← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6319

المعتمد في أصول الفقه

أبو الحسين البصري المعتزلي

Полный текст (878 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

فِي الْعقل يُفِيد تعلق حكمه بِهِ كَالْبيع الَّذِي يَقْتَضِي انْتِقَال الْملك بِهِ فِي الْعقل أَو يكون الْعقل يمْنَع من تعلق الحكم بِهِ فَالْأول يحكم فِيهِ بِمَا يَقْتَضِيهِ الْعقل لِأَن النَّهْي عَنهُ لَا يمْنَع من ذَلِك وَأما الثَّانِي فمثاله الْحَد إِذا شهد بِمَا يُوجِبهُ الشَّاهِدَانِ على وَجه نهي الشَّاهِدَانِ عَنهُ فانه ينظر فِيهِ فان كَانَ فِي الشَّرْع دَلِيل يدل فِي الْجُمْلَة على تعلق الْأَحْكَام بِتِلْكَ الْأَفْعَال حكم بِهِ والا لم يحكم بِهِ لِأَن الأَصْل نَفيهَا وَلَيْسَ فِي الشَّرْع مَا يدل على ثُبُوتهَا إِلَّا لأجل النَّهْي وَاحْتج الْمُخَالف بِأَن الصَّحَابَة ﵂ كَانَت إِذا سَمِعت نهيا عَن شَيْء قَضَت بفساده عِنْد سماعهَا النَّهْي فَدلَّ على أَنَّهَا حكمت بِالْفَسَادِ لأجل النَّهْي كَمَا أَنَّهَا لما حكمت بِالْأَحْكَامِ عِنْد خبر الْوَاحِد وَالْقِيَاس دلّ ذَلِك على أَنَّهَا حكمت بِهِ لأجل خبر الْوَاحِد وَالْقِيَاس من ذَلِك حكمهَا بِفساد بيع دِرْهَم بِدِرْهَمَيْنِ وَنِكَاح الْمحرم والشغار والمتعة والربا وَالْجَوَاب أَنهم لما حكمُوا بذلك فانهم لم يحكموا بِالْفَسَادِ عِنْد سماعهم أَخْبَارًا كَثِيرَة فِي النَّهْي كالنهي عَن بيع حَاضر لباد وتلقى الركْبَان وَغير ذَلِك وَلَيْسَ لقَائِل أَن يَقُول إِنَّمَا لم يحكموا بِالْفَسَادِ لقَرِينَة بِأولى من أَن نقُول بل إِنَّمَا حكمُوا بِالْفَسَادِ لقَرِينَة فان قَالُوا لَو حكمُوا بِالْفَسَادِ لقَرِينَة لطلبها بَعضهم من بعض ولاحتج بهَا بَعضهم قيل لَهُم وَلَو كَانُوا إِنَّمَا لم يحكموا بِالْفَسَادِ لأجل قرينَة لاحتج بهَا بَعضهم على بعض وَأما فَسَاد عقد الرِّبَا فَيجوز أَن يكون إِنَّمَا عرفوه من قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿وَحرم الرِّبَا﴾ وَمن إِيجَابه الِاقْتِصَار على رَأس المَال لِأَنَّهُ لَو كَانَ العقد صَحِيحا لما سَاغَ ذَلِك وَأما خبر الْوَاحِد وَالْقِيَاس فان الصَّحَابَة عملت بهَا لمكانها على مَا سنبينه فِي مَوْضِعه وَيُمكن الْمُخَالف أَن يحْتَج فَيَقُول إِنَّكُم بفصلكم بَين الْعِبَادَات وَبَين الْعُقُود والإيقاعات قد قُلْتُمْ مَا لم يقلهُ اُحْدُ لِأَن الْأمة مجمعة على التَّسْوِيَة بَين الْمَوْضِعَيْنِ فَمنهمْ من سوى بَينهمَا فِي دلَالَة النَّهْي على فسادهما وَمِنْهُم من جمع بَينهمَا فِي دلَالَة النَّهْي على نفي فسادهما وَالْجَوَاب أَن الَّذين جمعُوا بَينهمَا فِي نفي دلَالَة النَّهْي على فسادهما لم يعنوا بِالْفَسَادِ مَا عنيناه وَإِنَّمَا أَرَادوا بِالْفَسَادِ وجوب

стр. 177

الْقَضَاء بعد خُرُوج الْوَقْت وَلَو فصل لَهُم مَا فصلناه لما اخْتلفُوا فِيهِ وَلَو خالفوا لم يكن مَا قُلْنَاهُ مُخَالفا للْإِجْمَاع لِأَنَّهُ إِنَّمَا يكون تفرقنا بَين الْمَوْضِعَيْنِ مُخَالفَة للْإِجْمَاع إِذا نظمت الْمَوْضِعَيْنِ طَريقَة وَاحِدَة وَقد بَينا أَن لَيْسَ ينظمهما طَريقَة وَاحِدَة فَأَما مَا يدل على صِحَة مَا أخبرناه هُوَ أَن الشَّرْع اقْتضى حمل مَا تنَاوله النَّهْي على الْفساد مَا لم تكن هُنَاكَ دلَالَة تصرف عَنهُ وَهُوَ حُصُول الْإِجْمَاع الْمُتَقَدّم عَلَيْهِ لِأَن الْمَعْلُوم من حَال الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ أَنهم كَانُوا يحكمون بِفساد الْعُقُود وَغَيرهَا لتناول النَّهْي لَهَا ويرجحون فِي الدّلَالَة على فَسَادهَا إِلَى مُجَرّد النَّهْي الْوَارِد عَن الله تَعَالَى وَعَن الرَّسُول ﷺ كرجوعهم إِلَى قَوْله ﷺ لَا تنْكح الْمَرْأَة على عَمَّتهَا وَلَا على خَالَتهَا وَلَا الْخَالَة والعمة عَلَيْهَا لَا الصُّغْرَى على الْكُبْرَى وَلَا الْكُبْرَى على الصُّغْرَى فِي فَسَاد هَذَا العقد من غير اعْتِبَار أَمر سواهُ وكرجوعهم إِلَى نَهْيه عَن بيع الْغرَر وَبيع مَا لم يقبض وَبيع مَا لَيْسَ عِنْده فِي فَسَاد هَذِه الْعُقُود من غير اعْتِبَار معنى سوى ذَلِك وكرجوعهم عِنْد الِاخْتِلَاف فِي حكم الرِّبَا نَقْدا ونسيئة إِلَى خبر أبي سعيد الْخُدْرِيّ وَعبادَة بن الصَّامِت فِي النَّهْي عَنهُ نَقْدا وَلما رُوِيَ من رُجُوع ابْن عَبَّاس عَن مذْهبه فِي ذَلِك حِين روى لَهُ هَذَا النَّهْي وَهَكَذَا رَجَعَ كثير مِنْهُم إِلَى نَهْيه ﷺ عَن نِكَاح الْمُحرمَة وَنِكَاح الشّغَار فِي فَسَاد هذَيْن الْعقْدَيْنِ وَلم يحك عَمَّن خَالف فِي هَاتين الْمَسْأَلَتَيْنِ أَنهم أَنْكَرُوا على مخالفيهم الرُّجُوع إِلَى النَّهْي فِي ذَلِك وَالِاسْتِدْلَال بِهِ وَإِنَّمَا نازعوهم فِي ذَلِك واعترضوا استدلالهم بِالنَّهْي من وُجُوه أخر فَصَارَ هَذَا إِجْمَاعًا مِنْهُم على أَن النَّهْي المتناول للافعال الشَّرْعِيَّة من حَقه أَن يكون مقتضيا لفسادها مَا لم تدل دلَالَة على خلاف ذَلِك وَفِيه فان قيل إِذا وجدناهم قد حكمُوا بِفساد مَا تنَاوله النَّهْي فِي بعض الْمَوَاضِع وحكموا بِصِحَّتِهِ فِي مَوضِع آخر فَلم صَار حكمهم بِالْفَسَادِ دلَالَة على أَن من حق النَّهْي أَن يَقْتَضِيهِ أَن يحمل عَلَيْهِ أولى من أَن يحكم بِأَن النَّهْي بِمُجَرَّدِهِ لَا يَقْتَضِي الْفساد اسْتِدْلَالا بفعلهم فِي الْمَوَاضِع الْأُخَر الْجَواب أَنه إِذا ثَبت أَن الحكم بِفساد الْمنْهِي عَنهُ علقوه بِالنَّهْي فَقَط فِي الْموضع الَّذِي حكمُوا

стр. 178

بِهِ من دون اعْتِبَار أَمر آخر على مَا بَيناهُ وأوضحنا الْحَال فِيهِ صَار هَذَا أصلا فِيمَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ وَدلَالَة عَلَيْهِ فاذا وجدناهم فِي مَوَاضِع لم يحكموا بِفساد الْمنْهِي عَنهُ وَجب أَن يحمل ذَلِك على أَنهم عدلوا عَن هَذَا الأَصْل وَلم يحكموا فِيهِ بِالْفَسَادِ لدلَالَة دلّت عَلَيْهِ كَمَا يعدل عَن مُقْتَضى صِيغَة الْعُمُوم إِلَى الحكم بالخصوص وَعَما تَقْتَضِيه حَقِيقَة اللَّفْظ إِلَى مجازها إِذا دلّت الدّلَالَة عَلَيْهِ ﷺ َ - بَاب فِي مَا يفْسد من الْأَشْيَاء الْمنْهِي عَنْهَا وَمَا لَا يفْسد ﷺ َ - اعْلَم أَنه ذكر فِي ذَلِك أَشْيَاء مِنْهَا قَول الشَّيْخ أبي عبد الله أَن الْمنْهِي عَنهُ إِذا كَانَ مَتى فعل على الْوَجْه الْمنْهِي عَنهُ انْتَفَى عَنهُ شَرط من شَرَائِطه الشَّرْعِيَّة فانه يجب أَن يفْسد كَبيع الْغرَر وَمَتى لم ينتف عَنهُ شَرط من شَرَائِطه الشَّرْعِيَّة لم يُفْسِدهُ وَلقَائِل أَن يَقُول إِنَّمَا يجب أَن يفْسد مَا انْتَفَى عَنهُ شَرط شَرْعِي مَتى كَانَ ذَلِك شرطا فِي صِحَّته لِأَنَّهُ لَو لم يكن شرطا فِي صِحَّته لم يجب أَن يفْسد وَمَا هُوَ شَرط تقف عَلَيْهِ صِحَة الشَّيْء فانه يجب بانتفائه فَسَاد الشَّيْء إِذا لم يخلفه شَرط آخر سَوَاء كَانَ ذَلِك الشَّرْط شَرْعِيًّا أَو غير شَرْعِي وَلَا معنى للتَّقْيِيد بِكَوْنِهِ شَرْعِيًّا وايضا فاذا فسد لانتفائه شَرطه الشَّرْعِيّ فأخبرونا أبالنهي علمْتُم أَن ذَلِك الشَّرْط الشَّرْعِيّ شَرط فِي الصِّحَّة أم لَا فان قُلْتُمْ بِالنَّهْي قيل لكم ابظاهره علمْتُم ذَلِك أم بِقَرِينَة فان قُلْتُمْ بِظَاهِرِهِ فقد سلمتم أَن ظَاهر النَّهْي يدل على ذَلِك الْفساد وَإِن قُلْتُمْ بل بنهي اقترفت بِهِ قرينَة قيل لكم أخبرونا عَن تِلْكَ الْقَرِينَة حَتَّى تَكُونُوا قد أشرتم إِلَى الْفرق بَين مَا يدل على الْفساد من النَّهْي وَبَين مَا لَا يدل على الْفساد وَإِن قَالُوا علمنَا أَن ذَلِك شَرط فِي الصِّحَّة بِدَلِيل غير النَّهْي نَحْو أَن نعلم أَن الْوضُوء شَرط فِي الصَّلَاة ثمَّ نهي النَّبِي ﷺ عَن الصَّلَاة بِغَيْر وضوء فتعلم أَنَّهَا فَاسِدَة بِغَيْر وضوء وَقد أَشَارَ قَاضِي الْقُضَاة إِلَى ذَلِك فِي الشَّرْح قيل لَهُم فَنحْن إِنَّمَا نعلم الْفساد بِمَا دلّ على أَن الْوضُوء شَرط فِي صِحَة الصَّلَاة أَلا ترى أَنا إِذا علمنَا ذَلِك علمنَا فَسَاد الصَّلَاة إِذا لم يكن

стр. 179

الْوضُوء سَوَاء نهينَا عَن الصَّلَاة بِغَيْر وضوء أَو لم ننه عَن ذَلِك فَإِن قَالُوا إِنَّه لم يكن غرضنا أَن نبين الْفرق بَين النَّهْي الدَّال على الْفساد وَبَين النَّهْي الَّذِي لَا يدل على الْفساد حَتَّى يلْزم مَا ذكرْتُمْ وَإِنَّمَا غرضنا أَن نفرق بَين الْمنْهِي عَنهُ الْفَاسِد والمنهي عَنهُ الَّذِي لَيْسَ بفاسد قيل لَهُم فكأنكم قُلْتُمْ الْمنْهِي عَنهُ مِنْهُ فَاسد وَمِنْه غير فَاسد وَأَن الْفَاسِد هُوَ مَا دلّ دَلِيل على فَسَاده نَحْو أَن يدل دلَالَة على أَنه قد أخل فِيهِ بِشَرْط من شَرَائِط صِحَّته وَهَذَا قَلِيل الْفَائِدَة لَا يجوز أَن يَجْعَل أصلا فِي هَذَا الْموضع وَمِنْهَا أَن الْمنْهِي عَنهُ الْفَاسِد هُوَ مَا يُوصل بِهِ إِلَى تَحْلِيل محرم فِي الأَصْل نَحْو أكل الْميتَة وَاسْتِحْلَال الْفروج وَالَّذِي لَيْسَ فَاسد هُوَ مَا لم يكن وصلَة إِلَى محرم فِي الأَصْل وَهَذَا بَاطِل لأَنهم إِن أَرَادوا بقَوْلهمْ إِنَّه يُوصل بِهِ إِلَى تَحْلِيل محرم أَي صَار الْحَرَام بِهِ حَلَالا على التَّحْقِيق فَذَلِك مناقضة لِأَنَّهُ إِذا صَار بِهِ حَلَالا فَهُوَ صَحِيح غير فَاسد لِأَنَّهُ لَيْسَ معنى كَون الوصلة صَحِيحَة إِلَّا أَنَّهَا وصلَة إِلَى تَحْلِيل هَذَا الْمحرم من الْفروج وعَلى أَنا نريهم أمورا نهي عَنْهَا وَهِي وصلَة إِلَى تَحْلِيل مَا كَانَ حَرَامًا وَهِي غير فَاسِدَة نَحْو بيع حَاضر لباد هُوَ مَنْهِيّ عَنهُ وَقد صَار بِهِ ملك الْغَيْر حَلَالا للْمُشْتَرِي وَإِن ارادوا بذلك أَنه إِذا توصل بالمنهي عَنهُ إِلَى تَحْلِيل مَا هُوَ حرَام فِي نَفسه لَا يجوز أَن يصير حَلَالا كَانُوا قد عللوا للشَّيْء بِنَفسِهِ لِأَن معنى كَون هَذِه الوصلة الْمنْهِي عَنْهَا فَاسِدَة هُوَ أَنَّهَا لَا توصل إِلَى تَحْلِيل هَذَا الْمحرم فكأنهم قَالُوا إِنَّمَا لم يُوصل إِلَى إِبَاحَة هَذَا الْمحرم لِأَنَّهُ لَا يُوصل إِلَى إِبَاحَته ثمَّ يُقَال لَهُم بِمَاذَا علمْتُم أَن ذَلِك الْحَرَام لَا يصير حَلَالا أبالنهي علمْتُم ذَلِك أم بِغَيْرِهِ وَيعود الْكَلَام عَلَيْهِم وَمِنْهَا أَن النَّهْي عَن الْفِعْل إِذا كَانَ لِمَعْنى يختصه اقْتضى فَسَاده وَإِذا لم يكن لِمَعْنى يحتصه لم يقتض فَسَاده وَالْأول بيع الْغرَر وَالثَّانِي البيع فِي حَال صَلَاة الْجُمُعَة وَلقَائِل أَن يَقُول إِن الْمُقْتَضِي للْفَسَاد هُوَ فقد شَرط من شَرَائِط الصِّحَّة وَلَيْسَ يمْتَنع أَن يرجع ذَلِك تَارَة إِلَى الشَّيْء الْمنْهِي عَنهُ كَمَا لَا يمْتَنع أَن يرجع إِلَى غَيره أَلا ترى أَن بيع الْمَحْجُور عَلَيْهِ مَنْهِيّ عَنهُ لِمَعْنى فِي الْعَاقِد لَا فِي العقد وَهُوَ مَعَ ذَلِك فَاسد فان قَالُوا مَا يخْتَص بالعاقد والمعقود عَلَيْهِ يتَعَلَّق بِالْعقدِ

стр. 180

وَيرجع عَلَيْهِ قيل فَيجب أَن يفْسد بيع حَاضر لباد لِأَن النَّهْي عَن ذَلِك إِنَّمَا كَانَ لِمَعْنى فِي الْمُتَعَاقدين وَمِنْهَا قَول بَعضهم مَا نهي عَنهُ لحق الْغَيْر فانه لَا يفْسد وَمَا نهي عَنهُ لشرط شَرْعِي فانه يفْسد وَهَذَا بَاطِل لِأَن الْإِنْسَان قد نهي عَن بيع ملك غَيره لحق ذَلِك الْغَيْر أَلا ترى أَنه لَو أذن لَهُ فِي بَيْعه جَازَ وَمَعَ ذَلِك يفْسد العقد إِذا لم يَأْذَن فِي الْمَالِك وَيدخل فِي هَذَا العقد اخْتِلَاف النَّاس فِي الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة فَقَالَ جلّ الْفُقَهَاء وَأَبُو إِسْحَاق النظام إِن الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة مجزئة مسقطة للْفَرض وَقَالَ أَبُو عَليّ وَأَبُو هَاشم وَأَبُو شمر وَأهل الظَّاهِر والزيدية إِنَّهَا غير مجزئة وَاسْتدلَّ شُيُوخنَا على أَنَّهَا غير مجزئة بَان الصَّلَاة من حَقّهَا أَن تكون طَاعَة لإِجْمَاع الْمُسلمين على ذَلِك وَالصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة غير طَاعَة بل مَعْصِيّة لِأَن الصَّلَاة تشْتَمل على الْقيام وَالرُّكُوع وَالسُّجُود وَالْجُلُوس وَهَذِه الْأَشْيَاء تصرف فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة وشغل لأماكنها وأهويتها وَمنع لرب الدَّار لَو حضر من التَّصَرُّف فِيهَا فَجرى مجْرى وضع مَتَاع فِي ذَلِك الْمَكَان فِي أَنه قَبِيح وَأَيْضًا فَأَجْمعُوا على أَن من شَرط الصَّلَوَات الْخمس أَن يَنْوِي بهَا الْمُصَلِّي أَدَاء الْوَاجِب أَو مَا يدْخل فِيهِ أَدَاء الْوَاجِب نَحْو أَن يَنْوِي كَونهَا ظهرا أَو عصرا وَالصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة لَا يَتَأَتَّى فِيهَا ذَلِك لِأَنَّهُ لَا يَصح أَن يَنْوِي الْإِنْسَان أَدَاء الْوَاجِب بِمَا يعلم أَنه لَيْسَ بِوَاجِب وَذَلِكَ محَال فِي الدَّاعِي إِن قيل إِن أَفعَال الصَّلَاة هُوَ مَا يَفْعَله الْمُصَلِّي فِي نَفسه من الْقيام وَالرُّكُوع وَالْجُلُوس وَلَيْسَ هَذَا شغل للدَّار وَإِنَّمَا هُوَ شغل للهواء وَإِنَّمَا يشغل الأَرْض باستقرار قَدَمَيْهِ فِي الدَّار وَلَيْسَ ذَلِك من الصَّلَاة لِأَنَّهُ لَو أمكنه أَن يُصَلِّي من غير أَن تَسْتَقِر قدماه فِي الدَّار جَازَت صلَاته قيل إِن السّكُون الَّذِي يَفْعَله فِي قَدَمَيْهِ من جملَة صلَاته لِأَن الْقيام من جملَة الصَّلَاة وَقَوله لَو أمكنه أَن يُصَلِّي فِي الْهَوَاء جَازَت صلَاته لَا يمْنَع من كَون ذَلِك الْآن من الصَّلَاة وعَلى أَن شغله لهواء الدَّار هُوَ غصب لِأَن مَالك الدَّار أَحَق بِهِ أَلا ترى انه لَيْسَ للْإنْسَان أَن يشرع جنَاحا من دَاره إِلَى دَار غَيره لما كَانَ شاغلا لهواء دَار غَيره

стр. 181

فان فَأن قَالُوا إِن قِرَاءَة الْإِنْسَان واعتقاده هما من جملَة صلَاته وَلَا تعلق لَهما بِالْغَصْبِ فالنية تَنْصَرِف إِلَيْهِمَا قيل كَون الْقِرَاءَة من جملَة الصَّلَاة لَا يمْنَع من كَون الرُّكُوع وَالسُّجُود وَالْقِيَام من جملَة الصَّلَاة لِأَن اسْم الصَّلَاة يُفِيد محموع ذَلِك وَإِذا كَانَ كَذَلِك لم يكن أَن يكون من جملَة الصَّلَاة طَاعَة حَتَّى ينْصَرف إِلَيْهِ النَّهْي إِن قَالُوا إِنَّمَا منع الْغَاصِب من الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة لحق الْغَيْر والا فقد استوفى شرائطها الشَّرْعِيَّة فَوَجَبَ إجزاؤها لِأَن النِّيَّة تَنْصَرِف إِلَى مَا استوفى شُرُوطه الشَّرْعِيَّة وَيجْرِي مَا عدا ذَلِك مجْرى فعل مُنْفَصِل قيل إِن من شُرُوطهَا الشَّرْعِيَّة أَن تكون طَاعَة وَأَن يَنْوِي بهَا أَدَاء الْوَاجِب وَلَيْسَ هَذَانِ بحاصلين وَأَيْضًا فاذا كَانَ من جملَة الصَّلَاة مَا هُوَ مَعْصِيّة لم يجز أَن يكون وَاجِبا من جِهَة أُخْرَى فان قَالُوا إِذا غصبهَا الْمُصَلِّي بأعوانه لَا تكون صلَاته فِيهَا غصبا فَيجب جَوَازهَا قيل فَيجب لَو غصبهَا هُوَ بِنَفسِهِ أَن لَا تجزيه صلَاته على مُوجب دليلنا وعَلى أَن استعانته بأعوانه فِي غصبهَا لَا يخرج تصرفه فِيهَا من أَن يكون قبيحا غير طَاعَة وَلما ذكرنَا لم يجز أَصْحَابنَا صَلَاة من ستر عَوْرَته بِثَوْب مَغْصُوب وَاخْتلفُوا فِيمَن سترهَا بِثَوْب مَمْلُوك وَلبس فَوْقه ثوبا مَغْصُوبًا فأجازوها قوم قَالُوا إِن فعله فِي الثَّوْب الْأَعْلَى لَيْسَ من الصَّلَاة وَلم يجزها آخَرُونَ لِأَن قِيَامه وقعوده تصرف فِي كلا الثَّوْبَيْنِ وَقَالُوا ايضا إِن الْمُودع أَو الْغَاصِب إِذا طُولِبَ برد الْوَدِيعَة وَالْمَغْصُوب فتشاغل بِالصَّلَاةِ مَعَ اتساع الْوَقْت لم تُجزئه صلَاته وَإِن كَانَ الْوَقْت ضيقا يخْشَى إِن تشاغل بِالرَّدِّ فَاتَتْهُ الصَّلَاة لم تبطل إِن لم يستضر صَاحبهَا بِالتَّأْخِيرِ ضَرَرا شَدِيدا وَتبطل إِن استضر بِالتَّأْخِيرِ ضَرَرا شَدِيدا وَقَالُوا إِن صلى وَهُوَ يرى من يغرق أَو يهْلك بِنَار وَهُوَ يَرْجُو أَن يخلصه فَسدتْ صلَاته وَالْوَجْه فِي ذَلِك أجمع أَن صلَاته تكون فِي هَذِه الْمَوَاضِع قبيحة وَلَا يلْزم على مَا ذَكرْنَاهُ أَن لَا يَجْزِي الْغَاصِب اعْتِقَاده الْإِيمَان فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة لِأَن ذَلِك لَيْسَ بِتَصَرُّف فِيهَا فَيكون غصبا لَهَا فَلم يلْزم أَن يكون قَبِيح غير طَاعَة وَلَا يلْزم أَن تبطل صَلَاة الْغَاصِب للدَّار إِذا منع من الْخُرُوج

стр. 182

مِنْهَا لِأَنَّهُ إِذا منع من ذَلِك لم يحرم عَلَيْهِ الْقعُود فِيهَا وَمن جَازَ لَهُ الْقعُود فِيهَا جَازَ لَهُ أَن يُصَلِّي فِيهَا فَجَاز أَن يكون فعله طَاعَة وَلَا يلْزم عَلَيْهِ إِذا صلى فِي ملكه وَقبض بِيَدِهِ على رجل فَمَنعه من التَّصَرُّف لِأَن ذَلِك وَإِن كَانَ قبيحا فَلَيْسَ من الصَّلَاة وَلَا يلْزم عَلَيْهِ إِذا صلى فِي براح غَيره بِغَيْر إِذْنه لِأَن الْعَادة جَارِيَة بِأَن مَالك البراح لَا يكره أَن يُصَلِّي الْمَارَّة فِيهِ وَالْعَادَة جَارِيَة أَيْضا بِأَن من أذن لغيره فِي دُخُول دَاره لَا يكره مِنْهُ الصَّلَاة فِيهَا فَصَارَ ذَلِك كَالصَّرِيحِ بِالْإِذْنِ بِالصَّلَاةِ قَالَ اصحابنا وَلَا يلْزم على مَا ذَكرْنَاهُ أَن لَا تجزيء إِزَالَة النَّجَاسَة بِمَاء مَغْصُوب وَالذّبْح والختان بسكين مَغْصُوب أجابوا عَن الذّبْح بسكين مَغْصُوب أَنه إِنَّمَا جَازَ لِأَنَّهُ من شَرطه النِّيَّة وَلَا من حَقه أَن يكون قربَة وَلَيْسَ كَذَلِك الصَّلَاة وَسَيَأْتِي الْكَلَام على مثل هَذَا الْجَواب وَالْجَوَاب الصَّحِيح أَن يُقَال إِن الذّبْح بسكين مَغْصُوبَة مَنْهِيّ عَنهُ وقبيح إِلَّا أَنه لما كَانَ وصلَة إِلَى إِبَاحَة اللَّحْم كَانَ كَالْبيع الَّذِي هُوَ وصلَة إِلَى إِبَاحَة التَّصَرُّف وَالنَّهْي لَا يدل على فَسَاد مَا هَذِه سَبيله لِأَنَّهُ إِنَّمَا نهي عَنهُ لقبحه فِي نَفسه لَا لِأَنَّهُ لَيْسَ بوصلة إِلَى إِبَاحَة اللَّحْم وَكَذَلِكَ البيع فِي وَقت صَلَاة الْجُمُعَة إِنَّمَا نهي عَنهُ لِأَنَّهُ قَبِيح أَن يتشاغل بِهِ عَن الْغَرَض لَا لِأَنَّهُ غير موصل إِلَى نقل الْملك يبين ذَلِك أَن مَا دلّ على الْبياعَات تنْتَقل بهَا الْأَمْلَاك يدْخل تَحْتَهُ هَذَا البيع وَغَيره فان قيل فان كَانَ الذّبْح مِمَّا يتعبد بِهِ الأنسان هَل يكون فعله بسكين مَغْصُوبَة غير مَجْزِي قيل إِذا علمنَا أَن الْغَرَض بِالذبْحِ التَّصَدُّق بِاللَّحْمِ وَعلمنَا أَن اللَّحْم يصير مُبَاحا بِالذبْحِ بسكين مَغْصُوبَة جَازَ التَّصَدُّق بِهِ وَإِن كَانَت السكين مَغْصُوبَة وَأما السكين الْمَغْصُوبَة إِذا وَقع الْخِتَان بهَا فَهِيَ كالمملوكة فِي إِزَالَة ذَلِك الْقدر من اللَّحْم وَالْمَاء الْمَغْصُوب كالمملوك فِي إِزَالَة النَّجَاسَة فَلم يبْق بعد إِزَالَتهَا وَبعد قطع مَا يجب قطعه فِي الْخِتَان شَيْء كَانَ الْأَمر مُتَوَجها إِلَيْهِ فيمتثل فان قيل أما كَانَ يجوز أَن يجب على الْإِنْسَان أَن يغسل مَوضِع النَّجَاسَة وَأَن يقطع جُزْءا آخر قيل يجوز أَن يجب ذَلِك بِأَمْر مستأنق فَأَما إِذا لم

стр. 183

يَتَجَدَّد أَمر آخر فَلَا لِأَن الْأَمر الأول إِذا كَانَ أمرا بازالة تِلْكَ النَّجَاسَة وبقطع ذَلِك الْجُزْء من الذّكر فانه لَا يُمكن بعد إزالتهما إِن زَالا لِأَن إِزَالَة الزائل مستحيلة قَالَ أَصْحَابنَا وَلَا يلْزم عَلَيْهِ أَن يكون الصَّوْم فِي شهر رَمَضَان مَعَ الْخَوْف على النَّفس لَا يسْقط بِهِ الْفَرْض لِأَنَّهُ لم يُوجد عَلَيْهِ فِي الصَّوْم أَفعَال وَإِنَّمَا أَخذ عَلَيْهِ الْكَفّ عَن الْأكل وَالشرب وَالْجِمَاع وَلقَائِل أَن يَقُول وَقد أَخذ عَلَيْهِ فعل نِيَّة الصَّوْم وَمن حَقّهَا أَن تكون طَاعَة وَأخذ عَلَيْهِ الْكَفّ عَن هَذِه الْأَفْعَال وَمن حق الْكَفّ عَنْهَا أَن يكون طَاعَة حَتَّى يكون صوما والكف عَنْهَا مَعَ الْخَوْف على النَّفس مَعْصِيّة وَأخذ عَلَيْهِ أَن يَنْوِي الصَّوْم وَفِي ضمن كَونه صوما كَونه طَاعَة فاذا كَانَ الصَّوْم مَعْصِيّة لم يكن أَن يَنْوِي بِهِ الطَّاعَة وَإِن قُلْتُمْ إِن نِيَّة الصَّوْم لَا يدْخل فِي ضمنهَا نِيَّة الطَّاعَة وَلَا من حق الصَّوْم أَن يكون طَاعَة قيل لكم مثله فِي الصَّلَاة وادعاء الْإِجْمَاع فِي أَحدهمَا كادعائه فِي الآخر وَيسْأل أَيْضا على ذَلِك الْوُقُوف على جمل مَغْصُوب وَالطّواف عَلَيْهِ وَالْوُضُوء بِمَاء مَغْصُوب وَقد أُجِيب عَن ذَلِك بِأَنَّهُ مَا أَخذ على الْإِنْسَان فِي ذَلِك فعل فَيُقَال من شَرطه أَن يكون طَاعَة أَو وَاجِبا لِأَن الْإِنْسَان لَا يكون مُطيعًا بِفعل غَيره أَلا ترى أَن الْإِنْسَان لَو طَاف بِهِ غَيره وَهُوَ نَائِم أَو وضأه غَيره أَجزَأَهُ وشبيه بذلك يُقَال فِي الصَّائِم لِأَنَّهُ لَو نَام طول نَهَاره وَقد قدم النِّيَّة أَجزَأَهُ وَلقَائِل أَن يَقُول إِن ذَلِك لَا يمْنَع من أَن يكون لَو صَامَ وَهُوَ عَالم بصومه أَو وضأ نَفسه كَانَ لَا بُد من أَن يكون قربَة وَطَاعَة كَمَا قلتموه فِي الصَّلَاة فَمن هَذِه الْجِهَة ينْتَقض دليلكم فان قُلْتُمْ إِذا أَجزَأَهُ الصَّوْم وَالْوُضُوء مَعَ أَنه لم يفعل شَيْئا فبأن يُجزئهُ إِذا فعل أولى قيل هَذَا لَا ينجيكم من انْتِقَاض دليلكم لأَنا أوجدناكم مَا من حَقه أَن يكون طَاعَة وَقد وَقع قبيحا وَمَعَ ذَلِك قد أَجزَأَهُ وَقيل فِي الْوضُوء إِنَّه لَا يجب فِيهِ النِّيَّة فَلم يجز أَن يُقَال من حَقه أَن يَنْوِي

стр. 184

بِهِ أَدَاء الْوَاجِب وَالْجَوَاب أَن هَذَا لَا يتم على قَول من جعل النِّيَّة من شَرطه وَمن قَالَ لَيْسَ النِّيَّة من شَرطه يَقُول الأولى أَن يَنْوِي الْإِنْسَان فِي الْوضُوء فَصَارَ من حق الْوضُوء أَن يكون طَاعَة وَأَن يَصح أَن يَنْوِي بِهِ الْقرْبَة أَو الطَّهَارَة الَّتِي يدْخل فِي ضمنهَا الْقرْبَة كَمَا قلتموه فِي الصَّلَاة وَمَعْلُوم أَن الْوضُوء بِالْمَاءِ الْمَغْصُوب لَيْسَ بقربة بل هُوَ مَعْصِيّة فَلم يتأت فِيهِ هَذِه النِّيَّة فَانْتقضَ بِهِ كلا الدَّلِيلَيْنِ وَقد أُجِيب عَن الْوضُوء أَيْضا بِأَن نفله يقوم مقَام فَرْضه وَذَلِكَ لَا يمْنَع من انْتِقَاض الدَّلِيل من الْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ وَقد سَأَلَ أَصْحَابنَا أنفسهم هلا قَامَت الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة وَإِن كَانَت قبيحة مقَام الصَّلَاة الْوَاجِبَة فِي الْمصلحَة فَلم يبْق بعْدهَا مصلحَة كَمَا قُلْتُمْ لم يبْق بعد إِزَالَة النَّجَاسَة بِالْمَاءِ الْمَغْصُوب نَجَاسَة تزَال وَلم يبْق بعد الْوضُوء بِالْمَاءِ الْمَغْصُوب مصلحَة ستدرك بِالْمَاءِ الْمَمْلُوك وَأجَاب قَاضِي الْقُضَاة عَن ذَلِك بِأَن الْأمة أَجمعت بِأَن الَّذِي يسْقط فرض الصَّلَاة هُوَ مَا دخل تَحت التَّكْلِيف أَلا ترى أَن الصَّلَاة بِغَيْر طَهَارَة لما لم تدخل تَحت التَّكْلِيف لم تقم مقَام الْوَاجِب وَالصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة لم تدخل تَحت التَّكْلِيف وَلقَائِل أَن يَقُول ان ادِّعَاء الْإِجْمَاع فِي ذَلِك هُوَ كدعائه فِي أَن الْوضُوء لَا يقوم مقَام الْوَاجِب إِلَّا أَن يكون دَاخِلا تَحت التَّكْلِيف لِأَنَّهُ لوقع بِمَاء نجس لم يسْقط الْفَرْض لما لم يدْخل تَحت التَّكْلِيف فَهَذَا هُوَ الْكَلَام فِيمَا اسْتدلَّ بِهِ شُيُوخنَا وَمَا يرد عَلَيْهِ من الاعتراضات وَنحن نستدل على الْمَسْأَلَة فَنَقُول إِن صِحَة الصَّلَاة فِي الدَّار الْمَغْصُوبَة إِمَّا أَن يُرَاد بهَا أَنَّهَا دَاخِلَة تَحت التَّعَبُّد أَو يُرَاد بهَا أَنَّهَا تقوم مقَام مَا دخل تَحت التَّعَبُّد الأول بَاطِل لِأَن التَّعَبُّد لَا يتَنَاوَل الْقَبِيح الْمَكْرُوه وَالثَّانِي يَكْفِي فِي نَفْيه أَن لَا يدل دَلِيل على أَنَّهَا تقوم مقَام مَا دخل تَحت التَّكْلِيف وَإِذا لم يدل دَلِيل على ذَلِك وَلَا هِيَ دَاخِلَة تَحت التَّكْلِيف وَكَانَ الْوَقْت بَاقِيا لزم إِعَادَتهَا لبَقَاء التَّعَبُّد وَلزِمَ إِعَادَتهَا إِن خرج الْوَقْت لِأَن كل من أوجب إِعَادَتهَا مَعَ بَقَاء الْوَقْت أوجبهَا

стр. 185

مَعَ خُرُوجه وَأما الْمسَائِل الْمُتَقَدّم ذكرهَا فجميعها غير دَاخل تَحت التَّعَبُّد وَيجب تأملها فان دلّ دَلِيل على أَنَّهَا تقوم مقَام الْوَاجِب قيل بِهِ وَإِلَّا قيل بِبَقَاء الْوَاجِب وَلُزُوم التَّعَبُّد

стр. 186

- ﷺ َ - أَبْوَاب الْعُمُوم وَالْخُصُوص ﷺ َ - أما الْكَلَام فِي الْعُمُوم فانه يَقع فِي الْأَلْفَاظ الْعَامَّة الَّتِي هِيَ عَامَّة على الْحَقِيقَة وَالَّتِي يظنّ قوم أَنَّهَا عَامَّة فَأَما الْأَلْفَاظ الْعَامَّة على الْحَقِيقَة فنتكلم فيهامن وُجُوه مِنْهَا اسْم الْعُمُوم هَل يتَنَاوَل الْمعَانِي على الْحَقِيقَة أم لَا وَمِنْهَا اسْم الْعُمُوم إِذا وَقع على القَوْل مَا الَّذِي يُفِيد فِيهِ وَمِنْهَا قسْمَة الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة قسْمَة الْأَلْفَاظ الْعَامَّة والفصل بَينهَا وَبَين الَّتِي لَيست عَامَّة وَمِنْهَا إِقَامَة الدّلَالَة على إِثْبَات الْعُمُوم فِي اللُّغَة وَمِنْهَا إِدْخَال مَا خرج من الْعُمُوم كالجمع الْمُعَرّف فَأَما مَا ظن أَنه من جملَة الْعُمُوم وَلَيْسَ مِنْهُ فيشتمل أَيْضا على ابواب مِنْهَا الِاسْم الْمُفْرد الْمُعَرّف وَمِنْهَا الْجمع الْمُنكر وَيتبع ذَلِك أقل الْجمع وَمِنْهَا نفي مُسَاوَاة الشَّيْء للشَّيْء هَل يُفِيد نفي اشتراكهما فِي كل صفاتهما أم لَا وَمِنْهَا اسْم الْمُذكر لَا يشْتَمل الْمُؤَنَّث وَإِنَّمَا لم نذْكر العمومين إِذا تَعَارضا لِأَن ذَلِك يشْتَمل على أَقسَام أَكْثَرهَا يكون بَعْضهَا نَاسِخا للْبَعْض فأرجئنا ذَلِك إِلَى النَّاسِخ والمنسوخ وَأما الْكَلَام فِي الْخُصُوص فَمن وُجُوه مِنْهَا مَا الْخُصُوص وَمَا الْعُمُوم الْمَخْصُوص وَمَا الْخَاص وَمَا التَّخْصِيص وَمِنْهَا مَا الَّذِي يجوز تَخْصِيصه وَمَا الَّذِي لَا يجوز تَخْصِيصه وَمِنْهَا أَن مَا يجوز تَخْصِيصه إِلَى أَي غَايَة يجوز تَخْصِيصه وَمِنْهَا جَوَاز اسْتِعْمَال الله سُبْحَانَهُ الْعَام فِي الْخَاص وَمِنْهَا مَا بِهِ يصير الْعَام خَاصّا وَمِنْهَا ذكر الْأَدِلَّة الدَّالَّة على التَّخْصِيص أَو مَا يَظُنّهُ قوم دَلِيلا أما الأول فضربان أَدِلَّة مُتَّصِلَة وأدلة مُنْفَصِلَة أما الْمُتَّصِلَة فالصفة والغاية وَالِاسْتِثْنَاء وَالشّرط وَيدخل فِي الِاسْتِثْنَاء أَبْوَاب سنذكرها وَأما الْمُنْفَصِلَة

стр. 187

فالعقل وَالْكتاب وَالسّنة وَيدخل فِي التَّخْصِيص بِالْعقلِ خُرُوج الصَّبِي من الْخطاب وَإِذا بَينا جَوَاز التَّخْصِيص بِالْكتاب وَالسّنة ذكرنَا فِي أَي حَال يَقع التَّخْصِيص وَفِي أَي حَال لَا يَقع وَيدخل فِي ذَلِك بِنَاء الْعَام على الْخَاص وَيتبع الْكَلَام فِي التَّخْصِيص أَن نتكلم فِي الْعُمُوم هَل يصير مجَازًا بالتخصيص أم لَا وَهل تَخْصِيصه يمْنَع من التَّعَلُّق بِهِ أم لَا وَلم نذْكر تَخْصِيص قَول النَّبِي بِفِعْلِهِ لِأَنَّهُ من بَاب الْأَفْعَال إِذْ ذَلِك مَبْنِيّ على أَن فعله حجَّة وَتَخْصِيص قَول النَّبِي ﷺ بأقاويل الصَّحَابَة ﵃ مَبْنِيّ على أَن أقاويلهم حجَّة وَذَلِكَ إِمَّا أَن يرجع إِلَى الْإِجْمَاع أَو إِلَى التَّقْلِيد وَلم نذْكر تَخْصِيص الْإِجْمَاع لِأَنَّهُ مَبْنِيّ على كَونه حجَّة وَذَلِكَ دَاخل فِي أَبْوَاب الْإِجْمَاع وَلم نذْكر التَّخْصِيص بأخبار الْآحَاد وَلَا بِالْقِيَاسِ لِأَن ذَلِك مَبْنِيّ على كَونهمَا حجَّتَيْنِ فَذَكرنَا ذَلِك فِي الْأَخْبَار وَهَذَا فِي ابواب الْقيَاس فَأَما مَا يظنّ كَونه مُخَصّصا فضربان أَحدهمَا معنوي وَالْآخر لَفْظِي أما الأول فكقول بَعضهم إِن كَون الْمُكَلف كَافِرًا أَو عبدا يُخرجهُ من الْخطاب بالعبادات وَإِن كَانَ لفظ الْخطاب يتناولهم وكتخصيص بَعضهم الْعُمُوم بالعادات وكالتخصيص بِقصد الْمُتَكَلّم بِالْعُمُومِ إِلَى الذَّم وَأما الثَّانِي فيشتمل على أَبْوَاب مِنْهَا الْخطاب الْوَارِد على سَبَب وسؤال وَمِنْهَا الْعُمُوم إِذا تعقبه شَرط أَو اسْتثِْنَاء أَو صفة وَحكم لَا يَتَأَتَّى إِلَّا فِي بعض مَا يتَنَاوَلهُ الْعُمُوم هَل يجب أَن يكون المُرَاد بذلك ذَلِك الْبَعْض فَقَط أم لَا وَمِنْهَا هَل يجب أَن يضمر فِي الْمَعْطُوف جَمِيع مَا يظْهر فِي الْمَعْطُوف عَلَيْهِ وَإِذا كَانَ أَحدهمَا خَاصّا كَانَ الآخر خَاصّا أم لَا وَمِنْهَا تَخْصِيص الْعُمُوم بِذكر بعض مَا شَمله وَمِنْهَا تَقْيِيد الْمُطلق وتخصيصه لأجل الْمُقَيد فَأَما تَخْصِيص الْعُمُوم بِمذهب الرَّاوِي فَهُوَ أَن يَجْعَل مذْهبه كالرواية لنَصّ سَمعه وَالْكَلَام فِي ذَلِك يخْتَص بالأخبار

стр. 188

- ﷺ َ - بَاب فِي أَن قَوْلنَا عَام وَعُمُوم لَا يتَنَاوَل على سَبِيل الْحَقِيقَة إِلَّا القَوْل دون غَيره ﷺ َ - اعْلَم أَنه لَا شُبْهَة فِي وصف الْكَلَام الشَّامِل بِأَنَّهُ عَام وَعُمُوم على الْحَقِيقَة لِأَنَّهُ لَا وَجه نعلم بِهِ كَون الِاسْم حَقِيقَة من اطراد وَغَيره إِلَّا وَهُوَ حَاصِل فِيهِ فَأَما وصف مَا لَيْسَ بِلَفْظ بِأَنَّهُ عَام نَحْو قَوْلهم عمهم الْمَطَر وَالْخصب فمجاز لِأَن حَقِيقَة عُمُوم الْمَطَر للنَّاس أَن يكون بجملته حَاصِلا لكل وَاحِد مِنْهُم وَذَلِكَ مُسْتَحِيل لِأَن جملَة الْمَطَر تحصل لجملة النَّاس وأجزاؤه لأجزائهم فَأَما أَلْفَاظ الْعَام نَحْو قَوْلنَا الْمُشْركين فان تنَاوله لهَذَا الشَّخْص وَلِهَذَا الشَّخْص على حد سَوَاء وَلَيْسَ يتَنَاوَل جُزْء مِنْهُ لشخص وجزء مِنْهُ لشخص آخر كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي الْمَطَر وَقد قيل إِن وصف الْمعَانِي بِأَنَّهَا عَامَّة لَا يطرد أَلا ترى أَنه لَا يُوصف الْأكل بِأَنَّهُ عُمُوم فان وصف بذلك فبتقييد لَا على طَرِيق الْإِطْلَاق نَحْو أَن نقولة الْأكل عُمُوم فِي النَّاس فَأَما أَن نطلق القَوْل بِأَن الْأكل عُمُوم كَمَا نقُول هَذَا اللَّفْظ عُمُوم فَلَا ﷺ َ - بَاب فِي حَقِيقَة الْكَلَام الْعَام ﷺ َ - اعْلَم أَن الْكَلَام الْعَام هُوَ كَلَام مُسْتَغْرق لجَمِيع مَا يصلح لَهُ هَذَا هُوَ الْمَعْقُول من كَون الْكَلَام عَاما أَلا ترى أَن قَوْلنَا الرِّجَال مُسْتَغْرق لجَمِيع مَا يصلح لَهُ لِأَنَّهُ استغرق الرِّجَال دون غَيرهم إِذْ كَانَ لَا يصلح لغَيرهم وَكَذَلِكَ لفظ من فِي الِاسْتِفْهَام نَحْو قَوْلك من عنْدك لِأَنَّهَا تستغرق كل عَاقل عِنْده وَلَا تتعرض لغير الْعُقَلَاء وَلَا لعقلاء لَيْسُوا عِنْده لِأَنَّهَا لَا تصلح فِي هَذَا الْموضع لَهُم وَقَوْلنَا كل يسْتَغْرق كل جنس يدْخل عَلَيْهِ دون مَا لَا يدْخل عَلَيْهِ وَلَا يلْزم عَلَيْهِ لفظ التَّثْنِيَة كَقَوْلِك رجلَانِ وَلَفظ الْعدَد كَقَوْلِك ثَلَاثَة

стр. 189

رجال وَعشرَة لِأَن ذَلِك لَا يسْتَغْرق كل مَا يصلح لَهُ أَلا ترَاهُ يصلح لهذين الرجلَيْن ولهذين ولهذين وَلَيْسَ يسْتَغْرق كل ذَلِك وَقَوْلنَا عشرَة يصلح لكل عشرَة من الرِّجَال وَلَيْسَ يستغرقها كلهَا فَأَما أَلْفَاظ النكرات نَحْو قَوْلك رجل فانه عَام على الْبَدَل غير عَام على الْجمع وَالْحَد لَا يتَنَاوَلهُ من حَيْثُ الْجمع لِأَنَّهُ لَا يصلح لهَذَا الرجل وَلِهَذَا وَلِهَذَا وَلَا يستغرقهم وَهُوَ دَاخل فِي الْحَد من حَيْثُ الْبَدَل لِأَنَّهُ يتَنَاوَل كل رجل على الْبَدَل وَلَا يجوز أَن يقف على بعض الرِّجَال وَلَا يتعداهم إِلَى غَيرهم على الْبَدَل وَقد زَاد قَاضِي الْقُضَاة فِي الشَّرْح زِيَادَة احْتَرز بهَا من التَّثْنِيَة وَالْجمع فَقَالَ الْعُمُوم لفظ مُسْتَغْرق لجَمِيع مَا يصلح لَهُ فِي أهل اللُّغَة من غير زِيَادَة وَذَلِكَ لِأَن التَّثْنِيَة وَالْجمع إِنَّمَا يكونَانِ بِزِيَادَة تدخل على الْوَاحِد وَلَا يمْنَع من إنتقاصه بِلَفْظ الْعدَد لِأَنَّهُ لَيْسَ يسْتَغْرق قَوْلنَا عشرَة لآحاد الْعشْرَة بِزِيَادَة دخلت على الِاسْم لِأَن الِاسْم الْوَاحِد لَيْسَ هُوَ حَاصِل لَهما مَعَ الزِّيَادَة وَيلْزم أَن لَا يكون اسْم الْجِنْس إِذا دخله لَام الْجِنْس عَاما نَحْو قَوْلك الرجل وَالرِّجَال لِأَن لَام الْجِنْس زِيَادَة دخلت على الإسم ﷺ َ - بَاب فِي ذكر الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة ﷺ َ - اعْلَم أَن الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة ضَرْبَان دَلِيل مستنبط وَلَيْسَ هُوَ غرضنا هَا هُنَا وَدَلِيل غير مستنبط وَهُوَ إِمَّا قَول وَإِمَّا فعل فالفعل لَا يُمكن ادِّعَاء الْعُمُوم على الْوُجُوه الَّتِي يَقع عَلَيْهَا لِأَنَّهَا إِن كَانَت متنافية لم يَصح أَن يجْتَمع للْفِعْل نَحْو جمع النَّبِي ﷺ بَين الصَّلَاتَيْنِ يَسْتَحِيل أَن يجمع بَين صَلَاتَيْنِ فِي وَقت إِحْدَاهمَا وَفِي وقتيهما بِأَن يُصَلِّي الأولى فِي آخر وَقتهَا وَالثَّانيَِة فِي أول وَقتهَا وَإِن لم يكن الْوُجُوه متنافية نَحْو أَن يقتل النَّبِي ﷺ رجلا فانه يحْتَمل أَن يكون قَتله لِأَنَّهُ ارْتَدَّ وَلِأَنَّهُ قتل غير أَنه لَا يُمكن أَن يعلم بِمُجَرَّد الْفِعْل أَنه قَتله لِكِلَا

стр. 190

الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّهُ كَمَا يجوز أَن يجتمعا للْفِعْل فانه يجوز أَن ينْفَرد أَحدهمَا وَلَيْسَ الْفِعْل لفظا فَيُقَال إِنَّه وضع ليشملهما وَأما القَوْل فَمِنْهُ مَا لَفظه يُفِيد الْعُمُوم وَمِنْه مَا لَفظه لَا يُفِيد الْعُمُوم وَالَّذِي يُفِيد لَفظه الْعُمُوم مِنْهُ مَا يفِيدهُ فِي اللُّغَة وَمِنْه مَا يفِيدهُ فِي الْعرف وَيقسم مَا يُفِيد لَفْظَة الْعُمُوم من وَجه آخر فَيُقَال مِنْهُ مَا يُفِيد الْعُمُوم من جِهَة اللَّفْظ فَقَط وَمِنْه مَا يفِيدهُ من جِهَة الْمَعْنى وَاللَّفْظ وَأما مَا لَا يُفِيد لَفْظَة الْعُمُوم فَمِنْهُ مَا يُفِيد عَن جِهَة الْمَعْنى وَمِنْه مَا لَا يفِيدهُ لَا من جِهَة اللَّفْظ وَلَا من جِهَة الْمَعْنى وَنحن نذْكر ابواب ذَلِك إِن شَاءَ الله ﷺ َ - بَاب فِيمَا يُفِيد لَفْظَة الْعُمُوم فِي اللُّغَة وَفِي الْعرف وَفِيمَا يفِيدهُ من جِهَة اللَّفْظ وَمن جِهَة الْمَعْنى ﷺ َ - اعْلَم أَن مَا لَفظه عَام فِي اللُّغَة ضَرْبَان أَحدهمَا عَام على الْجمع وَالْآخر عَام على الْبَدَل وَالْأول ضَرْبَان أَحدهمَا يكون عَاما لِأَن فِيهِ اسْما مَوْضُوعا للْعُمُوم وَالْآخر يكون عَاما لِأَنَّهُ اقْترن بِالِاسْمِ مَا أوجب عُمُومه وَالِاسْم الْعَام ضَرْبَان أَحدهمَا لَا يخْتَص مَا يعقل وَلَا مَا لَا يعقل بل يَقع عَلَيْهِمَا على الْجمع وعَلى الِانْفِرَاد وَالْآخر يخْتَص أَحدهمَا فَالْأول لفظ أَي يَقُول أَي إِنْسَان لَقيته فَسلم عَلَيْهِ فَيعم الْكل وَيَقُول أَي نَبَات رَأَيْته فَخذه وَأي جسم رَأَيْته فَخذه فَيعم مَا يعقل من الْأَجْسَام وَمَا لَا يعقل وَكَذَلِكَ لَفْظَة كل وَجَمِيع فانهما اسمان يدخلَانِ على مَا يعقل وعَلى مَا لَا يعقل وَأما الَّذِي يخْتَص أَحدهمَا فضربان أَحدهمَا يخْتَص مَا يعقل وَمَا يجْرِي مجْرَاه وَهِي لَفْظَة من فِي الاسفهام والمجازاة يَقُول من عنْدك وَمن دخل دَاري أكرمته وَالْآخر يخْتَص مَا لَا يعقل وَهُوَ ضَرْبَان أَحدهمَا لَا يخْتَص جِنْسا مِمَّا لَا يعقل دون جنس كَقَوْلِك مَا فِي المجازاة والاستفهام وَالْآخر يخْتَص جِنْسا مِمَّا لَا يعقل نَحْو مَتى فِي الزَّمَان واين فِي الْمَكَان وَغير ذَلِك أما مَتى فانها قد تكون استفهاما عَن كل زمَان دخلت عَلَيْهِ يَقُول مَتى جَاءَك بَنو تَمِيم

стр. 191

فَيكون مستفهما عَن كل الزَّمَان الَّذِي جاؤوك فِيهِ حَتَّى لَو جاؤوك فِي كل الزَّمَان لَكَانَ استفهاما عَنهُ وَإِذا قلت مَتى جَاءَك زيد أَفَادَ أَيْضا استفهاما عَن زمَان مَجِيئه وَلَفْظَة مَتى لَا بُد أَن يقرن بهَا شَيْء وَقع فِي الزَّمَان فَيكون استفهاما عَن كل الزَّمَان الَّذِي وَقع فِيهِ وَكَذَلِكَ قَوْلك أَيْن زيد وَأَيْنَ النَّاس وَأما الْخطاب الشَّامِل لِأَن فِيهِ اسْما قد دخل عَلَيْهِ مَا أوجب استغراقه فضربان أَحدهمَا يكون الْمُوجب لشُمُوله مُتَّصِلا بِهِ وَالْآخر مُنْفَصِلا عَنهُ أما الْمُتَّصِل بِهِ فنحو لَام الْجِنْس الدَّاخِل على الِاسْم الْمُنْفَرد كَقَوْلِك أهلك النَّاس الدِّينَار وَالدِّرْهَم أَو الدَّاخِل على الْجمع كَقَوْلِك الرِّجَال هَذَا على قَول الشَّيْخ ابي على ﵀ وَأما الْمُنْفَصِل فضربان أَحدهمَا الْإِضَافَة وَالْآخر حرف النَّفْي الدَّاخِل على النكرَة أما الْإِضَافَة فكقولك ضربت عَبِيدِي وَأما حرف النَّفْي الدَّاخِل على النكرَة كَقَوْلِك مَا جَاءَنِي من أحد وَأما الْأَلْفَاظ الْعَامَّة على الْبَدَل فأسماء النكرات وَهِي ضَرْبَان أَحدهمَا فِي غَايَة التنكير نَحْو قَوْلك شَيْء وَمَعْلُوم وَالْآخر دون ذَلِك فِي التنكير وَذَلِكَ ضَرْبَان أَحدهمَا نِهَايَة فِي نُقْصَان التنكير نَحْو قَوْلك رجل وَغير ذَلِك مِمَّا يخْتَص نوعا وَاحِدًا وَالْآخر متوسط فِي التنكير نَحْو قَوْلك حَيَوَان وجسم وَمَا اشبه ذَلِك فَهَذَا مَا هُوَ عَام فِي اللُّغَة فَأَما مَا يُفِيد الْعُمُوم فِي الْعرف فكقول الله سُبْحَانَهُ ﴿حرمت عَلَيْكُم الْميتَة﴾ وَقَوله سُبْحَانَهُ ﴿حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم﴾ هما من جِهَة الْعرف عامان فِي تَحْرِيم سَائِر وُجُوه الِاسْتِمْتَاع بالأمهات وَسَائِر وُجُوه الِانْتِفَاع بالميتة وَمن ذَلِك قَول الرَّاوِي كَانَ رَسُول الله ﷺ يجمع بَين الصَّلَاتَيْنِ فِي السّفر ذكر قَاضِي الْقُضَاة أَن ذَلِك لَا يُفِيد فِي اللُّغَة أَنه كرر

стр. 192

الْجمع وَإِنَّمَا يُفِيد أَنه فعل ذَلِك فِيمَا مضى لِأَن لَفْظَة كَانَ تفِيد تقدم الْفِعْل وَقَالَ فِي الدَّرْس إِن ذَلِك يُفِيد تكْرَار الْجمع من جِهَة الْعرف لِأَنَّهُ لَا يُقَال فلَان كَانَ يتهجد بِاللَّيْلِ إِذا تهجد مرّة وَاحِدَة فِي عمره وَأما مَا يُفِيد الْعُمُوم من جِهَة اللَّفْظ وَمن جِهَة الْمَعْنى فَقَوْل الله سُبْحَانَهُ ﴿وَالسَّارِق والسارقة﴾ على قَول الشَّيْخ أبي عَليّ ﵀ لِأَن صَرِيح الْآيَة يُفِيد الِاسْتِغْرَاق وَخُرُوجه مخرج الزّجر يُفِيد ذَلِك على مَا ذكره الشَّيْخ ابو هَاشم وَكَذَلِكَ كل لفظ عُمُوم خرج مخرج الزّجر ﷺ َ - بَاب فِيمَا يُفِيد الْعُمُوم من جِهَة الْمَعْنى دون اللَّفْظ وَفِيمَا لَا يفِيدهُ من جِهَة اللَّفْظ وَلَا من جِهَة الْمَعْنى مِمَّا ظَنّه قوم عَاما ﷺ َ - أما الَّذِي يُفِيد الْعُمُوم من جِهَة الْمَعْنى فَهُوَ أَن يدل على الْعُمُوم دَلِيل يقْتَرن بِاللَّفْظِ وَذَلِكَ ضروب فَمِنْهَا أَن يكون اللَّفْظ مُفِيدا للْحكم ومفيدا لعلنه فَيَقْتَضِي شياع الحكم فِي كل مَا شاعت فِيهِ الْعلَّة وَمِنْهَا أَن يكون اللَّفْظ الْمُفِيد لعُمُوم اللَّفْظ مَا يرجع إِلَى سُؤال سَائل وَمِنْهَا دَلِيل خطاب عَام على قَول من جعله حجَّة أما ألأول فضربان أَحدهمَا تَعْلِيل من جِهَة الأولى كفحوى القَوْل على مَا سَيَجِيءُ بَيَانه وَالْآخر تَعْلِيل لَا من جِهَة الأولى والدل على ذَلِك ضروب كَثِيرَة نذْكر فِي بَاب الْقيَاس إِن شَاءَ الله فَمن ذَلِك قَول النَّبِي ﷺ فِي الهر إِنَّهَا لَيست بِنَجس إِنَّهَا من الطوافين عَلَيْكُم والطوافات فَاقْتضى عُمُوم طَهَارَة كل مَا كَانَ من الطوافين علينا وَمن ذَلِك قَول الرَّاوِي سَهَا رَسُول الله ﷺ فَسجدَ فنعلم أَن الْعلَّة فِي ذَلِك سَهْوه إِلَى غير ذَلِك من ضروب التَّعْلِيل وَأما الْمُقْتَضى للْعُمُوم مِمَّا يرجع إِلَى السُّؤَال فَيجوز أَن يسْأَل النَّبِي ﷺ عَمَّن

стр. 193

أفطر فَيَقُول عَلَيْهِ الْكَفَّارَة فنلعم أَن ذَلِك يعم كل فطر سَوَاء علم النَّبِي ﷺ مَا وَقع الْفطر بِهِ أَو لم يعلم لِأَنَّهُ انما أجَاب عَن السُّؤَال انما كَانَ عَن مُطلق الْفطر فَإِن لم يكن جَوَابه عَن مُطلق الْفطر لم يكن جَوَابا عَن السُّؤَال وَلِأَنَّهُ ﷺ لَو كَانَ قد أجَاب عَن الْفطر الَّذِي علمه لَكَانَ قد بَين ذَلِك لِئَلَّا يظنّ سامع أَن الْكَفَّارَة تلْحق مُطلق الْفطر وَأما دَلِيل الْخطاب فنحو قَول النَّبِي ﷺ فِي سَائِمَة الْغنم زَكَاة دَلِيل ذَلِك أَن لَا زَكَاة فِي كل مَا لَيْسَ بسائمة على قَول بَعضهم فَأَما مَا لَا يُفِيد الْعُمُوم لَا من جِهَة اللَّفْظ وَلَا من جِهَة الْمَعْنى مِمَّا ظَنّه قوم عَاما فنحو الْجمع المنكور وَنَحْو جمع الْمُذكر لَا يدْخل تَحْتَهُ الْمُؤَنَّث وَقد دخل فِي هَذَا الْبَاب وَفِي الَّذِي قبله فُصُول يجب إِقَامَة الدّلَالَة عَلَيْهَا مِنْهَا إِثْبَات الْعُمُوم فِي اللُّغَة وَمِنْهَا الْجمع الَّذِي دخله الْألف وَاللَّام وَمنا اسْم الْمُفْرد إِذا دخله الْألف وَاللَّام وَمِنْهَا الْجمع الْمُنكر وَمِنْهَا لفظ الْمُذكر هَل يدْخل تَحْتَهُ الْمُؤَنَّث أم لَا وَنحن نذْكر جَمِيع ذَلِك إِن شَاءَ الله ﷺ َ - بَاب الدّلَالَة على أَن فِي اللُّغَة ألفاظا للْعُمُوم ﷺ َ - اخْتلف النَّاس فِي ذَلِك فَقَالَ بعض المرجئة إِنَّه لَيْسَ فِي اللُّغَة مَوْضُوع للاستغراق وَحده بل مَا وضع للاستغراق وَهُوَ مَوْضُوع لما دونه من الجموع وَزَعَمُوا أَن قَوْلنَا كل وَجَمِيع حَقِيقَة فِي الِاسْتِغْرَاق وَفِي كل جمع دون الِاسْتِغْرَاق وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي لَفْظَة من فِي المجازاة والاستفهام وَحكي عَن بعض المرجئة أَنه قَالَ لَيْسَ فِي اللُّغَة لفظ الْعُمُوم وَإِنَّمَا يكون اللَّفْظ عَاما بِالْقَصْدِ وَزَعَمُوا أَن الْأَلْفَاظ الَّتِي يَقُول خصومهما إِنَّهَا عَامَّة هِيَ مجَاز فِي الِاسْتِغْرَاق حَقِيقَة فِي الْخُصُوص وَيُشبه أَن يَكُونُوا جعلُوا لَفْظَة من حَقِيقَة فِي الْوَاحِد مجَازًا فِي الْكل أَو يَكُونُوا جعلُوا بَقِيَّة أَلْفَاظ الْعُمُوم حَقِيقَة فِي جمع

стр. 194

غير مُسْتَغْرق لِأَنَّهُ يبعد أَن يجْعَلُوا أَلْفَاظ الْجمع الْمعرفَة بِاللَّامِ كَقَوْلِنَا الْمُسلمُونَ حَقِيقَة فِي الْوَاحِد مجَازًا فِي الْجمع وَلَفظ كل وَجَمِيع فِي ذَلِك أبعد وَذهب شُيُوخنَا المتكلمون وَالْفُقَهَاء إِلَى أَن فِي اللُّغَة ألفاظا وضعت للاستغراق فَقَط فَهِيَ حَقِيقَة فِيهِ مجَاز فِيمَا دونه وَالدَّلِيل على ذَلِك أَن الِاسْتِغْرَاق ظَاهر لكل أحد وَالْحَاجة تمس إِلَى الْعبارَة عَنهُ ليفهم السَّامع أَن الْمُتَكَلّم أَرَادَهُ فَجرى مجْرى السَّمَاء وَالْأَرْض وَغَيرهمَا فِي ظهورهما وَشدَّة الْحَاجة إِلَى الْعبارَة عَنْهُمَا فَكَمَا لم يجز مَعَ هَذَا الدَّاعِي الَّذِي هُوَ دَاعِي الْحَاجة أَن تتوالى الْأَعْصَار بِأَهْل اللُّغَة وَلَا يضعوا للسماء وَالْأَرْض كلَاما يخْتَص كل وَاحِد مِنْهُمَا مَعَ أَنهم قد وضعُوا الْأَسْمَاء للمعاني الغامضة وَوَضَعُوا للمعنى الْوَاحِد أَسمَاء كَثِيرَة كَذَلِك لَا يجوز أَلا يضعوا للاستغراق كلَاما يَخُصُّهُ وَلَيْسَ يجوز من أمة عَظِيمَة فِي أعصار مترادفة أَن يضعوا الْأَسْمَاء الْكَثِيرَة للمعنى الْوَاحِد ويعدلوا عَن وضع كَلَام يحتص بِمَعْنى ظَاهر وَهَذِه الدّلَالَة تفْسد قَول الْفَرِيقَيْنِ فان قَالُوا لَيْسَ يمْتَنع أَن يتَّفق ذَلِك من الْأُمَم الْعَظِيمَة أَلَيْسَ الْعَرَب مَعَ كثرتها لم يضعوا الْفِعْل الْحَال عبارَة تختصه دون الْفِعْل الْمُسْتَقْبل وَلَا وضعُوا عبارَة للاعتماد سفلا وَلَا للاعتماد علوا وَلَا للكون الَّذِي هُوَ يمنة أَو يسرة وَلَا وضعُوا عبارَة لرائحة الكافور يختصها وَالْحَاجة إِلَى ذَلِك شَدِيدَة وَالْأَمر فِيهَا ظَاهر وَقد أجَاب قَاضِي الْقُضَاة فَقَالَ هَذِه الْأَشْيَاء غير ظَاهِرَة فَلذَلِك لم يضعوا لَهَا عِبَارَات وَلقَائِل أَن يَقُول لَا شَيْء أظهر من رَائِحَة الكافور ومفارقتها لرائحة الْمسك والاعتماد والمدافعة للشَّيْء سفلا ومفارقتها للمدافعة علوا وَنحن نجيب عَن السُّؤَال بِأَن الَّذِي أوجبناه لظُهُور الْمُسَمّى وَشدَّة الْحَاجة إِلَى الْعبارَة عَنهُ هُوَ أَن يوضع لَهُ فِي اللُّغَة كَلَام ينبيء عَنهُ سَوَاء كَانَ مُفردا أَو مركبا وَعند خصومنا أَنه لَيْسَ فِي اللُّغَة كَلَام مُنْفَرد وَلَا مركب ينبيء عَن الِاسْتِغْرَاق وَحده فلزمتهم الْحجَّة فَأَما هَذِه الْأَشْيَاء كلهَا فلهَا بأجمعها عِبَارَات تعرف بهَا وَهِي أَسمَاء مُضَافَة لأَنا إِذا قُلْنَا رَائِحَة كافور و

стр. 195

اعْتِمَاد سفلا أَو علوا وَقُلْنَا يضْرب زيدا الْآن تميزت من غَيرهَا بِهَذِهِ الْعبارَات وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ السَّائِل الِاشْتِرَاك بَين الِاسْتِغْرَاق وَبَين الْبَعْض مَعْقُول وَقد تمس الْحَاجة إِلَى أَن يَجْعَل الْمُتَكَلّم غَيره فِي شكّ من استغراق كَلَامه أَو قصره على الْبَعْض فَيَنْبَغِي أَن يكون فِي اللُّغَة خطاب ينبيء عَن الِاشْتِرَاك لأَنا نقُول إِن فِي اللُّغَة خطابا ينبيء عَن الِاشْتِرَاك يُفِيد ذَلِك وَهُوَ أَن يدْخل الْألف وَاللَّام على اسْم الْجمع على قَول أبي هَاشم فَنَقُول جَاءَنِي النَّاس أَو جَاءَنِي الْقَوْم وَلَو قَالَ جَاءَنِي نَاس أَو جَاءَنِي قوم فَأنى بِلَفْظ جمع من غير ألف وَلَام لأفاد ذَلِك التَّرَدُّد بَين الِاسْتِغْرَاق وَمَا دونه من الجموع وَلَو قَالَ ايضا جَاءَنِي إِمَّا كل النَّاس وَإِمَّا بَعضهم يحصل لَهُ هَذَا الْغَرَض فان قَالُوا فَنحْن أَيْضا نقُول إِن فِي اللُّغَة كلَاما يُفِيد الِاسْتِغْرَاق وَهُوَ قَوْلنَا استغراق قيل الَّذِي نعرفه من قَوْلكُم خلاف ذَلِك وَمن مذهبكم أَن حسن الِاسْتِثْنَاء والاستفهام والتأكيد يدل على أَن اللَّفْظَة غير مستغرقة وَمَعْلُوم أَنه يحسن أَن نقُول استغرقت أكل الْخبز إِلَّا هَذَا الرَّغِيف وَيحسن أَن يستفهم الْمُتَكَلّم بذلك وَيحسن أَن يؤكده فَيَقُول استغرقت أكل الْخبز كُله فان قَالُوا لَا حَاجَة بهم إِلَى وضع لَفْظَة الِاسْتِغْرَاق لِأَنَّهُ يُمكن الْمُتَكَلّم أَن يعدد الْأَشْخَاص الَّذين يُرِيد أَن يعمهم بالحكم وَاحِدًا وَاحِدًا وَالْجَوَاب أَنه قد يُرِيد الْإِنْسَان أَن يعبر عَن جَمِيع النَّاس ليدل على حكم يشملهم فَلَا يُمكنهُ أَن يعددهم وَاحِدًا وَاحِدًا وَقد يُمكن ذَلِك فِي بعض الْأَشْخَاص فيضق تعدادهم لكثرتهم فان قيل لَا حَاجَة بهم إِلَى وضع اسْم يخْتَص الِاسْتِغْرَاق لأَنهم قد وضعُوا لَهُ وَلما دونه من الْجمع اسْما إِذا استعملوه مَعَ إِشَارَة أَو شَاهد حَال أنبأ عَن الِاسْتِغْرَاق فَيجْرِي ذَلِك مجْرى اسْم يخْتَص الِاسْتِغْرَاق قيل إِنَّهُم لَا يعلمُونَ أَنه يقْتَرن بِالِاسْمِ إِشَارَة أَو شَاهد حَال يحصل الْعلم عِنْدهمَا بالاستغراق وَلَا يجب أَيْضا وُقُوع الْعلم عِنْد الْإِشَارَة على كل حَال وعَلى أَن عدولهم إِلَى وضع الْأَسْمَاء للمعاني واستكثارهم من الْعبارَات عَن الشَّيْء الْوَاحِد يدل على أَنهم قد

стр. 196

عدلوا عَن الدّلَالَة بِالْإِشَارَةِ إِلَى الْعبارَة لضيق الْإِشَارَة واتساع الْعبارَة ووضوع دلالتها فَلَا يجوز مَعَ هَذَا الْفَرْض أَن يتْركُوا مَا يظْهر فِي نَفسه وتشد الْحَاجة إِلَيْهِ فَلَا يضعوا لَهُ عبارَة فان قَالُوا إِنَّهُم يُمكنهُم أَن يدلوا على الِاسْتِغْرَاق بِالتَّعْلِيلِ فَلَا حَاجَة بهم إِلَى وضع عبارَة لَهُ لأَنهم إِذا قَالُوا من دخل دَاري ضَربته لِأَنَّهُ دخل دَاري علمنَا أَنه يعم بذلك كل من دخل الدَّار الْجَواب أَنه لَيْسَ حكم يعرف علته فيعلل بهَا أَلا ترى أَن الْإِنْسَان إِذا أَرَادَ أَن يخبر بإن كل من فِي الدَّار نَائِم أَو آكل أَو ضَارب إِلَى غير ذَلِك مِمَّا لَا يحصي كثره لم يعرف لذَلِك عِلّة فيعلل بهَا وَقد تكون عللهم أَيْضا مُخْتَلفَة فواحد أكل لعِلَّة وَآخر لعِلَّة أُخْرَى فَلَا يُمكن تَعْلِيل ذَلِك بعلة تشيع فيهم فان قَالُوا إِنَّمَا كَانَ يلْزم مَا ذكرتموه لَو كَانَ أصل الْمُوَاضَعَة من قبلهم إِذا وضعُوا الْأَسْمَاء لعرض هُوَ قَائِم فِي الِاسْتِغْرَاق وَجب أَن يضعوا لَهُ كلَاما أَيْضا فَأَما والاسماء تَوْقِيف فَلَا يلْزم ذَلِك قيل لَو كَانَت الْأَسْمَاء توقيفا فِي الأَصْل لوَجَبَ إِذا لم يوقفوا على وضع كَلَام لِمَعْنى واشتدت حَاجتهم إِلَى وضع كَلَام لَهُ أَن يضعوه لَهُ كَمَا أَن من استحدث لَهُ من الصناع يلتجيء إِلَى وضع اسْم لَهَا وَإِن كَانَ أصل الْمُوَاضَعَة لَيست لسبق إِلَى الْفَهم الْبَعْض دون الِاسْتِغْرَاق من قبله وَكَذَلِكَ من ولد لَهُ ولد وَإِذا وَجب ذَلِك فِي الشَّخْص الْوَاحِد فللأمم الْكَثِيرَة فِي الْأَزْمَان الْمُتَّصِلَة أولى بِوُجُوب ذَلِك دَلِيل لَو كَانَ لفظ للْعُمُوم مُشْتَركا بَين الِاسْتِغْرَاق وَبَين الجموع الَّتِي دونه لَكَانَ الْإِنْسَان إِذا قَالَ رَأَيْت الْقَوْم كلهم أَجْمَعِينَ قد أكد الِاشْتِرَاك والالتباس وَكلما زَاد فِي التَّأْكِيد زَاد تَأْكِيد الالتباس وَالْإِيهَام وَمَعْلُوم باضطرار من مَقَاصِد أهل اللُّغَة أَنهم لَا يؤكدون بذلك الِاشْتِرَاك بل يقصدون تَأْكِيد الْإِيضَاح وَالْبَيَان وَأَنَّهُمْ إِذا أَرَادوا تَأْكِيد الْإِيهَام لم يعمدوا إِلَى هَذَا التَّأْكِيد وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّه يلْزم الْمُخَالف تَأْكِيد الِاشْتِرَاك والالتباس لِأَن لَفْظَة كل مُشْتَركَة على سَبِيل الْحَقِيقَة بَين الِاسْتِغْرَاق وَبَين مَا تَحْتَهُ من الجموع وَكَذَلِكَ لَفْظَة أَجْمَعِينَ وكل من دلّ على شَيْء بِدلَالَة ثمَّ تَابع بَين الْأَدِلَّة عَلَيْهِ فانه يتَأَكَّد ذَلِك الْمَدْلُول وَجرى مجْرى أَن يَقُول الْإِنْسَان رَأَيْت جمعا

стр. 197

إِمَّا كل النَّاس وَإِمَّا بَعضهم ثمَّ كرر هَذَا الْكَلَام مرّة أُخْرَى فِي أَنه يكون مؤكدا للالتباس وَكَذَلِكَ لَو قَالَ رَأَيْت سقفا ثمَّ قَالَ رَأَيْت سقفا أَو قَالَ رَأَيْت إِمَّا الْحمرَة وَإِمَّا الْبيَاض وَلَو جَازَ مَعَ اشْتِرَاك اللفظتين بَين الِاشْتِرَاك وَبَين الْبَعْض أَن تكون لَفْظَة كل مُؤَكدَة للاستغراق لجَاز أَن تكون مُؤَكدَة للْبَعْض إِذْ كل وَاحِدَة من اللفظتين حَقِيقَة فِي الْكل وَحَقِيقَة فِي الْبَعْض فَلَو جَازَ أَن يتَأَكَّد باللفظة الثَّانِيَة الْكل جَازَ أَن يتَأَكَّد بهَا الْبَعْض وَذَلِكَ محَال إِن قيل إِنَّمَا يُؤَكد بِلَفْظَة كل وَلَفْظَة أَجْمَعِينَ لِأَن لَفْظَة كل أَو لَفْظَة أَجْمَعِينَ أَكثر اسْتِعْمَالا فِي الِاسْتِغْرَاق من غَيرهَا من الْأَلْفَاظ وَلَفْظَة أَجْمَعِينَ أَكثر إستعمالا فِي الِاسْتِغْرَاق من لَفْظَة كل قيل أما لَفْظَة أَجْمَعِينَ أَكثر فَأَنَّهُ لَيْسَ يظْهر أَنَّهَا اسْم لَهَا وَإِن كَانَ أصل الْمُوَاضَعَة لَيست إستعمالا فِي الِاسْتِغْرَاق من لَفْظَة كل وَلَو ظهر ذَلِك لَكَانَ لَا يَخْلُو إِمَّا أَن تكون مَعَ ذَلِك مُشْتَركَة بَين الِاسْتِغْرَاق وَبَين مَا دونه أَو لَا تكون مُشْتَركَة بل تكون بالاستغراق أخص فَإِن كَانَت بالاستغراق أخص وَهِي مفيدة لَهُ على سَبِيل الْحَقِيقَة لَا غير فَهُوَ قَوْلنَا دون قَوْلكُم وَإِن كَانَت مُشْتَركَة بَينهمَا واحتمالهما لَهما على سَوَاء فالالتباس قَائِم فان قَالُوا إِنَّمَا وَقع التَّأْكِيد بِلَفْظَة أَجْمَعِينَ لِأَنَّهَا فِي الْعَادة تسْتَعْمل فِي أَكثر الْجِنْس لَا فِي أَقَله وَلَيْسَ كَذَلِك النَّاس وَالْقَوْم قيل هَذَا لَا يمْنَع من أَن يكون بتأكيد الِاشْتِرَاك لِأَن اسْتِعْمَال لَفظه كل وأجمعين فِي الْأَكْثَر لَا يمْنَع من أَن يكون مُشْتَركَة بَين الْبَعْض وَبَين الِاسْتِغْرَاق وَأَن يلتبس على السَّامع مُرَاد الْمُتَكَلّم للْكُلّ وَالْبَعْض وعَلى أَنه إِن كَانَت هَذِه اللَّفْظَة أخص بِالْأَكْثَرِ مِنْهَا بِالْأَقَلِّ فقد خرجت من أَن تكون مُشْتَركَة وَوَجَب كَونهَا حَقِيقَة فِي الْأَكْثَر فَقَط با وَإِن لم تكن بالاكثر أخص مِنْهَا بِالْأَقَلِّ بل احتمالها لَهما على سَوَاء فقد سقط السُّؤَال وعَلى أَن هَذَا لَا يَتَأَتَّى فِي لَفْظَة كل وَلَفْظَة أَجْمَعِينَ لِأَنَّهُ لَا يُمكن أَن يُقَال إِن إِحْدَاهمَا تسْتَعْمل فِي شَيْء أَكثر مِمَّا تسْتَعْمل فِيهِ الْأُخْرَى أَلا ترى أَنا إِذا قُلْنَا رَأينَا الَّذين فِي الدَّار كلهم أَو قُلْنَا رَأينَا الَّذين فِي الدَّار أَجْمَعِينَ لم يجد السَّامع فصلا بَين الْكَلَامَيْنِ فِي كَثْرَة

стр. 198

مَا يفهمهُ وقلته وَأَيْضًا فقد يَقُول الْإِنْسَان ضربت النَّاس الَّذين فِي الدَّار أجمع فَلَو كَانَت إِحْدَى اللفظتين لَا تقع على سَبِيل الْحَقِيقَة إِلَّا على أَكثر مِمَّا تقع عَلَيْهِ الْأُخْرَى لما جَازَ تَأْكِيد الْأَكْثَر بِالْأَقَلِّ إِن قيل الْأَمر وَإِن كَانَ كَمَا ذكرْتُمْ فِي لَفْظَة كل وَلَفْظَة أَجْمَعِينَ إِذا كَانَا مفردين فانهما إِذا اجْتمعَا فَقَالَ الْقَائِل رَأَيْت النَّاس كلهم أَجْمَعِينَ علمنَا أَنه رأى أَكثر مِمَّا رَآهُ لَو قَالَ رَأَيْت النَّاس أَجْمَعِينَ أَو قَالَ رَأَيْت النَّاس كلهم قيل إِذا كَانَت كل وَاحِدَة من اللفظتين لَا تفِيد هَذِه الْكَثْرَة دون مَا نقص عَنْهَا فَيجب مثله عِنْد الِاجْتِمَاع لِأَن الْمركب من الْكَلَام إِنَّمَا يُفِيد تركيب معَان مُفْردَة فَقَط وَلَا يُفِيد فَائِدَة زَائِدَة دَلِيل متقرر أَن أهل اللُّغَة يلجأون فِي الْإِخْبَار عَن الِاسْتِغْرَاق إِلَى لَفْظَة كل وَجَمِيع وَلَا يلجأون إِلَى لفظ الْجمع نَحْو مُسلمين وَإِن كَانَ ذَلِك مُشْتَركا فِي كل جمع فان قَالُوا إِنَّمَا يلجأون إِلَى لفظ كل لما يقْتَرن بهَا من شَاهد الْحَال قيل فَهَلا اقْترن بِلَفْظ الْجمع ذَلِك مَعَ أَنه مُشْتَرك كلفظة كل دَلِيل آخر الْإِنْسَان إِذا سمع غَيره يَقُول ضربت كل من فِي الدَّار وَعلم أَن فِي الدَّار عشرَة وَلم يعرف سوى هَذَا اللَّفْظ أَعنِي أَنه لم يعرف أَن فِي الدَّار أَبَاهُ وَغَيره مِمَّن يغلب على الظَّن أَنه لَا يضْربهُ بل جوز أَن يَضْرِبهُمْ كلهم فان الأسبق إِلَى فهمه الِاسْتِغْرَاق وَلَو كَانَت اللَّفْظَة مجَازًا فِي الِاسْتِغْرَاق لسبق إِلَى الْفَهم الْبَعْض دون الِاسْتِغْرَاق وَلَو كَانَت اللَّفْظَة مُشْتَركَة بَين الِاسْتِغْرَاق وَمَا دونه لتردد فِي الْفَهم أَنه أَرَادَ الْكل أَو الْبَعْض على سَوَاء كَمَا تترد مَعَاني الْأَسْمَاء الْمُشْتَركَة فَلَا تترجح فِي النَّفس وَمن أنصف من نَفسه علم أَن الْأَمر كَمَا قُلْنَاهُ دَلِيل قَول الْقَائِل ضربت كل من فِي الدَّار يناقضه وينافيه قَول لم أضْرب كل من فِي الدَّار لِأَن الْإِنْسَان إِذا أَرَادَ أَن يُنَاقض من قَالَ ضربت

стр. 199

كل من فِي الدَّار قَالَ لَهُ فِي الْحَال لم تضرب كل من فِي الدَّار فَلَو كَانَت لَفْظَة كل مُشْتَركَة بَين الْبَعْض وَالْكل لم تكن مناقضة لقَوْله لم أضْرب كل من فِي الدَّار لِأَن هَذَا القَوْل يصدق إِذا ضرب الْبَعْض دون الْبَعْض وَلَو كَانَت لَفْظَة كل مجَازًا فِي الِاسْتِغْرَاق لَكَانَ مَا ذَكرْنَاهُ من نفي المناقضة أظهر وَأبين وَمَعْلُوم أَيْضا أَن لَفْظَة كل مُقَابلَة للفظة جُزْء وعَلى كل حَال وَذَلِكَ يمْنَع من أَن يكون قَوْلنَا كل مُفِيدا للجزء على الْحَقِيقَة دَلِيل قَول الْقَائِل اضْرِب رجلا يُفِيد ضرب رجل غير معِين وَقَوْلنَا لَا تضرب رجلا كالسلب لَهُ وَلَا يكون كالسلب لَهُ إِلَّا بِأَن يُفِيد نفي ضرب كل الرِّجَال لِأَنَّهُ لَو نفي ضرب بَعضهم لاجتمع مَعَ ضرب رجل وَفِي ذَلِك إبِْطَال تنافيهما وَكَذَلِكَ قَول الْقَائِل ضربت رجلا وَقَوله لم أضْرب رجلا دَلِيل اعْلَم أَن لَفْظَة من عَامَّة إِذا كَانَت نكرَة فِي المجازاة والاستفهام وَإِذا كَانَت معرفَة خصت هَكَذَا ذكره شُيُوخنَا وَنحن نقُول إِن لَفْظَة من لَا يستفهم بهَا إِلَّا أَن يقرن بهَا صفة فاذا قرن بهَا صفة عَمت كل عَاقل لَهُ تِلْكَ الصّفة سَوَاء كَانَت معرفَة أَو نكرَة يَقُول فِي الِاسْتِفْهَام من فِي الدَّار فَيكون استفهاما عَن كل عَاقل فِي الدَّار وَيَقُول فِي المجازاة من دخل دَاري ضَربته فَيعم كل عَاقل دخل دَاره وَيَقُول فِي الْمعرفَة ضربت من ضربت يَا زيد فَيعم كل عَاقل ضربه زيد فَهِيَ كالنكرة فِي هَذَا الْمَعْنى وَإِنَّمَا تفارق النكرَة فِي أَنَّهَا إِذا كَانَت معرفَة دخلت على من قد عَرَفَة الْمُخَاطب والمخاطب وَلَيْسَ كَذَلِك إِذا كَانَت نكرَة نَحْو قَوْله من دخل دَاري ضَربته وَالدَّلِيل على أَن لَفْظَة من تعم فِي الِاسْتِفْهَام أَنه لَا شُبْهَة فِي أَنَّهَا حَقِيقَة فِي الْعُقَلَاء لِأَنَّهُ لَا وَجه يَقْتَضِي كَونهَا حَقِيقَة فِي غَيرهم إِلَّا وَمَا هُوَ أقوى مِنْهُ يَقْتَضِي كَونهَا حَقِيقَة فيهم فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن تكون حَقِيقَة فِي جَمِيعهم فَقَط أَو حَقِيقَة فِي بَعضهم فَقَط أَو حَقِيقَة فِي الْكل وَفِي الْبَعْض فَلَو كَانَت حَقِيقَة فِي الْبَعْض حَتَّى يكون استفهاما عَن صفة بعض الْعُقَلَاء سَوَاء كَانَ معينا أَو غير معِين

стр. 200

لوَجَبَ إِذا كَانَ عِنْد الْإِنْسَان بَنو تَمِيم كلهم فَقَالَ لَهُ قَائِل من عنْدك من بني تَمِيم فَذكرهمْ لَهُ وَاحِدًا وَاحِدًا أَن يكون قد أَجَابَهُ عَمَّا سَأَلَهُ وَعَما لم يسْأَله وَذَلِكَ فِي الْقبْح جَار مجْرى أَن يجِيبه بِذكر الْعُقَلَاء وبذكر الْحمير وَلَو كَانَت حَقِيقَة فِي بعض معِين لوَجَبَ إِذا كَانَ عِنْد المسؤول غير ذَلِك الْبَعْض من الْعُقَلَاء أَن لَا تكون من استفهاما عَنْهُم فَكَانَ لَا يحسن أَن يذكرهم فِي الْجَواب كَمَا لَو كَانَ عِنْده الْبَهَائِم إِذْ السُّؤَال مَا تناولهم وَأَيْضًا فالمسؤول لَا يعرف الْبَعْض الَّذِي يكون لَفْظَة من سؤالا عَنهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذكر فِي لَفْظَة من وَفِي ذَلِك كَون المسؤول غير عَارِف بِمَا سُئِلَ عَنهُ وَلَا يقْصد السَّائِل بسؤاله بَعْضًا دون بعض وَلَا عددا دون عدد وَأَيْضًا فَلَيْسَ بِأَن تتَنَاوَل لَفْظَة من بَعْضًا من الْعُقَلَاء بأعيانهم بِأولى من أَن تتَنَاوَل بَعْضًا آخر وَلَو كَانَت لَفْظَة من مُشْتَركَة بَين الْكل وَالْبَعْض لَكَانَ العَبْد إِذا قَالَ لَهُ سَيّده من عنْدك وَعِنْده جمَاعَة من النَّاس لَهُ أَن لَا يُجيب بِذكر جَمِيعهم وَمَعْلُوم أَن الْعُقَلَاء يلومونه عى ذَلِك وَيَقُولُونَ لَهُ قد قَالَ لَك من عنْدك فَلم أَجَبْته بِذكر الْبَعْض ولكان لَهُ أَن يَقُول مَا أَدْرِي مَا الَّذِي تعنيه بكلامك إِذْ كلامك مُشْتَرك بَين الْبَعْض وَبَين الْكل ولكان لَهُ أَن يَقُول أعن خَمْسَة تَسْأَلنِي أَو عَن سِتَّة أَو عَن سَبْعَة ولكان لَهُ أَن يَقُول عَن الْعَرَب تَسْأَلنِي أم عَن الْعَجم فاذ قَالَ لَهُ عَن الْعَرَب قَالَ أعن مُضر أم عَن ربيعَة فاذا قَالَ عَن مُضر قَالَ أعن بني سعد أم عَن بني زيد ثمَّ يتَّصل الِاسْتِفْهَام من المسؤول هَكَذَا لِأَنَّهُ لَا وَجه يَقْتَضِي كَون لَفْظَة من مُشْتَركَة بَين الْكل وَالْبَعْض الاوهو قَائِم فِي قَوْلنَا الْعَرَب وَفِي قَوْلنَا بني تَمِيم وَمن مَذْهَب الْمُخَالف أَيْضا أَن هَذِه الْأَلْفَاظ كلهَا مُشْتَركَة وَمَعْلُوم قبح هَذَا الِاسْتِفْهَام بل لَا يتَّفق ذَلِك من الْعُقَلَاء وَلَا مَا هُوَ أقل مِنْهُ فان قَالُوا إِنَّمَا لم يحسن إِيصَال هَذَا الِاسْتِفْهَام لِأَن المسؤول يضْطَر الى قصد السَّائِل عَن بعض هَذِه الاستفهامات قيل فَكيف يضْطَر إِلَى قَصده ابدا مَعَ أَن جَمِيع مَا يَأْتِيهِ من الْأَلْفَاظ مُشْتَرك وَهل هَذَا إِلَّا كالقول بِأَن الْإِنْسَان إِذا سمع غَيره يَقُول

стр. 201

رَأَيْت شفقا علم على طَريقَة وَاحِدَة أَن الْمُتَكَلّم قد أَرَادَ الْحمرَة فِي أَن ذَلِك محَال وَإِنَّمَا يتَّفق ذَلِك فِي بعض الْحَالَات أَن يضْطَر إِلَى أَنه أَرَادَ أحد الْمَعْنيين وَإِلَّا فَالْأَصْل أَن يلتبس عَلَيْهِ وَلَو جَازَ أَن يضْطَر إِلَى قَصده أبدا لَكَانَ الِاسْم الْمُشْتَرك أظهر من الِاسْم الَّذِي حَقِيقَته معنى وَاحِد لِأَن هَذَا الِاسْم لَا يضْطَر السَّامع إِلَى مَعْنَاهُ على طَريقَة وَاحِدَة وَإِنَّمَا يظنّ أَنه قصد ذَلِك الْمَعْنى أَو يعلم علم اسْتِدْلَال إِذا كَانَ الْمُتَكَلّم بِهِ حكيما فان قَالُوا إِنَّمَا يضْطَر السَّامع إِلَى قصد الْمُتَكَلّم لما يقْتَرن بِكَلَامِهِ من الإشارات قيل إِنَّه لَفْظَة من لَيْسَ يقْتَرن بهَا إِشَارَة وَلَو أقترن بهَا إِشَارَة فِي بعض الْحَالَات لجَاز أَن لَا يقْتَرن بهَا فِي حَالَة أُخْرَى وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يحسن هَذَا الِاسْتِفْهَام الَّذِي ذَكرْنَاهُ إِذا لم تقترن الْإِشَارَة بِكَلَامِهِ وَأَيْضًا فَلَيْسَ بِوَاجِب حُصُول الْعلم عِنْد الْإِشَارَة على كل حَال فَكَانَ يَنْبَغِي أَن يحسن هَذَا الِاسْتِفْهَام فِي حَال دون حَال إِن قيل أَلَيْسَ قد يَقُول الْمُتَكَلّم لمن قَالَه من عنْدك أعن الْعَرَب تَسْأَلنِي أم عَن الْعَجم فَبَطل قَوْلكُم إِن ذَلِك لَا يحسن الْجَواب أَنه مَتى لم يعرف إِلَّا مُجَرّد اللَّفْظَة لم يحسن مِنْهُ هَذَا الإستفهام وَإِنَّمَا يحسن مِنْهُ ذَلِك إِذا علم من ضمير السَّائِل أَن غَرَضه أَن يسْأَله عَن أحد القبيلتين إِمَّا الْعَرَب وَإِمَّا الْعَجم وَلَا يعرف أَن غَرَضه أَحدهمَا بِعَيْنِه فَيَقُول لَهُ أعن الْعَرَب تَسْأَلنِي أم عَن الْعَجم وَلَو كَانَ الأَصْل حسن سُؤَاله عَن أحد القبيلتين لَكَانَ يَنْبَغِي أَن يكون حسن هَذَا الِاسْتِفْهَام هُوَ الْأَكْثَر وقبحه هُوَ القل وَالْأَمر بِخِلَاف ذَلِك وَيحسن أَن يتَّصل الِاسْتِفْهَام على مَا ذَكرْنَاهُ فَعلمنَا أَنه إِن حسن أَن يَقُول المسؤول للسَّائِل أعن الْعَرَب تَسْأَلنِي فَلَمَّا ذَكرْنَاهُ وَقد يكون عِنْد المسؤول عَالم من النَّاس يعجز عَن ذكر آحادهم فَيَقُول عِنْدِي عَالم من النَّاس لَا أَسْتَطِيع ذكر آحادهم فيعتذر بذلك وَيدل اعتذاره على أَن الْمَفْهُوم من لَفْظَة من السُّؤَال عَن كل عَاقل عِنْده إِن قيل إِنَّمَا يجِيبه بِذكر كل عَاقل عِنْده لِأَنَّهُ إِذا أَجَابَهُ بذلك فقد صَار إِلَى غَرَض السَّائِل لِأَنَّهُ إِن كَانَ غَرَضه السُّؤَال عَن الْكل فقد أَجَابَهُ وَإِن كَانَ غَرَضه السُّؤَال عَن الْبَعْض

стр. 202

فقد دخل تَحت جَوَابه عَن الْكل قيل يَقْتَضِي حسن جَوَابه عَن الْكل وَلَا يُوجِبهُ وَفِي ذَلِك حسن اسْتِفْهَام المسؤول عَن الْحَد الَّذِي ذَكرْنَاهُ وَأَيْضًا فان كَانَت اللَّفْظَة مُشْتَركَة فَلَيْسَ فِي جَوَاب المسؤول بِذكر الْكل وُصُول إِلَى غَرَض السَّائِل على كل حَال لِأَنَّهُ قد يجوز أَن يكون غَرَضه السُّؤَال عَن الْبَعْض وَهُوَ أحد محتملي السُّؤَال وَأَن لَا يفحص عَن الْبَاقِي وَلَا يعرفهُ فان قَالُوا لَو كَانَ هَذَا غَرَضه لما أَتَى بِلَفْظ مُشْتَرك قيل وَلَو كَانَ غَرَضه الْكل لما أَتَى بِلَفْظ مُشْتَرك بَين الْكل وَبَين الْبَعْض وعَلى أَن هَذَا يَقْتَضِي أَن يكون غَرَض المستفهم بِلَفْظَة من السُّؤَال عَن الْكل أبدا وَهَذَا يَقْتَضِي السَّامع ذَلِك من غَرَضه وَذَلِكَ يزِيل كَونهَا مُشْتَركَة فان قَالُوا إِنَّا غير مُشْتَركَة من جِهَة الْعرف قيل إِذا ثَبت لنا أَنَّهَا غير مُشْتَركَة فِي اللُّغَة فِي هَذَا الْوَقْت فقد تمّ غرضنا وَلَا ضَرَر علينا فِي أَن لَا نَعْرِف لماذا وضعت من قبل على أَنه لَا طَرِيق إِلَى أَن نعلم أَن اللَّفْظَة مَوْضُوعَة فِي أصل اللُّغَة للشَّيْء إِلَّا أَن نعلم أَنَّهَا حَقِيقَة فِيهِ فِي هَذَا الْوَقْت وَلَا يدل دَلِيل على أَنَّهَا منقولة فَلَو جَوَّزنَا فِي لَفْظَة من أَن تكون منقولة لم يجوز ذَلِك فِي كل لَفْظَة دَلِيل الْقَائِل إِذا قَالَ من دخل دَاري ضَربته حسن أَن يسْتَثْنى مِنْهُ كل عَاقل وَالِاسْتِثْنَاء يخرج من الْكَلَام مَا لولاه لوَجَبَ دُخُوله تَحْتَهُ فاذا لَوْلَا الِاسْتِثْنَاء لوَجَبَ دُخُول كل عَاقل تَحت لَفْظَة من فَلَو كَانَت لَفْظَة من حَقِيقَة فِي الْخُصُوص مجَازًا فِي الْعُمُوم أَو كَانَت حَقِيقَة فِي الِاسْتِغْرَاق وَفِيمَا دونه من الجموع لما وَجب دُخُول كل عَاقل تَحت الْكَلَام على كل حَال إِن قَالَ أَصْحَاب الِاشْتِرَاك مَا أنكرتم أَن يكون الِاسْتِثْنَاء إِنَّمَا يخرج من الْكَلَام مَا لولاه لصَحَّ دُخُوله تَحْتَهُ فَجَاز أَن يسْتَثْنى الْإِنْسَان من لَفْظَة من أَي عَاقل شَاءَ لصحه دُخُول كل عَاقل تحتهَا قيل لَو جَازَ مَا ذكرت لجَاز أَن يَقُول الْقَائِل لغيره اضْرِب رجَالًا إِلَّا زيدا وَهَذَا الْكَلَام فِي الْحسن والإستقامة يجْرِي مجْرى قَول قَائِل من دخل دَاري ضَربته إِلَّا زيدا لِأَن أَي رجل أَشرت إِلَيْهِ يجوز أَن يدْخل تَحت قَوْله اضْرِب رجلا على سَبِيل الْجمع

стр. 203

والشمول وَمَعْلُوم أَن أهل اللُّغَة لَا يتناولون قَول الْقَائِل من دخل دَاري ضَربته إِلَّا زيدا بل يجْعَلُونَ ذَلِك اسْتثِْنَاء حَقِيقَة ويتأولون قَوْله اضْرِب رجَالًا إِلَّا زيدا وَيَقُولُونَ إِن إِلَّا هَا هُنَا بِمَنْزِلَة لَيْسَ كَأَنَّهُ قَالَ اضْرِب رجَالًا لَيْسَ زيد مِنْهُم وَقد اسْتدلَّ أَصْحَابنَا على أَن الِاسْتِثْنَاء لَا يخرج من الْكَلَام مَا لولاه لصَحَّ دُخُوله تَحْتَهُ بأَشْيَاء مِنْهَا قَوْلهم لَو حسن ذَلِك لحسن أَن يَقُول الْقَائِل ضربت رجلا إِلَّا زيدا وَرَأَيْت رجلا إِلَّا زيدا لِأَن كل رجل يَصح دُخُوله تَحت قَوْله أضْرب رجلا وَلقَائِل أَن يَقُول أما قَول الْقَائِل اضْرِب رجلا إِلَّا زيدا فحسنه لَازم لكم لِأَن قَوْله اضْرِب رجلا يتَنَاوَل كل رجل على الْبَدَل على سَبِيل الْوُجُوب لَا على سَبِيل الصِّحَّة فَكَانَ يَنْبَغِي أَن يحسن أَن يسْتَثْنى مِنْهُ زيدا ليخرج من وجوب تنَاول الْخطاب لَهُ على الْبَدَل فان قُلْتُمْ إِنَّمَا لم يحسن ذَلِك لِأَن قَوْله اضْرِب رجلا لَا يتَنَاوَل كل رجل على جِهَة الشُّمُول وَالِاسْتِثْنَاء يخرج مَا لولاه لوَجَبَ دُخُوله تَحْتَهُ على جِهَة الشُّمُول الْجمع قبل لكم مَا أنكرتم أَن يكون الِاسْتِثْنَاء يخرج من الْكَلَام مَا لولاه لصَحَّ دُخُوله تَحْتَهُ على جِهَة الشُّمُول أَيْضا وَأما قَوْله رَأَيْت رجلا إِلَّا زيدا فانه لَا يسْتَعْمل لِأَن قَوْله رَأَيْت رجلا وَإِن لم يفد رجلا بِعَيْنِه فاذا نعلم أَن رُؤْيَته مَا تناولت إِلَّا شخصا معينا وَإِن لم يكن معينا لنا وَالشَّيْء الْوَاحِد الْمعِين لَا يجوز أَن يسْتَثْنى مِنْهُ لِأَنَّهُ لم يدْخل مَعَه غَيره لَا على جِهَة الشُّمُول وَلَا على جِهَة الْبَدَل وَمِنْهَا قَوْلهم إِن الِاسْتِثْنَاء يدْخل على أَلْفَاظ الْعدَد كَقَوْل الْقَائِل لَهُ على عشرَة إِلَّا وَاحِدًا وَإِنَّمَا حسن دُخُوله على الْعشْرَة لِأَنَّهُ قد أخرج مِنْهَا مَا لولاه لدخل فِيهَا أَلا ترى لَا يحسن استثناؤها كلهَا وَلَا اسْتثِْنَاء مَا لم يدْخل تحتهَا وَلقَائِل أَن يَقُول إِنَّمَا حسن اسْتثِْنَاء الْوَاحِد من الْعشْرَة لِأَنَّهُ لَوْلَا الِاسْتِثْنَاء لصَحَّ

стр. 204

دُخُوله فِي الْخطاب لَا لوُجُوب دُخُوله فِيهِ لِأَن وجوب دُخُول الْوَاحِد فِي جملَة الْعشْرَة لَا يمْنَع من كَون دُخُوله صَحِيحا إِن قيل كَيفَ يكون دُخُوله صَحِيحا وواجبا قيل إِن صِحَة دُخُوله تَحت لفظ الْعشْرَة نعني بِهِ أَن اسْم الْعشْرَة يتَنَاوَلهُ مَعَ غَيره على سَبِيل الْحَقِيقَة وَوُجُوب دُخُوله تَحْتَهُ نعني بِهِ أَنه لَا يكون الْخطاب حَقِيقَة إِلَّا إِذا دخل تَحْتَهُ وَمَعْلُوم أَن الْقسم الأول دَاخل تَحت الْقسم الثَّانِي وَيبين ذَلِك أَن كلما وَجب لَهُ حكم من الْأَحْكَام فَذَلِك الحكم صَحِيح عَلَيْهِ غير مُسْتَحِيل وَأَيْضًا فَلَو كَانَ يج دُخُوله تَحت الْخطاب مباينا لما يَصح دُخُوله تَحْتَهُ لم يَصح الأستدلال بِدُخُول الِاسْتِثْنَاء على لفظ الْعدَد لِأَن ذَلِك يدل على أَن الِاسْتِثْنَاء يخرج مَا لولاه لوَجَبَ دُخُوله تَحت الْخطاب وَذَلِكَ لَا يمْنَع من إِخْرَاجه مَا يَصح دُخُوله تَحْتَهُ لِأَن حسن أَحدهمَا لَا يمْنَع من حسن الآخر وَمِنْهَا قَوْلهم إِن أهل اللُّغَة قَالُوا إِن الِاسْتِثْنَاء هُوَ إِخْرَاج جُزْء من كل والجزء يجب كَونه جُزْء لكله وَلقَائِل أَن يَقُول إِن الشَّيْء قد يكون جُزْء للشَّيْء على طَرِيق الصِّحَّة وعَلى طَرِيق الْوُجُوب أما الَّذِي هُوَ جُزْء على طَرِيق الْوُجُوب فالواحد من الْعشْرَة وَأما الَّذِي هُوَ جُزْء على طَرِيق الصِّحَّة فانه يجوز أَن يكون جزءه وَيجوز أَن لَا يكون جزءه نَحْو قَول الْقَائِل اضْرِب رجَالًا فانه يجوز أَن يكون زيد جُزْء مِنْهُم وَيجوز أَن لَا يكون مِنْهُم فاذا كَانَ كَذَلِك فَلَيْسَ فِي قَول أهل اللُّغَة إِن الِاسْتِثْنَاء يخرج جُزْء من كل مَا يدل على أَنه يخرج مَا يجب أَن يكون جُزْء من الْكل وَالْمُعْتَمد فِي الْجَواب على الأول إِن قيل لَو كَانَ الِاسْتِثْنَاء يخرج من الْكَلَام مَا لولاه لوَجَبَ دُخُوله تَحْتَهُ يحسن أَن يَسْتَثْنِي الْإِنْسَان من قَوْله من دخل دَاري ضَربته الْمَلَائِكَة وَالْجِنّ لِأَنَّهُ يجب دُخُولهمْ تَحت لَفْظَة من قيل وَلَو كَانَ يخرج من الْكَلَام مَا لولاه لصَحَّ دُخُوله تَحْتَهُ لحسن اسْتثِْنَاء الْمَلَائِكَة وَالْجِنّ من قَول الْقَائِل من دخل دَاري ضَربته لِأَن تنَاول الْخطاب لم يَصح وَأَيْضًا فَإنَّا إِنَّمَا قُلْنَا إِن الِاسْتِثْنَاء لَا يخرج من الْكَلَام إِلَّا مَا يجب دُخُوله تَحْتَهُ وَهَذَا يَقْتَضِي أَن يكون كل مَا هَذِه سَبيله فَيجب

стр. 205

دُخُول الِاسْتِثْنَاء عَلَيْهِ وَأَيْضًا فالاستثناء إِنَّمَا يخرج من الْكَلَام مَا لولاه لتنَاوله الْكَلَام وَلم يمْنَع مَانع من دُخُوله تَحْتَهُ لَوْلَا الِاسْتِثْنَاء لِأَنَّهُ وَالْحَال هَذِه يجب دُخُول الْمُسْتَثْنى مِنْهُ تَحت الْخطاب وَالْمَلَائِكَة وَالْجِنّ قد منع مَانع من دُخُولهمْ تَحت الْخطاب وَعلمنَا أَن الْمُتَكَلّم مَا أَرَادَهُم قبل الِاسْتِثْنَاء فَلم يكن فِي الِاسْتِثْنَاء فَائِدَة وَلما لم يمْتَنع أَن يدخلُوا تَحت خطاب الله سُبْحَانَهُ حسن أَن يتناولهم الِاسْتِثْنَاء لِأَنَّهُ لَو قَالَ من عَصَانِي عاقبته حسن أَن يَسْتَثْنِي الْمَلَائِكَة وَالْجِنّ دَلِيل وَقد اسْتدلَّ فِي الْمَسْأَلَة بِأَن أهل اللُّغَة فصلوا بَين الْعُمُوم وَبَين الْخُصُوص وَجعلُوا أَحدهمَا فِي مُقَابلَة الآخر فَقَالُوا مخرج هَذَا اللَّفْظ الْعُمُوم ومخرج هَذَا الْخُصُوص كَمَا فصلوا بَين الْأَمر وَبَين النَّهْي فَكَمَا وَجب أَن يكون لكل وَاحِد مِنْهُمَا لفظ يَخُصُّهُ فَكَذَلِك الْعُمُوم وَالْخُصُوص وَهَذِه الدّلَالَة إِنَّمَا تفْسد القَوْل بِأَن لفظ الْعُمُوم يُفِيد مَا يفِيدهُ لفظ الْخُصُوص فَقَط وانه يُسْتَفَاد مِنْهُ الْعُمُوم بِالْقَصْدِ لِأَن الْقَائِل بِهَذَا القَوْل لَا يَجْعَل أَحدهمَا مُنْفَصِلا من الآخر وَذَلِكَ يمْنَع من أَن يكون أَحدهمَا فِي مُقَابلَة الآخر لِأَن الشَّيْء لَا يكون فِي مُقَابلَة نَفسه غير أَنه يبعد أَن يذهب إِلَى هَذَا القَوْل أحد فَأَما قَول الْخصم بِأَن الْعُمُوم مُشْتَرك بَين أول الْمَجْمُوع وَبَين الِاسْتِغْرَاق وَمَا بَينهمَا من الجموع وَلَا يُفِيد مَا نقص عَن أقل الْجمع على سَبِيل الْحَقِيقَة وَالْخُصُوص يُفِيد عينا وَاحِدَة فان هَذَا الدَّلِيل لَا يُفْسِدهُ وَكَذَلِكَ لَو قَالَ إِن لفظ الْعُمُوم يُفِيد أقل الْجمع دون مَا فَوْقه على سَبِيل الْحَقِيقَة وَالْخُصُوص لَا يفِيدهُ على سَبِيل الْحَقِيقَة إِلَّا عينا وَاحِدَة لِأَنَّهُ بِهَذَا القَوْل قد خَالف بَينهمَا فِي الْفَائِدَة وَذكر قَاضِي الْقُضَاة فِي الشَّرْح أَن الَّذِي يفْسد قَول الذاهبين إِلَى أَن لفظ الْعُمُوم مُشْتَرك بَين الإستغراق وَبَين مَا دونه أَن أهل اللُّغَة فصلوا بَين لفظ الْعُمُوم وَبَين النكرَة فِي الْإِثْبَات نَحْو رجل وَمَا أشبه ذَلِك وَلنْ يتم ذَلِك إِلَّا مَعَ القَوْل بِأَن فِي الْعُمُوم ضرب من الِاسْتِغْرَاق وَلقَائِل أَن يَقُول إِن ذَلِك يتم من دون مَا ذكره لِأَنِّي أجعَل النكرَة فِي الْإِثْبَات تتَنَاوَل وَاحِدًا غير معِين وَلَفظ الْعُمُوم يُفِيد الْجمع الْمُسْتَغْرق وَغير الْمُسْتَغْرق على الْبَدَل

стр. 206

دَلِيل وَمِمَّا اسْتدلَّ بِهِ فِي الْمَسْأَلَة هُوَ أَن أهل اللُّغَة خالفوا بَين تَأْكِيد الْعُمُوم وَبَين تَأْكِيد الْخُصُوص فَجعلُوا تَأْكِيد أَحدهمَا مفارقا لتأكيد الآخر أَلا ترى أَنهم قَالُوا رَأَيْت زيدا نَفسه وَلم يَقُولُوا رَأَيْت زيدا أَجْمَعِينَ وَقَالُوا رَأَيْت الْقَوْم أَجْمَعِينَ وَلم يَقُولُوا رَأَيْت الْقَوْم نَفسه قَالُوا فَكَمَا أَن تأكيديهما مُخْتَلِفَانِ لَا بِالْقَصْدِ فَكَذَلِك هما يجب أَن يختلفا لَا بِالْقَصْدِ لِأَن من حق التَّأْكِيد أَن يُطَابق الْمُؤَكّد وَلَا يلْزم على ذَلِك الْإِشَارَة لِأَنَّهَا تورد للاستعانة بهَا والاستراحة إِلَيْهَا لَا للتَّأْكِيد وَمَعَ ذَلِك فان الاشارة إِلَى جمَاعَة من النَّاس مُخَالفَة للْإِشَارَة إِلَى شخص وَاحِد وَلِهَذَا إِذا قَالَ الْإِنْسَان جَاءَنِي هَؤُلَاءِ الْقَوْم اشار إِلَى جَمَاعَتهمْ وحرك إصبعه فِي جهتهم وَإِذا قَالَ جَاءَنِي زيد وَحده أَشَارَ إِلَيْهِ وَحده وَكَذَلِكَ إِذا أَشَارَ وهم عَنهُ غيب فَقَالَ جَاءَنِي الْقَوْم كلهم وَقَالَ جَاءَنِي زيد وَحده وَهَذِه الدّلَالَة إِنَّمَا يبطل بهَا قَول من قَالَ إِن لفظ الْعُمُوم لَا يُفِيد إِلَّا مَا يفِيدهُ الْخُصُوص لِأَن القَوْل بذلك يلْزم عَلَيْهِ أَن يكون تَأْكِيد الْعُمُوم كتأكيد الْخُصُوص فَأَما إِذا قَالَ إِن لفظ الْخُصُوص يتَنَاوَل الْوَاحِد وَلَفظ الْعُمُوم يُفِيد الْجمع وَهُوَ مُشْتَرك بَين كل الجموع وَلَا يَقع على الْوَاحِد إِلَّا مجَازًا فانه قد خَالف بَين فائدتيهما فَلم يلْزمه أَن يُوَافق بَين تأكيديهما شُبْهَة لَهُم قَالُوا لَو كَانَ لفظ الْعُمُوم مُسْتَغْرقا لَكَانَ ذَلِك مَعْلُوما إِمَّا بالبديهة أَو باخبار الواضعين لذَلِك لنا مشافهة أَو بِنَقْل عَنهُ إِمَّا بالتواتر أَو بالآحاد وَأَن يكون طَرِيق ذَلِك الشَّرْع قَالُوا لَيْسَ خلافنا مَعكُمْ فِي أَن ذَلِك مَعْلُوم بِالشَّرْعِ لأنكم تدعون الْعلم بالاستغراق من جِهَة اللُّغَة قبل الشَّرْع وَمَعْلُوم أَن الْعلم بذلك لَيْسَ من البديهة وَمَا شاهدنا الواضعين فيشافهونا بذلك فَلَو تَوَاتر النَّقْل عَنْهُم باستغراق أَلْفَاظ الْعُمُوم لعلمنا من ذَلِك مَا علمْتُم وأخبار الْآحَاد لَيست طَرِيقا إِلَى الْعلم وَلَو كَانَ الْخَبَر عَن استغراق الْعُمُوم خبر وَاحِد لم

стр. 207

ينفعكم فَبَان أَنه لَا طَرِيق إِلَى الْعلم باستغراق أَلْفَاظ الْعُمُوم وَالْجَوَاب يُقَال لَهُم أَتَجْعَلُونَ هَذِه الشُّبْهَة دلَالَة على أَن لفظ الْعُمُوم مَا وضع للاستغراق أَو تجعلونها دلَالَة على أَنه وضع للاستغراق وَلما دونه فان قَالُوا بِالْأولِ قيل لَهُم نَحن نعلم ضَرُورَة بِالنَّقْلِ عَنهُ وَعند استعمالهم الْكَلَام أَن لَفْظَة كل وَجَمِيع إِذا اسْتعْملت فِي الإستغراق لم تكن مجَازًا وَلَو لم نعلم ذَلِك ضَرُورَة لجَاز أَن نعلم بِدَلِيل وَهُوَ أَن ينْقل عَنْهُم بالتواتر أَنهم أضافوا إِلَى هَذِه الْأَلْفَاظ أحكاما لَا تصح إِلَّا إِذا كَانَت الْأَلْفَاظ عَامَّة نَحْو الِاسْتِثْنَاء والاستفهام وَغير ذَلِك وعَلى أَن مَا ذَكرُوهُ يَقْتَضِي أَنه لَا طَرِيق لَهُم إِلَى الْعلم بِأَن لفظ الْعُمُوم وضع للاستغراق وَهَذَا يَقْتَضِي أَن يجوزوا كَونه مَوْضُوعا لَهُ وهم يقطعون على أَنه غير مَوْضُوع لَهُ وَلَا يَشكونَ فان قَالُوا مَذْهَبنَا أَن لفظ الْعُمُوم مَوْضُوع للاستغراق وَلما دونه قيل لَهُم فالشبهة عَلَيْكُم لَا لكم لأنكم قد سلمتم أَن لفظ الْعُمُوم مَوْضُوع للاستغراق وَهُوَ حَقِيقَة فِيهِ فكأنكم إِنَّمَا استدللتم على أَنه مَوْضُوع لما دونه وَنحن ننفي ذَلِك فلنا أَن نقُول لَو كَانَ مَوْضُوعا لما دونه لَكَانَ ذَلِك مَعْلُوما بالبديهه أَو بمشافهة الواضعين أَو بالتواتر عَنْهُم أَو بالآحاد وَلَا تَوَاتر فِي ذَلِك وَلَا آحَاد لِأَنَّهُ لَيْسَ أحد من أهل اللُّغَة قَالَ إِن لَفْظَة كل حَقِيقَة فِي الْبَعْض وَلَا نقل ذَلِك ناقل وَاحِد فَالْكَلَام لَازم لِأَنَّهُ لَو وضع لما دون الِاسْتِغْرَاق لما جَازَ أَن يضْرب أهل النَّقْل بأجمعهم عَن نَقله شُبْهَة قَالُوا لَو كَانَ الْعُمُوم مَوْضُوعا للاستغراق لفهم السَّامع لَهُ الِاسْتِغْرَاق عِنْد إِدْرَاكه بِأول وهلة كَمَا علم الْخُصُوص عِنْد إِدْرَاكه الْخُصُوص الْجَواب يُقَال لَهُم لم زعمتم أَنه كَانَ يجب ذَلِك وَأَيْضًا فَلَيْسَ كل مَعْلُوم يعلم عِنْد الْإِدْرَاك بِأول وهلة بل كثير من المعلومات يعلم بتأمل وَنظر وَلَا يمْتَنع أَن الْعُمُوم يعلم بالأدلة الَّتِي ذَكرنَاهَا وعَلى أَن كثيرا من أَلْفَاظ الْعُمُوم نَحْو كل وَجَمِيع إِذا تجردت علم من خالط أهل الْعَرَبيَّة من قصدهم استغراقها حَتَّى إِذا

стр. 208

سَمعهَا متجردة عَن قرينَة سبق إِلَى فهمه الِاسْتِغْرَاق نَحْو أَن يَقُول الْقَائِل ضربت كل من فِي الدَّار فَهِيَ كألفاظ الْخُصُوص وَإِن جَازَ أَن يكون الْعلم بفائدة لفظ الْخُصُوص أظهر وَيُقَال لَهُم وَلَو كَانَ لفظ الْعُمُوم مَوْضُوعا للاستغراق أَو وَلما دونه فَقَط لعرف ذَلِك من سمع الْعُمُوم بِأول وهلة شُبْهَة قَالُوا لفظ الْعُمُوم يسْتَعْمل فِي الِاسْتِغْرَاق وَفِيمَا دونه على سَوَاء فَكَمَا وَجب أَن يكون حَقِيقَة فِي الِاسْتِغْرَاق وَجب كَونه حَقِيقَة فِيمَا دونه الْجَواب يُقَال لَهُم لَو تعنون بقولكم إِنَّهَا مستعملة فِي الِاسْتِغْرَاق وَفِيمَا دونه على حد سَوَاء أَنَّهَا مستعملة فيهمَا على حد الْحَقِيقَة فَهُوَ مَوْضُوع الْخلاف وَفِي ذَلِك استدلالكم بالشَّيْء على نَفسه وَإِن أردتم أَنَّهَا تسْتَعْمل فِي كل وَاحِد مِنْهَا من غير قرينَة بل يَكْتَفِي بهَا فِي الدّلَالَة على الِاسْتِغْرَاق وعَلى مَا دونه لم نسلم لكم ذَلِك وَلم يمكنكم أَن تقولوه مَعَ القَوْل بالاشتراك فان أردتم أَنَّهَا لَا تسْتَعْمل فِي الِاسْتِغْرَاق وَلَا فِيمَا دونه إِلَّا مَعَ قرينَة وَأَنَّهَا لَا تدل على وَاحِد مِنْهَا إِلَّا بِقَرِينَة لم نسلمه لكم وَلَا يمكنكم أَن تعلمُوا أَنَّهَا لَا تدل على الِاسْتِغْرَاق بِنَفسِهَا إِلَّا بعد أَن تصححوا كَونهَا مُشْتَركَة ويلزمون أَن يكون قَوْلنَا حمَار حَقِيقَة البليد فان قَالُوا لَيْسَ مُسْتَعْمل فِيهِ كاستعماله فِي الْبَهِيمَة قُلْنَا لَهُم وَلَيْسَ اسْتِعْمَال لفظ الْعُمُوم وَفِيمَا دون الِاسْتِغْرَاق كاستعماله فِي الِاسْتِغْرَاق وَأي وَجه فصلوا بِهِ بَين اسْتِعْمَال اسْم الْحمار فِي الْبَهِيمَة وَفِي البليد أمكننا ذكره فِي مَسْأَلَتنَا وَاسْتَدَلُّوا بِالِاسْتِعْمَالِ على وَجه آخر فَقَالُوا إِن لفظ الْعُمُوم يسْتَعْمل فِي الِاسْتِغْرَاق وَفِيمَا دونه وَالظَّاهِر من اسْتِعْمَال الِاسْم فِي الشَّيْء أَن يكون حَقِيقَة فِيهِ إِلَّا أَن يمْنَع مَانع من كَونه حَقِيقَة فِيهِ نَحْو أَن يعلم باضطرار من قصد أهل اللُّغَة أَنهم يتجوزون بِالِاسْمِ فِيمَا استعملوه فِيهِ وَالْجَوَاب يُقَال لَهُم لم زعمتم أَن الظَّاهِر من اسْتِعْمَال الِاسْم فِي الشَّيْء أَنه حَقِيقَة فِيهِ وَمَا أنكرتم أَن اسْتِعْمَاله فِيهِ يدل على

стр. 209

أَنه مُسْتَعْمل فِيهِ فِي اللُّغَة فَأَما أَنه حَقِيقَة فِيهِ أَو مجَاز فَيحْتَاج فِيهِ إِلَى نظر آخر فان قَالُوا لَو لم يكن الِاسْتِعْمَال طَرِيقا إِلَى كَونه الِاسْم حَقِيقَة لم يكن لنا فِي الْفَصْل بَين كَون الِاسْم حَقِيقَة أَو مجَازًا طَرِيق قيل هَذَا دَعْوَى وَنحن قد بَينا وُجُوهًا يفصل بهَا بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز إِلَّا هَذَا وَلَو لم يكن هَذَا فصلا صَحِيحا فقد لزمنا وَإِيَّاكُم أَن لَا يكون لنا طَرِيق للفصل بَينهمَا وَلَيْسَ يصير الشَّيْء دَلِيلا على الشَّيْء لِأَنَّهُ قد فسد أَن يكون غَيره دَلِيلا وَلَيْسَ يجوز أَن يكون مَا ذَكرُوهُ دَلِيلا على الْحَقِيقَة لِأَن غَيره لَا يكون دَلِيلا عَلَيْهَا وَيُقَال لَهُم إِنَّمَا يجب أَن يكون اللَّفْظ حَقِيقَة فِي الشَّيْء إِذا لم يمْنَع مَانع من كَونه حَقِيقَة فِيهِ إِذا كَانَ ظَاهر اسْتِعْمَاله فِيهِ يَقْتَضِي أَن يكون حقيقه فِيهِ حَتَّى إِذا لم يمْنَع مَانع مِمَّا يَقْتَضِيهِ حكم الظَّاهِر حكم بِهِ فَمَا معنى قَوْلكُم إِن ظَاهر اسْتِعْمَال الِاسْم فِي الشَّيْء يَقْتَضِي كَونه حَقِيقَة فِيهِ فان قَالُوا معنى ذَلِك أَنه لَا يسْتَعْمل الِاسْم فِي الشَّيْء إِلَّا وَهُوَ حَقِيقَة فِيهِ انْتقض عَلَيْهِم بأسماء الْمجَاز كلهَا وَقيل لَهُم أَيْضا قَوْلكُم إِلَّا أَن يمْنَع من ذَلِك مَانع يُوجب أَنه قد يكون الِاسْم مجَازًا فِيمَا اسْتعْمل فِيهِ إِذا منع مَانع من كَونه حَقِيقَة فِيهِ فان قَالُوا معنى ذَلِك أَن الِاسْم إِذا اسْتعْمل فِي الشَّيْء فالأكثر والأغلب أَنه حَقِيقَة فِيهِ قيل لَهُم بل الْأَكْثَر اسْتِعْمَال الْمجَاز وَلَو صَحَّ مَا ذكرتموه لَكَانَ ذَلِك يُفِيد غَالب الظَّن فان الِاسْم إِذا اسْتعْمل فِي الشَّيْء كَانَ حَقِيقَة فِيهِ فان قَالُوا معنى قَوْلكُم إِن ظَاهر الْعُمُوم الِاسْتِغْرَاق قيل معنى ذَلِك أَنه مَوْضُوع لَهُ وَحَقِيقَة فِيهِ وَأَن الْمُتَكَلّم يجب أَن يَعْنِي بِهِ مَوْضُوعه إِذا جرده عَن دلَالَة وَلَا يمكنكم ذكر ذَلِك فِي الِاسْتِعْمَال لِأَن الِاسْتِعْمَال لَيْسَ بِلَفْظ فَيكون مَوْضُوعا للشَّيْء فَيُقَال لَهُ إِنَّه ظَاهره والأسبق إِلَى الأفهام فَلم يكن لَهُ معنى إِلَّا الْوَجْهَيْنِ اللَّذين ذكرناهما يلزمون أَن يكون اسْم الْأسد حَقِيقَة فِي الشجاع لِأَنَّهُ مُسْتَعْمل فِيهِ فان قَالُوا قد منع من ذَلِك مَانع وَهُوَ علمنَا باضطرار من قصد أهل اللُّغَة أَنه لَيْسَ

стр. 210

بِحَقِيقَة فِيهِ قيل لَهُم فَكَذَلِك نَحن نعلم باضطرار من قصد أهل اللُّغَة أَن قَول الْقَائِل ضربت كل من فِي الدَّار إِذا اسْتعْمل فِي ثَلَاثَة وفيهَا عشرَة أَنه مجَاز فان قَالُوا كَيفَ نعلم ذَلِك باضطرار وَنحن نخالفكم فِيهِ قيل وَكَيف علمْتُم باضطرار أَن اسْم الْأسد وَاقع على الشجاع مجَازًا والنافون للمجاز فِي اللُّغَة يمْنَعُونَ من كَون هَذَا الِاسْم للشجاع مجَازًا وَيُقَال لَهُم أَلَيْسَ قَوْلنَا أَمر مُسْتَعْمل فِي الشَّأْن وَالْفِعْل وَلَيْسَ بِحَقِيقَة فيهمَا وَلَيْسَ يمكنكم القَوْل بأنكم تعلمُونَ باضطرار كَون ذَلِك مجَازًا فيهمَا لوجدنا خلقا من النَّاس يَقُولُونَ إِن ذَلِك حَقِيقَة فيهمَا وَكَذَلِكَ وُقُوع اسْم الشَّفَاعَة على طلب الْمَنَافِع مجَاز عِنْد المرجئة وَلَيْسَ بِمَعْلُوم كَونه مجَازًا باضطرار لأَنا نَذْهَب إِلَى أَنه حَقِيقَة فِيهِ وَأَيْضًا فَلَيْسَ يجوز أَن يقْتَصر فِي كَون اللَّفْظ مجَازًا على أَنا نعلم باضطرار من قصد أهل اللُّغَة أَنه مجَاز لِأَنَّهُ لَيْسَ كل مَا لم نعلم باضطرار وَجب نَفْيه لِأَن الحكم قد يعلم بِدَلِيل وَقد يعلم باضطرار فَأن قَالُوا إِن الظَّاهِر من اسْتِعْمَال اللَّفْظ فِي الشَّيْء أَن يكون حَقِيقَة فِيهِ إِلَّا أَن يعلم باضطرار أَو بِدَلِيل أَنه مجَاز فِيهِ وَلَفظ الْعُمُوم مُسْتَعْمل فِيمَا دون الِاسْتِغْرَاق وَلَا يعلم أَنه مجَاز فِيهِ فَوَجَبَ كَونه حَقِيقَة فِيهِ وَلَا يلْزم على ذَلِك اسْتِعْمَال اسْم الْأسد فِي الشجاع وَاسم الشَّفَاعَة فِي طلب الْمَنَافِع لأَنا قد علمنَا أَن اسْم الْأسد مجَاز فِي الشجاع وَعلمنَا بِالدَّلِيلِ أَن اسْم الشَّفَاعَة مجَاز فِي طلب الْمَنَافِع قيل قد بَينا أَنه لَا معنى لقولكم إِن ظَاهر اسْتِعْمَال اللَّفْظ فِي الشَّيْء أَن يكون حَقِيقَة فِيهِ وَبينا أَن اسْتِعْمَال الِاسْم فِي الشَّيْء إِنَّمَا يدل على أَنه يُقَيِّدهُ فِي اللُّغَة فَلَا يَخْلُو أَنه إِذا لم نعلم أَنه مجَاز فِيهِ إِمَّا أَن لَا نعلم ذَلِك مَعَ الفحص عَن أَدِلَّة الْمجَاز مَعَ علمنَا بانتفائها ذَلِك عَن اللَّفْظ أَو مَعَ انْتِفَاء الفحص عَن أَدِلَّة الْمجَاز فان كُنَّا لم نفحص عَن أَدِلَّة الْمجَاز فنعلم انتفائها فَلَا مُعْتَبر بفقد علمنَا بِأَنَّهُ مجَاز نَحْو أَن يكون فِي اللُّغَة مَا يدل على أَنه مجَاز وَإِن كُنَّا لم نعلم أَنه مجَاز مَعَ علمنَا بِانْتِفَاء أَدِلَّة الْمجَاز عَن اللَّفْظ فقد صَار الدَّلِيل على أَن اللَّفْظَة حَقِيقَة هُوَ أَنا لما رأيناها مستعملة فِي الشَّيْء علمنَا أَنَّهَا من اللُّغَة ثمَّ قُلْنَا إِمَّا أَن تكون حَقِيقَة فِيهِ أَو مجَازًا وَلَيْسَت

стр. 211

مجَازًا لِأَن للمجاز أَدِلَّة محصورة كلهَا منتفية عَنهُ فصح كَونهَا حَقِيقَة وَإِذا كَانَ كَذَلِك لم تصح هَذِه الدّلَالَة إِلَّا بِأَن يحضر أَدِلَّة الْمجَاز وَتبين زَوَالهَا عَن اللَّفْظ إِذا اسْتعْمل فِيمَا دون الِاسْتِغْرَاق فَيجب أَن تبينوا ذَلِك حَتَّى يَصح دليلكم فان قَالُوا فَمَا الْفرق بَين هَذَا الِاسْتِدْلَال وَبَين استدلالكم بِظَاهِر الْعُمُوم وقولكم إِنَّه على الِاسْتِغْرَاق إِلَّا أَن يدل دَلِيل على تَخْصِيصه قبل إِن لفظ الْعُمُوم عندنَا مَوضِع للاستغراق فصح أَن نقُول إِنَّه يفِيدهُ إِلَّا أَن يمْنَع مِنْهُ مَانع وَقد بَينا بطلَان القَوْل بِأَن ظَاهر الِاسْتِعْمَال يُفِيد الْحَقِيقَة وَمَعَ ذَلِك فَلَيْسَ يَصح أَن يعلم استغراق الْعُمُوم إِلَّا بِأَن يعلم أَنه مَوْضُوع للاستغراق وَيعلم انْتِفَاء مَا يَخُصُّهُ كَمَا لَا يعلم أَن اللَّفْظ حَقِيقَة فِيمَا اسْتعْمل فِيهِ إِلَّا بعد أَن يعلم انْتِفَاء أَدِلَّة الْمجَاز فهما سيان من هَذِه الْجِهَة غير أَنه يجوز للمستدل بِظَاهِر الْعُمُوم أَن يعول عَلَيْهِ وَيكون على المناظر لَهُ أَن يُورد عَلَيْهِ مَا يخص الْعُمُوم وَلَا يتَكَلَّف الْمُسْتَدلّ بَيَان فقد مَا يخص الْعُمُوم لِأَنَّهُ قد ذكره مَا يدل على الِاسْتِغْرَاق إِذا لم يكن فِي مُعَارضَة مَا يَخُصُّهُ فَهُوَ معول على دلَالَة الْمَشْرُوط فَلَو كلفناه تَصْحِيح الشَّرْط لطال وَلم يَتَّسِع لَهُ الزَّمَان وَلَيْسَ كَذَلِك من قَالَ إِن ظَاهر الِاسْتِعْمَال الْحَقِيقَة إِلَّا أَن يمْنَع مَانع لأَنا قد بَينا أَن محصول كَلَامه أَن اللُّغَة تجوز اسْتِعْمَال الِاسْم فِيمَا دون الِاسْتِغْرَاق وَإِنَّمَا نعلم أَنه حَقِيقَة فِيهِ لفقد دلَالَة الْمجَاز فَقَوله إِنَّنِي قد فقدت أَدِلَّة الْمجَاز اقْتِصَار على دَعْوَى فَقَط فان أمكن تصحيحها وَإِلَّا فَهُوَ مقتصر على دَعْوَى شُبْهَة قَالُوا لَو كَانَ لفظ الْعُمُوم مُسْتَغْرقا لَكَانَ الِاسْتِثْنَاء مِنْهُ نقضا ورجوعا وَيُقَال لَهُم مَا معنى كَونه نقصا فان قَالُوا معنى ذَلِك أَنه يدلنا على أَن لفظ الْعُمُوم قد أَرَادَ بِهِ الْمُتَكَلّم بعض ظَاهره وَاسْتَعْملهُ فِيهِ فَقَط قيل فَهَذَا مَذْهَبنَا فان سميتموه نقضا فَلَا يضرنا ثمَّ يُقَال لَهُم أتريدون أَن ظَاهر الْعُمُوم عندنَا الِاسْتِغْرَاق إِذا تجرد عَن اسثناء وَمَا يجْرِي مجْرَاه أَو وَإِن لم يتجرد فان قَالُوا إِذا تجرد قيل لَهُم فَمَا تجرد فِي مسئلتنا وَإِن قَالُوا وَإِن لم يتجرد قيل لَهُم لَا

стр. 212

يسلم ذَلِك خصوصهم على أَن لفظ الْعُمُوم إِنَّمَا يسْتَغْرق مَا دخل عَلَيْهِ وَإِذا كَانَ مَعَه اسْتثِْنَاء فَهُوَ دَاخل على مَا عدا المستثني وَهُوَ مُسْتَغْرق لَهُ فَلم يكن الِاسْتِثْنَاء نقضا من ذَلِك لَفْظَة كل تَقْتَضِي استغراق مَا دخلت عَلَيْهِ لِأَنَّك إِذا قلت ضربت كل من فِي الدَّار استغرقت لَفْظَة كل جَمِيع من فِي الدَّار لَا غَيرهم وَإِذا قلت ضربت كل رجل طَوِيل كَانَ ذَلِك مُسْتَغْرقا لكل طَوِيل لَا غير فَكَذَلِك قَوْلك كل رجل فِي الدَّار إِلَّا بني تَمِيم مَعْنَاهُ كل من عدا بني تَمِيم فلفظة كل دخلت على من عداهم فاستغرقتهم فاذا اسْتعْملت لَفْظَة كل فِي هَذَا الْموضع فِي غير ظَاهرهَا فَيكون الِاسْتِثْنَاء نقضا لَهَا وعَلى أَنه لَو كَانَ ظَاهر الْعُمُوم الِاسْتِغْرَاق على كل حَال وَالِاسْتِثْنَاء قد صيرها مجَازًا لم يلْزم أَن يكون نقضا لِأَن مَا دلّ على أَن الْكَلِمَة مجَاز لَا يكون نقضا لَهَا كالقرينة الدَّالَّة على أَن قَوْلنَا أَسد مُسْتَعْمل فِي الرجل الشجاع فان قيل لَو لم يكن قَول الْقَائِل ضربت كل من فِي الدَّار إِلَّا بني تَمِيم نقضا وقبيحا لَكَانَ قَوْله ضربت كل من فِي الدَّار لم أضْرب كل من فِي الدَّار غير مناقضة وَلَا قبيحا قيل هَذَا لكم ألزم لأنكم تذهبون إِلَى أَن لَفْظَة كل حَقِيقَة فِي الِاسْتِغْرَاق وَفِي الْبَعْض أَيْضا وَيحسن عنْدكُمْ الِاسْتِثْنَاء مِنْهَا لِأَنَّهُ يدل على أَن لفظ الْعُمُوم مُسْتَعْمل فِي إِحْدَى حقيقتيه فَيلْزم أَن يحسن أَن يَقُول الْإِنْسَان ضربت كل من فِي الدَّار لم أضْرب كل من فِي الدَّار ليدل بذلك على أَنه اسْتعْمل لَفْظَة كل فِي إِحْدَى حقيقتيها وَهِي الْبَعْض وَالْفرق عندنَا بَين الْمَوْضِعَيْنِ أَن الِاسْتِثْنَاء لما لم يسْتَقلّ بِنَفسِهِ وَجب تَعْلِيقه بِمَا تقدم وَذَلِكَ يدل على أَن الْمُتَكَلّم بالمستثنى مِنْهُ مَا استوفى غَرَضه مِنْهُ لِأَنَّهُ مَا عدل عَنهُ أَلا ترى أَنه قد قَيده بِمَا لَا يسْتَقلّ إِلَّا مَعَه وَإِذا لم يكن عادلا عَن الْكَلَام بِالِاسْتِثْنَاءِ صَار الِاسْتِثْنَاء جُزْء من الْجُمْلَة وَصَارَ مَجْمُوع الْمُسْتَثْنى والمستثنى مِنْهُ كالجملة الْوَاحِدَة وَدلّ مجموعها على استغراق مَا عدا الْمُسْتَثْنى وَلَيْسَ كَذَلِك قَول الْقَائِل ضربت كل من فِي الدَّار لم أضْرب كل من فِي الدَّار لِأَن كل وَاحِدَة من الجملتين مُسْتَقلَّة بِنَفسِهَا لَا يجب أَن تعلق الثَّانِيَة بِالْأولَى فعدول الْمُتَكَلّم من

стр. 213

الْجُمْلَة الأولى إِلَى جملَة مُسْتَقلَّة بِنَفسِهَا لَا يجب تَعْلِيقهَا بِالْأولَى يدل على أَنه قد استوفى غَرَضه من الاولى فَلَمَّا أقرّ بِالثَّانِيَةِ كَانَ قد نقض الاولى لِأَنَّهَا تنافيها بعد اسْتِيفَاء الْغَرَض من الاولى وَأَيْضًا فان لفظ الْعُمُوم إِنَّمَا دخل على مَا عدا الْمُسْتَثْنى على مَا بَيناهُ فَهُوَ مُسْتَغْرق لَهُ دون غَيره كَمَا أَن الْعُمُوم الْمَشْرُوط والمقيد بِالصّفةِ إِنَّمَا دخل على مَا عدا الشَّرْط وَالصّفة وَلَيْسَ يجب أَن يقبح الْعُمُوم الْمَشْرُوط وَلَا الْعُمُوم الْمُقَيد بِالصّفةِ كَمَا يقبح قَول الْقَائِل ضربت كل النَّاس لم أضْرب كل النَّاس لِأَن كل وَاحِدَة من اللفظتين قد دخلت على النَّاس يبين مَا ذَكرْنَاهُ أَن الْإِنْسَان إِذا قَالَ ضربت كل من فِي الدَّار عَم جَمِيعهم وَإِذا قَالَ لعبيده أكْرم كل النَّاس عَم الْجَمِيع وَإِذا قَالَ لعبيده أكْرم كل النَّاس إِن كَانُوا مُؤمنين عَم الْمُؤمنِينَ دون غَيرهم وَاقْتضى ذَلِك التَّخْصِيص وَلم يجز قِيَاسا على ذَلِك أَن يَقُول ضربت كل من فِي الدَّار لم أضْرب كل من فِي الدَّار فَكَذَلِك القَوْل فِي الْعُمُوم الْمُسْتَثْنى مِنْهُ فَهَذَا كَلَام فِي قَوْلهم إِن الِاسْتِثْنَاء نقض ثمَّ يُقَال لَهُم مَا معنى قَوْلكُم إِن الِاسْتِثْنَاء رُجُوع فان قَالُوا رُجُوع عَن ظَاهر الْكَلَام لِأَن ظَاهر الْعُمُوم الِاسْتِغْرَاق عنْدكُمْ وَالِاسْتِثْنَاء قد منع مِنْهُ فقد تقدم الْكَلَام على ذَلِك وَقُلْنَا إِن الْعُمُوم اقْتضى استغراق مَا دخل عَلَيْهِ وَهُوَ مَا عدا الْمُسْتَثْنى وَقُلْنَا إِنَّه لَو اقْتضى استغراق الْكل وَالِاسْتِثْنَاء يمْنَع من ذَلِك لَكَانَ قد دلّ على أَنه مجَاز وَذَلِكَ غير مُسْتَحِيل وَإِن قَالُوا اردنا أَنه رُجُوع عَن الْإِرَادَة لِأَن الْمُتَكَلّم أَرَادَ بِلَفْظ الْعُمُوم الِاسْتِغْرَاق ثمَّ عدل عَن هَذِه الْإِرَادَة إِلَى إِرَادَة الْبَعْض فَقَط عِنْد الِاسْتِثْنَاء قيل لَهُم وَلم زعمتم أَنه أَرَادَ عِنْد أول كَلَامه استغراق الْجَمِيع وَمَا أنكرتم أَنه أَرَادَ استغراق مَا دخل عَلَيْهِ لفظ كل وَهُوَ مَا عدا الْمُسْتَثْنى فَلَا يكون قد أَرَادَ شَيْئا ثمَّ عدل عَنهُ فان قَالُوا لَو كَانَ الْمُتَكَلّم قد أَرَادَ الْبَعْض بِلَفْظ الْعُمُوم لَكَانَ قد اسْتثْنى مِمَّا لم يرد وَذَلِكَ محَال قيل إِنَّه أَرَادَ الْكل بِلَفْظ الْعُمُوم لكنه أَرَادَ كل مَا دخل عَلَيْهِ اللَّفْظ وَهُوَ مَا عدا الْمُسْتَثْنى فَلَا نقُول إِنَّه أَرَادَ الْبَعْض ثمَّ اسْتثْنى كَمَا نقُول لَو أَنه إِذا

стр. 214

قَالَ اضْرِب كل الرِّجَال الطوَال دون الْقصار على انه يلْزمهُم مثل مَا ألزمونا لأَنا لَا نقُول لَهُم إِذا كَانَ لفظ الْعُمُوم مُشْتَركا بَين الِاسْتِغْرَاق وَبَين مَا دونه فأخبرونا هَل أَرَادَ الْمُتَكَلّم الِاسْتِغْرَاق ثمَّ اسْتثْنى مِنْهُ أَو أَرَادَ الْبَعْض ثمَّ اسْتثْنى مِنْهُ زيدا فان قَالُوا بِالْأولِ قيل لَهُم فقد رَجَعَ وَإِن قَالُوا بِالثَّانِي قيل لَهُم أفهل اسْتثْنى مِنْهُ زيدا من الْبَعْض الذى أردناه أَو من الْبَعْض الذى لم نرده فان قَالُوا بِالْأولِ قيل لَهُم هَذَا رُجُوع وَإِن قَالُوا بِالثَّانِي قيل لَهُم فقد أخرج بِالِاسْتِثْنَاءِ مَا لم يردهُ وَهَذَا الَّذِي أتيتموه وَرُبمَا تعلقوا بِالِاسْتِثْنَاءِ من وَجه آخر فَقَالُوا لَو كَانَ لفظ الْعُمُوم مُسْتَغْرقا لجرى الِاسْتِثْنَاء مِنْهُ مجْرى أَن يعدد الْإِنْسَان أشخاص الْجِنْس ثمَّ يسْتَثْنى مِنْهُ شخصا نَحْو أَن يَقُول رَأَيْت زيدا رَأَيْت عمرا رَأَيْت خَالِدا هَكَذَا إِلَى آخر النَّاس ثمَّ يَقُول إِلَّا زيدا فَلَمَّا قبح هَذَا قبح ذَاك وَفِي حسن الِاسْتِثْنَاء دَلِيل على ان لفظ الْعُمُوم غير شَامِل يُقَال لَهُم لم زعمتم أَنه إِذا قبح أَحدهمَا قبح الآخر وَمَا أنكرتم أَن الْفرق بَينهمَا أَن الِاسْتِثْنَاء إِخْرَاج جُزْء من كل فَيدل على أَن الْمُتَكَلّم اسْتعْمل لفظ الْكل فِي جَمِيع مَا عدا الِاسْتِثْنَاء فاذا قَالَ الْإِنْسَان رَأَيْت زيدا رَأَيْت عمرا إِلَّا زيدا لم يخل قَوْله إِلَّا زيدا إِمَّا أَن يكون رَاجعا إِلَى زيد اَوْ إِلَى عَمْرو فان رَجَعَ إِلَى زيد كَانَ ذَلِك رُجُوعا ونقضا وإخراجا لجزء من كل واستعمالا للفظ كل فِيمَا عدا الْمُسْتَثْنى وَإِن رَجَعَ إِلَى عَمْرو وَلم يكن قد أخرج زيدا من شَيْء هُوَ كُله لِأَن عمرا لَيْسَ بِكُل زيد وَلَيْسَ يجوز أَن يرجع الِاسْتِثْنَاء إِلَى زيد وَإِلَى عَمْرو مَعًا لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا مُسْتَقل بِنَفسِهِ وَلَيْسَ يشملهما لفظ وَاحِد هُوَ كل لَهما فَيكون الِاسْتِثْنَاء دَالا على أَن لفظ الْكل مُسْتَعْمل فِيمَا عداهُ وَلَيْسَ كَذَلِك قَول الْقَائِل ضربت كل من فِي الدَّار إِلَّا زيدا لِأَن قَوْلنَا كل لفظ يَشْمَل الْأَشْخَاص فصح أَن يخرج الِاسْتِثْنَاء بَعْضهَا بِأَن يدل على أَن لَفْظَة كل مستعملة فِيمَا عدا الْمُسْتَثْنى وَيجْرِي ذَلِك مجْرى تعديد الْأَشْخَاص كلهم إِلَّا زيدا ثمَّ يُقَال لَهُم أَنْتُم تَقولُونَ إِن لفظ الْعُمُوم حَقِيقَة للاستغراق كَمَا أَنه حَقِيقَة للْبَعْض فقد لزمكم

стр. 215

أَن يكون الْعُمُوم مَعَ الِاسْتِثْنَاء يجْرِي مجْرى أَن يعدد الْمُتَكَلّم أشخاص الْجِنْس ثمَّ يَسْتَثْنِي وَاحِدًا مِنْهَا فان قَالُوا لَا يلْزمنَا ذَلِك لِأَنَّهُ إِذا اسْتثْنى مِنْهَا وَاحِدًا علمنَا أَنه لفظ الْعُمُوم فِيمَا عداهُ واستعماله فِيمَا عداهُ هُوَ حَقِيقَة عندنَا قيل لَهُم اسْتِعْمَاله فِيمَا عدا الْمُسْتَثْنى حَقِيقَة عندنَا لِأَنَّهُ دخل عَلَيْهِ لَا غير على مَا بَيناهُ وَلَو كَانَ اسْتِعْمَاله فِيهِ مجَازًا لَكَانَ الِاسْتِثْنَاء قد دلّ على أَن لفظ الْعُمُوم مُسْتَعْمل على وَجه الْمجَاز وَلَيْسَ اسْتِعْمَال اللَّفْظ فِيمَا هُوَ مجَاز فِيهِ يجْرِي مجْرى أَن يَقُول الانسان رَأَيْت زيدا وعمرا إِلَّا زيدا وَرُبمَا تعلقوا بِالِاسْتِثْنَاءِ على وَجه آخر فَقَالُوا لَو كَانَ لفظ الْعُمُوم مُسْتَغْرقا لما جَازَ تَخْصِيصه بِدلَالَة مُتَّصِلَة وَلَا مُنْفَصِلَة كَمَا لَا يجوز تَخْصِيص الْعلَّة بل الْعُمُوم أولى بذلك لِأَنَّهُ دلَالَة قَاطِعَة وَالْعلَّة الشَّرْعِيَّة أَمارَة وَالْجَوَاب يُقَال لَهُم أما التَّخْصِيص بالأدلة الْمُتَّصِلَة بِالشُّرُوطِ وَالِاسْتِثْنَاء وَالتَّقْيِيد بِالصّفةِ فقد قُلْنَا إِن الْعُمُوم يكون دَاخِلا فِيمَا عداهُ وَأما الدّلَالَة الْمُنْفَصِلَة فانما جَازَ أَن تخصص الْعُمُوم لِأَنَّهُ لفظ والألفاظ يجوز اسْتِعْمَالهَا فِي حَقِيقَتهَا وَفِي مجازها وَيجوز أَن تدل الدّلَالَة على اسْتِعْمَالهَا فِي الْمجَاز وَهَذِه الطَّرِيقَة مفقودة فِي الْعِلَل فَكَانَ محصول هَذِه الشُّبْهَة أَن قَالُوا لَو كَانَ حَقِيقَة الْعُمُوم الِاسْتِغْرَاق لما جَازَ اسْتِعْمَاله فِي الْمجَاز وَهَذَا ينْتَقض بِجَمِيعِ الْأَلْفَاظ وَجَمِيع هَذِه الشُّبْهَة تنْتَقض بِالِاسْتِثْنَاءِ من أَلْفَاظ الْعدَد شُبْهَة قَالُوا لَو كَانَ لفظ الْعُمُوم مُسْتَغْرقا لما حسن أَن يستفهم الْمُتَكَلّم بِهِ لِأَن الِاسْتِفْهَام هُوَ طلب الْفَهم وطلبا فهم مَا قد فهم بِالْخِطَابِ عَبث وَمَعْلُوم أَن الْإِنْسَان إِذا سمع غَيره يَقُول ضربت كل من فِي الدَّار فانه يحسن مِنْهُ أَن يَقُول أضربتهم أَجْمَعِينَ وَأَن يَقُول ضربت زيدا فيهم وَالْجَوَاب يُقَال لَهُم إِن الِاسْتِفْهَام قد يكون طليا لمُطلق الْفَهم وَإِزَالَة الإلباس وَقد يكون طلبا لزِيَادَة الْفَهم وَزِيَادَة الْفَهم فهم وَذَلِكَ أَن الْفَهم للخطاب قد يكون علما
следующие страницы →