← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6319

المعتمد في أصول الفقه

أبو الحسين البصري المعتزلي

Полный текст (878 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

مجَازًا لِأَن للمجاز أَدِلَّة محصورة كلهَا منتفية عَنهُ فصح كَونهَا حَقِيقَة وَإِذا كَانَ كَذَلِك لم تصح هَذِه الدّلَالَة إِلَّا بِأَن يحضر أَدِلَّة الْمجَاز وَتبين زَوَالهَا عَن اللَّفْظ إِذا اسْتعْمل فِيمَا دون الِاسْتِغْرَاق فَيجب أَن تبينوا ذَلِك حَتَّى يَصح دليلكم فان قَالُوا فَمَا الْفرق بَين هَذَا الِاسْتِدْلَال وَبَين استدلالكم بِظَاهِر الْعُمُوم وقولكم إِنَّه على الِاسْتِغْرَاق إِلَّا أَن يدل دَلِيل على تَخْصِيصه قبل إِن لفظ الْعُمُوم عندنَا مَوضِع للاستغراق فصح أَن نقُول إِنَّه يفِيدهُ إِلَّا أَن يمْنَع مِنْهُ مَانع وَقد بَينا بطلَان القَوْل بِأَن ظَاهر الِاسْتِعْمَال يُفِيد الْحَقِيقَة وَمَعَ ذَلِك فَلَيْسَ يَصح أَن يعلم استغراق الْعُمُوم إِلَّا بِأَن يعلم أَنه مَوْضُوع للاستغراق وَيعلم انْتِفَاء مَا يَخُصُّهُ كَمَا لَا يعلم أَن اللَّفْظ حَقِيقَة فِيمَا اسْتعْمل فِيهِ إِلَّا بعد أَن يعلم انْتِفَاء أَدِلَّة الْمجَاز فهما سيان من هَذِه الْجِهَة غير أَنه يجوز للمستدل بِظَاهِر الْعُمُوم أَن يعول عَلَيْهِ وَيكون على المناظر لَهُ أَن يُورد عَلَيْهِ مَا يخص الْعُمُوم وَلَا يتَكَلَّف الْمُسْتَدلّ بَيَان فقد مَا يخص الْعُمُوم لِأَنَّهُ قد ذكره مَا يدل على الِاسْتِغْرَاق إِذا لم يكن فِي مُعَارضَة مَا يَخُصُّهُ فَهُوَ معول على دلَالَة الْمَشْرُوط فَلَو كلفناه تَصْحِيح الشَّرْط لطال وَلم يَتَّسِع لَهُ الزَّمَان وَلَيْسَ كَذَلِك من قَالَ إِن ظَاهر الِاسْتِعْمَال الْحَقِيقَة إِلَّا أَن يمْنَع مَانع لأَنا قد بَينا أَن محصول كَلَامه أَن اللُّغَة تجوز اسْتِعْمَال الِاسْم فِيمَا دون الِاسْتِغْرَاق وَإِنَّمَا نعلم أَنه حَقِيقَة فِيهِ لفقد دلَالَة الْمجَاز فَقَوله إِنَّنِي قد فقدت أَدِلَّة الْمجَاز اقْتِصَار على دَعْوَى فَقَط فان أمكن تصحيحها وَإِلَّا فَهُوَ مقتصر على دَعْوَى شُبْهَة قَالُوا لَو كَانَ لفظ الْعُمُوم مُسْتَغْرقا لَكَانَ الِاسْتِثْنَاء مِنْهُ نقضا ورجوعا وَيُقَال لَهُم مَا معنى كَونه نقصا فان قَالُوا معنى ذَلِك أَنه يدلنا على أَن لفظ الْعُمُوم قد أَرَادَ بِهِ الْمُتَكَلّم بعض ظَاهره وَاسْتَعْملهُ فِيهِ فَقَط قيل فَهَذَا مَذْهَبنَا فان سميتموه نقضا فَلَا يضرنا ثمَّ يُقَال لَهُم أتريدون أَن ظَاهر الْعُمُوم عندنَا الِاسْتِغْرَاق إِذا تجرد عَن اسثناء وَمَا يجْرِي مجْرَاه أَو وَإِن لم يتجرد فان قَالُوا إِذا تجرد قيل لَهُم فَمَا تجرد فِي مسئلتنا وَإِن قَالُوا وَإِن لم يتجرد قيل لَهُم لَا

стр. 212

يسلم ذَلِك خصوصهم على أَن لفظ الْعُمُوم إِنَّمَا يسْتَغْرق مَا دخل عَلَيْهِ وَإِذا كَانَ مَعَه اسْتثِْنَاء فَهُوَ دَاخل على مَا عدا المستثني وَهُوَ مُسْتَغْرق لَهُ فَلم يكن الِاسْتِثْنَاء نقضا من ذَلِك لَفْظَة كل تَقْتَضِي استغراق مَا دخلت عَلَيْهِ لِأَنَّك إِذا قلت ضربت كل من فِي الدَّار استغرقت لَفْظَة كل جَمِيع من فِي الدَّار لَا غَيرهم وَإِذا قلت ضربت كل رجل طَوِيل كَانَ ذَلِك مُسْتَغْرقا لكل طَوِيل لَا غير فَكَذَلِك قَوْلك كل رجل فِي الدَّار إِلَّا بني تَمِيم مَعْنَاهُ كل من عدا بني تَمِيم فلفظة كل دخلت على من عداهم فاستغرقتهم فاذا اسْتعْملت لَفْظَة كل فِي هَذَا الْموضع فِي غير ظَاهرهَا فَيكون الِاسْتِثْنَاء نقضا لَهَا وعَلى أَنه لَو كَانَ ظَاهر الْعُمُوم الِاسْتِغْرَاق على كل حَال وَالِاسْتِثْنَاء قد صيرها مجَازًا لم يلْزم أَن يكون نقضا لِأَن مَا دلّ على أَن الْكَلِمَة مجَاز لَا يكون نقضا لَهَا كالقرينة الدَّالَّة على أَن قَوْلنَا أَسد مُسْتَعْمل فِي الرجل الشجاع فان قيل لَو لم يكن قَول الْقَائِل ضربت كل من فِي الدَّار إِلَّا بني تَمِيم نقضا وقبيحا لَكَانَ قَوْله ضربت كل من فِي الدَّار لم أضْرب كل من فِي الدَّار غير مناقضة وَلَا قبيحا قيل هَذَا لكم ألزم لأنكم تذهبون إِلَى أَن لَفْظَة كل حَقِيقَة فِي الِاسْتِغْرَاق وَفِي الْبَعْض أَيْضا وَيحسن عنْدكُمْ الِاسْتِثْنَاء مِنْهَا لِأَنَّهُ يدل على أَن لفظ الْعُمُوم مُسْتَعْمل فِي إِحْدَى حقيقتيه فَيلْزم أَن يحسن أَن يَقُول الْإِنْسَان ضربت كل من فِي الدَّار لم أضْرب كل من فِي الدَّار ليدل بذلك على أَنه اسْتعْمل لَفْظَة كل فِي إِحْدَى حقيقتيها وَهِي الْبَعْض وَالْفرق عندنَا بَين الْمَوْضِعَيْنِ أَن الِاسْتِثْنَاء لما لم يسْتَقلّ بِنَفسِهِ وَجب تَعْلِيقه بِمَا تقدم وَذَلِكَ يدل على أَن الْمُتَكَلّم بالمستثنى مِنْهُ مَا استوفى غَرَضه مِنْهُ لِأَنَّهُ مَا عدل عَنهُ أَلا ترى أَنه قد قَيده بِمَا لَا يسْتَقلّ إِلَّا مَعَه وَإِذا لم يكن عادلا عَن الْكَلَام بِالِاسْتِثْنَاءِ صَار الِاسْتِثْنَاء جُزْء من الْجُمْلَة وَصَارَ مَجْمُوع الْمُسْتَثْنى والمستثنى مِنْهُ كالجملة الْوَاحِدَة وَدلّ مجموعها على استغراق مَا عدا الْمُسْتَثْنى وَلَيْسَ كَذَلِك قَول الْقَائِل ضربت كل من فِي الدَّار لم أضْرب كل من فِي الدَّار لِأَن كل وَاحِدَة من الجملتين مُسْتَقلَّة بِنَفسِهَا لَا يجب أَن تعلق الثَّانِيَة بِالْأولَى فعدول الْمُتَكَلّم من

стр. 213

الْجُمْلَة الأولى إِلَى جملَة مُسْتَقلَّة بِنَفسِهَا لَا يجب تَعْلِيقهَا بِالْأولَى يدل على أَنه قد استوفى غَرَضه من الاولى فَلَمَّا أقرّ بِالثَّانِيَةِ كَانَ قد نقض الاولى لِأَنَّهَا تنافيها بعد اسْتِيفَاء الْغَرَض من الاولى وَأَيْضًا فان لفظ الْعُمُوم إِنَّمَا دخل على مَا عدا الْمُسْتَثْنى على مَا بَيناهُ فَهُوَ مُسْتَغْرق لَهُ دون غَيره كَمَا أَن الْعُمُوم الْمَشْرُوط والمقيد بِالصّفةِ إِنَّمَا دخل على مَا عدا الشَّرْط وَالصّفة وَلَيْسَ يجب أَن يقبح الْعُمُوم الْمَشْرُوط وَلَا الْعُمُوم الْمُقَيد بِالصّفةِ كَمَا يقبح قَول الْقَائِل ضربت كل النَّاس لم أضْرب كل النَّاس لِأَن كل وَاحِدَة من اللفظتين قد دخلت على النَّاس يبين مَا ذَكرْنَاهُ أَن الْإِنْسَان إِذا قَالَ ضربت كل من فِي الدَّار عَم جَمِيعهم وَإِذا قَالَ لعبيده أكْرم كل النَّاس عَم الْجَمِيع وَإِذا قَالَ لعبيده أكْرم كل النَّاس إِن كَانُوا مُؤمنين عَم الْمُؤمنِينَ دون غَيرهم وَاقْتضى ذَلِك التَّخْصِيص وَلم يجز قِيَاسا على ذَلِك أَن يَقُول ضربت كل من فِي الدَّار لم أضْرب كل من فِي الدَّار فَكَذَلِك القَوْل فِي الْعُمُوم الْمُسْتَثْنى مِنْهُ فَهَذَا كَلَام فِي قَوْلهم إِن الِاسْتِثْنَاء نقض ثمَّ يُقَال لَهُم مَا معنى قَوْلكُم إِن الِاسْتِثْنَاء رُجُوع فان قَالُوا رُجُوع عَن ظَاهر الْكَلَام لِأَن ظَاهر الْعُمُوم الِاسْتِغْرَاق عنْدكُمْ وَالِاسْتِثْنَاء قد منع مِنْهُ فقد تقدم الْكَلَام على ذَلِك وَقُلْنَا إِن الْعُمُوم اقْتضى استغراق مَا دخل عَلَيْهِ وَهُوَ مَا عدا الْمُسْتَثْنى وَقُلْنَا إِنَّه لَو اقْتضى استغراق الْكل وَالِاسْتِثْنَاء يمْنَع من ذَلِك لَكَانَ قد دلّ على أَنه مجَاز وَذَلِكَ غير مُسْتَحِيل وَإِن قَالُوا اردنا أَنه رُجُوع عَن الْإِرَادَة لِأَن الْمُتَكَلّم أَرَادَ بِلَفْظ الْعُمُوم الِاسْتِغْرَاق ثمَّ عدل عَن هَذِه الْإِرَادَة إِلَى إِرَادَة الْبَعْض فَقَط عِنْد الِاسْتِثْنَاء قيل لَهُم وَلم زعمتم أَنه أَرَادَ عِنْد أول كَلَامه استغراق الْجَمِيع وَمَا أنكرتم أَنه أَرَادَ استغراق مَا دخل عَلَيْهِ لفظ كل وَهُوَ مَا عدا الْمُسْتَثْنى فَلَا يكون قد أَرَادَ شَيْئا ثمَّ عدل عَنهُ فان قَالُوا لَو كَانَ الْمُتَكَلّم قد أَرَادَ الْبَعْض بِلَفْظ الْعُمُوم لَكَانَ قد اسْتثْنى مِمَّا لم يرد وَذَلِكَ محَال قيل إِنَّه أَرَادَ الْكل بِلَفْظ الْعُمُوم لكنه أَرَادَ كل مَا دخل عَلَيْهِ اللَّفْظ وَهُوَ مَا عدا الْمُسْتَثْنى فَلَا نقُول إِنَّه أَرَادَ الْبَعْض ثمَّ اسْتثْنى كَمَا نقُول لَو أَنه إِذا

стр. 214

قَالَ اضْرِب كل الرِّجَال الطوَال دون الْقصار على انه يلْزمهُم مثل مَا ألزمونا لأَنا لَا نقُول لَهُم إِذا كَانَ لفظ الْعُمُوم مُشْتَركا بَين الِاسْتِغْرَاق وَبَين مَا دونه فأخبرونا هَل أَرَادَ الْمُتَكَلّم الِاسْتِغْرَاق ثمَّ اسْتثْنى مِنْهُ أَو أَرَادَ الْبَعْض ثمَّ اسْتثْنى مِنْهُ زيدا فان قَالُوا بِالْأولِ قيل لَهُم فقد رَجَعَ وَإِن قَالُوا بِالثَّانِي قيل لَهُم أفهل اسْتثْنى مِنْهُ زيدا من الْبَعْض الذى أردناه أَو من الْبَعْض الذى لم نرده فان قَالُوا بِالْأولِ قيل لَهُم هَذَا رُجُوع وَإِن قَالُوا بِالثَّانِي قيل لَهُم فقد أخرج بِالِاسْتِثْنَاءِ مَا لم يردهُ وَهَذَا الَّذِي أتيتموه وَرُبمَا تعلقوا بِالِاسْتِثْنَاءِ من وَجه آخر فَقَالُوا لَو كَانَ لفظ الْعُمُوم مُسْتَغْرقا لجرى الِاسْتِثْنَاء مِنْهُ مجْرى أَن يعدد الْإِنْسَان أشخاص الْجِنْس ثمَّ يسْتَثْنى مِنْهُ شخصا نَحْو أَن يَقُول رَأَيْت زيدا رَأَيْت عمرا رَأَيْت خَالِدا هَكَذَا إِلَى آخر النَّاس ثمَّ يَقُول إِلَّا زيدا فَلَمَّا قبح هَذَا قبح ذَاك وَفِي حسن الِاسْتِثْنَاء دَلِيل على ان لفظ الْعُمُوم غير شَامِل يُقَال لَهُم لم زعمتم أَنه إِذا قبح أَحدهمَا قبح الآخر وَمَا أنكرتم أَن الْفرق بَينهمَا أَن الِاسْتِثْنَاء إِخْرَاج جُزْء من كل فَيدل على أَن الْمُتَكَلّم اسْتعْمل لفظ الْكل فِي جَمِيع مَا عدا الِاسْتِثْنَاء فاذا قَالَ الْإِنْسَان رَأَيْت زيدا رَأَيْت عمرا إِلَّا زيدا لم يخل قَوْله إِلَّا زيدا إِمَّا أَن يكون رَاجعا إِلَى زيد اَوْ إِلَى عَمْرو فان رَجَعَ إِلَى زيد كَانَ ذَلِك رُجُوعا ونقضا وإخراجا لجزء من كل واستعمالا للفظ كل فِيمَا عدا الْمُسْتَثْنى وَإِن رَجَعَ إِلَى عَمْرو وَلم يكن قد أخرج زيدا من شَيْء هُوَ كُله لِأَن عمرا لَيْسَ بِكُل زيد وَلَيْسَ يجوز أَن يرجع الِاسْتِثْنَاء إِلَى زيد وَإِلَى عَمْرو مَعًا لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا مُسْتَقل بِنَفسِهِ وَلَيْسَ يشملهما لفظ وَاحِد هُوَ كل لَهما فَيكون الِاسْتِثْنَاء دَالا على أَن لفظ الْكل مُسْتَعْمل فِيمَا عداهُ وَلَيْسَ كَذَلِك قَول الْقَائِل ضربت كل من فِي الدَّار إِلَّا زيدا لِأَن قَوْلنَا كل لفظ يَشْمَل الْأَشْخَاص فصح أَن يخرج الِاسْتِثْنَاء بَعْضهَا بِأَن يدل على أَن لَفْظَة كل مستعملة فِيمَا عدا الْمُسْتَثْنى وَيجْرِي ذَلِك مجْرى تعديد الْأَشْخَاص كلهم إِلَّا زيدا ثمَّ يُقَال لَهُم أَنْتُم تَقولُونَ إِن لفظ الْعُمُوم حَقِيقَة للاستغراق كَمَا أَنه حَقِيقَة للْبَعْض فقد لزمكم

стр. 215

أَن يكون الْعُمُوم مَعَ الِاسْتِثْنَاء يجْرِي مجْرى أَن يعدد الْمُتَكَلّم أشخاص الْجِنْس ثمَّ يَسْتَثْنِي وَاحِدًا مِنْهَا فان قَالُوا لَا يلْزمنَا ذَلِك لِأَنَّهُ إِذا اسْتثْنى مِنْهَا وَاحِدًا علمنَا أَنه لفظ الْعُمُوم فِيمَا عداهُ واستعماله فِيمَا عداهُ هُوَ حَقِيقَة عندنَا قيل لَهُم اسْتِعْمَاله فِيمَا عدا الْمُسْتَثْنى حَقِيقَة عندنَا لِأَنَّهُ دخل عَلَيْهِ لَا غير على مَا بَيناهُ وَلَو كَانَ اسْتِعْمَاله فِيهِ مجَازًا لَكَانَ الِاسْتِثْنَاء قد دلّ على أَن لفظ الْعُمُوم مُسْتَعْمل على وَجه الْمجَاز وَلَيْسَ اسْتِعْمَال اللَّفْظ فِيمَا هُوَ مجَاز فِيهِ يجْرِي مجْرى أَن يَقُول الانسان رَأَيْت زيدا وعمرا إِلَّا زيدا وَرُبمَا تعلقوا بِالِاسْتِثْنَاءِ على وَجه آخر فَقَالُوا لَو كَانَ لفظ الْعُمُوم مُسْتَغْرقا لما جَازَ تَخْصِيصه بِدلَالَة مُتَّصِلَة وَلَا مُنْفَصِلَة كَمَا لَا يجوز تَخْصِيص الْعلَّة بل الْعُمُوم أولى بذلك لِأَنَّهُ دلَالَة قَاطِعَة وَالْعلَّة الشَّرْعِيَّة أَمارَة وَالْجَوَاب يُقَال لَهُم أما التَّخْصِيص بالأدلة الْمُتَّصِلَة بِالشُّرُوطِ وَالِاسْتِثْنَاء وَالتَّقْيِيد بِالصّفةِ فقد قُلْنَا إِن الْعُمُوم يكون دَاخِلا فِيمَا عداهُ وَأما الدّلَالَة الْمُنْفَصِلَة فانما جَازَ أَن تخصص الْعُمُوم لِأَنَّهُ لفظ والألفاظ يجوز اسْتِعْمَالهَا فِي حَقِيقَتهَا وَفِي مجازها وَيجوز أَن تدل الدّلَالَة على اسْتِعْمَالهَا فِي الْمجَاز وَهَذِه الطَّرِيقَة مفقودة فِي الْعِلَل فَكَانَ محصول هَذِه الشُّبْهَة أَن قَالُوا لَو كَانَ حَقِيقَة الْعُمُوم الِاسْتِغْرَاق لما جَازَ اسْتِعْمَاله فِي الْمجَاز وَهَذَا ينْتَقض بِجَمِيعِ الْأَلْفَاظ وَجَمِيع هَذِه الشُّبْهَة تنْتَقض بِالِاسْتِثْنَاءِ من أَلْفَاظ الْعدَد شُبْهَة قَالُوا لَو كَانَ لفظ الْعُمُوم مُسْتَغْرقا لما حسن أَن يستفهم الْمُتَكَلّم بِهِ لِأَن الِاسْتِفْهَام هُوَ طلب الْفَهم وطلبا فهم مَا قد فهم بِالْخِطَابِ عَبث وَمَعْلُوم أَن الْإِنْسَان إِذا سمع غَيره يَقُول ضربت كل من فِي الدَّار فانه يحسن مِنْهُ أَن يَقُول أضربتهم أَجْمَعِينَ وَأَن يَقُول ضربت زيدا فيهم وَالْجَوَاب يُقَال لَهُم إِن الِاسْتِفْهَام قد يكون طليا لمُطلق الْفَهم وَإِزَالَة الإلباس وَقد يكون طلبا لزِيَادَة الْفَهم وَزِيَادَة الْفَهم فهم وَذَلِكَ أَن الْفَهم للخطاب قد يكون علما

стр. 216

بِمُرَاد الْمُتَكَلّم وَقد يكون ظنا فان كَانَ ظنا فالظن تتزايد قوته إِذا تزايدت أماراته فالمستفهم يطْلب أَن تكْثر الأمارات الدَّالَّة على قصد الْمُتَكَلّم ليقوي ظَنّه فان كَانَ الْفَهم علما فالعلم قد يكون ضَرُورِيًّا وَقد يكون مكتسبا والضروري أجل من المكتسب فالمستفهم قد يطْلب أَن يتَكَرَّر القَوْل من الْمُتَكَلّم أَو أَن يُؤَكد كَلَامه فَرُبمَا اضْطر إِلَى قَصده وَطلب ذَلِك غير عَبث لِأَنَّهُ لَيْسَ بحاصل قبل الِاسْتِفْهَام واما الِاسْتِفْهَام الَّذِي هُوَ طلب لإِزَالَة الإلباس إِذا اقْترن بِالْعُمُومِ مَا يَقْتَضِي اللّبْس فيستفهم السَّامع إِزَالَة ذَلِك اللّبْس وَنحن نذْكر الْوُجُوه الَّتِي يحسن لَهَا الِاسْتِفْهَام فِي كلا الْقسمَيْنِ فَنَقُول إِن مِنْهَا مَا يظنّ السَّامع أَن الْمُتَكَلّم غير متحفظ فِي خطابه أَو هُوَ كالساهي فيستفهمه ويستثبته حَتَّى إِن كَانَ سَاهِيا أَزَال سهوة فَأخْبرهُ عَن تيقظ وَإِن لم يكن سَاهِيا علم ذَلِك من حَاله وَلذَلِك يستفهم الْإِنْسَان بتكرار الْعُمُوم ويجيبه الْمُتَكَلّم بتكراره نَحْو أَن يَقُول ضربت كل من فِي الدَّار فَيَقُول السَّامع أضربتهم كلهم فَيَقُول نعم ضربتهم كلهم وَلَو كَانَ يطْلب زِيَادَة الْفَهم لأجابه بِلَفْظ آخر فَعلم أَنه إِنَّمَا يستثبته وَكَذَلِكَ قد يَقُول الْإِنْسَان جَاءَنِي زيد فَيَقُول نعم وَمِنْهَا أَن يظنّ السَّامع لأمارة أَن الْمُتَكَلّم قد أخبر كَلَامه الْعَام عَن جمَاعَة وَأَنه لَيْسَ يتَحَقَّق دُخُول بَعضهم فِيمَا أخبر بِهِ وَيكون السَّامع شَدِيد الْعِنَايَة بذلك فتدعوه شدَّة عنايته إِلَى الِاسْتِفْهَام عَنهُ لكَي يعلم الْمُتَكَلّم اهتمام السَّامع فَلِأَنَّهُ خص فِي الْأَخْبَار وَلِهَذَا قد يَقُول الْقَائِل رَأَيْت كل من فِي الدَّار فاذا قيل أَرَأَيْت زيدا فيهم فَقَالَ نعم زَالَت الظنة لِأَن اللَّفْظ الْخَاص أقل احْتِمَالا وَرُبمَا لم يتَحَقَّق رُؤْيَته لَهُ فيدعوه مَا رَآهُ من اهتمام المستفهم إِلَى أَن يَقُول لست أتحقق رُؤْيَته وَمِنْهَا أَن تَدعُوهُ شدَّة الاهتمام إِلَى الِاسْتِفْهَام طَمَعا فِي أَن يضْطَر إِلَى قصد الْمُتَكَلّم

стр. 217

وَمِنْهَا أَن يقْتَرن بِكَلَام الْمُتَكَلّم من الأمارات مَا يَقْتَضِي تَخْصِيص كَلَامه نَحْو أَن يَقُول الْقَائِل ضربت كل من فِي الدَّار وَيكون فِيهَا من يعظمه كأخيه فيغلب على الظَّن أَنه لم يضْربهُ وَيكون كَلَامه أَمارَة تدل على ضربه فتتعارض الأمارتان فيستفهمه ليَقَع الْجَواب عَنهُ بِلَفْظ خَاص لَا يحْتَمل التَّخْصِيص فلهذه الْوُجُوه وَمَا اشبهها يحسن الِاسْتِفْهَام لِأَن فِيهَا عدُول عَن الفاظ يقل احتمالها وَمَتى انْتَفَت وَمَا أشبههَا لم يحسن الِاسْتِفْهَام فاما قَول الْقَائِل رَأَيْت نَخْلَة فانه لَا يكَاد يسْتَعْمل إِلَّا فِي النَّخْلَة فَلذَلِك لم يستفهم عَن ذَلِك إِلَّا على طَرِيق الاستثبات لإِزَالَة السَّهْو وَمَتى اسْتعْمل ذَلِك فِي رُؤْيَة الرجل الطَّوِيل حسن الِاسْتِفْهَام فَأَما خطاب الله سُبْحَانَهُ وَأَنه لَا يحسن وُرُود الِاسْتِفْهَام عَلَيْهِ إِلَّا أَن يَأْذَن تَعَالَى فِي ذَلِك ليرد مِنْهُ خطاب يكون أقل احْتِمَالا فَيكون الْعَمَل بمراده أجلى ثمَّ يعارضون بِدُخُول الِاسْتِفْهَام على أَلْفَاظ الْخُصُوص ثمَّ يلزمون من العتب مثل مَا ألزمونا فَنَقُول لَهُم أَلَيْسَ إِذا قَالَ الْقَائِل ضربت كل من فِي الدَّار كَانَ ذَلِك مُشْتَركا بَين الِاسْتِغْرَاق وَبَين مَا دونه وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ أَجْمَعِينَ فالمستفهم إِذا قَالَ أضربنهم أَجْمَعِينَ فقد طلب أَن يفهمهُ مَا لم يفهمهُ بِمَا هُوَ كَالْأولِ فِي أَن الْفَهم لَا يَقع بِهِ فان قَالُوا إِنَّمَا يستفهم طَمَعا فِي حُصُول الْعلم الضَّرُورِيّ أَو فِي قُوَّة الظَّن أجبناهم بِمثلِهِ شُبْهَة قَالُوا لَو كَانَ لفظ الْعُمُوم مُسْتَغْرقا وَكَذَلِكَ تأكيده لَكَانَ تاكيده عَبَثا لِأَنَّهُ يُفِيد مَا أَفَادَ الْمُؤَكّد وَالْجَوَاب يُقَال لَهُم وَلم إِذا أَفَادَ مَا يفِيدهُ الْمُؤَكّد من الِاسْتِغْرَاق كَانَ عَبَثا وَمَا أنكرتم من حُصُول فَوَائِد فِي التَّأْكِيد لَا تحصل مَعَ فَقده ثمَّ يُقَال لَهُم وَلَو أَفَادَ كل وَاحِد مِنْهُمَا من الِاشْتِرَاك مَا يفِيدهُ الآخر لَكَانَ ذكر التاكيد عقيب الْمُؤَكّد عَبَثا لَا فَائِدَة فِيهِ

стр. 218

وينقض شبهتهم بتأكيد الْخُصُوص كَقَوْل الْقَائِل جَاءَنِي زيد نَفسه وبتأكيد أَلْفَاظ الْعدَد كَقَوْل الله تَعَالَى ﴿تِلْكَ عشرَة كَامِلَة﴾ وكقول الْقَائِل ألف تَامَّة لِأَن قَوْله ألف قد انبأ عَن تَمامهَا وَجب أَن يكون قَوْله تَامَّة عَبَثا وَقَوْلنَا جَاءَنِي زيد يُفِيد مَجِيء نَفسه فَوَجَبَ كَون تأكيده عَبَثا والنقض بتأكيد الْعدَد إِنَّمَا يلْزم من قَالَ إِن قَوْلنَا عشرَة لَيْسَ بِحَقِيقَة فِي التِّسْعَة فَمَا دونهَا فاما من ارْتكب كَونه حَقِيقَة فِي ذَلِك فالنقض لَا يلْزمه وَإِن كَانَ بطلَان قَوْله مَعْلُوما من اللُّغَة باضطرار وَكَانَ يلْزم إِذا قُلْنَا عشرَة تَامَّة أَن يكون قَوْلنَا تَامَّة بَيَانا لَا تَأْكِيدًا بل بَيَانا وَقد رَأَيْت من الْتزم القَوْل بِأَن قَول الْقَائِل جَاءَنِي زيد نَفسه إِنَّمَا حسن لِأَن قَوْله جَاءَنِي زيد حَقِيقَة فِي مَجِيء غُلَامه وجوابنا عَن هَذَا القَوْل السُّكُوت وَنحن ذاكرون وَجه الْفَائِدَة فِي التَّأْكِيد فَنَقُول إِن كَانَ الْمُتَكَلّم بِالْعُمُومِ حكيما اسْتدلَّ على إِرَادَته بخطابه فَأَنَّهُ إِذا أكلا خطابهه كَانَ قد زَاد بالأدلة على دلَالَة فيقوى بذلك علمنَا ويزداد جلاء وبيانا أَو يكون فِي ذَلِك مصلحَة وَإِن لم نعلمها بِعَينهَا وَلِهَذَا كثرت الْأَدِلَّة على الْمَدْلُول وَالْوَاحد وَإِن كَانَ الْمُتَكَلّم غير حَكِيم يجوز أَن يعمي مُرَاده وَإِنَّمَا يعلم إِرَادَته ضَرُورَة أَو يظنّ إِرَادَته اسْتِدْلَالا بخطابه فانه قد يُؤَكد خطابه لِأَنَّهُ يجوز أَن يضْطَر السَّامع عِنْد التاكيد إِلَى إِرَادَته أَو لِأَنَّهُ قد يجوز السَّامع من ابْتِدَاء الْكَلَام كَانَ سَاهِيا فيدله الْمُتَكَلّم بإيصال كَلَامه إِن كَانَ سَاهِيا وَقد يُورد التَّأْكِيد ليزِيد الأمارات الدَّالَّة على الْإِرَادَة فيقوى الظَّن لَهَا وَقد يَقُول لإِنْسَان ضربت من فِي الدَّار وَيكون فيهم من يغلب على الظَّن أَنه لَا يضْربهُ لوكيد صداقة بَينهمَا أَو لقرابة فَيكون ذَلِك أَمارَة مُعَارضَة لظَاهِر الْعُمُوم فيؤكد كَلَامه بِذكر الْكل والجميع ليصف موقع هَذِه الأمارة وَأَيْضًا فَلَا يمْتَنع أَن يكون بعض أَلْفَاظ الْعُمُوم أقل اسْتِعْمَالا فِيمَا دون الِاسْتِغْرَاق من بعض وَالْعلم بِأَنَّهُ تَقْتَضِي

стр. 219

الِاسْتِغْرَاق أجلى وَأبين فيؤكد اللَّفْظَة الَّتِي هِيَ أَكثر اسْتِعْمَالا فِي الْمجَاز فاذا اجْتمع كعها تأكيدها تَأَكد الْعلم بِقصد الْمُتَكَلّم أَو الظَّن وَحصل بهما من الْقُوَّة مَا لَا تحصل بِأَحَدِهِمَا لِأَن الأمارة القوية معما هُوَ دونهَا فِي الْقُوَّة الْقُوَّة تكون مِنْهَا لَو انْفَرَدت فان قيل هلا أكدوا اللَّفْظ بتكراره إِن كَانَ الْأَمر على مَا زعمتم حَتَّى يَقُولُوا جَاءَنِي الْقَوْم جَاءَنِي الْقَوْم قيل هَذَا لَا يلْزم على الْجَواب الْأَخير وَإِنَّمَا يتَوَجَّه على الْأَجْوِبَة الْمُتَقَدّمَة وَالْجَوَاب عَن ذَلِك أَن الْعَرَب لم تقعل ذَلِك فنفعله فان قَالُوا فَكَانَ يجب أَن يفعلوه وَلَيْسَ يجب إِذا كَانَ للْإنْسَان عذر فِي شَيْء أَن يفعل كلما ساواه فِي الْعذر أَلا ترى أَنهم إِنَّمَا سموا الشَّيْء الْوَاحِد بأسماء كَثِيرَة ايتسع نقلتهم فيتمكنون مَعَ ذَلِك من النّظم والنثر لِأَنَّهُ قد يمْتَنع وزن الْبَيْت وقافيته مَعَ بعض اسماء الشَّيْء دون بعض وَلَيْسَ يجب لذَلِك أَن يسموا كل شَيْء بأسماء كَثِيرَة على أَنه لَا يمْتَنع أَن يَكُونُوا لم يؤكدوا اللَّفْظ بتكراره استثقالا لتكرار اللَّفْظ فعدلوا إِلَى لَفْظَة أخرة لينقلوا غرضهم من التَّأْكِيد من دون استثقال فان قَالُوا لَو حسن التَّأْكِيد لما فِيهِ من ترادف الأمارات والأدلة وَجَوَاز حُصُول الْعلم الضَّرُورِيّ بِقصد الْمُتَكَلّم لحسن أَن يَقُول الْإِنْسَان استندت إِلَى الْحَائِط الْمَبْنِيّ من الْآجر والطين لينفي أَن يكون اسْتندَ إِلَى إِنْسَان بليد لِأَن اسْم الْحَائِط قد يتجوز بِهِ إِلَى البليد ويتجوز باسم الْحمار فِيهِ أَيْضا فَكَانَ يَنْبَغِي أَن يحسن أَن يَقُول ضربت الْحمار النهاق وَالْجَوَاب أَنه إِنَّمَا حسن التَّأْكِيد اتبَاعا لفعل الْعَرَب وَحسن ذَلِك مِنْهُم للأغراض الَّتِي ذَكرنَاهَا وَقد ثَبت أَن تِلْكَ الْأَغْرَاض لَا توجب أَن يؤكدوا كل شَيْء فاذا كَانَ كَذَلِك لم يلْزمنَا أَن نؤكد نَحن مَا ذكره السَّائِل لِأَن الْعَرَب لم يؤكدوا بِهِ وَلَا يلْزم الْعَرَب ذَلِك لما ذَكرْنَاهُ وَأَيْضًا فانما يجوز التَّأْكِيد لإِزَالَة مجَاز وَاحْتِمَال مُسْتَعْمل وَلَيْسَ أحد يَقُول استندت إِلَى الْحَائِط فيخطر ببال السَّامع أَنه اسْتندَ إِلَى إِنْسَان بليد وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ ضربت الْحمار وَإِنَّمَا يسْتَعْمل اسْم الْحَائِط أَو الْحمار فِي البليد عِنْد وَصفه بالبلادة فان كَانَ جمَاعَة فِي وصف رجل

стр. 220

فَقَالُوا هُوَ حَائِط وَهُوَ حمَار ثمَّ قَالَ وَاحِد مِنْهُم ضربت الْحمار واستندت إِلَى الْحَائِط وَجوز أَن يتَوَهَّم على السَّامع أَنه يَعْنِي بذلك البليد جَازَ أَن يُفِيد بِكَلَامِهِ مَا ذَكرُوهُ فَأَما إِن لم تكن الْحَال هَذِه فانه لَا يخْطر ببال السَّامع أَنه اسْتندَ إِلَى بليد فَلم يكن لتقييده بِمَا ذَكرُوهُ معنى وَلَيْسَ كَذَلِك اسْتِعْمَال لفظ الْعُمُوم فِيمَا دون الِاسْتِغْرَاق لِأَن ذَلِك كثير مُسْتَعْمل شُبْهَة لَو كَانَت لَفْظَة من عَامَّة فِي الِاسْتِفْهَام لَكَانَ قَول الْقَائِل لغيره من عنْدك سؤالا عَن كل الْعُقَلَاء وَكَانَت تجْرِي مجْرى قَوْله أكل النَّاس عنْدك وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَن يكون جوابها لَا أَو نعم أجَاب قَاضِي الْقُضَاة عَن ذَلِك بِأَن لَفْظَة من هِيَ للعامة وَهِي من كَلَام السَّائِل دون الْمَسْئُول لِأَن السَّائِل لَيْسَ يعلم من عِنْد الْمَسْئُول فَلهَذَا أَدخل اللَّفْظَة الْعَامَّة فِي خطابه وَأما الْمَسْئُول فَهُوَ عَالم بِمن عِنْده فَلم يجب أَن يكون جَوَابه عَاما وَلقَائِل أَن يَقُول إِن لَفْظَة من وَإِن كَانَت فِي كَلَام السَّائِل فَهِيَ عنْدكُمْ مَوْضُوعَة للْعُمُوم فَيجب كَونهَا استفهاما عَن الْعُمُوم وَذَلِكَ يَقْتَضِي مُطَابقَة جوابها لَهَا إِمَّا بِلَا أَو بنعم وَنحن لم نلزمكم أَن يكون جَوَاب الْمَسْئُول أبدا عَاما وَإِنَّمَا ألزمناكم أَن يُجيب الْعُمُوم إِمَّا بِأَن يُثبتهُ أَو يَنْفِيه بقوله لَا أَو نعم وَقَالَ أَيْضا إِن لَفْظَة من لَيست بِالْكُلِّ أخص مِنْهَا بِالْبَعْضِ وَلَا بِالْبَعْضِ أخص مِنْهَا بِالْكُلِّ فاذ كَانَت كَذَلِك وَجب حملهَا على الِاسْتِغْرَاق وَلقَائِل أَن يَقُول إِن كَانَت لَيست كَذَلِك فَيجب كَونهَا مُشْتَركَة بَين الْكل وَبَين الِاسْتِغْرَاق إِذا كَانَت لَيست بِأَحَدِهِمَا أخص من الآخر وَإِذا كَانَت مُشْتَركَة بَطل قَوْلكُم إِنَّهَا حَقِيقَة فِي أَحدهمَا فَقَط وَبَطل قَوْلكُم بِوُجُوب حملهَا على الِاسْتِغْرَاق لِأَنَّهُ لَيْسَ الِاسْتِغْرَاق أولى بهَا من الْبَعْض وَأَيْضًا فَلَو كَانَت لَيست بِأحد الْأَمريْنِ أولى مِنْهَا بِالْآخرِ وَكَانَت مَعَ ذَلِك مَحْمُولَة على الشُّمُول عَن الْكل لوَجَبَ أَن يكون جوابها مطابقا لَهَا بِلَا أَو بنعم فالشبهة متوجهة نحوكم

стр. 221

وَالْجَوَاب عَن الشُّبْهَة أَن قَول الْقَائِل لغيره من عنْدك هُوَ اسْتِفْهَام عَن صفة كل عَاقل عِنْده فَهُوَ جَار مجْرى قَوْله أَخْبرنِي عَن صفة كل عَاقل عنْدك وَلَا تبْق عَاقِلا عنْدك إِلَّا ذكرت لي صفته وَلَو قَالَ ذَلِك لم يكن جَوَابه لَا أَو نعم وَإِنَّمَا يكون جَوَابه بِذكر نعوت من عِنْده من الْعُقَلَاء وصفاتهم وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ لَهُ من عنْدك ثمَّ يُقَال للمخالف أتزعم أَن لَفْظَة من حَقِيقَة فِي الْبَعْض أَو مُشْتَركَة بَين الْبَعْض وَبَين الِاسْتِغْرَاق فان قَالَ بِالْأولِ قيل فَيَنْبَغِي أَن يكون جَوَاب السُّؤَال بِلَا أَو نعم كَمَا قَالَ لَهُ أبعض النَّاس عنْدك وَإِن قَالَ إِنَّهَا مُشْتَركَة بَين الْكل وَبَين الْبَعْض قيل فَيجب أَن يكون جوابها بِلَا أَو بنعم أَيْضا لِأَنَّهُ إِن علم الْمَسْئُول من قصد السَّائِل أَنه استفهمه بهَا عَن الْكل فَيجب أَن يكون جوابها بِلَا أَو بنعم وَكَذَلِكَ إِن علم من قَصده أَنه استفهمه بهَا عَن الْبَعْض شُبْهَة لَو كَانَت لَفْظَة من مستغرقة لاستحال جمعهَا لِأَن الْجمع يُفِيد أَكثر مِمَّا يفِيدهُ الْمَجْمُوع وَلَيْسَ يعد لاستغراق كَثْرَة فيفيدها الْجمع قَالَ الشَّاعِر ... أَتَوا نَارِي فَقلت منون أَنْتُم ... فَقَالُوا الْجِنّ قلت عموا ظلاما ... الْجَواب إِن قَوْلهم منون وَإِن كَانَت صباحا لَفظه لفظ الْجمع وَلَيْسَ بِجمع على الْحَقِيقَة لِأَنَّهُ يُسْتَفَاد مِنْهُ مَا اسْتَفَادَ من قَوْلهم من عندنَا وَعند الْمُخَالف أَلا ترى أَنه لَو قَالَ الشَّاعِر من أَنْتُم لَكَانَ استفهاما عَن جَمَاعَتهمْ كَمَا أَن قَوْله منون استفهاما عَن جَمَاعَتهمْ وَعند الْمُخَالف أَن أَلْفَاظ الْعُمُوم كلهَا مُشْتَركَة وَلَيْسَ فِي اللُّغَة لفظ يخْتَص بالاستغراق فلفظة منون مُشْتَركَة بَين الِاسْتِغْرَاق وَبَين الْبَعْض كلفظة من فَلم يفد أَكثر مِمَّا أفادته لَفْظَة من وَأما من قَالَ إِن لفظ الْعُمُوم مُسْتَغْرق فِي الْأَمر وَالنَّهْي وَلَا يقطع على

стр. 222

استغراقه فِي الْخَبَر فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يَقُول ذَلِك من جِهَة اللُّغَة أَو من جِهَة أُخْرَى وَالْأول بَاطِل لأَنا قد بَينا أَن لفظ الْعُمُوم مُسْتَغْرق وَإِذا كَانَ مُسْتَغْرقا لم يخْتَلف بِحَسب اخْتِلَاف الْجمل الَّتِي يدْخل عَلَيْهَا وَإِن قَالَ بِالثَّانِي فَهُوَ أَن يَقُول لَو لم يسْتَغْرق لفظ الْعُمُوم فِي الْأَمر وَالنَّهْي لم يكن الْمُكَلف مزاح الْعلَّة وَلَيْسَ كَذَلِك الْوَعيد لِأَن الْغَرَض بهما الزّجر عَن الْقَبِيح والزجر يكون بالخوف وَالْخَوْف يحصل بغالب الظَّن الْجَواب أَن لفظ الْعُمُوم إِن لم يكن مُسْتَغْرقا لم يجب حمله على الِاسْتِغْرَاق لَا فِي الْأَمر وَلَا فِي الْوَعيد وَيجب إِذا أَرَادَ الْحَكِيم أَن يزيح عِلّة الْمُكَلف أَن لَا يدله على استغراق الْأَمر بِلَفْظ عُمُوم لِأَنَّهُ لَا يدل على الِاسْتِغْرَاق بل يجب أَن يدله بِدَلِيل آخر وَإِن كَانَ لفظ الْعُمُوم مُسْتَغْرقا وَجب أَن يسْتَغْرق فِي الْخَبَر لِأَن الْخَبَر خطاب لنا وَالْقَصْد بِهِ إفهامنا فَلَا يجوز أَن يقْصد بِهِ إفهامنا وَله ظَاهر إِلَّا وَقد أُرِيد ظَاهره وَإِلَّا كَانَ الْمُتَكَلّم بِهِ قصد أَن يفهم بخطابه مَا لَا يدل خطابه عَلَيْهِ ﷺ َ - بَاب فِي الْألف وَاللَّام إِذا دخلا على اسْم الْجمع ﷺ َ - اخْتلف النَّاس فِي اسْم الْجمع الْمُشْتَقّ وَغير الْمُشْتَقّ إِذا دخله الْألف وَاللَّام نَحْو قَوْلك الْمُشْركُونَ وَالنَّاس فَقَالَ الشَّيْخ أَبُو هَاشم ﵀ إِن ذَلِك يُفِيد النَّجس وَلَا يُفِيد الِاسْتِغْرَاق وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو عَليّ ﵀ وَجَمَاعَة من الْفُقَهَاء إِنَّه مَوْضُوع لاستغراق الْجِنْس وَالْحجّة لذَلِك وُجُوه مِنْهَا أَنه لَو كَانَ قَوْلنَا النَّاس لَا يُفِيد الِاسْتِغْرَاق لَا محَالة لَكِن قد يعبر بِهِ عَنهُ ويعبر بِهِ عَن الْبَعْض حَقِيقَة لَكَانَ قَوْله كلهم بَيَانا لأحد المحتملين لَا تَأْكِيدًا أَلا ترى أَن اسْم الشَّفق لما كَانَ مُشْتَركا على سَبِيل الْحَقِيقَة بَين الْحمرَة وَالْبَيَاض كَانَ الْإِنْسَان إِذا قَالَ رايت الشَّفق ثمَّ قَالَ الَّذِي هُوَ

стр. 223

الْحمرَة كَانَ قَوْله الَّذِي هُوَ الْحمرَة بَيَانا لَا تَأْكِيدًا لِأَن الْمُؤَكّد يبقي الْمُؤَكّد على حَاله وَيزِيد قُوَّة وَلَيْسَت هَذِه حَال الْبَيَان لِأَن الْبَيَان يكْشف عَن أحد المحتملين فان قيل مَا تنكرون من أَن يكون وصف أهل اللُّغَة بِأَن قَوْلنَا كل تَأْكِيد لقولنا النَّاس مذهبا لَهُم بنوه على قَوْلهم إِن قَوْلنَا النَّاس مُسْتَغْرق قيل إِن كَانَ كَذَلِك فَقَوْلهم إِن ذَلِك مُسْتَغْرق حجَّة لأَنهم يَقُولُونَ ذَلِك نقلا بِحَسب مَا فهموه عَن الْعَرَب فان قيل فاستدلوا بقَوْلهمْ إِن لَام الْجِنْس تَقْتَضِي الِاسْتِغْرَاق واطرحوا دَلِيل التَّأْكِيد قيل لَو علمنَا ذَلِك ابْتِدَاء من اعْتِقَاد جَمِيعهم لاستدللنا وَلَكِن لما علمنَا ذَلِك بوصفهم لَفْظَة كل بِأَنَّهَا تَأْكِيد جعلنَا وَصفهم لذَلِك بِأَنَّهُ تَأْكِيد دَلِيلا على اعْتِقَادهم الِاسْتِغْرَاق اسْم النَّاس إِن قيل فَمن أَيْن إِن وصف ذَلِك بِأَنَّهُ تَأْكِيد قَول لجميعهم قيل لِأَنَّهُ لَو وَصفه بَعضهم بِأَنَّهُ بَيَان وَمنع من وَصفه بِأَنَّهُ تَأْكِيد لنقل ذَلِك وَعرف إِن قيل قَول الْقَائِل النَّاس يصلح للاستغراق وَيصْلح لما دونه فاذا أكده الْمُتَكَلّم فَقَالَ رَأَيْت النَّاس كلهم علمنَا أَنه اسْتعْمل قَوْله النَّاس فِي الِاسْتِغْرَاق وَأَنه أكد اسْتِعْمَاله فِيهِ بقوله كلهم فقد صَحَّ وصف ذَلِك بِأَنَّهُ تَأْكِيد على قَوْلنَا قيل هَذَا يَقْتَضِي أَن يكون مَا دلّ على أَن المُرَاد بِالِاسْمِ الْمُشْتَرك أحد معنييه تَأْكِيدًا لَهُ بِأَن يُقَال إِن الْمُتَكَلّم بِالِاسْمِ أَرَادَ بِهِ أحد معنييه وأكده بِأَن دلّ عَلَيْهِ وَيلْزم أَن يكون من دلّ على الشَّيْء فقد أكده وَمِنْهَا أَنه يحسن أَن يسْتَثْنى من قَوْلك رَأَيْت النَّاس أَي إِنْسَان أَشرت إِلَيْهِ وَالِاسْتِثْنَاء يخرج من الْكَلَام مَا لولاه لوَجَبَ دُخُوله فِيهِ فَإِذن أَي إِنْسَان أَشرت إِلَيْهِ فَهُوَ دَاخل فِي قَوْلك رَأَيْت النَّاس وَقد اسْتَوْفَيْنَا الْأَدِلَّة على ذَلِك فِي الْبَاب الْمُتَقَدّم وَمِنْهَا أَن قَول الْقَائِل رايت نَاسا يُفِيد أَنه رأى من هَذَا الْجِنْس وَلَا يُفِيد الِاسْتِغْرَاق فَلَا بُد من أَن يُفِيد دُخُول الْألف وَاللَّام فَائِدَة وَلَا يجوز أَن تكون تِلْكَ الْفَائِدَة هِيَ الْجِنْس لِأَن ذَلِك قد كَانَ حَاصِلا من دونهمَا فَعلمنَا أَنَّهُمَا أفادا الِاسْتِغْرَاق

стр. 224

وَمِنْهَا مَا اسْتدلَّ بِهِ من أَن اللَّام إِذا كَانَت تعريفا للْعهد عَمت فَكَذَلِك إِذا كَانَت تعريفا للْجِنْس أَلا ترى أَن الْإِنْسَان إِذا كَانَ مَعَ غَيره فِي ذكر رجال ثمَّ قَالَ جَاءَنِي الرِّجَال عقل مِنْهُ جَمِيعهم لِأَن الذى جرى ذكره هُوَ الْجَمِيع كَذَلِك ايضا الْجِنْس هُوَ الْمُتَعَارف إِذا لم يكن عهد فَلم يكن انصراف الِاسْم إِلَى الْبَعْض أولى من الْبَعْض وَاحْتج الذاهبون إِلَى قَول ابي هَاشم بأَشْيَاء مِنْهَا أَن الْإِنْسَان إِذا قَالَ جمع الْأَمِير الصاغة لم يعقل مِنْهُ أَنه جمع صاغة الدُّنْيَا وَإِنَّمَا يعقل مِنْهُ أَنه جمع هَذَا الْجِنْس وَالْجَوَاب عَنهُ أَن الْمَعْقُول مِنْهُ أَنه جمع صاغة بَلَده وَمن عداهم فانما يعلم أَنه لم يجمعهُمْ لتعذر جمعهم ويلزمهم أَن يجوزوا كَونه جَامعا لصاغة الدُّنْيَا لِأَن الِاسْم يحْتَملهُ فان قَالُوا نعلم أَنه لم يجمعهُمْ وَإِن احتمله اللَّفْظ لقَرِينَة وَهِي تعذر جمعهم قُلْنَا نَحن إِن اللَّفْظ لَا يصلح إِلَّا للاستغراق وَإِنَّمَا علمنَا أَنه لم يرد الْمُتَكَلّم الِاسْتِغْرَاق لتعذره وَمِنْهَا قَوْلهم لَو كَانَت لَام الْجِنْس تَقْتَضِي الِاسْتِغْرَاق لوَجَبَ إِذا اسْتعْمل فِي الْعَهْد أَن يكون مجَازًا لِأَنَّهُ قد أُرِيد بِهِ بعض الْجِنْس وَالْجَوَاب أَن لَام الْجِنْس تَقْتَضِي التَّعْرِيف فَوَجَبَ انصراف الِاسْم إِلَى مَا الْإِنْسَان بِهِ أعرف فَإِن كَانَ هُنَاكَ عهد انْصَرف إِلَيْهِ لِأَن السَّامع بِهِ أعرف وَلم يكن هُنَاكَ مجَازًا إِذا انْصَرف وَإِن لم يكن بَين الْمُتَكَلّم وَالسَّامِع عهد انْصَرف إِلَى الْجِنْس لِأَنَّهَا بِهِ أعرف فَلم تخْتَلف فائدتها فِي الْحَالين وَجَرت مجْرى قَوْلك من عنْدك فِي أَنه اسْتِفْهَام عَن كل عَاقل عِنْده فان كَانُوا قلَّة فَهِيَ اسْتِفْهَام عَنْهُم وَإِن كَانُوا كَثْرَة فَهِيَ اسْتِفْهَام عَنْهُم وَلَا يكون مجَازًا إِذا كَانُوا قلَّة وَلَو قيل إِن حمل الِاسْم الْمُعَرّف على الْعَهْد يحْتَاج فِيهِ إِلَى قرينَة وَهِي تقدم الْعَهْد وَأَن ذَلِك يَجْعَل الِاسْم مجَازًا لِأَنَّهُ عَام مَخْصُوص لم يكن بَعيدا وَمِنْهَا أَن يَقُولُوا إِن قَوْلنَا رجال يَقْتَضِي جمعا من الرِّجَال غير مُسْتَغْرق وَاللَّام أفادت التَّعْرِيف فَمن أَيْن جَاءَ الِاسْتِغْرَاق وَالْجَوَاب إِن

стр. 225

إفادتها للتعريف لَا تمنع من إفادتها الِاسْتِغْرَاق سِيمَا وَقد بَينا أَنَّهُمَا مَتى حملا على بعض غير معِين نقض ذَلِك التَّعْرِيف لِأَن الْبَعْض الَّذِي لَيْسَ بِمعين مَجْهُول وَأفَاد الْجِنْس قد كَانَ حَاصِلا قبل دُخُول اللَّام وَمِمَّا يُمكن أَن يحتجوا بِهِ هُوَ أَن يَقُولُوا لَو كَانَ قَوْلنَا فلَان يلبس الثِّيَاب حَقِيقَة فِي أَنه يلبس جَمِيعهَا يجْرِي مجْرى قَوْلهم فلَان يلبس كل الثِّيَاب فَكَانَ يجب أَن يكون قَوْلنَا فلَان لَا يلبس الثِّيَاب يُفِيد مَا يفِيدهُ قَوْلنَا فلَان لَا يلبس كل الثِّيَاب وَكَانَ يحسن إِطْلَاقه على كل أحد لَا يلبس كل الثِّيَاب وَمَعْلُوم أَن أهل اللُّغَة لَا يستحسنون إِطْلَاق ذَلِك إِلَّا على من لَا يلبس شَيْئا من الثِّيَاب فَعلمنَا أَن قَوْلنَا فلَان يلبس الثِّيَاب يُفِيد الْجِنْس فنفيه نفي الْجِنْس أصلا فَلذَلِك عَم وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَن يُوصف كل أحد بِأَنَّهُ لَا يُبَاشر النِّسَاء وَلَا يَأْكُل الطَّعَام لِأَنَّهُ لَا يُبَاشر جَمِيع النِّسَاء وَلَا يَأْكُل جَمِيع الطَّعَام الْجَواب أَن ذَلِك بَاطِل بِلَفْظَة من فِي المجازاة لِأَن الانسان إِذا قَالَ من دخل دَاري أكرمته جرى مجْرى قَوْله كل عَاقل دخل دَاري أكرمته وَلَو قَالَ لَا أكْرم من دخل دَاري لم يجر مجْرى قَوْله لَا أكْرم كل عَاقل دخل دَاري لِأَنَّهُ لَو قَالَ ذَلِك لم يلْزم أَن لَا يكرم كل أحد مِنْهُم بل يجوز أَن يكرم الْبَعْض دون الْبَعْض وَلَو قَالَ لَا أكْرم من دخل دَاري فهم مِنْهُ أَنه لَا يكرم وَاحِدًا مِنْهُم وَإِن كَانَ قَوْله من دخل دَاري أكرمته عَاما وَكَذَلِكَ لَا يمْتَنع أَن يكون قَوْلنَا الثِّيَاب وَسِيلَة عَاميْنِ وَلَا يجْرِي سلبه مجْرى كل سلب فَإِن قَالُوا إِنَّمَا وَجب ذَلِك فِي لَفْظَة من لِأَنَّهَا لَيست مَوْضُوعَة للْجَمِيع وَإِنَّمَا تفِيد الْعُقَلَاء فاذا علق عَلَيْهَا الْجَزَاء لم يكن بِأَن يتَنَاوَل بَعضهم بِأولى من بعض فَانْصَرف إِلَى الْجَمِيع ولهذه الْعلَّة وَجب فِي نفي الْجَزَاء ان ينْصَرف إِلَى الْجَمِيع قيل لَهُم وَلَام الْجِنْس أَيْضا مَا وضعت للْجمع كلفظة كل وَإِنَّمَا تفِيد تَعْرِيف الْجِنْس فَلَمَّا لم يكن بعض الْجِنْس بِأَن يعرفهُ أولى من بعض انْصَرف إِلَى جَمِيعه وَهَذِه الْعلَّة قَائِمَة إِذا اسْتعْمل لَام الْجِنْس فِي النَّفْي لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَن ينْصَرف إِلَى بعض الْجِنْس أولى من بعض

стр. 226

فاذ ثَبت أَن اسْم الْجمع إِذا دخله لَام الْجِنْس استغرق فَالْوَاجِب أَن نَنْظُر هَل هُنَاكَ عهد أم لَا فَإِن كَانَ انْصَرف إِلَيْهِ وَإِلَّا انْصَرف إِلَى الْجِنْس لِأَن انْصِرَافه إِلَى الْعَهْد تَخْصِيص وَلَيْسَ أَن تحمل اللَّفْظَة على الِاسْتِغْرَاق إِلَّا بعد أَن يفحص فتفيد مَا يدل على أَن المُرَاد بهَا الْخُصُوص وَأما الشَّيْخ أَبُو هَاشم فانه إِذا لم يَجْعَل الِاسْم مُسْتَغْرقا حمله على الِاسْتِغْرَاق لوجه آخر وَهُوَ مَا ذَكرُوهُ فِي الْوَعيد من أَن قَوْله ﴿وَإِن الْفجار لفي جحيم﴾ يُفِيد أَنهم فِي الْجَحِيم لأجل فُجُورهمْ لِأَنَّهُ خرج مخرج الزّجر عَن الْفُجُور فَوَجَبَ أَن يكون كل من وجد فِيهِ الْفُجُور فِي الْجَحِيم وَجرى مجْرى قَوْله من فجر فَهُوَ فِي الْجَحِيم فَأَما لَفْظَة الْجمع الْمُضَاف مثل قَوْلنَا عبيد زيد فانه يسْتَغْرق لحسن توكيده بِلَفْظَة كل وَحسن اسْتثِْنَاء أَي عبد شِئْت وَيُمكن أَن يذكر فِيهِ من الشّبَه أَكثر مَا تقدم فِي لَام الْجِنْس وَالْجَوَاب عَنْهَا نَحْو مَا تقدم ﷺ َ - بَاب فِي الْألف وَاللَّام إِذا دخلا على الِاسْم الْمُفْرد الْمُشْتَقّ وغيرالمشتق ﷺ َ - ذهب الشَّيْخ أَبُو عَليّ ﵀ إِلَى أَن قَول الله تَعَالَى ﴿وَالسَّارِق والسارقة﴾ يسْتَغْرق جَمِيع السراق وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو هَاشم ﵀ إِن ذَلِك يُفِيد الْجِنْس دون استغراقه وَالْحجّة لذَلِك أَنه لَو استغرق الْجِنْس لجَاز مَعَ أَنه لفظ وَاحِد أَن يُؤَكد بِكُل وَجَمِيع كلفظة من نَحْو قَوْلك كل من دخل دَاري أكرمته وَلَيْسَ يجوز أَن يُؤَكد بذلك لِأَنَّهُ يقبح أَن يَقُول جَاءَنِي الرجل أَجْمَعُونَ وَرَأَيْت الْإِنْسَان كلهم وَأَيْضًا يقبح أَن يسْتَثْنى من ذَلِك فَيَقُول رَأَيْت الْإِنْسَان إِلَّا الْمُؤمنِينَ وَلَو كَانَ عَاما لحسن ذَلِك

стр. 227

وَهَذَا يدلنا على أَن قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿وَالْعصر إِن الْإِنْسَان لفي خسر إِلَّا الَّذين آمنُوا﴾ مجَاز يجْرِي مجْرى الِاسْتِثْنَاء من غير الْجِنْس لِأَنَّهُ غير مطرد وَلَو كَانَ حَقِيقَة لاطرد وَيحْتَمل أَيْضا أَن تكون الخسارة لما لَزِمت جَمِيع النَّاس إِلَّا الْمُؤمنِينَ جَازَ هَذَا الِاسْتِثْنَاء فان قيل فقد قَالُوا أهلك النَّاس الدِّينَار الصفر وَالدِّرْهَم الْبيض فعنوا كل وَاحِد مِنْهَا بِالْجمعِ فَعلم أَنَّهُمَا يفيدان الِاسْتِغْرَاق قيل هَذَا شَاذ وَلَو كَانَ حَقِيقَة لاطرد حَتَّى يُقَال جَاءَنِي الرجل الْقصار وَالرجل الْمُؤْمِنُونَ على أَنه لَيْسَ المُرَاد بذلك أَن جَمِيع الدَّنَانِير أهلك النَّاس وَإِنَّمَا المُرَاد بِهِ هَذَا الْجِنْس وَلما كَانَ الْهَلَاك بالدينار لأمر مَوْجُود فِي كل وَاحِد من الدَّنَانِير جَازَ أَن ينعتوه بِالْجمعِ لِأَن الْمَعْنى يَقْتَضِي الْجَمِيع فان قَالُوا لَو لم يسْتَغْرق قَوْلنَا الْإِنْسَان لأفاد وَاحِدًا غير معِين وَفِي ذَلِك إِخْرَاجه من كَونه مُعَرفا فَإِن قُلْتُمْ إِن اللَّام تَقْتَضِي تَعْرِيف الْجِنْس لَا تَعْرِيف الْآحَاد قيل لكم هَذَا كَانَ مستفادا من الِاسْم قيل دُخُول اللَّام عَلَيْهِ لِأَنَّك لَو قلت رَأَيْت إنْسَانا أَفَادَ أَنَّك رَأَيْت وَاحِدًا من هَذَا الْجِنْس كَمَا لَو قلت رايت الْإِنْسَان وَالْجَوَاب أَن قَول الْقَائِل رَأَيْت الْإِنْسَان لَا يُطلق إِلَّا على إِنْسَان قد عرفه الْمُتَكَلّم وَالسَّامِع وَتقدم ذكره لَهما فَيُفِيد ذَلِك الشَّخْص بِعَيْنِه وَقد تعلق على لفظ الْإِنْسَان حكم يعلم شياعه فِي جَمِيع النَّاس إِمَّا لأجل لفظ تَعْلِيل أَو لأجل الزّجر أَو غير ذَلِك فَلَا يسْتَعْمل فِي شخص بِعَيْنِه وَلَكِن يُرَاد بِهِ الْجِنْس واستغراقه لأجل مَا اقْترن بِهِ مِمَّا يَقْتَضِي الِاسْتِغْرَاق فان قيل إِنَّكُم قد خالفتم الْإِجْمَاع بفرقكم بَين الِاسْم إِذا دخله الْألف وَاللَّام وَبَين الِاسْم الْمُفْرد لِأَن النَّاس على قَوْلَيْنِ مِنْهُم من جَعلهمَا مستغرقين وَمِنْهُم من جَعلهمَا غير مستغرقين قيل لسنا نعلم هَذَا الْإِجْمَاع وَإِنَّمَا نعلم مَا ذكرته من قَول الشَّيْخَيْنِ رحمهمَا الله وَمن تبعهما فَقَط على أَنه إِنَّمَا لَا يجوز الْفرق بَين الْمَسْأَلَتَيْنِ إِذا جَمعهمَا طَرِيق وَاحِد وَقد بَينا أَنه لَيْسَ يجمعهما طَرِيق وَاحِد

стр. 228

- ﷺ َ - بَاب فِي لفظ الْجمع العاري عَن الْألف وَاللَّام ﷺ َ - حكى قَاضِي الْقُضَاة ﵀ فِي الشَّرْح عَن الشَّيْخ أبي عَليّ ﵀ ان قَول الْقَائِل رَأَيْت رجَالًا يحمل على الِاسْتِغْرَاق من جِهَة الْحِكْمَة وَعند الشَّيْخ أبي هَاشم ﵀ أَنه لَا يحمل على الِاسْتِغْرَاق بل يحمل إِذا تجرد على ثَلَاثَة فَصَاعِدا وَحجَّة ذَلِك أَن قَوْلنَا رجال يُفِيد جمعا من الرِّجَال لِأَنَّك ترتقي من التَّثْنِيَة إِلَيْهِ فَتَقول رجلَانِ وَثَلَاثَة رجال وَأَرْبَعَة رجال ولأنك تنعته بِأَيّ نعت شِئْت فَتَقول رجال ثَلَاثَة وَأَرْبَعَة وَخَمْسَة رجال وَإِذا كَانَ يُفِيد جمعا من الرِّجَال وَكَانَ معنى الْجمع قَائِما فِي الثَّلَاثَة فَمَا زَاد فَمن قيل لَهُ اضْرِب رجَالًا فَضرب ثَلَاثَة رجال كَانَ قد فعل مَا يُوصف بِأَنَّهُ ضرب رجال فَسقط عَنهُ الْغَرَض كَمَا أَنه لوقيل لَهُ ادخل الدَّار فَدخل أَولهَا ولحقه اسْم الدَّاخِل سقط عَنهُ الْأَمر وَقد احْتج لذَلِك بِأَنَّهُ لَو حمل ذَلِك على الِاسْتِغْرَاق لم يسْتَقرّ لِأَنَّهُ لَا عدد من الرِّجَال إِلَّا وَيُمكن أَن يُوجد أَكثر مِنْهُ وَلقَائِل أَن يَقُول يحمل على الِاسْتِغْرَاق لمن هُوَ مَوْجُود من الرِّجَال كلفظة من تحمل على أَنَّهَا اسْتِفْهَام عَن كل عَاقل فِي الدَّار دون من لم يُوجد وَهَذَا يُوجب أَن لَا يكون فِي اللُّغَة لفظ يسْتَغْرق الرِّجَال وَحجَّة أبي عَليّ على وُجُوه مِنْهَا أَن حمل هَذِه اللَّفْظَة على الِاسْتِغْرَاق حمل لَهَا على جَمِيع حقائقها فَكَانَ أولى من حملهَا على الْبَعْض وَيُفَارق ذَلِك الِاسْم الْمُشْتَرك فِي أَنه لَا يحمل على كلا معنييه لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَقِيقَة فِي مجموعهما وَقَوْلنَا نَاس وَرِجَال يُفِيد كل جمع على سَبِيل الْحَقِيقَة وَالْجَوَاب أَنه إِن أَرَادَ أَن قَوْلنَا رجال حَقِيقَة فِي الثَّلَاثَة وَفِي الْأَرْبَعَة وَفِي كل عدد ابْتِدَاء فَذَلِك غير مُسلم لِأَنَّهُ لم يوضع للاعداد ابْتِدَاء وَإِن أَرَادَ أَنه حَقِيقَة فِي الْجمع وَالْجمع مَوْجُود فِي الثَّلَاثَة فَصَاعِدا

стр. 229

فَصَحِيح وَذَلِكَ يمنعهُ أَن يَقُول إِذا حَملته على الِاسْتِغْرَاق كنت قد حَملته على جَمِيع حقائقه لِأَن الْحَقِيقَة وَاحِدَة وَهِي الْجمع ثمَّ يُقَال لَهُ وَلم زعمت أَنه يَنْبَغِي أَن يحمل هَذَا الِاسْم على كل مَا وجدت فِيهِ حَقِيقَة وَمَا أنْكرت أَنه يحمل على أقل مَا يُوجد فِيهِ معنى الْجمع لِأَنَّهُ مُتَحَقق وَمِنْهَا قَوْله لَو اراد الْمُتَكَلّم بِلَفْظ الْجمع المنكور الْبَعْض لبينه وَإِذا بَطل حمله على الْبَعْض ثَبت الِاسْتِغْرَاق وَالْجَوَاب يُقَال لَهُ وَلَو أَرَادَ الْكل لبينه على أَن مَا ذَكرْنَاهُ من وجوب حمله على الثَّلَاثَة وَسُقُوط الْأَمر بِهِ بَيَانا بِأَن يكون الْبَعْض مرَادا وَيُقَال لَهُ إِنَّمَا يجب أَن يبين ذَلِك لَو يدل عَلَيْهِ مُطلق الْكَلَام فَبين أَنه لَا يدل على ذَلِك وَقد تمت لَك الْمَسْأَلَة وَمِنْهَا قَوْله لَو حمل على الْبَعْض لم يتَمَيَّز الْبَعْض الَّذِي يحملهُ عَلَيْهِ الْجَواب أَنا إِذا قَصرنَا الحكم على الثَّلَاثَة فقد حملناه على أَمر متميز وَإِن كَانَت الثَّلَاثَة غير متعينة فان قَالَ أفتجوزون لمن أَمر بِضَرْب رجال أَن يضْرب أَكثر من ثَلَاثَة قيل نعم وَلَا يجب عَلَيْهِ أما سُقُوط الْوُجُوب فُلَانُهُ بِضَرْب ثَلَاثَة يُوصف بِأَنَّهُ قد ضرب رجَالًا وَأما جَوَاز الزِّيَادَة فلقيام معنى الْجمع فيهم وَهَذَا كمن قيل لَهُ ادخل الدَّار فِي أَنه إِن دخل أَولهَا سقط عَنهُ الْأَمر وَإِن أمعن فِي الدُّخُول لم يلْزمه فَهَذَا هُوَ الْكَلَام فِي أَسمَاء الْجمع الْمُنكر فَأَما قَول الْقَائِل افعلوا فَذكر قَاضِي الْقُضَاة فِي الدَّرْس أَن أَبَا عَليّ حمل ذَلِك على الِاسْتِغْرَاق قَالَ وَلم يحملهُ قَوْله رايت رجَالًا على الِاسْتِغْرَاق وَذكر فِي الشَّرْح مَا حكيناه وَالْأولَى أَن يُقَال إِن قَول الْقَائِل افعلوا لَا بُد من أَن يتقدمه اسْم فان كَانَ الِاسْم مُسْتَغْرقا نَحْو قَوْله يأيها النَّاس انْصَرف قَوْله افعلوا إِلَى الِاسْتِغْرَاق وَإِن لم يكن مُسْتَغْرقا نَحْو جمع مُنكر لم ينْصَرف ذَلِك إِلَى الِاسْتِغْرَاق لِأَن الْإِنْسَان لَو قَالَ قلت لرجل افعلوا كَذَا وَكَذَا لم يسْتَغْرق جَمِيع الرِّجَال

стр. 230

- ﷺ َ - بَاب فِي أقل الْجمع مَا هُوَ ﷺ َ - اعْلَم أَن هَذَا الْبَاب يشْتَمل على مَسْأَلَتَيْنِ إِحْدَاهمَا أَن يُقَال قَوْلنَا جمع مَا الَّذِي يفِيدهُ وَالثَّانِي أَن يُقَال الْأَلْفَاظ الْمَوْضُوعَة بِأَنَّهَا جمع هَل تفِيد الِاثْنَيْنِ حَقِيقَة أم لَا نَحْو قَوْلنَا جمَاعَة وَرِجَال أما قَوْلنَا جمع فانه يُفِيد من جِهَة الِاشْتِقَاق ضم الشَّيْء إِلَى الشَّيْء ويفيد فِي عرف أهل اللُّغَة الفاظا مَخْصُوصَة نَحْو قَوْلهم هَذَا اللَّفْظ جمع وَهَذَا اللَّفْظ تَثْنِيَة وَأما قَوْلنَا جمَاعَة وَقَوْلنَا رجال فانه يُفِيد ثَلَاثَة فَصَاعِدا وَلَا يُفِيد الِاثْنَيْنِ فَقَط لِأَنَّهُ لَا ينعَت ذَلِك بالاثنين وينعت بِالثَّلَاثَةِ لِأَنَّهُ يُقَال رَأَيْت رجَالًا ثَلَاثَة وَجَمَاعَة رجال وَلَا يُقَال رَأَيْت رجَالًا اثْنَيْنِ وَجَمَاعَة رجلَيْنِ وَذهب قوم إِلَى أَنه يُفِيد الِاثْنَيْنِ حَقِيقَة وَاحْتَجُّوا بأَشْيَاء مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَدَاوُد وَسليمَان إِذْ يحكمان فِي الْحَرْث﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَكُنَّا لحكمهم شَاهِدين﴾ وَالْجَوَاب أَن مَا ذَكرْنَاهُ من الدّلَالَة يَقْتَضِي أَن ذَلِك مجَازًا لَا حَقِيقَة وَمِنْهَا قَول النَّبِي ﷺ الِاثْنَان فَمَا فَوْقهَا جمَاعَة وَالْجَوَاب أَنه أَرَادَ أَن حكمهمَا حكم الْجَمَاعَة فِي انْعِقَاد صَلَاة الْجَمَاعَة بهما لما ذكرنَا من الدّلَالَة لِأَن كَلَام النَّبِي ﷺ يحمل على تَعْلِيم الحكم دون الِاسْم اللّغَوِيّ وَلَيْسَ لأحد أَن يَقُول إِن الِاثْنَيْنِ تفيدهما أَلْفَاظ الْجمع من جِهَة الشَّرْع فَيُقَال إِن النَّبِي ﷺ عرفنَا ذَلِك شرعا

стр. 231

وَمِنْهَا أَن اسْم الْجمع يُفِيد ضم الشَّيْء إِلَى الشَّيْء وَهَذَا يَصح فِي الْإِثْنَيْنِ كصجته فِي الثَّلَاثَة وَإِذا كَانَ معنى الْجمع قَائِما فِي الِاثْنَيْنِ صَحَّ أَن يفيدهما أَلْفَاظ الْجمع وَالْجَوَاب أَن قَوْلنَا اسْم الرِّجَال مَوْضُوع للْجمع لَيْسَ يَقْتَضِي أَنه يُفِيد جمع شَيْء إِلَى شَيْء فَيلْزم أَن يَقع مَا حصل فِيهِ هَذَا الْمَعْنى وَإِنَّمَا يُفِيد أَنه مَوْضُوع للاجتماع ثَلَاثَة فَصَاعِدا فَلَا يلْزم أَن يُفِيد اجْتِمَاع اثْنَيْنِ ﷺ َ - بَاب فِي نفي مُسَاوَاة الشَّيْء للشَّيْء هَل يُفِيد نفي اشتراكهما فِي كل صفاتهما أم لَا ﷺ َ - اعْلَم أَن من الشَّافِعِيَّة من اسْتدلَّ بقول الله تَعَالَى ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَاب النَّار وَأَصْحَاب الْجنَّة أَصْحَاب الْجنَّة هم الفائزون﴾ على الْمَنْع من قتل الْمُسلم بالذمي لِأَنَّهُ لَو قتل بِهِ كَمَا يقتل الذِّمِّيّ بِالْمُسلمِ وكما يقتل الْمُسلم بِالْمُسلمِ كُنَّا قد سوينا بَين الْمُسلم وَالذِّمِّيّ مَعَ أَن أَحدهمَا من اصحاب النَّار وَالْآخر من أَصْحَاب الْجنَّة وَالْآيَة تمنع من استوائهما فِي كل الصِّفَات وَهَذَا لَا يَصح لِأَن اسْتِوَاء أهل النَّار وَأهل الْجنَّة هُوَ أَن يشتركا فِي جَمِيع الصِّفَات كَمَا أَن تَسَاوِي الجنسين هُوَ أَن يشتركا فِي جَمِيع الْمِقْدَار فنفي استوائهما هُوَ نفي اشتراكهما فِي جَمِيع الصِّفَات وَمَتى افْتَرقَا فِي بعضهما صدق القَوْل عَلَيْهِمَا بِأَنَّهُمَا لم يستويا وَنحن نوقع بَين الذِّمِّيّ وَالْمُسلم افْتَرقَا فِي كثير من الصِّفَات سوى الْقصاص فَبَان أَن قَوْله ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَاب النَّار وَأَصْحَاب الْجنَّة﴾ لَا يعم جَمِيع الصِّفَات إِن قيل هلا كَانَ المُرَاد بذلك لَا يستويان فِي صفة من الصِّفَات قيل إِن نفي الاسْتوَاء علق بأصحاب الْجنَّة وَأَصْحَاب النَّار وَلم يعلق بصفاتهم فَلَا يلْزم مَا قلته وَإِذا علق بالفريقين كفى فِي افتراقهما أَن يتنافيا فِي بعض الصِّفَات

стр. 232

وَقد أجَاب قَاضِي الْقُضَاة عَن الِاحْتِجَاج بِالْآيَةِ بِأَنا قد علمنَا استواءهم فِي صِفَات الذَّات فَعلمنَا أَنه أَرَادَ لَا يستويان فِي بعض الصِّفَات فاذا لم يذكر ذَلِك الْبَعْض صَارَت الْآيَة مجملة وَقد ذكرنَا فِي الْآيَة الِافْتِرَاق فِي الْفَوْز فَيجب حمل الْآيَة عَلَيْهِ وَلقَائِل أَن يَقُول إِن سلم لَهُم أَن الْآيَة تفِيد نفي اشتراكهم فِي كل الصِّفَات أجمع لم يضرهم اشتراكهم فِي كثير من الصِّفَات لِأَن الْعُمُوم إِذا خرج بعضه لم يمْنَع من التَّعَلُّق بباقيه ﷺ َ - بَاب فِي خطاب الْمُذكر هَل يعم الْمُذكر والمؤنث أم يخْتَص بالمذكر فَقَط ﷺ َ - اعْلَم أَن الْخطاب الشَّامِل ضروب أَحدهمَا يخْتَص بالمذكر فَقَط نَحْو قَوْلنَا رجال وَالْآخر يخْتَص بالمؤنث فَقَط كَقَوْلِنَا نسَاء وَالْآخر يسْتَعْمل فيهمَا وَهُوَ ضَرْبَان أَحدهمَا لَا يبين فِيهِ تذكير وَلَا تَأْنِيث كَقَوْلِك من وَذَلِكَ يدْخل فِيهِ الرِّجَال وَالنِّسَاء إِلَّا لدلَالَة وَالْآخر يبين فِيهِ التَّذْكِير كَقَوْلِك قَامُوا وَاخْتلف النَّاس فِي ذَلِك فَقَالَ بَعضهم لَا يدْخل النِّسَاء فِيهِ إِلَّا بِدَلِيل لِأَن الْمُذكر جمعا ينْفَصل بِهِ من جمع الْمُؤَنَّث وَلِأَن الْجمع هُوَ تَضْعِيف الْوَاحِد وَمَعْلُوم أَن قَوْلنَا قَامَ يُفِيد الْمُذكر فقولنا قَامُوا يُفِيد تَضْعِيف هَذِه الْفَائِدَة وَهُوَ الْمُذكر وَقَالَ قوم ظَاهر ذَلِك يُفِيد الرِّجَال وَالنِّسَاء لِأَن أهل اللُّغَة قَالُوا التَّذْكِير والتأنيث إِذا اجْتمعَا غلب التَّذْكِير وَالْجَوَاب أَن مُرَادهم بذلك أَن الْإِنْسَان إِذا أَرَادَ أَن يعبر عَن الْمُؤَنَّث والمذكر بِلَفْظ وَجب أَن يعبر عَنهُ بِلَفْظ مُذَكّر لَا مؤنث وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يدل على أَن اللَّفْظ يُفِيد ظَاهره الْمُؤَنَّث وَإِذا قد أَتَيْنَا على أَبْوَاب الْعُمُوم فلنذكر ابواب الْخُصُوص ﷺ َ - بَاب فِي معنى وَصفنَا للْكَلَام بِأَنَّهُ خَاص وخصوص وبانه مَخْصُوص وَوصف الْمُتَكَلّم بِأَنَّهُ مُخَصص للخطاب والفصل بَين التَّخْصِيص والنسخ ﷺ َ - أما وصف الْكَلَام بِأَنَّهُ خَاص وَبِأَنَّهُ خُصُوص فَمَعْنَاه أَنه وضع

стр. 233

لشَيْء وَاحِد نَحْو قَوْلنَا الْبَصْرَة وبغداد وَأما الْخطاب الْمَخْصُوص فَهُوَ مَا عرض الْمُتَكَلّم بِهِ بعض مَا وضع لَهُ اللَّفْظ فَقَط وَذَلِكَ أَن الْمَفْهُوم من قَوْلنَا إِن الْكَلَام مَخْصُوص هُوَ أَنه قد قصر على بعض فَائِدَته وَإِنَّمَا يكون مَقْصُورا عَلَيْهَا بِأَن يكون الْمُتَكَلّم قد عني ذَلِك الْبَعْض فَقَط بِكَلَامِهِ وَلَيْسَ قَوْلنَا خُصُوص من قَوْلنَا مَخْصُوص بسبيل لِأَن مَا وضع لعين وَاحِدَة لَا يُوصف بِأَنَّهُ خطاب مَخْصُوص وَإِنَّمَا يُوصف بِأَنَّهُ خَاص وَبِأَنَّهُ مَخْصُوص ويقل اسْتِعْمَال قَوْلهم خُصُوص فِي الْعُمُوم الْمَخْصُوص وَأما قَوْلنَا خَاص فانه يسْتَعْمل فِيمَا وضع لعين وَاحِدَة وَفِي الْعُمُوم الْمَخْصُوص وَأما قَوْلنَا قد خص فلَان الْعُمُوم فقد يسْتَعْمل على الْحَقِيقَة وَيُرَاد بِهِ أَنه جعله خَاصّا وَإِنَّمَا يَجعله خَاصّا إِذا اسْتَعْملهُ فِي بعض مَا تنَاوله وَيسْتَعْمل على الْمجَاز وَيُرَاد بِهِ أَنه دلّ على تَخْصِيصه أَو نبه على الدّلَالَة عَلَيْهِ أَو اعْتقد تَخْصِيصه فَأَما التَّخْصِيص فقد يسْتَعْمل على مُوجب اللُّغَة وعَلى مُوجب الْعرف واستعماله على مُوجب اللُّغَة يُفِيد إِخْرَاج بعض مَا تنَاوله الْخطاب فعلا كَانَ الْمخْرج أَو فَاعِلا أَو زَمَانا على مَا سَيَجِيءُ بَيَانه وعَلى هَذَا يكون النّسخ دَاخِلا تَحت التَّخْصِيص لِأَن النّسخ هُوَ إِخْرَاج لبَعض مَا تنَاوله الْخطاب ايضا وَأما التَّخْصِيص فِي الْعرف فانه لَا يُفَارق على مُوجب مَذْهَب أَصْحَابنَا إِلَّا بالمقارنة والتراخي لِأَن الله لَو قَالَ لنا صلوا كل يَوْم جُمُعَة ثَلَاث صلوَات وَقَالَ عقيب ذَلِك باستثناء أَو بِغَيْرِهِ لَا يصل زيد شَيْئا من هَذِه الصَّلَوَات كَانَ ذَلِك مُخَصّصا وَلم يكن نسخا وَكَذَلِكَ لَو قَالَ لَا تصلوا يَوْم الْجُمُعَة الْفُلَانِيَّة أَو لَو قَالَ لَا تصلوا الصَّلَاة الثَّالِثَة فِي الْجُمُعَة فَلَو قَالَ هَذِه الْأَقَاوِيل متراخيا عَن قَوْله صلوا كل يَوْم جُمُعَة لَكَانَ نسخا فَبَان أَنه لَيْسَ يَقع الْفرق بَينهمَا فَإِن أَحدهمَا يخرج الْوَقْت أَو الشَّخْص أَو الْفِعْل بل إِنَّمَا يفترقان بالمقارنة والتراخي فاذا ثَبت ذَلِك فالتخصيص على هَذَا هُوَ إِخْرَاج

стр. 234

بعض مَا تنَاوله الْخطاب مَعَ كَونه مُقَارنًا لَهُ وَيدخل فِي ذَلِك إِخْرَاج وَاحِد من النكرات والنسخ هُوَ إِخْرَاج بعض مَا تنَاوله دَلِيل شَرْعِي بِنَفسِهِ أَو بِقَرِينَة بِدَلِيل سَمْعِي متراخ ﷺ َ - بَاب فِيمَا يجوز تَخْصِيصه وَفِيمَا لَا يجوز ﷺ َ - اعْلَم أَن الْكَلَام فِي ذَلِك يَقع فِي موضِعين أَحدهمَا فِيمَا يتَصَوَّر تَخْصِيصه وَيُمكن وَالْآخر فِيمَا يجوز قيام الدّلَالَة على تَخْصِيصه أما الأول فَهُوَ أَن الْأَدِلَّة ضَرْبَان أَحدهمَا فِيهِ معنى الشُّمُول وَالْآخر لَيْسَ فِيهِ ذَلِك فالأخير لَا يتَصَوَّر دُخُول التَّخْصِيص فِيهِ لِأَن تَخْصِيص الشَّيْء هُوَ إِخْرَاج جزئه فَمَا لَا جُزْء لَهُ لَا يتَصَوَّر فِيهِ ذَلِك وَلَا يُمكن وَذَلِكَ نَحْو قَول النَّبِي ﷺ لأبي بردة بن نيار يجزئك وَلَا يجزىء أحدا بعْدك لِأَنَّهُ لَا يُمكن أَن يخرج من هَذِه الْأَجْزَاء شَيْء وَأما مَا فِيهِ معنى الشُّمُول فضربان أَحدهمَا لفظ عُمُوم وَالْآخر لَيْسَ بِلَفْظ عُمُوم نَحْو قَضِيَّة فِي عين دلّ الدَّلِيل على أَنَّهَا تتعدى عَنْهَا أَو فحوى القَوْل أَو دَلِيل خطاب أَو عِلّة شَامِلَة وكل ذَلِك يتَصَوَّر دُخُول التَّخْصِيص فِيهِ إِذْ كل وَاحِد من ذَلِك لَهُ جُزْء يتَصَوَّر إِخْرَاجه فَأَما مَا يجوز قيام الدّلَالَة على تَخْصِيصه فَنَقُول فِيهِ إِن مَا لَا يتَصَوَّر تَخْصِيصه لَا يجوز قيام الدّلَالَة على تَخْصِيصه وَمَا يتَصَوَّر تَخْصِيصه وَكَانَ لفظ عُمُوم فَجَائِز قيام الدّلَالَة على تَخْصِيصه وَمَا عدا الْأَلْفَاظ فضربان عِلّة وَغير عِلّة وَمَا لَيْسَ بعلة فَهُوَ دَلِيل خطاب على قَول من جعله حجَّة وَالدّلَالَة على تَخْصِيصه يجوز أَن ترد وَأما الْعلَّة فضربان أَحدهمَا تَعْلِيل بطرِيق الأولى وَهُوَ فحوى القَوْل وَالْآخر لَا بطرِيق الأولى فَالْأول لَا يجوز إِخْرَاج بعض الفحوى مَعَ بَقَاء اللَّفْظ فَإِن قَول الله ﴿فَلَا تقل لَهما أُفٍّ﴾ لَو خص

стр. 235

مِنْهُ الضَّرْب فأبيح مَعَ إيمانهما وحظر التأفيف كَانَ قد أُبِيح مَا يُشَارك الْمَحْظُور فِي عِلّة الْحَظْر وَزَاد عَلَيْهِ فَأَما الْعلَّة الَّتِي لَا يثبت فِيهَا معنى الأولى فضربان منصوصة ومستنبطة وَفِي تحصيص كل وَاحِدَة مِنْهُمَا اخْتِلَاف وَإِذ وَقد ذكرنَا مَا لَا يجوز تَخْصِيصه وَمَا يجوز تَخْصِيصه فلنذكر الْغَايَة الَّتِي اليها يَنْتَهِي تَخْصِيص مَا يجوز تَخْصِيصه ﷺ َ - بَاب فِي الْغَايَة الَّتِي يجوز أَن يَنْتَهِي التَّخْصِيص إِلَيْهَا ﷺ َ - حُكيَ عَن أبي بكر الْقفال أَنه أجَاز تَخْصِيص لَفْظَة من إِلَى أَن يبْقى تحتهَا وَاحِد فَقَط وَلم يجز ذَلِك فِي أَلْفَاظ الْجمع الْعَامَّة وَجعل نِهَايَة تخصيصها أَن يبْقى تحتهَا ثَلَاثَة كَقَوْلِك النَّاس وَالرِّجَال وَأَجَازَ غَيره تَخْصِيص جَمِيع الفاظ الْعُمُوم على اختلافها إِلَى أَن يبْقى تحتهَا وَاحِد وَالْأولَى الْمَنْع من ذَلِك فِي جَمِيع أَلْفَاظ الْعُمُوم وَإِيجَاب أَن يُرَاد بهَا كَثْرَة وَإِن لم يعلم قدرهَا إِلَّا أَن تسْتَعْمل فِي الْوَاحِد على سَبِيل التَّعْظِيم والإبانة بِأَن ذَلِك الْوَاحِد يجْرِي مجْرى الْكَبِير فَأَما على غير ذَلِك فَلَيْسَ بمستعمل يبين ذَلِك أَن رجلا لَو قَالَ أكلت كل مَا فِي الدَّار من الرُّمَّان وَكَانَ قد أكل رمانة وَاحِدَة وَفِي الدَّار ألف رمانة عابه أهل اللُّغَة وَكَذَلِكَ لَو أكل ثَلَاثَة فانما يَزُول اللوم عَنهُ إِذا كَانَ قد أكل جَمِيعهَا أَو كثيرا مِنْهَا وَإِن لم يحد ذَلِك بِحَدّ كَذَلِك لَو قَالَ أكلت الرُّمَّان الَّذِي فِي الدَّار وَقد أكل ثَلَاثَة وَكَذَلِكَ لَو قَالَ أكلت الرُّمَّان إِلَّا أَن يُرِيد بقوله أكلت الرُّمَّان الْجِنْس دون الِاسْتِغْرَاق لِأَن الْمَرِيض لَو قَالَ قد أكلت اللَّحْم حسن ذَلِك وَإِن كَانَ أكل الْيَسِير مِنْهُ لما كَانَ مقْصده أَنه قد شرع فِي هَذَا الْجِنْس وَلَو قَالَ قَائِل من دخل دَاري ضَربته أَو قَالَ لغيره من عنْدك وَقَالَ أردْت زيدا وَحده بالاستفهام والمجازاة عابه أهل اللُّغَة

стр. 236

وَحجَّة من أجَاز أَن يَنْتَهِي التَّخْصِيص إِلَى أَن يبْقى من الْعُمُوم وَاحِد هِيَ أَنه لَو لم يجز ذَلِك لَكَانَ إِمَّا أَن لَا يجوز لِأَنَّهُ يصير بِهِ الْخطاب مجَازًا أَو لِأَنَّهُ إِذا اسْتعْمل فِي الْوَاحِد لم يكن مُسْتَعْملا فِي الْجمع فَلَا يكون قد اسْتعْمل الْخطاب فِي مَوْضِعه أصلا وَالْأول يمْنَع من دُخُول التَّخْصِيص فِيهِ على كل حَال وَالثَّانِي يمْنَع أَيْضا من ذَلِك لِأَن الِاسْتِغْرَاق هُوَ مَوْضُوع اللَّفْظ الْعَام لَا غير وَالْجمع تبع لَهُ وَإِن لم يجز أَن يسْتَعْمل اللَّفْظ فِي غير مَوْضُوعه لم يجز اسْتِعْمَاله فِيمَا دون الِاسْتِغْرَاق وَالْجَوَاب أَن الَّذِي يمْنَع من ذَلِك أَنه غير مُسْتَعْمل فِي اللُّغَة من الْوَجْه الَّذِي بَيناهُ وَاحْتَجُّوا بقول الله تَعَالَى ﴿إِنَّا نَحن نزلنَا الذّكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون﴾ ومنزل الذّكر هُوَ الله الْوَاحِد وَبقول الشَّاعِر إِنَّا وَمَا أَعنِي سواي وَيَقُول عمر بن الْخطاب ﵁ وَقد أنفذ إِلَى سعد بن أبي وَقاص الْقَعْقَاع مَعَ ألف فَارس إِنِّي قد أنفذت إِلَيْك ألفي رجل وَصفه بِأَنَّهُ ألف فاذا جَازَ ذَلِك فِي أَلْفَاظ الْعدَد فجوازه فِي أَلْفَاظ الْعُمُوم أولى وَالْجَوَاب أَن ذَلِك خرج على طَرِيق التَّعْظِيم أَو الْإِخْبَار بِقِيَام الْوَاحِد مقَام الْجَمَاعَة وَذَلِكَ سَائِغ ﷺ َ - بَاب فِي جَوَاز اسْتِعْمَال الله سُبْحَانَهُ الْكَلَام الْعَام فِي الْخُصُوص أمرا كَانَ أَو خَبرا ﷺ َ - حُكيَ أَن قوما منعُوا من ذَلِك فِي الْخَبَر دون الْأَمر وَالدَّلِيل على جَوَاز ذَلِك فيهمَا أَن الْقُرْآن قد ورد بخطاب عَام وَالْمرَاد بِهِ الْخُصُوص كَقَوْلِه سُبْحَانَهُ ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْركين﴾ وَقَوله سُبْحَانَهُ ﴿وَأُوتِيت من كل شَيْء﴾

стр. 237

وَجَاءَت السّنة بذلك لِأَن النَّبِي ﷺ لم يدْخل بَيْتا فِيهِ تصاوير وَقَالَ إِن الْمَلَائِكَة لَا تدخل بَيْتا فِيهِ تصاوير ثمَّ دخل بَيْتا فِيهِ تصاوير بوطاء فَكَانَ ذَلِك تَخْصِيصًا وَلِأَن الْمَانِع من ذَلِك إِمَّا أَن يكون من جِهَة الْإِمْكَان أَو من جِهَة اللُّغَة أَو من جِهَة الدَّوَاعِي وَالْحكمَة وَمَعْلُوم أَن ذَلِك مُمكن من كل مُتَكَلم واللغة لَا تمنع من ذَلِك لأَنهم يَتَكَلَّمُونَ بِالْعُمُومِ ويريددون بِهِ الْخُصُوص وَالْحكمَة أَيْضا لَا تمنع من ذَلِك لِأَن أَكثر مَا فِيهِ أَنه يصير الْعُمُوم بِاسْتِعْمَالِهِ فِي الْخُصُوص مجَازًا وَالْحكمَة لَا تمنع من التَّكَلُّم بالمجاز إِن قيل إِن جَازَ ذَلِك لتكلم أهل اللُّغَة بِهِ ليجوزن أَن يامر الله سُبْحَانَهُ بِشَرْط لِأَن أهل اللُّغَة يأمرون بِشُرُوط قيل إِنَّا لم نمْنَع من ذَلِك لأجل اللُّغَة لَكِن لِأَن الْأَمر بِالشّرطِ مَوْقُوف على فقد الْعلم بِحُصُول الشَّرْط أَو زَوَاله إِن قيل فالحكمة تمنع من أَن يُرَاد بالْخبر الْعَام بعضه لِأَنَّهُ يُوهم الْكَذِب قيل لَيْسَ يُوهم ذَلِك إِذا اقْترن بِهِ بَيَان التَّخْصِيص وَيلْزم عَلَيْهِ الْمَنْع من دُخُول التَّخْصِيص فِي الْأَمر لِأَنَّهُ يُوهم البداء فَإِن قَالُوا الْخَبَر لَا يجوز نسخه فَلم يجز تَخْصِيصه وَالْجَوَاب أَنه يجوز نسخه على مَا سنبينه ﷺ َ - بَاب فِيمَا يصير بِهِ الْعَام خَاصّا ﷺ َ - اعْلَم أَنه يفهم من ذَلِك مَا بِهِ يصير خَاصّا عندنَا وَيفهم مِنْهُ مَا بِهِ يصير خَاصّا فِي نَفسه فاذا أُرِيد الْوَجْه الأول فَالْجَوَاب أَنه يصير خَاصّا عندنَا بالأدلة لأَنا بهَا اعتقدنا أَن الْعَام مَخْصُوص وَإِذا أُرِيد الْوَجْه الثَّانِي وَهُوَ الْحَقِيقَة لِأَن الْمَفْهُوم من ذَلِك أَنه صَار مَخْصُوصًا بِهِ فِي نَفسه فَالْجَوَاب أَنه صَار مَخْصُوصًا بأغراض الْمُتَكَلّم وإرادته لَا بالأدلة لِأَن معنى قَوْلنَا إِن الْعُمُوم مَخْصُوص هُوَ أَن الْمُتَكَلّم بِهِ اسْتَعْملهُ فِي بعض مَا تنَاوله وَلَا معنى لذَلِك إِلَّا أَنه قصد بِهِ بعض مَا تنَاوله أَو مَا يجْرِي مجْرى الْقَصْد وَلِأَنَّهُ إِذا جَازَ أَن يرد

стр. 238

الْخطاب خَاصّا وَجَاز أَن يرد عَاما لم يكن بِأَحَدِهِمَا أولى من الآخر إِلَّا لما يرجع إِلَى أغراض الْمُتَكَلّم كَمَا يذكرهُ أَصْحَابنَا فِي الْأَمر وَالْخَبَر وَلِهَذَا كَانَ لفظ الْعُمُوم مُسْتَعْملا فِي الِاسْتِغْرَاق بارادة الْمُتَكَلّم وأغراضه وَلِأَن الدّلَالَة على تَخْصِيص الْعُمُوم الَّذِي تكلم بِهِ الْوَاحِد منا قد يكون مُتَأَخِّرًا والمؤثر فِي الشَّيْء لَا يتَأَخَّر عَنهُ وَلِأَنَّهُ قد يتَكَلَّم الْوَاحِد منا بِالْعُمُومِ وَيدل غَيره على تَخْصِيصه والمخصص للْعُمُوم هُوَ الْمُتَكَلّم دون غَيره وَانْصَرف ذَلِك إِلَى أَقْوَال الْمُتَكَلّم دون الدَّلِيل ﷺ َ - بَاب فِيمَا يعلم بِهِ تَخْصِيص الْعَام ﷺ َ - اعْلَم أَنه يعلم تَخْصِيص الْعم بِمَا يتَّصل بِهِ وَبِمَا ينْفَصل عَنهُ والمتصل بِهِ شَرط وَصفَة وَغَايَة واستثناء والمنفصل ضَرْبَان عَقْلِي وسمعي والسمعي ضَرْبَان دلَالَة وأمارة فالدلالة هِيَ الْكتاب وَالسّنة الْمَقْطُوع بهَا وَالْإِجْمَاع الْمَقْطُوع بِهِ والأمارة خبر وَاحِد وَقِيَاس ﷺ َ - بَاب تَخْصِيص الْكَلَام بِالصّفةِ والغاية ﷺ َ - أما تَخْصِيصه بِالصّفةِ فكقولك أكْرم النَّاس الطوَال فَلَو لم تقل الطوَال لُزُوم إكرامهم أجمع فَلَمَّا قلت الطوَال لزم إكرام الطوَال فَقَط وَلم يلْزم بِهَذَا الْكَلَام إكرام من عداهم فان تضمن الْكَلَام شَيْئَيْنِ عطف أَحدهمَا على الآخر وَقيد الثَّانِي مِنْهُمَا بِصفة فانه يتَقَيَّد الأول بِالصّفةِ فِي حَال وَلَا يتَقَيَّد فِي حَال على مَا سَنذكرُهُ فِي الِاسْتِثْنَاء إِذا تعقب جملا من الْكَلَام وَأما تَخْصِيصه بالغاية فكقولك أكْرم بني تَمِيم أبدا إِلَى أَن يدخلُوا الدَّار فَلَو لم تقل إِلَى أَن يدخلُوا الدَّار جَازَ أَن يكرمهم بِالْأَمر دخلُوا

стр. 239

الدَّار أَو لم يدخلُوا فَلَمَّا ذكرت الْغَايَة تخصص الْوُجُوب بِمَا قبلهَا لِأَنَّهُ لَو لزم الْإِكْرَام بعد الدُّخُول خرج الدُّخُول من كَونه غَايَة وَنِهَايَة وَدخل فِي أَن يكون وسطا وَذَلِكَ ينْقض فَائِدَة قَوْله إِلَى لِأَن هَذِه اللَّفْظَة تفِيد الْغَايَة وَقد يدْخل على الحكم الْوَاحِد غايتان إِمَّا على الْبَدَل وَإِنَّمَا على الْجمع مِثَال الأول قَوْلك اضْرِب زيدا أبدا تى يدْخل الدَّار أَو حَتَّى تسلم على زيد فَأَيّهمَا فعل سقط وجوب الضَّرْب والغاية الثَّانِيَة قد زَادَت فِي التَّخْصِيص لِأَنَّك لَو اقتصرت على الْغَايَة الأولى مَا ارْتَفع الضَّرْب إِلَّا مَعَ دُخُول الدَّار فَلَمَّا ذكرت الثَّانِيَة ارْتَفع وجوب الضَّرْب مَعَ فقد دُخُول الدَّار إِذا وجد التَّسْلِيم على زيد وَمِثَال الثَّانِي قَوْلك اضْرِب بني تَمِيم أبدا حَتَّى يدخلُوا الدَّار وَحَتَّى يسلمُوا على زيد فَيصير فعل الثَّانِي مِنْهُمَا هُوَ الْغَايَة فِي التَّحْقِيق والغاية الثَّانِيَة قد رفعت بعض التَّخْصِيص لِأَنَّهَا لَو لم تذكر سقط وجوب الضَّرْب بِدُخُول الدَّار فَقَط فَلَمَّا ذكرت لم يسْقط وجوب الضَّرْب إِلَّا بِوُجُود السَّلَام مَعَ دُخُول الدَّار ﷺ َ - بَاب التَّخْصِيص بِالشّرطِ ﷺ َ - اعْلَم أَن الشَّرْط يخص الْكَلَام وَهُوَ ضَرْبَان أَحدهمَا يخرج من الْكَلَام مَا علمنَا خُرُوجه مِنْهُ بِدَلِيل آخر عَقْلِي أَو سَمْعِي فَيكون مؤكدا نَحْو قَوْلك أكْرم الْقَوْم أبدا إِن أستطعت وَالضَّرْب الآخلار يخرج من الْكَلَام مَا لَا نعلم خُرُوجه مِنْهُ لولاه كَقَوْلِك أكْرم الْقَوْم ابدا إِن دخلُوا الدَّار فَلَو لم تذكر الشَّرْط لزم إكرامهم وَإِن لم يدخلُوا الدَّار وَمَعَ ذكرك للشّرط سقط وجوب الْإِكْرَام إِن لم يدخلُوا الدَّار لِأَن لَفْظَة إِن للشّرط وَالشّرط يقف عَلَيْهِ الْمَشْرُوط وعَلى بدله وَإِلَّا انْتقض كَونه شرطا على مَا تقدم بَيَانه وَقد يشْتَرط الحكم الْوَاحِد بِشُرُوط كَثِيرَة على الْبَدَل وعَلى الْجمع فَالْأول كَقَوْلِك أكْرم الْقَوْم أبدا إِن دخلُوا الدَّار أَو إِن دخلُوا السُّوق فَأَيّهمَا

стр. 240

حصل اسْتحق الْإِكْرَام وَالشّرط الثَّانِي قد رفع بعض التَّخْصِيص لِأَنَّك لما قلت إِن دخلُوا الدَّار أسقطت الْإِكْرَام بفقد الدُّخُول وأخرجت ذَلِك من الْكَلَام فَلَمَّا قلت أَو إِن دخلُوا السُّوق أوجبت إكرامهم بِدُخُول السُّوق وَإِن لم يدخلُوا الدَّار على حد مَا اقْتَضَاهُ مُطلق الْكَلَام وَمِثَال الثَّانِي قَوْلك أكْرم الْقَوْم أبدا إِن دخلُوا الدَّار ودخلوا السُّوق فَلَا يسْتَحق الْإِكْرَام إِلَّا بهما وَالشّرط الثَّانِي قد زَاد فِي التَّخْصِيص لِأَنَّك لَو اقتصرت على الشَّرْط الأول مَا كَانَ يخرج من الْإِكْرَام من دخل الدَّار وَلما ذكرت الشَّرْط الثَّانِي خرج من الْإِكْرَام من دخل الدَّار مَتى لم يدْخل السُّوق وَقد يشرط للْأَحْكَام الْكَثِيرَة شَرط وَاحِد على الْبَدَل وعَلى الْجمع مِثَال الأول قَوْلك أعْط زيدا درهما أَو دِينَار إِن دخل الدَّار وَمِثَال الثَّانِي قَوْلك أعْط زيدا درهما واخلع عَلَيْهِ إِن دخل الدَّار وَالشّرط لَهُ صدر الْكَلَام سَوَاء تقدم أَو تَأَخّر لِأَن من حَقه أَن يتَقَدَّم الْجَزَاء فاذا قلت أعْط زيدا درهما أَن دخل الدَّار مَعْنَاهُ إِن دخل الدَّار فأعطه درهما وَالشّرط كالمشروط إِن كَانَ الْمَشْرُوط قد نقض فشرطه قد نقض وَلَا يكون الشَّرْط مُسْتَقْبلا أَلا ترى أَن دُخُول زيد الدَّار إِذا تقدم وَكَانَ شَرطه دُخُول عَمْرو فَيجب أَن يكون دُخُول عَمْرو قد تقدم وَإِن كَانَ الْمَشْرُوط حَاضرا فشرطه حَاضر وَإِن كَانَ مُسْتَقْبلا فشرطه مُسْتَقْبل وَالْأَصْل فِي ذَلِك أَن الشَّرْط عَلَيْهِ يقف الحكم فَلَا يجوز أَن يُفَارِقهُ وَلِهَذَا إِذا كَانَ دُخُول زيد الدَّار شرطا فِي اسْتِحْقَاقه درهما وَجب أَن يقارن اسْتِحْقَاق الدِّرْهَم لأوّل فعل سمي دُخُولا إِن قيل أَلَيْسَ لَو علم الله سُبْحَانَهُ أَن زيدا إِن دخل الدَّار يَوْم الْخَمِيس دَخلهَا يَوْم الْجُمُعَة فَيَقُول لنا زيد قد دخل الدَّار يَوْم الْخَمِيس إِن دَخلهَا يَوْم الْجُمُعَة فَيكون الشَّرْط مُتَأَخِّرًا والمشروط مُتَقَدما قيل إِنَّه إِذا كَانَ كَذَلِك لم يكن دُخُوله يَوْم الْجُمُعَة شرطا فِي دُخُوله يَوْم الْخَمِيس وَإِنَّمَا يكون الدُّخُول يَوْم الْجُمُعَة أَو علمنَا بذلك شرطا فِي علمنَا بِدُخُولِهِ يَوْم الْخَمِيس فان قيل

стр. 241

فَلَو كَانَت الْحَال هَذِه ثمَّ قَالَ قبل مَجِيء يَوْم الْجُمُعَة زيد سيدخل الدَّار يَوْم الْجُمُعَة أَلسنا نعلم قبل مَجِيء يَوْم الْجُمُعَة أَنه كَانَ دَخلهَا يَوْم الْخَمِيس قيل إِنَّه إِذا كَانَ كَذَلِك علمنَا قبل يَوْم الْجُمُعَة أَن زيدا سيدخل الدَّار يَوْم الْجُمُعَة وَكَانَ هَذَا الْعلم كالشرط فِي علمنَا أَنه قد دَخلهَا يَوْم الْخَمِيس وَالشّرط فِي هذَيْن العلمين لم يتَأَخَّر عَن الْمَشْرُوط مِنْهُمَا ﷺ َ - بَاب فِي تَخْصِيص الْكَلَام بِالِاسْتِثْنَاءِ ﷺ َ - اعْلَم أَن الِاسْتِثْنَاء الْمُتَّصِل بالْكلَام يَخُصُّهُ إِذْ قد بَينا أَنه يخرج من الْكَلَام مَا لولاه لدخل تَحْتَهُ وَذَلِكَ نَحْو قَول الْقَائِل لزيد عِنْدِي عشرَة دَرَاهِم إِلَّا درهما وَأكْرم النَّاس إِلَّا الْفَاسِقين وَمن حَقه أَن يكون مُتَّصِلا بِمَا يَخُصُّهُ أَو فِي حكم الْمُتَّصِل بِهِ أما اتِّصَاله بالْكلَام فنحو قَوْلك لَهُ عَليّ عشرَة إِلَّا درهما وكقولك أكْرم الْعَرَب الطوَال الْبيض إِلَّا الْفَاسِقين لِأَن هَذَا الِاسْتِثْنَاء يخرج الْفَاسِقين من الْعَرَب الْبيض الطوَال فَلم يتَأَخَّر عَن الْمُسْتَثْنى مِنْهُ على الْحَقِيقَة وَأما الَّذِي هُوَ حكم الْمُتَّصِل فبأن يكون انْفِصَاله وتأخره على وَجه لَا يدل على أَن الْمُتَكَلّم قد استوفى غَرَضه من الْكَلَام نَحْو أَن يسكت قبل الِاسْتِثْنَاء لانْقِطَاع نفس أَو بلع ريق وَحكي عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ إِن الِاسْتِثْنَاء الْمُنْفَصِل يخص الْكَلَام وَيكون اسْتثِْنَاء وَاعْلَم أَن القَوْل بِأَنَّهُ يكون اسْتثِْنَاء مَعَ انْفِصَاله إِمَّا أَن يُرَاد بِهِ أَنه يكون على صُورَة الِاسْتِثْنَاء وَمَعْلُوم أَنه يكون كَذَلِك أَو يُرَاد بِهِ أَنه يُمكن أَن يقْصد بِهِ الْمُتَكَلّم إِخْرَاج بعض الْمُسْتَثْنى وَهَذَا ايضا مُمكن أَو يُرَاد بِهِ أَن ذَلِك مُسْتَعْمل فِي عَادَة الْعَرَب وَمَعْلُوم أَن ذَلِك غير مُسْتَعْمل لِأَن الْإِنْسَان لَا يَقُول رايت النَّاس وَيَقُول بعد شهر رَأَيْت زيدا وَلذَلِك اسْتَقَرَّتْ الْعُقُود والإيقاعات كالعتاق وَالطَّلَاق وَغير ذَلِك وَإِمَّا أَن يُرَاد بِهِ أَن السَّامع لهَذَا

стр. 242

الِاسْتِثْنَاء يعلم رُجُوعه إِلَى الْكَلَام الْمُتَقَدّم مُنْذُ شهر وَمَعْلُوم أَن السَّامع لَا يعرف ذَلِك لِأَن الِاسْتِثْنَاء غير مُسْتَقل بِنَفسِهِ فَهُوَ كالخبر مَعَ الْمُبْتَدَأ فَكَمَا أَن الْخَبَر إِذا تَأَخّر عَن الْمُبْتَدَأ شهرا لم يستفد بِهِ السَّامع شَيْئا فَكَذَلِك الِاسْتِثْنَاء الْمُتَأَخر أَو يُرَاد بذلك أَنه مُتَعَلق بِهِ حكم شَرْعِي حَتَّى إِذا قَالَ الرجل لامْرَأَته أَنْت طَالِق ثَلَاثًا ثمَّ قَالَ بِعْ شهر إِلَّا أَن تدخلي الدَّار فَإِنَّهَا لَا تطلق إِن دخلت الدَّار وَمَعْلُوم أَنه كَانَ يجوز وُرُود الشَّرِيعَة بذلك لجَوَاز تعلق الْمصلحَة بِهِ غير أَنَّهَا لم ترد بِهِ وَإِنَّمَا وَردت بتعلق هَذِه الْأَحْكَام على الْمُتَعَارف من خطاب الْعَرَب وَلَو تعلّقت هَذِه الْأَحْكَام بِغَيْر مَا تعارفوه من الْكَلَام لبينته الشَّرِيعَة فاذا ثَبت ذَلِك لم يحسن الِاسْتِثْنَاء الْمُنْفَصِل لِأَنَّهُ إِن تجرد لم يفد وَالْغَرَض بالْكلَام الإفادة فَمَا لم يحصل بِهِ هَذَا الْغَرَض قبح وَإِن اقْترن بِهِ بَيَان نَحْو أَن يَسْتَثْنِي الْمُتَكَلّم من كَلَامه بعد شهر ثمَّ يَقُول هَذَا رَاجع إِلَى كَلَامي الْفُلَانِيّ فانه يقبح لِأَنَّهُ اسْتعْمل مَا لَا يَسْتَعْمِلهُ أهل اللُّغَة فَلم يجز مَعَ أَنه مُتَكَلم بكلامهم كَمَا لَا يحسن أَن يَأْتِي بالْخبر بعد الْمُبْتَدَأ بِشَهْر وَيبين أَنه خبر لذَلِك الْمُبْتَدَأ ﷺ َ - بَاب فِي الِاسْتِثْنَاء من غير الْجِنْس ﷺ َ - أما اسْتِعْمَال ذَلِك فَظَاهر قَالَ الله ﴿فَسجدَ الْمَلَائِكَة كلهم أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيس﴾ فاستثنى مِنْهُم إِبْلِيس وَلَيْسَ مِنْهُم وَقَالَ الشَّاعِر وَمَا بِالربعِ من أحد إِلَّا أواري وَلَا يُقَال للأواري أحد إِلَّا أَن ذَلِك مجَاز لِأَن من حق الِاسْتِثْنَاء أَن يخرج من الْكَلَام شَيْئا تنَاوله وَاسم الْمَلَائِكَة لم يتَنَاوَلهُ إِبْلِيس فَيكون قَوْله

стр. 243

﴿إِلَّا إِبْلِيس﴾ أخرجه من الْكَلَام وكل اسْتثِْنَاء من غير الْجِنْس فَإِنَّهُ يخرج من معنى الْكَلَام وَلَا بُد من إِضْمَار إِمَّا فِيهِ أَو فِي الْمُسْتَثْنى مِنْهُ أما الْإِضْمَار فِي الِاسْتِثْنَاء فنحو قَول الْقَائِل لزيد على عشرَة أَثوَاب إِلَّا دِينَارا أَي مَا قِيمَته قيمَة دِينَار فالاستثناء قد دخل على معنى الْمُسْتَثْنى مِنْهُ وَهُوَ الْقيمَة وَوَقع الْإِضْمَار فِي الِاسْتِثْنَاء وَأما مَا يَقع الْإِضْمَار فِي الْمُسْتَثْنى مِنْهُ فنحو قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿فَسجدَ الْمَلَائِكَة كلهم أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيس﴾ أَي فَسجدَ الْمَلَائِكَة وَمن أَمر بِالسُّجُود إِلَّا إِبْلِيس فَلَمَّا وَقعت الشّركَة بَين الْمَلَائِكَة وَبَين إِبْلِيس فِي أَنهم مأمورون بِالسُّجُود صَحَّ الِاسْتِثْنَاء وَمِنْه قَول الله تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لمُؤْمِن أَن يقتل مُؤمنا﴾ لما دلّ هَذَا الْكَلَام على لُحُوق الْإِثْم من قتل مُؤمنا صَار ذَلِك كالمضمر وَكَانَ قَوْله ﴿إِلَّا خطأ﴾ اسْتثِْنَاء مِنْهُ ﷺ َ - بَاب فِي اسْتثِْنَاء الْأَكْثَر من الْأَقَل ﷺ َ - أجَازه قوم وَمنع مِنْهُ قوم آخَرُونَ وَلَيْسَ يَخْلُو المانعون مِنْهُ إِمَّا أَن يمنعوا مِنْهُ لِأَنَّهُ لَا يفهم مِنْهُ المُرَاد أَو لِأَنَّهُ غير مُسْتَعْمل فِي اللُّغَة أَو لِأَن الْحِكْمَة تمنع من ذَلِك وَمَعْلُوم أَن الْإِنْسَان إِذا قَالَ لزيد عَليّ عشرَة دَرَاهِم إِلَّا تِسْعَة فهم السَّامع فِي الْحَال أَنه أقرّ بدرهم وَاحِد وَكَيف لَا يفهم بِهَذَا الْكَلَام ومفرده هُوَ من لُغَة الْعَرَب وَقد اتَّصل الِاسْتِثْنَاء بالْكلَام وَلم ينْفَرد عَنهُ فَبَطل الْمَنْع من ذَلِك لِأَنَّهُ لَا يفهم بِهِ المُرَاد وَلَا يجوز أَن يُقَال إِنَّه لَيْسَ بمستعمل فِي كَلَامهم لِأَن ذَلِك دَعْوَى بل لَا يمْتَنع أَن يكون لم يكثر فِي كَلَامهم لِأَن الْحَاجة لَا تكَاد تَدْعُو إِلَيْهِ إِلَّا فِي النَّادِر فَلهَذَا ندر فِي كَلَامهم فَلم ينْقل أَو نقل نَادرا

стр. 244

وَأما القَوْل بِأَن الْحِكْمَة تمنع من ذَلِك فبأن يُقَال إِن الِاسْتِثْنَاء إِنَّمَا يفعل للاستدراك أَو للاختصار فالاستدراك نَحْو أَن يظنّ الْإِنْسَان أَن لزيد عَلَيْهِ عشرَة دَرَاهِم فَيقر بذلك وَيذكر فِي الْحَال أَن لَهُ عَلَيْهِ تِسْعَة فَيَسْتَثْنِي درهما وَأما الِاخْتِصَار فنحو أَن يستطيل الْإِنْسَان أَن يقر بِتِسْعَة دَرَاهِم وَخَمْسَة دوانيق فَيقر بِعشْرَة دَرَاهِم إِلَّا دانقا وَلَيْسَ من الِاخْتِصَار أَن يَقُول الْإِنْسَان لزيد عَليّ ألف دِرْهَم إِلَّا تسع مائَة وَتِسْعَة وَتسْعُونَ وَلم تجر الْعَادة أَن يكون على الْإِنْسَان دِرْهَم فيظن عَلَيْهِ ألف دِرْهَم ثمَّ يذكر فِي الْحَال أَن عَلَيْهِ درهما فيستدرك ذَلِك بِالِاسْتِثْنَاءِ وَالْجَوَاب أَن الْأَكْثَر مَا ذكرْتُمْ وَقد يتَّفق خِلَافه فنحو أَن يكون على الْإِنْسَان ألف دِرْهَم وَقد قضي مِنْهَا تسع مائَة وَتِسْعَة وَتِسْعين وينسى أَنه قضي ذَلِك فَيقر بِالْألف وَيذكر فِي الْحَال الْقَضَاء ويستدرك بِالِاسْتِثْنَاءِ وَقد يجوز أَن يكون لزيد على عَمْرو دِرْهَم ولخالد على عَمْرو ألف دِرْهَم فيروم عَمْرو أَن يقر لخَالِد بِالْألف فَيَسْبق لِسَانه بِالْإِقْرَارِ بِالْألف لزيد فَلَا يجد سَبِيلا إِلَى دفع ذَلِك عَن نَفسه إِلَّا بالاستدراك وَإِذا جَازَ مَا ذَكرْنَاهُ لم تمنع مِنْهُ الْحِكْمَة وَلِهَذَا لَو صرح الْمُسْتَثْنى للاكثر بِمَا ذَكرْنَاهُ لم يلمه الْعُقَلَاء وَإِذا لم يمْنَع من هَذَا الِاسْتِثْنَاء مَانع صَحَّ حسنه وَلَا يجوز أَن يسْتَدلّ على جَوَازه بِأَن من حق الِاسْتِثْنَاء أَن يخرج من الْكَلَام مَا لولاه لوَجَبَ دُخُوله فِيهِ وَذَلِكَ قَائِم فِي اسْتثِْنَاء الْأَكْثَر من الْأَقَل لِأَن لقَائِل أَن يَقُول من أَيْن لكم أَنه لَيْسَ حَقه إِلَّا مَا ذكرْتُمْ فاذا ثَبت جَوَاز هَذَا الِاسْتِثْنَاء صَحَّ أَن يتَعَلَّق بِهِ حكم وَأَن يتَعَلَّق بِهِ الْإِقْرَار ﷺ َ - بَاب فِي الِاسْتِثْنَاء الْوَارِد عقيب كلامين هَل يرجع إِلَيْهِمَا أَو إِلَى الثَّانِي مِنْهُمَا ﷺ َ - قَالَ أَصْحَاب الشَّافِعِي يرجع إِلَيْهِمَا وَقَالَ أَصْحَاب أبي حنيفَة يرجع إِلَى الثَّانِي مِنْهُمَا وَقَالُوا فِي الِاسْتِثْنَاء بِمَشِيئَة الله وَفِي الشَّرْط إنَّهُمَا يرجعان إِلَى كلا الْكَلَامَيْنِ وَحكى الحوري عَن أهل الظَّاهِر مثل مَذْهَب أبي حنيفَة وَسوى بَين

стр. 245

الْمَشِيئَة وَالشّرط وَالِاسْتِثْنَاء وَذكر أَنه مَذْهَبهم وَقَالَ قَاضِي الْقُضَاة إِذا لم يكن الثَّانِي مِنْهُمَا إضرابا عَن الأول وخروجا عَنهُ إِلَى قصَّة أُخْرَى وَصَحَّ رُجُوع الِاسْتِثْنَاء إِلَيْهِمَا وَجب رُجُوعه إِلَيْهِمَا وَإِن كَانَ إضرابا عَن الأول وخروجا عَنهُ إِلَى قصَّة أُخْرَى فانه يرجع إِلَى مَا يَلِيهِ وَيُمكن أَن نعتبر أَيْضا اعْتِبَارا آخر وَهُوَ أَن يضمر فِي الْكَلَام الثَّانِي شَيْء مِمَّا فِي الأول أَو لَا يضمر فِيهِ شَيْء مِمَّا فِي الأول وَيدخل فِيمَا يكون الثَّانِي من الْكَلَام إضرابا عَن الأول مسَائِل مِنْهَا أَن يكون الْكَلَام الثَّانِي نوعا غير نوع الْكَلَام الأول مَعَ أَنه خُرُوج إِلَى قصَّة أُخْرَى كَقَوْلِك اضْرِب بني تَمِيم وَالْفُقَهَاء هم أَصْحَاب أبي حنيفَة إِلَّا أهل الْبَلَد الْفُلَانِيّ فالاستثناء يرجع إِلَى مَا يَلِيهِ لِأَن الْمُتَكَلّم لما عدل عَن قصَّة وَعَن كَلَام مُسْتَقل بِنَفسِهِ إِلَى قصَّة أُخْرَى وَإِلَى كَلَام مُسْتَقل بِنَفسِهِ علم أَنه قد استوفى غَرَضه من الأول لِأَنَّهُ لَا شَيْء أدل على اسْتِيفَاء الْغَرَض بالْكلَام من الْعُدُول عَنهُ إِلَى قصَّة أُخْرَى وَنَوع آخر وَفِي رُجُوع الِاسْتِثْنَاء إِلَيْهِ نقض لِلْقَوْلِ بِأَن الْمُتَكَلّم قد استوفى غَرَضه مِنْهُ وَمِنْهَا أَن يكون الْكَلَام الثَّانِي من نوع الْكَلَام الأول غير أَنه يباينه فِي الِاسْم وَالْحكم كَقَوْلِك اضْرِب بني تَمِيم وَأكْرم ربيعَة إِلَّا الطوَال الِاسْتِثْنَاء فِي ذَلِك يرجع إِلَى مَا يَلِيهِ لاستقلال كل وَاحِد من الْكَلَامَيْنِ بِنَفسِهِ ومباينته لَهُ وعدول الْمُتَكَلّم عَن الْكَلَام الأول إِلَى الثَّانِي وَمِنْهَا أَن يشْتَرك الكلامان فِي حكم ظَاهر فيهمَا فَقَط أَو فِي اسْم ظَاهر فيهمَا فَقَط وَلَا يكون قد أضمر فِي أَحدهمَا شَيْء مَا لَيْسَ فِي الآخر مِثَال الأول قَوْلك سلم على بني تَمِيم وَسلم على ربيعَة إِلَّا الطوَال الْأَشْبَه رُجُوع الِاسْتِثْنَاء إِلَى مَا يَلِيهِ وَإِن لم يكن فِي الظُّهُور كَالَّذي تقدم وَإِنَّمَا رَجَعَ إِلَى مَا يَلِيهِ لعدول الْمُتَكَلّم عَن الْكَلَام الأول ودلالته على اسْتِيفَاء غَرَضه مِنْهُ

стр. 246

وَأما إِذا اشْتَركَا فِي اسْم ظَاهر فَقَط فضربان أَحدهمَا أَن لَا يشْتَرك الحكمان فِي غَرَض من الْأَغْرَاض وَالْآخر أَن يشتركا فر غَرَض مِثَال الأول قَوْلك سلم على بني تَمِيم واستأجر بني تَمِيم إِلَّا الطوَال الْأَشْبَه أَيْضا رُجُوع الِاسْتِثْنَاء إِلَى مَا يَلِيهِ لما ذَكرْنَاهُ فَأَما إِذا اشْتَركَا فِي غَرَض من الْأَغْرَاض فانه يدْخل فِي الْقسم الَّذِي سَنذكرُهُ الْآن وَهُوَ أَن لَا يكون الْكَلَام الثَّانِي إضرابا عَن الأول وَذَلِكَ ضَرْبَان أَحدهمَا أَن لَا يكون إضرابا عَن الأول من حَيْثُ اشْترك الكلامان فِي حكمين يجمعهما غَرَض وَاحِد فَيصير كَالْحكمِ الْوَاحِد فَيرجع الِاسْتِثْنَاء إِلَيْهِمَا كَقَوْلِك سلم على ربيعَة وَأكْرم ربيعَة إِلَّا الطوَال لِأَن الْحكمَيْنِ قد اشْتَركَا فِي الإعظام وَالثَّانِي أَن يكون قد أضمر فِي الْكَلَام الثَّانِي شَيْئا مِمَّا فِي الأول إِمَّا الِاسْم أَو الحكم مِثَال الأول قَوْلك أكْرم ربيعَة واستأجرهم إِلَّا من قَامَ وَمِثَال الثَّانِي قَوْلك أكْرم بني تَمِيم وَرَبِيعَة إِلَّا من قَامَ الِاسْتِثْنَاء يرجع إِلَيْهِمَا فَأَما قَول الله ﴿وَالَّذين يرْمونَ الْمُحْصنَات ثمَّ لم يَأْتُوا بأَرْبعَة شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جلدَة وَلَا تقبلُوا لَهُم شَهَادَة أبدا وَأُولَئِكَ هم الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذين تَابُوا﴾ فانه دَاخل فِي هَذَا الْقسم من حَيْثُ أضمر فِيهِ مَا تقدم فَلم يكن الْكَلَام الثَّانِي عُدُولًا عَن الأول لِأَن الْقِصَّة وَاحِدَة وَهُوَ دَاخل أَيْضا فِي الْقسم الَّذِي قبل هَذَا الْقسم من حَيْثُ كَانَ رد الشَّهَادَة مَعَ الْجلد وَالْحكم بِالْفِسْقِ يجمعهما أَمر وَاحِد وَهُوَ الانتقام والذم وَاعْلَم أَنه لَيْسَ فِي هَذَا الْكَلَام نَص من الْمُتَكَلّم يَقْتَضِي رُجُوع الِاسْتِثْنَاء إِلَى كلا الْكَلَامَيْنِ أَو إِلَى الثَّانِي مِنْهُمَا وَإِنَّمَا الَّذِي يجب أَن يدل عَلَيْهِ وَجْهَان إِمَّا وَجه مُنْفَصِل كآيات فِي الْقُرْآن وَعمل الصَّحَابَة وَإِمَّا وَجه مُتَعَلق بِالِاسْتِثْنَاءِ وراجع إِلَيْهِ وَذَلِكَ ضروب مِنْهَا اعْتِبَار غَرَض الْمُتَكَلّم وَمِنْهَا اعْتِبَار حرف

стр. 247

الْعَطف وَمِنْهَا اعْتِبَار فقد اسْتِقْلَال الِاسْتِثْنَاء بِنَفسِهِ وَمِنْهَا قِيَاس الِاسْتِثْنَاء على غَيره أما اعْتِبَار الْغَرَض وَاعْتِبَار حرف الْعَطف فيحتج بِهِ من قَالَ إِن الِاسْتِثْنَاء يرجع إِلَى جَمِيع مَا تقدم وَأما اعْتِبَار فقد الِاسْتِقْلَال فيحتج بِهِ من قَالَ إِنَّه يرجع إِلَى مَا يَلِيهِ وَإِمَّا قِيَاسه على غَيره فضربان أَحدهمَا يحْتَج بِهِ من قَالَ إِنَّه يرجع إِلَى مَا يَلِيهِ وَالْآخر يحْتَج بِهِ من قَالَ إِنَّه يرجع إِلَى الْكَلَامَيْنِ وَنحن نورد ذَلِك على نسق إِن شَاءَ الله فالدلالة على رُجُوع الِاسْتِثْنَاء إِلَى جَمِيع مَا تقدم إِذا لم يكن بعضه إضرابا عَن الْبَعْض أَن الْقَائِل إِذا قَالَ لغيره سلم على بني تَمِيم واستأجرهم علمنَا أَن غَرَضه من الْكَلَام الأول لم يتم وَأَنه لم يضْرب عَنهُ لِأَنَّهُ قد أعلمهُ فِي الْكَلَام الثَّانِي أَلا ترى أَنه قد أضَاف إِلَى الِاسْم حكما آخر وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ سلم على بني تَمِيم وَرَبِيعَة لِأَنَّهُ قد عدى ذَلِك الحكم إِلَى اسْم آخر فَيصير الكلامان مَعَ حرف الْعَطف كالجملة الْوَاحِدَة فَرجع الِاسْتِثْنَاء إِلَيْهِمَا كرجوعه إِلَى الْجُمْلَة الْوَاحِدَة وَيُفَارق ذَلِك إِذا تميز كل وَاحِد من الْكَلَامَيْنِ من الآخر فصل الِاسْتِثْنَاء كالشرط وكالاستثناء بِمَشِيئَة الله تَعَالَى فِي أَنه لَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِ فَكَمَا وَجب رُجُوع الشَّرْط وَالِاسْتِثْنَاء بِمَشِيئَة الله إِلَى جَمِيع مَا تقدم فَكَذَلِك لفظ الِاسْتِثْنَاء وَلَا وَجه لأَجله يُقَال بِوُجُوب رُجُوع لفظ الِاسْتِثْنَاء إِلَى مَا يَلِيهِ إِلَّا وَهُوَ قَائِم فِي الشَّرْط إِن قيل إِنَّمَا رَجَعَ الشَّرْط الى جَمِيع مَا تقدم لِأَنَّهُ وَإِن تَأَخّر فَهُوَ فِي معنى الْمُتَقَدّم لوُجُوب تقدم الشَّرْط على الْجَزَاء فالإنسان إِذا قَالَ اضربوا بني تَمِيم وَرَبِيعَة إِن قَامُوا مَعْنَاهُ إِن قَامَ بَنو تَمِيم وَرَبِيعَة فاضربوهم وَلَيْسَ كَذَلِك الِاسْتِثْنَاء لِأَنَّهُ لَا يجب تقدمه وَالِاسْتِثْنَاء بِمَشِيئَة الله فلفظة لفظ الشَّرْط وَلقَائِل أَن يَقُول هلا علقتم الشَّرْط بِمَا يَلِيهِ وقدرتموه تَقْدِير الْمُتَقَدّم عَلَيْهِ حَتَّى يكون تَقْدِير الْكَلَام اضربوا بني تَمِيم وَإِن دخل ربيعَة الدَّار فاضربوهم دَلِيل الكلامان يجريان مَعَ حرف الْعَطف مجْرى الْجُمْلَة الْوَاحِدَة لِأَن وَاو

стр. 248

الْعَطف فِي الْأَسْمَاء الْمُخْتَلفَة تقوم مقَام وَاو الْجمع فِي الاسماء المتماثلة وَلَو قَالَ الانسان أكْرم الْعَرَب إِلَّا بني تَمِيم وَرَبِيعَة رَجَعَ ذَلِك إِلَى بني تَمِيم وَرَبِيعَة وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ أكْرم بني تَمِيم وَرَبِيعَة إِلَّا الطوَال وَلقَائِل أَن يَقُول إِن وَاو الْعَطف تجْرِي مجْرى وَاو الْجمع فِي اشْتِرَاك الاسمين فِي الحكم وَلَا تجريان مجْرى وَاحِد فِي رُجُوع الِاسْتِثْنَاء إِلَيْهِمَا يبين ذَلِك أَن الْكَلَامَيْنِ وَإِن عطف أَحدهمَا على الآخر فَلَيْسَ يخرجَانِ من أَن يَكُونَا جملتين وينتقض ذَلِك بالجملتين المتباينتين نَحْو قَوْلك أكْرم ربيعَة وَاضْرِبْ بني تَمِيم فَالْوَجْه أَن يذكر وَاو الْعَطف مَعَ أَن الْمُتَكَلّم لم يعدل عَن الْكَلَام الأول ويحتج بمجموعهما دَلِيل وَهُوَ أَن الْقَائِل لَو قَالَ بَنو تَمِيم وَرَبِيعَة أكرموهم إِلَّا الطوَال رَجَعَ الِاسْتِثْنَاء إِلَيْهِمَا فَكَذَلِك إِذا قَالَ أكْرمُوا بني تَمِيم وَرَبِيعَة إِلَّا الطوَال لِأَنَّهُ لَا فرق بَين تَقْدِيم الْأَمر وتأخيره وَلقَائِل أَن يَقُول إِن فِي قَوْلهم أكرموهم اسْم لِلْفَرِيقَيْنِ ينْصَرف إِلَيْهِمَا مَعًا وَالِاسْتِثْنَاء مُتَّصِل بِهِ فَوَجَبَ أَن يخرج الطوَال من الِاسْم الَّذِي هُوَ اسْم لَهما كَمَا لَو قَالَ أكْرم الْعَرَب إِلَّا الطوَال وَلَيْسَ كَذَلِك إِذا قَالَ أكْرم بني تَمِيم وَرَبِيعَة إِلَّا الطوَال لِأَنَّهُ لم يصل الِاسْتِثْنَاء باسم يشملهما دَلِيل وَهُوَ قَوْله إِلَّا من قَامَ مَعْنَاهُ إِلَّا من قَامَ مِنْهُمَا فَلَا تضربوه وَلقَائِل أَن يَقُول لَيْسَ ذَلِك فِي لفظ الِاسْتِثْنَاء فلستم بِهَذَا التَّقْدِير أولى من أَن نقدر قَوْله إِلَّا من قَامَ من ربيعَة فَلَا تضربوه دَلِيل لَو رَجَعَ الِاسْتِثْنَاء إِلَى مَا يَلِيهِ فَقَط لَكَانَ الْإِنْسَان إِذا قَالَ لزيد عَليّ خَمْسَة دَرَاهِم وَخَمْسَة وَخَمْسَة إِلَّا سَبْعَة إِن بلغُوا لِأَن السَّبْعَة لَيست بِجُزْء الْخَمْسَة وَلقَائِل أَن يَقُول الِاسْتِثْنَاء يرجع إِلَى مَا يَلِيهِ إِلَّا أَن يمْنَع مِنْهُ مَانع كَمَا تَقولُونَ يرجع إِلَى جَمِيع مَا تقدم مَا لم يمْنَع مِنْهُ مَانع وَالْمَانِع من رُجُوع اسْتثِْنَاء السَّبْعَة إِلَى مَا يَليهَا أَن الِاسْتِثْنَاء يخرج جُزْء من كل والسبعة لَيست بِجُزْء الْخَمْسَة

стр. 249

وَاحْتج من لم يرد الِاسْتِثْنَاء إِلَى جَمِيع مَا تقدم بأَشْيَاء مِنْهَا أَن الِاسْتِثْنَاء لما لم يسْتَقلّ بِنَفسِهِ وَجب تَعْلِيقه بِغَيْرِهِ ليستقل وَلَو اسْتَقل بِنَفسِهِ لم يجب تَعْلِيقه بِغَيْرِهِ وَلَا شُبْهَة فِي وجوب تَعْلِيقه بِمَا يَلِيهِ وَبِهَذَا الْقدر يسْتَقلّ ويفيد فتعليقه بِمَا زَاد على ذَلِك يجْرِي مجْرى تَعْلِيق الْكَلَام المستقل بِغَيْرِهِ لَا من ضَرُورَة وَالْجَوَاب أَن هَذَا الْكَلَام يمْنَع من رُجُوع الِاسْتِثْنَاء إِلَى الْكَلَام الْمُتَقَدّم لكَي يسْتَقلّ بِنَفسِهِ وَلَا يمْنَع من رُجُوعه إِلَيْهِ لسَبَب آخر وَلَيْسَ يمْتَنع أَن يكون للْحكم الْوَاحِد أَسبَاب فَلَا يمْتَنع أَن يكون لرجوع الِاسْتِثْنَاء إِلَى مَا تقدم سَبَب آخر غير مَا ذكر وينتقض مَا ذَكرُوهُ بِالشّرطِ وَالِاسْتِثْنَاء بِمَشِيئَة الله لِأَن ذَلِك غير مُسْتَقل بِنَفسِهِ وَيدخل فِي الإفادة إِذا علق بِمَا يَلِيهِ وَمَعَ ذَلِك فقد تعلق بِجَمِيعِ مَا تقدم وَقَول بَعضهم إِن الشَّرْط وَإِن تَأَخّر فَهُوَ فِي الحكم مُتَقَدم وَلَا يُخرجهُ من أَن يكون نقضا لما ذَكرُوهُ من الْعلَّة وَقَول بَعضهم إِن الِاسْتِثْنَاء بِمَشِيئَة الله يَقْتَضِي إيقاف الْكَلَام وَلَا يخرج الْبَعْض دون الْبَعْض لَا يمْنَع من أَن تنْتَقض بِهِ هَذِه الشُّبْهَة من حَيْثُ كَانَ غير المستقل بِنَفسِهِ وَقد رَجَعَ إِلَى جَمِيع مَا تقدم وَيُقَال لَهُم هلا رَجَعَ إِلَى مَا يَلِيهِ فأوقفه وَلم يرجع إِلَى جَمِيع مَا تقدم وَمِنْهَا قَوْلهم إِن الِاسْتِثْنَاء من الْجمل فِي أَنه يسْتَقلّ بِنَفسِهِ كالاستثناء من الِاسْتِثْنَاء وَإِذا كَانَ الِاسْتِثْنَاء من الِاسْتِثْنَاء يرجع إِلَى مَا يَلِيهِ وَلَا يفْتَقر فِي استقلاله إِلَى أَكثر من ذَلِك فَكَذَلِك الِاسْتِثْنَاء من الْجمل وَالْجَوَاب أَن الْإِنْسَان إِذا قَالَ لزيد عَليّ عشرَة دَرَاهِم إِلَّا ثَلَاثَة إِلَّا درهما كَانَ الدِّرْهَم مُسْتَثْنى من الثَّلَاثَة فَقَط لِأَنَّهُ لَو رَجَعَ إِلَى الثَّلَاثَة وَإِلَى الْعشْرَة لَكَانَ اسْتثْنى دِرْهَمَيْنِ درهما من الثَّلَاثَة ودرهما من الْعشْرَة وَأَيْضًا فالعشرة إِثْبَات وَالِاسْتِثْنَاء مِنْهَا نفي وَالثَّلَاثَة نفي وَالِاسْتِثْنَاء مِنْهَا إِثْبَات فَلَو رَجَعَ اسْتثِْنَاء الدِّرْهَم إِلَيْهِمَا لَكَانَ نفيا وإثباتا ولهذه الْعلَّة قُلْنَا إِنَّه لَو قَالَ لَهُ عَليّ عشرَة دَرَاهِم إِلَّا ثَلَاثَة دِرْهَمَيْنِ أَن الدرهمين يرجعان إِلَى الثَّلَاثَة وَلَا يرجع دِرْهَم إِلَيْهِمَا وَدِرْهَم إِلَى الْعشْرَة فان قيل فَلم رَجَعَ الِاسْتِثْنَاء الثَّانِي إِلَى الِاسْتِثْنَاء الأول

стр. 250

دون الْعشْرَة بِأولى من أَن يرجع إِلَى الْعشْرَة فَقَط مَعَ أَنه فِي الْحَالين لَا يكون الِاسْتِثْنَاء نفيا وإثباتا مَعًا قيل لِأَنَّهُ لَو رَجَعَ إِلَى الْعشْرَة فَقَط كَانَ الِاسْتِثْنَاء الأول فِي رُجُوعه إِلَى الْعشْرَة وَفِي ذَلِك عطفه عَلَيْهِ حَتَّى يَقُول لَهُ عَليّ عشرَة إِلَّا ثَلَاثَة درهما وَأَيْضًا فان الِاسْتِثْنَاء الثَّانِي مُتَّصِل بِالِاسْتِثْنَاءِ الأول وَلم يحصل الِاسْتِثْنَاء الأول مَعَ مَا تقدم كجملة وَاحِدَة بِحرف عطف أَو غَيره وَلَيْسَ كَذَلِك إِذا قَالَ الْقَائِل أكْرم بني تَمِيم وَرَبِيعَة إِلَّا الطوَال وَمِنْهَا قَول بَعضهم إِن الْكَلَام الأول عَام فعلى من ادّعى تحصيصه بِالِاسْتِثْنَاءِ إِقَامَة الدّلَالَة دون من لم يدع تَخْصِيصه وَالْجَوَاب أَن الْقَائِل بِأَن الِاسْتِثْنَاء يرجع إِلَى مَا تقدم فيخصه وَالْقَائِل بِأَنَّهُ لَا يرجع إِلَيْهِ وَلَا يَخُصُّهُ مدعيان إِذْ كل وَاحِد مِنْهُمَا يَدعِي للاستثناء دَعْوَى لَا يُوَافقهُ عَلَيْهَا خَصمه فَكَانَ على كل وَاحِد مِنْهُمَا إِقَامَة الدّلَالَة وَمِنْهَا تعلقهم بآيَات رَجَعَ الِاسْتِثْنَاء فِيهَا إِلَى مَا يَلِيهِ ومخالفهم يَقُول إِن ذَلِك إِنَّمَا علم بِدَلِيل لَا بِالظَّاهِرِ وَمِنْهَا تعلقهم بِأَن الصَّحَابَة لم تخص الْكَلَام الْمُتَقَدّم بِمَا بعده لِأَنَّهَا قَالَت فِي قَول الله تَعَالَى ﴿وَأُمَّهَات نِسَائِكُم وربائبكم اللَّاتِي فِي حجوركم من نِسَائِكُم اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهن﴾ إِن ذَلِك رَاجع إِلَى الربيبة دون أُمَّهَات النِّسَاء وَقَالَت فِي أُمَّهَات النِّسَاء أبهموا مَا أبهم الله فَلم تشْتَرط تَحْرِيم أُمَّهَات النِّسَاء بِالدُّخُولِ بِالنسَاء وَالْجَوَاب أَن ذَلِك لَيْسَ باستثناء فَلم يجب فِي الِاسْتِثْنَاء مَا يجب فِيهِ لأَنهم لم يجمعوا بَينهمَا بعلة وعَلى أَن قَوْله ﴿اللَّاتِي فِي حجوركم من نِسَائِكُم﴾ نعت للربائب دون أُمَّهَات النِّسَاء لِأَن أُمَّهَات نسائنا لسن فِي حجورنا وَلَا هن من نسائنا وَقَوله ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهن﴾ وَإِن رَجَعَ إِلَى
следующие страницы →