْكَان وُقُوعه وَلكنه لَيْسَ بِحجَّة وَمِنْهُم من قَالَ بإنه وَاقع وَإنَّهُ حجَّة وَهَذَا الْأَخير قَول الْجُمْهُور الَّذِي عدوه من الْأَدِلَّة وَعَلِيهِ وَقع نظمنا وَاسْتدلَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ حجَّة لأدلة عقلية ونقلية وَكلهَا أَدِلَّة مدخولة غير ناهضة وَأسد الْأَدِلَّة قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن يُشَاقق الرَّسُول من بعد مَا تبين لَهُ الْهدى وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ نوله مَا تولى ونصله جَهَنَّم وَسَاءَتْ مصيرا﴾ قُولُوا وَوجه الِاسْتِدْلَال بهَا توعد الله سُبْحَانَهُ على اتِّبَاع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ كَمَا توعد على مشاقة الرَّسُول ﷺ فَدلَّ على حُرْمَة مخالفتهم وَهُوَ الْمَطْلُوب فِي كَون الْإِجْمَاع حجَّة وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَن وضع الْإِضَافَة بقول ﴿سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ للْعهد كَمَا صرح بِهِ أَئِمَّة النَّحْو وَالْبَيَان وَقد تتعمل فِي غَيره مجَازًا وَلَا يعدل إِلَيْهِ مَعَ إِمْكَان الْحَقِيقَة وَإِجْمَاع الْمُؤمنِينَ عِنْد نزُول الْآيَة غير مَعْهُود إِذا لإِجْمَاع فِي عصره ﷺ والمعهود عِنْد نُزُولهَا هُوَ الْإِيمَان وَاتِّبَاع الْكتاب وَالسّنة وَقد اعْترض هَذَا الدَّلِيل باعتراضات كَثِيرَة وَلِهَذَا صرح شَارِح غَايَة السُّؤَال وَمن قبله الإِمَام الْمهْدي فِي المعيار بِأَن الْآيَة حجَّة ظنية وَقد تقرر أَنه لَا يثبت هَذَا الأَصْل بالأدلة الظنية وَقد استدلوا بالأحاديث النَّبَوِيَّة وَهِي كَثِيرَة بَالِغَة حد التَّوَاتُر الْمَعْنَوِيّ مِنْهَا أَنَّهَا لَا تَجْتَمِع أمتِي على ضَلَالَة
стр. 128
وَحَدِيث يَد الله مَعَ الْجَمَاعَة والشيطان مَعَ من خَالف الْجَمَاعَة يرْكض وَمن فَارق الْجَمَاعَة شبْرًا دخل النَّار وَفِي مَعْنَاهَا عدَّة أَحَادِيث إِلَّا أَنه لَا يخفي أَن نفي اجْتِمَاع الْأمة على الضَّلَالَة لَا يدل على وُقُوع الْإِجْمَاع الَّذِي نَحن بصدده وَلَا عَدمه على أَن الضَّلَالَة هِيَ الْكفْر فَهُوَ إِخْبَار بِأَن الْأمة لَا ترتد كَمَا تفيده أَحَادِيث أخر والتوعد بالنَّار لمن فَارق الْجَمَاعَة دَلِيل على أَن المُرَاد بِهِ فارقهم بِالْخرُوجِ عَن الْإِسْلَام وَغَايَة مَا تدل عَلَيْهِ الْأَحَادِيث بعد الإغماض عَن الِاحْتِمَالَات أَن تدل على الْإِجْمَاع وَالْمُدَّعِي دلَالَة ظنية والأصوليون لَا يكتفون بهَا فِي إِثْبَات الْأُصُول وَإِن رجحنا نَحن أَنه يَكْتَفِي بهَا إِلَّا أَن على صِحَة ثُبُوته من بعد عصر الصَّحَابَة بحثا وَاضحا وَهُوَ أَنه بعد انتشار نطاق الْإِسْلَام وتباعد أقطاره وَكَثْرَة علمائه يَسْتَحِيل أَن يثبت عَنْهُم إِجْمَاع فَإِن من أنصف من نَفسه علم أَنه لَا سَبِيل إِلَى الْإِحَاطَة بأشخاص فضلا عَن معرفَة قَول كل فَرد مِنْهُم فِي الْمَسْأَلَة الْفُلَانِيَّة فَالْحق مَا قَالَه بعض أَئِمَّة التَّحْقِيق الْجلَال من الْمُتَأَخِّرين أَنه لم يَقع الْإِجْمَاع إِلَّا على ضَرُورِيّ كأركان الْإِسْلَام وَالدَّلِيل الضَّرُورَة وَلَو فَرضنَا وُقُوعه لما علمناه لمحالات عَادِية إِمَّا فِي وُقُوعه فَلِأَن مُسْتَنده إِن كَانَ ضَرُورِيًّا اسْتَحَالَ عدم نَقله إِلَى من بعدهمْ وَإِن كَانَ ظنيا اسْتَحَالَ الِاتِّفَاق عَلَيْهِ لاخْتِلَاف القرائح
وَقد أُجِيب عَن الأول بِأَنَّهُ يسْتَغْنى بِنَقْل الْإِجْمَاع عَن نقل الْقَاطِع لارْتِفَاع الْخلاف المحوج إِلَى نقل الْقَاطِع وَهُوَ جَوَاب بَاطِل لِأَن الِاسْتِغْنَاء بِالْإِجْمَاع فرع
стр. 129
ثُبُوت حجيته وَهِي مَحل نزاع ثمَّ إِن الْحَاجة إِلَى نقل الْقَاطِع لَيْسَ هُوَ الْحَاجة إِلَى دفع الْخلاف بل نفس ضروريته من الدّين الَّتِي لَا يُمكن خفاؤها على مُسلم فضلا عَن مُجْتَهد وَعَن الثَّانِي لِأَن الدَّلِيل الظني قد يكون جليا فَلَا يبعد الِاتِّفَاق على مَدْلُوله وَأجِيب بِأَن جلاء الْمَدْلُول لَا يسْتَلْزم جلاء السَّنَد للْخلاف فِي شُرُوط الرَّاوِي وَالرِّوَايَة وَمِقْدَار الروَاة والمذاهب فِي الْجرْح وَالتَّعْدِيل وَغير ذَلِك فيستحيل الِاتِّفَاق مِنْهَا على غير ضَرُورِيّ اسْتِحَالَة بعض الْعُلُوم العادية وَأما فِي نَقله عَنْهُم لوُقُوع فمستحيل أَيْضا لخفاء بَعضهم أَو انْقِطَاعه أَو أسره أَو خموله أَو كذبه أَو عدم نظره أَو الرُّجُوع عَن النّظر قبل قَول الآخر ثمَّ النَّقْل
أما الْآحَاد فَلَا يُفِيد وَأما التَّوَاتُر فبعيد وَقد أُجِيب بِعَدَمِ الاستحالة مُسْندًا بالوقوع أَيْضا للْقطع بإجماعهم على تَقْدِيم النَّص الْقَاطِع على الْمَضْمُون وَهَذَا جَوَاب بَاطِل لِأَن تَقْدِيم الْقَاطِع على المظنون بضرورة الْعقل والنزاع فِي الشرعيات وَالْحجّة الضَّرُورَة كَمَا علمت لَا الْإِجْمَاع وَمن تتبع كَلَام الْقَائِلين لثُبُوت الْإِجْمَاع علم أَنه لَا يتم الدَّلِيل على دليليته وَلَا على وُقُوعه وتحققه وَأما قَول بَعضهم بِإِثْبَات الْوُقُوع أَنهم أَجمعُوا على اسْتِقْبَال الْكَعْبَة فَهَذَا مِمَّا علم أَنهم أَجمعُوا عَلَيْهِ وَلنَا علم بضرورة الْعقل وَالشَّرْع وَهُوَ علمنَا بِأَنَّهُم عقلاء وَأَنَّهُمْ أَيْضا لَا يكذبُون الشَّارِع لِأَن رد الضَّرُورَة الشَّرْعِيَّة بِمَنْزِلَة التَّكْذِيب وَلِهَذَا يكفرون من جحد ضَرُورِيًّا من الدّين فِيمَا أبعد دَعْوَى وُقُوع الْإِجْمَاع الْمُحَقق فِي الصَّحَابَة وأكذبها مِمَّن بعدهمْ فَلَو ساءلت مدعي وُقُوع الْإِجْمَاع الْمُحَقق عَن محَال الْمُسلمين وبلدانهم بل أوسع من ذَلِك من خطط الأَرْض الإسلامية
стр. 130
لم يحط بهَا علما كَيفَ بإفراد الخليقة ثمَّ بصفاتهم ثمَّ باستقرارها ريثما يحصل الْإِجْمَاع
وَلذَا قَالَ ابْن حَنْبَل إِنَّه يقطع بكذب ناقله وَزَاد غَيره وَيكون ناقله مَجْرُوح الْعَدَالَة إِذا عرفت هَذَا فالأحاديث الْوَارِدَة فِي مثل ذَلِك عَلَيْكُم بِالسَّوَادِ الْأَعْظَم وَنَحْوه مِمَّا جَعَلُوهُ أَدِلَّة للْإِجْمَاع وَقد علمت تعذره لَا يبعد حملهَا على مَا قَالَه بعض الْمُحَقِّقين من الْمُتَأَخِّرين إِن المُرَاد بهم الْأَكْثَر قَالَ فَإنَّا إِذا جَمعنَا المستدلين من أهل الْعَصْر الأول والأخر من عصر الصَّحَابَة إِلَى وقتنا فَلَا شكّ أَن الْأَكْثَر مَظَنَّة الْإِصَابَة وَلذَا ترجح الْأَدِلَّة بِعَمَل الْأَكْثَر ومثاله خلاف ابْن عَبَّاس بالحمر الْأَهْلِيَّة وَعلي ﵇ فِي بيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد ثمَّ إِن المظنات إِنَّمَا تعْتَبر عِنْد عدم الْبُرْهَان الَّذِي يجب عَلَيْهِ الْعَمَل والاعتماد إِذْ لَا معنى للمظنة مَعَ حُصُول المئنة مَعَ أَنَّهَا هُنَاكَ إِنَّمَا تكون مرجحة كَمَا ذكرنَا لَا دَلِيلا مُسْتقِلّا فَشد يَديك بِهَذِهِ النُّكْتَة
وَقَالَ ابْن تَيْمِية إِن الْإِجْمَاع ثَلَاثَة أَنْوَاع
الإحاطي وَهُوَ الْإِحَاطَة بأقوال الْعلمَاء جَمِيعًا فِي الْمَسْأَلَة وَهَذَا علمه مُتَعَدد مُطلقًا
الثَّانِي الْإِجْمَاع الإستقرائي وَهُوَ أَنَّك تتبعت أَقْوَال الْعلمَاء فَلم تَجِد مُخَالفا وَهَذَا يحْتَاج إِلَى استقراء قَول عَامَّة الْمُجْتَهدين وَهَذَا إِذا أمكن فِي غَايَة الصعوبة وأسهل مِنْهُ
الثَّالِث وَهُوَ الْإِجْمَاع الإقراري وَهُوَ لَا يعلم أَن الْأمة أقرَّت عَلَيْهِ إِلَّا بعد الْبَحْث التَّام هَل أنكر ذَلِك القَوْل مُنكر وغايته الْعلم بِعَدَمِ المنازع وَالْمُنكر وَهُوَ صَعب جدا وَلَا يُعلمهُ إِن علمه إِلَّا الْأَفْرَاد انْتهى
قلت وَهَذَا الإقراري هُوَ الَّذِي يسمونه السكوتي وَاعْلَم أَن الْأَحَادِيث الَّتِي سبق إِلَيْهَا إِشَارَة اسْتدلَّ بهَا الْجُمْهُور وَادعوا أَنَّهَا تَوَاتَرَتْ معنى ووردت بِأَلْفَاظ كَقَوْلِه الله عَلَيْهِ وَآله وَسلم لَا تَجْتَمِع أمتِي على ضَلَالَة يَد
стр. 131
الله مَعَ الْجَمَاعَة لَا يجمع الله أمتِي على ضَلَالَة أبدا فاتبعوا السوَاد الْأَعْظَم يَد الله على الْجَمَاعَة من شَذَّ شَذَّ فِي النَّار يَد الله مَعَ الْجَمَاعَة والشيطان مَعَ من خَالف الْجَمَاعَة يرْكض من خَالف الْجَمَاعَة شبْرًا دخل النَّار وَلَا تزَال طَائِفَة من أمتِي على الْحق ظَاهِرين على من ناوأهم حَتَّى يُقَاتل آخِرهم الدَّجَّال وَغير ذَلِك من الْأَحَادِيث مِمَّا يُؤَدِّي معنى مَا ذكرنَا وَقد أُجِيب على الِاسْتِدْلَال بهَا على حجية الْإِجْمَاع الْمُدعى بِعَدَمِ تَمام تطبيقها على الْمُدعى وَذَلِكَ أَن حَدِيث لَا تَجْتَمِع أمتِي وَمَا فِي مَعْنَاهُ إِنَّمَا يدل على نفي اجْتِمَاع الْأمة على ضَلَالَة وَلَا يلْزم مِنْهُ وُقُوع الْإِجْمَاع وثبوته أَيْضا فالوعيد بِأَن من فَارق الْجَمَاعَة فَهُوَ فِي النَّار إِنَّمَا يدل على مُخَالفَة الْإِجْمَاع الْقطعِي وَقد عرفت أَن الْقطعِي لَيْسَ إِلَّا مَا كَانَ فِي ضَرُورِيّ من الدّين والوعيد مُبْتَدأ بِدُخُول النَّار لترك خَبره الضَّرُورِيّ من الدّين وَلَئِن سلم ان فِي الْإِجْمَاع مَا هُوَ قَطْعِيّ فالاستدلال بِأَحَادِيث الْإِجْمَاع أَعم من ظنى وقطعي وَأَيْضًا فالوعيد بِدُخُول النَّار دَلِيل على أَن المُرَاد من فَارق الْجَمَاعَة جمَاعَة أهل الْإِسْلَام وَالْحَاصِل أَن من أنصف عرف أَن الْأَحَادِيث لَا تتمّ دَلِيلا على هَذَا الْمُدعى بِخُصُوصِهِ وَكَيف تحمل على أَمر يعز تَحْقِيقه أَو يتَعَذَّر وَإِنَّمَا مَعْنَاهَا وَالله أعلم بشرى هَذِه الْأمة إِنَّهَا لَا تفارق الْحق وَلَا ترتد على أدبارها وَإِنَّهَا لَا تزَال طَائِفَة مِنْهُم على الْإِسْلَام
стр. 132
قَالَ ابْن تَيْمِية فِي بعض رسائله إِن السّلف إِنَّمَا كَانُوا يُنكرُونَ على من شَذَّ عَن الْجَمَاعَة فِي مبايعة الإِمَام وَلُزُوم جمَاعَة الْمُسلمين وعَلى من يعتزل الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَة كَمَا أَنْكَرُوا على سعد تخلفه عَن بيعَة أبي بكر وَعمر وكما سُئِلَ ابْن عَبَّاس عَن رجل يقوم اللَّيْل ويصوم النَّهَار وَلَا يشْهد جُمُعَة وَلَا جمَاعَة فَقَالَ هُوَ فِي النَّار وَهَذَا هُوَ معنى مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ عَلَيْكُم بِالْجَمَاعَة فَإِن يَد الله على الْجَمَاعَة وَقَالَ إِن الشَّيْطَان ذِئْب الْإِنْسَان كذئب الْغنم وَالذِّئْب إِنَّمَا يَأْخُذ القاصية والناجية فَإِنَّمَا ذَلِك أَمر باجتماع الْمُسلمين على أَمر دينهم ودنياهم وَأَن لَا يتفرقوا ويتباغضوا بالتفرق والتهاجر بل عَلَيْهِم أَن يوالي بَعضهم بَعْضًا ويتحابوا ويتناصحوا انْتهى
فَحمل الْأَحَادِيث على مَا ترَاهُ وَنعم مَا قَالَ ... وَلَيْسَ بِالشّرطِ انْقِرَاض الْعَصْر ... وفقد سبق بِخِلَاف يجْرِي ...
هَذِه إِشَارَة إِلَى مَسْأَلَتَيْنِ
الأولى أَنه لَا يشْتَرط فِي انْعِقَاد الْإِجْمَاع انْقِرَاض عصر المجمعين بل إِذا اتَّفقُوا على حكم كَانَ حجَّة عَلَيْهِم وعَلى غَيرهم وَلَا يجوز لَهُم وَلَا لغَيرهم مُخَالفَته وَالدَّلِيل على هَذَا مَا سبق من أَدِلَّة ثُبُوت حجية الْإِجْمَاع من دون شَرط انْقِرَاض أهل عصره
وَالْمَسْأَلَة الثَّانِيَة أَنه لَا يشْتَرط فِي انْعِقَاده عدم سبق خلاف يجْرِي بَين الْأمة وَذَلِكَ نَحْو أَن يفْتَرق أهل عصر على قَوْلَيْنِ فَيَأْتِي أهل الْعَصْر الآخر
стр. 133
فَيجْمَعُونَ على أحد الْقَوْلَيْنِ فَإِن هَذَا الْأَخير إِجْمَاع لَا تجوز مُخَالفَته وَهُوَ رَأْي الْجُمْهُور لشمُول أَدِلَّة الْإِجْمَاع لَهُ وَسبق الْخلاف لَا يُؤثر فِيهِ ولعلماء الْأُصُول أَقْوَال فِي هَذَا اشْتَمَلت عَلَيْهَا مطولات الْفَنّ وَلَيْسَ هَا هُنَا إِلَّا الْإِتْيَان بعيون الْمسَائِل الَّتِي اكتحلت بأنوار الْوَاضِح من الدَّلَائِل ... هَذَا وَلَا بُد لَهُ من مُسْتَند ... وَإِن جهلناه وَإِن كَانَ السَّنَد ...
أَي الْأَمر والشأن هُوَ مَا ذَكرْنَاهُ وَالْحَالة أَنه لَا بُد للْإِجْمَاع من دَلِيل يسْتَند إِلَيْهِ أهل الْإِجْمَاع فَلَا يَقع إِلَّا عَن دَلِيل شَرْعِي لما علم من أَن الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة لَا تكون إِلَّا عَن مُسْتَند فَإِنَّهُ لَا يقدم مُجْتَهد وَالْأمة على حكم لَا مُسْتَند لَهُ وَلكنه لَا يلْزمنَا معرفَة مستندهم لِأَنَّهُ إِنَّمَا يلْزمنَا معرفَة دَلِيل الحكم مثلا وَقد قَامَ الْإِجْمَاع على الحكم الْوَاقِع فِيهِ الْإِجْمَاع وَحِينَئِذٍ فَلَا يلْزمنَا إِلَّا معرفَة الْإِجْمَاع لِأَنَّهُ قد صَار الدَّلِيل فِي ذَلِك الحكم وَلذَا قُلْنَا وَإِن جهلناه ثمَّ الْمُسْتَند يكون من الْكتاب الْعَزِيز أَو السنو النَّبَوِيَّة أَو الْقيَاس إِلَّا الإجتهاد كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْلنَا ... قياسنا وَالِاجْتِهَاد فِيهِ ... وباطل لسبق مَا يَنْفِيه ...
فَالْقِيَاس ظَاهر وَالْمرَاد بِالِاجْتِهَادِ أَن يكون السَّنَد صادرا عَن دلالات النُّصُوص الَّتِي لَا تثبت إِلَّا بِالِاجْتِهَادِ كالمفاهيم وَغَيرهَا وَقيل المُرَاد بِالْقِيَاسِ مَا لَهُ أصل معِين وبالاجتهاد مَا لَا يكون لَهُ أصل معِين وَفِي الْمَسْأَلَة خلاف وجدال فِي صِحَة كَون مُسْتَنده الْقيَاس وَلَكِن بعد مَا عرفت من تعذر الْإِجْمَاع لَا نطيل بِذكر مَا فِي فروعه من النزاع
وَأما قَوْلنَا وباطل لسبق مَا يَنْفِيه فَهُوَ إِشَارَة إِلَى أَنه لما تقرر عصمَة الْأمة عَن الْخَطَأ كَانَ تعَارض الإجماعين بَاطِلا فَإِذا انْعَقَد الْإِجْمَاع على حكم شَيْء
стр. 134
بِعَيْنِه لم يَصح إِجْمَاع على نَفْيه لَا يَتَأَتَّى وُقُوعه فَمَعْنَى النّظم أَن الْإِجْمَاع الآخر إِن فرض وُقُوعه فَهُوَ بَاطِل لسبق مَا يَنْفِيه من الْإِجْمَاع وَفِيه خلاف يَأْتِي فِي بَاب النّسخ ... وَمَا لَهُ بالخلفا انْعِقَاد ... وَلَيْسَ بالشيخين يُسْتَفَاد ...
أَي أَن الْإِجْمَاع لَا ينْعَقد وَتقوم بِهِ الْحجَّة بالخلفاء الْأَرْبَعَة ﵃ إِذْ هم بعض الْأمة والأدلة إِنَّمَا قَامَت على حجية إِجْمَاع مجتهديها الْجَمِيع وَخَالف فِيهِ احْمَد فِيمَا رُوِيَ عَنهُ وَأَبُو خازم بِالْخَاءِ وَالزَّاي المعجمتين عبد الْعَزِيز بن عبد الحميد الْحَاكِم فِي خلَافَة المعتضد فَإِنَّهُ حكم بذلك وَكتب إِلَى الْآفَاق برد أَمْوَال من الْمَوَارِيث على ذَوي ارحام بعد أَن صَارَت إِلَى بَيت المَال عملا بِإِجْمَاع الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة وَلم يلْتَفت إِلَى قَول زيد بن ثَابت وَاسْتَدَلُّوا بقوله ﷺ عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين بعدِي عضوا عَلَيْهَا بالنواجذ رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ وَابْن مَاجَه وَالْحَاكِم وَقَالَ على شَرطهمَا
وَأجِيب عَن الِاسْتِدْلَال بِالْحَدِيثِ بِأَنَّهُ لَا دلَالَة فِيهِ على تعْيين الْأَرْبَعَة بل هُوَ عَام لكل خَليفَة اتّصف بِتِلْكَ الصّفة الَّتِي صرح بهَا الحَدِيث وَقَوْلهمْ الدَّلِيل على تعْيين الْأَرْبَعَة حَدِيث الْخلَافَة بعدِي ثَلَاثُونَ سنة ثمَّ تصير ملكا عَضُوضًا أخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَقد كَانَت ثَلَاثُونَ هِيَ خلَافَة الْأَرْبَعَة
стр. 135
وَمُدَّة خلَافَة الْحسن ﵇ وَلكنهَا لما لم تطل وَلم تظهر آثارها لم يعْتد بهَا ورد بِأَنَّهُ بَاطِل لِأَنَّهُ من جملَة الْخُلَفَاء بِالنَّصِّ على الْمدَّة وَلَا تكتمل إِلَّا بالاعتداد بخلافته وَبِأَنَّهُ لم يعرف فِي الصَّحَابَة القَوْل إِن مَا اتّفق عَلَيْهِ الْأَرْبَعَة خلفاء فَهُوَ إِجْمَاع بل خَالف ابْن عَبَّاس جَمِيع الصَّحَابَة فِي عدَّة مسَائِل وَكَذَلِكَ ابْن مَسْعُود وَغَيرهمَا وَلم يقل أحد إنَّهُمَا خالفا إِجْمَاع الْخُلَفَاء فَالْحَدِيث مَحْمُول على بَيَان أَن الْخُلَفَاء أهل للاقتداء بهم ثمَّ إِن هَا هُنَا دقيقة لم يتفطن لَهَا المستدلون بِهَذَا الحَدِيث وَلَا يعرفهُ إِلَّا أَفْرَاد الناظرين وَهُوَ أَن الِاقْتِدَاء حَقِيقَة هُوَ أَن تعْمل مثل عمل من اقتديت بِهِ وَلذَا قَالَ أَئِمَّة الْأُصُول إِن شَرطه مُوَافَقَته حَتَّى الْمُوَافقَة فِي النِّيَّة فَلَو صلى النَّبِي ﷺ رَكْعَتَيْنِ بنية الْفَرْض وصليناهما بنية النَّفْل لم نَكُنْ مقتدين وَلذَا قَالَ الْعَلامَة الْكَبِير مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الْوَزير ﵀ فِي أبياته الدالية
من قلد النُّعْمَان أضحى شاربا
لمثلث رِجْس خَبِيث مُزْبِد ... وَلَو اقْتدى بِأبي حنيفَة لم يكن
إِلَّا إِمَامًا رَاكِعا فِي الْمَسْجِد
يُرِيد النُّعْمَان أَبَا حنيفَة فَإِنَّهُ قَالَ بِجَوَاز شرب المثلث وَلم يشربه فَمن شربه لم يكن مقتديا بِأبي حنيفَة وَإِن كَانَ مُقَلدًا لَهُ فالاقتداء غير التَّقْلِيد وَكَذَلِكَ من ترك السّنَن النَّبَوِيَّة واشتغل بالمباحات لم يكن مقتديا بِرَسُولِهِ ﷺ وَإِن كَانَ ﷺ هُوَ الَّذِي أَبَاحَهَا وَإِلَى مثل كَلَامه ﵀ قُلْنَا فِي ذمّ التَّقْلِيد فِي الأبيات النجدية
وشتان مَا بَين الْمُقَلّد فِي الْهدى
وَمن يَقْتَدِي والضد يعرف بالضد ... فَمن قلد النُّعْمَان أصبح شاربا
نبيذا وَفِيه القَوْل للْبَعْض بِالْحَدِّ ... وَمن يَقْتَدِي أضحى إِمَام معارف
وَكَانَ أويسا فِي اعبادة والزهد
стр. 136
.. فمقتديا فِي الْحق كن لَا مُقَلدًا ... وخل أَخ التَّقْلِيد فِي الْأسر بالقد ...
إِذا عرفت هَذَا فالأحاديث أمرت بالاقتداء بالخلفاء الْأَرْبَعَة وسلوك طرائقهم بِإِقَامَة الدّين وردع المبتدعين وَجِهَاد الْكفَّار والباغين والزهد فِي زهرَة هَذِه الدَّار والإقبال على مَا ينفع فِي دَار الْقَرار لَا أَنهم حجَّة وَلَا أَن إِجْمَاعهم فِي الشرعيات حجَّة فقد كمل الله الدّين على لِسَان سيد الْمُرْسلين صلوَات الله عَلَيْهِ وعَلى آله الطاهرين وَقَالَ تَعَالَى فِي آخر مَا أنزل ﴿الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُم نعمتي ورضيت لكم الْإِسْلَام دينا﴾ ثمَّ الْأَمر بالاقتداء بهم أَمر بمكرمة ينالها العَبْد فِي دينه فَإِنَّهُم السَّابِقُونَ الْأَولونَ الَّذين أَقَامُوا قناة الدّين وَكَانُوا فِي جِهَاد أَعدَاء الله وَأَعْلَى كَلمته أساطين وَلَيْسَ بِوَاجِب كَمَا قَرَّرْنَاهُ آنِفا من ترك السّنَن والاشتغال بغَيْرهَا وَلَيْسَ هَذِه الْأَحَادِيث إِلَّا كأحاديث اهتدوا بِهَدي عمار وَنَحْوه مِمَّا حث فِيهِ على اتِّبَاع خصْلَة غير خص بهَا بعض الصَّحَابَة كَمَا خص أَبَا عُبَيْدَة بِأَنَّهُ أَمِين هَذِه الْأمة وَخُزَيْمَة بِأَنَّهَا تقوم شَهَادَته مقَام شهادتين فَوضع أَحَادِيث الِاقْتِدَاء فِي أَدِلَّة الْإِجْمَاع خير مُوَافق لمدلوله وَبِهَذَا يعرف أَنه لَا يتم الِاسْتِدْلَال بِحَدِيث اقتدوا بِأبي بكر وَعمر على حجية قَوْلهمَا كَمَا اسْتدلَّ بِهِ من قَالَ
стр. 137
بذلك فَلَا نطيل بِذكر مَا فِي ذَلِك من قَالَ وَقيل لِأَن هَذَا فِي الْمُدَّعِي هُوَ عُمْدَة الدَّلِيل
وَأما قَول الصَّحَابِيّ إِذا انْفَرد فَقَالَ ابْن الْقيم إِنَّه حجَّة وَإنَّهُ ذهب إِلَى ذَلِك مَالك وَأَبُو حنيفَة وَهُوَ نَص أَحْمد وَقَول الشَّافِعِي وَأطَال فِي ذَلِك الْمقَال وَبسط الِاسْتِدْلَال وَاخْتَارَهُ لنَفسِهِ وَمن تَأمل الْأَدِلَّة الَّتِي سَاقهَا بِعَين الْإِنْصَاف علم أَنه قَول لَا ينْهض عَلَيْهِ الدَّلِيل وَقد تكلمنا على أدلته وَمَا فِيهَا مِمَّا لَا يقم على صِحَة مَا ذهب إِلَيْهِ وَالله أعلم ... وَلَا بسكان جوَار أَحْمد ...
أَي وَلَا لَهُ أَي الْإِجْمَاع انْعِقَاد بسكان الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة إِذْ هم بعض الْأمة والأدلة الَّتِي اسْتدلَّ بهَا الْجُمْهُور على إِجْمَاع الْأَئِمَّة إِنَّمَا دلّت على إِجْمَاعهم لَا على إِجْمَاع أهل بقْعَة مُعينَة وَقد نسب القَوْل بِأَن إِجْمَاع أهل الْمَدِينَة حجَّة إِلَى مَالك وَأَتْبَاعه وَأنكر جمَاعَة من الْمُحَقِّقين أَنه قَول مَالك وحملوا مَا نسب إِلَيْهِ بِأَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ تَقْدِيم روايتهم على غَيرهم وَحمله آخَرُونَ على أَنه يُرِيد فِي المنقولات المستمرة المتكررة كالأذان وَالْإِقَامَة مَا تقضي الْعَادة أَن تكون فِي زمن النَّبِي ﷺ وَيبعد تغيرها عَن مَا كَانَت عَلَيْهِ وَفِي حمل كَلَامه على غير ظَاهره أَقْوَال أخر مِنْهَا مَا يقْضِي بِهِ اسْتِدْلَال ابْن الْحَاجِب أَنه أَرَادَ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وتابعيهم وَبِالْجُمْلَةِ فالنزاع فِي أصل الاجماع كَمَا عرفت فَكيف بِإِجْمَاع بعض الْأمة فَلَا نطيل بأدلة هَذِه الدَّعْوَى ... قيل وَلَا بالآل أهل الرشد ...
أَي قَالَ جُمْهُور الْأمة إِنَّه لَا انْعِقَاد للْإِجْمَاع بِأَهْل الْبَيْت بِمَعْنى أَنهم إِذا
стр. 138
أَجمعُوا على انفرادهم على حكم فَإِنَّهُ لَا يكون إِجْمَاعهم حجَّة على الْأمة كإجماع الْأمة وَذهب أَكثر الْآل إِلَى أَنه حجَّة وَقد أَشَرنَا إِلَى أدلته وأحقيته بقولنَا
وَالْحق فِيمَا قَالَه الأجله
حجَّته لقُوَّة الأدله
والأدلة من الْكتاب الْعَزِيز وَالسّنة النَّبَوِيَّة الَّتِي أَشَرنَا إِلَيْهَا بقولنَا
كيذهب الرجس وَأهل بَيْتِي
وَمَا عَلَيْهَا عدنا لَا يَأْتِي ... وَكم أَتَت فِي فَضلهمْ من آيَة
وَانْظُر إِذا مَا شِئْت شرح الْغَايَة ... فَإِنَّهُ قد حقق الدِّرَايَة
وَجَاء فِي الْأَمريْنِ بالنهاية
هَذِه مَسْأَلَة إِجْمَاع أهل الْبَيْت مَسْأَلَة جليلة استوفى شَارِح غَايَة السؤل أدلتها وَبَيَان وَجه دلالتها كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ فالدراية بَيَان وَجه وَدلَالَة تِلْكَ الْأَدِلَّة على الْمُدَّعِي وَالرِّوَايَة مَا سرده من متون الْآيَات وَالْأَحَادِيث وَقَوْلنَا فِي الْأَمريْنِ أَي الرِّوَايَة والدراية وَإِن لم يتَقَدَّم لفظ الرِّوَايَة فالسياق مُنَاد بِهِ
ولنشر إِلَى خُلَاصَة مَا فِيهَا وَفِي غَيرهَا من الْأَدِلَّة فَنَقُول قد اسْتدلَّ أهل الْبَيْت بحجية إِجْمَاعهم بِالْكتاب وَالسّنة أما الْكتاب فقد أَشَرنَا إِلَى أنهض الْآيَات فِي ذَلِك وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس أهل الْبَيْت﴾ فَإِنَّهُ الدَّلِيل الَّذِي ارْتَضَاهُ الْمُحَقِّقُونَ من عُلَمَاء الْآل وقرروا أوجه الِاسْتِدْلَال بِأَنَّهُ تَعَالَى أخبر مؤكدا بأداة الْحصْر بإرادته إذهاب الرجس عَنْهُم وطهارتهم عَنهُ وَلَا بُد من وُقُوع مَا أَرَادَهُ الله تَعَالَى من أَفعاله قَالُوا فَثَبت بِلَا ريب أَنه مطهر لَهُم أكمل تَطْهِير وأتمه كَمَا يدل عَلَيْهِ التَّأْكِيد بِالْمَصْدَرِ وَلما كَانَ الرجس بِمَعْنى الأقذار غير مُرَاد فِي الْمقَام تعين أَن المُرَاد تطهيرهم عَن الأرجاس المنافية للأمور الدنية إِلَّا أَنه لما كَانَ ظَاهر الْحَال بِأَن الْمعاصِي والخطايا وَاقعَة من أَفْرَاد أهل الْبَيْت على سَبِيل الْجُمْلَة وَلم يتنزه عَنْهَا كل فَرد مِنْهُم تعين أَن يكون المُرَاد تَطْهِير جَمَاعَتهمْ عَن تِلْكَ الأرجاس المنافية للديانات وعصمتهم عَنْهَا وَإِذا ثَبت ذَلِك ثَبت أَنهم لَا يجمعُونَ على بَاطِل
стр. 139
وَأَن الَّذِي يجمعُونَ عَلَيْهِ هُوَ الْحق الَّذِي لَا تجوز مُخَالفَته هَذَا هُوَ الْمَطْلُوب هَذَا تقريرهم فِي الِاسْتِدْلَال وَيَأْتِي بِمَا ناقش فِيهِ من خَالف فِي حجية إِجْمَاعهم
وَأما السّنة فأحاديث وَاسِعَة ولأنواع كل خير جَامِعَة سردها فِي شرح الْغَايَة وأتى بِمَا فِيهِ النِّهَايَة وَالْهِدَايَة مِنْهَا أَحَادِيث أَنهم قرناء الْكتاب وَأَنَّهُمْ لَا يفارقونه إِلَى وُرُود الْحَوْض فِي يَوْم الْحساب وَأَنَّهُمْ أَمَان للْأمة من الِاخْتِلَاف وَأَن الْأمة لَا تضل إِذا تمسكت بِكِتَاب الله وعترته وانه إِذا أخبرهُ ربه أَنَّهُمَا لَا يفترقان إِلَى أَحَادِيث جمة نقلهَا من الْمُحدثين عُيُون الْأَئِمَّة
قَالَ فِي نجاح الطَّالِب للعلامة المقبلي عِنْد قَول ابْن الْحَاجِب وَلَا ينْعَقد بِأَهْل الْبَيْت خلافًا للشيعة مَا لَفظه هَذَا يُنَافِي حكايته عَن الشِّيعَة نفي حجية الْإِجْمَاع وَالْمَشْهُور الَّذِي لَا يجهله إِلَّا مقلد فِي النَّقْل لَا يَصح تَقْلِيده أَن الشِّيعَة يَقُولُونَ بحجية إِجْمَاع الْأمة وَحجَّة إِجْمَاع أهل الْبَيْت فالرافضة لدُخُول الْمَعْصُوم فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَأما الزيدية فَلَا يَقُولُونَ بالعصمة فِي الإِمَام وَلَا باشتراطها وَالنَّقْل عَنْهُم بِاشْتِرَاط ذَلِك بَاطِل وَلَكِن يَقُولُونَ بِإِجْمَاع الْأمة بِمثل أَدِلَّة غَيرهم وبإجماع أهل الْبَيْت لأحاديث تَوَاتَرَتْ معنى أَن أهل الْبَيْت وَالْكتاب لَا يفترقان حَتَّى يردا عَلَيْهِ الْحَوْض لِكَثْرَة طرقها مِنْهَا عِنْد من الْتزم الصِّحَّة كمسلم وَالْحَاكِم وَابْن حبَان وَعند غَيرهم كأحمد وَالطَّبَرَانِيّ والخطيب وَابْن أبي شيبَة والدارمي وَأبي يعلى الْموصِلِي وَغَيرهم من أَحَادِيث جمَاعَة
стр. 140
من الصَّحَابَة قد ذَكَرْنَاهُمْ فِي الْعلم الشامخ وَزعم البرزنجي أَنه بلغ بهم إِلَى خَمْسَة وَعشْرين صحابيا وَيشْهد لَهُ حَدِيث مثل أهل بَيْتِي كسفينة نوح من ركبهَا نجا وَمن تخلف عَنْهَا غرق أخرجه الْحَاكِم وَابْن جرير والخطيب وَالطَّبَرَانِيّ وَالْبَزَّار وَكَذَا أخرج أَحْمد حَدِيث النُّجُوم أَمَان لأهل الأَرْض من الْغَرق وَأهل بَيْتِي أَمَان لأمتي من الِاخْتِلَاف فَإِذا خالفتها قَبيلَة اخْتلفُوا فصاروا حزب إِبْلِيس وَمن أنصف علم أَن هَذَا الدَّلِيل أقوى من أَدِلَّة إِجْمَاع الْأمة بمراتب وَلَكِن إهمال المُصَنّف وَكَذَا غَيره لدليلهم يُرِيد بِهِ ابْن الْحَاجِب فِي مُخْتَصر الْمُنْتَهى كالجواب عَلَيْهِ ﷺ لقَوْله فانظروا اكيف تخلفوني فيهمَا وَهل يتْرك مثل هَذَا وَيَقُول بحجية قَول أهل الْمَدِينَة مَعَ عدم تحَققه كَمَا بَيناهُ لِأَنَّهُ عزي إِلَى مَالك وَيطول المُصَنّف ذَلِك التَّطْوِيل فَخذهَا عِبْرَة إِن كنت مِمَّن يعْتَبر واعبد الله وَلَا تعبد الأسلاف انْتهى بِلَفْظِهِ
وَاعْلَم أَنه قد قرر الْأَدِلَّة الإِمَام الْحسن بن عزالدين فِي شرح المعيار
стр. 141
ثمَّ قَالَ مَا لَفظه وَقد اعْترض الأول بِمثل أَن أهل الْبَيْت هم أَزوَاجه ﷺ اللَّاتِي فِي بيوته لِأَن أول الْآيَة وَآخِرهَا فِيهِنَّ وَلَو سلم فَإِنَّمَا يثبت ذَلِك فِي حق عَليّ وَفَاطِمَة والحسنين لِأَن الْخطاب إِنَّمَا وَجه إِلَيْهِم فَلَا يتم وَمَا أردتم وَلَو سلم فالرجس هُوَ مَا فحش من الْمعاصِي وَلَو سلم فَلَا نسلم تنَاوله للخطأ المعفو عَنهُ وَلَو سلم فغايته الظُّهُور وحجية الْإِجْمَاع أصل كلي لَا يثبت بِالظَّاهِرِ على أَن قَوْلكُم فِي تبرير الِاسْتِدْلَال فِي الْآيَة وَلَا بُد من وُقُوع مَا أَرَادَهُ الله من أَفعاله قد أُجِيب عَنهُ لِأَن ذَلِك فِيمَا لم يعلقه بِاخْتِيَار الْمُكَلّفين لَا كَمَا هُنَا فَإِنَّهُ يردي تطهيرهم عَن الرجس باختيارهم لَا بإجباره لَهُم عَلَيْهِ وَإِلَّا لم يُوجد فيهم عَاص وَهُوَ خلاف الْمَعْلُوم وَأما الِاسْتِدْلَال بالأحاديث فَإِنَّهُ قَالَ الإِمَام الْحسن أَيْضا إِنَّه أورد عَلَيْهِ أَن لَا نسلم تواترها لَا لفظا وَهُوَ ظَاهر وَلَا معنى إِذْ لم يحصل لنا الْجَزْم بِمَعْنَاهُ وَكَونه حصل لكم لَا يفيدنا وَلَو سلم فَلَا يَقْتَضِي خطأ الْمُخَالف لِأَنَّهُ فرع ثُبُوت الْمَفْهُوم وَلَا نقُول بِهِ وَلَو سلم فغايته الظَّن وَهُوَ لَا يجدي فِيمَا نَحن بصدده وَلَو سلم فَهُوَ مَتْرُوك الظَّاهِر لِأَن مقتضا خطأ اتِّبَاع الْكتاب وَحده لإِفَادَة الْوَاو الجمعية وَهُوَ خلاف الْإِجْمَاع وَلَو سلم فَإِنَّمَا يُفِيد وجوب الِاتِّبَاع حَيْثُ اتّفق الْكتاب وَقَول العترة وَالْحجّة حِينَئِذٍ إِنَّمَا هُوَ الْكتاب وَلَو يسلم فغايته الظُّهُور فَلَا يثبت بِهِ أصل كلي ثمَّ قَالَ وللأصحاب أجوبة عَن بعض ذَلِك وَلَيْسَ فِيهَا مَا يخرج تِلْكَ الْأَدِلَّة عَن حيّز الظُّهُور إِلَى حيّز الْقطع انْتهى بِأَكْثَرَ أَلْفَاظه
وَأَقُول بعد هَذَا إِنَّه لَا يخفى أَن أهل الْبَيْت قد نشر الله مِنْهُم الْكثير الطّيب فِي جَمِيع أقطار الدُّنْيَا بِحَيْثُ لَا يَخْلُو مِنْهُم قطر بل هم رُؤُوس النَّاس فِي أقطار الْإِسْلَام فهم مُلُوك الْيمن كَابِرًا عَن كَابر من ثَلَاثمِائَة سنة إِلَى يَوْمنَا هَذَا وَنحن فِي الْقرن الثَّانِي عشر وَإِن تخَلّل تغلب الْبَعْض من غَيرهم بإمارة وهم أَيْضا مُلُوك مَكَّة فِي الْغَالِب وهم مُلُوك الْعَجم فِي الْغَالِب وملوك الْعَرَب وتضم فِي جَمِيع الأقطار الرومية الَّتِي ملكهَا صَاحب الرّوم نقباء الْأَشْرَاف وَلَا ريب أَن فِي كل قطر عُلَمَاء مِنْهُم أَئِمَّة محققون وَبِالْجُمْلَةِ تفرقهم فِي الْآفَاق كتفرق الْأمة الإسلامية فِي الأقطار وَقد اتسعت لأهل الْبَيْت ﵈ دولة
стр. 142
قَوِيَّة فِي الْجَبَل والديلم مُدَّة طَوِيلَة وَإِذا عرفت أَن الْإِحَاطَة بِمَعْرِِفَة أَقْوَال مجتهديهم متعذرة لَا سِيمَا وَمِنْهُم شافعية وحنفية ومالكية وحنابلة كل أهل قطر على رَأْي من ينشؤون فِي أَرض مذْهبه وَمِنْهُم من أحَال الِاجْتِهَاد بعد الْأَرْبَعَة الْمذَاهب وَفِيهِمْ قَائِلُونَ بِهَذَا وَبِهَذَا يَتَقَرَّر أَنه لَا سَبِيل إِلَى معرفَة إِجْمَاعهم أصلا وَقد تَقول طَائِفَة مِمَّن شَارف على عُلُوم الْآل فِي قطر من الأقطار كَأَهل الْيمن وَرَأى كتابا من كتبهمْ فِيهِ أَن هَذِه الْمَسْأَلَة أجمع عَلَيْهَا العترة كَمَا يَدعُونَهُ فِي الْمسْح على الْخُفَّيْنِ أَنه أجمع العترة على عدم شرعيته أَو على نسخه وَالْحَال أَنه ثَبت وَصَحَّ القَوْل بِالْمَسْحِ عَلَيْهِمَا عَن إِمَام العترة بل إِمَام الْمُسلمين عَليّ بن أبي طَالب ﵇ فتراه أَي من اطلع على دَعْوَى إِجْمَاع أهل الْبَيْت يُجَادِل بِهِ بِمَا يضلل ويضلل من خَالفه وَيَقُول خَالف إِجْمَاع أهل الْبَيْت وَهَذَا من الغباوة وَالْجهل بِحَقِيقَة إِجْمَاع الْآل بل الْجَهْل بالآل فَإِنَّهُ لم يخرج الْهَادِي يحيى بن الْحُسَيْن ﵇ إِلَى الْيمن إِلَّا وَقد تفرق أَئِمَّة الْآل وعلمائهم فِي الأقطار الشاسعة والبلدان الواسعة وَقد وصل الغرب الْأَقْصَى أَئِمَّة مِنْهُم لَا تعرف أَقْوَالهم كَالْإِمَامِ إِدْرِيس بن عبد الله وَذريته وَوصل أَوْلَاد مُحَمَّد بن عبد الله النَّفس الزكية بعد قَتله إِلَى الْهِنْد إِلَى أَرض كابل فليتق الله عبد
стр. 143
وجد دَعْوَى إِجْمَاعهم عَن القَوْل بِهِ والتضليل لمن خَالفه والتفسيق لمن أنكرهُ فقد ولع الْجُهَّال من أَتبَاع أَئِمَّة الْمذَاهب والتضليل لمن خَالفه والتفسيق لمن أنكرهُ فقد ولع الْجُهَّال من أَتبَاع أَئِمَّة الْمذَاهب بِدَعْوَى إِجْمَاع الْأَئِمَّة وَدَعوى إِجْمَاع الْآل من غير تَقْدِير وَلَا هدى وَلَا كتاب مُنِير كَمَا قَرَّرْنَاهُ فِيمَا سلف من إِحَالَة معرفَة إِجْمَاع الْأمة بل إِحَالَة وُقُوعه وَكذب ناقله ومدعيه نقُوله هُنَا أَيْضا فَإِن قلت فَإِذا لم تقم الْآيَات وَالْأَحَادِيث أَدِلَّة على إِجْمَاعهم وَأَنه حجَّة وَمَعْلُوم أَن أَقْوَال أفرادهم غير حجَّة وَقد ثَبت فِي الْأَحَادِيث الْأَمر باتبَاعهمْ وَأَنَّهُمْ قرناء الْقُرْآن لَا يفارقونه فَمَاذَا تكون فَائِدَة تِلْكَ الْأَدِلَّة قلت قد بسطنا الْجَواب عَن هَذَا فِي حاشيتنا على كتاب تيسير الْوُصُول الْمُسَمَّاة بالتحبير على التَّيْسِير بِمَا فِيهِ الشفا بِحَمْد الله فلينظره من أَرَادَهُ
مَسْأَلَة
وَإِن أَتَى لأمة الْمُخْتَار
قَولَانِ فِي عصر من الْأَعْصَار ... فَجَائِز إِحْدَاث مَا لم يرفع
كَذَا دَلِيل ثَالِث ورابع ... كَذَلِك التَّعْلِيل والتأويلا
هَذَا إِلْمَام بمسائل تتصل ببحث الْإِجْمَاع الأولى أَنه إِذا اخْتلف أهل عصر على قَوْلَيْنِ فَهَل يجوز إِحْدَاث قَول ثَالِث فَفِي الْمَسْأَلَة لعلماء الْأُصُول إطلاقان وتفصيل وَذكر الْقَوْلَيْنِ تَرْجِيح منا لما ترجح منا كَمَا فِي ذَلِك القيل
стр. 144
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا قَوْلنَا كَذَا دَلِيل ثَالِث أَي كَذَا جَائِز إِحْدَاث دَلِيل ثَالِث ورابع وَذَلِكَ أَنه إِذا اسْتدلَّ أهل الْعَصْر على مَسْأَلَة بدليلين مثلا فَإِنَّهُ قد قيل لَا يجوز إِحْدَاث غير مَا استدلوا بِهِ لِأَنَّهُ خُرُوج عَن سبيلهم وَهَذَا قَول ضَعِيف لِأَن الْمَطْلُوب من الْأَدِلَّة أَحْكَامهَا لَا أعيانها والممنوع مُخَالفَة الحكم لَا مُخَالفَة الدَّلِيل وَقيل بل يجوز إِحْدَاث ذَلِك وَهَذَا الَّذِي أَفَادَهُ النّظم بقوله دَلِيل ثَالِث فَإِن الْإِشَارَة بقوله كَذَا إِلَى جَوَاز لَا إِلَى التَّفْصِيل السَّابِق فِي الْبَيْت الأول إِذْ لَا يتَصَوَّر جَرَيَانه فِيمَا نَحن فِيهِ وَالتَّقْيِيد بقولنَا ثَالِث تبع للْأَصْل وَأَصله المعيار وكأنهما أَرَادَا مثلا فَإِن الْخلاف وَاقع من غير شَرْطِيَّة تَقْدِيم دَلِيلين فَلَو اتّفق أهل الْعَصْر على دَلِيل جَاءَ الْخلاف فِي إِحْدَاث دَلِيل غَيره وَالدَّلِيل لما اخترناه من الْجَوَاز أَن إِحْدَاث دَلِيل غير دليلهم لَا مُخَالفَة فِيهِ لما أَجمعُوا عَلَيْهِ وَلَا رفع لما أحدثوه ثمَّ إِن الْمَطْلُوب من الْأَدِلَّة أَحْكَامهَا كَمَا عرفت وَحكي عَن
стр. 145
ابْن حزم الْمَنْع إِذا كَانَ الدَّلِيل الَّذِي أحدث الِاسْتِدْلَال بِهِ من تَأَخّر نَص لم يعرفهُ الْأَولونَ لَا إِذا لم يكن كَذَلِك فَيجوز وَكَأَنَّهُ نَاظر إِلَى مَسْأَلَة هَل يجوز عدم علم الْأمة بِدَلِيل رَاجِح عمِلُوا بِمَا اقْتَضَاهُ فَقيل لَا يجوز لِأَن الرَّاجِح سَبِيل الْمُؤمنِينَ فَيلْزم من عَمَلهم بِغَيْر سلوكهم غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ وَهُوَ لَا يجوز عَلَيْهِم وَجَوَابه إِنَّا لَا نسلم أَنه يتَعَيَّن إطلاعهم على الدَّلِيل الرَّاجِح فَلم يكن فِي عدم اطلاعهم عَلَيْهِ مخالفتهم سَبِيل الْمُؤمنِينَ لِأَن الَّذِي توعد على مُخَالفَته سبيلهم هُوَ مَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ وسلكوه وَالدَّلِيل الرَّاجِح الَّذِي جهلوه لم يتَحَقَّق كَونه سَبِيلا للْمُؤْمِنين قد سلكوه نعم من شَأْنه أَن يكون سَبِيلا لَهُم وَفرق بَين صلاحيته بِأَن يكون سَبِيلا لَهُم وَبَين كَونه قد ثَبت وَتحقّق أَنه سبيلهم
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة إِذا اخْتلفُوا فِي تَعْلِيل حكم بعلة فَهَل يجوز لمن بعدهمْ إِحْدَاث عِلّة أُخْرَى لذَلِك الحكم الْمُخْتَار جَوَاز ذَلِك أَيْضا إِذْ لَا مُخَالفَة لمن سبق تقضي بِبُطْلَان تَعْلِيلهم واقتصار الْأَوَّلين على عِلّة لَا يقْضِي بِالْمَنْعِ من إِحْدَاث غَيرهَا وَمن قَالَ لَا يجوز علل ذَلِك بِبَيْت العنكبوت كَمَا عرف فِي مَوْضِعه وَلما كَانَ الْإِجْمَاع يَنْقَسِم إِلَى قولي وفعلي وسكوتي فَلَا بُد من طَرِيق توصل إِلَى معرفَة وُقُوعه أَشَارَ النّظم إِلَى الْأَوَّلين فَقَالَ
فأسلك إِلَى الْعلم بِهِ سَبِيلا ... سَماع مَا قَالُوهُ والمعاينه
وَالنَّقْل عَن كل على مَا عاينه
следующие страницы →