Полный текст (878 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
الأول فنعلم أَنه إِذا انْتَفَى الشَّرْط انْتَفَى الحكم على كل حَال وَإِن دلّ دَلِيل على شَرط آخر علمنَا انْتِفَاء الحكم إِذا انْتَفَى الشرطان وَإِن علمنَا ثُبُوت الحكم مَعَ انْتِفَاء الشَّرْط على كل حَال علمنَا أَن ذَلِك لَيْسَ بِشَرْط وَأَنه قد يجوز بِهِ وَقَالَ قَاضِي الْقُضَاة إِن تَعْلِيق الحكم بِالشّرطِ لَا يدل على أَن مَا عداهُ بِخِلَافِهِ وَأَنه يجوز أَن يقوم شَرط آخر مقَام ذَلِك الشَّرْط وَحَكَاهُ عَن أبي عبد الله وَحكى عَن الشَّيْخ أبي الْحسن أَنه يدل على أَن مَا عداهُ بِخِلَافِهِ وَمنع لذَلِك من الحكم بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِين لِأَن الله سُبْحَانَهُ شَرط فِي الحكم الشَّاهِد الثَّانِي لِأَنَّهُ قصر الحكم على الشَّاهِدين فَلَو لم يكن الثَّانِي شرطا لم يكن لذكره معنى قَالَ وَإِذا كَانَ شرطا لم يجز الحكم مَعَ فَقده
وَالدَّلِيل على أَن الشَّرْط يمْنَع من ثُبُوت الحكم مَعَ عَدمه على كل حَال أَن قَول الْقَائِل لغيره ادخل الدَّار إِن دَخلهَا عَمْرو مَعْنَاهُ أَن الشَّرْط فِي دخولك هُوَ دُخُول عَمْرو لِأَن لَفْظَة إِن مَوْضُوعَة للشّرط وَلَو قَالَ لَهُ شَرط دخولك الدَّار دُخُول عَمْرو علمنَا أَنه لم يُوجب عَلَيْهِ دُخُول الدَّار مَعَ فقد دُخُول عَمْرو على كل حَال فَكَذَلِك فِي مسالتنا يبين مَا قُلْنَاهُ أَن الشَّرْط هُوَ الَّذِي يقف عَلَيْهِ الحكم وعَلى مَا يقوم مقَامه فَلَو ثَبت الحكم مَعَ عَدمه على كل حَال لَكَانَ كل شَيْء شرطا فِي كل شَيْء حَتَّى يكون دُخُول زيد الدَّار شرطا فِي كَون السَّمَاء فَوق الإرض وَإِن وجد ذَلِك مَعَ عدم الدُّخُول وَيدل على أَن الْمَعْقُول من الشَّرْط مَا ذَكرْنَاهُ مَا روى أَن يعلى بن منية سَأَلَ عمر بن الْخطاب ﵁ فَقَالَ مَا بالنا نقصر وَقد أمنا فَقَالَ عجبت مِمَّا عجبت مِنْهُ فَسَأَلت رَسُول الله ﷺ فَقَالَ صَدَقَة تصدق الله بهَا عَلَيْكُم فاقبلوا صدقته ٦ فَلَو لم يعقل من الشَّرْط نفى الحكم عَمَّا عداهُ لم يكن لتعجبهما معنى وَأجَاب عَن ذَلِك قَاضِي الْقُضَاة فَقَالَ لَا يمْتَنع أَن يَكُونَا إِنَّمَا تَعَجبا من ذَلِك لِأَنَّهَا عقلا من الْآيَات الْوَارِدَة فِي وجوب الصَّلَاة وجوب الْإِتْمَام وَأَن حَال
стр. 142
الْخَوْف مُسْتَثْنَاة من ذَلِك وَالْبَاقِي ثَابت على أَصله فِي الْإِتْمَام فَلذَلِك تَعَجبا من ثُبُوت الْقصر مَعَ الْأَمْن وَلقَائِل أَن يَقُول الْآيَات لَا تنطق بالإتمام وَلَا كَانَ الأَصْل فِي الصَّلَاة الْإِتْمَام فنتم مَا ذكر بل الْمَرْوِيّ عَن عَائِشَة ﵂ أَنَّهَا قَالَت كَانَت صَلَاة السّفر والحضر رَكْعَتَيْنِ فأقرت صَلَاة السّفر وَزيد فِي صَلَاة الْحَضَر وَإِذا كَانَ كَذَلِك لم يكن لتعجب عمر ويعلى بن منية سَبَب إِلَّا الشَّرْط وَبَطل القَوْل بِأَن الأَصْل كَانَ الْإِتْمَام فان قيل لَو منع الشَّرْط من ثُبُوت الحكم مَعَ عَدمه لما ثَبت الْقصر مَعَ عدم الْخَوْف قيل إِن ظَاهر الشَّرْط يمْنَع من ذَلِك وَلَيْسَ يمْتَنع أَن تدل دلَالَة على خلاف الظَّاهِر كَمَا تدل دلَالَة على خلاف ظَاهر الْعُمُوم وَلَا يمْتَنع أَن يكون الشَّرْط قد ورد ليؤكد حَال الْمَشْرُوط وَلِأَن السَّبَب فِي نزُول إِبَاحَة الْقصر هُوَ حَال الْخَوْف فَشرط لِأَن الْحَال اقتضته
فان قيل لَيْسَ يمْتَنع أَن تكون الْفَائِدَة فِي وُرُود الشَّرْط تَأْكِيد حَال الْمَشْرُوط بِأَن يكون الحكم لَو ورد مُطلقًا لظن الْمُكَلف أَن الْمَشْرُوط لم يرد فيشرط لإِزَالَة هَذَا الظَّن لَا لِأَن الحكم لَا يثبت مَعَ فَقده نَحْو أَن يَقُول الله تَعَالَى ضحوا بِالشَّاة إِن كَانَت عوراء لِأَنَّهُ لَو قَالَ ضحوا بِالشَّاة لجَاز أَن يتَوَهَّم متوهم أَنه لم يرد العوراء قيل إِنَّا لم نقل إِن الشَّرْط يمْنَع من ثُبُوت الحكم مَعَ فَقده لِأَنَّهُ لَا فَائِدَة فِيهِ إِلَّا ذَلِك فَيبْطل قَوْلنَا بإيراد فَائِدَة سواهُ وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِك من جِهَة أَن لَفْظَة إِن وضعت مَوضِع قَوْلنَا الشَّرْط فِي هَذَا الحكم كَذَا وَكَذَا وَهَذَا اللَّفْظ يُفِيد مَا ذَكرْنَاهُ لِأَن معنى الشَّرْط الحكم أَن يقف عَلَيْهِ على مَا يقوم مقَامه وعَلى أَن الْعَادة جرت أَن يَقُول الْإِنْسَان لغيره ضح بِالشَّاة وَإِن كَانَت عوراء وَلَا يَقُول إِن كَانَت عوراء وَإِذا قَالَ وَإِن كَانَت عوراء فهم من ذَلِك عطفها على الصَّحِيحَة كَأَنَّهُ أضمر جَوَاز الْأُضْحِية بالصحيحة ثمَّ عطف عَلَيْهَا العوراء
إِن قيل لَو منع الشَّرْط من ثُبُوت الحكم مَعَ فَقده لَكَانَ قَول الله
стр. 143
سُبْحَانَهُ ﴿وَلَا تكْرهُوا فَتَيَاتكُم على الْبغاء إِن أردن تَحَصُّنًا﴾ يدل على أَنه حظر الْإِكْرَاه على الْبغاء إِذا لم يردن التحصن قيل لَيْسَ كَذَلِك لِأَنَّهُ إِنَّمَا شَرط إِرَادَة التحصن لِأَن الْإِكْرَاه على الْبغاء لَا يحصل إِلَّا وَهن مريدات للتحصن فَلهَذَا شَرط لَا لِأَن الحكم لَا يثبت إِلَّا مَعَ إِرَادَة التحصن وَإِنَّمَا قُلْنَا إِن الشَّرْط لَا يمْنَع من قيام دلَالَة على ثُبُوت شَرط آخر لِأَن قَول الْقَائِل لغيره أعْط زيدا درهما إِن دخل الدَّار لَيْسَ يتَعَرَّض لشرط آخر بِنَفْي وَلَا إِثْبَات أَلا ترى أَنه لَيْسَ فِيهِ ذكر لَهُ فَلم يمْنَع مِنْهُ وَلم يُوجِبهُ إِن قيل قَوْله إِن دخل الدَّار مَعْنَاهُ الشَّرْط فِي عطيتك دُخُوله الدَّار وَهَذَا يَقْتَضِي أَن كَمَال الشَّرْط هُوَ دُخُول الدَّار لِأَن لَام الْجِنْس تَقْتَضِي الشُّمُول قيل بل قَوْله إِن دخل الدَّار يُفِيد أَن دُخُوله الدَّار شَرط وَذَلِكَ لَا يمْنَع من ثُبُوت شَرط آخر وَلَيْسَ لَهُ أَن يقدر ذَلِك بِزِيَادَة ألف وَلَام لِأَن ذَلِك زِيَادَة لَا دَلِيل عَلَيْهَا إِن قيل ألستم قد قُلْتُمْ إِن قَوْله أعْط زيدا درهما إِن دخل الدَّار يمْنَع من الْعَطِيَّة مَعَ فقد الدُّخُول أفليس إِذا حصل شَرط آخر فقد أعطَاهُ مَعَ عدم الدُّخُول فَهَلا قُلْتُمْ إِن ظَاهر الشَّرْط يمْنَع من ثُبُوت شَرط آخر وَأَنه لَا يجوز إثْبَاته إِلَّا لدَلِيل يدل عَلَيْهِ خلاف ظَاهر الشَّرْط الأول قيل إِنَّا نقُول إِن قَوْله أعْطه إِن دخل الدَّار يُفِيد أَن الْعَطِيَّة مَعَ فقد هَذَا الدُّخُول على كل حَال غير مُبَاحَة بل لَا بُد من حَالَة من الْحَالَات تكون فِيهَا الْعَطِيَّة غير مُبَاحَة إِذا فقد الدُّخُول وَلَيْسَ يدْخل تَحت ذَلِك إِذا قَامَ شَرط آخر مقَام هَذَا الشَّرْط لِأَنَّهُ إِذا قَامَ مقَامه شَرط لم تجز الْعَطِيَّة إِلَّا مَعَ كل وَاحِد مِنْهُمَا فَلَا تكون الْعَطِيَّة مُبَاحَة مَعَ فقد الشَّرْط الأول على كل حَال وَقُلْنَا إِن الشَّرْط لَا يمْنَع ظَاهِرَة من ثُبُوت شَرط آخر لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ذكر لنفي شَرط آخر وَلَا إثْبَاته فَلَا تنَاقض بَينهمَا
وَأما الدّلَالَة على أَنه إِذا لم تدل دلَالَة على شَرط ثَان لم نثبته فَهِيَ أَنه لَو كَانَ
стр. 144
للْحكم شَرط آخر لدل الله سُبْحَانَهُ عَلَيْهِ فاذا لم يدل عَلَيْهِ علمنَا نَفْيه كَمَا نقُول فِي صَلَاة سادسة
وَأما قَول الشَّيْخ ابي الْحسن إِن الشَّاهِد الثَّانِي شَرط فِي الحكم فان أَرَادَ بِهِ أَنه ذكر بِلَفْظ الشَّرْط فمعلوم أَنه لَيْسَ فِي الْآيَة لفظ شَرط وَإِن أَرَادَ أَن الحكم لَا يجوز مَعَ فَقده على كل حَال فَذَلِك صَحِيح وَإِن اراد أَنه لَا يجوز فِي حَال وَيجوز فِي حَال فَهَكَذَا يَقُول من يذهب إِلَى الشَّاهِد وَالْيَمِين فانه لَا يجوز الحكم بِالشَّاهِدِ الْوَاحِد وَيجوز الحكم بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِين كَمَا يجوز بِرَجُل وَامْرَأَتَيْنِ وَإِن منع من الحكم بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِين لِأَنَّهُ زِيَادَة على النَّص وَالزِّيَادَة على النَّص نسخ فَلم يجز نسخ الْقُرْآن بِخَبَر الْوَاحِد فَذَلِك كَلَام فِي الزِّيَادَة على النَّص وَسَيَأْتِي فِي مَوْضِعه إِن شَاءَ الله ﷺ َ - بَاب فِي الْأَمر إِذا قيد بغاية وحد ﷺ َ -
اعْلَم أَن الحكم إِذا علق بغاية وحد منع ظاهرهما من ثُبُوت الحكم بعدهمَا لِأَن قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿ثمَّ أَتموا الصّيام إِلَى اللَّيْل﴾ يجْرِي مجْرى أَن يَقُول صُومُوا صوما غَايَته ونهايته وَآخره وطرفه اللَّيْل لِأَن إِلَى مَوْضُوع للغاية وَالْحَد وَلَو قَالَ ذَلِك لمنع من وجوب الصَّوْم بعد مَجِيء اللَّيْل لِأَنَّهُ لَو وَجب أَن يَصُوم بعد ذَلِك خرج اللَّيْل من أَن يكون آخرا للصَّوْم وَدخل فِي أَن يكون وسطا للصَّوْم وَلَا يمْتَنع مَعَ ذَلِك أَن تدل دلَالَة على خلاف ظَاهر الْغَايَة فتوجب علينا صِيَام قِطْعَة من اللَّيْل وتدل على أَنه إِنَّمَا سمي أول النَّهَار طرفا للصَّوْم مجَازًا من حَيْثُ كَانَ قَرِيبا من آخِره فَأَما قَاضِي الْقُضَاة فانه قَالَ إِن الْغَايَة تدل على أَن مَا بعْدهَا بِخِلَافِهَا قَالَ لِأَن الْفَائِدَة فِي ضرب الْغَايَة زَوَال الحكم بعْدهَا وَهَذَا دَعْوَى لَا فرق بَينه وَبَين قَول الْقَائِل الْفَائِدَة فِي
стр. 145
ذكر الصّفة انْتِفَاء الحكم مَعَ انتفائها فَأَما نَحن فقد بَينا أَن لَفْظَة الْغَايَة تفِيد مَا ذَكرْنَاهُ لَا الْفَائِدَة ﷺ َ - بَاب فِي الامر إِذا قيد بِعَدَد كَيفَ القَوْل فِيهِ ﷺ َ -
اعْلَم أَن من النَّاس من قَالَ إِن الحكم إِذا علق بِعَدَد دلّ على أَن مَا عداهُ بِخِلَافِهِ وَمِنْهُم من قَالَ لَا يدل على ذَلِك كتعليق الْحَد بالثمانين وَنحن نقُول إِنَّه يَنْبَغِي أَن ينظر هَل يدل تَعْلِيق الحكم بِالْعدَدِ على حكم مَا زَاد عَلَيْهِ أم لَا وَهل يدل على حكم مَا نقص مِنْهُ أم لَا فَنَقُول إِنَّه لَا يدل على نفي الحكم عَمَّا زَاد على الْعدَد لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون فِي تَعْلِيقه بذلك الْعدَد فَائِدَة سوى نَفْيه عَن الزِّيَادَة على مَا سَنذكرُهُ فِي دَلِيل الْخطاب
وَقد يدل على ثُبُوت الحكم فِي الزِّيَادَة من جِهَة الأولى فان قَول النَّبِي ﷺ إِذا بلغ المَاء قُلَّتَيْنِ لم يحمل خبثا نعلم مِنْهُ أَن مَا زَاد عَلَيْهَا أولى بِأَن لَا يحمل الْخبث لِأَن الْقلَّتَيْنِ موجودتان فِي الثَّلَاث وَزِيَادَة وَلَو حظر الله علينا جلد الزَّانِي مائَة لَكَانَ حظر مَا زَاد على الْمِائَة أولى لِأَن الْمِائَة مَوْجُودَة فِي الْمِائَتَيْنِ وَزِيَادَة فَأَما إِذا أباحنا جلد الزَّانِي مائَة أَو أوجبه علينا فانه لَا يدل على حكم مَا زَاد على ذَلِك لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي اللَّفْظ ذكر للزِّيَادَة وَلَا يَقْتَضِيهِ من جِهَة الأولى والفائدة
فَأَما تَعْلِيق الحكم بِالْعدَدِ هَل يدل على حكم مَا نقص مِنْهُ فانه ينظر فِيهِ فان كَانَ الحكم إِيجَابا فانه يدل على وجوب مَا نقص عَنهُ لِأَنَّهُ دَاخل تَحْتَهُ وَيمْنَع من الِاقْتِصَار على مَا دونه لِأَن الْأَمر قد أوجب استكمال الْعدَد نَحْو أَن يُوجب الله سُبْحَانَهُ علينا جلد الزَّانِي مائَة فنعلم وجوب جلد خمسين وحظر
стр. 146
الِاقْتِصَار على ذَلِك وَإِن كَانَ الحكم الْمُعَلق على الْعدَد إِبَاحَة فانه يدل على إِبَاحَة مَا دونه مِمَّا دخل تَحْتَهُ وَلَا يدل على إِبَاحَة مَا دونه مِمَّا لم يدْخل تَحْتَهُ مِثَال الأول يبيحنا جلد الزَّانِي مائَة فنعلم إِبَاحَة جلده خمسين وَإِذا علمنَا أَن الْإِبَاحَة غير مَقْصُورَة على الْخمسين لِأَن الْخمسين دَاخِلَة تَحت الْمِائَة وَإِذا أباحنا اسْتِعْمَال الْقلَّتَيْنِ إِذا وَقعت فِيهَا نَجَاسَة علمنَا إِبَاحَة اسْتِعْمَال قلَّة مِنْهَا وَمِثَال الثَّانِي أَن يبيحنا اسْتِعْمَال الْقلَّتَيْنِ فَلَا يدل ذَلِك على اسْتِعْمَال قلَّة وَاحِدَة وَقعت فِيهَا نَجَاسَة لَيست من جملَة الْقلَّتَيْنِ وَكَذَلِكَ إِذا أباحنا الحكم بِشَهَادَة شَاهِدين فانه لَا يدل على الحكم بِشَهَادَة شَاهد وَاحِد
فَأَما تَعْلِيق الْحَظْر بِالْعدَدِ فانه لَا يدل على حكم مَا دونه إِلَّا من جِهَة الأولى فان الله سُبْحَانَهُ لَو حظر علينا اسْتِعْمَال قُلَّتَيْنِ وَقعت فيهمَا نَجَاسَة لَكَانَ حظر قلَّة وَاحِدَة وَقعت فِيهَا نَجَاسَة أولى وَلَو حظر علينا جلد الزَّانِي مائَة لم يدل على حظر مَا دونه وَلَا على إِبَاحَته بل ذَلِك مَوْقُوف على الدَّلِيل لما سَنذكرُهُ فِي دَلِيل الْخطاب فَبَان أَن تَعْلِيق الحكم على الْعدَد لَا يدل على نفي مَا زَاد عَلَيْهِ أَو نقص عَنهُ وَلَا على إِثْبَات مَا زَاد عَلَيْهِ أَو نقص إِلَّا بِاعْتِبَار زَائِد
وَاحْتج الْمُخَالف بِأَن الحكم لَو ثَبت فِيمَا زَاد على الْعدَد الْمَذْكُور لم يكن لذكر الْعدَد فَائِدَة وَالْجَوَاب عَن ذَلِك مَا سَنذكرُهُ فِي دَلِيل الْخطاب وَقَالُوا قد عقل النَّبِي ﷺ من قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿إِن تستغفر لَهُم سبعين مرّة فَلَنْ يغْفر الله لَهُم﴾ أَن مَا زَاد السّبْعين بِخِلَاف السّبْعين فَقَالَ ﷺ لأزيدن على السّبْعين وعقلت الْأمة من جعل الْجلد ثَمَانِينَ حظر مَا زَاد عَلَيْهِ وَالْجَوَاب أَن النَّبِي ﷺ إِنَّمَا علم ذَلِك بِالْبَقَاءِ على حكم الأَصْل لِأَن الأَصْل جَوَاز الْعَفو فَلَمَّا علق الله سُبْحَانَهُ الْمَنْع من ذَلِك على السّبْعين بَقِي مَا زَاد على السّبْعين على حكم الأَصْل وَالْأَصْل أَيْضا حظر الْجلد فَلَمَّا أوجب
стр. 147
الله سُبْحَانَهُ جلد الْقَاذِف ثَمَانِينَ بَقِي مَا زَاد عَلَيْهِ على حكم الأَصْل فَلهَذَا حظرت الْأمة مَا زَاد على الثَّمَانِينَ ﷺ َ - بَاب فِي الامر الْمُقَيد بِالِاسْمِ ﷺ َ -
ذهب الْجُمْهُور إِلَى أَن الْإِيجَاب وَالْأَخْبَار الْمقيدَة بالأسامي لَا تدل على حكم مَا عَداهَا نَحْو قَول الْقَائِل زيد فِي الدَّار لَا يدل على أَن عمرا فِي الدَّار وَلَا على أَنه لَيْسَ فِي الدَّار وَكَذَلِكَ إِذا أَمر بِشَيْء فانه لَا يدل على ان غَيره لَيْسَ بِوَاجِب وَقَالَ بَعضهم إِن تَعْلِيق الحكم بِالِاسْمِ يدل على أَن مَا عداهُ بِخِلَافِهِ
ودلينا أَن قَول الْقَائِل زيد آكل لَا يفهم مِنْهُ أَن عمرا لَيْسَ بآكل وَأَيْضًا لَو دلّ على ذَلِك لما حسن من الْإِنْسَان أَن يخبر بِهِ إِلَّا بعد أَن يعلم أَن غير زيد لَيْسَ بآكل لِأَنَّهُ إِن لم يعلم ذَلِك كَانَ قد أخبر بِمَا يعلم أَنه كَاذِب فِيهِ أَو بِمَا لَا يَأْمَن أَن يكون فِيهِ كَاذِبًا وَفِي علمنَا باستحسان الْعُقَلَاء الْإِخْبَار بِأَن زيدا آكل مَعَ شكّ الْمخبر فِي كَون غَيره آكلا بل مَعَ علمه بِأَن غير زيد آكل دَلِيل على مَا قُلْنَاهُ وَأَيْضًا فَلَو دلّ قَوْلنَا زيد آكل على أَن غَيره لَيْسَ بآكل لم يخل إِمَّا أَن يدل عَلَيْهِ لفظا أَو من حَيْثُ خصّه بِالذكر فَالْأول بَاطِل لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي اللَّفْظَة ذكر لعَمْرو وَلَا لغيره وَالثَّانِي أَيْضا بَاطِل لِأَن الْإِنْسَان قد يعلم أَن زيدا وعمرا قد اشْتَركَا فِي فعل وَيكون لَهُ غَرَض فِي الْإِخْبَار عَن أَحدهمَا وَلَا يكون لَهُ غَرَض فِي الْإِخْبَار عَن الآخر وَقد يعلم أَن الْفِعْل يجب عَلَيْهِمَا فيخص أَحدهمَا بِالْأَمر بِهِ وَيدل الْأُخَر على وجوب الْفِعْل بِلَفْظ آخر وبدليل آخر فَإِذا أمكن ذَلِك لم يدل الِاخْتِصَاص على مَا ذَكرُوهُ
فان قَالُوا إِذا أَمر احدهما وَلم يدل الاخر على وجوب الْفِعْل علمنَا أَنه
стр. 148
غير وَاجِب عَلَيْهِ إِذْ لَو كَانَ وَاجِبا عَلَيْهِ لدل على وُجُوبه قيل فاذا الدَّال على سُقُوط الْوُجُوب فقد دلَالَة الْوُجُوب لَا تعلق الْأَمر بزيد أَلا ترى أَن الْأَمر لَو لم يتَوَجَّه إِلَى زيد لعلمنا نفي الْوُجُوب عَن عَمْرو بفقد دلَالَة الْوُجُوب فَعلمنَا أَن هَذَا هُوَ الدَّلِيل لَا مَا ذكرْتُمْ
فَإِن قَالُوا إِذا علق الله سُبْحَانَهُ الحكم على الِاسْم الْخَاص وَلم يعلقه على الِاسْم الْعَام علمنَا أَنه غير مُتَعَلق عَلَيْهِ إِذْ لَو تعلق عَلَيْهِ لعلقه الله سُبْحَانَهُ عَلَيْهِ وَذَلِكَ نَحْو أَن يَقُول فِي الْغنم الزَّكَاة فنعلم أَنه لَو كَانَت الزَّكَاة فِي النعم لعلق الزَّكَاة عَلَيْهَا وَالْجَوَاب أَن هَذَا يَقْتَضِي أَن نعلم نفي الزَّكَاة عَمَّا سوى الْغنم لفقد دلَالَة تدل على وجوب الزَّكَاة فِيهَا لَا لتَعلق الحكم على الْغنم وعَلى أَنه لَا يمْتَنع أَن تكون الْمصلحَة أَن يبين لنا حكم الْغنم فِي ذَلِك الْوَقْت بذلك الْكَلَام وَيبين لنا حكم غَيرهَا بِكَلَام آخر فِي وَقت آخر ﷺ َ - بَاب فِي الامر الْمُقَيد بِصفة ﷺ َ -
اخْتلف النَّاس فِي ذَلِك فَقَالَ مُعظم أَصْحَاب الشَّافِعِي لَو قَالَ النَّبِي ﷺ زكوا عَن الْغنم السَّائِمَة لدل على أَنه لَا زَكَاة فِي غير السَّائِمَة وَاخْتلف هَؤُلَاءِ فِي الْخطاب الْمُعَلق بِالِاسْمِ نَحْو قَوْله زكوا عَن الْغنم فَقَالَ معظمهم لَا يدل على أَن لَا زَكَاة فِي غَيرهَا وَقَالَ الأقلون يدل على ذَلِك وَقَالَ قوم إِن الْأَمر وَغَيره إِذا قيد بِصفة لَا يدل على أَن مَا عداهُ بِخِلَافِهِ وَهُوَ مُعظم الْمُتَكَلِّمين ومعظم أَصْحَاب أبي حنيفَة وَاخْتلف هَؤُلَاءِ فِي الْخطاب الْمُقَيد بِلَفْظَة إِنَّمَا فَقَالَ قوم لَا يدل على أَن مَا عداهُ بخلافة وَقَالَ قوم مِنْهُم بل يدل على ذَلِك نَحْو قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذين إِذا ذكر الله وجلت قُلُوبهم﴾
стр. 149
وَاخْتلفُوا أَيْضا فِي الْخطاب الْمُعَلق بِشَرْط وَالْخطاب الْمُعَلق بِعَدَد فَمنهمْ من أجراه مجْرى الْخطاب الْمُعَلق بِصفة فِي أَنه لَا يدل على أَن مَا عداهُ بخلافة وَمِنْهُم من قَالَ يدل على حكم مَا عداهُ وَخَالف بَينه وَبَين الْمُعَلق بِصفة
وَأما الْخطاب الْمُعَلق بغاية فَإِنَّهُم اتَّفقُوا على أَنه يعلم أَن مَا عدا الْغَايَة بِخِلَافِهَا وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو عبد الله إِن الْخطاب الْمُعَلق بِالصّفةِ يدل على نفي الحكم عَمَّا عَداهَا فِي حَال وَلَا يدل عَلَيْهِ فِي حَال فالحالة الَّتِي يدل فِيهَا على ذَلِك أحد أُمُور ثَلَاثَة إِمَّا أَن يكون الْخطاب واردا مورد الْبَيَان نَحْو قَول النَّبِي ﷺ فِي سَائِمَة الْغنم الزَّكَاة وَإِمَّا أَن يكون واردا مورد التَّعْلِيم نَحْو خبر التَّحَالُف والسلعة قَائِمَة وَإِمَّا ان يكون مَا عدا الصّفة دَاخِلا تَحت الصّفة نَحْو الحكم بالشاهدين يدل على نَفْيه عَن الشَّاهِد الْوَاحِد لِأَنَّهُ دَاخل تَحت الشَّاهِدين
وَالدَّلِيل على أَن الْخطاب الْمُقَيد بِالصّفةِ لَا يدل على أَن مَا عداهُ بِخِلَافِهِ هُوَ أَنه لَو دلّ عَلَيْهِ لدل عَلَيْهِ إِمَّا بصريحه وَلَفظه وَإِمَّا بفائدته وَمَعْنَاهُ وَلَيْسَ يدل عَلَيْهِ من كلا الْوَجْهَيْنِ فأذا لَيْسَ يدل عَلَيْهِ
فَأَما صَرِيحه فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ذكر لما عدا الصّفة أَلا ترى أَن قَول الْقَائِل أَدّوا الزَّكَاة عَن الْغنم السَّائِمَة لَيْسَ فِيهِ ذكر المعلوفة فَإِن قيل أَلَيْسَ قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿فَلَا تقل لَهما أُفٍّ﴾ يدل بصريحه على الْمَنْع من ضربهما وَلَيْسَ فِي لَفظه ذكر الضَّرْب قيل الصَّحِيح أَنه إِنَّمَا يدل من جِهَة الفحوى وَالْأولَى لِأَنَّهُ لما نهى عَن الْقَلِيل من الْأَذَى كَانَ بِأَن يمْنَع من الْكثير من الْأَذَى أولى على مَا سنبينه فَأَما أَن الْخطاب الْمُعَلق بِالصّفةِ لَا يدل على أَن الحكم مَعَ نَفيهَا من جِهَة الْمَعْنى فَهُوَ أَنه لَو دلّ على ذَلِك لَكَانَ إِنَّمَا يدل عَلَيْهِ بِأَن يُقَال إِذا قَالَ النَّبِي ﷺ فِي الْغنم السَّائِمَة زَكَاة علمنَا أَنه لَو
стр. 150
كَانَت الزَّكَاة فِي غير السَّائِمَة كَمَا هِيَ فِي السَّائِمَة لما تكلّف ذكر السّوم ولعلق الزَّكَاة باسم الْغنم لِأَن تكلّف ذكر السّوم مَعَ تعلق الزَّكَاة على مُطلق اسْم الْغنم تكلّف لما لَا فَائِدَة فِيهِ وَهَذَا بَاطِل لِأَن فِي تكلّف ذكر السّوم فَوَائِد أخر سوى نفي الزَّكَاة عَن المعلوفة وَإِذا أمكن ذَلِك بَطل القَوْل بِأَنَّهُ لَا فَائِدَة فِي ذكر السّوم إِلَّا انْتِفَاء الزَّكَاة عَن المعلوفة يبين مَا قُلْنَاهُ أَنه قد يكون اللَّفْظ لَو أطلق فِي بعض الْمَوَاضِع لتوهم متوهم أَن الصّفة خَارِجَة مِنْهُ فيذكر الصّفة لإِزَالَة هَذَا الْإِيهَام ويستدل من الْجِهَة الأولى على ثُبُوت الحكم مَعَ فقدها نَحْو أَن يعلم الله سُبْحَانَهُ أَنه لَو قَالَ ضحوا بِشَاة لتوهم متوهم أَنه لم يرد العوراء فَيَقُول ضحوا بِشَاة عوراء فَيعلم جَوَاز الْأُضْحِية بهَا وينبه بذلك على أَن جَوَاز الْأُضْحِية بالصحيحة أولى وَلَو قَالَ الله سُبْحَانَهُ ﴿وَلَا تقتلُوا أَوْلَادكُم﴾ لتوهم متوهم أَنه لم يرد قَتلهمْ بخشية الإملاق فَيَقُول الله سُبْحَانَهُ ﴿وَلَا تقتلُوا أَوْلَادكُم خشيَة إملاق﴾ لهَذَا الْغَرَض
وَمِنْهَا أَن تكون الْبلوى قد وَقعت بِالصّفةِ الْمَذْكُورَة وَمَا عَداهَا لم يشْتَبه على النَّاس فيقيد الله سُبْحَانَهُ الْخطاب بِالصّفةِ نَحْو قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿وَلَا تقتلُوا أَوْلَادكُم خشيَة إملاق﴾
وَمِنْهَا أَن تكون الْمصلحَة أَن نعلم حكم الصّفة بِالنَّصِّ ونعلم حكم مَا عَداهَا بِالْقِيَاسِ عَلَيْهَا وَلَيْسَ يمْتَنع ذَلِك كَمَا لم يمْتَنع أَن تكون الْمصلحَة أَن نَعْرِف حكم السِّتَّة أَجنَاس بِالنَّصِّ ونعرف حكم مَا عَداهَا بِالْقِيَاسِ عَلَيْهَا وَإِذا لم يمْتَنع ذَلِك جَازَ أَن يدلنا الله سُبْحَانَهُ على حكم الصّفة نصا وينبهنا على ثُبُوت الحكم مَعَ نَفيهَا من جِهَة الْقيَاس
وَمِنْهَا أَن تكون الْمصلحَة أَن نَعْرِف حكم الصّفة بِنَصّ ونعرف ثُبُوت ذَلِك الحكم فِيمَا عَداهَا بِنَصّ آخر أَلا ترى أَنه قد تكون الْمصلحَة أَن نَعْرِف الحكم
стр. 151
تَارَة بخطاب وجيز وَتارَة بخطاب طَوِيل وَتارَة بِأَن يَقُول النَّبِي ﷺ فِي الْغنم زَكَاة وَتارَة بِأَن يَقُول فِي الْغنم السَّائِمَة وَفِي المعلوفة زَكَاة وَإِذا جَازَ أَن يقرن ذَلِك إِلَى قَوْله فِي الْغنم السَّائِمَة فَلم لَا يجوز أَن يفصل بَينهمَا بِأَن يقدم ذكر المعلوفة على ذكر السَّائِمَة
وَمِنْهَا أَن تكون الْمصلحَة أَن نَعْرِف حُصُول الحكم فِيمَا عدا الصّفة بِحكم الْعقل نَحْو أَن يكون الحكم الْمُعَلق بِصفة حكم الْعقل مِثَاله أَن يَقُول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ لَا تذبحوا الْغنم السَّائِمَة أَو لَا زَكَاة فِيهَا فَيبقى على نفي الزَّكَاة عَن المعلوفة وعَلى تَحْرِيم ذَبحهَا لِأَن ذَلِك هُوَ حكم الْعقل
وَمِنْهَا أَن تكون الْمصلحَة أَن يبْقى الحكم مَعَ نفي الصّفة بَقَاء على حكم الْعقل لَا لثُبُوت الحكم مَعَ الصّفة نَحْو أَن يَقُول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ فِي الْغنم السَّائِمَة زَكَاة وَلَا نجد دَلِيلا شَرْعِيًّا يدلنا على ثُبُوتهَا فِي المعلوفة فتنفي الزَّكَاة عَن المعلوفة بَقَاء على حكم الْعقل وَتَكون مصلحتنا أَن نعلم ذَلِك بِالْعقلِ
فَأن قيل فاذا عَرَفْتُمْ بطلَان هَذِه الْأَقْسَام كلهَا لم تَجدوا دَلِيلا يدل على ثُبُوت الزَّكَاة فِي المعلوفة فنفيتم الزَّكَاة فقد صرتم إِلَى مَذْهَبنَا قيل لَيْسَ الْأَمر كَذَلِك لأنكم أَنْتُم تنفون الزَّكَاة عَن المعلوفة لأجل تَعْلِيقهَا على السَّائِمَة وَنحن ننفيها عَن المعلوفة لِأَنَّهُ حكم الْعقل وَلم ينقلنا عَنهُ دَلِيل شَرْعِي وَبَين الْأَمريْنِ فرقان يبين ذَلِك أَن استدلالنا نَحن لَا يقف على تَعْلِيق الزَّكَاة على السّوم بل سَوَاء علقت عَلَيْهِ أَو لم تعلق واستدلالكم يقف على تَعْلِيق الزَّكَاة على السّوم وَنحن إِنَّمَا نطلب هَل فِي الشَّرْع مَا يدل على ثُبُوت الزَّكَاة فِي المعلوفة أم لَا لنعلم هَل فِي الشَّرْع مَا يمْنَع من حكم الْعقل وإطلاقه أم لَا وَأَنْتُم تطلبون هَل فِي الشَّرْع مَا يدل على ثُبُوت الزَّكَاة فِي المعلوفة لتنظروا هَل فِي الشَّرْع مَا يمْنَع من دلَالَة تعلق الحكم على الصّفة على نَفْيه عَمَّا عَداهَا أم لَا وَيبين الْفرق بَيْننَا أَنه لَو كَانَ الْمُعَلق بِالصّفةِ هُوَ حكم الْعقل بِأَن يَقُول النَّبِي ﷺ لَا تذبحوا السَّائِمَة لحرمنا ذبح المعلوفة بَقَاء على حكم الأَصْل إِذا لم ينقلنا على
стр. 152
ذَلِك دَلِيل شَرْعِي وَأَنْتُم تبيحون ذبح المعلوفة لأجل حظر ذبح السَّائِمَة فقد بَان الْفرق بَين الطريقتين فان قيل أَيجوزُ ان يكون الحكم إِنَّمَا علق بالسوم لِأَنَّهُ مُنْتَفٍ عَمَّا عداهُ قيل يجوز ذَلِك وَيجوز مَا ذَكرْنَاهُ فَلذَلِك توقفنا فِيهِ فان قَالُوا إِنَّه وَإِن جَازَ مَا ذكرتموه من الْفَوَائِد فَالظَّاهِر أَنه إِنَّمَا علق الحكم بالسوم لأجل انتفائه عَمَّا عداهُ لَا لما ذكرْتُمْ قيل لَيْسَ هَا هُنَا لفظ متناول للفوائد فَيُقَال إِن الظَّاهِر مِنْهُ وُقُوعه على بَعْضهَا دون بعض فان قَالُوا معنى قَوْلنَا الظَّاهِر يَقْتَضِي مَا قُلْنَاهُ أَن الْأَكْثَر من الحكم إِذا علق على صفة أَنه لَا فَائِدَة فِيهِ إِلَّا لأجل انتفائه عَمَّا عداهُ قيل لَهُم لم زعمتم أَن الْأَكْثَر والأغلب مَا قُلْتُمْ وعَلى أَنه لَو كَانَ الْأَكْثَر من الْفَائِدَة والأغلب مَا قُلْتُمْ لَأَدَّى ذَلِك إِلَى غَالب الظَّن بِأَنَّهُ إِنَّمَا علق الحكم بِالصّفةِ لانتفائها عَمَّا عَداهَا وَلَا يُؤَدِّي إِلَى الْقطع أَلا ترى أَنه يجوز مَا قُلْنَاهُ من الْفَوَائِد وَإِن كَانَ قَلِيلا نَادرا
دَلِيل قد اسْتدلَّ بَعضهم على أَن تَعْلِيق الحكم بِالصّفةِ لَا يدل على نَفْيه عَمَّا عدا الصّفة من جِهَة الْفَائِدَة فَقَالَ لَو لم يكن فِي ذَلِك فَائِدَة إِلَّا إِذا كَانَ الحكم منتفيا عَمَّا عدا الصّفة لما جَازَ أَن يدل دلَالَة مُنْفَصِلَة على ثُبُوت الحكم فِيمَا عَداهَا لِأَن الدّلَالَة إِذا دلّت على ذَلِك فقد دلّت على إبِْطَال فَائِدَة الْخطاب وَذَلِكَ لَا يجوز فِي خطاب الْحَكِيم فان قَالُوا إِنَّمَا نقُول إِن الحكم لَو ثَبت فِيمَا عدا الصّفة لما كَانَ لذكر الصّفة فَائِدَة إِذا كَانَ الْمُتَكَلّم قد خص الصّفة بالحكم وَإِنَّمَا يكون قد خصها بالحكم إِذا لم يدل دلَالَة على ثُبُوت الحكم مَعَ عدمهَا قيل لَهُم فَيجب استدلالكم على انْتِفَاء الحكم فِيمَا عدا الصّفة على أَن تفحصوا عَن الْأَدِلَّة فَلَا يَجدوا دَلِيلا عقليا وَلَا سمعيا يدل على ثُبُوت الحكم مَعَ انْتِفَاء الصّفة وَلَيْسَ هَذَا من مذهبكم بل من مذهبكم أَن نفس تعلق الحكم بِالصّفةِ يدل على انتفائه عَمَّا عَداهَا وَإِنَّمَا تفتشون عَن الْأَدِلَّة لِتَعْلَمُوا هَل فِيهَا مَا يُعَارض هَذَا الدَّلِيل أم لَا فَلَا تفتشون عَنْهَا لِأَن استدلالكم بِدَلِيل الْخطاب مَوْقُوف على ذَلِك كَمَا يفتش أَصْحَاب الْعُمُوم عَن الْأَدِلَّة ليعلموا هَل فِيهَا مَا يخص الْعُمُوم أم لَا وَلَا يفتشون عَنْهَا لِأَن استدلالهم بِالْعُمُومِ مَوْقُوف عَلَيْهِ فان
стр. 153
قَالُوا إِنَّمَا يجوز قيام الدّلَالَة على ثُبُوت الحكم فِيمَا عدا الصّفة وَلَا يكون ذَلِك مُبْطلًا لفائدة تَعْلِيق الحكم بِالصّفةِ لِأَن الظَّاهِر من تَعْلِيق الحكم بِالصّفةِ انتفاؤه عَمَّا عَداهَا وَلَيْسَ يمْتَنع قيام الدّلَالَة على خلاف الظَّاهِر كَمَا نقُوله فِي تَخْصِيص الْعُمُوم قيل قد بَينا أَنه لَا يُمكن أَن يُقَال فِيمَا لَيْسَ بِلَفْظ أَن الظَّاهِر مِنْهُ كَيْت وَكَيْت إِلَّا على معنى الْأَكْثَر والأغلب وَإِن ذَلِك إِنَّمَا يُفِيد غَالب الظَّن لَا الْعلم
دَلِيل آخر فِي الْمَسْأَلَة لَو دلّ الْخطاب الْمُتَعَلّق بِالصّفةِ على حكم مَا عَداهَا لدل الْخَبَر على ذَلِك وَمَعْلُوم أَن الْإِنْسَان إِذا قَالَ زيد الطَّوِيل فِي الدَّار لم يدل على أَن الْقصير لَيْسَ فِي الدَّار وَلَا على أَنه فِيهَا فَكَذَلِك الْخطاب إِذا كَانَ أمرا فان قيل الْفرق بَين الْأَمر وَالْخَبَر أَن الْمخبر قد يكون لَهُ غَرَض فِي الْإِخْبَار عَن زيد وَلَا يكون لَهُ غَرَض فِي الْإِخْبَار عَن عَمْرو وَأما الْمُكَلف فان غَرَضه أَن يبين جَمِيع مَا يجب على الْمُكَلف فاذا قَالَ زكوا عَن الْغنم السَّائِمَة علمنَا أَنه لَو كَانَت الزَّكَاة فِي جَمِيع الْغنم لعلق الزَّكَاة بِمُطلق الِاسْم قيل إِنَّه كَمَا يجوز أَن يكون غَرَض الْمخبر مَا ذكرْتُمْ فقد يكون غَرَض الْمُكَلف أَن يعرفنا حكم السّوم بِلَفْظ ويعرفنا حكم مَا عدا السّوم بِلَفْظ آخر وبدليل لَيْسَ بِلَفْظ وَإِذا جَازَ ذَلِك لم يفترقا
دَلِيل آخر اسْتدلَّ الشَّيْخ أَبُو عبد الله وقاضي الْقُضَاة فَقَالَا إِن تَعْلِيق الحكم بِالصّفةِ يجْرِي مجْرى تَعْلِيقه بِالِاسْمِ وتعليقه بِالِاسْمِ لَا يدل على انتفائه عَمَّا عداهُ وَأما تَعْلِيق الحكم بِالِاسْمِ فقد بَينا أَنه لَا يدل على انتفائه عَمَّا عداهُ وَأما تَعْلِيق الحكم بِالِاسْمِ فقد بَينا أَنه لَا يدل على انتفائه عَمَّا عداهُ وَأما أَن تَعْلِيقه بِالصّفةِ يجْرِي مجْرى تَعْلِيقه بِالِاسْمِ فبيان ذَلِك أَن الِاسْم وضع ليتميز بِهِ بَين الْمُسَمّى من غَيره وَكَذَلِكَ الصّفة أضيفت إِلَى الِاسْم عِنْد وُقُوع الِاشْتِرَاك فِيهِ ليتميز أحد المسمين من الآخر مِثَال ذَلِك وُقُوع اسْم زيد على الْبَصْرِيّ والكوفي فنضيف الْبَصْرِيّ إِلَى زيد ليتميز بِهِ كَمَا يتَمَيَّز مِنْهُ باسم يَخُصُّهُ لَا
стр. 154
يُشَارِكهُ فِيهِ الْكُوفِي وكما أَن تَعْلِيق الحكم بذلك لَا يدل على انتفائه عَن الْكُوفِي فَكَذَلِك تَعْلِيقه بِالصّفةِ ولمعترض أَن ينْقض ذَلِك بالغاية لِأَنَّهَا تخص الزِّمَام وتجري مجْرى اسْم يخْتَص بذلك الزَّمَان وَمَعَ ذَلِك فان تَعْلِيق الحكم بهَا يدل على انتفائه عَمَّا عَداهَا بِخِلَاف الْأَسْمَاء وينتقص بِالشّرطِ عِنْد من قَالَ إِنَّه يدل على انتفائه عَمَّا عداهُ لِأَنَّهُ قد خص مَا دخل عَلَيْهِ أَلا ترى أَنَّك إِذا قلت اعط زيدا درهما إِن دخل الدَّار فقد خصصت هَذِه الْحَالة بِالْعَطِيَّةِ وميزتها كَمَا تميزها باسم لَو كَانَ لَهَا وَقد دلّ على انْتِفَاء الحكم عَمَّا عدا الشَّرْط وَلقَائِل أَن يَقُول وَلم إِذا جرت الصّفة مجْرى الِاسْم فِي التَّمْيِيز كَانَ حكمهَا فِي كل شَيْء حكمه وَمَا أنكرتم أَنه لَيْسَ الْعلَّة فِي أَن تَعْلِيق الحكم بِالِاسْمِ لَا يدل على نَفْيه عَمَّا عداهُ كَمَا ذكرْتُمْ فان قيل إِنَّمَا لم يدل على ذَلِك لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي اللَّفْظ ذكر لما عدا الِاسْم وَذَلِكَ قَائِم فِي الصّفة قيل هَذَا عدُول إِلَى دَلِيل آخر يُمكن الِاعْتِمَاد عَلَيْهِ بِنَفسِهِ وللمخالف أَن يَقُول هَذَا إِنَّمَا يدل على أَن تَعْلِيق الحكم بِالصّفةِ لَا يدل من جِهَة اللَّفْظ على نَفْيه عَمَّا عدا الصّفة وَلَا يدل على انه لَا يَقْتَضِي ذَلِك من جِهَة الْفَائِدَة
دَلِيل آخر وَقد اسْتدلَّ على ذَلِك فَقيل قد فرق أهل اللُّغَة بَين المعطف وَبَين النَّقْض فَقَالُوا إِن قَول الْقَائِل اضْرِب الرِّجَال الطوَال والقصار عطف وَلَيْسَ بِنَقْض فَلَو كَانَ قَوْله اضْرِب الرِّجَال الطوَال يدل على نفي ضرب الْقصار لَكَانَ قَوْله والقصار نقضا لَا عطفا وَلقَائِل أَن يَقُول إِنَّمَا يدل على نفي ضرب الْقصار تَخْصِيص الطوَال بِالذكر فِي الْحَال وَإِذا عطف عَلَيْهِم الْقصار لم يكن قد خصهم فِي الْخطاب بِالذكر فَلم يُوجد الدّلَالَة على نفي ضرب الْقصار على الْحَد الَّذِي يدل مَعَه وأتى بعْدهَا مَا ينقضها فَيكون نقضا وَلَيْسَ كَذَلِك إِذا قَالَ الْقَائِل لغيره ضربت زيدا الْآن فِي هَذَا الْمَكَان لم أضربه الْآن فِي هَذَا الْمَكَان لِأَن الْكَلَام الأول يدل تصريحه على ضربه وَالْآخر يدل تصريحه على نفي ضربه فَكل وَاحِد مِنْهُمَا قد وجد على الْوَجْه الَّذِي لكَونه عَلَيْهِ يكون دَلِيلا على مَا يدل عَلَيْهِ اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون الْمُتَكَلّم مَا عني بهما شَيْئا
стр. 155
أَو لم يعن بِأَحَدِهِمَا شَيْئا فَيكون قد لَغَا بهما أَو بِأَحَدِهِمَا وعَلى أَنه بَاطِل بالغاية وَالشّرط لِأَن الْإِنْسَان إِذا قَالَ لغيره صم إِلَى غرُوب الشَّمْس أَفَادَ ذَلِك نفي الصَّوْم بعد غُرُوبهَا وَلَو قَالَ صم إِلَى غرُوب الشَّمْس وَإِلَى طُلُوع الْقَمَر لم يكن ذَلِك نقضا وَلَو قَالَ أعْط زيدا درهما إِن دخل الدَّار وَلم يدل دَلِيل على ثُبُوت شَرط آخر لم تثبت الْعَطِيَّة إِذا لم يدْخل الدَّار وَلَو قَالَ لَهُ أعْطه درهما إِن دخل الدَّار وَإِن دخل السُّوق أَفَادَ وجوب الْعَطِيَّة إِن دخل السُّوق وَلم يكن ذَلِك نقضا
وَأما القَوْل بِأَن تَعْلِيق الحكم بِالصّفةِ إِذا خرج مخرج الْبَيَان دلّ على أَن مَا عَداهَا بِخِلَافِهِ فَلَا يَصح لِأَن اللَّفْظ إِنَّمَا يكون بَيَانا لمجمل إِذا كَانَ دَالا إِمَّا بموضوعه أَو بِمَعْنَاهُ على المُرَاد بالمجمل وَمَعْلُوم أَن تَعْلِيق الحكم بِالصّفةِ لَيْسَ فِيهِ ذكر مَا عدا الصّفة وَلَا يدل من جِهَة الْمَعْنى على مَا عدا الصّفة فَلم يجز أَن يقْصد بِهِ الْبَيَان كَمَا عدا الصّفة إِذا كَانَ هُنَاكَ آيَة مجملة فان قيل إِذا كَانَ هُنَاكَ آيَة مجملة وَورد بَيَان لَهُ يعلق بِالصّفةِ علمنَا انْتِفَاء الحكم عَمَّا عدا الصّفة لعلمنا أَن مَا عدا الصّفة لَو أُرِيد بالمجمل لبين لِأَن الْبَيَان لَا يتَأَخَّر قيل إِذا الدَّال على انْتِفَاء الحكم عَمَّا عدا الصّفة هُوَ فقد الْبَيَان لَا تَعْلِيق الحكم بِالصّفةِ أَلا ترى أَن الحكم لَو لم يتَعَلَّق بِالصّفةِ لعلمنا انتفاؤه عَمَّا عَداهَا إِذا لم يجد بَيَان حكمهمَا لعلمنا أَن الْبَيَان لَا يتَأَخَّر
وَأما القَوْل بِأَن تَعْلِيق الحكم بِالصّفةِ يدل على حكم مَا عَداهَا إِذا خرج مخرج التَّعْلِيم فلقائل أَن يَقُول إِن كل خطاب النَّبِي ﷺ يتَضَمَّن حكما فَهُوَ خَارج مخرج التَّعْلِيم فَلَا معنى لهَذِهِ الْقِسْمَة إِلَّا أَن يُرَاد بذلك أَن يعلم أَن النَّبِي ﷺ قصد بِذكر الصّفة أَن يعلق عَلَيْهَا جَمِيع الحكم وَمَتى أُرِيد ذَلِك فان الدَّال على انْتِفَاء الحكم مَعَ عدم الصّفة هُوَ علمنَا من قصد النَّبِي ﷺ أَنه قصر الحكم كُله على الصّفة
وَأما القَوْل بِأَن الحكم الْمُعَلق بِالصّفةِ يدل على أَن مَا عَداهَا بِخِلَافِهِ إِذا دخل
стр. 156
مَا عَداهَا تحتهَا نَحْو الشَّاهِد الْوَاحِد لِأَنَّهُ دَاخل فِي جملَة الشَّاهِدين فقد تقدم القَوْل فِيهِ فِي تَعْلِيق الحكم بِالْعدَدِ
فَأَما الصّفة إِذا علق عَلَيْهَا لَفْظَة إِنَّمَا وعلق عَلَيْهَا الحكم نَحْو قَول النَّبِي ﷺ إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ فقد ذهب بعض النَّاس إِلَى أَن لَفْظَة إِنَّمَا تقطع الحكم عَمَّا عدا الْمَذْكُور قَالُوا لِأَن الْمَفْهُوم من قَول الْقَائِل إِنَّمَا فِي الدَّار زيد أَنه لَيْسَ فِيهَا سواهُ أَلا ترى أَنَّك إِذا قلت هَل فِي الدَّار غير زيد فَقيل لَك فِي الْجَواب إِنَّمَا فِي الدَّار زيد عقلت من ذَلِك أَنه لَيْسَ فِيهَا سواهُ وَقَالَ قوم إِن ذَلِك لَا يدل على نفي الحكم عَمَّا عدا الصّفة لِأَن لَفْظَة إِنَّمَا مركبة من إِن وَمَا وَلَو أَن قَائِلا قَالَ إِن زيدا فِي الدَّار لم يدل ذَلِك على أَن غَيره لَيْسَ فِي الدَّار فَكَذَلِك إِذا قَالَ إِنَّمَا فِي الدَّار زيد لِأَن لَفْظَة مَا دخلت فِي الْكَلَام للتَّأْكِيد لَا غير هَذَا هُوَ المحكي عَن أهل اللُّغَة
وَاحْتج الْقَائِلُونَ بِدَلِيل الْخطاب بأَشْيَاء
مِنْهَا أَن أهل اللُّغَة فرقوا بَين الْخطاب الْمُطلق والمقيد بِصفة كَمَا فرقوا بَين الْخطاب الْمُرْسل وَبَين الْخطاب الْمُقَيد بالإستثناء فَكَمَا دلّ الِاسْتِثْنَاء على أَن حكم الْمُسْتَثْنى غير حكم الْمُسْتَثْنى مِنْهُ كَذَلِك تدل الصّفة على أَن حكم مَا عَداهَا بِخِلَاف حكمهَا وَالْجَوَاب أَنا نَحن نفرق بَين مُطلق الْخطاب وَبَين الْمُقَيد بِالصّفةِ فنقطع على ثُبُوت الحكم فِي مُطلق الْخطاب اخْتصَّ بِصِفَات أَو لم يخْتَص بهَا وَلَا نقطع على ثُبُوت الحكم فِي الْخطاب الْمُقَيد بِالصّفةِ إِلَّا مَعَ وجود الصّفة ونشك فِي ثُبُوته مَعَ فقدها وَفِي مُطلق الْخطاب لَا نشك فِي ثُبُوته مَعَ فقدها وَقَوْلهمْ كَمَا فرقوا بَين الْخطاب الْمُرْسل والمقيد بِالِاسْتِثْنَاءِ إِن عنوا بِهِ أَنهم فرقوا بَين الْمُطلق والمقيد اَوْ بَين الْمُرْسل والمستثنى مِنْهُ من كل وَجه فَلَا نسلمه وَإِن أَرَادوا أَنهم فرقوا بَين الْمُطلق والمقيد كَمَا فرقوا بَين الْمُرْسل والمستثنى مِنْهُ من وَجه دون وَجه فَذَلِك مُسلم وَلَا يَجِيء مِنْهُ مَا يريدونه لِأَن
стр. 157
الْخطاب الْمُقَيد بِالصّفةِ يَقْتَضِي ثُبُوت الحكم مَعَ الصّفة وَلَا يَقْتَضِي عَمَّا عَداهَا وَالْخطاب الْمُسْتَثْنى مِنْهُ يَقْتَضِي ثُبُوت الحكم فِيمَا لم يتَنَاوَلهُ الِاسْتِثْنَاء فقد اشْتَركَا من هَذِه الْجِهَة وَإِن اخْتصَّ الْخطاب الْمُسْتَثْنى مِنْهُ بِوَجْه زَائِد وَهُوَ الدّلَالَة على انْتِفَاء الحكم عَن الْمُسْتَثْنى وَإِنَّمَا انْفَرد بذلك لِأَن الِاسْتِثْنَاء يخرج من الْكَلَام شَيْئا وَيَقْتَضِي نفي جكم الْكَلَام عَنهُ وَالصّفة لَا تَنْفِي شَيْئا
وَمِنْهَا قَوْلهم يجب أَن تدل الصّفة على انْتِفَاء الحكم عَمَّا عَداهَا لتَكون أَعم لدلالتها وَالْجَوَاب أَنه لَيْسَ يجب أَن يَجْعَل الحكم من مَدْلُول اللَّفْظَة لتكثر فوائدها وتعم وَإِنَّمَا يَجْعَل من مدلولنا إِذا وضعت لَهُ أَو وضعت لما يدل عَلَيْهِ مثل فحوى القَوْل أَلا ترى أَنه لَا يجوز أَن يَجْعَل قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْركين﴾ دَلِيلا على قتل غَيرهم لتكثر فَوَائده لما لم يكن ذَلِك مَوْضُوعا لغير الْمُشْركين
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن الْحَكِيم إِذا أَتَى بِكَلَام عَام لأنواع فَلم يعلق بِهِ الحكم إِلَّا بعد أَن قَيده بِصفة تتَنَاوَل بعض تِلْكَ الْأَنْوَاع علمنَا أَن ذَلِك الحكم لَا يعم تِلْكَ الْأَنْوَاع إِذا لَو عَمها لم يكن لتكلف ذكر الصّفة فَائِدَة وَالْجَوَاب أَنه قد يكون فِي ذكرهَا فَائِدَة غير انْتِفَاء الحكم مَعَ عدمهَا لما ذَكرْنَاهُ فِيمَا تقدم
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن الْمُقَيد بِالصّفةِ يجْرِي مجْرى فحوى القَوْل فِي الدّلَالَة على غير مَا تنَاوله اللَّفْظ فَكَمَا دلّ قَوْله ﴿فَلَا تقل لَهما أُفٍّ﴾ على الْمَنْع من ضربهما إِن لم يتَنَاوَلهُ فَكَذَلِك يدل التَّقْيِيد بِالصّفةِ على نفي الحكم مَعَ عدمهَا وَالْجَوَاب أَن هَذَا قِيَاس بِغَيْر عِلّة وأصحابنا يَقُولُونَ إِن قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿فَلَا تقل لَهما أُفٍّ﴾ مَوْضُوع للْمَنْع من ضربهما وَلَا يسلمُونَ أَن الْخطاب الْمُقَيد بِالصّفةِ مَوْضُوع لنفي الحكم عَمَّا عَداهَا وَمن قَالَ إِن قَوْله
стр. 158
وَلَا تقل لَهما اف يمْنَع من ضربهما من جِهَة قِيَاس الأولى يَقُول إِنَّه إِذا منع من الْيَسِير فَالْأولى أَن يمْنَع من الْكثير وَهَذَا غير قَائِم فِي دَلِيل الْخطاب لِأَنَّهُ لَيْسَ هُوَ اسْتِدْلَال باليسير على الْكثير
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن الْأمة قد فهمت الْأَحْكَام من دَلِيل الْخطاب لِأَنَّهَا عقلت من قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿فَلَا تقل لَهما أُفٍّ﴾ إِيجَاب إكرامهما وَقَالَت الصَّحَابَة إِن قَول النَّبِي ﷺ المَاء من المَاء مَنْسُوخ بقوله إِذا التقى الختانان وَجب الْغسْل فَلَو لم يدل عِنْدهَا قَوْله المَاء من المَاء على نفي الْغسْل مِمَّا سوى المَاء لم يَجْعَل ذَلِك نَاسِخا لهَذَا لِأَنَّهُ لَا تنَافِي بَينهمَا وَكَذَلِكَ اسْتِدْلَال أبي بكر ﵁ عَن اخْتِصَاص قُرَيْش بِالْإِمَامَةِ لقَوْل النَّبِي ﷺ الْأَئِمَّة من قُرَيْش واستدلال ابْن عَبَّاس على أَنه لَا رَبًّا فِي النَّقْد لقَوْل النَّبِي ﷺ إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَة وَالْجَوَاب إِن وجوب إكرام الْأَبَوَيْنِ إِنَّمَا فهم من قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿وَقل لَهما قولا كَرِيمًا﴾ وَلَو فهم من قَوْله ﴿فَلَا تقل لَهما أُفٍّ﴾ لم يكن ذَلِك من قبيل دَلِيل الْخطاب لكنه من قبيل دلَالَة النَّهْي عَن الشَّيْء على وجوب ضِدّه وَأما قَول النَّبِي ﷺ المَاء من المَاء فانه يَقْتَضِي ثُبُوت حسن الْغسْل وَجمعه فِي الْإِنْزَال لِأَن لَام الْجِنْس تستغرق فَلَا يبْقى غسل لغير الْإِنْزَال فاذا قَالَ النَّبِي ﷺ إِذا التقى الختانان وَجب الْغسْل كَانَ قد أثبت الْغسْل فِيمَا نَفَاهُ الْخطاب الأول وَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ فِي قَوْله الْأَئِمَّة من قُرَيْش يَقْتَضِي جعل جملَة الْأَئِمَّة وجميعهم من قُرَيْش فَلَا يبْقى إِمَام من غَيرهم فَلهَذَا اسْتدلَّ أَبُو بكر ﵁ على نفي الْإِمَامَة عَن الْأَنْصَار وَكَذَلِكَ اسْتدلَّ ابْن عَبَّاس بقول النَّبِي ﷺ إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَة على أَنه قد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لَا مَاء إِلَّا من المَاء وَهَذَا يُنَافِيهِ قَوْله ﷺ إِذا التقى الختانان وَجب الْغسْل فَلذَلِك كَانَ نَاسِخا
стр. 159
لَهُ وَرُوِيَ أَيْضا لَا رَبًّا إِلَّا فِي النَّسِيئَة فَلَعَلَّهُ إِنَّمَا نفي الرِّبَا فِي النَّقْد لهَذَا الْخَبَر
وَمِنْهَا قَوْلهم إِن أَبَا عبيد الْقَاسِم بن سَلام قَالَ إِن قَول النَّبِي ﷺ لي الْوَاجِد يحل عرضه وعقوبته يدل على أَن لي غير الْوَاجِد لَا يحل عرضه وَلَا عُقُوبَته وَهَذَا دَلِيل الْخطاب وَالْجَوَاب أَن قَوْله وَحده لَيْسَ بِحجَّة وَلَعَلَّه إِنَّمَا أَرَادَ أَنا نعلم أَن غير الْوَاجِد لَا يحل عرضه وَهَذَا صَحِيح لِأَن غير الْوَاجِد مَعْذُور وَلَا يحل عُقُوبَة من لَا يجد وَلِأَن الأَصْل حظر الْعرض والعقوبة فَلَا تحل إِلَّا لدلَالَة قَالُوا وَقد رُوِيَ عَن أبي عبيد أَنه قَالَ إِن قَول النَّبِي ﷺ لِأَن يمتليء جَوف أحدكُم قَيْحا خير لَهُ من أَن يمتلىء شعرًا يدل على أَنه إِذا لم يمتلىء بالشعر وَكَانَ فِيهِ الْقَلِيل كَانَ مُبَاحا قَالَ وَلَا ينْصَرف ذَلِك إِلَى هجاء النَّبِي ﷺ لِأَن قَلِيل ذَلِك وَكَثِيره مَحْظُور وَالْجَوَاب أَن قَوْله وَحده لَيْسَ بِحجَّة كَمَا أَن قَول مُحَمَّد بن الْحسن وَالشَّافِعِيّ لَيْسَ بِحجَّة وَإِنَّمَا عَنى النَّبِي ﷺ بامتلاء الْقلب من الشّعْر أَن يُوجد فِيهِ وَحده كَمَا يمتلىء الْإِنَاء بِالْمَاءِ إِذا وجد المَاء وَحده فِي جَمِيعه فيشغله الشّعْر عَن قِرَاءَة الْقُرْآن وَالْعِبَادَة وَهَذَا تنَاول هجاء النَّبِي ﷺ وَغَيره فَأَما إِذا لم يمتلىء من الشّعْر فَأمره مَوْقُوف يجوز أَن يكون فِيهِ وَجه آخر يَقْتَضِي حظره وَيجوز أَن يَقْتَضِي إِبَاحَته فهجاء النَّبِي ﷺ نعلم حظر قَلِيله وَكَثِيره ﷺ َ - بَاب فِي الْأَمر الْوَارِد عقيب الامر بِحرف عطف وَبِغير حرف عطف ﷺ َ -
اعْلَم أَن الْقَائِل إِذا قَالَ لغيره افْعَل ثمَّ قَالَ لَهُ افْعَل لم يخل الْأَمر الثَّانِي إِمَّا أَن يتَنَاوَل مثل مَا تنَاوله الْأَمر الأول أَو يتَنَاوَل مَا يُخَالف مَا تنَاوله الْأَمر الأول فان تنَاول مَا يُخَالِفهُ لم يكن شُبْهَة فِي اقتضائه مَأْمُورا بِهِ آخر وَهُوَ ضَرْبَان أَحدهمَا يَصح اجتماعه مَعَه يجب على الْمَأْمُور فعلهمَا إِمَّا مُجْتَمعين وَإِمَّا
стр. 160
مُتَفَرّقين إِلَّا أَن يدل دلَالَة على وجوب الْجمع أَو وجوب التَّفْرِيق مِثَال ذَلِك قَول الْقَائِل لغيره صل صم أَو صل وصم وَأما مَا لايصح أَن يجْتَمع مَعَ الأول فضربان أَحدهمَا لَا يَصح أَن يجْتَمع مَعَه فِي نَفسه نَحْو الصَّلَاة فِي مكانين وَالْآخر لَا يَصح ذَلِك فيهمَا من جِهَة الشَّرِيعَة نَحْو الصَّلَاة وَالصَّدَََقَة وكلا الضربين لَا يَصح الْأَمر بفعلهما مُجْتَمعين وَيصِح مفترقين
فَأَما إِن تنَاول الْأَمر الثَّانِي مثل مَا تنَاول الأول فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون ذَلِك الْمَأْمُور يَصح التزايد فِيهِ أَو لَا يَصح التزايد فِيهِ فان صَحَّ التزايد فِيهِ فَلَا يَخْلُو الْأَمر الثَّانِي إِمَّا أَن يكون غير مَعْطُوف على الأول أَو مَعْطُوفًا عَلَيْهِ فان لم يكن مَعْطُوفًا عَلَيْهِ فَعِنْدَ قَاضِي الْقُضَاة أَنه يُفِيد غير مَا يفِيدهُ الأول إِلَّا أَن تمنع الْعَادة من ذَلِك أَو يرد الْأَمر الثَّانِي مُعَرفا مِثَال مَا تمنع مِنْهُ الْعَادة قَول الْقَائِل لغيره اسْقِنِي مَاء اسْقِنِي مَاء فالعادة تمنع من تكْرَار سقيه فِي حَالَة وَاحِدَة فِي الْأَكْثَر وَمِثَال مَا يمْنَع مِنْهُ التَّعْرِيف الْحَاصِل بِالْأَمر الثَّانِي قَول الْقَائِل لغيره صل رَكْعَتَيْنِ فَإِنَّهُ إِذا قَالَ لَهُ صل الرَّكْعَتَيْنِ انْصَرف إِلَى تِلْكَ الرَّكْعَتَيْنِ لِأَن لَام الْجِنْس تَنْصَرِف إِلَى الْعَهْد الْمَذْكُور وَلِهَذَا حمل ابْن عَبَّاس قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿فَإِن مَعَ الْعسر يسرا إِن مَعَ الْعسر يسرا﴾ على أَن الْعسر الثَّانِي هُوَ الأول لما ورد مُعَرفا وَمِثَال مَا يجْرِي من كلا الْقسمَيْنِ قَول الْقَائِل لغيره صل غَدا رَكْعَتَيْنِ صل غَدا رَكْعَتَيْنِ ادْفَعْ إِلَى زيد درهما ادْفَعْ إِلَى زيد درهما فاستدل قَاضِي الْقُضَاة على أَن الْأَمر الثَّانِي يُفِيد غير مَا يفِيدهُ الأول بِأَن الْأَمر يُفِيد الْوُجُوب أَو النّدب فَيجب أَن يفِيدهُ وَإِن تقدمه أَمر آخر لِأَنَّهُ لَيْسَ يتَغَيَّر صِيغَة بتقدم أَمر آخر
وَلقَائِل أَن يَقُول يُفِيد وجوب الْفِعْل أَو كَونه ندبا وخلافنا فِي هَل يُفِيد وجوب فعل آخر أم لَا وَلَيْسَ فِي ظَاهره أَنه يُفِيد غير مَا افاده الأول فان قيل الْأَمر الثَّانِي لَو انْفَرد لوَجَبَ الْفِعْل لأَجله فَيجب ذَلِك وَإِن تقدمه أَمر
стр. 161
آخر وَإِذا وَجب الْفِعْل لأَجله لم يكن ذَلِك الْفِعْل هُوَ الَّذِي تنَاوله الْأَمر الأول لِأَنَّهُ لَو تنَاوله الأول لوَجَبَ لأجل الأول
وَلقَائِل أَن يَقُول إِذا أردتم بقولكم يجب الْفِعْل لأَجله أَنه دَلِيل على وجوب الْفِعْل فَكَذَلِك نقُول وَذَلِكَ لَا يمْنَع من أَن يجب لأجل دَلِيل آخر وَإِن أردتم أَنه لَو انْفَرد الْأَمر لوَجَبَ الْفِعْل لأَجله لَا لأجل الْأَمر الأول فَصَحِيح غير أَن يكون الْفِعْل وَاجِبا لَا لأجل أَمر آخر لَيْسَ هُوَ من فَائِدَة الْأَمر حَتَّى يلْزم أَن يَقْتَضِيهِ وَإِن تقدمه أَمر آخر لَكِن إِنَّمَا يلْزم ذَلِك لفقد أَمر سواهُ وَهَذَا قَائِم فِي مَسْأَلَتنَا
وَاسْتدلَّ أَيْضا بِأَن الْمَعْقُول من الْأَمر الثَّانِي فِي الشَّاهِد مَأْمُور ثَان وَهَذِه دَعْوَى لَا يُسَلِّمهَا الْخصم وَاسْتدلَّ أَيْضا بِأَن الظَّاهِر من تغاير الْأَلْفَاظ تغاير الْمَعْنى وللخصم أَن يمْنَع من ذَلِك فان قَالُوا إِنَّمَا كَانَ هَذَا هُوَ الظَّاهِر ليَكُون للْكَلَام الثَّانِي فَائِدَة قيل فَذَلِك رُجُوع إِلَى دَلِيل آخر سَنذكرُهُ
وَيُمكن أَن يسْتَدلّ فِي الْمَسْأَلَة فَيُقَال إِن الْغَرَض بِالْأَمر هُوَ استدعاء الْفِعْل لِأَنَّهُ هُوَ المطابق لصيغته فَلَا يَخْلُو الْأَمر الثَّانِي إِمَّا أَن يكون فعل لاستدعاء الْفِعْل الأول أَو لغيره فان فعل للاستدعاء الأول فقد فعل الْغَرَض مَا قد حصل بِالْأولِ وَذَلِكَ عَبث فَوَجَبَ حمله على فعل آخر فان قيل مَا أنكرتم أَن يكون الْغَرَض تَأْكِيد الْحَث على الْفِعْل واستدعائه قيل لَيْسَ فِي ظَاهره التَّأْكِيد وَإِنَّمَا فِي ظَاهره الْفِعْل فَحَمله على التَّأْكِيد حمل على غير ظَاهره فان قَالُوا وَلَيْسَ فِي ظَاهره فعل ثَان كَمَا لَيْسَ فِي ظَاهره التَّأْكِيد قيل نَحن إِذا حملناه على فعل ثَان فقد حملناه على الْفِعْل وَذَلِكَ فِي ظَاهره وَلقَائِل أَن يَقُول وَنحن إِذا حملناه على التَّأْكِيد فانا نحمله على فعل ايضا وَبِالْجُمْلَةِ كل منا يحملهُ على فعل فَأنْتم تُرِيدُونَ فِيهِ أَن يكون الْفِعْل ثَانِيًا وَنحن نُرِيد فِيهِ التَّأْكِيد وَلَيْسَ وَاحِد مِنْهُمَا فِي ظَاهر الْأَمر وَالْأَشْبَه أَن يُقَال فِي ذَلِك بِالْوَقْفِ
وَأما إِن كَانَ الْأَمر الثَّانِي مَعْطُوفًا على الأول فَأَنَّهُ إِن لم يكن مُعَرفا فانه
стр. 162
يُفِيد غير مَا يفِيدهُ الأول لِأَن الشَّيْء لَا يعْطف على نَفسه وَلَا يجمع بَينه وَبَين نَفسه مِثَاله أَن يَقُول الْقَائِل لغيره صل رَكْعَتَيْنِ صل رَكْعَتَيْنِ وَقَوله اسْقِنِي مَاء واسقني مَاء لِأَن الْإِنْسَان قد يَقُول ذَلِك إِذا كَانَ الْإِنَاء الَّذِي يشرب فِيهِ لَا يَكْفِيهِ دفْعَة وَاحِدَة وَيُخَالف ذَلِك إِذا لم يعْطف الْأَمر الثَّانِي على الأول لما ذَكرْنَاهُ من حرف الْعَطف فَأَما إِن كَانَ الْأَمر الثَّانِي مَعْطُوفًا على الأول ومعرفا نَحْو قَول الْقَائِل لغيره صل رَكْعَتَيْنِ وصل الصَّلَاة فلقائل أَن يَقُول يجب حمله على تِلْكَ الصَّلَاة لأجل لَام التَّعْرِيف وَلقَائِل أَن يَقُول يجب حمله على صَلَاة أُخْرَى لأجل الْعَطف لأَنا إِن حملناه على التَّأْكِيد أخرجناه من كَونه عطفا أصلا وَإِذا نَفينَا حكم الْعَطف فانا لَا نخرج اللَّام من أَن يكون للتعريف وَإِن جعلناها لتعريف الْجِنْس وَالْأَشْبَه أَن يكون ذَلِك على الْوَقْف لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَن يتْرك ظَاهر الْعَطف وَيسْتَعْمل اللَّام على حَقِيقَتهَا فِي تَعْرِيف الْعَهْد بِأولى من أَن يتَمَسَّك بِظَاهِر الْعَطف وَيتْرك ظَاهر اللَّام فَأَما إِذا كَانَ الْأَمر الثَّانِي أمرا بِمثل مَا تنَاوله الْأَمر الأول وَكَانَ ذَلِك مِمَّا لَا يَصح فِيهِ التزايد فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن لَا يَصح ذَلِك فِيهِ فِي نَفسه نَحْو قتل زيد أَو صَوْم يَوْم وَإِمَّا أَن لَا يَصح فِيهِ من جِهَة الحكم نَحْو عتق زيد فانه قد كَانَ يجوز أَن يتزايد عتقه وَيقف تَمام حُرِّيَّته على عدد كَالطَّلَاقِ وَإِذا لم يَصح التزايد فِي الْمَأْمُور بِهِ لم يخل الْأَمر إِمَّا أَن يَكُونَا عَاميْنِ أَو خاصين أَو أَحدهمَا عَاما وَالْآخر خَاصّا فان كَانَا عَاميْنِ أَو خاصين وَجب كَون مأمورهما وَاحِدًا وَيكون الْأَمر الثَّانِي تَأْكِيدًا للْأولِ سَوَاء ورد بِحرف عطف أَو بِغَيْر حرف عطف مِثَال العامين بِحرف عطف قَول الْقَائِل لغيره اقْتُل كل إِنْسَان واقتل كل إِنْسَان ومثاله بِلَا حرف عطف أَن يسْقط من الْأَمر الثَّانِي حرف الْعَطف وَمِثَال الخاصين بِحرف عطف وَبِغير حرف عطف قَوْله اقْتُل زيدا اقْتُل زيدا أَو واقتل زيدا وَأما إِذا كَانَ أَحدهمَا عَاما وَالْآخر خَاصّا سَوَاء تقدم الْعَام أَو الْخَاص فَلَا يَخْلُو الْأَمر الثَّانِي إِمَّا أَن يكون مَعْطُوفًا على الأول أَو غير مَعْطُوف عَلَيْهِ فان كَانَ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ فمثاله قَول الْقَائِل صم كل يَوْم وصم يَوْم
стр. 163
الْجُمُعَة قَالَ قَاضِي الْقُضَاة إِن يَوْم الْجُمُعَة لَا يكون دَاخِلا تَحت الْكَلَام الأول ليَصِح حكم الْعَطف وَالْأَشْبَه أَن يكون الْوَقْف لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَن يتْرك ظَاهر الْعُمُوم بِأولى من أَن يتْرك ظَاهر الْعَطف وَيحمل على التاكيد
فَأَما إِذا كَانَ الْأَمر الثَّانِي غير مَعْطُوف فمثاله قَول الْقَائِل لغيره صم كل يَوْم صم يَوْم الْجُمُعَة فانا إِذا قُلْنَا فِي الْأَمريْنِ بشيئين يَصح فيهمَا التزايد أَنَّهُمَا على الْوَقْف فِي اقْتِضَاء الثَّانِي للزِّيَادَة فانا لَا نقف هَا هُنَا لِأَن عُمُوم أحد الْأَمريْنِ دلَالَة على أَن الآخر ورد تَأْكِيدًا لِأَنَّهُ لم يبْق من ذَلِك الْجِنْس شَيْء لم يدْخل تَحت الْعَام وَمن لم يقف فِيمَا يَصح الزَّائِد فِيهِ فانه يُمكنهُ أَن يقف هَا هُنَا لِأَن ظَاهر الْأَمر الثَّانِي يُفِيد غير مَا يفِيدهُ الأول على قَوْله وَظَاهر الْعُمُوم فِي الْأَمر الأول يُفِيد الِاسْتِغْرَاق فَلَيْسَ اسْتِعْمَال اُحْدُ الظاهرين أولى من اسْتِعْمَال الآخر ﷺ َ - بَاب فِي فِي شُرُوط حسن الامر ﷺ َ -
اعْلَم أَن الْأَمر لما كَانَ صادرا من آمُر إِلَى مَأْمُور بمأمور بِهِ فِي زمَان لم يمْنَع أَن يرجع شُرُوط حسنه إِلَيْهِ وَإِلَى الْآمِر والمأمور والمأمور بِهِ وَالزَّمَان
فالشروط الراجعة إِلَى الْمَأْمُور بِهِ ضَرْبَان
أَحدهمَا أَن يكون صَحِيحا غير مُسْتَحِيل فِي نَفسه كالجمع بَين الضدين وكنحو فعل الشَّيْء فِي زمَان مُتَقَدم أَو فعله فِي حَال هُوَ فِيهَا مَعْدُوم أَو إِيجَاد الْمَوْجُود أَو فعل الْأَفْعَال الْكَثِيرَة فِي زمَان لَا يَتَّسِع لَهَا وَهَذِه الْأَقْسَام أَيْضا الدَّاخِلَة فِي الشَّرَائِط الراجعة إِلَى الزَّمَان وَأما الضَّرْب الآخر فان يكون للْفِعْل صفة زَائِدَة على حسنه إِمَّا أَن يكون على صفة النّدب أَو الْوُجُوب اَوْ يتَعَلَّق بِهِ نفع وَدفع الضَّرَر فِي الدُّنْيَا
стр. 164
وَأما الشُّرُوط الراجعة إِلَى الْمَأْمُور فضربان أَحدهمَا يرجع إِلَى تمكنه وَالْآخر يرجع إِلَى دواعيه أما الرَّاجِع إِلَى تمكنه فَأن يكون مُتَمَكنًا من الْفِعْل بِحُصُول جَمِيع مَا يحْتَاج الْفِعْل إِلَيْهِ فِي الْوَقْت الَّذِي يحْتَاج الْفِعْل أَن يُوجد فِيهِ كَانَ الشَّيْء يجتاج الْفِعْل إِلَيْهِ فِي وَقت وجوده وَجب وجوده فِي ذَلِك الْوَقْت وَإِن احْتَاجَ إِلَيْهِ قبل وجوده أَو فِي حَال وجوده وَقبل وجوده مَعًا وَجب وجوده كَذَلِك وَهَذِه الْأَشْيَاء ضَرْبَان أَحدهمَا يحْتَاج إِلَيْهَا جَمِيع الْأَفْعَال كالقدر وفقد الْمَنْع وَالْآخر يحْتَاج إِلَيْهِ فعل دون فعل فالفعل الْمُحكم يحْتَاج إِلَى الْعلم فقد يحْتَاج وُقُوعه منا إِلَى إِلَه وَالْفِعْل الْوَاقِع على وَجه دون وَجه يجتاج عِنْد أَصْحَابنَا إِلَى إِرَادَة والمسبب يحْتَاج إِلَى السَّبَب وَالْعلم يحْتَاج فِي إِيقَاعه إِلَى دلَالَة وَيحْتَاج الظَّن إِلَى أَمارَة وَيجب أَن يتَقَدَّم الدّلَالَة قدرا من التَّمَكُّن يُمكن مَعَه أَن ينظر فِيهَا الانسان فَيعلم وجوب الْفِعْل أَو كَونه ندبا اَوْ معربا لما وَجب بِالْفِعْلِ ثمَّ يفعل الْفِعْل فِي الْوَقْت الَّذِي وَجب إِيقَاعه فِيهِ وَلَا فرق بَين أَن تكون الدّلَالَة على ذَلِك أمرا أَو غَيره وَكَذَلِكَ القَوْل فِي الأمارة
فَأَما الْكَلَام فِي تقدم الْعلم وَالْقُدْرَة والإرادة وأقسام الْآلَات الْمُتَقَدّمَة والمقارنة فَلَيْسَ مِمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي أصُول الْفِقْه وَهَذِه الْأَشْيَاء ضَرْبَان أَحدهمَا لَا يُمكن الْإِنْسَان تَحْصِيله لنَفسِهِ كالقدرة وَكثير من الْآلَات فَلَا يجوز أَن يُفَوض إِلَى الْإِنْسَان تَحْصِيله وَالْآخر يُمكن الْإِنْسَان تَحْصِيله كَالْعلمِ وَكثير من الْآلَات فَيجوز تَكْلِيف تَحْصِيله إِذا كَانَ فِي ذَلِك مصلحَة
وَأما الرَّاجِع إِلَى دواعيه فَأن يكون مُتَرَدّد الدَّاعِي بالألطاف وَغَيرهَا غير ملْجأ وَلَا مُسْتَغْنى
وَأما الشَّرَائِط الراجعة إِلَى الْأَمر فأشياء
أَحدهَا أَن لَا يكون ابْتِدَاء وجوده مُقَارنًا لحَال الْفِعْل وَذَلِكَ قد دخل فِيمَا تقدم من الْفِعْل الَّذِي لَا يُمكن فِي نَفسه
стр. 165
وأحدها أَن يكون مُتَقَدما قدرا من التَّقَدُّم وَيحْتَاج إِلَيْهِ فِي الْفِعْل وَذَلِكَ دَاخل فِي تَمْكِين الْمُكَلف
وأحدها أَن لَا يكون واردا على وَجه يكون مفْسدَة
وَأما الشَّرَائِط الراجعة إِلَى الْآمِر فتختلف بِحَسب الآمرين فان كَانَ الْآمِر هُوَ الله وَجب أَن يعلم من حَال الْمُكَلف والمأمور بِهِ وَالْأَمر مَا ذَكرْنَاهُ وَأَن يكون غَرَضه تَعْرِيض الْمُكَلف للثَّواب وَأَن يكون عَالما بِأَنَّهُ سيشيبه إِن أطَاع وَلم تحبط طَاعَته وَإِن كَانَ الْآمِر لَا يعلم الْغَيْب وَجب أَن يعلم حسن مَا أَمر بِهِ وَثُبُوت غَرَض فِيهِ إِمَّا لَهُ أَو لغيره وَأَن يظنّ أَن الْمُكَلف سيتمكن من فعل التَّمَكُّن الَّذِي ذَكرْنَاهُ وَالدّلَالَة على اشْتِرَاط مَا ذَكرْنَاهُ هُوَ أَن الله سُبْحَانَهُ مَعَ حكمته لَا يجوز أَن يلْزمنَا المشاق مَعَ إِمْكَان إِلْزَامه إيانا غير شاق إِلَّا ليجعل فِي مُقَابلَته الثَّوَاب وَإِلَّا جرى إِلْزَامه الشاق مجْرى ابْتِدَاء المضار من غير نفع وَلَا يكون غَرَضه مَا ذَكرْنَاهُ إِلَّا وَهُوَ سيثيب الْمُطِيع فاذا كَانَ عَالما بِمَا يكون فَهُوَ عَالم أَنه يفعل ذَلِك وَلَا يكون غَرَضه مَا ذَكرْنَاهُ إِلَّا وَقد أزاح علل الْمُكَلف بالتمكن وَتردد الدَّوَاعِي الَّتِي يَزُول مَعهَا الإلجاء وَيدخل فِي ذَلِك الألطاف وَرفع الْمَفَاسِد فَلذَلِك لم يرد الْأَمر مِنْهُ تَعَالَى على وَجه الْمفْسدَة وَلِأَنَّهُ إِن لم يكن الْمُكَلف مُتَمَكنًا من الْأُمُور الَّتِي ذَكرنَاهَا فِي الْوَقْت الَّذِي يحْتَاج إِلَيْهِ الْفِعْل كَانَ قد كلفه مَا لَا يطيقه وَقد دخل فِي ذَلِك مَا يجب أَن يتَقَدَّم من التَّمْكِين والأدلة والأمارات وَقد دخل تَحت تمكن الْمُكَلف من الْفِعْل أَن يكون الْفِعْل غير مُسْتَحِيل فِي نَفسه لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يتَمَكَّن الْقَادِر من فعل مَا يَسْتَحِيل فِي نَفسه فقد دخلت الشَّرَائِط الْمَذْكُورَة تَحت مَا ذَكرْنَاهُ
وَقد ذهب قوم إِلَى أَن الْأَمر بِالْفِعْلِ مُقَارن لحَال الْفِعْل وَأَن مَا تقدمه يكون إعلاما وَعِنْدنَا أَن الْأَمر لَا يجوز أَن يبتدىء بِهِ فِي حَال الْفِعْل بل لَا بُد من تقدمه قدرا من الزَّمن يُمكن من الِاسْتِدْلَال بِهِ على وجوب الْمَأْمُور بِهِ أَو كَونه مرعيا فِيهِ وَيفْعل الْفِعْل فِي حَال وُجُوبه فِيهِ وَلَا يجوز تقدمه على ذَلِك إِلَّا
стр. 166
لغَرَض وَيجوز أَن يتَقَدَّم على ذَلِك الْغَرَض مصلحَة وَلَا فرق بَين أَن يكون الْمَأْمُور مُتَمَكنًا من الْفِعْل من حِين الْأَمر إِلَى وَقت الْفِعْل أَو غير مُتَمَكن من حِين الْأَمر
وَالدَّلِيل على وجوب تقدمه الْقدر الَّذِي ذَكرْنَاهُ أَنه لَو لم يتقدمه هَذَا الْقدر لم يتَمَكَّن الْمُكَلف أَن يعلم وجوب الْفِعْل قبل وقته فيدعوه إِلَى فعله على نِيَّة الْوُجُوب فِي الْوَقْت الَّذِي وَجب عَلَيْهِ إِيقَاعه فِيهِ وَذَلِكَ تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق وَقَوْلهمْ إِن مَا تقدم الْفِعْل يكون إعلاما إِن أَرَادوا أَنه إِعْلَام بِحَال الْفِعْل فَكَذَلِك نقُول وَذَلِكَ لَا يمْنَع من كَونه أمرا أَلا ترى أَن أَمر الْقُرْآن مُتَقَدم لأفعالنا وَهُوَ أَمر لنا بِاتِّفَاق وَالْوَاحد منا يَأْمر غَيره قبل حَال الْفِعْل فيسمى ذَلِك أمرا وَإِن أَرَادوا أَنه إِعْلَام بورود أَمر آخر فِي حَال الْفِعْل فَلَيْسَ فِي ظَاهر الْأَمر ذَلِك على أَن وُرُود الْأَمر فِي حَال الْفِعْل عَبث لِأَنَّهُ لَا يتَمَكَّن أَن يسْتَدلّ بِهِ على وجوب الْفِعْل وَلَا على أَنه مرغب فِيهِ وَيُشبه أَن يَكُونُوا أَرَادوا أَن الْأَمر إِذا تقدم حَال الْفِعْل لم يسم أمرا فاذا حضر زمَان الْفِعْل فَحِينَئِذٍ يُسمى مَا تقدم من الْأَمر أمرا وَهَذَا بَاطِل لإِجْمَاع الْمُسلمين على أَن الْوَاحِد منا مَأْمُور بِالصَّلَاةِ قبل وجود وَقتهَا وَالدّلَالَة على قبح تقدم الْأَمر على الْقدر الَّذِي ذَكرْنَاهُ لَا لغَرَض وَفَائِدَة أَن مَا لَا غَرَض فِيهِ عَبث والعبث قَبِيح لَا يَفْعَله الْحَكِيم وَالدّلَالَة على جَوَاز تقدمه على هَذَا الْقدر الْغَرَض أَنه بذلك يخرج عَن كَونه عَبَثا وَلِهَذَا حسن تَقْدِيم الله سُبْحَانَهُ أمره إيانا بِالصَّلَاةِ وَالدّلَالَة على حسن تقدمه وَإِن كَانَ الْمُكَلف عَاجِزا فِي الْحَال إِذا كَانَ يتَمَكَّن وَقت الْحَاجة أَن تمكن الْمُكَلف فِي ذَلِك الْوَقْت لَا يحْتَاج إِلَيْهِ الْفِعْل وَكَانَ وجوده وَعَدَمه فِيمَا يرجع إِلَى الْفِعْل بِمَنْزِلَة فَحسن الْأَمر مَعَ فقد التَّمَكُّن كَمَا يسحن مَعَ وجوده إِذا كَانَ فِي ذَلِك مصلحَة من وَجه من الْوُجُوه
стр. 167
الْكَلَام فِي النواهي
اعْلَم أَن النَّهْي لما كَانَ بعثا على الْإِخْلَال بِالْفِعْلِ كَمَا كَانَ الْأَمر بعثا على الْفِعْل كَانَ أَكثر الْكَلَام فِي الْأَمر يَلِيق بِالنَّهْي غير أَنا نفرد فِي النَّهْي أبوابا مِنْهَا مَاهِيَّة النَّهْي وَمَا يُشَارك الْأَمر فِيهِ النَّهْي وَمَا يُخَالِفهُ فِيهِ وَمِنْهَا النَّهْي عَن الْأَشْيَاء على وَجه التَّخْيِير وَمِنْهَا هَل النَّهْي يَقْتَضِي فَسَاد الْمنْهِي عَنهُ أم لَا وَمَا يتبع ذَلِك ﷺ َ - بَاب فِي مَاهِيَّة النَّهْي وَمَا يُشَارك الامر فِيهِ وَمَا يُخَالِفهُ ﷺ َ -
أما النَّهْي فَهُوَ قَول الْقَائِل لغيره لَا تفعل على جِهَة الاستعلاء إِذا كَانَ كَارِهًا للْفِعْل وغرضه أَن لَا يفعل وَالدّلَالَة على ذَلِك مَا تقدم فِي الْأَمر
وَأما مَا يُشَارك الْأَمر فِيهِ النَّهْي فأمور مِنْهَا أَنه يجوز اسْتِعْمَال كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي خلاف مَا تَقْتَضِيه صيغته فصيغة الْأَمر يجوز وجودهَا غير أَمر وَصِيغَة النَّهْي يجوز وجودهَا غير نهي وَمِنْهَا أَن يكون كل وَاحِد مِنْهُمَا إِنَّمَا يُوصف بِمَا يُوصف بِهِ بِحَال فَاعله وَمِنْهَا اعْتِبَار الاستعلاء فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا وَمِنْهَا أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا إِذا كَانَ مُقَيّدا بِشَرْط وَصفَة كَانَ مَقْصُورا عَلَيْهَا وَمِنْهَا اعْتِبَار كثير من الشَّرَائِط فِي جنسهما نَحْو أَن يكون غَرَض الْمُكَلف التَّعْرِيض للثَّواب وَيكون عَالما باثابة الْمُطِيع وَغير ذَلِك
فَأَما مَا يفترقان فِيهِ فأمور مِنْهَا الصِّيغَة وَمِنْهَا مَا يكون بِهِ كل وَاحِد
стр. 168
مِنْهُمَا مَوْصُوفا بِمَا يُوصف بِهِ وَمِنْهَا أَن مُطلق الْأَمر لَا يَقْتَضِي التَّأْبِيد وَمُطلق النَّهْي يَقْتَضِي ذَلِك وَلِهَذَا صَحَّ النّظر فِي الْأَمر هَل يَقْتَضِي التَّعْجِيل وَلم يَصح ذَلِك فِي النَّهْي وَمِنْهَا أَن من شَرط حسن النَّهْي أَن يكون الْمنْهِي عَنهُ قبيحا وَمن شَرط حسن الْأَمر أَن لَا يكون الْمَأْمُور بِهِ قبيحا ﷺ َ - بَاب فِي النَّهْي عَن اشياء على جِهَة التَّخْيِير ﷺ َ -
اعْلَم أَن النَّهْي عَن الْأَشْيَاء إِمَّا أَن يكون نهيا عَنْهَا على الْجمع أَو عَن الْجمع بَينهَا أَو نهيا عَنْهَا على الْبَدَل أَو نهيا عَن الْبَدَل
أما النَّهْي عَنْهَا على الْجمع فَهُوَ أَن يعمد الناهي إِلَى اشياء فينهي عَن جَمِيعهَا فَيَقُول الْإِنْسَان لَا تفعل هَذَا وَلَا هَذَا وَلَا هَذَا فَيكون مُوجبا للخلو مِنْهَا أجمع
والأشياء الَّتِي نهي عَن جَمِيعهَا ضَرْبَان
أَحدهمَا يُمكن الْإِنْسَان الْخُلُو مِنْهَا وَالْآخر لَا يُمكنهُ الْخُلُو مِنْهَا فَالَّذِي لَا يُمكنهُ الْخُلُو مِنْهَا لَا يحسن النَّهْي عَن جَمِيعهَا إِيجَاب للخلو مِنْهَا وَإِيجَاب مَا لَا يُمكن قَبِيح وَلَا فرق بَين أَن يكون النَّهْي إِيجَابا للخلو من الشَّيْء ونفيه أَو إِيجَابا للخلو من الشَّيْء وضده مِثَال الأول أَن يَقُول الْإِنْسَان لغيره لَا تكن قَائِما وَلَا غير قَائِم وَمِثَال الثَّانِي أَن يَقُول للقائم لَا تفعل قيَاما وَلَا قعُودا وَلَا حَالَة من حالات الْإِنْسَان وَمَا يُمكن الْخُلُو مِنْهُ ضَرْبَان
أَحدهمَا يُمَيّز كَونه فَاعِلا وَالثَّانِي لَا يُمَيّز كَونه فَاعِلا فَالَّذِي لَا يميزه نَحْو المضطجع لَا يُمَيّز كَونه فَاعِلا للسكون من نَفسه وَيجوز أَن يَخْلُو من فعله وَمن فعل الْحَرَكَة وَلَا يجوز أَن يُنْهِي عَن الْخُلُو مِنْهُمَا مَعًا لفقد التَّمْيِيز هَذَا على قَول من جوز أَن يفعل هَذَا المضطجع فِي جِسْمه سكونا فَأَما إِذا ميز كَونه
стр. 169
فَاعِلا فانه يجوز أَن يُنْهِي عَنْهُمَا مَعًا نَحْو ضرب زيد وَعَمْرو وَأما مَا هُوَ ملْجأ إِلَى الْجمع بَينهمَا فانه لَا يجوز النَّهْي عَن جَمِيعه لِأَن فِي ذَلِك إِيجَاب الْخُلُو مِنْهُ مَعَ أَنه ملْجأ إِلَى خِلَافه
وَأما النَّهْي عَن الْجمع بَين أَشْيَاء فَهُوَ أَن يُقَال للْإنْسَان لَا تجمع بَين كَذَا وَكَذَا وهما ضَرْبَان
أَحدهمَا يُمكن الْجمع بَينهمَا وَالْآخر لَا يُمكن الْجمع بَينهمَا فَمَا لَا يُمكن الْجمع بَينهمَا فالنهي عَن الْجمع بَينهمَا قَبِيح لِأَنَّهُ عَبث يجْرِي مجْرى نهي الهاوي من شَاهِق عَن الِاسْتِقْرَار فِي الْهَوَاء وَذَلِكَ أَن يُنْهِي الْإِنْسَان عَن الْقيام والإخلال بِهِ أَو أَن يجمع بَين الْقيام وَالْقعُود وَإِن أمكن الْجمع بَينهمَا فإمَّا أَن يُمكن أَن لَا يجمع بَينهمَا نَحْو الْأكل وَالصَّلَاة وَإِمَّا أَن لَا يُمكن ذَلِك بِأَن يكون ملْجأ إِلَى الْجمع بَينهمَا فَالْأول يحسن النَّهْي عَن الْجمع بَينهمَا وَالثَّانِي لَا يحسن النَّهْي عَنْهُمَا لِأَنَّهُ كالنهي عَمَّا لَا يُطَاق
فَأَما النَّهْي عَن الْأَشْيَاء على الْبَدَل فَهُوَ أَن يُقَال للْإنْسَان لَا تفعل هَذَا إِن فعلت ذَلِك أَو لَا تفعل ذَلِك إِن فعلت هَذَا وَذَلِكَ بِأَن يكون كل وَاحِد مِنْهُمَا مفْسدَة عِنْد الآخر وَهَذَا يرجع إِلَى النَّهْي عَن الْجمع بَينهمَا
وَأما النَّهْي عَن الْبَدَل فانه يفهم مِنْهُ شَيْئَانِ
أَحدهمَا أَن يُنْهِي الْإِنْسَان عَن أَن لَا يفعل شَيْئا ويجعله بَدَلا من غَيره وَذَلِكَ يرجع إِلَى النَّهْي عَن أَن يقْصد بِهِ الْبَدَل وَذَلِكَ غير مُمْتَنع وَالْآخر أَن يُنْهِي عَن أَن يفعل أَحدهمَا دون الآخر لَكِن يجمع بَينهمَا وَهَذَا قَبِيح إِن تعذر الْجمع وَيجوز أَن يحسن مَعَ إِمْكَانه وَإِمْكَان الْإِخْلَال بِهِ ﷺ َ - بَاب فِي النَّهْي هَل يَقْتَضِي فَسَاد الْمنْهِي عَنهُ أم لَا ﷺ َ -
اخْتلف النَّاس فِي ذَلِك فَذهب بعض أَصْحَاب أبي حنيفَة وَبَعض أَصْحَاب
стр. 170
الشَّافِعِي إِلَى أَنه يَقْتَضِي فَسَاده وَقَالَ غَيرهم من الْفُقَهَاء لَا يَقْتَضِيهِ وَهُوَ مَذْهَب الشَّيْخ ابي الْحسن وابي عبد الله وقاضي الْقُضَاة وَذكر أَن ظَاهر مَذْهَب شُيُوخنَا الْمُتَكَلِّمين وَأَنا أذهب إِلَى أَنه يَقْتَضِي فَسَاد الْمنْهِي عَنهُ فِي الْعِبَادَات دون الْعُقُود والإيقاعات
وَيَنْبَغِي أَن نذْكر معنى وَصفنَا للشَّيْء بِأَنَّهُ صَحِيح وَجَائِز وفاسد وباطل وَغير جَائِز فَنَقُول إِن معنى قَوْلنَا إِن الْفِعْل صَحِيح هُوَ أَنه قد حصل بِهِ الْغَرَض الْمَقْصُود بِهِ وَإِنَّمَا يكون كَذَلِك إِذا استوفيت شَرَائِطه الَّتِي مَعهَا يحصل الْغَرَض الْمَقْصُود بِالْفِعْلِ وَقَوْلنَا فَاسد وباطل يُفِيد نفي ذَلِك وَهُوَ أَنه لم يسْتَوْف شَرَائِطه الَّتِي عَلَيْهَا يقف حُصُول الْغَرَض بِالْفِعْلِ وَقَوْلنَا إِن الْفِعْل مجزىء مَعْنَاهُ أَنه يَكْفِي فِي تَحْصِيل الْغَرَض بِالْفِعْلِ وَلَا يكون كَذَلِك إِلَّا وَقد استوفيت الشَّرَائِط الَّتِي يقف عَلَيْهَا حُصُول هَذَا الْغَرَض وَقَوْلنَا جَائِز فِي هَذَا الْموضع يُفِيد ذَلِك أَيْضا وَقَوله إِنَّه غير جَائِز وَلَا مجزىء يُفِيد نفي ذَلِك والأغراض الْحَاصِلَة بِالْفِعْلِ تخْتَلف بِحَسب اخْتِلَاف الْأَفْعَال فالعبادات الْغَرَض بِفِعْلِهَا إِسْقَاط التَّكْلِيف وَتَحْصِيل الثَّوَاب وَإِذا قُلْنَا فِي الْعِبَادَات إِن الْفِعْل غير مجزىء فَمَعْنَاه أَنه لم يسْقط التَّكْلِيف الْمُتَعَلّق بِهِ لِأَنَّهُ لم يسْتَوْف شَرَائِطه الَّتِي مَعهَا يسْقط التَّكْلِيف فان كَانَت الْعِبَادَة غير مؤقته لزم فعلهَا على الصِّحَّة وَإِن كَانَت موقتة وَالْوَقْت بَاقِيا لزم فعلهَا فِيهِ وَإِن خرج الْوَقْت جَازَ أَن تدل دلَالَة على لُزُوم قَضَائهَا وَأما البيع فالغرض بِهِ تَحْصِيل الْملك وَكَمَال التَّصَرُّف وَالْغَرَض بِالشَّهَادَةِ وجوب الْقَضَاء على الْحَاكِم وَالْغَرَض بِالطَّلَاق إِيقَاع الْفرْقَة وتشعيث الوصلة وَالْغَرَض بِالْعِتْقِ إِيقَاع الْحُرِّيَّة فجواز هَذِه الْأَفْعَال وصحتها يُفِيد حُصُول هَذِه الْأَحْكَام وفسادها يُفِيد نفي هَذِه الْأَحْكَام
وَذهب قَاضِي الْقُضَاة إِلَى أَن معنى قَوْلنَا إِن الصَّلَاة فَاسِدَة أَنه يلْزم قَضَاؤُهَا وَمعنى أَنَّهَا صَحِيحَة أَنه لَا يلْزم قَضَاؤُهَا وَلقَائِل أَن يَقُول وَإِن أَرَادَ لُزُوم الْقَضَاء فِي وَقتهَا فَذَلِك تَابع لكَون الصَّلَاة فَاسِدَة وَأَنه مَا سقط عَن
стр. 171
الْمُكَلف التَّعَبُّد بهَا وَنفي سُقُوط التَّعَبُّد بهَا تَابع لكَون الشَّرَائِط غير مستوفاه أَلا ترى أَنا نقُول إِنَّمَا يجب على الْمُصَلِّي إِعَادَة الصَّلَاة فِي وَقتهَا لِأَن مَا فعله فَاسد لم يسْتَوْف شَرَائِطه فَكَانَ تَفْسِير الْفساد بِمَا ذَكرْنَاهُ أولى وَإِن أَرَادَ لُزُوم الْقَضَاء ونفيه بعد خُرُوج الْوَقْت لزم إِذا أَمر الله سُبْحَانَهُ بِصَلَاة بِطَهَارَة فصليناها بِغَيْر طَهَارَة وَخرج الْوَقْت وَلم تدل دلَالَة على وجوب قَضَائهَا فَلم يلْزمنَا الْقَضَاء إِذْ الْقَضَاء فرض ثَان أَن تكون الصَّلَاة صَحِيحَة لِأَنَّهُ لم يلْزم قَضَاؤُهَا فَلَمَّا ثَبت الْفساد مَعَ نفي الْقَضَاء علمنَا أَن أَحدهمَا لَيْسَ هُوَ الآخر
فاذا ثَبت مَا ذَكرْنَاهُ فَمَتَى اردنا أَن ندل على أَن النَّهْي يدل على فَسَاد الْمنْهِي عَنهُ إِذا كَانَ من الْعِبَادَات فانما نُرِيد أَن ندل على النَّهْي إِذا تجرد فالتكليف لَا يسْقط بِفعل الْمنْهِي عَنهُ وَالدّلَالَة على ذَلِك هِيَ أَن الْمنْهِي عَنهُ لم يتَنَاوَلهُ التَّعَبُّد وَمَا لم يتَنَاوَلهُ التَّعَبُّد لَا يسْقط التَّعَبُّد أما أَن الْمنْهِي عَنهُ لَا يتَنَاوَلهُ التَّعَبُّد فَلِأَن التَّعَبُّد يتَنَاوَل مَا لَهُ صفة زَائِدَة على حسنه وَالنَّهْي يتَنَاوَل مَا لَيْسَ بِحسن يبين ذَلِك أَن الله سُبْحَانَهُ إِذا قَالَ لنا صلوا الظّهْر ثمَّ قَالَ لَا تصلوها بِغَيْر طَهَارَة فان هَذَا النَّهْي يدل على أَن الصَّلَاة بِغَيْر طَهَارَة قبيحة غير حَسَنَة وَغير مُرَادة وَالْأَمر يدل على أَن الصَّلَاة الْمَأْمُور بهَا حَسَنَة مُرَادة فأحدهما غير الآخر فصح أَن الْمنْهِي عَنهُ لم يتَنَاوَلهُ التَّعَبُّد وَأما أَن مَا لم يتَنَاوَلهُ التَّعَبُّد فالتكليف لم يسْقط بِهِ إِذا تجرد النَّهْي عَن دلَالَة فَلِأَن فَاعله لم يفعل مَا تعبد بِهِ فَجرى مجْرى أَن يَقُول الله سُبْحَانَهُ لنا صلوا بِطَهَارَة فِي أَنا إِذا صلينَا بِغَيْر طَهَارَة لم يسْقط التَّعَبُّد عَنَّا ويلزمنا أَن نصلي مَا بَقِي الْوَقْت وَجرى مجْرى أَن يَأْمر الله سُبْحَانَهُ بِالصَّلَاةِ فنتصدق فِي أَن التَّعَبُّد يكون بَاقِيا لما كُنَّا فاعلين لما لم يتَنَاوَلهُ التَّعَبُّد
فان قيل أَلَيْسَ يجوز أَن يكون الْفِعْل الْمنْهِي عَنهُ مَعَ قبحه يقوم مقَام الْوَاجِب فِي وَجه الْمصلحَة وَإِنَّمَا لم يتَنَاوَلهُ الْإِيجَاب لاختصاصه بِوَجْه من وُجُوه الْقبْح وَيجوز أَن يخرج الْوَاجِب من كَونه مصلحَة عِنْد فعل الْمنْهِي عَنهُ نَحْو أَن
стр. 172
تكون الصَّلَاة مصلحَة فِي رد وَدِيعَة فاذا فعلهَا فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة خرجت الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَمْلُوكَة من أَن تكون لطفا فِي رد الْوَدِيعَة وَلِهَذَا جَازَ أَن يَقُول الله سُبْحَانَهُ لَا تصلوا فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة فان صليتم فِيهَا فالفرض قد سقط عَنْكُم قيل الَّذِي ذكرته إِن جَازَ فانا لَا نتنبه إِلَّا بِدلَالَة زَائِدَة وَمَتى لم يدل عَلَيْهِ دَلِيل زَائِد وَجب نَفْيه لِأَن الْأُمُور الثَّابِتَة مَتى لم يدل عَلَيْهَا دَلِيل وَجب نَفيهَا أَلا ترى أَن الصَّلَاة السَّادِسَة يجب نَفيهَا لما لم يدل على إِثْبَاتهَا دَلِيل زَائِد فَلَو قَالَ الله إِن صليتم فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة أجزأتكم كَانَ ذَلِك دَلِيلا على سُقُوط الْفَرْض وَلَا يجب لأجل ذَلِك تَجْوِيز سُقُوط الْفَرْض بِهَذِهِ الصَّلَاة إِذا لم يدلنا الله سُبْحَانَهُ على ذَلِك أَلا ترى أَنه كَانَ يجوز أَن يَقُول صلوا بِطَهَارَة فان صليتم بِغَيْر طَهَارَة أجزأتكم وَلَا يدل ذَلِك على أَنه لَو لم يقل فان صليتم بِغَيْر طَهَارَة أجزأتكم على أَنَّهَا إِن صلى الْإِنْسَان بِغَيْر طَهَارَة أَجزَأَهُ أَو لَا ترى أَنه كَانَ يجوز أَن يَقُول صلوا فان تصدقتم قَامَ ذَلِك مقَام الصَّلَاة وَلم يلْزم من ذَلِك تَجْوِيز قيام الصَّدَقَة مقَام الصَّلَاة إِذا لم يقل الله ذَلِك فَكَذَلِك فِي مَسْأَلَتنَا
فان قيل فَيجب على مَا ذكرْتُمْ أَن يكون الدَّال على فَسَاد الْعِبَادَة هُوَ فقد دَلِيل يدل على أَن الْمنْهِي عَنهُ مقَام الْعِبَادَة الْمَأْمُور بهَا قيل إِنَّه لَا يصحل الْعلم بِفساد الْفِعْل إِلَّا مَعَ الْعلم بورود التَّعَبُّد بِالْفِعْلِ وبالنهي عَن إِيقَاعه على بعض الْوُجُوه وبفقده دلَالَة تدل على أَن الْمنْهِي عَنهُ يقوم مقَام الْعِبَادَة أَلا ترى أَنه مَتى اخْتَلَّ وَاحِد من ذَلِك اخْتَلَّ علمنَا بِالْفَسَادِ وَأما أَن الدَّلِيل هُوَ فقد دلَالَة تدل على أَن الْمنْهِي عَنهُ لَا يقوم مقَام الْعِبَادَة أَو أَن الدَّلِيل على ذَلِك هُوَ النَّهْي فَذَلِك كَلَام فِي عبارَة ومرادنا بقولنَا إِن النَّهْي يدل على فَسَاد هُوَ مَا ذَكرْنَاهُ لَا غير فَأَما إِن فسر فَسَاد الْفِعْل بِوُجُوب قَضَائِهِ وَأُرِيد بذلك وجوب الْقَضَاء قبل انْقِضَاء وَقت الْعِبَادَة فقد بَينا أَنا نعلم ذَلِك تبعا لعلمنا بِفساد الْعِبَادَة وَإِن أُرِيد بذلك وجوب الْقَضَاء بعد خُرُوج الْوَقْت فالنهي لَا يدل على ذَلِك لِأَن الْقَضَاء فرض ثَان فَلَيْسَ فَاعل الْعِبَادَة على الْوَجْه الْمنْهِي عَنهُ بِأَسْوَأ حَالا من
стр. 173
تاركها أصلا فاذا كَانَ تاركها لَا يلْزمه إِلَّا بِدَلِيل مُسْتَأْنف ففاعلها على الْوَجْه الْمنْهِي عَنهُ أولى بذلك وَلِأَن الْمنْهِي عَنهُ كَمَا أَنه لم يدْخل تَحت الْإِيجَاب فالقضاء أَيْضا لم يدْخل تَحت الْإِيجَاب فَلم يدل عَلَيْهِ
وَمِمَّا احْتج بِهِ فِي أَن النَّهْي يدل على فَسَاد الْمنْهِي عَنهُ أَن النَّهْي ضد الْأَمر ونقيضه وَالْأَمر يدل على إِجْزَاء الْمَأْمُور بِهِ فَيجب أَن يدل النَّهْي على نفي إجزائه وَإِلَّا لم يكن ضِدّه ونقيضه وَلقَائِل أَن يَقُول إِن الْأَمر إِذا دلّ على إِجْزَاء الْمَأْمُور بِهِ فَيجب أَن لَا يدل النَّهْي على إِجْزَاء الْمنْهِي عَنهُ فَكَذَلِك نقُول لأَنا وَإِن حكمنَا بإجزائه فلسنا نحكم بإجزائه لمَكَان النَّهْي
وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِأَن الْمنْهِي عَنهُ لَو كَانَ مجزئا لَكَانَ طَرِيق إجزائه الشَّرْع إِمَّا أَمر أَو إِيجَاب أَو إِبَاحَة وكل ذَلِك يمْنَع مِنْهُ النَّهْي وَالْجَوَاب أَنه قد يدل على الْإِجْزَاء غير ذَلِك نَحْو أَن نقُول إِذا فَعلْتُمْ مَا نَهَيْتُكُمْ عَنهُ أجزأكم عَن الْفَرْض أَو نقُول إِذا بعتم هَذَا على هَذَا الْوَجْه فقد ملكتم بِهِ أَو يكون إِجْزَاء ذَلِك الْفِعْل مَعْلُوما بِالْعقلِ وَذَلِكَ كُله لَا يمْنَع مِنْهُ النَّهْي
وَاحْتَجُّوا بِأَن النَّبِي ﷺ قَالَ من أَدخل فِي ديننَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رد قَالُوا والمنهي عَنهُ لَيْسَ من الدّين فَيجب كَونه مردودا وَلَو كَانَ مجزئا ثبتَتْ أَحْكَامه لما كَانَ مردودا وَالْجَوَاب أَن الْإِنْسَان إِنَّمَا يكون مدخلًا للْفِعْل فِي الدّين إِذا اعْتقد أَنه من الدّين أَلا ترى أَن الزَّانِي وفاعل الْمُبَاح لَا يكون مدخلًا للزِّنَا وَالْفِعْل الْمُبَاح فِي الدّين فَلَيْسَ يَخْلُو إِمَّا أَن يعنوا أَن الْفَاعِل لما نهي عَنهُ مدْخل للْفِعْل فِي الدّين أَو مدْخل لأحكامه فِي الدّين فان أَرَادوا الأول لم يثبت لِأَن الْمُصَلِّي فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة لَا يعْتَقد أَن ذَلِك فِي الدّين وَإِنَّمَا يَقُول إِنَّه يسْقط بِهِ الْفَرْض وَكَذَلِكَ الْمُطلق فِي حَال الْحيض لَا يعْتَقد أَن ذَلِك من الدّين إِذا اعْتقد أَن ذَلِك بِدعَة وَإِن أَرَادوا الْوَجْه الثَّانِي لم يسلم الْخصم أَن ذَلِك من الدّين
فان قَالُوا فَيجب إِذا فعل ذَلِك الْإِنْسَان مُعْتَقدًا بِأَنَّهُ من الدّين أَن يكون
стр. 174
مردودا عَلَيْهِ فَلَا يثبت أَحْكَامه قيل إِنَّمَا يجب أَن يكون ردا من الدّين لَا غير وَإِنَّمَا يكون كَذَلِك إِذا جَعَلْنَاهُ بِخِلَاف مَا اعتقده أَلا ترى أَن من قَالَ من رام الدُّخُول إِلَى دَاري فَهُوَ مَرْدُود أَفَادَ أَنه مَرْدُود من الدَّار وَأجَاب قَاضِي الْقُضَاة بِأَن لفظ الرَّد يُفِيد نفي اسْتِحْقَاق الثَّوَاب لِأَن الرَّد ضد الْقبُول وَالْقَبُول يُفِيد اسْتِحْقَاق الثَّوَاب قَالَ فلفظه الرَّد كالنهي فِي اقتضائه الْقبْح وَنفي اسْتِحْقَاق الثَّوَاب قَالَ وَنحن نقُول إِن الْمنْهِي عَنهُ لَا يسْتَحق عَلَيْهِ الثَّوَاب وَأجَاب أَيْضا بِأَن قَالَ يجب أَن نبين أَن الحكم باجزاء الْفِعْل لَيْسَ من الدّين ثمَّ نحكم برده وَهَذَا إِنَّمَا يتَوَجَّه إِلَى من قَالَ فِي استدلاله إِن الْإِجْزَاء لَيْسَ من الدّين لَا إِلَى من قَالَ إِن الْفِعْل نَفسه لَيْسَ من الدّين ثمَّ اسْتدلَّ بذلك على انْتِفَاء حكمه وَقَالَ ايضا إِن النَّهْي أبلغ من لفظ الرَّد لِأَن طاعات الْكَافِر مَرْدُودَة وَلَيْسَت بمنهي عَنْهَا فاذا لم تظهر دلَالَة النَّهْي على الْفساد فَلفظ الرَّد أولى بذلك وعَلى أَن هَذَا الْخَبَر من أَخْبَار الْآحَاد فَلَا يَصح التَّعَلُّق بِهِ فِي ذَلِك
وَاحْتج الذاهبون إِلَى أَن النَّهْي لَا يدل على فَسَاد الْمنْهِي عَنهُ بأَشْيَاء
مِنْهَا أَن فَسَاد الْعِبَادَة هُوَ وجوب قَضَائهَا وَالنَّهْي إِنَّمَا يدل على قبحها وعَلى كَرَاهَة الناهي لَهَا وقبحها لَا يَقْتَضِي وجوب قَضَائهَا لعلمنا بقبح أَفعَال كَثِيرَة لَا يلْزم قَضَاؤُهَا وَالْجَوَاب مَا تقدم من أَنه إِن أَرَادوا وجوب الْقَضَاء مَعَ بَقَاء الْوَقْت أَو وجوب الْقَضَاء إِن لم تكن الْعِبَادَة موقتة فقبح الْفِعْل مَعَ تقدم الْأَمر بِالْعبَادَة وفقد دَلِيل يدل على أَن الْفِعْل الْمنْهِي عَنهُ قَائِم مقَام الْوَاجِب يدل على وجوب الْقَضَاء بعد خُرُوج الْوَقْت فلعمري لَا يدل النَّهْي عَلَيْهِ غير أَنه لَيْسَ هُوَ معنى الْفساد
وَمِنْهَا قَوْلهم لَو أَفَادَ النَّهْي الْفساد لَكَانَ مَا لم يفْسد من الْأَفْعَال القبيحة نَحْو الْوضُوء بالمساء الْمَغْصُوب غير مَنْهِيّ عَنهُ على التَّحْقِيق لِأَنَّهُ لم يتَعَلَّق بِهِ مَا هُوَ نهي على التَّحْقِيق فيوصف بِأَنَّهُ مَنْهِيّ مِنْهُ وَالْجَوَاب إِنَّا لَا نقُول إِن النَّهْي مَوْضُوع فِي اللُّغَة للْفَسَاد كَمَا وضع لفظ الْعُمُوم للاستغرق فَيلْزم مَا ذَكرُوهُ وَإِنَّمَا وضع عندنَا لإِيجَاب الِامْتِنَاع من الْفِعْل والإخلال بِهِ أَو على الْكَرَاهَة لَهُ
стр. 175
وَإِنَّمَا يعلم فَسَاد الْعِبَادَة بالتدريج الَّذِي ذَكرْنَاهُ أَلا ترى أَن اصحابنا لما قَالُوا ان الْأَمر وضع للإرادة وَأَنه يُفِيد النّدب على ضرب من التدريج لم يالزمهم أَن يكون الْوَاحِد منا إِذا قَالَ لغيره أظلم وَأَرَادَ ذَلِك مِنْهُ أَن يكون الظُّلم لَيْسَ بمأمور بِهِ على الْحَقِيقَة وَلَا أَن يكون قَوْله اظلم لَيْسَ بِأَمْر على الْحَقِيقَة لأجل أَن الظُّلم قَبِيح لَيْسَ بِحسن
وَمِنْهَا أَن لفظ النَّهْي لغَوِيّ وَفَسَاد الْعِبَادَة شَرْعِي فَلَا يجوز أَن يكون مَوْضُوعا لَهُ وَالْجَوَاب انا لَا نقُول إِنَّه وضع للْفَسَاد فَيلْزم مَا ذَكرُوهُ وَإِن علمنَا عِنْده على التدريج الْمَذْكُور كَمَا يَقُولُونَ إِن الْأَمر وضع للنَّدْب على التدريج وَلَو قُلْنَا إِنَّه مَوْضُوع للْفَسَاد لم يبطل بِمَا ذَكرُوهُ لِأَن فَسَاد الْفِعْل هُوَ انْتِفَاء الْأَغْرَاض الْمَقْصُودَة بِالْفِعْلِ عَن الْفِعْل أَو وجوب إِعَادَته على قَول قَاضِي الْقُضَاة وَذَلِكَ مَعْقُول قبل الشَّرْع فَلَا يمْتَنع أَن يوضع النَّهْي لَهُ كَمَا وضعُوا لَهُ أَن هَذَا الْفِعْل يجب إِعَادَته فان الْأَغْرَاض لَا تتَعَلَّق بِهِ مَعَ أَن هَذِه أَلْفَاظ لغوية
فَأَما الْأَفْعَال الَّتِي يرجع فَسَادهَا إِلَى نفي أَحْكَامهَا نَحْو البيع وَالطَّلَاق وَالْعتاق وَالشَّهَادَة فالنهي عَنْهَا لَا يدل على فَسَادهَا لَا بِنَفسِهِ وَلَا بِوَاسِطَة أما بِنَفسِهِ فانه إِنَّمَا يدل إِذا صدر من حَكِيم فَيدل على قبح الْفِعْل وَوُجُوب الْإِخْلَال بِهِ أَو على كَرَاهَته لَهُ فَقَط وَأما أَنه لَا يدل على ذَلِك بِوَاسِطَة فَهُوَ أَن الْوَاسِطَة هِيَ قبح وَكَونه مَكْرُوها وَالْفِعْل قد يكون مَكْرُوها وَحكمه ثَابت نَحْو البيع فِي حَال صَلَاة الْجُمُعَة وَالطَّلَاق فِي حَال الْحيض وَلِأَن قبح البيع لَا يُنَافِي ثُبُوت الْملك بِهِ لَا محَالة لِأَنَّهُ قد يُنْهِي الْحَكِيم عَن البيع لِأَن الْملك لَا يَقع بِهِ وَلِأَنَّهُ مفْسدَة فِي نَفسه وَإِن وَقع الْملك بِهِ وَلِأَنَّهُ يتشاغل بِهِ عَن وَاجِب نَحْو البيع مَعَ تعين وجوب التَّحْرِيمَة وَإِذا أمكن كل ذَلِك لم نَأْمَن أَن يكون النَّهْي عَن البيع أَو عَن الطَّلَاق وَغَيرهمَا كَانَ لغَرَض سوى أَن أَحْكَامهَا لَا تثبت وَيُفَارق ذَلِك النَّهْي عَن الْعِبَادَات لأَنا قد بَينا أَن فَسَادهَا مفارق لفساد هَذِه الْأَفْعَال وَإِذا اخْتلف مَعْنَاهُمَا لم يجب أَن يكون مَا دلّ على أَحدهمَا يدل على الآخر فاذا اثْبتْ ذَلِك وَنهي الله سُبْحَانَهُ عَن أَمْثَال هَذِه الْأَفْعَال فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون الأَصْل
стр. 176
فِي الْعقل يُفِيد تعلق حكمه بِهِ كَالْبيع الَّذِي يَقْتَضِي انْتِقَال الْملك بِهِ فِي الْعقل أَو يكون الْعقل يمْنَع من تعلق الحكم بِهِ فَالْأول يحكم فِيهِ بِمَا يَقْتَضِيهِ الْعقل لِأَن النَّهْي عَنهُ لَا يمْنَع من ذَلِك وَأما الثَّانِي فمثاله الْحَد إِذا شهد بِمَا يُوجِبهُ الشَّاهِدَانِ على وَجه نهي الشَّاهِدَانِ عَنهُ فانه ينظر فِيهِ فان كَانَ فِي الشَّرْع دَلِيل يدل فِي الْجُمْلَة على تعلق الْأَحْكَام بِتِلْكَ الْأَفْعَال حكم بِهِ والا لم يحكم بِهِ لِأَن الأَصْل نَفيهَا وَلَيْسَ فِي الشَّرْع مَا يدل على ثُبُوتهَا إِلَّا لأجل النَّهْي
وَاحْتج الْمُخَالف بِأَن الصَّحَابَة ﵂ كَانَت إِذا سَمِعت نهيا عَن شَيْء قَضَت بفساده عِنْد سماعهَا النَّهْي فَدلَّ على أَنَّهَا حكمت بِالْفَسَادِ لأجل النَّهْي كَمَا أَنَّهَا لما حكمت بِالْأَحْكَامِ عِنْد خبر الْوَاحِد وَالْقِيَاس دلّ ذَلِك على أَنَّهَا حكمت بِهِ لأجل خبر الْوَاحِد وَالْقِيَاس من ذَلِك حكمهَا بِفساد بيع دِرْهَم بِدِرْهَمَيْنِ وَنِكَاح الْمحرم والشغار والمتعة والربا وَالْجَوَاب أَنهم لما حكمُوا بذلك فانهم لم يحكموا بِالْفَسَادِ عِنْد سماعهم أَخْبَارًا كَثِيرَة فِي النَّهْي كالنهي عَن بيع حَاضر لباد وتلقى الركْبَان وَغير ذَلِك وَلَيْسَ لقَائِل أَن يَقُول إِنَّمَا لم يحكموا بِالْفَسَادِ لقَرِينَة بِأولى من أَن نقُول بل إِنَّمَا حكمُوا بِالْفَسَادِ لقَرِينَة فان قَالُوا لَو حكمُوا بِالْفَسَادِ لقَرِينَة لطلبها بَعضهم من بعض ولاحتج بهَا بَعضهم قيل لَهُم وَلَو كَانُوا إِنَّمَا لم يحكموا بِالْفَسَادِ لأجل قرينَة لاحتج بهَا بَعضهم على بعض وَأما فَسَاد عقد الرِّبَا فَيجوز أَن يكون إِنَّمَا عرفوه من قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿وَحرم الرِّبَا﴾ وَمن إِيجَابه الِاقْتِصَار على رَأس المَال لِأَنَّهُ لَو كَانَ العقد صَحِيحا لما سَاغَ ذَلِك وَأما خبر الْوَاحِد وَالْقِيَاس فان الصَّحَابَة عملت بهَا لمكانها على مَا سنبينه فِي مَوْضِعه
وَيُمكن الْمُخَالف أَن يحْتَج فَيَقُول إِنَّكُم بفصلكم بَين الْعِبَادَات وَبَين الْعُقُود والإيقاعات قد قُلْتُمْ مَا لم يقلهُ اُحْدُ لِأَن الْأمة مجمعة على التَّسْوِيَة بَين الْمَوْضِعَيْنِ فَمنهمْ من سوى بَينهمَا فِي دلَالَة النَّهْي على فسادهما وَمِنْهُم من جمع بَينهمَا فِي دلَالَة النَّهْي على نفي فسادهما وَالْجَوَاب أَن الَّذين جمعُوا بَينهمَا فِي نفي دلَالَة النَّهْي على فسادهما لم يعنوا بِالْفَسَادِ مَا عنيناه وَإِنَّمَا أَرَادوا بِالْفَسَادِ وجوب
стр. 177
الْقَضَاء بعد خُرُوج الْوَقْت وَلَو فصل لَهُم مَا فصلناه لما اخْتلفُوا فِيهِ وَلَو خالفوا لم يكن مَا قُلْنَاهُ مُخَالفا للْإِجْمَاع لِأَنَّهُ إِنَّمَا يكون تفرقنا بَين الْمَوْضِعَيْنِ مُخَالفَة للْإِجْمَاع إِذا نظمت الْمَوْضِعَيْنِ طَريقَة وَاحِدَة وَقد بَينا أَن لَيْسَ ينظمهما طَريقَة وَاحِدَة
فَأَما مَا يدل على صِحَة مَا أخبرناه هُوَ أَن الشَّرْع اقْتضى حمل مَا تنَاوله النَّهْي على الْفساد مَا لم تكن هُنَاكَ دلَالَة تصرف عَنهُ وَهُوَ حُصُول الْإِجْمَاع الْمُتَقَدّم عَلَيْهِ لِأَن الْمَعْلُوم من حَال الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ أَنهم كَانُوا يحكمون بِفساد الْعُقُود وَغَيرهَا لتناول النَّهْي لَهَا ويرجحون فِي الدّلَالَة على فَسَادهَا إِلَى مُجَرّد النَّهْي الْوَارِد عَن الله تَعَالَى وَعَن الرَّسُول ﷺ كرجوعهم إِلَى قَوْله ﷺ لَا تنْكح الْمَرْأَة على عَمَّتهَا وَلَا على خَالَتهَا وَلَا الْخَالَة والعمة عَلَيْهَا لَا الصُّغْرَى على الْكُبْرَى وَلَا الْكُبْرَى على الصُّغْرَى فِي فَسَاد هَذَا العقد من غير اعْتِبَار أَمر سواهُ وكرجوعهم إِلَى نَهْيه عَن بيع الْغرَر وَبيع مَا لم يقبض وَبيع مَا لَيْسَ عِنْده فِي فَسَاد هَذِه الْعُقُود من غير اعْتِبَار معنى سوى ذَلِك وكرجوعهم عِنْد الِاخْتِلَاف فِي حكم الرِّبَا نَقْدا ونسيئة إِلَى خبر أبي سعيد الْخُدْرِيّ وَعبادَة بن الصَّامِت فِي النَّهْي عَنهُ نَقْدا وَلما رُوِيَ من رُجُوع ابْن عَبَّاس عَن مذْهبه فِي ذَلِك حِين روى لَهُ هَذَا النَّهْي وَهَكَذَا رَجَعَ كثير مِنْهُم إِلَى نَهْيه ﷺ عَن نِكَاح الْمُحرمَة وَنِكَاح الشّغَار فِي فَسَاد هذَيْن الْعقْدَيْنِ وَلم يحك عَمَّن خَالف فِي هَاتين الْمَسْأَلَتَيْنِ أَنهم أَنْكَرُوا على مخالفيهم الرُّجُوع إِلَى النَّهْي فِي ذَلِك وَالِاسْتِدْلَال بِهِ وَإِنَّمَا نازعوهم فِي ذَلِك واعترضوا استدلالهم بِالنَّهْي من وُجُوه أخر فَصَارَ هَذَا إِجْمَاعًا مِنْهُم على أَن النَّهْي المتناول للافعال الشَّرْعِيَّة من حَقه أَن يكون مقتضيا لفسادها مَا لم تدل دلَالَة على خلاف ذَلِك
وَفِيه فان قيل إِذا وجدناهم قد حكمُوا بِفساد مَا تنَاوله النَّهْي فِي بعض الْمَوَاضِع وحكموا بِصِحَّتِهِ فِي مَوضِع آخر فَلم صَار حكمهم بِالْفَسَادِ دلَالَة على أَن من حق النَّهْي أَن يَقْتَضِيهِ أَن يحمل عَلَيْهِ أولى من أَن يحكم بِأَن النَّهْي بِمُجَرَّدِهِ لَا يَقْتَضِي الْفساد اسْتِدْلَالا بفعلهم فِي الْمَوَاضِع الْأُخَر الْجَواب أَنه إِذا ثَبت أَن الحكم بِفساد الْمنْهِي عَنهُ علقوه بِالنَّهْي فَقَط فِي الْموضع الَّذِي حكمُوا
стр. 178
بِهِ من دون اعْتِبَار أَمر آخر على مَا بَيناهُ وأوضحنا الْحَال فِيهِ صَار هَذَا أصلا فِيمَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ وَدلَالَة عَلَيْهِ فاذا وجدناهم فِي مَوَاضِع لم يحكموا بِفساد الْمنْهِي عَنهُ وَجب أَن يحمل ذَلِك على أَنهم عدلوا عَن هَذَا الأَصْل وَلم يحكموا فِيهِ بِالْفَسَادِ لدلَالَة دلّت عَلَيْهِ كَمَا يعدل عَن مُقْتَضى صِيغَة الْعُمُوم إِلَى الحكم بالخصوص وَعَما تَقْتَضِيه حَقِيقَة اللَّفْظ إِلَى مجازها إِذا دلّت الدّلَالَة عَلَيْهِ ﷺ َ - بَاب فِي مَا يفْسد من الْأَشْيَاء الْمنْهِي عَنْهَا وَمَا لَا يفْسد ﷺ َ -
اعْلَم أَنه ذكر فِي ذَلِك أَشْيَاء
مِنْهَا قَول الشَّيْخ أبي عبد الله أَن الْمنْهِي عَنهُ إِذا كَانَ مَتى فعل على الْوَجْه الْمنْهِي عَنهُ انْتَفَى عَنهُ شَرط من شَرَائِطه الشَّرْعِيَّة فانه يجب أَن يفْسد كَبيع الْغرَر وَمَتى لم ينتف عَنهُ شَرط من شَرَائِطه الشَّرْعِيَّة لم يُفْسِدهُ وَلقَائِل أَن يَقُول إِنَّمَا يجب أَن يفْسد مَا انْتَفَى عَنهُ شَرط شَرْعِي مَتى كَانَ ذَلِك شرطا فِي صِحَّته لِأَنَّهُ لَو لم يكن شرطا فِي صِحَّته لم يجب أَن يفْسد وَمَا هُوَ شَرط تقف عَلَيْهِ صِحَة الشَّيْء فانه يجب بانتفائه فَسَاد الشَّيْء إِذا لم يخلفه شَرط آخر سَوَاء كَانَ ذَلِك الشَّرْط شَرْعِيًّا أَو غير شَرْعِي وَلَا معنى للتَّقْيِيد بِكَوْنِهِ شَرْعِيًّا وايضا فاذا فسد لانتفائه شَرطه الشَّرْعِيّ فأخبرونا أبالنهي علمْتُم أَن ذَلِك الشَّرْط الشَّرْعِيّ شَرط فِي الصِّحَّة أم لَا فان قُلْتُمْ بِالنَّهْي قيل لكم ابظاهره علمْتُم ذَلِك أم بِقَرِينَة فان قُلْتُمْ بِظَاهِرِهِ فقد سلمتم أَن ظَاهر النَّهْي يدل على ذَلِك الْفساد وَإِن قُلْتُمْ بل بنهي اقترفت بِهِ قرينَة قيل لكم أخبرونا عَن تِلْكَ الْقَرِينَة حَتَّى تَكُونُوا قد أشرتم إِلَى الْفرق بَين مَا يدل على الْفساد من النَّهْي وَبَين مَا لَا يدل على الْفساد وَإِن قَالُوا علمنَا أَن ذَلِك شَرط فِي الصِّحَّة بِدَلِيل غير النَّهْي نَحْو أَن نعلم أَن الْوضُوء شَرط فِي الصَّلَاة ثمَّ نهي النَّبِي ﷺ عَن الصَّلَاة بِغَيْر وضوء فتعلم أَنَّهَا فَاسِدَة بِغَيْر وضوء وَقد أَشَارَ قَاضِي الْقُضَاة إِلَى ذَلِك فِي الشَّرْح قيل لَهُم فَنحْن إِنَّمَا نعلم الْفساد بِمَا دلّ على أَن الْوضُوء شَرط فِي صِحَة الصَّلَاة أَلا ترى أَنا إِذا علمنَا ذَلِك علمنَا فَسَاد الصَّلَاة إِذا لم يكن
стр. 179
الْوضُوء سَوَاء نهينَا عَن الصَّلَاة بِغَيْر وضوء أَو لم ننه عَن ذَلِك فَإِن قَالُوا إِنَّه لم يكن غرضنا أَن نبين الْفرق بَين النَّهْي الدَّال على الْفساد وَبَين النَّهْي الَّذِي لَا يدل على الْفساد حَتَّى يلْزم مَا ذكرْتُمْ وَإِنَّمَا غرضنا أَن نفرق بَين الْمنْهِي عَنهُ الْفَاسِد والمنهي عَنهُ الَّذِي لَيْسَ بفاسد قيل لَهُم فكأنكم قُلْتُمْ الْمنْهِي عَنهُ مِنْهُ فَاسد وَمِنْه غير فَاسد وَأَن الْفَاسِد هُوَ مَا دلّ دَلِيل على فَسَاده نَحْو أَن يدل دلَالَة على أَنه قد أخل فِيهِ بِشَرْط من شَرَائِط صِحَّته وَهَذَا قَلِيل الْفَائِدَة لَا يجوز أَن يَجْعَل أصلا فِي هَذَا الْموضع
وَمِنْهَا أَن الْمنْهِي عَنهُ الْفَاسِد هُوَ مَا يُوصل بِهِ إِلَى تَحْلِيل محرم فِي الأَصْل نَحْو أكل الْميتَة وَاسْتِحْلَال الْفروج وَالَّذِي لَيْسَ فَاسد هُوَ مَا لم يكن وصلَة إِلَى محرم فِي الأَصْل وَهَذَا بَاطِل لأَنهم إِن أَرَادوا بقَوْلهمْ إِنَّه يُوصل بِهِ إِلَى تَحْلِيل محرم أَي صَار الْحَرَام بِهِ حَلَالا على التَّحْقِيق فَذَلِك مناقضة لِأَنَّهُ إِذا صَار بِهِ حَلَالا فَهُوَ صَحِيح غير فَاسد لِأَنَّهُ لَيْسَ معنى كَون الوصلة صَحِيحَة إِلَّا أَنَّهَا وصلَة إِلَى تَحْلِيل هَذَا الْمحرم من الْفروج وعَلى أَنا نريهم أمورا نهي عَنْهَا وَهِي وصلَة إِلَى تَحْلِيل مَا كَانَ حَرَامًا وَهِي غير فَاسِدَة نَحْو بيع حَاضر لباد هُوَ مَنْهِيّ عَنهُ وَقد صَار بِهِ ملك الْغَيْر حَلَالا للْمُشْتَرِي وَإِن ارادوا بذلك أَنه إِذا توصل بالمنهي عَنهُ إِلَى تَحْلِيل مَا هُوَ حرَام فِي نَفسه لَا يجوز أَن يصير حَلَالا كَانُوا قد عللوا للشَّيْء بِنَفسِهِ لِأَن معنى كَون هَذِه الوصلة الْمنْهِي عَنْهَا فَاسِدَة هُوَ أَنَّهَا لَا توصل إِلَى تَحْلِيل هَذَا الْمحرم فكأنهم قَالُوا إِنَّمَا لم يُوصل إِلَى إِبَاحَة هَذَا الْمحرم لِأَنَّهُ لَا يُوصل إِلَى إِبَاحَته ثمَّ يُقَال لَهُم بِمَاذَا علمْتُم أَن ذَلِك الْحَرَام لَا يصير حَلَالا أبالنهي علمْتُم ذَلِك أم بِغَيْرِهِ وَيعود الْكَلَام عَلَيْهِم
وَمِنْهَا أَن النَّهْي عَن الْفِعْل إِذا كَانَ لِمَعْنى يختصه اقْتضى فَسَاده وَإِذا لم يكن لِمَعْنى يحتصه لم يقتض فَسَاده وَالْأول بيع الْغرَر وَالثَّانِي البيع فِي حَال صَلَاة الْجُمُعَة وَلقَائِل أَن يَقُول إِن الْمُقْتَضِي للْفَسَاد هُوَ فقد شَرط من شَرَائِط الصِّحَّة وَلَيْسَ يمْتَنع أَن يرجع ذَلِك تَارَة إِلَى الشَّيْء الْمنْهِي عَنهُ كَمَا لَا يمْتَنع أَن يرجع إِلَى غَيره أَلا ترى أَن بيع الْمَحْجُور عَلَيْهِ مَنْهِيّ عَنهُ لِمَعْنى فِي الْعَاقِد لَا فِي العقد وَهُوَ مَعَ ذَلِك فَاسد فان قَالُوا مَا يخْتَص بالعاقد والمعقود عَلَيْهِ يتَعَلَّق بِالْعقدِ
стр. 180
وَيرجع عَلَيْهِ قيل فَيجب أَن يفْسد بيع حَاضر لباد لِأَن النَّهْي عَن ذَلِك إِنَّمَا كَانَ لِمَعْنى فِي الْمُتَعَاقدين
وَمِنْهَا قَول بَعضهم مَا نهي عَنهُ لحق الْغَيْر فانه لَا يفْسد وَمَا نهي عَنهُ لشرط شَرْعِي فانه يفْسد وَهَذَا بَاطِل لِأَن الْإِنْسَان قد نهي عَن بيع ملك غَيره لحق ذَلِك الْغَيْر أَلا ترى أَنه لَو أذن لَهُ فِي بَيْعه جَازَ وَمَعَ ذَلِك يفْسد العقد إِذا لم يَأْذَن فِي الْمَالِك
وَيدخل فِي هَذَا العقد اخْتِلَاف النَّاس فِي الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة فَقَالَ جلّ الْفُقَهَاء وَأَبُو إِسْحَاق النظام إِن الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة مجزئة مسقطة للْفَرض وَقَالَ أَبُو عَليّ وَأَبُو هَاشم وَأَبُو شمر وَأهل الظَّاهِر والزيدية إِنَّهَا غير مجزئة وَاسْتدلَّ شُيُوخنَا على أَنَّهَا غير مجزئة بَان الصَّلَاة من حَقّهَا أَن تكون طَاعَة لإِجْمَاع الْمُسلمين على ذَلِك وَالصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة غير طَاعَة بل مَعْصِيّة لِأَن الصَّلَاة تشْتَمل على الْقيام وَالرُّكُوع وَالسُّجُود وَالْجُلُوس وَهَذِه الْأَشْيَاء تصرف فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة وشغل لأماكنها وأهويتها وَمنع لرب الدَّار لَو حضر من التَّصَرُّف فِيهَا فَجرى مجْرى وضع مَتَاع فِي ذَلِك الْمَكَان فِي أَنه قَبِيح وَأَيْضًا فَأَجْمعُوا على أَن من شَرط الصَّلَوَات الْخمس أَن يَنْوِي بهَا الْمُصَلِّي أَدَاء الْوَاجِب أَو مَا يدْخل فِيهِ أَدَاء الْوَاجِب نَحْو أَن يَنْوِي كَونهَا ظهرا أَو عصرا وَالصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة لَا يَتَأَتَّى فِيهَا ذَلِك لِأَنَّهُ لَا يَصح أَن يَنْوِي الْإِنْسَان أَدَاء الْوَاجِب بِمَا يعلم أَنه لَيْسَ بِوَاجِب وَذَلِكَ محَال فِي الدَّاعِي إِن قيل إِن أَفعَال الصَّلَاة هُوَ مَا يَفْعَله الْمُصَلِّي فِي نَفسه من الْقيام وَالرُّكُوع وَالْجُلُوس وَلَيْسَ هَذَا شغل للدَّار وَإِنَّمَا هُوَ شغل للهواء وَإِنَّمَا يشغل الأَرْض باستقرار قَدَمَيْهِ فِي الدَّار وَلَيْسَ ذَلِك من الصَّلَاة لِأَنَّهُ لَو أمكنه أَن يُصَلِّي من غير أَن تَسْتَقِر قدماه فِي الدَّار جَازَت صلَاته قيل إِن السّكُون الَّذِي يَفْعَله فِي قَدَمَيْهِ من جملَة صلَاته لِأَن الْقيام من جملَة الصَّلَاة وَقَوله لَو أمكنه أَن يُصَلِّي فِي الْهَوَاء جَازَت صلَاته لَا يمْنَع من كَون ذَلِك الْآن من الصَّلَاة وعَلى أَن شغله لهواء الدَّار هُوَ غصب لِأَن مَالك الدَّار أَحَق بِهِ أَلا ترى انه لَيْسَ للْإنْسَان أَن يشرع جنَاحا من دَاره إِلَى دَار غَيره لما كَانَ شاغلا لهواء دَار غَيره
следующие страницы →